← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الرسول ﷺ يذكي فيهم روح هذه العناية بالتنزيل يبلغهم ما أنزل إليه من ربه. ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلمهم ويقرئهم كما بعث مصعب بن عمير وابن ام مكتوم ﵄ إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلمانهم الإسلام ويقرئانهم القرآن وكما أرسل معاذ بن جبل- ﵁ إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء. قال عبادة بن الصامت- ﵁: كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن وكان يسمع لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن حتى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا. " (١) و الصحابة- ﵃ في هذا العهد المبارك كان يعتمدون أكثر على حفظهم له في صدورهم أولًا كما أسلفنا، وقد وصف الله حالهم مع القرآن فقال سبحانه: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت. ٤٩). " أي: هذا القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق، أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يَسَّره الله عليهم حفظًا وتلاوةً وتفسيرًا ". (٢) ولاشك أن الصحابة ﵃ في طليعة علماء هذه الأمة، وهم أمة أمية والكتابة فيهم قليلة ونادرة وكان اعتمادهم على الحفظ أكثر من اعتمادهم على الكتابة، كما وصفهم ربهم بذلك في محكم آياته بقوله: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) (الجمعة: ٢). و"إنما سميت أمة محمد ﷺ الأميين، لأنه لم ينزل عليهم كتابًا; وقال جل ثناؤه: (رسولًا منهم) يعني من الأميين وإنما قال: منهم لأن محمدًا ﷺ كان أميًا، وظهر من العرب ". (٣) " ومن شأن الأمي أن يعول على حافظته فيما يهمه أمره ويعنيه استحضاره وجمعه. خصوصًا إذا أوتي من قوة الحفظ والاستظهار ما ييسر له هذا الجمع والاستحضار. وكذلك كانت الأمة العربية على عهد نزول القرآن وهي متمتعة بخصائص العروبة الكاملة التي منها سرعة الحفظ وسيلان الأذهان حتى كانت قلوبهم أناجيلهم، وعقولهم سجلات أنسابهم وأيامهم، وحوافظهم دواوين

стр. 142

أشعارهم ومفاخرهم. ثم نزل القرآن فبهرهم بقوة بيانه وأخذ عليهم مشاعرهم بسطوة سلطانه وأستأثر بكريم مواهبهم في لفظه ومعناه فخلعوا عليه حياتهم حين علموا أنه روحًا من أمر الله تعالى". (١) والعرب أمة حافظة لا تكاد تخطئ في حفظها، وأصحاب ذاكرة حاضرة لا يكاد يعزب عن ذاكرتها شيء، ولا سيما وأن القرآن جاء في براعة من الأسلوب، وفصاحة من اللغة، ورفعة من البلاغة والبيان، وقوة من التحدي و الإعجاز ما يرغب ويحث على العناية به والاهتمام بحفظه، ولذلك كثر فيهم حُفاظه صدرًا، وكُتابه سطرًا، قال الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) ﵀: وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير؛ إذ كان عمدة دينهم، وعلمًا عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله (٢) في أحكامهم". (٣) المنهج الثاني: حفظه في السطور "بُعِثَ النبيُ ﷺ إلى أمَّةٍ أُمِّيَّة لا تكتب ولا تحسب ولا تعرف عن الخط والكتابة شيئًا؛ اللهم إلا نزرًا يسيرًا في جزيرة العرب كلها، وبضعة عشر رجلًا من قريش خاصة ونفرًا قليلًا من أهل المدينة، ومجاوريهم من اليهود عرفوا الخط والكتابة قبل مبعث النبي ﷺ بقليل. ومن أهل المدينة عمر بن سعيد، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، والمنذر بن عمرو، وكان بها يهودي يعلم الصبيان الكتابة ولقلة انتشار الكتابة في ربوع الجزيرة العربية وانحصارها في أفراد قلائل من أهلها صح التعبير عن الأمة العربية بأنها أمة أمية لا تقرأ ولا تكتب. والمشهور عن قدماء التاريخ أن أستاذ القرشيين في الكتابة والخط حرب بن أمية بن عبد شمس والد أبي سفيان الصحابي الجليل. لأنه كان رجلًا كثير الأسفار إلى البلاد بالتجارة فتعلم الكتابة والخط على يد أهل هذه البلاد. وعلَّمَها القرشيين فبدء الخط بمكة كان على يديه. واختلف المؤرخون في تعيين من علم حرب بن أمية فقيل هو عبد الله بن جدعان وقيل بشر بن عبد الملك. وإليك ما ورد في هذا. ذكر الداني بسنده إلى زياد بن أنعم قال: قلت لعبد الله بن عباس معاشر قريش: هل كنتم تكتبون في الجاهلية بهذا الكتاب العربي تجمعون فيه ما اجتمع وتفرقون فيه ما افترق. هجاءًا بالألف واللام

стр. 143

والميم والقطع والوصل وما يكتب به اليوم قبل أن يبعث النبي ﷺ : "قال نعم. قلت فمن علمكم الكتابة؟ قال حرب بن أمية، قلت فمن علم حرب بن أمية؟ قال عبد الله بن جدعان. قلت فمن علم عبد الله؟ قال أهل الأنبار. قلت فمن علم أهل الأنبار؟ قال طارئ طرأ عليهم من أهل اليمن من كندة. قلت فمن علم ذلك الطارئ؟ قال الخلجان بن الموهن كان كاتب هود نبي الله بالوحي عن الله . (١) كتابة القرآن في عهد رسول الله ﷺ -: قضى الله تعالى ألا ينزل القرآن جملة واحدة كغيره من الكتب السماوية السالفة بل أنزله منجمًا موزعًا على الحوادث مقسمًا على الأزمان. وذلك لحكم جلية ومصالح جمة منها أنه كان ينزل بحسب الوقائع والحوادث التي كانت تحصل في المجتمع في عهد التشريع فتنزل الآيات مبينة حكم الله فيها وبحسب الأسئلة التي كانت توجه إلى رسول الله ﷺ من المسلمين أو غيرهم فتنزل الآيات جوابًا عنها وبحسب الشبه التي كانت تختلج في صدور أعداء الإسلام فتنزل الآيات لدحضها بالحجج الدامغة وبحسب ما كانت تقتضيه حال المسلمين من تقرير عقائد الدين وشرائعه وأحكامه وفضائله ومنها أنه نزل تدريجيًا ليكون أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز ومنها أنه نزل كذلك للتدريج في تربية الأمة العربية تربية دينية وخلقية وإعدادها لمنزلة الخلافة في الأرض ومنها تيسير حفظه وفهمه والعمل بمقتضاه ومنها تثبيت فؤاد النبي ﷺ في مواطن الخصومة حتى لا يبرح به الحزن على عدم إسراع قومه إلى الهداية وليتفرغ لتبليغ الدعوة بعزيمة قوية وقلب مطمئن. وكان القرآن ينزل على النبي ﷺ فيحفظه ويبلغه للناس ويأمر كتاب الوحي بكتابته ويدلهم على موضع المكتوب من سورته فيقول لهم ضعوا هذه السورة بجانب تلك السورة وضعوا هذه الآية في الموضع الذي يذكر في كذا وكذا ومن الصحابة من يكتفي بتلقيه من فيه ﷺ فيحفظه ومنهم من كتب السورة أو الآيات أو السور ومنهم من كتبه كله وحفظه. والذين اشتهروا بكتابة القرآن بين يدي النبي ﷺ أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان ابن عثمان وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وأبان بن سعيد وخالد بن الوليد وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وثابت بن قيس وغير هؤلاء من أجلاء الصحابة ﵃ أجمعين -. ولم ينقض عهده ﷺ إلا والقرآن الكريم مكتوب كله بَيِدَ أنه لم يكن مجموعًا في مكان واحد ولا مرتب السور، وإنما لم يأمر الرسول ﷺ بجمع القرآن في مصحف واحد لأن اهتمام الصحابة إنما كان

стр. 144

بحفظه واستظهاره. وأيضًا لما كان يترقبه من ورود زيادة أو ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ﷺ وأمن توقع النسخ ألهَمَ اللهُ الخلفاءَ الراشدين جمعه في مكان واحد، وفاءًا بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة. فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر كما سيأتي. وكان الرسول ﷺ يعارض جبريل بالقرآن مرة في شهر رمضان من كل عام فلما كان العام الذي قبض فيه رسول الله ﷺ عارضه به مرتين وقد سبق معنا ذكر ذلك. والخلاصة: أن القرآن كان مكتوبًا كله في العهد النبوي، ولكنه لم يكن مجموعًا في مصحف واحد ولا مرتب السور بل كان مفرقًا في العسب والرقاع وغيرها وكان محفوظًا في صدور الصحابة إلا أن منهم من كان يحفظه كله لملازمته للرسول ﷺ كالخلفاء الأربعة وغيرهم ومنهم من كان يحفظ معظمه ومنهم من كان يحفظ بعضه. والله أعلم". (١) الأدلة على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ -: لقد وردت أدلة كثيرة تدل على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ ومبادرته بالأمر بكتابته، ومن أبينها ما يلي: ١ - إطلاق لفظ الكتاب على القرآن الكريم في مواضع عدة من القرآن الكريم، ومن ذلك قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب) (البقرة: ٢). فالكتاب يدل على أن القرآن مكتوب. ٢ - أن الكتابة من الصفات الثابتة للقرآن الكريم حيث قال : (رسول من الله يتلو صحفًا مطهرة) (البينة آيتا: ٢ - ٣). قال الفخر الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) في تفسيره لهاتين الآيتين: "فاعلم أن الصحف جمع صحيفة، وهي ظرف للمكتوب". (٢) ٣ - ما ورد من الأحاديث الدالة على وجود القرآن الكريم مكتوبًا في عهد النبي ﷺ ومن ذلك: أ- ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ (أن رسول الله- ﷺ نهى أن يُسَافر بالقرآن إلى أرض العدو) (٣). (٤)

стр. 145

ب- وفي لفظ لمسلم أن رسول الله ﷺ قال: (لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمنُ أن يناله العدو) (١) ج- ما ثبت عند البخاري من حديث البراء بن عازب- ﵁ أنه قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء: ٩٥).، قال النبي- ﷺ : ادع لي زيدًا وليجيء باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة، ثم قال: اكتب: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ)، وخلف ظهر النبي- ﷺ عمرو ابن أم مكتوم الأعمى (٢) ﵁، فقال: يا رسول الله فما تأمرني؟ فإني رجل ضرير البصر، فنزلت مكانها: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (٣) وسيأتي معنا ذكر هذا الحديث بطوله مرة أخرى بعد قليل حين الكلام عن أدوات الكتابة المستعملة في العهد النبوي بإذن الله تعالى. وغير ذلك من الأخبار الدالة على أن القرآن الكريم كان مكتوبًا في عهده- ﷺ والتي من أبرزها كذلك ما يلي: ١ - إذنه- ﷺ بكتابة القرآن الكريم، ثبت عند مسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) (٤) (٥) فهذا

стр. 146

الحديث يدل على نهي النبي- ﷺ للصحابة عن كتابة شيء غير القرآن، (١) وأن القرآن كان مأذونًا لهم في كتابته. (٢) ٢ - ومنها ما ثبت عند مسلم من حديث أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ- ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ يَقُولُ: " اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ … ". (٣) ولاشك أن المقروء لابد أن يكون مكتوبًا. وهذا الحديث وأضرابه كثير جدًا. ٣ - ومنها ما ثبت عند البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود-﵁ قَالَ: "بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْكَهْفُ وَمَرْيَمُ وَطه وَالأَنْبِيَاءُ هُنَّ مِنْ الْعِتَاقِ الأُوَلِ وَهُنَّ مِنْ تِلادِي أي: من قديم ما قرأته ". (٤) ولاشك أنه- ﵁ إنما قرأ هذه السور من لوح مكتوب كذلك. والأدلة على ما يدل على كتابة القرآن الكريم في عهده ﷺ كثيرة جدًا ومعروفة. وقد ساق الباحث ما يدلل عليها تجنبًا للإطالة ولعل في الإشارة ما يغني عن كثير من العبارة. والحمد لله رب العالمين. ذلك ومع أن أدواة الكتابة في هذا العهد المبارك كانت بدائية للغاية لحكمة أرادها الله كما سيأتي معنا بيان ذلك بالتفصيل إلا أن النبي- ﷺ -اتخذ كُتّابًا للوحي ينسخون ما يملي عليهم وما يحفظونه بين يديه- ﷺ . كُتّاب الوحي: " وكُتَّاب جمع كاتب، والكاتب عند العرب هو العالم، ومنه قوله تعالى: (أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ) (الطور: ٤١) (٥). وقد اتَّخذ الرَّسول ﷺ كُتَّاباً للوحي، منهم من كان يكتب أحيانًا، ومنهم من كان متفرِّغًا للكتابة ومتخصِّصًا لها، وكان هؤلاء الكُتّاب من خيرة الصَّحابة- ﵃ أجمعين- وقد مر معنا ذكر أبرزهم، وكانوا يكتبون على ما توفَّر عندهم من جريد النَّخل،

стр. 147

والحجارة، وقِطع الجلد، والرِّقاع من الورق، والعظام، ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله ﷺ ، وقد اعتنى النبيُّ ﷺ بكتابة القرآن الكريم كاعتنائه بحفظه؛ فلم يكتفِ بحفظه في صدور المسلمين، بل جمع مع ذلك حفظَه في السُّطور زيادةً في التَّوَثُّق والضَّبط والاجتهاد، وكلَّما نزل شيءٌ من القرآن الكريم أمر ﷺ صحابته بكتابته، فيقول: (ضَعُوا هؤلاءِ الآياتِ في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها كذا وكذا)، (١) وذلك مبالغةً في الضَّبط والاحتياطِ لكتاب الله تعالى، ولم ينقضِ العهد النَّبويُّ إلا والقرآن مجموعٌ على هذا النَّمط. (٢) والرواية سالفة الذكر وإن كانت ضعيفة إلا أن لها شواهد أخر صحيحة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما أخرجه أحمد في المسند بإسناد حسن عن عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا إِذْ شَخَصَ بِبَصَرِهِ ثُمَّ صَوَّبَهُ حَتَّى كَادَ أَنْ يُلْزِقَهُ بِالأَرْضِ قَالَ ثُمَّ شَخَصَ بِبَصَرِهِ فَقَالَ أَتَانِي جِبْرِيلُ-﵇ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: ٩٠). (٣). ومنها كذلك ما ثبت عند البخاري من حديث ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) إِلَى قَوْلِهِ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة من آية: ٢٤٠) قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ". (٤) والمصنفات التي اعتنى فيها أصحابها بتراجم الأعلام عرفوهم بكتاب الوحي كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وزيد بن ثابت وغيرهم ﵃ أجمعين.

стр. 148

وكان" الوحي إذا أُنزل على النبي ﷺ أمر أحد الكتّاب كزيد أو غيره أن يكتب ذلك الوحي". (١) قال الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) ﵀: "وما على جديد الأرض أجهل ممّن يظنّ بالنبي ﷺ أنّه أهمل القرآن أو ضيّعه، مع أنّ له كتّابا أفاضل معروفين بالانتصاب لذلك من المهاجرين والأنصار". (٢) وكان من أهداف تلك الكتابة زيادة التوثيق والاحتياط والحفظ والصيانة لكتاب الله تعالى بكتابته وتقييده في السطور إضافة إلى حفظه في الصدور، وكانت عادة العرب الحفظ لا الكتابة؛ إذ لم يحفظ عنهم كتابة أشعارهم إلا ما ندر، والشاذ والنادر لا يُقاس ولا يُعول عليه. ولا شك أن هذا من أعظم البواعث على حفظه حتى لا يتفلت شيء منه أي شيء. وقد مر معنا أيضًا بيان المنهجين والطريقين بشيء من الإيضاح، كما سيأتي بيان ما يحتاج بيانه بشيء من التفصيل في موضعه بإذن الله. ويمكن إجمال أهم بواعث كتابة القرآن في العهد النبوي فيما يلي: ١ - موافقة المكتوب في السطور للمحفوظ في الصدور فيحصل بهذا التوافق نوع ترابط ومعاضدة بين المحفوظ والمكتوب، وبذلك تقوى عوامل حفظ القرآن من الضياع ويبقى سليمًا محفوظًا من التحريف والتبديل والتغير والزيادة والنقصان، ولذا كان المعول عليه عند جمعه وكتابته- الجمع بين الحفظ في الصدور والكتابة في السطور. ٢ - حفظ القرآن مكتوبًا فيه نوع إعانة للنبي- ﷺ -على تبليغه على الوجه الأكمل والأتم؛ فالاعتماد على حفظ الصحابة وحده غير كاف؛ فهم قد يعتريهم نسيان لأنهم بشر غير معصومين، وقد يموت أو يقتل كذلك حفاظه كما حدث في مقتل جمع من القراء في بئر معونة وكذلك يوم اليمامة، والكتابة لاشك في ثبوتها وبقائها. لماذا لم يجمع النبي- ﷺ -القرآن في مكان واحد؟ نذكر أهم أسباب ذلك إجمالًا فيما يلي: أولًا: لأن القرآن الكريم لم ينزل جملة واحدة كما هو معلوم، بل نزل منجمًا حسب الحوادث والنوازل على مدى ثلاث وعشرين سنة، ولم يكتمل نزوله إلا قبيل وفاته- ﷺ بزمن يسير.

стр. 149

ثانيًا: لترقبه- ﷺ تتابع نزول الوحي والذي قد يرد فيه من النسخ ما يرد، فكان النبي ﷺ بصدد أن ينزل عليه الوحي بنسخ ما شاء الله تعالى نسخه من الآيات، سواء كان هذا النسخ، نسخ حكم، أم نسخ تلاوة. ثالثًا: وكذلك خشيته ﷺ من اختلاط القرآن بغيره ولا سيما في بادئ الأمر. (١) رابعًا: أجاب البعض كذلك بأن خشية تحريف القرآن كانت مأمونة لأن جمهرة غير قليلة من الصحابة ﵃ كانوا يحفظون القرآن وهم خير هذه الأمة، والفتنة في ذلك مأمونة. خامسًا: إضافة لما سبق ذكره فإن أدوات الكتابة في عهد النبي ﷺ كانت قليلة جدًا ونادرة، وإن عدم توافرها بكثرة قد يكون من أهم الدواعي والأسباب المؤدية لعدم جمعه في مكان واحد كذلك. سادسًا: من المعلوم أن ترتيب آي القرآن وسوره كان مرتبًا بحسب تناسب الآي وترابطها ترتيبًا موضوعيًا وسببيًا، ولم يكن مرتبًا على حسب ترتيب النزول، فقد يكون نزول الآية أو السورة متقدمًا نزولًا ومتأخرًا ترتيبًا وعلى العكس من ذلك أيضًا، ونسوق لذلك مثالًا يتضح به المقال ألا وهو: آية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر وهي قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ

стр. 150

بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: ٢٣٤) فإنها ناسخة لآية الاعتداد بحول كامل وهي قوله تعالى: (والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعًا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة: ٢٤٠) ولقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الآية الأولى ناسخة للآية الثانية كما مر معنا آنفًا. وقد كانت العدة حولًا كاملًا، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشر هذه وإن كانت متقدمة تلاوة على آية الاعتداد بآية الحول، إلاّ أنها متأخرة عنها نزولًا فإن ترتيب المصحفي ليس ترتيبًا نزوليًا كما هو معلوم، وإنما هو ترتيب توقيفي. هذا وقد ذهب بعض أهل العلم إلى عدم وجود نسخ في الآية، وإنما هو نقصان من الحول كصلاة المسافر لما أُنقصت من أربع إلى اثنين لم تكن نسخًا، إنما كانت تخفيفًا. وفي تفنيد ذلك القول يقول القرطبي: "وهذا غلطٌ بيّن، لأنه إذا كان حكمها أن تعتد سنة، ثم أزيل هذا ولزمتها العدة أربعة أشهر وعشرًا فهذا هو النسخ، وليست صلاة المسافر من هذا في شيء". (١) ذلك مع أن الآية الأولى كُتِبَت في المصاحف قبلها، وهي متأخرة نزولًا عنها بلا شك لوجوب تأخر الناسخ عن المنسوخ، ولو أن القرآن جُمِعَ كاملًا في مكان واحد لكان في ذلك من العنت والمشقة والتكلف والحرج ما الله به عليم لأنه عُرضة لتغير مواضع الآيات والسور خاصة مع تنجيم القرآن وتتابع نزوله في ثلاث وعشرين سنة، فكتابة القرآن مفرقًا في الجمع الأول في العهد النبوي ضرورة حتمية لا مفر منها أبدًا. وقد مر معنا ذكر طرف من ذلك، وأعيد بيانه هنا لمسيس الحاجة لبيانه، وبأسلوب مغايرة وزيادة بيان وإيضاح. المطلب الثاني: أدوات الكتابة المستخدمة في هذا الجمع والكتابة في هذا العهد المبارك كانت بدائية للغاية لحكم جليلة وعظيمة فالأمة فتية الإيمان، منشرحة الصدر، مطمئنة النفس، والوحي يتنزل غضًا طريًا، وأنفسهم زكية وطاهرة ومقبلة على ربها طواعية، وخير معلم عرفته البشرية- ﷺ فداه أبي وأمي بين أظهرهم يعلمهم ويرشدهم كما قال ربنا: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) (الجمعة من آية: ٢) فهو يهديهم ويزكي أنفسهم بالكتاب وبالأعمال الصالحة التي تقربهم من ربهم وخالقهم ومعبودهم، ويشحذ هممهم ويرفع من معنوياتهم.

стр. 151

أبرز أدوات الكتابة في العهد النبوي: يقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀: "كان الصحابة يكتبون القُرْآن بأمر الرسول ﷺ على العسب، وهي: جريد النخل، وعلى اللخاف، وهي: الحجارة الرقيقة، وعلى الرقاع، وهي: الأوراق، وقطع الأديم، وهي: الجلد وعظام الأكتاف، والأضلاع، ثم يوضع المكتوب في بيت رسول الله- ﷺ ، وهكذا انقضى عهد النبوة ولم يُجمع القرآن في مصحف واحد، بل كُتب منثورًا بين قطع الجلد والعظام ونحوها". (١) ونسوق جملة من الأخبار الصحاح تبين لنا أنوعًا من تلك الأدوات البدائية المستعملة في هذا العهد المبارك، من ذلك: ما ثبت عند البخاري من حديث البراء بن عازب ﵁ أنه قال: لما نزلت: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النساء: ٩٥).، قال النبي ﷺ : ادع لي زيدًا وليجيء باللوح والدواة والكتف، أو الكتف والدواة، ثم قال: اكتب: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ)، وخلف ظهر النبي- ﷺ عمرو ابن أم مكتوم الأعمى ﵁، فقال: يا رسول الله فما تأمرني؟ فإني رجل ضرير البصر، فنزلت مكانها: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) (٢) وعن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قال: "فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ". وفي رواية: "فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالرِّقَاعِ وَاللِّخَافِ". (٣) وفي رواية: "ومن الأضلاع"، وفي رواية: "والأقتاب". (٤) وعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵁ قال: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ- ﷺ -فَقال: "ادْعُ لِي زَيْدًا وَلْيَجِئْ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالْكَتِفِ أَوِ الْكَتِفِ وَالدَّوَاةِ". (٥)

стр. 152

وعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: " كُنَّا بِالْمرْبَدِ فَجَاءَ رَجُلٌ أَشْعَثُ الرَّأْسِ بِيَدِهِ قِطْعَةُ أَدِيمٍ أَحْمَرَ، فَقُلْنَا: كَأَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ؟ فَقَالَ: أَجَلْ. قُلْنَا: نَاوِلْنَا هَذِهِ الْقِطْعَةَ الأَدِيمَ الَّتِي فِي يَدِكَ، فَنَاوَلَنَاهَا فَقَرَأْنَاهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إِلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ … ". (١) قال ابن الأثير: "وحديث الزهري: والقرآن في الكرانيف. يعني أنَّه كان مكتوبًا عليها قبل جمعه في الصحف". وكذلك ما أخرجه الحاكم عن زيد بن ثابت نفسه ووصفه بأنه بسند صحيح على شرط الشيخين وهو عند الترمذي كذلك وهو في مجال كتابة وتأليف القرآن الكريم في العهد النبوي، قال زيد-﵁: " كُنَّا عِندَ رسولِ اللهِ ﷺ -نؤلِّفُ القرآنَ منَ الرقاعِ". (٢) وعن أبي هريرة-﵁: أن النبي- ﷺ كُتِبَت عنده سورة النجم فلما بلغ السجدة سجد وسجدنا معه وسجدت الدواة والقلم. (٣) (٤) ويقول أبو العباس القلقشندي (٥): ((وقد أجمع رأي الصحابة ﵃: - على كتابة القرآن في الرق؛ لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذٍ. (٦) ((وقد سمي رقًا؛ لجمْعه بين الرقة والمتانة وطول البقاء .. ))

стр. 153

وقال الحارث المحاسبي (ت: ٢٤٣ هـ) في كتاب "فهم السنن": كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه ﷺ كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقًا في الرقاع، والأكتاف، والعسب، والقرطاس. (١) إذن فتبين من مجموع هذه النصوص أن الأدوات المستعلمة في كتابة القرآن في ذلك العهد هي كما يلى: الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ، وقطع الأديم، والكرانيف، القرطاس؛ الدواة؛ القلم؛ المداد؛ الحبر شرح معاني أسماء تلك الأدوات المستخدمة في كتابة القرآن في ذلك العهد المبارك: ١ - الرقاع: جمع رُقْعة، وهي التي يكتب فيها، وتكون من جلد أو كاغد. ٢ - الأكتاف: جمع كَتِف، وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدوابِّ، كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. ٣ - العسب: جمع عسيب، وهو جريد النخل، كانوا يكشطون الخوص، ويكتبون في الطرف العريض، وقيل العسيب طرف الجريدة العريض الذي لم ينبت عليه الخوص، والذي ينبت عليه الخوص هو السعف. ٤ - اللخاف: جمع لَخْفة، وهي صفائح الحجارة البيض الرقاق، فيها عرض ودقة، وقيل هي الخزف يصنع من الطين الْمشوي. وقد فسرها بعض الرواة بالحجارة (٢). و بعضهم وبعضهم بالخزف. ٥ - الأضلاع: هي عظام الجنبين، جمع ضِلَعٍ، وهو محنيَّة الجنب. (٣) ٦ - الأقتاب: جمع قَتَب بفتحتين، وهو الخشب الذي يوضع ظهر البعير ليركب عليه. ٧ - الألواح: جمع لَوْح، وهو كل صفيحة عريضة من صفائح الخشب، والكتف إذا كتب عليها سميت لوحًا. (٤) ٨ - الأديم: هو الجلد ما كان، وقيل الأحمر منه، وقيل هو الْمدبوغ. ٩ - الكرانيف: جمع كُرْنافة، وهي أصل السَّعَفة الغليظة.

стр. 154

١٠ - القرطاس: القِرْطَاسُ بكسر القاف وشمها الذي يكتب فيه (١) و قال صاحب اللسان القِرْطاس معروف يُتَّخذ من بَرْدِيّ يكون بمصر. ١١ - الدَّوَاةُ: بالفتح المحبرة والجمع دَوَّى مثل نواة ونوى و دَوِيُّ. (٢) ١٢ - المداد والحبر: سائل يكتب به وسمى المداد؛ لأنه يمدُّ القلم، أيْ يعينه، وكل شيء مددت به شيئًا فهو مداد؛ وسُمي الزيت مدادًا؛ لأن السراج يُمدّ به. (٣) و بهذا يتبن أن الأدوات كان جد بسيطة وبدائية ومع ذلك لم تحط من عزيمة الصحابة ﵃ في كتب القرآن وحفظه من الضياع و التحريف. والحمد لله الذي قيض أولئك الأخيار لجمع كتابه الكريم. (٤)، وذلك رغم صعوبة استخدام تلك الوسائل البدائية وندرتها ومشقة الكتابة عليها، ولكنه محض فضل الله يؤتيه من يشاء: (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (آل عمران من آية: ٨٧). المطلب الثالث: خصائصه ومزاياه كان الجمع في هذا العهد المبارك يتمثل في كتابة آي القرآن الكريم ووضع كل آية من آياته في المكان الذي يشير إليه النبي ﷺ من السورة التي تخصها؛ ولقد كانت كتابة آيات القرآن الكريم مكتوبة متفرقة بين تلك الأدوات البدائية التي مر معنا ذكرها. و من أبرز مزايا الجمع في العهد النبوي ما يلي: ١ - كان النبي- ﷺ يحفظ القرآن كما كان جمهرة من صحبه الكرام- ﵃ يحفظونه كذلك، وإنما كان الجمع في السطور زيادة تّوثيق لما حفظوه في الصدور. ٢ - ومن أبرز مزاياه كذلك أنّ آياته وقد وُضِعت في ترتيبها المعهود الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة، أما في ترتيب سوره ففي ترتيبها خلاف مشهور. وفي نحو ذلك يقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) ﵀: "وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور". (٥)

стр. 155

وإنما كان الأمر كذلك بسبب اختلاف وتنوع أدوات الكتابة التي كتب عليها القرآن الكريم وجُمِعَ وقُيِدَ فيها. ٣ - والجمع في هذ العهد لم يتم فيه جمع المصحف كاملًا في صحيفة واحدة في مكان واحد. ٤ - ومن أبرز خصائص هذا الجمع ومزاياه موافقة ما هو مكتوب في السطور لما هو محفوظ في الصدور، لا يزيد عنه ولا ينقص ولا يختلف منه شيء أبدًا لا في سورة، أو آية، أو كلمة، أو حركة منه .. ومما يؤكد ذلك المعنى تمامًا ما رواه مسلم في صحيحه (٨١٠) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ). (١) فقوله- ﷺ : (أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ) يقصد به القرآن المحفوظ الذي جمعه أُبَيِّ ﵁ في صدره. يقول زيد بن ثابت الأنصاري (ت: ٤٥ هـ) - رضى الله عنه -: (٢) "كنا عند رسول الله- ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع". (٣). والتأليف هنا بمعناه اللغوي ألا وهو الجمع قال ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) ﵀: - "الهمزة، واللام، والفاء أصل واحد، يدلُّ على انضمام الشيء إلى الشيء، وكلُّ شيءٍ ضممتَ بعضَه إلى بعضٍ فقد ألفته تأليفًا". (٤) وهو يعني جمع الشيء إلى مثيله ونظيره، وقد عرفه بعضهم بأنه: "جمع الأشياء المتناسبة". (٥) قال البيهقي: (ت: ٤٥٨ هـ) ﵀:

стр. 156

"يشبه أن يكون أن المراد به تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها وجمعها فيها بإشارة النبي ﷺ ". (١) وفي ذلك يقول زيد بن ثابت - رضى الله عنه -: "قُبِضَ النّبيُّ ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء واحد". وبهذا ينتهي المبحث الأول. والحمد لله رب العالمين. المبحث الثاني: المرحلة الثانية: الجمع في عهد أبي بكر الصديق ﵁ ويشتمل على خمسة مطالب: المطلب الأول: بواعثه وأسبابه ودواعيه ونبحث فيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: بداية فكرة الجمع في عهد الصديق- ﵁: المسألة الثانية: موقف الصحابة-﵃ من جمع أبي بكر-﵁ للقرآن: المسالة الثالثة: أهم بواعث جمع أبي بكر-﵁ فبعد موت النبي- ﷺ وقبل دفنه بُيع أبو بكر الصديق-﵁-بالخلافة وكانت مدة خلافته سنتين وبضعة أشهر، وذلك من عام (١١ - ١٣ هـ)، وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ. ونسوق المسائل الثلاث بشيء من الإيضاح والتفصيل: أما المسألة الأولى فهي: بداية فكرة الجمع في عهد الصديق ﵁ -: فقد كانت بداية فكرة في عهد أبي بكر- ﵁ في أواسط خلافته: سنة ١٢ من الهجرة. وذلك "حينما ارتدت العرب واستشرى القتل بالمسلمين وخاصة يوم اليمامة وقد استحر بقراء القرآن، جاء إليه عمر وقال له: إني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القراءة والقرآن وإني أرى أن تجمع القرآن؛ وظل يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدره لذلك؛ فكان أول من جمع القرآن ". (٢) وإنما كان ذلك بعد أن بُيع أبو بكر الصديق- ﵁ وآلة الخلافة إليه بتلك البيعة، بعدها ارتدت أحياء من العرب ومنعوا الزكاة، وقد وقع هذا الأمر الجلل بعد وفاة النبي ﷺ حينما ارتدَّت العرب عن الإسلام قيل إلا ثلاثة مساجد كما نقل ابن إسحاق، ألا وهي:

стр. 157

مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جواثا الذي يصلي فيه بنو عبد القيس، وذكر القاضي عياض أن أهل الردة في ذلك الوقت على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: صنف كفر بعد إسلامه وعاد لجاهليته، واتبع مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وصدق بهما. والصنف الثاني: صنف أقر بالإسلام إلا الزكاة فجحدها. والصنف الثالث: صنف أقر بوجوبها لكنه امتنع عن دفعها لأبي بكر-﵁ وقالوا: إن ذلك خاص بالنبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣). فرأى أبو بكر والصحابة- ﵃ قتالهم جميعهم، الصنفان الأولان لكفرهم والثالث لامتناعهم، والامتناع مع الإقرار يختلف حكمًا من الامتناع مع الجحود ولا شك في ذلك أبدًا. وقد ذكر أبو العباس القرطبي (٦٥٦ ت: هـ) في "المفهم" ﵀: أن الصنف الثالث هم الذين أشكل أمرهم على عمر وراجع فيهم أبا بكر حتى ظهر الحق. ولا يعتبرون كفارًا وإنما بغاة. (١) وهذا التقسيم الذي ذكره أبو العباس القرطبي قد ذهب إليه جمع من أئمة الإسلام، منهم الإمام الشافعي (ت: ٢٤٠ هـ) حيث يقول-﵀: -- بنحوه- في "الأم" "وأهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان: منهم قوم كفروا بعد الإسلام، مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابهم، ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات". ثم أشار إلى أن أبا بكر وعمر- ﵄ كانا مجمعين على إن الصنف الثاني ليسوا كفارًا. فيقول بعد أن ذكر ما دار بينهما من حوار: " … معرفتهما معًا بأن ممَّن قاتلوا من هو على التمسك بالإيمان". (٢) وممَّن قرر هذا التقسيم أيضًا الخطابيُّ (ت: ٣٨٨ هـ) حيث يقول في "معالم السنن" ﵀: "الذين يلزمهم اسم الردة من العرب كانوا صنفين: صنفًا منهم ارتدَّ عن الدين، ونابذ الملة، وعاودوا الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة- ﵁ بقوله: (وكفر من كفر من

стр. 158

العرب)، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، ومن سلك مذهبهم في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وصنفًا آخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي". (١) وممَّن قرر هذا التقسيم كذلك ابن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) في محض كلامه عن أصناف المرتدين حيث يقول-﵀ في "المحلى": " … والقسم الثاني: قوم أسلموا، ولم يكفروا بعد إسلامهم، ولكن منعوا الزكاة من أن يدفعوها إلى أبي بكر ﵁ فعلى هذا قوتلوا". (٢) وقد قرر هذا التقسيم أيضًا جمع من العلماء الأعلام، منهم: أبو عمر ابن عبد البرـ وابن المنذر، والماوردي صاحب التفسير، والقاضي عياض، وابن العربي المالكي، والبغوي، والنووي، وابن حجر، وغيرهم كثير. (٣) وكذلك هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀، ولقد كان له بعض الأقوال والتقريرات التي يبدو ويظهر منها أنه يرى أن الصحابة- ﵃ كانوا يفرّقون بين أصناف المرتدين، فيجعلون بعضهم كفارًا، كالمرتدين من أتباع مسيلمة الكذاب، وبعضهم مسلمين بغاة لهم سائر أحكام أهل القبلة كما ذكر ذلك أبو العباس القرطبي في المفهم والنووي في شرحه لمسلم، ومن تلك الأقوال والتقريرات: أنه جعل قتال مانعي الزكاة من جنس قتال أهل القبلة، فقال ﵀: "والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان: منهم من يرى قتالاً علي يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي، وكذلك يجعل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم". (٤)

стр. 159

كتاب أبي بكر ﵁ إلى المرتدين ومما يُستأنس به ها هنا أيضًا وبه نختم هذا المبحث الهام: كتاب أبي بكر- ﵁ إلى المرتدين، فقد كتب إليهم كتابًا طويلاً حوى أمورًا شتى ومتنوعة في مضمونها وفحواها، وممَّا ورد في كتابه إليهم قوله- ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه (١). فهذا يدلُّ على إن بعض أهل الردة بقي على إسلامه ولم يخرج عنه، وكلامه قد وجهه إلى فئتين اثنتين، فيُؤخذ ويُفهم ويُستدلُّ منه على أن الذي ارتد عن الإسلام من الفئتين إنما هي فئة واحدة منهما لا الفئتين. والشاهد الأول مما سبق ذكره: أن الصديق الأول- ﵁ قام مقام الجبال الرواسي الشامخات ليرد الأمة إلى دينها فحارب وقاتل المرتدين بشجاعة وثبات ورباطة جأش، فالموقف جد عصيب فقد ارتدت جموع غفيرة وأحياء كثيرة من العرب وقد عارضه في ذلك أول الأمر أقرب المقربين ومع هذا كله فقد ثبت ﵁ ثبات الجبال الرواسي واستطاع بعد عون الله وتوفيقه أن يُعيد الأمة إلى رشدها، وأن يعيد للإسلام صولته وقوته ومكانته، فكان- ﵁ للإسلام يوم الردة، كما كان الإمام أحمد للإسلام كذلك يوم المحنة. ولنتأمل ما رواه البخاري ﵀ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ- ﵄: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلاَّ الله. فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ-﵁: فَوَ الله مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ الله قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ. فَعَرفتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. (٢)

стр. 160

ولقد كلف الصديقُ-﵁ للقيام بهذه المهمة وهذا العمل العظيم - زيد بن ثابت الأنصاري-﵁، ولنتأمل خبر تلك الواقعة العظيمة التي قيد الله لها الخليفتين الراشدين الجليلين صاحبي خير الخلق وحبيب الحق محمد- ﷺ ولندع المجال للإمام البخاري ﵀ ليقص لنا الخبر على لسان من كُلِفَ بهذه المهمة الهامة الشاقة بنفسه ألا وهو الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري- ﵁ حيث يقول: " أَرْسَلَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ، قالَ أبو بَكْرٍ ﵁: إنَّ عُمَرَ أتَانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَومَ اليَمَامَةِ بقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإنِّي أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تَأْمُرَ بجمع القرآن، قُلتُ لِعُمَرَ: كيفَ تَفْعَلُ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ عُمَرُ: هذا واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لذلكَ، ورَأَيْتُ في ذلكَ الذي رَأَى عُمَرُ، قالَ زَيْدٌ: قالَ أبو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وقدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَ اللَّهِ لو كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ ممَّا أمَرَنِي به مِن جمع القرآن، قُلتُ: كيفَ تَفْعَلُونَ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؟، قالَ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أبو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ له صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ- ﵄، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخَافِ، وصُدُورِ الرِّجَالِ، حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مع أبِي خُزَيْمَةَ الأنْصَارِيِّ لَمْ أجِدْهَا مع أحَدٍ غيرِهِ، (لقَدْ جَاءَكُمْ رَسولٌ مِن أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليه ما عَنِتُّمْ) [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] حتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ ﵂". (١) وأما المسألة الثانية فهي: موقف الصحابة ﵃ من جمع أبي بكر ﵁ للقرآن: الصحابة- ﵃ يدركون تمام الإدراك ويتيقنون كمال اليقين في أن الله تعالى وعده لا يتخلف أبدًا، وقد وعد سبحانه بحفظ كتابه من التغيير والتبديل ومن أن يزاد فيه أو يُنقص منه بقوله سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩) وهم يدركون كذلك أن سنن الله

стр. 161

الكونية لها من الأسباب ما يقوم بها، ويدركون من خلال تلك السنن أيضًا أن هذا الدين لا يقوم بذاته بل لابد أن يكون له أنصار وأعوان من البشر يحملوا على عواتقهم هم نصرته وحمل رسالته والذب عن حياضه، ولهذا قاموا- ﵃ بواجبهم تجاهه ببذل الأسباب لحفظ كتاب ربهم من الذهاب والضياع، وهذا من قوة إيمانهم بالله ورسوله، ومن سعة علمهم بدين ربهم، وفهمهم لشرعته ومنهاجه، ومن إدراكهم لعظم الأمانة التي في أعناقهم، ولضخامة المسؤولية الملقاة على عواتقهم. هل يُعد جمع أبي بكر ﵁ للقرآن من البدعة المحدثة في الدين ؟ مفهوم البدعة في اللغة: لنعلم أولًا أن البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) [البقرة: ١١٧]. أي مخترعها على غير مثال سابق، قوله تعالى: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: ٩]. أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. والابتداع على قسمين: القسم الأول: ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة. والقسم الثاني: ابتداع في الدين وهذا مُحرَّم؛ لأن الأصل فيه التوقيف، قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". (١). (٢) البدعة في المفهوم الاصطلاحي: والبدعة في المفهوم الاصطلاحي كما عرفها الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ﵀ في الاعتصام هي: " طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية". (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) - ﵀: " البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله- ﷺ ، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب". (٤)

стр. 162

وإذا علمنا أن البدعة هي أمر محدث ومخترع في الدين يُضاهي الشرعية وهي ما لم يشرعه الله ورسوله- ﷺ يُقصد به التعبد والتقرب إلى الله، على غير مثال سابق، وقد علمنا كذلك أن القرآن قد سبق وأن جُمِعَ في صدور الرجال، وقد جُمِعَ كذلك في ألواحٍ عندهم، فاجتمع له جمعان: جمع في الصدور، وجمع في السطور. لذا فلا يُعد في مكان واحد من الأمور المحدثة في الدين، وإن جمع أبي بكر-﵁ لم يكن من ذلك أبدًا، بدليل إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- على استحسانه، بل والمشارك فيه كذلك، وأن كل ما في الأمر أنه جمعٌ لما كُتِبَ مفرقًا في الجمع النبوي الأول فحسب. قال الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) في الفتح: "وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟ والجواب: أنه لم يفعل ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي- ﷺ أَذِنَ في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوبًا. ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله- ﷺ " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " (١) (٢) فما أحدٌ بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة". (٣) وإن أبرز ما قيل في موافقة الصحابة-﵃-لهذا الجمع قول علي بن أبي طالب-﵁: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمعه بين اللوحين. (٤)

стр. 163

وقد ذكر الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) ﵀ وجوهًا في فعل أبي بكر من أجودها خمسة: الأول: أن رسول الله- ﷺ ترك ذلك مصلحة، وفعله أبو بكر للحاجة. الثاني: أن الله أخبر أنه في الصحف الأولى، وأنه عند محمد ﷺ في مثلها بقوله: (يتلوا صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة) (البينة: ٢ - ٣)؛ فهذا اقتداء بالله وبرسوله. الثالث: أنهم قصدوا بذلك تحقيق قول الله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)؛ فقد كان عنده محفوظًا، وأخبرنا أن يحفظه بعد نزوله، ومن حِفظِه تيسير الصحابة- ﵃ لجمعه-، واتفاقهم على تقييده وضبطه. الرابع: أن النبي- ﷺ كان يكتُبه كَتَبَتُهُ بإملائه إياه عليهم، وهل يخفى على متصور معنى صحيحًا في قلبه أن ذلك كان تنبيهًا على كتبه وضبطه بالتقييد في الصحف، ولو كان ما ضمنه الله من حفظه لا عمل للأمة فيه لم يكتبه رسول الله- ﷺ -بعد إخبار الله له بضمان حفظه، ولكن علم أن حفظه من الله بحفظنا وتيسيره ذلك لنا وتعليمه لكتابته وضبطه في الصحف بيننا. الخامس: أنه ثبت: " أن النبي- ﷺ نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو " (١)؛ وهذا تنبيه على أنه بين الأمة مكتوب مستصحب في الأسفار. قال أبو بكر بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) ﵀: في أحكام القرآن هذا من أبين الوجوه عند النظار". (٢) وقال الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) ﵀ أيضًا: وقد فهم عمر أن ترك النبي- ﷺ جمعه لا دلالة فيه على المنع، ورجع أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك … (٣) كلام الباقلاني آنفًا كلام نفيس فيه من الدلائل الواضحات والحجج البينات الدامغات ما يرد به كل الشبهات الواردات. والحمد لله رب الأرض والسموات. وقال الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀ في الموافقات: وحاصل الأمر أن جمع المصحف كان مسكوتًا عنه في زمانه- ﷺ . (٤)

стр. 164

والصحابة- ﵃ خير هذه الأمة وأكثرها تعظيمًا لله ولدينه ولشرعه وأبعدها من الابتداع والإحداث في دينه الله ما ليس منه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀: " … فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستنير فهذا أصل أهل السنة". (١) ومشاركة جمع من الصحابة- ﵃ في هذا الجمع يُعد إجماعًا سكوتيًا لأنه ليس له أي معارض منهم أبدًا، وذلك وحده كاف في حسم القضية، لأنهم يستحيل اجتماعهم- ﵃ على ضلالة أبدًا. والله تعالى قد أجار هذه الأمة من أن تجْتَمِع عَلَى ضَلالَة، ولقد أجمع أهل العلم على ذلك وأن هذه العصمة باقية إلى قيام الساعة. ولقد صحت السنة الثابتة عن المعصوم- ﷺ بذلك، فقد ثبت من حديث كَعْبِ بْنِ عَاصِمٍ (ت: ١٨ هـ) ﵁ (أنه) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ لِي عَلَى أُمَّتِي مِنْ ثَلاثٍ لا يَجُوعُوا وَلا يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلالَةٍ وَلا يستباح بيضة المسلمين". (٢) ومن حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄ قال: قال رسول الله- ﷺ : " إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة "). (٣)

стр. 165

وعَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو الشَّيْبِانِيِ (١) قَالَ: سَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ -على ضلالة". (٢) وهذا لاشك له حكم المرفوع، بل هو موافق له تمامًا. وعصمة هذه الأمَّة المرحومة إنما هي عصمة عامة تمنعهم من الاجتماعِ على ضلالة؛ أي: إنهم لا يجتمعون على أمرٍ فيه ضلال واضح وبين مخالفٍ للسنَّة يقودُهم إلى الهلكة والضلالة والعمه. وأما المسالة الثالثة فهي: أهم بواعث جمع أبي بكر ﵁ - وكان من أهم بواعث هذا الجمع وأسبابه ما يلي: ١ - إن من أهم البواعث التي دفعت الصحابة ﵃ لجمع القرآن هو انقطاع الوحي من السماء بموت النبي ﷺ ذاك المصاب العظيم والحدث الجلل الكبير والذي يُخشى على القرآن الضياع بسببه. ٢ - ومن أبرزها كذلك تحري القتل في قراء القرآن وحفاظه يوم اليمامة، ويُخشى بقتلهم ذهاب كتاب ربهم، وهم مع ذلك أيضًا معرضون للتفرق والانتشار في الأمصار للجهاد في سبيل الله، وللدعوة إلى الإسلام ونشره في أرجاء المعمورة، ولتعليم الناس أمر دينهم، لأنهم أمة بلاغ وأمة دعوة وجهاد، لا أمة نوم ورقاد. ولذا كان من قول عمر لأبي بكر ﵄: "إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن". فذهاب بعض القراء قد يعني ذهاب الآخرين، فبهذا العمل أمكن تدارك الأمر منذ بدايته. (٣) "ولقد كانت معركة اليمامة معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن ينتهي عددهم إلى السبعين وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي

стр. 166

حذيفة. " (١) فتم " … تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه". (٢) المطلب الثاني: خصائصه ومزاياه وفيه أربع مسائل المسألة الأولى: أبرز مزايا هذا الجمع المسألة الثانية: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي المسألة الثالثة: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها المسألة الرابعة: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره ويذكر الباحث المسائل الأربع بشيء من الإيضاح والتفصيل على النحو التالي: أما المسألة الأولى فهي: أبرز مزايا هذا الجمع اتسم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق- ﵁ بخصائص ومزايا عدة، والتي كان من أبرزها ما يلي إجمالًا: أولها: دقته وسلامته ثانيها: استيفائه لشروط الجمع المتفق عليها وموافقته العرضة الأخيرة أبرز سمات وخصائص ومزايا جمع أبي بكر-﵁ تفصيلًا: أولها: دقته وسلامته فقد كان التحري والتدقيق والتثبت والاستيثاق لقرآنية كل ما يُجمع من سور القرآن وآياته وثبوت تواتره ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته فحسب، وتجريده عن كل ما ليس بقرآن، هو أبرز خصائص هذ الجمع، وذلك بإجماع الصحابة- ﵃ .. ثانيها: استيفائه لشروط الجمع المتفق عليها وموافقته العرضة الأخيرة إن كل ما استوفت فيه شروط الجمع المتفق عليها فإنه يضم إلى صحيفة واحدة في مكان واحد وهو ما عِرِف بعد ذلك بالمصحف، وترتب آياته وسوره ترتيبًا مصحفيًا لا ترتيبًا نزوليًا، وذلك وفق العرضة الأخيرة التي أُشِيعَ أن زيد بن ثابت (٣) ﵁ قد شهدها -، وذلك الجمع هو الموافق لما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ.

стр. 167

ثبت عند البخاري وغيره عن عائشة عن فاطمة- ﵄ أنها قالت: "أسَرَّ إليَّ النبيُّ ﷺ أنَّ جبريلَ كانَ يعارضُنِي بالقرآنِ كلَّ سنةٍ وأنهُ عارضَنِي العامَ مرَّتينِ ولا أراهُ إلا حضَرَ أجَلِي". (١) (٢) وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السُلميّ (ت: ٧٤) ﵀: قرأ زيد بن ثابت على رَسُول اللهِ ﷺ في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول اللهِ ﷺ ، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (٣) وفي نحو ذلك يقول أبو عمرو الداني-﵀ في الأرجوزة المنبهة: وكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل فكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة (٤) حتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (٥) ويقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) ﵀: "وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده- ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور". (٦)

стр. 168

وذلك لأن الدواعي إلى عدم جمعه في موضع واحد مفتقرة إلى ذلك، ولا توجد ضرورة ملحة إليه في ذلك الوقت لأسباب كثيرة مر معنا ذكرها في طيات مبحث في العهد النبوي. وأما المسألة الثانية فهي: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي وترتيب الآيات في السور أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه البتة: قال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀: فأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها، فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها. (١) وقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين. (٢) ويقول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) - أيضًا ﵀: "والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيئًا، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه، ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله ﷺ من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر مقدم". (٣) وقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀: ولقد" انعقد إجماع العلماء على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي ﷺ -عن الله ، وأنه لا مَجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعْلَم في ذلك مُخالفٌ". (٤) وممن قال بالإجماع الذي حكاه السيوطي والزرقاني كذلك كل من: ١ - ابن قدامة المقدسي (ت ٦٢٠ هـ) حيث يقول ﵀:

стр. 169

ترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص إجماعًا. (١) ٢ - وأبو جعفر الغرناطي (ت ٧٠٨ هـ) حيث يقول ﵀: اعلم أولاً أن ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيفه وأمره- ﷺ ، من غير خلاف في هذا بين المسلمين. (٢) ٣ - والملا على القاري (ت ١٠١٤ هـ) حيث يقول ﵀: ترتيب الآيات توقيفي، وعليه الإجماع. (٣) ٤ - وشهاب الدين النفراوي (ت: ١١٢٧ هـ) حيث يقول ﵀: ترتيب الآيات توقيفي اتفاقًا. (٤) وقد دل على ذلك أيضًا أدلة كثيرة من السنة الصحيحة الثابتة عن المعصوم ﷺ -وهي أكثر من أن تُحصى ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ١ - منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) إِلَى قَوْلِهِ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة من آية: ٢٤٠) قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ. (٥) وقد سبق ذكره في ثنايا البحث. فردُ عثمانَ بن عفان على ابْن الزُّبَيْرِ يُفهم منه أنهم-﵃ أجمعين- يعلمون أماكن ترتيب الآيات فتَرَكَهَا عثمان مكانها مثبتةً لأن القرينة تدل عليها، ولأنه هو الذي تعلموه وهو المعمول به لديهم. ٢ - ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر قال ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال ألا تكفيك آية الصّيْف التي في آخر سورة النساء. (٦)

стр. 170

فآية الكلالة مكانها في نهاية سورة النساء وخواتيمها، ولما سأل عمرُ ﵁ رسولَ الله ﷺ أرشده إلى مكانها في آخر السورة. ومن هنا يتبين لنا أمران: الأمر الأول: أن آيات السورة مرتبة ومتتابعة من أولها وحتى آخرها. والأمر الثاني: أن ترتيب الآيات كان مما يُعَلِّمه النبيُ ﷺ أصحابهَ الكرام ﵃. ٣ - ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء مرفوعًا من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال وفي لفظ عنده من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف. (١) فقوله: (من أول الكهف) وقوله: (العشر الأواخر) واضح الدلالة على ترتيب آيات السورة كما هو شأن آيات القرآن قاطبة. وكذلك" قراءته ﷺ للسور المختلفة بمشهد من الصحابة يدلّ على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبي- ﷺ يقرأ على خلافة فبلغ ذلك مبلغ التواتر. " (٢) ٤ - ومنها ما ثبت عند البخاري من حديث عائشة ﵂، (أنها) قالت: سمع النبيُ ﷺ رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: "﵀، لقد أَذْكَرَنِي كذا وكذا آية، أَسْقَطْتُهُنَّ من سورة كذا، وكذا" (٣). فهذا الحديث وأضرابه مما يُستدل به على تعليمه ﷺ أصحابه- رضوان الله عليهم- أماكن الآيات وترتيبها في السور وأنه أمر توقيفي لا محيد عنه ولا محيص. وهناك أدلة كثيرة جدًا تقرر هذه المسألة، فسماع النبي ﷺ للقرآن من أصحابه مرتب الآيات وإقراره ﷺ لقراءتهم، وكذلك صلاته بهم على مدار مرحلة نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة وقد تكرر ذلك تكرارًا ومرارًا وهو معلوم في دواوين السنة، ففي الإشارة إليه غنية وكفاية. ومن أراد زيادة فائدة في هذا الباب فليراجع فضائل قراءة بعض آيات من القرآن بعينها في مظانها من كتب السنة كفضل فاتحة الكتاب وهي أكثر من أن تحصى، وكفضائل الآيتين الآخرتين من

стр. 171

سورة البقرة (١)، وكفضل العشر آيات الأُول من سورة الكهف (٢) وكذلك ما واظب رسول الله ـ ﷺ على قراءته لبعض سور القرآن ولم يغير في آياتها أي شيء، لا بتقديم ولا بتأخير، وذلك كقراءته لسور البقرة، والنساء، وآل عمران، وقراءته، لسورة "ق" في العيد. (٣) وكذلك من فوق المنبر وفي الصلاة كذلك، كما كان يقرأ بـ"المنافقون" في الجمعة (٤). والنبي ﷺ مع مواظبته على قراءة هذه السور والآيات فقد واظب ﷺ كذلك على ترتيبها، فإنه لا يُعلم عنه ﷺ أنه غيَّر شيئًا منها البتة. ولا ريب أن فعله ﷺ هذا من أوضح البراهين على أن هذا الترتيب هو ما وافق ترتيبه في اللوح المحفوظ والذي تلقاه عن جبريل-﵇. أدلة أخرى تؤكد على أن ترتيب الآيات توقيفي: ومما يؤكد على أن ترتيب الآيات ترتيب توقيفي كذلك ويبرهن عليه نزول عدد من سور القرآن جملة ودفعة واحدة. وفي تقسيم نزول سور القرآن يذكر السيوطي (ت: ٩١١ هـ) النوع الثاني، وهو النوع الذي نزل جملة واحدة فيقول ﵀: " … وَمِنْ أَمْثِلَةِ الثَّانِي: سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْكَوْثَرِ وَتَبَّتْ وَلَمْ يَكُنْ وَالنَّصْرُ وَالْمُعَوِّذَتَانِ نَزَلَتَا مَعًا. وَمِنْهُ سُورَةُ الصَّفِّ. (٥) ونسوق بعض الأدلة الصحيحة الثابتة في نزول بعض السور جملة واحدة، فمن تلك السور التي نزلت جملة واحدة سورة براءة فقد روى البخاري في صحيحه عَنِ البَرَاءِ- ﵁، قَالَ: " آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ". (٦) وقد رواه البخاري كذلك (٧) بلفظ: " آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ … " دون لفظة " كاملة ".

стр. 172

وقد ذهب بعض العلماء إلى أن سورة براءة نزلت مفرقة ولم تنزل جملة واحدة مدعين عدم صحة لفظة "كاملة ". قال بدر الدين العيني (ت: ٨٥٥ هـ) ﵀: "قَوْله: (كَامِلَة) قَالَ الدَّاودِيّ: لفظ: كَامِلَة، لَيْسَ بِشَيْء لِأَن بَرَاءَة نزلت شَيْئًا بعد شَيْء، قلت: وَلِهَذَا لم يذكر لفظ: كَامِلَة، فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير، وَلَفظه هُنَاكَ: آخر سُورَة نزلت بَرَاءَة ". (١) ولكن الطاهر بن عاشور ذكر في "التحرير والتنوير" أنها نزلت دفعة واحدة وقد عزا هذا القول لجمهور العلماء. (٢) ومن تلك السور التي نزلت جملة واحدة كذلك سورة الفتح: فقد روى البخاري في صحيحه عن عمر-﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (الفتح: ١). (٣) ومن تلك السور التي نزلت جملة واحدة كذلك سورة البينة: فعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَبَّةَ الْبَدْرِيَّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب) [البينة: ١] إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ-﵇: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ) قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ. (٤) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة الْكَوْثَر: فعن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: "أنزلت علي آنفًا سورة" فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ

стр. 173

الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر كاملة: ١ - ٣). (١) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة النصر: فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعًا؟ قلت: " نعم، إذا جاء نصر الله والفتح "، قال: صدقت. (٢) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة المسد: ثبت في الصحيحين من حديث عَنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ- ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: (يَا صَبَاحَاهْ)، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) (المسد: ١). (٣) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورتا المعوذتين: فعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. (٤) والخلاصة فيما سبق: أن نزول كثير من سور قصار المفصل نزلت جملة واحدة هو أمر ثابت بأدلة صحيحة صريحة، كالفاتحة والقدر والماعون والمسد والكوثر والفيل والنصر والكافرون والإخلاص والفلق والناس. وكذا الفتح. وأما ما ذكره بعض أهل التفسير من أن سورًا عدة قد نزلت جملة واحدة كذلك ولا سيما من الطوال، فإن أغلب تلك الأقوال محل نظر واجتهاد والخلاف فيها معلوم لأنها أقوال اجتهادية لم تنهض بها حجة واضحة من دليل صحيح صريح ثابت، ولذا لم يذكر الباحث إلا ما ثبت لديه بالدليل الصحيح الثابت الصريح.

стр. 174

هذا: ولابد أن يُعلم أن الأصل في القرآن الكريم أنه جُمع ورتب على أساس موافقته للعرضة الأخيرة، وقد استقرت العرضة الأخيرة على وفق ما هو مثبت وموافق ومطابق للقرآن المثبت في اللوح المحفوظ كذلك. وأما المسألة الثالثة فهي: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها يقول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀ في "الإتقان" عن الخلاف في ترتيب السور: وأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن في المصحف، فقد اختلف فيه أهل هذا الشأن على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: وهو مذهب الجمهور الذي يرى أن ترتيب السور هو أمر توفيقي من اجتهاد الصحابة، حيث إن النبي ﷺ فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده. ومن أبرز من نحا إلى هذا الرأي الإمام مالك. المذهب الثاني: يرى أن هذا الترتيب توقيف من النبي ﷺ ، وبه قالت طائفة من أهل العلم. المذهب الثالث: يجنح إلى أن ترتيب أغلب السور كان بتوقيف من النبي ﷺ وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة. (١) مر بنا آنفًا ما ذكره السيوطي من أقوال العلماء في القول بترتيب السور إجمالًا، والخلاف في هذه المسألة واسع جدًا وله أهميته الكبرى لتعلقه بأمر عظيم يتعلق بكلام الله تعالى، وقد ساق أصحاب كل قول أدلة ما يترجح لديهم القول به، ومن تكلم في هذه المسألة أئمة كبار ممن يُعتد برأيهم، والموضوع ليس بحثًا رئيسًا في موضوع بحثنا، والباحث لم يسق أدلة كل فريق لمناقشتها مخافة الإطالة في بحث هو جانبي عن موضوع البحث الرئيس، وإن كان من الأهمية الكبرى بمكان، لمكانته وقدره وقدر متعلقه ألا وهو كتاب الله تعالى. والكثير من الأئمة يرى أن ترتيب سور القرآن الكريم كان ترتيبًا توقيفيًا كما كان ترتيب آياته كذلك، وقد ساقوا من الأدلة الواضحات والحجج الدامعات ما يجعل الباحث يقف عندها طويلًا ويعيد التأمل والبحث والنظر فيها كثيرًا، ومن أبرز هذه الأقوال ما يلي: القول الأول: قول الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) في البرهان ﵀: "قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا وعلى حسب الحكمة ترتيبًا،

стр. 175

فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف … قلت: وهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي وهذا الراجح. (١) ولاشك أن مثل قول الزركشي له قيمته العلمية وله مكانته وقدره كذلك، لكونه قد ناقش أدلة كل فريق من جهة، ولتمكنه من هذا العلم من جهة ثانية. القول الثاني: قول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في الإتقان ﵀: "ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً "يعني متوالية" وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات وَلاءً، بل فصل بين سورها وفصل بين "طسم" الشعراء و"طسم" القصص بـ "طس" مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادًا لذكرت المسبحات وَلاءً، وأخرت "طس" عن القصص". (٢) القول الثالث: قول أبي بكر الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) حيث يقول ﵀: "اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن". (٣) القول الرابع: قول الكرماني: (ت: ٨٩٣ هـ) ﵀: "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب". (٤) القول الخامس: قول شرف الدين الطيبي (ت: ٧٤٣ هـ) كذلك ﵀: "أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقًا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ. ". (٥) القول السادس: قول محب الدين النُّوَيْري (ت: ٨٥٧ هـ) حيث يقول ﵀: وإنما أمرهم-عثمان- بالنسخ من الصحف؛ ليستند مصحفه إلى أصل أبى بكر المستند إلى أصل النبي ﷺ ، وعيّن زيدًا لاعتماد أبى بكر وعمر عليه، وضم إليه جماعة مساعدة

стр. 176

له، ولينضم العدد إلى العدالة، وكانوا هؤلاء؛ لاشتهار ضبطهم ومعرفتهم. وكتبوه مائة وأربعة عشر سورة، أولها "الحمد" وآخرها "الناس" على هذا الترتيب. (١) يتضح من كلام النويري أنه يرى بأن نسخ أبي بكر كان كاملاً مرتب الآيات والسور أيضًا، وأنه استند إلى المكتوب، والمحفوظ عن رسول الله ﷺ ، لا فرق بين الآيات والسور في التوقيف، ولذا أمرهم-عثمان- بالنسخ منه. القول السابع: قول أبي جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) حيث يقول ﵀: "إن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله- ﷺ (٢). القول الثامن: قول أبي الحسن ابن الحصَّار (ت: ٦٢٠ هـ) حيث يقول ﵀: "ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي". (٣) القول التاسع: قول البغوي (ت: ٥١٦ هـ) حيث يقول ﵀: إن الصحابة- ﵃، جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، من غير أن زادوا فيه، أو نقصوا منه شيئًا … فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ﷺ ، من غير أن قدموا شيئًا أو أخروا … فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا، أنزله الله تعالى جملة واحدة في شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ (البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) (٤). كلام البغوي في غاية الدقة، فهو يرى أن القرآن الذي في أيدينا ما زال كما كان في اللوح المحفوظ، فكان مرتبًا، ونزل مرتبًا إلى السماء الدنيا بكامل آياته وسوره، وأنه وإن نزل منجمًا بعد ذلك على رسول الله ﷺ ، فقد جُمع بالوحي كما كان في اللوح المحفوظ، وكتبه الصحابة- ﵃ على هذا الجمع الذي تعلموه من رسول الله ﷺ .

стр. 177

القول العاشر: قول الملا علي القاري (١) حيث يقول ﵀: مع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضًا، وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرضة الأخيرة … ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلَاءً، وكذلك الطواسين، ولم يرتب المسبحات وَلَاءً، بل فصل بين سورها، وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات (٢). وفي قول ودليل علي القاري، يتضح أن الترتيب وإن لم يرد فيه نص نظري لكنه كان أوكد من خلال التأمل في التطبيق العملي، الذي يوحي بما لا يدع مجالًا للشك بأن الترتيب كان توقيفيًا. وكلامه فحواه مقتبس من قول السيوطي. ولما سبق لم يتردد العلماء في ترجيح هذا الرأي القائل بالتوقيف، فقد قال أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي: والصحيح أن ترتيب السور والآيات أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه. (٣)

стр. 178

ومما نُظم وقيل في ذلك قولُ أبي الحسن بن الحصار (ت: ٦٢٠ هـ) ﵀ في كتابه "الناسخ والمنسوخ ": يا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا … وعن ترتيب ما يتلى من السور وكيف جاء بها المختار من مضر … صلى الإله على المختار من مضر (١) فابن الحصار يشير إلى أن ترتيب السور جاء بها النبي- ﷺ وهي إشارة واضحة الدلالة من كلامه بأن ترتيب السور توقيفي منه- ﷺ القول الحادي عشر: جملة من أقوال بعض المعاصرين وقد رجح جمع من المعاصرين القول بالتوقيف كذلك، وهم على سبيل المثال لا الحصر على نحو التالي: "جاء في التفسير الوسيط: ترتيب السور على ما جاء في المصحف الشريف بأمر الله (٢). ١ - قال صاحب التفسير الوسيط: والذي تميل إليه النفس أن ترتيب السور توقيفي، وأن كل سورة لها موضوعاتها التي نراها بارزة بصورة تميزها عن غيرها (٣). ٢ - وقال وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ (ت: ١٤٣٦ هـ) ﵀: ولا خلاف بين العلماء في أن ترتيب آيات السور توقيفي منقول ثابت عن النّبي ﷺ ، كما أن ترتيب السور أيضًا توقيفي على الراجح (٤). وممن قال به كذلك من المعاصرين محمد عبد الله دراز، أحمد شاكر. ومن أبرز ما استدل به بعض هؤلاء على توقيف الترتيب المصحفي ما يلي: ١ - إجماع الصحابة-﵃ على ترتيب السور في المصحف العثماني، إذ لو كان هذا الترتيب ترتيبًا اجتهاديًا لما أجمعوا عليه ولتمسكوا بمصاحفهم ولما قدموها للحرق، ولما اجتمعوا على المصحف الإمام.

стр. 179

ولقد" قام عثمان بن عفان- ﵁ بإحراق المصاحف التي وقع فيها الاختلاف، وأبقى لهم المتفَق عليه، كما ثبت في العَرْضة الأخيرة". (١) وقد ثبت عند البخاري عن أنس بن مالك ﵁، أن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم على عثمان ﵁، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم- يعني ابتداءً-، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (٢) (٣) قال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: " يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا ". (٤) وقول علي بن أبي طالب ﵁ يدل على أنهم قد أجمعوا عليه إجماعًا سكوتيًا-﵃ أجمعين-.

стр. 180

موقف ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان- ﵁ يدعوه إلى اتِّباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة-﵃ أجمعين-". (١) وكذلك إجاب ابن مسعود- ﵁ إلى المتابعة في تقديم مصحفه للحرق تعزز ما ذكرناه آنفًا من قول على بن أبي طالب- ﵁ تقوى وتؤكد وتعزز القول بالإجماع السكوتي من جهة، وتقرر الإجماع الفعلي من جهة أخرى كذلك، فرضي الله عنهم أجمعين. وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه في الكلام عند مبحث الجمع العثماني بإذن الله تعالى. وفي ذلك يقول الزرقاني- (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في "مناهله"- وهو يستعرض أدلة القائلين بالتوقيف: "إن ترتيب السور كلها توقيفي بتعليم الرسول- ﷺ كترتيب الآيات وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه ﷺ . واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد. وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم. لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا. ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع". (٢) فلو سلمنا جدلاً أن ترتيب المصحف كان في أول أمره ترتيبًا اجتهاديًا لا توقيفيًا، لقلنا إن إجماع الأمة قد استقر على الترتيب المصحفي، حتى إن كُتب التفسير كلها على هذا الأمر لا نعلم منها أي مخالف عند السلف والخلف، لكن شذ عن ذلك ثلاثة نفر من المعاصرين (٣)، فلا يجوز والحال
следующие страницы →