← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 825

الشفعة بين الجمع العثماني والأحرف السبعة

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (640 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

٥ - الاستشراف إلى حكمة التدرج، ومعرفة الغاية من التكرير". (١). مناقشة دوافعه ومبرراته: وبمناقشة دوافع ومبررات الشيخ "حبنكة، نقول: هل تحققت بهذا العمل الخارج عما درج عليه السلف والخلف من المفسرين الأهداف والمقاصد والمرامي المرجوة والمأمولة فيه؟ أولًا: هل الترتيبي المصحفي يمنع من التدبر حتى ننتقل إلى الترتيب النزولي؟ ثانيًا: ثم تلك الألفاظ الرنانة والمصطلحات الحادثة التي لم يدرج عليها أئمة السلف ولم يستخدموها في التفسير هي أقرب لكتب السلوك والتربية منها لكلام أئمة التفسير، وذلك مثل "تسلسل البناء المعرفي التكاملي"، "التكامل التربوي"، "والبناء المعرفي"، وأضرابها من تلك الألفاظ التي برز الشيخ بها مبرراته. ثالثًا: تبرير ذلك بحجة "الاستشراف إلى حكمة التدرج" وهل هذه الحكمة كانت مختفية في الترتيبي المصحفي حتى يبرزها الترتيب التنزلي؟. والدكتور محمد عبد الله دراز- ﵀ يضرب لذلك مثلًا محسوسا في كتابه: "حصاد قلم" فيقول واصفًا ذلك بمن قامـ: " بجلب سلعًا لبناء بيتًا لا يبالي بأن يشتري أجزاء العرش والسقف قبل الأسس والجدران، متتبعًا في ذلك فرصة توفر الثمن وتوفر تلك السلعة في السوق، ثم بنا بيته، أكان ذلك مخلًا بهندسة ذلك البيت، وبالقياسات التي وضعها المهندس؟؟ كذلك كان القرآن الكريم ينزل بحسب الوقائع، ثم رتب حسب ذلك (الترتيب) (٢) الذي أراده الله تعالى له فكان منسجمًا متكاملًا آخذا بعين الاعتبار التدرج في التعليم والفهم، والانتقال من جو إلى جو تدريجيان إما تصاعديًا أو تنازليَا، حسبما تقتضيه الضرورة … ". (٣)

стр. 212

ومما لاشك فيه أبدًا أن الترتيب المصحفي هو ما استقرت عليه العرضة الأخيرة الموافقة لما هو مثبت في اللوح المحفوظ عند رب العزة في كتاب مكنون وقد مر بنا ذكر ذلك الأمر تكرارًا ومرارًا، والقرآن أنزل جملة على هذا الوضع وتلك الحالة التي استقر عليها إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نُجِّمَ بعد ذلك حسب الأحداث والوقائع. وهذا الذي يعنيه الدكتور محمد عبد الله دراز- ﵀ في كتابه- النبأ العظيم- بقول: "لئن كان جمع عن تفريق، فقد فرّق عن جمع". (١) ثم إن علماء المناسبات استخرجوا للأمة دررًا من المناسبات بين الآيات والسورة مع إن الكثير منها تنزل منجم الآيات ولم يتنزل دفعة واحدة، بل إن السورة الواحدة قد تنزل آيات منها متقدمة وتكون في أواسط السورة أو في أواخرها وخواتيمها، وقد ينزل صدر السور متأخرًا عن خاتمتها والعكس من ذلك كذلك، وأنت تجد ذلك متحققًا في أطول سور القرآن ألا وهي سور البقرة وهي من أوائل القرآن المدني نزولًا، أليس كذلك؟، فهل نزلة جملة أم نجومًا نجومًا؟ الجواب يأتي في جواب أئمة التفسير عن آخر ما نزل من القرآن، فإن أكثرهم على أن آخر آية نزولًا هي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٨١) وهو مروي عن جمع من السلف، منهم: ابْن عَبَّاسٍ، أَبِي سَعِيد الخدريٍ، عِكْرِمَةَ، سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كما أنه اختيار جمع من المتأخرين كذلك. وفي ذلك يقول الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) في الفتح- ﵀: أصحّ الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله) (البقرة من آية: ٢٨١). (٢) ومع ذلك كله ترى الترابط النصي والوحدة الموضوعية وأغراض السورة مترابطة متناسقة وكأنها سبيكة واحدة ترابطًا ومعنى، وبلاغة وإعجازًا ولا تشعر أبدًا حين تأملك لها وتدبرك في آياتها أنها نزلت منجمة، وقد يكون بين ذلك التنجيم أزمانًا متباعدة. وأخيرًا فهل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو هذا الباب: أولًا: لم تتحقق تلك الأهداف كما مر معنا، وكيف تتحقق في أمر عظيم جلل أجمع عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا وقد خرقوا هذا الإجماع. ثانيًا: كيف تتحقق تلك الأهداف ولم تقترن بأي مبررات مقنعة أو أي معالم ظاهرة أو حجج دامغة وبراهين ساطعة وأجوبة مسكتة.

стр. 213

وإنما الذي تحقق من الأهداف هو ما أراده مُؤسسو ومرجو هذا الفكرة أولًا من المستشرقين، بل إن أحدهم قد تراجع عن هذا العمل ألا وهو المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: (ت: ١٣٩٣ هـ) وقد مر معنا في طيات البحث ذكر خبر تراجعه عن ترتيب ترجمته للقرآن بحسب ترتيب النزول لما رأى خطأه، فأعاد ترتيب تلك الترجمة بحسب الترتيب المصحفي، هذا مع سوء نيته وخبث طويته. فهل كان للثلاثة نفر الذين خرقوا هذا الخرق أن يتراجعوا عن فعلهم كما تراجع عن مثله ذلك المستشرق، ويؤبوا إلى ما أجمع عليه أسلافهم الصالحون، لأنهم بذلك قد أفسدوا نظم القرآن. وقد قيل في نحو ذلك: "من قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن". (١). وَلَمَّا أنهم كانوا قد قضوا نحبهم وقضوا آجالهم فحق لأهل الحل والعقد من الجهات المعنية في الأمة أن يبرموا في ذلك أمر رشيدًا وأن يعملوا على رأب صدعهم بعد أن أفضوا إلى ربهم، فكان لزامًا عليهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم تجاه كتاب ربهم، ولقد عناهم الله بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: ١٨٧). قال ابن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀ في تفسيره: "الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل". (٢) فلزمهم أن يقوموا بواجبهم تجاه كتاب ربهم ويردوا تلك المصنفات إلى ما أجمعت عليه الأمة وسارت عليه تلك القرون الطوال، كما يُرد المتشابه إلى المحكم، فإن من خصائص أهل الحق رد المتشابه إلى المحكم، كما إن من خصائص أهل الباطل اتباع المتشابه ورد المحكم. طوام كبرى نخشاها: هذا ونخشى أن يأتي على الأمة زمان يأتي فيه من يُنادي بإعادة ترتيب آيات القرآن ترتيبًا نزوليًا كما نادى المستشرقون بترتيب السور ترتيبًا نزوليًا كذلك، وهم يريدون بذلك الطعن في القرآن ليفقد بذلك أعظم دلائل بقائه وحفظه، من مصداقيته، وتحقق أوجه إعجازه، وجزالة لفظه، ودقة نظمه، وترابط نصه، ووحدة موضوعيته، ولكن كما قال الله تعالى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة من آية: ٣٢)، فقد تولى الله تعالى حفظ كتابه بذاته العلية فقال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ

стр. 214

نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)، ونخشى أن يتبعهم على ذلك من أعمى الله بصائرهم عن لزوم الحق والتمسك به ممن لا خلاق لهم ولا حظ ولا نصيب من علم ولا ورع ولا تقوى من بني جلدتنا، والله تعالى وحده من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين. بيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له والخلاصة فإن الأمر قد انتهى إلى أنه يجب احترام هذا الترتيب. "وسواء أكان ترتيب سور القرآن اجتهاديًا (من الصحابة) أو توقيفيًا (من عند الله) فإنه يجب احترامه خصوصًا في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة والإجماع حجة. ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب. ". (١) وبعد الانتهاء من عرض تلك الكتب الثلاثة التي خالف مؤلفُوها جماهير السلف والخلف في لزوم الترتيب المصحفي، والجنوح عنه إلى الترتيب النزولي ومناقشتها والحكم عليها فنرجع إلى أصل البحث هنا ألا وهو استعراض أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها، وقد تبين لنا أمورًا ذكرنا منها أمرين اثنين وننتقل إلى ما تبقى من تلك الأمور فيما يلي: ثالثًا: إن كان في ترتيب آيات القرآن فيه من الإعجاز ما فيه، فإن ترتيب السور قد استخرج منه العلماء دررًا في علم المناسبات بين السور كذلك. فهو لا يقل شأنًا عن ترتيب آياته. قال محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) لعكرمة (ت: ١٠٧ هـ) أيّام الجمع الأول للقرآن: "ألَّفوه كما أُنزل الأول فالأول، فقال عكرمة: لو اجتمع الإنس والجن على أن يألفوه ذلك التأليف ما استطاعوا ". (٢) رابعًا: الأولى في تلاوة القرآن مراعاة الترتيب المصحفي سواء كان ذلك في الصلاة أم خارجًا عنها لأنه الأصل، وإن حاد عنه أحيانًا جاز له ذلك ولكنه ترك الأفضل والأولى والأحسن والأكمل والأتم، وذلك لأن ترتيب التلاوة أمر مندوب وليس بواجب بدليل فعله-﵊ ذلك في صلاته في بعض الأحايين. ويلحق البعض بذلك تعليم الصغار من بداية قصار المفصل وذلك لحصول المشقة والعنت في حفظ السور الطوال بداية، بل ولامتناعه عليهم أيضًا، وقد جرى على ذلك عمل الكثير من الأوليين في تعليم الصغار، وقد يلحق بهم كذلك تعليم الأعاجم الذين لا يحسنون العربية، وكذلك من أسلم وكان حديث عهد بكفر، لوجود العنت والمشقة في البدء بحفظ السور الطوال، وكذلك كبار السن ومن لديه تعثر وثقل في اللسان، وكل من يلحقه عنت ومشقة في الحفظ وتعلم التلاوة

стр. 215

من بداية السور الطوال، وذلك لاشتراكهم جميعًا مع الصغار في العلة والسبب على حد سواء، ووجه الجواز في ذلك قراءة النبي ﷺ أحيانًا على غير الترتيب المصحفي مما يدلل على عدم وجوب ذلك تلاوة من- جهة-، كما يدلل على جوازه عند الحاجة التي يتعثر معها الحفظ كالتي ذكرنا وما في نحوها كذلك من - جهة ثانية-، ولأن تلاوة كل فرد غير مثبتة في مصحف خاص لديه، بل إن كل منهم يتلو ويحفظ من مصحف واحد في ترتيبه المصحفي الذي أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وجرى قبوله إجماعًا والعمل عليه ماض في الأمة عبر كل أجيالها، فتغير الترتيب المصحفي سالم ومأمون. والله أعلم. ومما يدلل على ذلك ما ثبت عند مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، ذاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَح البقَرَةَ، فقلتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلَّي بِهَا في ركْعَةٍ، فمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَح النِّسَاءَ فَقَرأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَها، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذا مَرَّ بِآيَةِ فِيها تَسْبيحٌ سَبَّحَ، وَإِذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعوَّذ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ … الحديث. (١) وفي نحو ذلك يقول النووي (ت: ٦٧٦ هـ) ﵀ في التبيان: "قال العلماء ﵏: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة ثم آل عمران، ثم النساء إلى أن يختم بـ (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) سواء قرأ في الصلاة أم خارجًا عنها، ويستحب أيضًا إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها السورة التي تليها، ولو قرأ في الركعة الأولى: (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) يقرأ في الثانية من البقرة ودليل هذا: أن ترتيب المصحف لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ في الركعة الأولى: (ألم تَنزيل) وفي الثانية: (هَلْ أتَى) وصلاة العيدين (قاف) و (اقتربت). ولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها، أو خالف الموالاة فقرأ قبلها ما لا يليها جاز وكان تاركًا للأفضل، وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفقٌ على منعه وذمِّه؛ فإنه يُذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حِكمة الترتيب ". (٢) وكما كان- ﷺ يقرأ في الجمعة أحيانًا بـ الجمعة في "الأولى" والغاشية في "الثانية".

стр. 216

خامسًا: بما أن الترتيب المصحفي قد أجمعت الأمة عليه سلفًا وخلفًا وجرى العمل عليه فلا يحق لأحد كائنًا ما كان خرق الإجماع الذي هو حجة في ذاته والحيد عنه إلى غيره من أنواع الترتيب، نزوليًا كان أو موضوعيًا أو تاريخيًا أو غير ذلك مما لم يجر عليه عمل من جمعوا القرآن في عهوده الثلاثة، ولم يجر عليه عمل أي أحد ممن اتبعوهم بإحسان، وسواء كان الترتيب المصحفي هذا ترتيبًا توقيفيًا، أم كان ترتيبًا اجتهاديًا، وذلك صيانة وحفظًا لكتاب الله تعالى من التبديل والتغيير والتحريف، ولما يترتب على ذلك من مفاسد وطوام لا تحمد عقباها، وكذلك لما قد يفتح باب التجرؤ على العبث في كتاب الله تعالى الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢). من هنا كان واجب التصدي لمثل هذا العمل وإبرازه للعباد بين الفينة والفينة انتصارًا لكتاب الله تعالى وردًا لمطاعن الطاعنين والمشككين في كتاب رب العالمين من سائر أعداء الملة والدين من الذين لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار ولا يتوقفون عن الطعن في كتاب الله تعالى ويعملون ويسعون في ذلك ليل نهار عبر الزمان والمكان، ورد سهامهم في نحورهم لينقلبوا إلى أهلهم خاسرين ويندحروا خاسئين ويرجعوا إلى جحورهم ذليلين وينقلبوا صاغرين. نعم يقومون بذلك نصحًا لله تعالى ولكتابه كما قام الصديق الأول- ﵁ وتصدى لمانعي الزكاة يوم الردة، وكما قام الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة ﵀ لكتاب الله يوم المحنة. فكان التصدي لهؤلاء وأمثالهم وأذنابهم جميعًا من أوجب الواجبات المتحتمات على المعنين بهذا الشأن العظيم من المرابطين على ثغور الإسلام وحماته ومن الغيور على دينهم وكتاب ربهم وممن يحبون أن يشملهم وصف ربهم لهم: (والذين اتبعوهم بإحسان) فيتحقق لهم وعده برضاه عنهم ﵃ في قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: ١٠٠). وذلك كله سعيًا في تحقيق وعد ربهم الذي لا يتخلف ولا يتأخر ولا يتبدل ولا يتغير أبدًا، الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ١٠٩) وختامًا لهذا المبحث نسوق لطيفة للألباني (ت: ١٤٢٠ هـ) -محدث العصر ﵀ -: وقد وُجِهَ إليه هذا السؤال: ما الغاية من جمع القرآن ووضعه في المصحف وهل ترتيب السور في المصحف توقيفي أو اجتهادي.؟

стр. 217

فكان مما أجاب عنه بعد كلام طويل-﵀: ما يلي: " … ما أدري، لا أدري، هنا المسألة يقال فيها مسألة تعبدية لأن ترتيب القرآن ليس على حسب التاريخ، التاريخ النزولي الذي تشير إليه، هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل هي توقيفية أم اجتهادية بعكس لما تنظم آية فتوضع في سورة، فهذا توقيفي يقينًا، أما ترتيب السور تقديمها وتأخيرها فمثلا اقرأ باسم ربك المفروض حسب السؤال المطروح آنفا أنها توضع في أول ما نزل فهي قد وضعت في آخر ما نزل، اختلفوا في هذا الترتيب للسور وليس في ترتيب الآيات في السور، ترتيب الآيات في السور توقيفي بدون أي تردد، أما ترتيب السور كما هو الآن في المصحف اختلفوا فمنهم من يقول هذا توقيفي أيضًا من الرسول-﵇ ومنهم من يقول لا هذا باجتهاد من بعده، أما أنا شخصيًا ليس عندي رأي قاطع في الموضوع ولكن أقول إذا كان الراجح أنه توقيفي فهنا يأتي جواب السؤال السابق الله أعلم، وإذا كان هو باجتهاد ممن جمعوا القرآن بعد الرسول-﵇ وصنفوه من بعده على هذا التصنيف فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، ولذلك فأكل العلم إلى عالمه". (١) فلنتأمل كيف بعلم من الأعلام وسيد من سادات الأنام يقول مثل هذا الكلام، (ما أدري، لا أدري، … فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، … ولذلك فأكل العلم إلى عالمه) فرحم الله الألباني ذاك العالم الرباني. وقد طال بنا البحث والتطواف فيما مضى ذكره لعظم الخطب. المطلب الرابع: بيان شروط جمع أبي بكر- ﵁ والصفة التي تم بها وفيه سبع مسائل: وهي إجمالًا على النحو التالي: المسألة الأولى: التعريف بـ " زيد " المكلف بالجمع المسألة الثانية: أبرز المقومات الداعية لاختيار " زيد " المسألة الثالثة: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا المسألة الرابعة: الدواعي لهذا الجمع المسألة الخامسة: مميزات جمع أبي بكر- ﵁ المسألة السادسة: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ " زيد بن ثابت " في جمع وتدوين القرآن الكريم المسألة السابعة: مصير صحف أبي بكر- ﵁

стр. 218

وهي تفصيلًا على النحو التالي: المسألة الأولى: التعريف بـ "زيد" بالمكلف بالجمع ﵁ - أما المكلف بالجمع فهو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي (ت: ٤٥ هـ)، من كتَّاب الوحي لرسول الله- ﷺ وكان مشهورًا بالصدق والأمانة، وتفقَّه في الدين حتى أصبح رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي ﵃، وكان يُعدُّ من الراسخين في العلم، تُوفِّي سنة ٤٥ هـ، ولمَّا تُوفِّي رثاه حسان بن ثابت- ﵁، وقال أبو هريرة ﵁: "اليوم مات حبر هذه الأمَّة وعسى الله أن يجعل في ابن عبَّاس منه خلفًا" (١) ولقد " ولد في المدينة، ونشأ بمكة، وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي- ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة، تعلم السريانية في سبعة عشر يومًا ". (٢) وإنما اختصه النبي ﷺ بتعلم لغة اليهود، ليكتب النبي- ﷺ إليهم وليقرأ له ما يكتبون. (٣) ولقد عُرِفَ زيدٌ واشتهر بكمال الدين والعلم مع حسن السيرة والعدالة، وكان من أصحاب الفتوى الستة من الصحابة ﵃. وحفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسول- ﷺ وكان من أبرز كتاب الوحي بين يدي رسول الله- ﷺ ، كما عرف أنه كان ممن يكتب للنبي ﷺ إلى الملوك كذلك، وغير ذلك من المناقب العظيمة. ولقد بوب الإمام البخاري- ﵀ في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب " مناقب زيد بن ثابت ﵁. " (٤)

стр. 219

المسألة الثانية: أبرز المقومات الداعية لاختيار "زيد " لقد تحلى زيدٌ ﵁ وتجمل بمحاسن الصفات الذاتية والمقومات الإيمانية العالية التي تؤهله للقيام بهذه المهمة العظيمة وتحمل مسؤوليتها، وذلك من النشاط والقوة والحيوية المصحوبة برجاحة العقل والورع والأمانة والتقوى المقرونة بالجُرأة في الحق مع تعظيم شعائر الله، إضافة إلى تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة، كل ذلك مع اتقانه وحفظه للقرآن المقرون بتوافر الخبرة السابقة في أداء المهمة نفسها، ألا وهى كتابة الوحي للنبي ﷺ . ولا شك في أن تلك الصفات التي تحلى بها تعينه على دقة التحرِّي في جمع الكريم على الوجه المطلوب والذي يليق بمكانة كتاب الله تعالى سعيًا في تحقيق وعد الله تعالى الذي لا يتخلف الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). ولنتأمل ما ثبت في الجامع الصحيح في الحديث المشهور الذي رواه البخاري بسنده عن زَيْد بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ- ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجمع القرآن، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جمع القرآن. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) (التوبة: ١٢٨) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ- ﵁. (١) وبدأ زيد بن ثابت ﵁ في مهمته الشاقة، معتمدًا على المحفوظ في صدور القراء والمكتوب لدى الكُتَّاب، وقد راعى غاية التثبت؛ فمع كونه حافظًا لم يكتفِ بمجرد وجدانه الآيات مكتوبة حتى يشهد بها من تلقاها سماعًا،

стр. 220

قال ابن شامة (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀: وكان غرضهم ألا يكتب إلا عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة (لم أجدها مع غيره) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة. (١) لقد اختاره أبو بكر-﵁ لهذه المهمَّة العظيمة والخطب الجسيم، لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل، وقربه من الرسول ﷺ ، واعتماده- ﷺ ، عليه. ويقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في ذلك: " اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وشهد العرضة الأخيرة (٢) للقرآن في ختام حياته ﷺ ، وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه (٣). المسألة الثالثة: أسباب اختيار "زيد" لهذه المهمة إجمالًا يمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي: ١ - أنه من الحفاظ الذين اشتهروا بحفظ القرآن واتقانه على عهد النبي ﷺ ٢ - توفر عنصر القوة والنشاط والحيوية فيه، وإنما يؤخذ ذلك من قول أبي بكر-﵁ له: "إنك رجل شاب"؟ والشاب له من القوة والنشاط ما ليس لغيره. والشباب له ميزة قد تخفى غالبًا، ألا وهي أنهم علموا ما نسخ مما بقيت تلاوته بخلاف الكثير من الكبار الذين تقدم إسلامهم، والذين قد يخفى على البعض منهم ما نسخ، وذلك بخلاف الشباب، والله أعلم. ٣ - اتصافه بالذكاء والفطنة ورجاحة العقل وسرعة البديهة وهي مقومات تعينه على حسن التصرف ولا سيما عند تشابك وتشابه الأمور، ولاشك أن ذلك أدعى لكمال العمل وإتمامه وإحسانه، وإنما يؤخذ ذلك من وصف أبي بكر- ﵁ له بأنه: "عاقل"، ومما يدلل على ذلك أيضًا صدوره عن رأي أبي بكر وعمر- ﵄ ورجوعه إليه بعد أن علم أنه الحق.

стр. 221

ويتبين ذلك من قوله: " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- ﵄"، فما كان تردده- ﵁ وتوقفه في بادئ الأمر إلا عن رجاحة عقلٍ وإعمال فكرٍ. ٤ - ما ناله من اطمئنان وتزكية أبي بكر- ﵁ له من خلوه من الموانع القادحة كخوارم المروءة ومما يشين من الصفات، فلا تتوجس النفس منه ولا ترتاب ولا تشك فيه، وبذلك لا تلحقه أدنى تهمة قادحة في دينه تمنع من قبول عمله وأداء مهمته الجسيمة، ويستنبط ذلك من قوله له: " لا نتهمك ". ٥ - وجود الخبرة السابقة لديه في نفس المهمة التي سيقوم بها ألا وهي كتابة الوحي للنبي- ﷺ ، مع ما قيل واشتهر من شهوده للعرضة الأخيرة، وهي ما يشبه ما يسمى بـ" شهادة الخبرة " في عصرنا الحالي. ذلك لأن زيدًا- ﵁ قيل أنه شهد العرضة الأخيرة بين يدي النبي ﷺ والتي بيَّنَ لهم فيها ما نُسِخ من القرآن وما استقر بقاؤه، فأمَر- ﷺ بإبقاء الناسخ وتركِ المنسوخ، وقرأ- ﷺ القرآن على الحالة التي استقر عليها على زيدٍ، فكان- ﵁ يؤمُّ الناس به حتى وفاته ﷺ . ولاشك أن تلك ميزة تميز بها زيدٌ لم تجتمع لأحد من الصحابة- ﵃ سواه، إلا ما كان من ابن مسعود ﵁. ولقد روى البَغَويُّ (ت: ٥١٦ هـ) عن أبي عبدالرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمِي (ت: ٧٤ هـ) أنه قال: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله- ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين … إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه: " شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف- ﵃ أجمعين - ". (١). "وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله- ﷺ وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة ". (٢)

стр. 222

٦ - تحليه بالتقوى وتعظيم شعائر الله. ويؤخذ ذلك أيضًا من قوله- ﵁ لأبي بكر وعمر ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قال ابن بطال (ت: ٤٤٩ هـ) ﵀: " إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا، لأنهما لم يجدا رسول الله- ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول- ﷺ ". (١). ولا شك أن ذلك من شواهد تقوى الله- تعالى- وتعظيم شعائره. ٧ - جُرأته في الحق، ويتبين ذلك من قوله لأبي بكر وعمر- ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟!، فلم يمنعه قول ذلك لأكبر رأسين في الأمة لمَّا ظنَّ أنهما على غير صواب، وهذا من أبين المقومات التي تؤهله للقيام بهذه المهمة الجسيمة بلا مجاملة ولا محابة لأحد أبدًا. ٨ - حرصه على الاتباع وخشيته من الابتداع وحرصه على لزوم حدوده الله، ويؤخذ ذلك من رفضه القيام بالمهمة أول الأمر وتردده في قبولها، فما لبث أن شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر وعمر- ﵃ أجمعين-. ٩ - تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة وعظم شأنها وجليل قدرها، ويتبين ذلك من قوله- ﵁: " فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ ". المسألة الرابعة: الدواعي لهذا الجمع إن جمع أبي بكر الصِّدِّيق للقُرْآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القُرْآن شيء بذهاب حَمَلتِه؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ . (٢) المسألة الخامسة: مميزات جمع أبي بكر ﵁ - أما عن مميزات هذا الجمع فيُجملها الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في مناهله فيما يلي: أولًا: على أدقِّ وجوه البحث والتحري، وأسلمِ أصول التثبت العلمي. ثانيًا: اقتصر المصحف على ما لم تنسخ تلاوته. ثالثًا: ظفر المصحف بإجماع الأمة عليه وتواتر ما فيه.

стр. 223

ولا يطعن في ذلك التواتر أن آخر سورة براءة لم يوجد إلا عند أبي خزيمة؛ فإن المراد أنه لم يوجد مكتوبًا إلا عنده، وذلك لا ينافي أنه وجد محفوظًا عند كثرة من الصحابة بلغت حد التواتر، وكان المعتمد عليه وقتئذ هو الحفظ والاستظهار، وإنما اعتمد على الكتابة كمصدر من المصادر زيادة في الاحتياط، ومبالغة في الدقة والحذر. (١) وهذا الجمع كان مرتب الآيات في مواضعها في السور، ولم يُكتب منه إلا نسخة واحدة من القرآن، وقد حظى هذا الجمعُ على إجماع الصحابة ومن ثم على الأمة قاطبة، كما أجمعوا على تواتر ما فيه. وفي نحو ذلك يقول ابن أبي داوود ﵀ (ت: ٣١٦ هـ) في كتاب المصاحف: " ظفر هذا الجمع باتفاق الصحابة ﵃ على صحته ودقته وأجمعوا على سلامته من الزيادة أو النقصان وتَلقَّوه بالقبول والعناية التي يستحقها حتى قال عليّ بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر فإنه أول من جمع ما بين اللوحين ". (٢) المسألة السادسة: منهج أبي بكر الذي وضعه لزيد بن ثابت في جمع وتدوين القرآن الكريم لقد نهج الصديق-رضي الله الله عنه- نهجًا محكمًا وطريقة متقنة بلغتا مبلغًا عظيمًا من الدقة والإحكام والإتقان في جمع القرآن الكريم، ثم أمر زيدًا- رضي الله الله عنه - بجمعه القُرْآن وفق الخطة والطريقة التي وضعها له والتي فيها من أخذ الحيطة ووضع الضمان والأمان لصيانة كتاب الله ولوزم الحذر والدقة والتأني والتثبُّت، فلم يكتفِ- ﵁ بما حفظ في صدره ولا بما سطره بيده ولا بما سمع بأذنه، بل جعل يتتبع ويستقصي كل أسباب التحري والدقة والإتقان والحيطة، آخذًا على نفسه الاعتماد فيه على مصدرين رئيسين: المصدر الأول: المكتوب في السطور، وهو ما كتب بين يدَيْ رسول الله ﷺ . - والمصدر الثاني: المحفوظ في الصدور، وهو ما كان محفوظًا في صدور الصحابة ﵃. فلا يقبل شيئًا من المكتوب حتى يشهد له شاهدان عدلان أنه كُتب بين يدَيْ رسول الله- ﷺ وذلك لأخذ الحيطة والحذر والتأكد من إنه كُتِبَ فعلًا بين يدي رسول الله- ﷺ .

стр. 224

روى ابن شبة عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب (ت: ١٠٤ هـ) قال: أراد عمر- ﵁ أن ي، فقام في الناس، فقال: من كان تلقى من رسول الله- ﷺ شيئًا من القُرْآن فليأتِنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان. (١) المراد بالشاهدين: قال الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: المراد بالشاهدين: الحِفظ والكتابة. ويبين السخاوي (ت: ٩٠٢ هـ) (٢) ﵀ المراد بالشاهدين فيقول: المراد بهما رجُلان عدلان يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتب بين يدَيْ رسول الله- ﷺ ، ولم يعتمد زيدٌ على الحفظ وحده؛ ولذلك قال في الحديث الذي رواه البخاري: إنه لم يجد آخر سورة براءة إلا مع أبي خزيمة؛ أي: لم يجدها مكتوبة إلا مع أبي خزيمة الأنصاري، مع أن زيدًا كان يحفظها، وكان الكثير من الصحابة يحفظونها، ولكنه أراد أن يجمع بين الحفظ والكتابة، زيادةً في التوثُّق، ومبالغة في الاحتياط، وعلى هذا المنهج الرشيد تم بإشراف أبي بكر وعمر وأكابر الصحابة وإجماع الأمة عليه دون نكير، وكان ذلك منقبة خالدة لا يزال التاريخ يذكرها بالجميل لأبي بكر في الإشراف، ولعمر في الاقتراح، ولزيد في التنفيذ، وللصحابة في المعاونة والإقرار". (٣) وما ختم به السخاوي - رحمه لله- كلامه آنفًا يُكتب بماء العين. المسألة السابعة: مصير صحف أبي بكر ﵁ - يبين السخاوي مصير صحف أبي بكر ﵁ فيقول: وقد قوبلت تلك الصحف التي جمعها زيد بن ثابت بما تستحق من عناية فائقة؛ فحفِظها أبو بكر عنده، ثم حفظها عمرُ بعده، ثم حفظتها أم المؤمنين حفصة بنت عمر بعد وفاة عمر، حتى طلبها

стр. 225

منها خليفة المسلمين عثمان بن عفان- ﵃ أجمعين-، حيث اعتمد عليها في استنساخ مصاحف القُرْآن، ثم ردها. (١) ويؤكد أبو شامة المقدسي (ت: ٦٦٥ هـ) ﵀ مصير تلك الصحف فيقول: بعد أن أتمَّ زيد- ﵁ في المصحف سَلَّمَه لأبي بكر الصديق- ﵁ فحفظه عنده حتى وفاته ثم انتقل إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب ﵁ وبعد وفاته انتقل المصحف إلى حفصة أم المؤمنين- ﵂ لأن عمر- ﵁ جعل أمرَ الخلافة من بعده شورى، فبقي عند حفصة إلى أن طلبه منها عثمان- ﵁ لنسخه بعد ذلك ثم أعاده إليها، ولما توفِّيت حفصة ﵂ أرسل مروان بن الحكم إلى أخيها عبد الله بن عمر- ﵄ ساعة رجعوا من جنازة حفصة بعزيمة ليُرْسِلَنَّ بها فأرسل بها ابن عمر إلى مروان فمزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف ما نسخ عثمان- ﵁. (٢) وهكذا جمع القرآن في عهد أبي بكر- ﵁-الجمع الثاني على قطع متناسقة متساوية في الحجوم، مرتب الآيات والسور، بطريقة توثيقية لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلاً من حيث الضبط والإتقان، يقول علي بن أبي طالب- ﵁: أعظم الناس أجرًا في المصحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر هو أول من جمع كتاب الله. (٣) المطلب الخامس: تاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه وفيه مسألتان: لاشك أن الدافع لهذا الجمع هو خوف ذهاب حملته إبان مقتل سبعين من القراء يوم اليمامة، وكان بداية جمعه بعد تلك المعركة أي في قرابة نهاية السنة الحادية عشرة من الهجرة تقريبًا، وانتهت مهمة الجمع قبل وفاة أبي بكر-﵁ في منتصف السنة الثالثة عشرة من الهجرة. فإن فترة خلافته-رضي لله عنه- كانت من: الثاني عشر من ربيع الأول سنة ١١ هـ إلى الثاني والعشرين من جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ. وقيل إن فترة الجمع قد استغرقت خمسة عشر شهرًا، وقيل غير ذلك أيضًا. والحقيقية أن هذا الكلام تقريبي ولا يمكن الجزم به لعدم الوقوف على شيء ثابت موثق يثبت ويؤكد تلك المدة بالتحديد تمامًا. والله أعلم. وفي ختام الكلام عن هذا الجمع نبحث مسألتين هامتين:

стр. 226

المسألة الأولى: أبرز نتائج جمع أبي بكر ﵁ - أولًا: لقد تم هذا الجمع بإجماع من الصحابة الكرام-﵃ أجمعين-. ثانيًا: حصل بجمعه نوع اطمئنان من الخوف من ضياعه أو تفلت من توثيقه بكماله وتمامه أي شيء. ثالثًا: تم هذا الجمع على أوثق طرق الجمع والحيطة لكتاب الله تعالى، فقد جمع بطريقي الحفظ- صدرًا وسطرًا- ثم دون كل ما جُمِعَ في مكان واحد بناء على ذلك، ولم يقبل تدوين أي شيء فيه إلاّ ما أجمع الصحابة-﵃-على أنه قرآن وتواترت روايته كذلك. رابعًا: أصبح هذا الجمع هو النسخة الوحيدة الموثوقة والمقيدة والتي أجمع الصحابة كلهم- ﵃ أجمعين- على صحتها وسلامة كل ما فيها من الزيادة والنقصان. خامسًا: بإجماع الصحابة- ﵃ واتفاقهم على هذا الجمع زالت كل شبهة ولاسيما شبه التبديع والإحداث في الدين. وختامًا: فإنه قد تبين معنا في ثنايا البحث: "أن جمع أبي بكر الصديق للقرآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ ". (١) وبهذا يتبين الفرق بين الجمع في عهديه: الأول، والثاني. المسألة الثانية: أوّل من سمى القرآن بالمصحف قال الزركشي ﵀ في البرهان: " ذكر المظفري (ت: ٦٤٢ هـ) في تاريخه: لَمَّا جَمعَ أبو بكر القرآنَ قال: سَمُّوهُ. فقال بعضُهم: سَمُّوهُ إِنْجيلًا. فَكرهوه. وقال بعضُهم: سَمُّوهُ السِّفْرَ. فكرهوه مِن يهود. فقال ابنُ مَسعودٍ: رأيتُ للحَبَشَةِ كِتَابًا يدعونهُ المُصْحَفَ، فسمُّوهُ بهِ ". (٢) والحقيقة أن رواية مثل هذه لا يُعتمد عليها لأن ليس لها أي سند يُعتمد عليه، وقد رويت مرسلة بغير عزو ولا إسناد، وهي مغايرة لما ثبت من حديث أنس- ﵁ عند البخاري وقد ذكر فيه الصحف في قوله: فأرسل عثمان إلى حفصة: أنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف … إلى أن قال:

стр. 227

ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (١). وهناك آثار أخر كالتي ذكرها المظفري- كذلك- لكنها لا ترتقي لدرجة الثبوت واليقين. " المصحف" كلمة عربية: وكلمة صَحيفة اسم: والجمع: صَحيفات وصَحائفُ صِحَاف وصُحُف، الجمع: صَحِيفٌ، والصَّحِيفَةُ: ما يكتب فيه من وَرَقٍ ونحوه ويطلق على المكتوب فيها والجمع: صُحُفٌ. (٢) فالكلمة إذًا عربية بحتة، وعلى فرض ثبوت ما نُسِب من استعمال الحبشة لها - كذلك، فلعلها من مشترك الألفاظ بين اللغتين. ضبط كلمة "مصحف" وبيان معناها في اللغة: والأصل المشهور في ضبط كلمة: "مُصْحَفُ" بضم الميم، ويجوز "مِصْحَفُ" بكسرها، وهي لغة تميم. والمصحف: اسمٌ لكلِّ مجموعة من الصُّحُف المكتوبة ضُمَّت بين دفَّتين، وجاء في (اللِّسان) عن الأزهري- ﵀: "وإنَّما سُمِّي المصحفُ مصحفًا؛ لأنه أُصْحِفَ، أي جُعل جامعًا للصُّحُفِ المكتوبة بين الدَّفتَّين". (٣) ومقتضى كلام الفيروز آبادي ﵀: أنَّ المُصحف (بالضم): اسم مفعول من أصْحَفَه إذا جمعه. والمَصحف (بالفتح): موضع الصُّحُف، أي: مجمع الصَّحائف. والمِصحف (بالكسر): آلة تَجْمع الصُّحف. وقال الشهاب الخفاجي (ت: ١٠٦٩ هـ): "المصحف بضم الميم وكسرها ونقل فيه التثليث وهو مجمع الصحف من أصحف إذا جمع وهو مخصوص بالقرآن". (٤) قال الفراء (ت: ٢٠٧ هـ): "وقد استثقلت العرب الضمة في حروف فكسرت ميمها وأصلها الضم من ذلك مصحف ومخدع ومطرف ومغزل ومجسد؛ لأنها في المعنى مأخوذة من أصحف جمعت فيه الصحف … ". (٥)

стр. 228

قال أبو إسحاق الوهراني المعروف بابن قُرْقُول (ت: ٥٦٩ هـ): "والمصحف مأخوذ من الصحيفة". (١) وقال المطرزي (ت: ٦١٠ هـ): "والمصحف الكراسة وحقيقتها مجمع الصحف". (٢) وقال السمين الحلبي (ت: ٧٥٦ هـ): "والمصحف هو الجامع للصحف المكتوبة … وغلب على ما كتب من القرآن". (٣) والمصحف اصطلاحًا: وأما المصحف في اصطلاح العلماء ﵏ فهو اسمٌ للمكتوب فيه كلام الله تعالى بين الدَّفتَّين. (٤) ويصدق المصحف على ما كان حاويًا للقرآن كلِّه، أو كان ممَّا يُسمَّى مصحفًا عُرفًا ولو قليلًا كحزب، على ما صرَّح به القليوبي ﵀، أو أقلَّ من ذلك كورقة فيها بعض سورة، أو لوحًا، أو كتفًا مكتوبة. (٥) "وقيل للقرآن مصحف؛ لأنَّه جُمِعَ من الصَّحائِف المتفرِّقة في أيدي الصَّحابة، وقيل: لأنَّه جَمَعَ وحَوَى - بطريق الإجمال - جميعَ ما كان في كتب الأنبياء، وصُحُفِهم، (لا) بطريق التَّفصيل". (٦). و" المصحف "اسمٌ للمكتوبِ من القرآن الكريم، المجموع بين الدَّفَّتين، و"القرآن" اسمٌ لكلامِ الله تعالى المكتوبِ في المصاحف.

стр. 229

وفي نحو ما سبق يقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) ﵀: " والفرق بين الصحف والمصحف: أن الصحف الأوراق المجردة التي جمع فيها القرآن في عهد أبي بكر، وكانت سورًا مفرقة، كل سورة مرتبة بآياتها على حدة، لكن لم يرتب بعضها إثر بعض، فلما نسخت، ورتب بعضها إثر بعض صارت مصحفًا ". (١) ونختم هذ المبحث الهام ببعض نظم أبي عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀ في الأرجوزة المنبهة: القَوْلُ فِي المَصَاحِفِ وَجَمْعِ القُرْءَانِ فِيهَا وَاصْغَ إلى قَوْلِيَ فِي المَصَاحِفِ … وَمَا أَنُصُهُ عَنْ الأسَالِفِ مِنْ شَأنِهَا فِي زَمَنِ الصِّدِّيقِ … وَالمُرْتَضَى عُثْمَانَ ذِي التَوْفِيقِ لَمَّا تُوُّفِيَّ رَسُولُ اللَّهِ … صَلَى عَلَيهِ دَائِمَاً إلَهِي وَوَلِيَ الصِّدِّيقُ أمْرَ الأُمَّه … مِنْ بَعْدِ مَا جَرَتْ أُمُورٌ جَمَّه ارْتَدَّتْ العْرَبُ فِي البُلْدَانِ … وَأعْلَنَتْ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَمَنَعَتْ فَرِيضَةَ الزَّكَاةِ … وَفَرْضُهَا قُرِنَ بِالصَّلاةِ رَأى خَلِيفَةُ النَّبِيِّ المُصْطَفَى … جِهَادَهُم فَرِيضَةً وَشَرَفَا فَجَيَّشَ الجُيُوشَ وَالعَسَاكِرَا … نَحْوَهُمُ وَوَجَّهَ الأَكَابِرَا مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ … مُرْتَجِيًا لِنُصْرَةِ القَهَّارِ فَحَقَقَ الإلَهُ مَا رَجَاهُ … وَرَضِيَ الرَأيَ الَّذِي رَءَاهُ وَأُيِّدَ الجَيْشُ الَّذِي أعَدَّهِ … فَقَتَلُوا وَأَسَرُوا المُرْتَدَّه وَلَجَأَ البَعْضُ إلى الحُصُونِ … وَصَالَحُوا عَلَى التِزَامِ الدِّينِ وَذَاكَ بَعْدَ مِحْنَةٍ وَشِدَّه … جَرَتْ عَلَى الصَّحْبِ مِنَ اهْلِ الرِدَّه وَاسْتُشْهِدَ القَرَأَةُ الأَكَابِرُ … يَوْمَئذٍ هُنَاكَ وَالمَشَاهِرُ وَوَصَلَ الأمْرُ إلى الصِّدِّيقِ … فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى التَوْفِيقِ وَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الفَارُوقُ … مَقَالَةً أيَّدَهَا التَوْفِيقُ إنِّي أرَى القَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّا … بِحَامِلِي القُرْءَانِ وَاسْتَمَرَّا وَرُبَّمَا قَدْ دَارَ مِثْلُ ذَاكَا … عَلَيهِمو فَعُدِمُوا بِذَاكَا فَاسْتَدْرِكْ الأمْرَ وَمَا قَدْ كَانَا … وَاعْمَل عَلَى أنْ تَجْمَعَ القُرْءَانَا وَرَاجَعَ الصِّدِّيقَ غَيْرَ مَرَّه … فَشَرَحَ اللَّهُ لِذَاكَ صَدْرَه

стр. 230

فَقَالَ لابْنِ ثَابِتٍ إذْ ذَاكَا … إنِّي لِهَذَا الأمْرِ قَدْ أرَاكَا قَدْ كُنْتَ بِالغَدَاةِ والعَشِيِّ … تَكْتُبُ وَحْيَ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ فَأنْتَ عِنْدَنَا مِنَ السُّبَّاقٍ … فَاجْمَعْ كِتَابَ اللهِ فِي الأَوْرَاقِ فَفَعَلَ الَّذِي بِهِ قَدْ أَمَرَه … مُعْتَمِدًا عَلَى الَّذِي قَدْ ذَكَرَه وَجَمَعَ القُرْءَانَ فِي الصَّحَائِفِ … وَلَمْ يُمَيْزْ أَحْرُفَ التَخَالُفِ (١) بَلْ رَسَمَ السَّبْعَ مِنَ اللُّغَاتِ … وَكُلَّ مَا صَحَّ مِنَ القِرَاتِ فَكَانَتْ الصُّحُفُ فِي حَيَاتِه … عِنْدَ أبِي بَكْرٍ إلى مَمَاتِه ثُمَّةَ عِنْدَ عُمَرَ الفَارُوقِ … حِينَ انْقَضَتْ خِلافَةُ الصِّدِّيقِ ثُمَّةَ صَارَتْ بَعْدُ عِنْدَ حَفْصَه … لَمَّا تُوُّفِيَّ كَمَا فِي القِصَّه. (٢) وبانتهاء المبحث الثاني ينتهي الفصل الثاني. و الحمد لله رب العالمين.

стр. 231

الفصل الثالث المرحلة الثالثة من مراحل جمع القرآن الكريم: جمعه وتدوينه في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضى الله عنه- "المصاحف العثمانية" وفيه خمسة مباحث: وهي إجمالًا على النحو التالي: المبحث الأول: المصحف العثماني المبحث الثاني: انفاذ المصاحف العثمانية المبحث الثالث: قضايا مهمة حول المصاحف العثمانية ومصيرها المبحث الرابع: الرسم العثماني المبحث الخامس: المرحلة الرابعة ل الكريم: وهي مرحلة الجمع الصوتي للقرآن الكريم، أي "تسجيله تسجيلًا صوتيًا" وفيه خمسة مباحث: وهي تفصيلًا على النحو التالي: المبحث الأول: المصحف العثماني وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: التعريف به وبيان بواعث جمعه وأسبابه ودواعيه أولًا: التعريف بالمصحف العثماني (الإمام) المفهوم الاصطلاحي: أ- المَصَاحِفُ العُثْمَانِيَّةُ هي المَصَاحِفُ التِّي نُسِخَتْ في خِلَافَةِ عثمان ﵁ بِأَمْرِهِ، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا بسببِ كثرةِ الاختلافِ في القراءاتِ وعدمِ إدراكِ بعضِ النَّاسِ لمنشأِ الاختلافِ، فنسخها ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى كُلِّ بَلَدٍ مُصْحَفًا لِيَكونَ مَرْجِعًا لَهُمْ عِنْدَ الاخْتِلَافِ، وَمع كل مصحفٍ منها قارئًا، وَعَدَدُ هَذِهِ المَصَاحِفَ ستَّةٌ وَقِيلَ أَكْثَرُ، وَهِيَ: المصحفُ المَدَنِيُّ الخَاصُّ وَيُسَمَّى الإمامَ، لأن عثمانَ- ﵁ احْتَفَظَ بِهِ لنفسِهِ، وَالمصحفُ المدنيُّ العَامُّ، الذي كان بأيدي أهلِ المدينةِ، وَالمصحفُ الشاميُّ، وَالمصحفُ الكوفيُّ، وَالمصحفُ البصريُّ، وَالمصحفُ المكِّيُّ.

стр. 232

اطلاقات المصطلح: يَرِدُ مُصْطَلَحُ (المَصَاحِفِ العُثْمَانِيَّةِ) فِي أَبْوابٍ أُخْرَى مِنْ عُلُومِ القُرْآنِ: كَبَابِ الرَّسْمِ العُثْمَانِي، وَبَابِ، وَبَابِ تَرْتِيبِ السُّوَرِ، وَبَابِ القِرَاءَاتِ وَالقُرَّاءِ، وَغَيْرِهَا. (١) ب- المصحف الإمام يقول صاحب "تاريخ القرآن": والمراد بالمصحف العثماني مصحف عثمان بن عفان ﵁ الذي أمر بكتابته وجمعه وكانوا يسمونه "المصحف الإمام"، وسبب هذه التسمية "الإمام" هي مقولة عثمان ( … يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إمامًا). (٢) ولعل كلمة المصحف الإمام كانت تشمل جميع المصاحف التي كتبت بأمر عثمان ﵁ في أي مصر من الأمصار، وليس مصحف المدينة أو المصحف الخاص بالخليفة فحسب. (٣) فقبيل أُفُول شهر ذي الحجة من عام ٢٣ هـ بأيام قلائل قدم الشقي أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة- ﵁-على قتل أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الرشدين عمر بن الخطاب-﵁ وهو يصلى بالناس صلاة الفجر، وكان ذلك إثر دعاء عمر بحُسْنَ الختام بأيام قلائل، وذلك في آخر حجة حجها عام ٢٣ هـ أي من نفس العام. فعن سعيدٍ بن المسيِّب (ت: ٩٤ هـ) - رحمه الله تعالى-: " أنَّ عمرَ لما أفاض من مِنى، أناخ بالأبْطِحْ، فكوَّم كومةً من بَطْحَاءَ، وطرح عليها طَرَف ثوبه، ثم استلقى عليها، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم كبرَتْ سنِّي، وضعفتْ قوَّتي، وانتشرتْ رعيَّتي؛ فاقبضني إليكَ غير مضيِّعٍ ولا مفرِّط". قال سعيد: فما انسلخ ذو الحجَّة حتى طُعِنَ ". (٤) وهو الذي كانت الشهادة من قبل من أعز مطالبه وأغلى أمانيه ﵁ فعن زيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) عن أبيه عن عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁ قال: "اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد نبيك"، وجاء في رواية: "اللهم قتلًا في سبيلك ووفاة في بلد نبيك". فقال عمر- ﵁: وأنى يكون ذلك؟!! قال: يأتي به الله إذا شاء.

стр. 233

قال ابن المِبْرَد: "وتمني الشهادة مستحب، وهو مخالف لتمني الموت، فإن قيل: ما الفرق بينهما؟ قيل: تمني الموت، طلب تعجيل الموت قبل وقته، ولا يزيد الإنسان عمره إلا خيرًا، وتمني الشهادة هو أن يطلب أن يموت عند انتهاء أجله شهيدًا، فليس فيه طلب تقديم الموت عن وقته، وإنما فيه طلب فضيلة فيه". (١) لما لا وقد بشره النبي- ﷺ بالشهادة من قبل: فقد ثبت عند البخاري وغيره من حديث أنس بن مالك- ﵁-أنَّ النبيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا، وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمَانُ فَرَجَفَ بهِمْ، فَقَالَ: اثْبُتْ أُحُدُ فإنَّما عَلَيْكَ نَبِيٌّ، وصِدِّيقٌ، وشَهِيدَانِ. (٢). والصِّدِّيقُ هو أبو بكرٍ، والشَّهيدانِ هما عُمرُ وعثمانُ؛ فكِلاهما قُتِلَ شَهيدًا ومظلومًا-﵃ أجمعين-. مبايعة عثمانُ (ت: ٣٥ هـ) ﵁ بالخلافة: وفي مطلع شهر الله المحرم من سنة ٢٤ للهجرة وإثر مقتل عمر-﵁ شهيدًا بُويِعَ عثمانُ ﵁ بالخلافة. وفي عهد عثمان- ﵁ كثُرت الفتوحات الإسلامية، واتسعت رقعة الدولة المسلمة في زمنه واتسع إثر ذلك العمران، وتفرق المسلمون في أرجاء تلك البقعة من بلاد الإسلام المترامية الأطراف والأقطار، وانتشر الصحابة- ﵃ في الأمصار يعلمون الناس آي التنزيل، ودخل فئام من الناس في دين الله، وطال عهد الناس بالرسول والرسالة، وفي إثر ذلك نشأ جيل جديد لم يشهد عهد التنزيل وكان منهم الأعجمي الذين لا يحسن العربية ولا يعرف وجوهها، وكان منهم من هو بعيد عن مهبط الوحي ومهد الرسالة زمانًا ومكانًا، وكان كل معلم ومقرئ من الصحابة-﵃ يُقرئ الناس ويعلمهم القراءة بالحرف الذي تلقاه وتعلمه من فِيِ رسول الله ﷺ من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. ولذا كان أهل كل مصر من تلك الأمصار يقرأ بالقراءة التي تعلمها وتلقاها من الصحابي الذي علمه، فكان بين وجوه القراءة التي يقرآ بها كل واحد منهم من الاختلاف والتباين في حروف الأداء حسب القراءة التي تلقاها وتعلمها ممن أخذ عنه من الصحابة- ﵃، وتلك الأجيال التي دخلت في الإسلام ولم تشهد عهد التنزيل لا يعرفون أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وأن أي حرف قُرئ به فهو شاف كاف، فحدث عندهم من جراء ذلك نوع استغراب وتعجب واختلاف

стр. 234

حتى أضحوا وقد خطأ بعضهم البعض حتى إن كان الواحد من هؤلاء ليقول هذه قراءة فلان وهذه قراءة فلان، حتى كادت أن تقع بينهم فتنة عظيمة لولا أن الله تعالى الذي وعد بحفظ كتابه وتولى ذلك بذاته العلية ولم يكِل ذلك لأحد من خلقه لطف بهم وبكتابه كما ورد وعده بذلك في قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). ثانيًا: بيان بواعث وأهم أسباب ودواعي هذا الجمع لما وقع الخلاف وخطأ بعض المتعلمين بعضهم بعضًا بسبب اختلاف أوجه القراءة كما مر معنا، وقد وقف حذيفة بن اليمان- ﵁ على هذا الخلاف بنفسه في فتوحات أرمينية وأذربيجان بين جندي العراق والشام فأفزعه ما رأى وتحقق من خطورة الأمر بنفسه وانتبه له- ﵁ -وهو صاحب رأي حاذق وبصيرة نافذة، لما لا وهو صاحب سر رسول الله ﷺ في شأن المنافقين-، فقد رأى أمرًا جللًا وخطرًا عظيمًا يحدق بكتاب الله تعالى؛ فهاله ما رأى فعزم على سد تلك الثلمة وإخماد نار تلك الفتنة قبل تطاير شرارها، وإيصاد بابها قبل انفتاحه في وجه الأمة، فعزم على التوجه إلى خليفة المسلمين لإبلاغه واطلاعه على هذا الأمر الجلل فركب إلى المدينة ليخبر عثمان- ﵁ بالأمر الذي رآه وهاله وأشار عليه في أن يتدارك الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأجاب عثمان- ﵁ نداء حذيفة ﵁ في تدارك الأمر وعزم على جمع الأمة على مصحف واحد إمام يجتمع عليه المسلمون. وقد أخرج البخاري-﵀ هذه الواقعة في صحيحه من حديث أنس بن مالك-﵁-أن حذيفة بن اليمان- ﵁ قدِمَ على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزَعَ حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقالَ حذيفةُ لعثمان: " يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى". فأرْسَلَ عثمان إلى حفصة- ﵂ أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ثم نردُّها إليكِ. فأرسلتْ بها حفصة إلى عثمان، فأمَرَ زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. (١) قال ابن أبي داود ﵀ (ت: ٣١٦ هـ) في كتاب "المصاحف":

стр. 235

"وكان عثمان - رضى الله عنه - (قد) لمس هذا الاختلاف من قراء المدينة أنفسهم فقام خطيبًا وقال: " أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون فمن نأى عني من الأمصار أشدّ فيه اختلافا وأشدّ لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمّد، واكتبوا للنّاس إمامًا ". ولذا قال علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف .. فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا جميعًا، قال: ما تقولون في هذه القراءة، قد بلغني أن بعضهم يقول إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى، قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا يكون اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت .. قال على: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل". (١) المطلب الثاني: صفة جمعه وكيفيته وخطواته وتوقيته وزمنه أولًا: صفة الجمع العثماني وكيفية لما استجابت أم المؤمنين حفصة بنت عمر- ﵄ لنداء عثمان- ﵁ وبعثت إليه بالصحف التي جُمِعَت على عهد أبي بكر-﵁ وهي التي تعد المصدر الرئيس والوحيد الذي ستقوم لجنة الجمع في الاعتماد عليه والنسخ منه، سُلِمت تلك الصحف للجنة الجمع العثماني والتي سيأتي الكلام عنها بشيء من الإيضاح بعد قليل. فجمع عثمان- ﵁ أهل الرأي من الصحابة كعلي وطلحة والزبير وغيرهم ﵃ أجمعين- فاستشارهم، فأشاروا عليه بجمعه على حرف واحد حتى لا يختلف الناس؛ فأمر- ﵁، بجمعه مكونًا تلك اللجنة الرباعية بقيادة ورئاسة زيد بن ثابت- ﵁، فقاموا بجمعه على حرف واحد، وكتبه وأرسل نسخ منه إلى الأقاليم والأمصار لاعتماده وحتى يقطع ويحسم بذلك العمل العظيم مادة النزاع والشقاق والخلاف، وكتب مصاحف الأمصار وفق قراءة كل مصر، وأرسل مع كل مصحف قارئًا يقرأ بنفس الحرف المرسل به المصحف لهذا المصر غالبًا، وسيأتي بيان ذلل بشيء من التفصيل والإيضاح في موضعه بإذن الله تعالى ..

стр. 236

وقد ثبت عند البخاري من حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ-﵁: أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: " إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا. (١) قال الزهري (ت: ١٢٤ هـ) ﵀: فاختلفوا (الصحابةُ) يومئذ في (التابوت والتابوه) فقال القرشيون "التابوت"، وقال زيدٌ: (وهو مدني) "التابوه" فرُفعَ اختلافهم إلى عثمان فقال اكتبوه "التابوت" فإنه نزل بلسان قريش" (٢). هل شارك عثمان- ﵁ العمل مع لجنة الجمع؟ يقول ابن جزىّ الكلبي (ت: ٧٤١ هـ) ﵀ في "التسهيل": الذي " يبدو أن الخليفة كان يشارك بشكل كبير فى عملية النسخ ولم يقتصر دوره على إبداء الرأي والنصيحة وحسم الخلافات بين أعضاء اللجنة فحسب ". (٣) هذا "وقد استمرت عملية نسخ صحف القرآن بلغة قريش حتى تم تجميع القرآن فى مصحف واحد، وعرف ذلك المصحف بـ "المصحف الامام" أو بـ "مصحف عثمان"، وبعدها قام عثمان برد الصحف الى حفصة وأرسل الى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق ". (٤) ثانيًا: توقيت وزمن هذا الجمع عزم عثمان - رضى الله عنه - في أواخر سنة ٢٤ هـ وأوائل سنة ٢٥ هـ على جمع القرآن الكريم في مصحف سمي بالإمام بعد ذلك كما قال ابن حجر العسقلاني ﵀ وقال أيضًا: "وغفل بعض من أدركناه فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين ولم يذكر له مستندًا ". (٥)

стр. 237

ولم تذكر المدة التي استغرقتها اللجنة في كتابة المصحف، وقد رضي الصحابة - رضى الله عنهم - ما صنعه عثمان - رضى الله عنه - وأجمعوا على صحته وسلامته، وقال زيد بن ثابت - رضى الله عنه - "فرأيت أصحاب محمد ﷺ يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان". (١) ثالثًا: أبرز معالم هذا الجمع لقد حدد عثمان-﵁ مع أعضاء لجنة الجمع معالم هامة في نسخ المصاحف العثمانية لا يحيدون عنها بحال من الأحوال والتي كان من أبرزها ما يلي: ١ - عدم نسخ وكتابة أي شيء إلا بعد تحقق وثبوت قرآنيته، مع تجريد الصحف من النقط والشكل ومن كل ما ليس بقرآن. ٢ - التأكيد على عدم نسخ وكتابة إلا ما استقرت عليه العرضة الأخيرة، وهو الموافق لما أُثْبِتَ في اللوح المحفوظ ٣ - التأكد من أن ما يكتب لم تنسخ قراءته، وترك وإهمال كل ما ثبت نسخه، والمنسوخ هوما يسمى: بـ "القراءات الشاذة" عند المتأخرين. والقراءة الشاذة عند الجمهور هي ما لم يثبت بطريق التواتر. (٢) قال ابن الجزري (ت: ٨٣٣ هـ) ﵀: - فهذه القراءة تسمى اليوم شاذة لكونها شذت عن رسم المصحف المجمع عليه، وإن كان إسنادها صحيحًا، فلا تجوز القراءة بها لا في الصلاة ولا في غيرها. (٣) والبعض يسميها قراءة تفسيرية وفي ذلك يقول ابن كثير ﵀: وهذه "القراءات الشاذة" إذا لم يثبت كونها قرآناً متواتراً فلا أقل أن يكون خبر واحد أو تفسيرًا من الصحابة، وهو في حكم المرفوع. (٤)

стр. 238

٤ - عدم كتابة ونسخ أي شيء إلا بعرضه على حملة القرآن من كبار قراء الصحابة وبموافقتهم جميعًا ﵃. ٥ - عند وقوع خلاف في كتابة شيء من القرآن يرجعوا للسان وحرف قريش، فبلسانها نزل-أي ابتداءً-، ومثال ذلك: قوله تعالى: (التَّابُوتُ) (البقرة من آية: ٢٤٨)، فإن لغة أهل المدينة "التابوه" بالهاء، ولغة قريش "التابوت" بالتاء، " فاختلفوا (الصحابةُ) يومئذ في (التابوت والتابوه) فقال القرشيون "التابوت:، وقال زيدٌ: (وهو مدني) "التابوه" فَرُفِعَ اختلافُهُم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت فإنه نزل بلسان قريش" (١). وقد مر معنا ذكره آنفًا أيضًا. قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀ في تفسيره: "اختلاف الأحرف السبعة إنما هو اختلاف ألفاظ؛ كقولك: هلم وتعالَ، باتفاق المعاني، لا باختلاف معانٍ موجبة اختلاف أحكام، وبمثل الذي قلنا في ذلك صحت الأخبار عن جماعة من السلف والخلف". (٢) ٦ - لا يكتبون إلا ما تواترت قراءته، وعدم كتابة غيرها مما لم تتواتر قراءته كالذي ثبت بطريق الآحاد ٧ - كل لفظ لم يرد فيه وجه من وجوه القراءات فإن رسمه يكون بشكل واحد، وعلى هذا أغلب وأكثر القرآن، ومن أمثلة الكلمات التي لا تقرأ ولا ترسم إلا بوجه واحد قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (الفاتحة: ٥). ٨ - كل لفظ ورد فيه أوجه عدة من القراءات فإن رسمه لابد أن يُكتب بطريقة تحتمل كل ما ورد فيه من تلك القراءات، فيُكتب اللفظ خاليًا من أيّة علامة تقصر النّطق به على قراءة واحدة فمثال ما أمكن رسمه على أكثر من حرف، كل مما يلي: أ- رسم قوله تعالى: (ملك يوم الدين) (الفاتحة: ٤) فقد جاء رسمها هكذا (مَالِكِ) بإثبات ألف الإلحاق الصغيرة لتعريف القارئ أنها تُقرأ هكذا (مَالِكِ) وذلك في قراءة عاصم والكسائي ويعقوب وخلف، أما عند باقي القراء فتقرأ هكذا على أصلها (مَالِكِ) بعدم إثبات ألف الإلحاق، وهما قراءتان متواترتان. وقد قرأ عاصم والكسائي ويعقوب وخلف بالألف مدًا أي بألف بعد الميم بوزن اسم الفاعل (مَالِكِ) فيقرؤونها هكذا: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤) وهي كذلك مروية عن عثمان وعلي

стр. 239

وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وطلحة والزبير-﵃، رواها الترمذي في كتابه وقال: إن النبي- ﷺ قرأَ بها وصاحباه أيضًا، وهي بالمد مشتقة من الملك، وتدل على ملك الأعيان، كما تدل على القدرة على التصرف في المملوكات من تلك الأعيان، وقرأ الباقون من القراء العشرة بغير ألف قصرًا (مَالِكِ). فيقرؤونها هكذا: (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (الفاتحة: ٤). وهي بالقصر: (مَالِكِ). مشتق من المُلكِ، فتكون بمعنى السلطان والقوة والتدبير والحكم والقهر. وقد رُسمت بالميم واللام والكاف مع إثبات ألف الإلحاق الصغيرة هكذا (مَالِكِ) قصرًا، لاحتمال القراءتين جميعًا. ب- وكذلك رسم: كلمة (عِبَادُ) في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا) (الزخرف: ١٩) رسمت هكذا (عىد) فأصبح رسمها في الآية في قوله تعالى: (وجعلوا الملائكة الذين هم عىد الرحمن إناثًا) (الزخرف: ١٩) هكذا (عىد) بدون تنقيط لكي تحتمل كل القراءات الواردة في هذه الكلمة. فتصح أن تقرأ (عِبَادُ) أو (عند)، وهما قراءتان متواترتان. و (عِبَادُ) بوضع نقطة تحت النبرة تُقرأ باءً، وعلى حرف الباء ألف صغير وهي التي تُسمى ألف الإلحاق، بِكَسْرِ العَيْنِ وباءٍ مُوَحَّدَةٍ بَعْدَها ألِفٌ وضَمِّ الدّالِ، جَمْعُ عَبْدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآيَةَ (الفرقان: ٦٣). قرأ بها أبو عمرو البصري والكوفيون وهم عاصم وحمزة والكسائي وخلف. و (عند)، بوضع نقطة فوق النبرة، تُقْرَأ نونًا هكذا (عِنْدَ الرَّحْمَنِ)، قرأ بها الباقون وهم: نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ، بِسُكُونِ النُّونِ وفَتْحِ الدّالِ، ظَرْفٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٦) ولا تَعَارُضَ بين الرسم في الكلمتين، لأن كليهما وَحْيٌ من الله تعالى، وكُلِّ قراءة من القراءتين لها معنى لا يَتَعَارَضُ ولا يَتَصَادَمُ مع المعنى الآخر، بل إن المعنيين يُكمّل بعضهما البعض ويوضح بعضه البعض، فقد أخبر الله تعالى أن الملائكة هم (عِبُادُ الرحمن) (عِبَادُ)، وهذا للرد على الكُفّارَ الذين افْتَرَوْا عَلى المَلائِكَةِ ووصفوهم بأنَّهم إناثٌ، زاعِمِينَ بذلك أنَّهم بَناتُ اللَّهِ، لأن كلمة (عِبَاد) جَمْعُ مُذَكَّر- من "عَبْد"، فجاء الوصف للملائكة بالعبودية، وأخبر الله تعالى أن هؤلاء الملائكة مكانهم عند الله، أي في السماء في قوله: (عند) الظرفية المكانية، وفيها رد على الذين ينكرون صعود الملائكة عند الله من أهل البدع. ومع ذلك فالقراءتان فيهما إعجاز في الرسم العثماني كما هو واضح في معنيهما.

стр. 240

وفي ذلك يقول الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) ﵀ في فتح القدير: قرأ الكوفيون: (عِبَادُ)، بالجمع، وبها قرأ ابن عباس. وقرأ الباقون: (عند الرحمن) بنون ساكنة، واختار القراءة الأولى أبو عبيد، لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله إنما كذبهم في قوله: إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عباده، ويؤيد هذه القراءة قوله: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ) (الأنبياء: ٢٦)، واختار أبو حاتم القراءة الثانية، قال: وتصديق هذه القراءة قوله: (إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ) (الأعراف: ٢٠٦) أي الملائكة. (١) وبنفس قول الشوكاني قال غير واحد من أهل التفسير. ج- وكذلك رسم: (فتبينوا) في قوله تعالى: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (الحجرات: ٦) فقرئت (فَتَبَيَّنُوا) وقرئت (فتثبتوا)، وكلتا القراءتين قراءة صحيحة متواترة عن النبي- ﷺ وهما متقاربتا المعنى، وهما بمعنى: أمهلوا حتى تعرفوا صحة الخبر، ولا تعجلوا بقبوله حتى تتبينوا وتتثبتوا منه. فأما قراءة (فَتَبَيَّنُوا) فقرآ بها: نافع وابن كثير وأبو عمر وابن عامر وعاصم وأبي جعفر ويعقوب الحضرمي. وأما قراءة (فتثبتوا) فقرأ بها: حمزة والكسائي وخلف العاشر، وقد ذُكر أنها في مصحف ابن مسعود- ﵁ منقوطة بالثاء المثلثة. د- وكذلك رسم: (نُنْشِزُهَا) في قوله تعالى: (وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا) (البقرة: ٢٥٩)، قرأ بها ابن عامر والكوفيون بضم النون والزاي معًا، وقرأ الباقون (نُنْشِرُهَا) بالراء، بضم النون والراء المهملة بدل الزاي ولم يختلفوا في محل السكون منها وإنما اختلفوا في إبدال الراء زايًا، وهي قراءة عامة أهل المدينة. ٩ - وأما أي لفظ تختلف فيه أوجه القراءات ولا يمكن رسمه في الخط محتملاً لتلك الأوجه جميعًا فإنهم يكتبونه في النسخ التي بين أيديهم تارة برسم وخط يوافق بعض تلك الأوجه في نسخة، وتارة يكتبونه برسم وخط يوافق الوجه الآخر في نسخة أخرى، ومن أمثلة ذلك كلمة: (وَوَصَّى) في قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) (البقرة: ١٣٢) فقرئت (وَوَصَّى) وقرئت (وَأوصى). فقرأ نافع وابن عامر (وَأوصى) هكذا بالألف، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون (وَوَصَّى) هكذا بغير ألف بالتشديد، وهو كذلك في مصاحفهم، والمعنى واحد إلا أن في قراءة (وَوَصَّى) دليل على المبالغة والتكثير.

стр. 241

ومن أمثلة ذلك أيضًا قراءة (تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) (التوبة: ١٠٠)، رُسمت بحذف لفظ: (من) قبل (تحتها)، أو بزيادتها. وقرأ ابن كثير بزيادة (من) وكسر التاء من (تحتِها)، وهي كذلك في المصاحف المكية، والباقون بحذفها وفتح تاء (تحتَها). (١) ١٠ - ومن أبين وأظهر وأشهر تلك المعالم العظام في جمع عثمان-﵁ ترتيبه آيات القرآن وسوره وتلقى الأمة له بالقبول وبقاء تلك المصاحف "العثمانية" على الوجه المعروف والمعهود منذ عهد جمعه إلى زماننا الحاضر، بل وإلى ما شاء الله أن يكون القرآن بين يدي عباد الله، وإلى أن يرفعه اللهُ في آخر الزمان من الأرض فلا تبقى منه آية مكتوبة في السطور ولا آية محفوظة في الصدور. فإن القرآن سـ " … يسرى به فى آخر الزمان من المصاحف والصدور فلا يبقى فى الصدور منه كلمة، ولا فى المصاحف منه حرف". (٢) وفي نحو ذلك يقول ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ): ﵁: " لَيُنْتَزَعَنَّ هذا القرآن من بين أظهركم، قيل له: يا أبا عبد الرحمن: كيف يُنتزع وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يُسْرَى عليه في ليلة فلا يبقى في قلب عبد ولا مصحف منه شيء، ويصبح الناس كالبهائم " ثم قرأ قول الله تعالى: (ولئن شئنا لَنَذْهَبَنَّ بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلًا) (الإسراء: ٨٦). (٣) وختامًا: فإن معالم جمع عثمان- ﵁ وضعت وفق أسس وأساليب علمية محكمة ومعاير دقيقة بلغت فيها الحيطة لكتاب الله أعلاها وأدقها وأسلمها وأكملها وأحسنها وأتمها. المطلب الثالث: أعضاء لجنة هذا الجمع، ودواعي اختيارهم، ومنهج جمعهم أولًا: أعضاء لجنة هذا الجمع لقد وقع خلاف في عدد أعضاء لجنة الجمع، فذهب البعض إلى أنهم اثنا عشر رجلًا، وقال البعض بأنهم خمسة رجال، وذهب البعض إلى أنهم أربعة رجال،

стр. 242

فاجتمع لدينا بذلك ثلاثة أقوال هي بالتفصيل على النحو التالي: القول الأول: أنهم اثنا عشر رجلًا فيهم: ١ - أبي بن كعب ٢ - وزيد بن ثابت وهو مروي عن محمد بن سرين عن كثير بن أفلح، وذكره ابن أبي داود السجستاني في كتاب "المصاحف". (١) القول الثاني: أنهم خمسة رجال على النحو التالي: ١ - زيد بن ثابت الأنصاري ٢ - عبد الله بن الزبير ٣ - عبد الله بن عباس ٤ - عبد الله بن عمرو بن العاص ٥ - عبد الرحمن بن الحارث. وهو مروي عن أبي عمرو الداني في كتاب " المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار". (٢) القول الثالث: أنهم أربعة رجال وهم على النحو التالي: ١ - زيد بن ثابت ٢ - عبد الله بن الزبير ٣ - وسعيد بن العاص ٤ - وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٣) وأشهر هذه الأقوال وأرجحها القول الأخير وهو ما عليه الجمهور. وهو أنهم أربعة نفر: زيد والثلاثة القرشيون، وهم الذين ورد ذكر خبرهم عند البخاري من حديث أنس بن مالك- ﵁ والذي قال فيه: " … فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط

стр. 243

القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم". (١). و الروايات السابقة قد تجتمع جميعًا: وهذه الروايات قد تجتمع من جانب آخر ألا وهو: أن هؤلاء الأربعة هم أعضاء لجنة الجمع والكتابة الذين كُلفوا بالجمع أولًا، وأن باقي المذكورين كانوا مساعدين ومعاونين ينضمون إلى معاونة أعضاء اللجنة المسؤولين عن الجمع كمعاونين ومساعدين لهم في بعض الأحايين. بل حتى أعضاء اللجنة الأربعة كانت الأعمال توزع بينهم كذلك ومما يدل على ذلك سؤال عثمانَ الصحابةَ-﵃ أجمعين-: "من أكتب الناس، قالوا: كاتب رسول الله زيد بن ثابت، قال فأي الناس أعرب، قالوا: سعيد بن العاص، قال عثمان فليمل سعيد وليكتب زيد". (٢) يقول ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): ﵀ مبينًا موقف الصحابة من فعل عثمان-﵃ أجمعين-: "واستحسن أصحاب الرسول- ﷺ هذا العمل". (٣)، فدل ذلك على أن تقسيم الأعمال بينهم كان جاريًا، وأنه كان على حسب ما تميز به كل عضو وبرز فيه واشتهر به وأتقنه، وهذا ما فعله عثمان واستحسنه الصحابة- ﵃ أجمعين. ولم يترجم الباحث لأعضاء لجنة الجمع لسببين اثنين: السبب الأول: لاشتهارهم، وقد جرى عمل الباحثين على تراجم الأعلام غير المشاهير فحسب. السبب الثاني: لأن أغلب الباحثين في هذا العمل "" قد ترجموا لهم مشكورين مأجورين، فلا حاجة للإعادة والتكرار، ولاسيما أن تراجمهم معروفة ومشهورة ولا تخفى، وقد جرى التعريف بزيد-رض الله عنه- دونهم لوجود الداع لذلك ألا وهو كونه رئيس لجنة الجمع. ثانيًا: دواعي اختيار أعضاء لجنة الجمع وبيان منهج جمعهم يبين الزرقاني ذلك بعد أن ذكر منهج جمعهم وهو ما مر بنا آنفًا ذكره بالتفصيل مع سياق الأمثلة في محض الكلام عن "أبرز معالم هذا الجمع". وذكر هنا أسبابًا عظام اتصفوا بها كانت من مقومات اختيارهم ل فقال: " … إنهم تلقوا القرآن عن رسول الله- ﷺ بجميع وجوه

стр. 244

قراءاته، وبكافة حروفه التي نزل عليها ". (١)، ولا شك أن في تلك المقومات من المؤهلات الكافية للقيام بهذه المهمة الجليلة. وهذا في حقهم جملة، إضافة لما تميز به بعضهم بصفات وخصائص خاصة ولا سيما زيد-﵁ وقد مر معنا في طيات البحث كثيرًا ذكر دواعي اختياره في الجمع البكري، وهي كثيرة ومشهورة. ثالثًا: منهجهم في الجمع الأسس والقواعد التي انطلقت منها ونهجتها لجنة الجمع: ١ - اتحاد المصدر "المجموع منه"، والمصدر "الجامع له". * وذلك بأن لجنة الجمع اتخذت الصحف البكرية التي أجمع عليها الصحابة-﵃ مصدرًا أصيلًا ووحيدًا يعتمد عليه وينسخ منه القرآن. * كما اعتمدت اللجنة ترتيب الصحف البكرية للآيات والسور والتي رتبت وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة. فهذا هو المصدر المجموع منه الصحف العثمانية. * والذي رأس لجنة الجمع في العهدين هو زيد بن ثابت- ﵁ وهو المصدر الجامع له. ٢ - اعتماد لسان وحرف قريش عند الاختلاف في أحرف ووجوه القراءة وقت النسخ من الصحف البكرية، فبلسانها نزل القرآن. ٣ - اعتماد ونسخ ما نقل بالتواتر وإهمال ما اختلف فيه من وجوهِ القراءة وما كانت روايته آحادًا. ٤ - كل لفظ منقول بالتواتر يحتمل قراءته على أكثر من وجه يبقى خاليًا من النقط والشكل ومن أي علامة تقصر القراءة به على وجه واحد. ٥ - المراجعة والضبط بعد الانتهاء من النسخ، ثم المقابلة بالصحف البكرية للتأكد من سلامة النسخ وصحة النقل، وذلك صيانة للعمل وإتمامًا له على وجه تبرأ به الذمة ويُصان به كلام الله تعالى. وفي نحو ذلك يُعرج الزرقاني على منهجهم في الجمع فيقول: " … فكانت هذه الطريقة أدنى إلى الإحاطة بالقرآن على وجوهه كلها، حتى لا يقال: إنهم أسقطوا شيئًا من قراءاته، أو منعوا أحدًا من القراءة بأي حرف شاء على حين أنها كلها منقولة نقلاً

стр. 245

متواترًا عن النبي- ﷺ ، ورسول الله ﷺ يقول: "فأي ذلك قرأتم أصبتم فلا تماروا". (١) (٢) وختامًا: "فإن القرآن لم يُنقَلْ في الصحف والكتب فحسبُ، وإنما ظَاَهَرَ نقل الكتب والصحف حفظُ القرآن والتلقي بالمشافهة والعرض بالسماع، وقد وجد القرَّاء أحيانًا أن الكتابة لا تضبط اللفظ، فكانوا ينصُّون أن ذلك الحرف لا يُضبَط إلا بالمشافهة كقراءة حمزة (الصراط) في فاتحة الكتاب بين الصاد والزاي، وليس في الكتابة العربية رمز يمثِّلها؛ لذلك نجد ابنَ مجاهد (ت: ٣٢٤ هـ) (٣) يقول: ولا يضبطها الكتاب، ويقول في قراءة أخرى: ولا تضبط إلا باللفظ، وقد بلغ حرص القرَّاء على إتقان الرواية أنه إذا تقدَّمت السن بالقارئ توقَّف عن الإقراء خشية التحريف؛ أي: تحريف الصوت، لا اللفظ العام أو الكتابة، فكان سليمان بن مِهران الأعمش (ت: ٧٦٥ هـ) يُقرِئ الناس، ثم ترك ذاك في آخر عمره، فالقرآن الكريم نقل إلينا كتابة وحفظًا في الصدور بلفظه ومعناه وصوته؛ ذلك أن هذه القراءات نُقِلت مشافهةً عن رسول الله ﷺ وليس اجتهادًا أو استنباطًا من رسم الخط؛ لأن الرسم سنةٌ متَّبعة قد توافقه التلاوة، وقد لا توافقه، فمِن رسم الكلمات في المصحف: (وجائ) [الزمر: ٦٩]، وتقرأ: وجيء، و (لأ اذبحنه) [النمل: ٢١] بكتابة ألف بعد (لا)، وتقرأ: (لأذبحنَّه)، ومثل ذلك (ولأ اوضعوا) [التوبة: ٤٧]، وتقرأ: (ولأ وضعوا)، ومثل هذا كثير يُقرَأ بخلاف ما رسم. وقد أجمع القرَّاء المسلمون واتَّفقوا جميعًا على أنه لا رأيَ في القراءة بعد النبي ﷺ إلا بما ثبت عنه، ولا قَبول إلا بما قرأ به أو أقرَّه أو علَّمه. " (٤) المطلب الرابع: علاقة هذا الجمع بجمع أبي بكر- ﵁، وبيان الفرق بين الجمعين

стр. 246

أولًا: الجمع في العهد البكري كان مقصده حفظ القرآن وخشية ضياع شيء منه بمقتل وموت حفاظه، وكان الباعث عليه ما خشاه عمر بعد تحري القتل في الحفاظ، في قتال المرتدين في معركة اليمامة. ثانيًا: الجمع في العهد البكري كان العمل فيه على في مكان واحد فحسب، وذلك بجمعه من الأماكن التي كتب فيها، من الرقاع واللخاف وعسب النخل وغيرها، ثم ترتيب سوره وآياته وفق العرضة الأخيرة التي نزل بها القرآن، مقتصرًا في إثبات وكتابة ما لم تنسخ تلاوته فحسب، وإهمال المنسوخ منها، ونتج من جراء ذلك جمع نسخة واحدة وحفظها عند خليفة المسلمين. ثالثًا: لم يلزم أبو بكر- ﵁-الناس بما في الصحف التي جمعها ولم يحملهم عليها، ولذا كان بعض الصحابة يقرأ ببعض ما نُسخ من القرآن دون أن يعلم بالنسخ، والسبب في ذلك أنه لم يشهد العرضة الأخيرة. رابعًا: أما الباعث على الجمع العثماني فكان حسم مادة التنازع والشقاق الذي حدث ووقع في الفتوحات ووقف عليه حذيفة بن اليمان- ﵁ ورد هذا التنازع للسان ولغة قريش من بين سائر اللغات لأنه نزل بلسانها-ابتداءً-، وجمع الأمة عليه. خامسًا: الجمع العثماني لم يكن جمعًا لنسخة واحدة كالجمع البكري، وذلك لأن الباعث هنا اختلف عن الباعث هناك، وكان هنا أيضًا وفق العرضة الأخيرة مشتملًا على ما لم تنسخ تلاوته من الأحرف السبعة، وجمعت ورسمت الصحف العثمانية على طريقة تحتمل تلك الأوجه جميعًا تسهيلًا على الأمة ورفعًا للحرج والمشقة، ثم نسخت منها نسخ عدة وزعت على الأمصار وذلك حسمًا لمادة الخلاف ونزعًا لفتيل الفتنة والشقاق، وحمل الأمة على مصحف واحد وقراءة واحدة، مع شمول رسمه لكل الحروف التي نزل بها القرآن وإلزام الناس في جميع الأمصار بما في تلك الصحف المنسوخة، والتي رسمت بطريقة يمكن معها قراءة القرآن بجميع الأوجه وفق ما تحققت قراءته وثبت عدم نسخه من الأحرف السبعة التي نزل بها، والتي استقرت عليها العرضة الأخيرة. المطلب الخامس: أبرز نتائج وفوائد هذا الجمع ١ - بمجرد قيام عثمان- ﵁ بتلك المهمة وجمع المسلمين على مصحف إمام واحد خمدت فتنة عظيمة ٢ - إجماع الصحابة-﵃ وإعانتهم لعثمان- ﵁ على هذا العمل منحه الثقة والاعتماد والقبول، وفيه أيضًا إشارة إلى عنايتهم جميعًا- ﵃ بكتاب ربهم وإجلالهم له وحرصهم على سلامته من كل آفة.

стр. 247

٣ - إهمال المنسوخ وكتابة ما ثبتت قرآنيته فحسب، وقد فتح هذا العمل آفاقًا علمية جديدة خاصة لمن لم يشهد العرضة الأخيرة التي استقر عليها هذا الأمر. ٤ - كتابة تلك الصحف ورسمها بطريقة تحتمل جميع أوجه القراءة وفق الأحرف (١) السبعة التي نزل بها القرآن فَتَحَ بابًا للتعرف عليها وعلى ثبوتها واعتمادها ولاسيما لمن لم يكن يعلم ذلك من قبل، وهو الأمر الذي أشعل تلك الفتنة أول الأمر فأخمدها الله بهذا الجمع، والذي لم يهمل رسمه تلك الأوجه جميعًا، مما اشتملت عليه واستقرت عليه العرضة الأخيرة. وبهذا العمل العظيم اجتمعت كلمة المسلمين وتآلفت قلوبهم واجتمعت كلمتهم على كتاب ربهم. ٥ - نشر تلك الصحف في الأمصار من قبل الخليفة الراشد يُعد بمثابة قرارًا رسميًا باعتمادها وإهمال كل ما سواها، وبذلك يُحسم النزاعُ ويُرفع الشقاقُ نهائيًا حول الاختلاف الذي حدث في حروف الأداء ووجوه القراءة. ٦ - تلقت الأمة سلفًا وخلفًا الصحف العثمانية بالقبول والاعتماد، والمضي على العمل بالمصحف الإمام ووجوب التزام رسمه واتباعه، سواء كان هذا الرسم اجتهاديًا أم توقيفيًا، وإن كان الجمهور على أنه توقيفي، يجب على الأمة اتباعه، ولا تجوز مخالفته، كما سيأتي بيان ذلك تفصيلًا في موضعه بإذن الله تعالى. المطلب السادس: الكلمات التي اختلف رسمها في المصاحف العثمانية من المعلوم أن الصحف في هذا الجمع كُتِبَت على حرف واحد وقراءة واحدة ولسان واحد، هو حرف ولسان قريش الذي نزل به القرآن وذلك وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة. و كُتِبَت تلك الصحف بخط يحتمل وجوه القراءات وذلك بتجريدها من الشكل والنقط والحركات، وكان من نتاج ذلك وجود كلمات يختلف رسمها وحرفها، فجرى العمل على أن كل لفظ لا يحتمله الرسم يُفَرِّق ويوزع على المصاحف التي ترسل إلى الأمصار، وكان من جراء ذلك أن خصصت بعض المصاحف برسم والأخرى برسم آخر يختلف في حرف أو حرفين حتى لا يكتب في مصحف واحد مرتين، ثم وزعت تلك المصاحف بعد ذلك على الأمصار. وقد حُصِرَت تلك الكلمات في علم الرسم عند البعض في سبع وثلاثين كلمة، حَصرها من صنفوا في علم الرسم كأَبي عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: ٢٢٤ هـ) في "فضائل القرآن" وابن أبي داود السجستاني (ت: ٣١٦ هـ) في "كتاب المصاحف"، وأبي عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) في كتابه الشهير

стр. 248

" المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار" ولعل كتاب "الداني"-هذا- يُعدُ من أشهر تلك المصنفات لجودته. وقد اختلف هجاء عدد من الكلمات في المصاحف العثمانية بنقصانِ حرف أو زيادة حرف كما مر معنا بيان ذلك. وقد فُرِقت أوجه القراءات الصحيحة كلها في نسخ هذه المصاحف، والأئمة الذين كتبوا وصنفوا في هذا العلم حصروا تلك الكلمات وحددوها في سبع وثلاثين كلمة كما تقدم معنا، ومما صُنِفَ في اختلاف أوجه القراءات في المصاحف ما أملاه ابن عامر الشامي اليحصبي (ت: ١١٨ هـ) في كتابه"اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق". ومما يجدر التنبيه إليه هنا: أ- التنبيه إلى وجوب التمييز بين نوعين من اختلاف الكلمات في المصاحف العثمانية، فهناك بعضُ الكلمات رُسِمت بخطَّين مختلفينِ، لكن دون أن يترتب عليه اختلاف في اللفظ مثل قوله تعالى: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٣)، في بعض المصاحف مقطوع، وفي بعضها (بئسما) موصول. ب- التنبيه على أن هناك قسمٌ آخر من الاختلاف في هجاء الكلمات يشمل زيادة حرفٍ أو نقصه، مما يترتب عليه تغيير في طريقة اللفظ، وقد أثبتت المصادرُ الأولى أن هذا الاختلاف يرجعُ إلى المصاحف الأئمة التي أُرسِلت من المدينة إلى الأمصار في زمن عثمان ﵁ أو أنها وجدت في المصاحف القديمة التي نُسِخت من تلك المصاحف المرسلة. وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢) ﵀: والحق أن الذي جُمِع في المصحف العثماني هو المتَّفَق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي ﷺ واشتمال المصحف العثماني على عدد قليل من الأحرف السبعة محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمَرَ النبيُّ ﷺ بكتابتِه لشخصين، أو أعلَمَ بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتها على الوجهين. ج- التنبيه على أن تلك الأوجه المختلفة لا يمكن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال أبدًا، وإنه لابد من تفريقها بين مصاحف الأمصار. فكانت هذه الأوجه التي أمَرَ النبيُّ ﷺ بكتابتها مما خالفت خط المصحف، علم على أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غيرُ ممكن إلا بإعادة الكلمة مرَّتين، ففرقتها اللجنة في المصاحف؛ لذلك جاءت بوجه في مصحف، وبوجه آخر في مصحف آخر من المصاحف العثمانية؛ لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله وعلى ما سمِعَت من

стр. 249

رسول الله ﷺ والتي أمر النبي ﷺ بكتابتها بين يديه، فهذا سبب اختلافها في الأمصار. د- التنبيه على أن القرآن لم يُنقَلْ في الصحف والكتب فحسبُ، وإنما ظاهر نقل الكتب والصحف حفظُ القرآن والتلقي بالمشافهة والعرض بالسماع، وقد وجد القرَّاء أحيانًا أن الكتابة لا تضبط اللفظ، فكانوا ينصُّون أن ذلك الحرف لا يُضبَط إلا بالمشافهة كقراءة حمزة (الصراط) في فاتحة الكتاب بين الصاد والزاي، وليس في الكتابة العربية رمز يمثِّلها. لذلك نجد ابنَ مجاهد (ت: ٣٢٤ هـ) ﵀ يقول: طولًا يضبطها الكتاب، ويقول في قراءة أخرى: ولا تضبط إلا باللفظ، وقد بلغ حرص القرَّاء على إتقان الرواية أنه إذا تقدَّمت السن بالقارئ توقَّف عن الإقراء خشية التحريف؛ أي: تحريف الصوت، لا اللفظ العام أو الكتابة، فكان سليمان بن مِهران الأعمش (ت: ٧٦٥ هـ) يُقرِئ الناس، ثم ترك ذاك في آخر عمره، فالقرآن الكريم نقل إلينا كتابة وحفظًا في الصدور بلفظه ومعناه وصوته؛ ذلك أن هذه القراءات نُقِلت مشافهةً عن رسول الله ﷺ وليس اجتهادًا أو استنباطًا من رسم الخط. هـ - التنبيه على أن الرسم سنةٌ متَّبعة قد توافقه التلاوة، وقد لا توافقه، فمِن رسم الكلمات في المصحف: (وجائ) [الزمر: ٦٩]، وتقرأ: وجيء، و (لأاذبحنه) [النمل: ٢١] بكتابة ألف بعد (لا)، وتقرأ: (لأذبحنَّه)، ومثل ذلك (ولأاوضعوا) [التوبة: ٤٧]، وتقرأ: (ولأوضعوا)، ومثل هذا كثير يُقرَأ بخلاف ما رسم. و- التنبيه على أن القرَّاء قد أجمع واتَّفقوا جميعًا على أنه لا رأيَ في القراءة بعد النبي ﷺ إلا بما ثبت عنه، ولا قَبول إلا بما قرأ به أو أقرَّه أو علَّمه. وقد مر معنا ذكر ذلك آنفًا قُبَيل قليل. ز- التنبيه على أن المصحف في عهد عثمان ﵁ قد كُتِب خاليًا من النَّقط والشكل كما أسلفنا؛ لأن المسلمين الأُوَل كانوا يضبطونه قراءةً من دون حاجة إلى ذلك، إلا أنه بعد انتشار الأعاجم، والخشية من عدم ضبط قراءة القرآن من قِبَل الأتباع، رأى الغيورون على هذا الدين ضرورةَ وضع علامات على الرسم القرآني من النقط والشكل؛ كعلامات الضمة، والفتحة، والكسرة، والشدة، وهمزة القطع والوصل، ونحو ذلك، ووضع النقاط للتفريق مثلاً بين الجيم والحاء، والتاء والباء، دون أن يغيروا في صورة الكلمة التي رسمت في مصحف عثمان ﵁ ح- التنبيه على أن أبا الأسود الدُّؤَلي (ت: ٦٩ هـ) تلميذ علي بن أبي طالب أوَّلَ مَن دعا إلى وضع مثل هذه العلامات، ثم تم ذلك على يدِ نصر بن عاصم الليثي (ت: ٨٩ هـ) ويحيى بن يعمر العدواني

стр. 250

(ت: ٩٠ هـ)، وهو من النحاة والقرَّاء المشهورين في عهد عبدالملك بن مروان (ت: ٨٦ هـ)؛ ذلك ليصل إلينا كتاب الله بالصورة التي هي بين أيدينا اليوم؛ ليتحقق وعد الله - سبحانه -: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧)، ووعده سبحانه: (إنا نحن نزل الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩) ط - التنبيه على أن الطريقة التي جُمع بها القرآن، والحالة التي انتهى إليها، هي التي أرادها الله أن تكون، فقد أراد - جل شأنه - أن يُحفَظ كتابُه ويُجمَع ويُتلَى بقراءاته المنزَّلة، ولعل من حِكَمِ ذلك تيسيرَ قراءة القرآن على الأمة، أو إرادة معاني هذه القراءات جميعها؛ لمعنى من المعاني البلاغية، أو إرادة أحكامها مجتمعة. (١) ك- التنبيه على أن الرسم العثماني الأصل في كتابته أن كل حرف يكتب حسب ما ينطق به دون أن يزاد فيه أو ينقص منه، وهذه قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ عَامَّةٌ، غير أن بعض الألفاظ خرجت عن عموم هذه القَاعِدَةٌ العَامَّةٌ، فكتبت وفق ما تضمنه علم "الرسم العثماني" ورسمت بالزيادة أو الحذف أو الإبدال، أو بغيرها مما اقتضاه علم هذا الرسم، وقد حصرها علماء الرسم في ستة أمور: ١ - الحذف ٢ - والزيادة ٣ - والهمز ٤ - والبدل ٥ - والفصل والوصل ٦ - وما فيه قراءتان متواترتان وكتب اللفظ المختلف رسمه فيها، على رسم إحداهما. ومن أمثلة تلك الكلمات التي فيها قراءتان ورسم على إحداهما: ما ورد في قراءة أهل المدينة والشام كلمة (وأوصى) في قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) في مصاحفهم (وأوصى) وأما قراءة (وَوَصَّى) التي فيها معنى المبالغة والتكثير، فقد قرأ بها "الباقون" وكتبت في مصاحفهم حسب قراءة كل منهم. وقد وردت هذه المسائل وبسطت ووضحت مع أمثلة ما تدل عليه في مصنفات علم الرسم بالتفصيل، ولقد اكتفى الباحث هنا بالإشارة عن كثير من العبارة. وسيأتي معنا بيان ذلك بشيء من التفصيل والإيضاح في موضعه. (٢) ومن أراد زيادة في العبارة فليراجعها في مظانها من كتب الرسم.
следующие страницы →