أولًا: الجمع في العهد البكري كان مقصده حفظ القرآن وخشية ضياع شيء منه بمقتل وموت حفاظه، وكان الباعث عليه ما خشاه عمر بعد تحري القتل في الحفاظ، في قتال المرتدين في معركة اليمامة.
ثانيًا: الجمع في العهد البكري كان العمل فيه على في مكان واحد فحسب، وذلك بجمعه من الأماكن التي كتب فيها، من الرقاع واللخاف وعسب النخل وغيرها، ثم ترتيب سوره وآياته وفق العرضة الأخيرة التي نزل بها القرآن، مقتصرًا في إثبات وكتابة ما لم تنسخ تلاوته فحسب، وإهمال المنسوخ منها، ونتج من جراء ذلك جمع نسخة واحدة وحفظها عند خليفة المسلمين.
ثالثًا: لم يلزم أبو بكر- ﵁-الناس بما في الصحف التي جمعها ولم يحملهم عليها، ولذا كان بعض الصحابة يقرأ ببعض ما نُسخ من القرآن دون أن يعلم بالنسخ، والسبب في ذلك أنه لم يشهد العرضة الأخيرة.
رابعًا: أما الباعث على الجمع العثماني فكان حسم مادة التنازع والشقاق الذي حدث ووقع في الفتوحات ووقف عليه حذيفة بن اليمان- ﵁ ورد هذا التنازع للسان ولغة قريش من بين سائر اللغات لأنه نزل بلسانها-ابتداءً-، وجمع الأمة عليه.
خامسًا: الجمع العثماني لم يكن جمعًا لنسخة واحدة كالجمع البكري، وذلك لأن الباعث هنا اختلف عن الباعث هناك، وكان هنا أيضًا وفق العرضة الأخيرة مشتملًا على ما لم تنسخ تلاوته من الأحرف السبعة، وجمعت ورسمت الصحف العثمانية على طريقة تحتمل تلك الأوجه جميعًا تسهيلًا على الأمة ورفعًا للحرج والمشقة، ثم نسخت منها نسخ عدة وزعت على الأمصار وذلك حسمًا لمادة الخلاف ونزعًا لفتيل الفتنة والشقاق، وحمل الأمة على مصحف واحد وقراءة
واحدة، مع شمول رسمه لكل الحروف التي نزل بها القرآن وإلزام الناس في جميع الأمصار بما في تلك الصحف المنسوخة، والتي رسمت بطريقة يمكن معها قراءة القرآن بجميع الأوجه وفق ما تحققت قراءته وثبت عدم نسخه من الأحرف السبعة التي نزل بها، والتي استقرت عليها العرضة الأخيرة.
المطلب الخامس: أبرز نتائج وفوائد هذا الجمع
١ - بمجرد قيام عثمان- ﵁ بتلك المهمة وجمع المسلمين على مصحف إمام واحد خمدت فتنة عظيمة
٢ - إجماع الصحابة-﵃ وإعانتهم لعثمان- ﵁ على هذا العمل منحه الثقة والاعتماد والقبول، وفيه أيضًا إشارة إلى عنايتهم جميعًا- ﵃ بكتاب ربهم وإجلالهم له وحرصهم على سلامته من كل آفة.
стр. 247
٣ - إهمال المنسوخ وكتابة ما ثبتت قرآنيته فحسب، وقد فتح هذا العمل آفاقًا علمية جديدة خاصة لمن لم يشهد العرضة الأخيرة التي استقر عليها هذا الأمر.
٤ - كتابة تلك الصحف ورسمها بطريقة تحتمل جميع أوجه القراءة وفق الأحرف (١) السبعة التي نزل بها القرآن فَتَحَ بابًا للتعرف عليها وعلى ثبوتها واعتمادها ولاسيما لمن لم يكن يعلم ذلك من قبل، وهو الأمر الذي أشعل تلك الفتنة أول الأمر فأخمدها الله بهذا الجمع، والذي لم يهمل رسمه تلك الأوجه جميعًا، مما اشتملت عليه واستقرت عليه العرضة الأخيرة.
وبهذا العمل العظيم اجتمعت كلمة المسلمين وتآلفت قلوبهم واجتمعت كلمتهم على كتاب ربهم.
٥ - نشر تلك الصحف في الأمصار من قبل الخليفة الراشد يُعد بمثابة قرارًا رسميًا
باعتمادها وإهمال كل ما سواها، وبذلك يُحسم النزاعُ ويُرفع الشقاقُ نهائيًا حول الاختلاف الذي حدث في حروف الأداء ووجوه القراءة.
٦ - تلقت الأمة سلفًا وخلفًا الصحف العثمانية بالقبول والاعتماد، والمضي على العمل بالمصحف الإمام ووجوب التزام رسمه واتباعه، سواء كان هذا الرسم اجتهاديًا أم توقيفيًا، وإن
كان الجمهور على أنه توقيفي، يجب على الأمة اتباعه، ولا تجوز مخالفته، كما سيأتي بيان ذلك تفصيلًا في موضعه بإذن الله تعالى.
المطلب السادس: الكلمات التي اختلف رسمها في المصاحف العثمانية
من المعلوم أن الصحف في هذا الجمع كُتِبَت على حرف واحد وقراءة واحدة ولسان واحد، هو حرف ولسان قريش الذي نزل به القرآن وذلك وفق ما استقرت عليه العرضة الأخيرة.
و كُتِبَت تلك الصحف بخط يحتمل وجوه القراءات وذلك بتجريدها من الشكل والنقط والحركات، وكان من نتاج ذلك وجود كلمات يختلف رسمها وحرفها، فجرى العمل على أن كل لفظ لا يحتمله الرسم يُفَرِّق ويوزع على المصاحف التي ترسل إلى الأمصار، وكان من جراء ذلك أن خصصت بعض المصاحف برسم والأخرى برسم آخر يختلف في حرف أو حرفين حتى لا يكتب في مصحف واحد مرتين، ثم وزعت تلك المصاحف بعد ذلك على الأمصار.
وقد حُصِرَت تلك الكلمات في علم الرسم عند البعض في سبع وثلاثين كلمة، حَصرها من صنفوا في علم الرسم كأَبي عُبَيْدٍ القَاسِمُ بنُ سَلاَّمٍ الهَرَوِيُّ (ت: ٢٢٤ هـ) في "فضائل القرآن" وابن أبي داود السجستاني (ت: ٣١٦ هـ) في "كتاب المصاحف"، وأبي عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) في كتابه الشهير
стр. 248
" المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار" ولعل كتاب "الداني"-هذا- يُعدُ من أشهر تلك المصنفات لجودته.
وقد اختلف هجاء عدد من الكلمات في المصاحف العثمانية بنقصانِ حرف أو زيادة حرف كما مر معنا بيان ذلك. وقد فُرِقت أوجه القراءات الصحيحة كلها في نسخ هذه المصاحف، والأئمة الذين كتبوا وصنفوا في هذا العلم حصروا تلك الكلمات وحددوها في سبع وثلاثين كلمة كما تقدم معنا، ومما صُنِفَ في اختلاف أوجه القراءات في المصاحف ما أملاه ابن عامر الشامي اليحصبي (ت: ١١٨ هـ) في كتابه"اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق".
ومما يجدر التنبيه إليه هنا:
أ- التنبيه إلى وجوب التمييز بين نوعين من اختلاف الكلمات في المصاحف العثمانية، فهناك بعضُ الكلمات رُسِمت بخطَّين مختلفينِ، لكن دون أن يترتب عليه اختلاف في اللفظ مثل قوله تعالى: (بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٣)، في بعض المصاحف مقطوع، وفي بعضها (بئسما) موصول.
ب- التنبيه على أن هناك قسمٌ آخر من الاختلاف في هجاء الكلمات يشمل زيادة حرفٍ أو نقصه، مما يترتب عليه تغيير في طريقة اللفظ، وقد أثبتت المصادرُ الأولى أن هذا الاختلاف يرجعُ إلى المصاحف الأئمة التي أُرسِلت من المدينة إلى الأمصار في زمن عثمان ﵁ أو أنها وجدت في المصاحف القديمة التي نُسِخت من تلك المصاحف المرسلة.
وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢) ﵀:
والحق أن الذي جُمِع في المصحف العثماني هو المتَّفَق على إنزاله، المقطوع به، المكتوب بأمر النبي ﷺ واشتمال المصحف العثماني على عدد قليل من الأحرف السبعة محمول على أنه نزل بالأمرين معًا، وأمَرَ النبيُّ ﷺ بكتابتِه لشخصين، أو أعلَمَ بذلك شخصًا واحدًا، وأمره بإثباتها على الوجهين.
ج- التنبيه على أن تلك الأوجه المختلفة لا يمكن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال أبدًا، وإنه لابد من تفريقها بين مصاحف الأمصار.
فكانت هذه الأوجه التي أمَرَ النبيُّ ﷺ بكتابتها مما خالفت خط المصحف، علم على أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غيرُ ممكن إلا بإعادة الكلمة مرَّتين، ففرقتها اللجنة في المصاحف؛ لذلك جاءت بوجه في مصحف، وبوجه آخر في مصحف آخر من المصاحف العثمانية؛ لكي تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله وعلى ما سمِعَت من
стр. 249
رسول الله ﷺ والتي أمر النبي ﷺ بكتابتها بين يديه، فهذا سبب اختلافها في الأمصار.
د- التنبيه على أن القرآن لم يُنقَلْ في الصحف والكتب فحسبُ، وإنما ظاهر نقل الكتب والصحف حفظُ القرآن والتلقي بالمشافهة والعرض بالسماع، وقد وجد القرَّاء أحيانًا أن الكتابة لا تضبط
اللفظ، فكانوا ينصُّون أن ذلك الحرف لا يُضبَط إلا بالمشافهة كقراءة حمزة (الصراط) في فاتحة الكتاب بين الصاد والزاي، وليس في الكتابة العربية رمز يمثِّلها.
لذلك نجد ابنَ مجاهد (ت: ٣٢٤ هـ) ﵀ يقول:
طولًا يضبطها الكتاب، ويقول في قراءة أخرى: ولا تضبط إلا باللفظ، وقد بلغ حرص القرَّاء على إتقان الرواية أنه إذا تقدَّمت السن بالقارئ توقَّف عن الإقراء خشية التحريف؛ أي: تحريف الصوت، لا اللفظ العام أو الكتابة، فكان سليمان بن مِهران الأعمش (ت: ٧٦٥ هـ) يُقرِئ الناس، ثم ترك ذاك في آخر عمره، فالقرآن الكريم نقل إلينا كتابة وحفظًا في الصدور بلفظه ومعناه وصوته؛ ذلك أن هذه القراءات نُقِلت مشافهةً عن رسول الله ﷺ وليس اجتهادًا أو استنباطًا من رسم الخط.
هـ - التنبيه على أن الرسم سنةٌ متَّبعة قد توافقه التلاوة، وقد لا توافقه، فمِن رسم الكلمات في المصحف: (وجائ) [الزمر: ٦٩]، وتقرأ: وجيء، و (لأاذبحنه) [النمل: ٢١] بكتابة ألف بعد (لا)، وتقرأ: (لأذبحنَّه)، ومثل ذلك (ولأاوضعوا) [التوبة: ٤٧]، وتقرأ: (ولأوضعوا)، ومثل هذا كثير يُقرَأ بخلاف ما رسم.
و- التنبيه على أن القرَّاء قد أجمع واتَّفقوا جميعًا على أنه لا رأيَ في القراءة بعد النبي ﷺ إلا بما ثبت عنه، ولا قَبول إلا بما قرأ به أو أقرَّه أو علَّمه. وقد مر معنا ذكر ذلك آنفًا قُبَيل قليل.
ز- التنبيه على أن المصحف في عهد عثمان ﵁ قد كُتِب خاليًا من النَّقط والشكل كما أسلفنا؛ لأن المسلمين الأُوَل كانوا يضبطونه قراءةً من دون حاجة إلى ذلك، إلا أنه بعد انتشار الأعاجم، والخشية من عدم ضبط قراءة القرآن من قِبَل الأتباع، رأى الغيورون على هذا الدين ضرورةَ وضع علامات على الرسم القرآني من النقط والشكل؛ كعلامات الضمة، والفتحة، والكسرة، والشدة، وهمزة القطع والوصل، ونحو ذلك، ووضع النقاط للتفريق مثلاً بين الجيم والحاء، والتاء والباء، دون أن يغيروا في صورة الكلمة التي رسمت في مصحف عثمان ﵁
ح- التنبيه على أن أبا الأسود الدُّؤَلي (ت: ٦٩ هـ) تلميذ علي بن أبي طالب أوَّلَ مَن دعا إلى وضع مثل هذه العلامات، ثم تم ذلك على يدِ نصر بن عاصم الليثي (ت: ٨٩ هـ) ويحيى بن يعمر العدواني
стр. 250
(ت: ٩٠ هـ)، وهو من النحاة والقرَّاء المشهورين في عهد عبدالملك بن مروان (ت: ٨٦ هـ)؛ ذلك ليصل إلينا كتاب الله بالصورة التي هي بين أيدينا اليوم؛ ليتحقق وعد الله - سبحانه -: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧)، ووعده سبحانه: (إنا نحن نزل الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)
ط - التنبيه على أن الطريقة التي جُمع بها القرآن، والحالة التي انتهى إليها، هي التي أرادها الله أن تكون، فقد أراد - جل شأنه - أن يُحفَظ كتابُه ويُجمَع ويُتلَى بقراءاته المنزَّلة، ولعل من حِكَمِ ذلك تيسيرَ قراءة القرآن على الأمة، أو إرادة معاني هذه القراءات جميعها؛ لمعنى من المعاني البلاغية، أو إرادة أحكامها مجتمعة. (١)
ك- التنبيه على أن الرسم العثماني الأصل في كتابته أن كل حرف يكتب حسب ما ينطق به دون أن يزاد فيه أو ينقص منه، وهذه قَاعِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ عَامَّةٌ، غير أن بعض الألفاظ خرجت عن عموم هذه القَاعِدَةٌ العَامَّةٌ، فكتبت وفق ما تضمنه علم "الرسم العثماني" ورسمت بالزيادة أو الحذف أو الإبدال، أو بغيرها مما اقتضاه علم هذا الرسم، وقد حصرها علماء الرسم في ستة أمور:
١ - الحذف
٢ - والزيادة
٣ - والهمز
٤ - والبدل
٥ - والفصل والوصل
٦ - وما فيه قراءتان متواترتان وكتب اللفظ المختلف رسمه فيها، على رسم إحداهما.
ومن أمثلة تلك الكلمات التي فيها قراءتان ورسم على إحداهما: ما ورد في قراءة أهل المدينة والشام كلمة (وأوصى) في قوله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ) في مصاحفهم (وأوصى) وأما قراءة (وَوَصَّى) التي فيها معنى المبالغة والتكثير، فقد قرأ بها "الباقون" وكتبت في مصاحفهم حسب قراءة كل منهم.
وقد وردت هذه المسائل وبسطت ووضحت مع أمثلة ما تدل عليه في مصنفات علم الرسم بالتفصيل، ولقد اكتفى الباحث هنا بالإشارة عن كثير من العبارة.
وسيأتي معنا بيان ذلك بشيء من التفصيل والإيضاح في موضعه. (٢) ومن أراد زيادة في العبارة فليراجعها في مظانها من كتب الرسم.
стр. 251
ومن أشهر المصنفات في علم الرسم:
وقد صنفت مصنفات كثيرة في علم الرسم قديمًا وحديثًا كالتي مر ذكرها أنفًا، ولعل من أبرزها كذلك منظومة "عقيلة أتراب القصائد" للإمام أبي محمد القاسم بن فِيرُّه - بكسر الفاء، بعدها ياء
مثناة تحتية ساكنة، ثم راء مشددة مضمومة- بن خلف بن أحمد الرُّعَينِيِّ - بضمِّ الراء وفتح العين المهملة وسكون المثناة التحتية وبعدها نون؛ نسبة إلى ذي رُعَيْن، أحد أقيال اليمن-الضرير (ت: ٥٩٠ هـ)، -وقد شُرِحَت عدة شروح، من أفضلها: "تلخيص الفوائد وتقريب المتباعد بشرح عقيلة أتراب القصائد" للعلامة علي بن عثمان بن محمد بن القاصح (ت: ٨١٠ هـ) وأيضًا شرح العلامة السخاوي (ت: ٦٤٣ هـ) - تلميذ الشاطبي، وقد حققه وخرج أحاديثه جمال السيد رفاعي الشايب، وراجعه عند مثوله للطبع السادات السيد منصور أحمد، نشر عام ١٤٢٩ هـ، ومنها كذلك متن "مورد الظمآن في رسم القرآن" لمحمد الأموي الشريشي أبي عبد الله الشهير بالخراز، ومن شروحه: شرح الشيخ أحمد المارغني التونسي المالكي (ت: ١٣٤٩ هـ) نشر: دار الحديث- القاهرة جزء: ١، وكذلك "التبيين لهجاء التنزيل" لأبي داود سليمان بن نجاح الأموي (ت: ٤٩٦ هـ) وهو تلميذ أبي عمرو الداني، نشر: مجمع الملك فهد - المدينة النبوية، في خمس مجلدات،. ومن ذلك أيضًا كتاب أبي عيد رضوان المخللاتي (ت: ١٣١١ هـ) "مخطوط إرشاد القراء والكاتبين إلى معرفة رسم كتاب الله المبين"، وهو ما يزال مخطوطًا (١)، وكتاب "سمير الطالبين في رسم وضبط الكتاب المبين" للشيخ علي بن محمد الضبَّاع (ت: ١٣٨٠ هـ)،
تحقيق: محمد مصطفى بلال، نشر: دار الفضيلة، ط، ١٤٣٤ هـ، والكتاب جيد في بابه حسن في ترتيبه وتأصيله وتقعيده للمسائل، وما كتب تحت عنوان" تتعين كتابة المصحف على الرسم العثماني" للشيخ عبد الفتاح القاضي (ت: ١٤٠٣ هـ) ولم يقف الباحث على نسخة له مطبوعة سوى ما نشر في بعض المجلات كمجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية.
كما اتسعت رقعت التصنيف في هذا الباب من جمع من الباحثين المعاصرين ومما كتب فيه كذلك "رسم المصحف وضبطه بين التوقيف والاصطلاحات الحديثة" للدكتور/ شعبان محمد إسماعيل، صدر عن دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع: ١٤٣٣ هـ، وكتاب" رسم المصحف
стр. 252
دراسة لغوية تاريخية " للدكتور. غانم قدوري الحمد، نشر: اللجنة الوطنية للنشر-العراق، عام: ١٤٠٢ - ١٩٨٢، ط ١، في مجلد واحد، وغيرها كثير.
يقول الدكتور صبحي الصالح (ت: ١٤٠٧ هـ) ﵀:
والذي يعلمُه علمَ اليقين كلُّ باحث مثقف أن كتابًا غير القرآن لم يحظَ بالعناية التي أُحِيط بها، ولم يصل إلينا كما وصل، فجاء - كما قال شفالي (١): - أكمل وأدق مما يتوقعه أي إنسان (٢)، وقد استنسخ المسلمون من المصحف العثماني آلاف النسخ جيلاً بعد جيل، وقد بقي المصحفُ
العثماني نفسُه على الرغم من انتفاء الحاجة إليه حتى سنة ١٣١٠ هـ؛ حيث كان محفوظًا في مقصورة في مسجد بدمشق وله بيت من خشب.
وختامًا:
فإن ذلك كله يشير إلى تحقق وعد الله الذي لا يتخلف ولا يتأخر ولا يتبدل والذي قال الله فيه وهو أصدق القائلين: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).
والحمد لله رب العالمين.
المبحث الثاني: انفاذ المصاحف العثمانية
وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: عدد المصاحف المنسوخة التي كتبها عثمان ووجه بها إلى الأمصار
أولًا: اتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد عثمان
لقد بلغت الخِلافةُ الرَّاشِدة أوج اتساعها خلال عهد ثالث الخلفاء الراشدين-عُثمان بن عفَّان-﵁، فامتدت أراضيها من شبه الجزيرة العربيَّة إلى الشام
فالقوقاز وأرمينية وأذربيجان شمالًا، ومن مصر إلى تونس غربًا، ومن الهضبة الإيرانيَّة إلى آسيا الوسطى والصين شرقًا، وبهذا تكون الدولة قد استوعبت كافَّة أراضي الإمبراطوريَّة الفارسيَّة الساسانيَّة وحوالي ثُلثيّ أراضي الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة.
وقد وقعت أغلب الفتوحات الإسلاميَّة في عهد الخليفة الراشد الثاني عُمر بن الخطَّاب-﵁، وأخذت القبائل العربيَّة تتوطن في البلاد الجديدة وتعمل على نشر الإسلام بين أهلها، فأصابت في ذلك نجاحًا كبيرًا حيث اعتنقت الأغلبيَّة الساحقة من أهالي تلك البلدان الإسلام. (٣)
стр. 253
ثانيًا: انتشار الصحابة في الأمصار لتعليم القرآن زمن الفتوحات
وأما عهد الخليفة الراشد ذي النورين-عثمان بن عفان- ﵁ فقد اتسعت فيه الفتوحات الإسلامية وترامت أطراف الدولة بصورة عظيمة كبيرة ليس لها مثيل من ذي قبل كما مر معنا، ونتج عن إثر ذلك اتساع في العمران وتفرق المسلمين في تلك الأقطار التي فتحوها، وانتشر الصحابة في تلك الأقطار فاتحين للبلاد، داعين ومعلمين للعباد، فانتشروا يقرؤون القرآن ويعلمون الناس آي التنزيل، وانتشر بينهم من معلمي القرآن الكريم أجيال، وكان من هذه الأجيال من تتلمذ على أيدي الصحابة الذين ابتعثهم أمير المؤمنين عمر في الأقطار الإسلامية من قبل لتعليم القرآن، وكان أهل كل إقليم من تلك الأقاليم يأخذون القرآن ويتعلمونه بقراءة من اشتهر بينهم من قراء الصحابة ومعلميهم.
فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وقراءة أبي الدرداء، إلى أن بعث إليهم عثمان- بعد انتهائه من إنفاذا المصاحف إلى الأمصار- بالمصحف الشامي مع المغيرة بن أبي شهاب، وأهل الكوفة
يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة يقرأون بقراءة أبي موسى الأشعري، وكان لهؤلاء الأعلام أثراً بالغًا الإقراء في تلك الأقطار.
وكان كل صحابي يقرئ أهل الإقليم الذي حل فيه بالقراءة والحرف الذي تلقاه فِيِ رسول الله ﷺ فكان في قراءتهم من التباين والاختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة بحسب ما تلقى كل منهم، والمتعلمون يومئذ لا يعلمون أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف تسهيلًا وتيسيرًا على الأمة، ولا يعلمون كذلك أن أي حرف قرئ به من تلك الحروف فهو شاف كاف، ومن جراء ذلك فُتِحَ بابُ الشقاق والتنازع في قراءة القرآن بسبب تلك الحروف المتغايرة والمتباينة بين معلم وآخر، والناس يومئذ ليس بين أيديهم أي مصحف جامع مكتوب يرجعون إليه حين الاختلاف في تلك الأحرف، فنتج من جراء ذلك الشقاق والخلاف بسبب اختلاف تلك الحروف وأوجه الأداء.
فهدى الله الخليفة الراشد- عثمان- لتدارك الأمر فشرح صدره وهدى قلبه وأنار بصيرته وأرشده إلى رأي سديد وعمل صالح رشيد يتدارك به هذا الأمر الجلل ليئد به تلك الفتنة وهي في مهدها، ويستأصل الداء من أصله قبل انتشاره، فجمع أهل الرأي والمشورة من أعلام الصحابة وأكابرهم وأهل الرأي والبصيرة فيهم من المهاجرين والأنصار ليستشيرهم ويعرض عليهم ما عزم عليه من وضع حد لهذا الاختلاف والتنازع ليحسم به مادة هذا النزاع ويستأصل شأفتها من جذورها فيجمع
الأمة على مصحف إمام ويأمر الناس في جميع الأمصار بتحريق المصاحف التي بين أيديهم، فوافقوا رأيه وأيدوه وأجمعوا أمرهم جميعًا على ما قرره عثمان.
ثالثًا: القرار الحكيم الراشد من الخليفة الراشد
стр. 254
وقد قرر عثمان ما يلي:
١ - استنساخ مصاحف من المصحف العثماني "الإمام"
٢ - بعث نسخ مما استنسخه من المصحف "الإمام" إلى الأمصار
٣ - بعث معلم مع كل نسخة من المصحف "الإمام" إلى الأمصار ليقرئ الناس بالحرف الذي كتب في تلك النسخة التي يحملها بين يديه
٤ - أمر أهل الأمصار باعتماد المصحف "الإمام" وحرق كل ما عداه من المصاحف الخاصة التي بين أيدي الناس، وعدم اعتماد أي مصحف سواه.
رابعًا: عدد المصاحف العثمانية التي أرسلت إلى الأمصار
لقد اختلف العلماء اختلافًا واسعًا في عدد المصاحف المنسوخة التي كتبها عثمان ووجه بها إلى الأمصار، وإن أصحّ ما روي في هذا الباب ما ثبت عند البخاري وغيره من طريق الزهري عن أنس
بن مالك- ﵁ أنَّ عثمان " أرسل إلى كل أفقٍ بمصحفٍ مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق". (١)
ونلحظ على أثر-أنس- ﵁ أمرين:
الأمر الأول: أنه يشير إلى كثرة عدد المصاحف المرسلة إلى الأمصار حيث قال:
"أرسل إلى كل أفقٍ بمصحفٍ" من غير تحديد عدد معين.
الأمر الثاني: ليس هناك ما يدل على أن إرسال تلك المصاحف إلى الأمصار كان دُفعةً واحدةً وفي وقت واحد.
و الخلاف في عدد المصاحف المنسوخة والمرسلة إلى الأمصار على أقوال، من أبرزها: (٢)
القول الأول: أنها خمسة نسخ
وقد وجهة نسخة إلى كل من:
١ - مكة
٢ - المدينة
٣ - الكوفة
٤ - الشام
٥ ـ المصحف الإمام الذي كتبه عثمان أمسكه عنده لنفسه
стр. 255
القول الثاني: أنها سبعة نسخ
وزادة على القول الأول نسخة إلى كل من:
١ - اليمن
٢ - البحرين
٣ - البصرة
غير المصحف الإمام
القول الثالث: أنها ستة نسخ
فوجه نسخة إلى كل من:
١ - مكة
٢ - الشام
٣ - الكوفة
٤ - البصرة
٥ - نسخة أبقاها بالمدينة، وهو ما يسميه البعض بالمصحف (المدني العام)
٦ - نسخة أمسكها عنده خاصة لنفسه، وهذه النسخة هي: المصحف الإمام الذي كتبه، وهو ما يسميه البعض بالمصحف (المدني الخاص) أي خاص بعثمان- ﵁.
إمامة المصحف الإمام
وإذا كان "الإمام" هو أصلٌ لكل هذه المصاحف فيجب القول بأنه لا اختلاف بينها لأنه الحكم وأنها صورة لنسخة واحدة (١)، ويكون "الإمام" هو المرجع الأول في الدولة، ترجع إليه كل المصاحف وهو الحاكم عليها. (٢)
خامسًا: وصف المصاحف العثمانية
ومن أشهر ما قيل في وصف ما كتبت عليه المصاحف العثمانية:
قيل إنها: " كانت كلها مكتوبة على الورق (الكاغد) إلا المصحف الذي خص به نفسه
فقد قيل: إنه على رق الغزال ". (٣) وهو قول يحتاج إلى تحقيق، لأنه لا مستند له. (٤)
стр. 256
سادسًا: أشهر أسماء مصاحف الأمصار عند أهل الرسم
والمصاحف المدنية والمكية تسمي بالمصاحف الحجازية عند أهل الرسم، والكوفي والبصري هما المرادان بالمصاحف العراقية عند أهل الرسم أيضًا والسادس هو المصحف الشامي. (١)
وكلمة الرسم القرآني إنما تطلق على طريقة الكتابة القرآنية التي تناولها كَتَبَتُ المصحفِ الإمام، وقد غاير الرسمُ القرآني المخطوط في المصحفِ الإمام الذي نسخت منه المصاحف العثمانية بعض أصول الرسم الإملائي القياسي في بعض الكلمات لما اقتضته القواعد الإملائية وليس بمتطابق مع اللفظ المنطوق.
وإنما تعود هذه التسمية- الرسم القرآني-، أو- العثماني- إلى المصاحف التي نسخها عثمان، وبعث بها إلى الأمصار، وقد كتبت تلك المصاحف بطريقةٌ خاصّة مجردة من النقط والشكل بحيث يحتمل رسمها كل القراءات القرآنية المتواترة التي استقرت في العرضة الأخيرة ولم تنسخ تلاوتها.
وقد نسبت تلك التسمية إلى عثمان لأنه هو الذي أمر بنقل هذا الرسم ونسخه في المصاحف التي استنسخها عن المصحف الإمام وبعث بها مع القراء إلى الأمصار.
سابعًا: أبرز التقريرات في عدد المصاحف العثمانية
التقرير الأول:
قال أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀:
أكثر العلماء على أنها كانت أربعة، أرسل واحدًا منها للكوفة، وآخر للبصرة، وآخر للشام، وترك واحدًا عنده.
وقال ابن أبي داود:
سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: لما كتب عثمان المصاحف حين، كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.
والراجح أنها ستة، أرسلت أربعة منها إلى مكة، والشام والكوفة، والبصرة، وأبقي واحد منها بالمدينة، ويسمى: المدني العام، وأمسك عثمان واحدًا منها لنفسه، ويسمى المدني الخاص، أو المصحف الإمام (٢).
стр. 257
التقرير الثاني:
قال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀:
أُختُلف في عدة المصاحف التي أَرسلَ بها عثمان إلى الآفاق، المشهور أنها خمسة وأخرج ابن أبي داود من طريق حمزة الزيات قال: أرسلَ عثمان أربعة مصاحف، ثم ذكر السيوطي قول ابن أبي داود في " كتاب المصاحف" سالف الذكر. (١)
ثامنًا: القول الراجح في عدد المصاحف
وقد ذكرت أقوال أخر غير هذه الأقوال، فقيل أنها أربعة، وقيل إنها ثمانية، وبذكر هذين القولين تصبح الأقوال الواردة في عدد النسخ التي كتبها عثمان وبعث بها إلى الأمصار خمسة أقوال، ولعل أرجح هذه الأقوال وأقواها وأولاها بالقبول أنها ستة.
ويميل جمهور الباحثين إلى الأخذ بالرأي القائل بأن المصاحف كانت ستة،.
وهو القول الراجح والمشهور عند علماء القراءات، وكذلك عليه الأكثرون.
وهذه النسخ هي:
١ - المصحف الإمام (المدني الخاص)
٢ - المصحف المدني (العام)
٣ - المصحف الشامي
٤ - المصحف الكوفي
٥ - المصحف البصري
٦ - المصحف المكي وقد اختلف فيه.
تاسعًا: المصاحف التي عليها مدار خلاف العدد
كما أن هناك إجماع من المؤرخين القدامى والمحدثين على أن أربعة مصاحف اختصت بها المدينة ودمشق والكوفة والبصرة، وأن هناك خلاف على مصاحف اليمن والبحرين ومكة ومصر.
المطلب الثاني: طريقة عثمان ﵁ في إنفاذ المصاحف وبعثها إلى الأمصار وتعين القراء .
بعد انتهاء عمل اللجنة المكلفة بالجمع وقيامها بنسخ الصحف العثمانية من الصحف البكرية وكتابتها، أمر الخليفة الراشد عثمان- ﵁ بكتابة نسخ منها وعزم على بعثها إلى
стр. 258
الأمصار، فعزم ﵁ على الجمع بين النسخ لما في السطور ونقله من السطور إلى الصدور، فاجتمع بذلك أمران:
الأمر الأول: نسخ المكتوب في السطور
الأمر الثاني: نقل المكتوب في السطور بعد النسخ إلى الصدور، وكان ذلك بإرسال القراء الكبار مع المصاحف المنسوخة عن المصحف الإمام.
فقد بعث عثمان- ﵁ مع كل نسخة من تلك النسخ المنسوخة قارئًا متقنًا يقرئ من أرسل إليهم على أن توافق قراءته القراءة التي في مصحفه الذي أرسل به، فبعث زيد بن ثابت (ت: ٤٥ هـ) ﵁ وأمره أن يقرئ بالمدني، وبعث عَبْدَ اللهِ بْن السَّائِبِ بْن أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيّ الْعَائِذِيّ الْقَارِئ (ت: ٦٣ هـ) (١) ﵁ وأمره أن يقرئ بالمكي، وبعث المغيرة بن أبي شهاب عبد الله بن عمرو بن المغيرة بن ربيعة المخزومي (ت: ٩١ هـ) ﵀ وأمره أن يقرئ بالشامي وبعث أبا عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي ﵀ (ت: ٧٤ هـ) وأمره أن يقرئ بالكوفي، وبعث عامر بن عبد القيس التميمي العنبري البصري-﵀ (٢) وأمره أن يقرئ بالبصري، فجمع-﵁ بذلك بين الموافق لما كُتِبَ في السطور لما هو محفوظ في الصدور، وذلك لأن المعول عليه الأول في تلقي القرآن هو الأخذ بالرواية والتلقي والمشافهة لا على المكتوب في المصاحف فحسب، فتلقى عنهم أهل الأمصار وتعلموا منهم حتى أضحى منهم أئمة أعلام يُتلقى عنهم القرآن، وأصبحت تلك المصاحف تنسب لقراء
تلك الأمصار لما اشتهروا به من الضبط والإتقان لتلك القراءة التي أرسل بها القارئ حتى زماننا الحاضر، فكان فِعْلُ عثمان- ﵁ ببعث المصاحف إلى الأمصار مع القراء لا يُقال في مثله إلا أنه من إرهاصات تحقق وعد رب البريات الوارد في قوله جل في علاه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)، وهذا من التمهيد لحفظه إلى الأبد، إلى أن يُرفع في آخر الزمان.
وفي نحو ذلك يقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في مناهل العرفان:
وبهذا يُعرف كيفية انتشار هذه المصاحف لأن الاعتماد في نقل القرآن على التلقي من صدور الرجال ثقةً عن ثقةٍ وإمامًا عن إمام إلى النبي ﷺ ، لذلك اختار عثمان حفاظًا يثق بهم وانفذهم إلى الأقطار الإسلامية واعتبر هذه المصاحف أصولاً ثواني - ثانوي- مبالغة في
стр. 259
الأمر، وتوثيقًا للقرآن ولجمع كلمة المسلمين فكان يرسل إلى كل إقليم مصحفه مع من يوافق قراءته في أكثر الأغلب. (١)
ويقول ﵀ في مناهله:
بعد أن تم نسخ المصاحف العثمانية، أمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان- ﵁ بإرسالها إلى الأقطار الإسلامية الشهيرة، وأرسل مع كل مصحف مقرئًا من الذين توافق قراءته في أغلبه
قراءة أهل ذلك القطر، وذلك لأن التلقي أساس في قراءة القرآن، وأمر أن يحرق كل ما عداها من الصحف أو المصاحف الشخصية الموجودة لدى الصحابة مما تخالفها، ليستأصل بذلك سبب الخلاف والنزاع بين المسلمين في قراءة كتاب الله، فاستجاب لذلك الصحابة- ﵁، فجمعت المصاحف والصحف وحرقت أو غسلت بالماء (٢)
فاستجاب الصحابة جميعًا- ﵃، وبذلك يكونوا قد "اجتمعوا جميعًا على المصاحف العثمانية، حتى عبد الله بن مسعود- ﵁، الذي نقل عنه أنه أنكر أولًا مصاحف عثمان، وأنه أبى أن يحرق مصحفه، رجع وعاد إلى حظيرة الجماعة، حين ظهر له مزايا تلك المصاحف العثمانية، واجتماع الأمة عليها، وتوحيد الكلمة بها". (٣)
مصير الصحف البكرية بعد الجمع العثماني
بعد أن بعث الخليفة الراشد عثمان- ﵁ بالمصاحف المنسوخة إلى الأمصار أمر أن ترد الصحف البكرية إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر- ﵄ وأمر بتحريق كل الصحف المنتشرة في الأقطار حسمًا لمادة الخلاف والنزاع، وقد أخرج البخاري في فضائل القرآن من- جامعه الصحيح- هذا الخبر- فقال-﵀:
"حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحفِ ردَّ عثمانُ الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق". (٤)
стр. 260
المطلب الثالث: مواقف الصحابة ﵃ من المصاحف العثمانية
الأمر بتحريق الصحف في الأمصار:
لما انتهى الخليفة الراشد عثمان ﵁ من نسخ وكتابة الصحف العثمانية أمر ببعثها ونشرها في الأمصار، وكان ذلك وفق ما ثبت في العرضة الأخيرة، وأمر بترك ما سوى ذلك، ثم أمر الناس أن يحرقوا ما في أيديهم من صحف وأن يعتمدوا الصحف المرسلة إليهم، وكان ذلك الأمر بمثابة أمر وقرار من أمير المؤمنين علي أهل الأمصار امتثاله والإذعان له والعمل بمقتضاه. وقد لاقى هذا الأمر تأييد الصحابة واستجابتهم، فقاموا بتحريق الصحف التي بين أيدهم، وأما ما كان من إنكار عبد الله بن مسعود فإنه كان في أول الأمر فحسب و لم يلبث أن ثاب ورجع وأقر فعل
عثمان؛ وما أجمع عليه أمر الصحابة ﵃ أجمعين - وتأييدهم لفعله ورضاهم عنه وثنائهم عليه، ولزم أمر جماعة المسلمين.
"فلم يُنقل عن أحد من الصحابة خلاف أو معارضة لما فعل الخليفة عثمان بن عفان، إلا ما روي من معارضة عبد الله بن مسعود، ولم تكن معارضته بسبب حصول تقصير في الجمع أو نقص أو زيادة، وإنما جاءت معارضته لعدم تعيينه مع أعضاء لجنة نسخ المصاحف، ولهذا قال: "أُعزل عن نسخ المصاحف وتولاها رجل والله لقد أسلمت وإنه لفي صُلب رجلٍ كافرٍ". (١)
وعن تراجع ابن مسعود-﵁ يقول الحافظ ابن كثير- رحمه لله-:
روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان-﵁ يدعوه إلى اتِّباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة ﵃ أجمعين-. (٢)
ومِمَّا يدل على أن ابن مسعودٍ- رضى الله عنه- قد رجع إلى رأي الجماعة أن قراءته قد رواها عاصم وحمزة والكسائي (٣)، وقراءة هؤلاء الأئمة موافقة للمصاحف العثمانية كما هو معلوم.
وفي نحو ذلك يقول أبو محمد بن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) ﵀:
وأما قولُهم إن مصحف عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- خلاف مصحفنا فباطلٌ وكذبٌ وإفكٌ. مصحف عبد الله بن مسعود إنَّما فيه قراءته بلا شكٍّ، وقراءتُه هي قراءة عاصمٍ المشهورة عند جميع
стр. 261
أهل الإسلام في شرق الأرض وغربِها، نقرأ بِها كما ذكرنا، كما نقرأ بغيرها مما صحَّ أنه كل منَزلٌ من عند الله تعالى. (١)
وقد عقد أبو بكر ابن أبي داود السجستاني (ت: ٣١٦ هـ) ﵀ في كتاب "المصاحف" بابًا أسماه: "باب رضاء عبد اللّه بن مسعودٍ لجمع عثمان-﵁ المصاحف"، وقد روى بسنده عن فلفلة الجعفيّ قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد اللّه في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجلٌ من القوم: إنّا لم نأتك زائرين، ولكنّا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: (إنّ القرآن أنزل على
نبيّكم من سبعة أبوابٍ على سبعة أحرفٍ -أو حروفٍ-، وإنّ الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من بابٍ واحدٍ على حرفٍ واحدٍ، معناهما واحدٌ. (٢)
وفي فعل عثمان يقول الحافظ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) - رحمه لله-:
قام عثمان بن عفان بإحراق المصاحف التي وقع فيها الاختلاف، وأبقى لهم المتفَق عليه، كما ثبت في العَرْضة الأخيرة. (٣)
و في ذلك يقول الحافظ ابن حجر في الفتح (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀ أيضًا:
وبعد أن أنفذ عثمان بن عفان المصاحف أمر بما سوى مصحفه أن يحرق، وبعث إلى أهل الأمصار إني قد صنعت كذا وكذا ومحوت ما عندي فامحوا ما عندكم.
وعن إجماع الصحابة ورضاهم عن فعل عثمان يقول النيسابوري-﵀ في غرائب القرآن ورغائب الفرقان:
وقد رضي الصحابة ما صنع عثمان وأجمعوا على سلامته وصحته، وقال زيد بن ثابت: " فرأيت أصحاب محمد- ﷺ يقولون: أحسن والله عثمان، أحسن والله عثمان". (٤)
ومما يدلل على إجماع الصحابة كذلك قول علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁:
لَا تَقُولُوا فِي عُثْمَانَ إِلَّا خَيْرًا، فَوَ اَللَّهِ مَا فَعَلَ الَّذِي فَعَلَ فِي الْمَصَاحِفِ إِلَّا عَنْ مَلَأٍ مِنَّا (جميعًا)، قَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ إِنَّ قِرَاءَتِي خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَتِك، وَهَذَا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا. قُلْنَا: فَمَا تَرَى؟ قَالَ: نَرَى أَنْ نَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ، فَلَا تَكُونُ فُرْقَةٌ وَلَا اِخْتِلَافٌ. قُلْنَا: فَنِعْمَ مَا رَأَيْت.
وقال- ﵁ أيضًا: لَو لَم يَصْنَعْه عُثْمَان لَصَنْعَتُه (٥)
стр. 262
وقال ﵁ أيضًا-: "لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان (١)
وعن إعجاب الناس بفعل عثمان ورضاهم عنه يروي أبو بكر بن أبي داود السجستاني في كتاب المصاحف عن مصعب بن سعد أنه قال:
"أدركت الناس متوافرين حين حرَّق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك وقال: لم يُنكر ذلك منهم أحد". (٢)
ولقد بلغ أهلَ الأمصارِ ما فعل عثمانُ- ﵁ فتلقوا تلك الصحف بالقبول والرضا والثناء الحسن، ولاسيما وأنهم قد علموا بإجماع الصحابة-﵁ وقبولهم لها وثنائهم على هذا العمل العظيم.
وهذه مشاهد ومواقف وبراهين تبين موقف الصحابة- ﵃ ومواقف التابعين- ﵏-كذلك- وتأييدهم بوضوح وجلاء لفعل عثمان-﵁.
المطلب الرابع: الشبهات الواردة حول الجمع العثماني ودحضها
ما فتئ وما برح وما انفك أعداء الدين ومبغضوا الْمِلَّةِ على تنوع مذاهبهم ومشاربهم من محاولة الطعن والتشكيك في كتاب الله تعالى على مر العصور والأزمان وذلك كمدخل وذريعة للطعن في الإسلام ولتوهين وإضعاف ثقة المسلمين في دينهم وفي كتاب ربهم، ومن جملة تلك المطاعن الباطلة مطاعنهم في الصحف العثمانية ورسمها مستندين في ذلك إلى اعتراضات باطلة هي أوهن من بيت العنكبوت الذي جاء وصفه في قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت: ٤١).
وقد تزعم هذا المطاعن ثلة من قساوسة المستشرقين الذين جمعوا بين ميداني الفكر والثقافة، وميدان العمل والتربية، فالميدان الأول يبحث فيه المستشرقون، والثاني هو ميدان عمل المنصرين؛ فدور الاستشراق يقوم على تقديم الشبهات والترهات والخرفات والأوهام، ودور
التنصير يقوم على نشرها بكل وسيلة ممكنة ومتاحة، ظاهرة كانت أم خفية؛ والعمل بينهما مشترك، بل إن منهم من يعمل في المجالين في آن واحد، ذلك لأن أهدافهم ومقاصدهم ومراميهم واحدة كما قال ربنا في وصفهم ووصف أمثالهم: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) (البقرة: ١١٨)
стр. 263
قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀:
"أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو". (١) وهؤلاء جميعًا لاشك يدخلون في الآية ضمنًا، لتشابه قلوبهم في الحقد على الإسلام وأهله ولاجتماعهم وتواطؤهم على الطعن في كتاب الله تعالى.
وممن تزعم هذا الأمر كذلك شرذمة من الزنادقة والملحدين الذين يرون أن القرآن مليء باللحن والتحريف والتغير والتبديل.
وممن تبع هذه الشرذمة على هذه المطاعن كذلك بعض طوائف الغلاة المبتدعين، وهم جميعًا يريدون بذلك حجب ضوء الشمس بأيديهم حتى لا تشرق على الدنيا، وأنى لهم ذلك وقد وصف الله تعالى هؤلاء وأمثالهم بقوله: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (الصف: ٨)، وبقوله سبحانه: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة: ٣٢)، فـ "قوله: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ) في إضافةِ النُّورِ إلى
اسمِ الجلالةِ بقولِه: (نُورَ اللَّهِ) إشارةٌ إلى أنَّ مُحاولةَ إطفائِه عَبَثٌ، وأنَّ أصحابَ تِلك المحاولةِ لا يَبلُغون مُرادَهم". (٢)
و (نُورَ اللَّهِ) وهو ما بعث اللهُ تعالى به رسولَه من الهدى ودين الحق الذي وعد بإظهاره على الدين كله.
فهؤلاء: حالهم كـ" حالِ مَن يُريدُ أنْ يَنْفُخَ في نُورٍ عَظيمٍ مُنبَثٍّ في الآفاقِ، يُريدُ اللهُ أنْ يَزيدَه ويُبلِغَه الغايةَ القُصْوى في الإشراقِ أو الإضاءةِ؛ ليُطْفئَه بنَفخِه ويَطْمِسَه " (٣)
وفي قوله: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) وقوله: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ) وعدٌ من الله تعالى متحقق لا يتخلف أبدًا بإعلاء دينه، وإظهار كلمته، وإتمام هذا الحقّ الذي بعث به سبحانه رسوله محمدًا ﷺ .
وقد توعدهم الله تعالى جميعًا فقال فيهم وفي أمثالهم: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) (البقرة: ٧٩)، والآية نزلت في أهل الكتاب (٤).
стр. 264
فهم" يريدون ليبطلوا الحق الذي بعث الله به محمدًا- ﷺ … وهو "نور القرآن" … والله مظهر دينه، وناصر رسوله، ولو كره الكافرون بالله. ". (١)
فـ "النُّورُ الْقُرْآنُ، أَيْ: يُرِيدُونَ أَنْ يَرُدُّوا الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ تَكْذِيبًا". (٢)
ولا شك في أنها تشمل كل من اتصف بوصف أهل الكتاب وفعل فعلهم، وهؤلاء الذي طعنوا في كتاب الله ممن فعل فعلًا مشابهًا لفعلهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٥ هـ) ﵀ لما ذكر هذه الآيات:
"فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة، على ما أصله من البدع الباطلة … ومتناول لمن كتابًا بيده مخالفًا لكتاب الله لينال به دنيا وقال هذا من عند الله". (٣)
وقال : (وإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: ٧٨).
يقول الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀ في" الوجيز في تفسير الكتاب العزيز":
(وإنَّ منهم) أَيْ: من اليهود (لفريقًا يلوون ألسنتهم بالكتاب) يحرِّفونه بالتَّغيير والتَّبديل والمعنى: يلوون ألسنتهم عن سنن الصَّواب بما يأتونه به من عند أنفسهم (لتحسبوه) أَيْ: لتحسبوا ما لووا ألسنتهم به (من الكتاب). (٤)
وهذا الوصف الذي نزل في اليهود يشمل كل من تعرض لكتاب الله بالطعن والقاء الشبهات يريد بذلك تبديله وتغييره وتحريفه، وهؤلاء لاشك ينطبق عليهم تمامًا ما وصف الله به اليهود في الآية. وأوجه ما يقُال في ذلك من أوجه الشبه بين هؤلاء وهؤلاء: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهذه الاعتراضات الهاوية إما أن ترجع إلى روايات مكذوبة وباطلة سندًا ومتنًا، وإما إلى فهم عقيم يدل على عقل سقيم، وقد قيض الله لهذه الشرذمة سادة كرامًا وأئمة أعلامًا من فضلاء ونبلاء علماء الإسلام، فقاموا بواجبهم تجاه كتاب ربهم خير قيام، فبروا نبالهم وأحكموا نصلهم ورموا
بها في نحورهم فأصابوا منهم كل مقتل، فأصابت جروحهم لتثعب دمًا عفنًا، وأخرجت منها قيح
стр. 265
صديدهم، فتعفنت من جراء ذلك أجساد بنات أفكارهم، لتأكلها السباع والوحوش الضارية من أمثالهم ومن بني جلدتهم، فهي كالْمَيْتَةِ وَالْدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، والتي هي من جنس الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وذلك لأنها ممَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، فتُلقى بعد ذلك ولا يتناولها إلا السَّبُعُ الضاري والوحش والبهيم الأعجم الذي لا يعقل ولا يعي فحسب، وهي مما لا يحل لمسلم عاقل تناوله أبدًا، وقد خاطب الله أهل الإسلام بذلك فقال جل في علاه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ) (المائدة من آية: ٣)، وهذه المحرمات في الآية "حسية حقيقية"، وتلك التي أرادوها وأوردوها محرمات "معنوية تشبيهية"، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وقد أحسن علماء الإسلام وأجادوا وأفادوا في تفنيد هذه الشبهات في مصنفاتهم التي خصوا بعضها لبيان غريب القرآن وكشف مشكله، كما تعرض بعض المفسرين لكثير من موارد سوء الفهم لبعض آي القرآن الكريم، فبينوا معانيها ووضحوا مقاصدها ومراميها.
ومن هؤلاء ابن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) الذي قد عقد في "تأويل مشكل القرآن" بابًا للرَّد علي هؤلاء وأمثالهم وعنونه بـ "باب ما ادّعي على القرآن من اللَّحْن " قال فيه:
"وقد اعترض كتابَ الله بالطَّعن ملحدون ولَغَوْا فيه وهجروا، واتّبعوا (مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران من آية: ٧)، بأفهام كليلة، وأبصار عليلةٍ، ونظرٍ مَدْخُول؛ فحرَّفوا الكلامَ عن مواضعه، وعدلوه عن سُبُله. ثم قَضَوْا عليه بالتناقُض، والاسحالة، واللَّحْن، وفساد النَّظْم، والاختلاف ". (١)
وكذلك قد رد الباقلانيّ على مطاعنهم وفندها ورد سهامهم في نحورهم في كتابه الشهير "الانتصار للقرآن"؛ فوضع بابًا للرد على هؤلاء وأمثالهم وعنونه
بـ "باب الكلام عليهم فيما طعنوا على القُرآن، ونحلوه من اللحْن ".
كما كتب الكثير من علماء الإسلام وردوا على تلك الشبهات والافتراءات منهم أبو بكر ابن الأنباري- (ت: ٣٢٨ هـ) -، في كتابه: "الرد على من خالف مصحف عثمان"، وأبو عمرو الداني- (ت: ٤٤٤ هـ) -، في "المقنع"، وشيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) في "مجموع الفتاوى"، والسيوطي (ت: ٩١١ هـ) في "الدر المنثور"، وفي "الإتقان" كذلك، ومن الكتابات الموفقة
стр. 266
والمسددة للمعاصرين ما سطره يراع الشيخ عبد الفتاح القاضي في رده العلمي المفصل المؤصل على: (المستشرق اليهودي: جولدزيهر): الذي حاول الطعن من كتاب الله، فرد الله كيده في نحره
على يد الشيخ: " عبد الفتاح القاضي" ﵀، في كتابه القيم: (القراءات في نظر المستشرقين والملحدين)، وغيرهم من علماء الإسلام.
يقولُ الشيخُ عبد الفتاح القاضي (ت: ١٤٠٣ هـ) ﵀ معتذرًا عمن نقل هذه الشبهات من العلماء عن غير قصد:
ولقد "ذكر بعض العلماء هذه الروايات في كتبهم بحسن قصدٍ، من غير تحرّ ولا دقة؛ فاتخذها أعداءُ الإسلام من المارقين والمستشرقين ذريعة للطعن في الإسلام، وفي القرآن، ولتوهين ثقة المسلمين بكتاب ربهم (١)
وإن من أهم المهمّات وأوجب الواجبات المتحتمات على طلاب العلم عمومًا وعلى المتخصصين في علوم القرآن خصوصًا أن يكونوا على دراية وإلمام تام بهذه الشبه وبالرد الكافي الوافي الذي تُكشف به الشبهاتُ وتُرفع به الإشكالاتُ وتزال به العقباتُ، وبذلك تزول عندهم أي شبه تُعرض عليهم ويستطيعوا دحضها وردها، ويتمكنوا بذلك من الذب عن حياض الدين وحمى جناب كتاب رب العالمين
وفي هذا الصدد يقول ابن قتيبة الدينوري (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀ في محض كلامه عن شُبَه الطاعنين في لغة القرآن العظيم -:
" … وأدْلَوْا في ذلك بعلل ربَّما أمالت الضعيف الغُمْر، والحدَث الغِرّ، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدَحت بالشّكوك في الصّدور … ". (٢)
وسيسوق الباحث هنا جملة من تلك الشبه ويعقبها بالرد الكافي الوافي، مراعيًا الاختصار المقرون بإيضاح الحق مع الانتصار.
من أبرز الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني ما يلي:
الشبهة الأولى: حول نسبتهم لعثمان قوله: "في القرآن لحن وستقيمه العرب بألسنتها ".
مضمون الشبهة الأولى: ومن الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني، نسبتهم لعثمان قوله: " في القرآن لحن وستقيمه العرب بألسنتها".
стр. 267
فقد اعترضوا على تلك الصحف وعلى توقيف الرسم العثماني الذي أُثبت فيها وأجمع عليه الصحابة ونال ثقتهم، وأن عثمان- ﵁ الذي أمر بجمعها قد أقر بلسانه بأن في القرآن لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها.
ومن حججهم في ذلك ما أخرجه ابن أبي داود في كتاب" المصاحف":
فقد روى بسنده عن يحيى بن يعمر العدواني البصري، قال: قال عثمان-﵁: " في القرآن لحن وستقيمه العرب بألسنتها". (١)
وهذا الأثر قد رواه عن عثمان رواة أربعة، وهم:
١ - عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي
٢ - عكرمة الطائي
٣ - قتادة بن دعامة السدوسي.
٤ - يحيى بن يعمر العدواني البصري.
وقد رُوِىَ هذا لأثرُ بألفاظ مختلفة ومتقاربة المعنى والفحوى.
وروايات هذا الأثر ينقلها السيوطي عن ابن أبي داود كما في كتابه" المصاحف" فيقول في الدر المنثور:
الرواية الأولى: عن عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي
قال: "أخرج ابن أبي داود، عن عبد الأعلى بن عبدالله بن عامر القرشي قال:
لمّا فرغ من المصحف اُتي به عثمان فنظر فيه فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها.
قال ابن أبي داود:
وهذا عندي يعني بلغتها فينا وإلاّ فلو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعًا لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرؤونه.
الرواية الثانية: عن عكرمة الطائي
قال: وأخرج ابن أبي داود عن عكرمة قال: لمّا اُتي عثمان بالمصحف رأى فيه شيئًا من لحن، فقال: لو كان المملي من هُذيل والكاتب من ثقيف لم يوجد فيه هذا. (٢)
стр. 268
الرواية الثالثة: عن قتادة بن دعامة السدوسي
قال: وأخرج ابن أبي داود عن قتادة: أنّ عثمان لمّا رفع إليه المصحف قال: إنّ فيه لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها.
الرواية الرابعة: عن يحيى بن يعمر العدواني البصري
قال: وأخرج ابن أبي داود عن يحيى بن يَعمر قال:
قال عثمان: إنّ في القرآن لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها". (١)
جواب الشبهة الأولى:
وجواب هذه الشبهة يكون من جهات ثلاث:
أما الجهة الأولى: فمن جهة السند
فالسند في هذا الأثر سند منقطع ومضطرب، وهو مرسل كذلك لأن الرواة جميعًا لم يلقوا عثمان ولم يسمعوا منه
١ - فـ "عبد الأعلى" لم يدرك عثمان ولم يره.
٢ - وعكرمة كذلك لم يسمع من عثمان شيئًا بل ولم يره أيضًا ومات متأخرًا وهو مجهول الحال ومن شدة جهالته قال بعضهم أنه عكرمة مولى ابن عباس، والصواب أنه عكرمة الطائي، ولذا لم يُوقف له على ترجمة
٣ - وأما قتادة فقد رواه عن عثمان كذلك مرسلًا
٤ - ويحي كذلك لم يسمع من عثمان شيئًا بل ولم يره وقد مات قبل سنة تسعين للهجرة.
وبعد الكلام عن الروايات الأربع ناسب الكلام على الرواة الأربعة أنفسهم وأثر كل منهم:
أما الراوي الأول: فـ "عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر القرشي" (٢)
وأثر عبد الأعلى رواه ابن الأنباري في " الرد على من خالف مصحف عثمان " كما ذكره السيوطي في " الإتقان ". (٣)
وهو سند ضعيف فيه علل:
العلة الأولى: الانقطاع فإن عبد الأعلى هذا ذكره ابن حجر في الطبقة الخامسة من التابعين وهم الذين لم يثبت لهم السماع من بعض الصحابة فهو من صغار التابعين لا يتسنى له إدراك عثمان-﵁-فضلًا عن السماع منه.
стр. 269
العلة الثانية: أن عبد الأعلى المذكور مقبول يعني حيث يتابع وإلا فلين.
العلة الثالثة: النكارة في المتن.
قال شيخ الاسلام: خبر باطل (١)
و قال السيوطي في الإتقان: إسناد ضعيف مضطرب منقطع. (٢)
ونقل عن الأنباري قوله: لا تقوم بها حجة لأنها منقطعة غير متصلة
و قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار: والصواب أنها موضوعة. (٣)
وأما الراوي الثاني: فـ "عكرمة الطائي" (٤) قال:
" لما كتبت المصاحف عُرضت على عثمان، فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: لا تغيروها؛ فإن العرب ستغيرها - أو قال ستعربها بألسنتها - لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه الحروف". (٥)
وعكرمة لم يلق عثمان ولم يسمع منه فهي رواية مرسلة ضعيفة كذلك.
وأما الراوي الثالث: فـ "قتادة بن دعامة السدوسي"
ولفظ هذا الأثر: " أن عثمان ﵁ لما رفع إليه المصحف قال: إن فيه لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها ". (٦)
وفي السند إليه إبهام بقول أحد الرواة: حدثنا أصحابنا.
يقول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀:
"نقول الرواية ضعيفة ولا تصح عن عثمان فإن إسنادها ضعيف مضطرب منقطع رواه قتادة عن عثمان مرسلًا ورواه نصر بن عاصم عنه مسندًا ولكن فيه عبد الله بن فطيمه وهو مجهول ". (٧)
وأما الراوي الرابع: فـ"يحيى بن يعمر العدواني البصري ": (٨)
стр. 270
ورواية يحي عن عثمان رواية مرسلة، إذ إن يحيى لم يدرك عثمان ولم يره. (١)
وقد حكم البخاري عليه بالانقطاع كما في " التاريخ الكبير " (٢)
ثم إن في سنده اضطرابًا، فمرة يروى عن يحيى بن يعمر عن عبد الله بن فطيمة أو ابن أبي فطيمة، وتارة بالعكس، فيروى عن ابن فطيمة عن يحيى بن يعمر، كما في " تاريخ المدينة " (٣).
وقتادة يروي مرة عن نصر بن عاصم عن يحيى، وتارة يروي عن يحيى مباشرة ولا يذكر نصرًا، وقد يكون بينه وبين يحيى راويان كما في الموضع السابق من تاريخ المدينة، وقد نبه على هذا الاختلاف الباقلاني في " الانتصار للقرآن ". (٤)
والاضطراب واضح في هذا السند كما مر معنا آنفًا.
وأسانيد تلك الآثار كلها لا تصح ولا تصلح للاحتجاج لضعفها واضطرابها ولما فيها من إرسال وإيهام.
أما الجهة الثانية: فمن جهة المتن
فهذا المتن ظاهره البطلان، ويستحيل أن يجتمع فحول العربية من أعرب العرب الأقحاح من قريش ومن شاركهم في جمعه من المدنيين كأبي بن كعب وزيد بن ثابت وغيرهم على لحن كهذا أبدًا ثم يتركه عثمان ويقول: "ستقيمه العرب بألسنتها" بل ويقوم بنشره وبعثه في الأمصار، فهل يُقبل أو يُعقل مثل هذا أبدًا؟.
ولجنة جمع الصحف العثمانية الذين كتبوا المصاحف ونسخوها من الصحف البكرية كانوا ممن تمكن من اللسان العربي، ولاسيما الثلاثة القرشيون فكتبوا تلك الصحف على أصول اللسان العربي وقواعده معتنين بأوجه القراءات، ولم يخالفوا القواعد والأصول التي وُضِعت لتسير عليها لجنة الجمع وتعمل في نطاقها، فقامت تلك اللجنة بواجبها خير قيام، وقد تلقت الأمة الصحف العثمانية بالقبول، وهل بعد ذلك ترى خطأ أو لحنًا وتنتظر من العرب أن تقيمه بلسانها، إذا فما هو دورهم؟ وما هي مهمتهم؟.
ثم نقول إن لم يكن هؤلاء القرشيُّون المكيون ومن معهم من المدنيين من الصَّحابة هم من أفصح العرب فمن إذًا يكون؟!
стр. 271
ويقرر ذلك العلامة اللغوي ابن فارس (ت: ٣٩٥ هـ) ﵀ ويجلي ويظهر معرفة الصحابة وتمكنهم من اللغة فيقول:
"ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم بالعربية: كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمز، والمد والقصر، فكتبوا ذوات بالياء، وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا في مثل "الخبء" و"الدفء". و"الملء" فصار ذلك كله حجة، وحتى كره من العلماء ترك اتباع المصحف من كره.
فحدثني عبد الرحمن بن حمدان عن محمد بن الجهم السمري عن الفراء قال: اتباع المصحف -إذا وجدت له وجهًا من كلام العرب- وقراءة القرآن أحب إلي من خلافه". (١)
وهذا الخبر المنسوب لعثمان لا يصحّ عنه أبدًا، وهو خبر معلول الإسناد منكر المتن، وقد ردَّه وأنكره جمع من أهل العلم إنكاراً شديدًا، وطعنوا في إسناده، وممن ردَّه وأنكره كل من: أبو بكر بن الأنباري: محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الحسن (ت: ٣٢٨ هـ)، وأبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت: ٤٤٤ هـ)، ومكيّ بن أبي طالب القيسي القيرواني (ت: ٤٣٧ هـ)، وشيخ الإسلام
ابن تَيميّة: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحرّاني الدمشقي (ت: ٧٢٨ هـ)، ومحمد الطَّاهر بن عاشور التونسي (ت: ١٣٩٣ هـ)، وشهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي- (ت: ١٢٧٠ هـ) -في تفسيره.
يقول الألوسي- (ت: ١٢٧٠ هـ) ﵀ عن هذا الأثر في تفسيره:
وأما ما روي أنه لما فرغ من المصحف أتي به إلى عثمان فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد فيه هذا،
فقد قال السخاوي: (ت: ٩٠٢ هـ) ﵀:
إنه ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع فإن عثمان جعل للناس إمامًا يقتدون به (٢)، فكيف يرى فيه لحنًا ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها، وقد كتب عدة مصاحف وليس فيها اختلاف أصلًا إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع وهم هم (٣) كيف يقيمه غيرهم؟
وقال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀، في كتابه: الرد على من خالف مصحف عثمان:
الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك لا تقوم بها حجة، لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته وقدوتهم يجمعهم على المصحف الذي هو
стр. 272
الإمام فيتبين فيه خللًا، ويشاهد في خطه زللًا فلا يصلحه! كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه أخر الخطأ في الكتاب ليصلحه من بعده. (١)
وهذا الأثر كما أسلفنا روي بعدة أسانيد وهي كلها ضعيفة ومعلولة ومضطربة وفيها جهالة بعض الرواة، كما أن فيها انقطاع كذلك، وهي كذلك من جهة المتن فيها نكارة، كما أن الرواة قد اضطربوا في ألفاظ هذا الأثر بين (سنقيمه بألستنا) وبين (ستقيمه العرب بألسنتها).
وفي مناقشة وتوجيه أثر عثمان-﵁ يقول أبو عمرو الداني (ت: ٤٤٤ هـ) ﵀ في "المقنع":
" فإن سأل عن السبب الموجب لاختلاف مرسوم هذه الحروف الزوائد في المصاحف، قلت: السبب في ذلك عندنا: أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لما في المصاحف، ونسخها على صورة واحدة، وآثر في رسمها لغة قريش دون غيرها، مما لا يصحّ ولا يثبت: نظرًا للأُمّة واحتياطًا على أهل الملّة، وثبت عنده أن هذه الحروف من عند الله كذلك منزلة، ومن رسول- الله ﷺ مسموعة، وعلم أن جمعها في مصحف واحد على تلك الحال غير متمكّن إلا بإعادة الكلمة مرتّين، وفي رسم ذلك كذلك من التخليط والتغيير للمرسوم: ما لا خفاء به، ففرقها في المصاحف، لذلك: جاءت مثبتة في بعضها، ومحذوفة في بعضها، لكي
تحفظها الأمة كما نزلت من عند الله وعلى ما سُمعت من-رسول الله ﷺ ، فهذا سبب اختلاف مرسومها في مصاحف أهل الأمصار.
" فإن قال قائل: فما تقول في الخبر الذي رويتموه عن يحيى بن يعمر وعكرمة (٢) مولى ابن عباس عن عثمان- ﵁: إن المصاحف لما نسخت عُرضت عليه فوجد فيها حروفًا من اللحن فقال: اتركوها فإن العرب ستقيمها أو ستعربها بلسانها. إذ يدل على خطأ في الرسم؟
قلت: هذا الخبر عندنا لا يقوم بمثله حجة، ولا يصح به دليل، من جهتين:
أحدهما: أنه مع تخليط في إسناده، واضطراب في ألفاظه: مرسل؛ لأن ابن يعمر وعكرمة لم يسمعا من عثمان شيئًا، ولا رأياه.
وأيضًا: فإن ظاهر ألفاظه ينفي وروده عن عثمان- ﵁، لما فيه من الطعن عليه، مع محلّه من الدين، ومكانه من الإسلام، وشدّة اجتهاده في بذل النصيحة، واهتباله بما فيه الصلاح للأمة، فغير ممكن أن يتولى لهم جمع المصحف مع سائر الصحابة الأتقياء الأبرار نظرًا لهم ليرتفع الاختلاف في القرآن بينهم، ثم يترك لهم فيه مع ذلك لحنًا وخطأ يتولى تغييره من يأتي بعده
стр. 273
ممن لا شك أنه لا يدرك مداه ولا يبلغ غايته ولا غاية من شاهده، هذا ما لا يجوز لقائل أن يقوله، ولا يحل لأحد أن يعتقده.
فإن قال: فما وجه ذلك عندك لو صحّ عن عثمان ﵁؟
قلت: وجهه أن يكون عثمان-﵁ أراد باللحن المذكور فيه التلاوة دون الرسم، إذ كان كثير منه لو تُلي على رسمه لانقلب بذلك معنى التلاوة، وتغيرت ألفاظها، ألا ترى قوله (أو لأاذبحنه) و (لاأوضعوا) و (من نبأي المرسلين) و (سأوريكم) و (الربوا) وشبهه مما زيدت الألف والياء والواو في رسمه، لو تلاه تالٍ لا معرفة له بحقيقة الرسم على صورته في الخط … ولزاد في اللفظ ما ليس فيه ولا من أصله، فأتى من اللحن بما لا خفاء به على من سمعه، مع كون رسم ذلك كذلك جائزًا مستعملًا، فأعلم عثمان-﵁ إذ وقف على ذلك أن من فاته تمييز ذلك، وعزبت معرفته عنه ممن يأتي بعده، سيأخذ ذلك عن العرب، إذ هم الذين نزل القرآن بلغتهم، فيعرِّفونه بحقيقة تلاوته، ويدلّونه على صواب رسمه، فهذا وجهه عندي. والله أعلم.
فإن قيل: فما معنى قول عثمان- ﵁ في آخر هذا الخبر: (لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد هذه الحروف)؟
قلت: معناه: أي توجد فيه مرسومة بتلك الصور المبنية على المعاني دون الألفاظ المخالفة لذلك، إذ كانت قريش ومَن ولي نَسْخ المصاحف مِن غيرها قد استعملوا ذلك في كثير من الكتابة، وسلكوا فيها تلك الطريقة، ولم تكن ثقيف وهذيل مع فصاحتهما يستعملان ذلك، فلو أنهما وليتا
من أمر المصاحف ما وليه من تقدم من المهاجرين والأنصار لَرَسَمَتا جميع تلك الحروف على حال استقرارها في اللفظ ووجدها في المنطق دون المعاني والوجوه، إذ ذلك هو المعهود عندهما، والذي جرى عليه استعمالها، هذا تأويل قول عثمان عندي لو ثبت وجاء مجيء الحجّة وبالله التوفيق. (١). فما أحسنه من جواب لكن (لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق: ٣٧)
و أما الجهة الثالثة: فهي من جهة العقل والرأي والنظر الصحيح
وهذه الشبهة تُرُد كذلك من جهة العقل والرأي والنظر الصحيح السديد من جوانب عدة.
أما الجانب الأول: فهو جانب صحة دين الصحابة وقوة إيمانهم بالله تعالى
وقد مر بنا آنفًا بيان بعض هذا الأمر في كلام أبي عمرو الداني- ﵀
ومن تأمل صحة إيمان الصحابة وقوة وسلامة دينهم وسبقهم لكل خير وفضل وبر وترغيبهم فيه، ونفورهم من كل مكروه وشر وتحذيرهم منه، وهم الذين توافرت هممهم على ونقله، وقد بذلوا في ذلك الههم العوالي والمهج الغوالي، كل ذلك يقضي بتعذر رؤيتهم للحن أو خطأ في كتاب الله
стр. 274
ثم لا يصلحونه ولا يقيمونه، بل كيف يقر لهم قرار على لحن رأوه في كتاب ربهم ويقرونه ويسكتوا عنه سكوتًا جماعيًا، بل ويتركونه للأجيال من بعدهم ليقيمونه، كيف يكون ذلك وقد رأينا موقف حذيفة ﵁ وغيرته وركوبه للخليفة ليدرك الأمة قبل أن تختلف في الكتاب اختلاف
اليهود والنصارى، هل بعد هذا الموقف وأمثاله يصح منهم رؤية اللحن في كتاب ربهم والسكوت عنه مع إمكان إنكاره وإصلاحه بلا حرج ولا كلفة وعنت ولا مشقة، وقد مر معنا تكرارًا ومرارًا إجماع الصحابة وإقرارهم لفعل عثمان بل ومشاركتهم فيه كذلك- ﵃ أجمعين-.
وأما الجانب الثاني: فمن جانب استحالة اجتماع الصحابة على ضلالة على وجه العموم.
فإن الصحابة-رضوان الله عليهم- لن يجتمعوا على ضلالة أبدًا كما أخبر بذلك المعصوم- ﷺ بقوله: (إن الله قد أجار أمتي من أن تجتمع على ضلالة) (١)، وهم خير هذه الأمة فكيف يرون اللحن ويقروه مكتوبًا في مصاحفهم ولا يغيرونه، وإن الاجتماع على ضلالة ممتنعًا في حقهم شرعًا، كما هو ممتنع في حقهم عقلًا.
وأما الجانب الثالث: فمن جانب استحالة امتناع ذلك في حق عثمان- ﵁ على وجه الخصوص
وقد تقدم معنا ما جاد به قلم أبي عمرو الداني ﵀ في كلامه عن عثمان-﵁ في هذا الصدد، فهل يعقل في حق من حرق المصاحف وجمع الأمة على مصحف إمام ليئد به فتنة ويرفع به نزاعًا ويدفع به شرورًا عن الأمة ويقوم ببعثه ونشره في الأمصار يدع فيها شاردة أو واردة ولا يقوم بإتمام وإتقان هذا الجمع على أكمل الوجوه وأحسنها وأتمها، وقد قال لهم: "إذا اختلفتم
في شيء في شيء فاكتبوه بلسان قريش أي: بحرفها، فبلسانها نزل"، وهل العرب التي ستقيم هذا اللحن من بعده هى وحدها ستقرأ القرآن دون العجم!!؟، وقد رأى بعينيه كثرة دخول العجم في الإسلام إثر الفتوحات الإسلامية التي كثرت في عهده، ولا شك في أن تصديق هذا الخبر مخالف للنظر الصحيح، ومصطدم مع العقل السوي السليم.
وقال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀ في كتاب " الرد على من خالف مصحف عثمان " في الأحاديث المروية عن عثمان في ذلك: (٢)
لا تقوم بها حجة؛ لأنها منقطعة غير متصلة، وما يشهد عقل بأن عثمان - وهو إمام الأمة الذي هو إمام الناس في وقته وقدوتهم - يجمعهم على المصحف الذي هو الإمام، فيتبين فيه خللًا، ويشاهد في خطه زللًا فلا يصلحه، كلا والله ما يتوهم عليه هذا ذو إنصاف وتمييز، ولا يعتقد أنه أخر الخطأ
стр. 275
في الكتاب ليصلحه من بعده، وسبيل الجائين من بعده البناء على رسمه، والوقوف عند حكمه، ومن زعم أن عثمان أراد بقوله أرى فيه لحنًا، أرى في خطه لحنًا إذا أقمناه بألسنتنا كان لحن الخط غير مفسد ولا محرف من جهة تحريف الألفاظ وإفساد الإعراب فقد أبطل ولم يصب؛ لأن الخط منبئ عن النطق، فمن لحن في كَتْبِهِ فهو لاحن في نطقه، ولم يكن عثمان ليؤخر فسادًا في هجاء ألفاظ القرآن من جهة كَتْبٍ ولا نطقٍ، ومعلوم أنه كان مواصلًا لدرس القرآن متقنًا لألفاظه، موافقًا على ما
رسم في المصاحف المنفذة إلى الأمصار والنواحي، ثم أيد ذلك بما أخرجه أبو عبيد قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن مبارك، حدثنا أبو وائل شيخ من أهل اليمن، عن هانئ البربري، مولى عثمان قال: كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف، فأرسلني بكتف شاة إلى أبي بن كعب فيها: (لم يتسن)، وفيها: (لا تبديل للخلق)، وفيها: (فأمهل الكافرين)، قال: فدعا بالدواة فمحا أحد اللامين فكتب لخلق الله، ومحى فأمهل، وكتب فمهل، وكتب لم يتسنه، ألحق فيها الهاء.
قال ابن الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) ﵀:
فكيف يدعى عليه أنه رأى فسادًا فأمضاه وهو يوقف على ما كتب ويرفع الخلاف إليه الواقع من الناسخين ليحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده انتهى.
قلت: (السيوطي) ويؤيد هذا أيضًا ما أخرجه ابن أشته في المصاحف قال: حدثنا الحسن بن عثمان، أنبأنا الربيع بن بدر، عن سوار بن شبيب قال: سألت ابن الزبير عن المصاحف فقال: قام رجل إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! إن الناس قد اختلفوا في القرآن! فكان عمر قد هم أن ي على قراءة واحدة، فطعن طعنته التي مات بها، فلما كان في خلافة عثمان قام ذلك الرجل فذكر له، فجمع عثمان المصاحف، ثم بعثني إلى عائشة، فجئت بالصحف فعرضناها عليها حتى قومناها، ثم أمر بسائرها فشققت.
فهذا يدل على أنهم ضبطوها وأتقنوها ولم يتركوا فيها ما يحتاج إلى إصلاح ولا تقويم. (١)
وأما الجانب الرابع: فمن جانب قول عثمان- ﵁ لَمَّا فُرِغ من كتابة المصحف:
"أرى شيئًا مِن لحنٍ ستقيمه العربُ بألسِنتِها"، وقد علَّق الأئمة على ذلك فقالوا:
"لو كان فيه لحن لا يجوز في كلام العرب جميعًا لما استجاز أن يبعث إلى قوم يقرؤونه". (٢)
وإنَّ هذا لقولٌ قاطعٌ كلَّ قول، يصحُّ فيه المثَل القائل: (قطعَت جَهيزةُ قولَ كلِّ خطيبِ) (٣)، إذ ليس معقولًا ولا منطقيًّا أن يَرى عثمانُ-﵁ في القرآن خطأً نحويًّا أو صرفيًّا، فلا
стр. 276
يُصلحه ولا يقوِّمه، بل يُرسله على ما فيه من الخطأ إلى أقطار الدولة الإسلامية من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، قائلًا: إنَّ العرب ستقيمه بألسِنتِها؟! وكيف يجوز ذلك؟ وهل من إقامة العرب اللحنَ بألسنتها أن تجعل المرفوع مجرورًا أو منصوبًا؟! وتجعلَ المجرور منصوبًا أو
مرفوعًا؟! وتجعلَ الألف والنون من المثنى، ياءً ونونًا؟! وهل من ذلك أن تغير العرب إعرابَ المفردات؟؟
إنَّ هذا ونحوه، لا يكون، ولا يُظَنُّ ولو في الخيال أن يكُون. ومع ذلك يظل المرء بين يوم وآخر، يسمع قائلًا يقول: إنَّ في القرآن لحنًا، أي: خطأً، كما يَظُن!! ويستدلُّ على ذلك بقول عثمان- ﵁: أرى في المصحف شيئًا مِن لحن؟!. (١)
وأما الجانب الخامس: فمن جانب الاضطراب والتناقض الواضح الجلي بين صدر أثر عثمان-﵁ وعجزه، ففي صدره مدح عمل الكُتَّاب فقال لهم: "أحسنتم وأجملتم! "، وفي عجزه قال لهم: " في القرآن لحن وستقيمه العرب بألسنتها .. "، فكيف به يمدح عملهم أولًا: ثم هو ينقض بعض ما فيه آخرًا فيصف تلك الصحف المنسوخة بأن فيها لحنًا .. !.، وعمومًا هل يعقل أن يقول عثمان إذا رأى في تلك الصحف لحنًا: أحسنتم وأجملتم!؟. ولا شك أن هذه وحدها لشافية كافية.
وإن قدر عثمان وسبقه للإسلام وصدق إيمانه وبذله الأموال وسبقه لكل خير وفضل وبر وموقفه من هذا الجمع موقف الرجال .. كل هذا يؤكد ويبرهن على استحالة صدور ذلك عنه، وقد أثبت
ذلك التناقض البين الواضح بين صدر الكلام وبين عجزه نكارة المتن واضطرابه وأن صدور ذلك عن مثل عثمان أمر محال.
هذا … وقد أفرد الشيخ سليم بن عيد الهلالي دراسة لأثر-عثمان- هذا- في صفحات عدة في تحقيقه المتميز لكتاب "المصاحف" لابن أبي داود، وناقشه وتناول روايته وطرقه وقدم دراسة وافية وكافية لسنده ومتنه ونقل وقيد فيه أقول المحققين من أهل العلم، وبين ضعف سنده ونكارة
стр. 277
متنه، وذكر ما فيه من علل وتخبط واضطراب، وقد أجاد وأفاد فجزاه الله خيرًا، ومن أراد التوسع في دراسة هذه الآثار فليراجعها ثم هناك. (١)
وبهذا ينتهى عرض الشبهة الأولى وجوابها. والحمد لله رب العالمين
الشبهة الثانية: دعوى الخطأ على الكُتَّاب في المصاحف العثمانية
مضمون الشبهة الثانية:
ومن الشبهات التي أثيرت حول الجمع العثماني، دعوى الخطأ على الكُتَّاب في المصاحف العثمانية.
فقد ادَّعى بعض الطاعنين على نقل القرآن الكريم أن هذا النقل قد حصل فيه خطأ من الكُتَّاب والقراء عند كتب المصاحف العثمانية، وتعلَّقوا في ذلك بآثارٍ رويت عن بعض الصحابة في ذلك، منها:
الأثر الأول:
عن عروة بن الزبير- ﵁ أنه سأل (٢) عائشة ﵂ عن قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) (النساء من آية: ١٦٢). وعن قوله: تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ) (المائدة من آية: ٦٩). وعن قوله: (إنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) (طه من آية: ٦٣)، فقالت: يا ابن أختي، هذا عمل الكُتَّاب، أخطأوا في الكتاب. (٣).
الأثر الثاني:
عن أَبي عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّه دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ فَقَالَ: جِئْتُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا. فَقَالَتْ: أَيَّةُ آيَةٍ فَقَالَ: (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا)، (المؤمنون من آية: ٦٠) أَوِ (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا) فَقَالَتْ: أَيَّتُهُمَا أَحَبُّ
إِلَيْكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لإِحْدَاهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا، أَوِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَالَتْ: أَيَّتُهُمَا؟ قُلْتُ: (الَّذِينَ يَأْتُونَ مَا أَتَوْا). قَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ
стр. 278
كَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا، وَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ. أَوْ قَالَتْ: أَشْهَدُ لَكَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ. (١)
الأثر الثالث:
عن ابن عباس ﵁ أنه كان يقرأ: (لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا)، (النور من آية: ٣٨) قال: وإنَّما (تستأنسوا) وَهمٌ من الكُتَّاب. (٢)
الأثر الرابع:
عن ابن عباس أنه قرأ: (أَفَلَمْ يتبيَّن الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا) (النور من آية: ٢٧)، فقيل له: إنَّها في المصحف: (أَفَلَمْ يَيْأَس)، (الرعد من آية: ٣١). فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس. (٣).
الأثر الخامس:
عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ) (الإسراء من آية: ٢٣) إنَّما هي (ووصى ربُّك)، التزقت الواو بالصاد. (٤)
الأثر السادس:
عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياءً)، (٥) ويقول: خذوا هذا الواو واجعلوها هنا: (والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) (٦)
الأثر السابع:
عن ابن عباس في قوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) (النور من آية: ٣٥)، قال:
هي خطأ من الكاتب، هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، إنَّما هي: (مثل نور المؤمن كمشكاة). (٧)
стр. 279
فزعموا أن هذه الآثار دلت على أن كتاب المصاحف قد أخطأوا وجه الصواب في كتابة المصاحف، وانبنى على تلك الأخطاء قراءة القراء بعد ذلك.
ويُجاب عن هذه الشبهة بطريقين:
أولاً: الأجوبة العامة:
فقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث في الجملة بوجوه عامة، منها:
الجواب الأول:
جنح ابن الأنباري وغيره إلى تضعيف هذه الروايات، ومعارضتها بروايات أخرى عن ابن عباس وغيره بثبوت هذه الأحرف في القراءة. (١)
ويدل على ضعف هذه الروايات كما سبق في الشبهة السابقة إحالة العادة خفاءَ الخطأ في مثل القرآن، الذي توافرت الْهمم على نقله وحفظه، وعدمَ انتباه الصحابة إليه، وتركَه إذا انتبهوا إليه دون تصحيح لِما زُعم فيه من الخطأ.
قال الزمخشري (ت: ٥٣٨ هـ):
وهذا ونحوه مِمَّا لا يصدق في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكيف يخفى مثل هذا حتى يبقى ثابتًا بين دفتي الإمام (٢)، وكان متقلبًا في أيدي أولئك الأعلام
المحتاطين في دين الله، المهتمين عليه، لا يغفلون عن جلائله ودقائقه، خصوصًا عن القانون الذي إليه المرجع، والقاعدة التي عليها البناء، هذه -والله- فريةٌ ما فيها مريةٌ. (٣)
الجواب الثاني:
ما سبق في ردود الشبهة السابقة من أن الصحابة لم يكتبوا مصحفًا واحدًا، بل كتبوا عدة مصاحف، وأن أحدًا لم يذكر أي المصاحف الذي كان فيه الخطأ، ويبعد اتفاق جميع المصاحف على ذلك الخطأ المزعوم. (٤)
قال الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀:
فلو كان ذلك خطأً من الكاتب لكان الواجب أن يكون في كل المصاحف -غير مصحفنا الذي كتبه لنا الكاتب الذي أخطأ في كتابه- بخلاف ما هو في مصحفنا، وفي اتفاق مصحفنا ومصحف أُبَيٍّ
стр. 280
في ذلك ما يدل على أن الذي في مصحفنا من ذلك صوابٌ غير خطأٍ، مع أن ذلك لو كان خطأً من جهة الخط، لم يكن الذين أخذ عنهم القرآن من أصحاب رَسُول اللهِ ﷺ يُعَلِّمون من علَّموا ذلك من المسلمين على وجه اللحن، ولأصلحوه بألسنتهم، ولقَّنُوه للأمة على
وجه الصواب، وفي نقل المسلمين جميعًا ذلك قراءةً على ما هو به في الخط مرسومًا أدلُّ الدليل على صحة ذلك وصوابه، وأن لا صنع في ذلك للكاتب. (١)
الجواب الثالث:
إذا سلمنا صحة تلك الروايات، فإننا نردُّها برغم دعوى صحتها، لأنَّها معارضةٌ للقاطع المتواتر من القرآن الكريم، ومعارض القاطع ساقط، لا يلتفت إليه، والقراءة التي تخالف رسم المصحف شاذَّةٌ لا يلتفت إليها، ولا يُعوَّل عليها. (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) ﵀:
ومن زعم أن الكاتب غلط، فهو الغالط غلطًا منكرًا؛ فإن المصحف منقولٌ بالتواتر، وقد كتبت عدة مصاحف، فكيف يُتَصَوَّرُ في هذا غلطٌ. (٣)
الجواب الرابع:
وتُدفع الروايات الواردة عن ابن عباس ﵄ بوجهٍ عامٍّ بأنه قد أخذ القرآن عن زيد بن ثابت وأُبَيِّ بن كعبٍ، وهما كانا في جمع المصاحف في زمن عثمان، وكان زيدٌ هو الذي بأمر أبي
بكر-﵃ أجمعين- أيضًا، وكان كاتبَ الوحي، وكان يكتب بأمر النَّبِيّ ﷺ وإقراره، وابن عباس- ﵄ كان يعرف له ذلك، فمن غير المعقول أن يأخذ عنهما القرآن، ويطعن في ما كتباه في المصاحف. (٤)
ويدل على ذلك أن عبد الله بن عباس كان من صغار الصحابة، وقد قرأ القرآن على أبي بن كعب، وزيد بن ثابت ﵄، ـ (٥) وقد روى القراءة عن عبد الله بن عباس أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وغيرهم من القراء، وليس في قراءتِهم شيءٌ مِمَّا تعلق به هؤلاء، بقراءته موافقة لقراءة الجماعة.
стр. 281
ثانيًا: الجواب عن كل أثرٍ على حدة
جواب الأثر الأول: أن الرواية الواردة عن عائشة في ذلك ضعيفة لا تثبت: (١) قال أبو حيان في قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ): وذُكِر عن عائشة وأبان بن عثمان أنَّ كَتْبَهَا بالياء من خطأ كاتب
المصحف، ولا يصح عنهما ذلك؛ لأنَّهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت مشهورٌ في لسان العرب. (٢)
وقال الزمخشري: (ت: ٥٣٨ هـ):
ولا نلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربَّما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، (٣) ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفي عليه أن السابقين الأولين، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همةً في الغيرة على الإسلام، وذبِّ الْمطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثُلمةً يسدها من بعدهم، وخرقًا يَرْفُوهُ من يلحق بِهم. (٤)
أنه مِمَّا يدل على ضعف الرواية عن عائشة ﵂ في تخطئة الكاتب في رسم (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) (طه من آية: ٦٣) أن المصاحف العثمانية اتفقت على رسم (هذان) بغير ألف، ولا
ياء، (٥) ليحتمل أوجه القراءة المختلفة فيها، وإذًا فلا يُعقل أن يُقال أخطأ الكاتب، فإن الكاتب لم يكتب ألفًا ولا ياءً. ولو كان هناك خطأٌ تعتقده عائشة- ﵂ ما كانت لتنسبه إلى الكاتب، بل كانت تنسبه إلى من قرأ بالتشديد في (إنَّ) مع القراءة بالألف في (هذان). (٦)
أنه لم ينقل عن عائشة تخطئة من قرأ: (وَالصَّابِئُونَ) (المائدة من آية: ٦٩) بالواو، ولم ينقل عنها أنَّها كانت تقرؤها بالياء، فلا يعقل أن تكون خطَّأت من كتبها بالواو. (٧) أننا إذا سلَّمنا بصحة هذا
стр. 282
الخبر، فإنه يحتمل أن سؤال عروة لعائشة لم يكن عن اللحن (١) في الكتاب الذي هو الخطأ والزلل والوهم، وإنما سألها عن الحروف المختلفة الألفاظ، المحتملة للوجوه على اختلاف اللغات، وإنما سمَّى عروة ذلك لحنًا، وأطلقت عليه عائشة الخطأ على جهة الاتساع في الأخبار، وطريق المجاز في العبارة، إذ كان ذلك مخالفًا لمذهبهما، وخارجًا عن اختيارهما، وكان خلافه هو الأولى عندهما. (٢) أنه يحتمل أيضًا أن قول عائشة: " أخطأوا في الكتاب" أي في اختيار الأولى من
الأحرف السبعة لجمع الناس عليه. أي أن الوجه الظاهر المعروف في هذه الحروف غير ما جاء به المصحف، وأن استعماله على ذلك الوجه غامضٌ أو غلطٌ عند كثير من الناس، ولحن عند من لا يعرف الوجه فيه، لا أن الذي كتبوه من ذلك خطأٌ خارج عن القرآن، والدليل على ذلك أن غير الجائز من كلِّ شيءٍ مردودٌ بإجماع، وإن طالت مدة وقوعه. (٣)
جواب الأثر الثاني:
أن كلام عائشة في قوله تعالى: (يُؤْتُونَ مَا ءَاتَوْا) (المؤمنون من آية: ٦٠) ليس فيه إنكار هذه القراءة المتواترة، وإنما غاية ما فيه أن ما قرأت هي به كان مسموعًا عن رَسُول اللهِ ﷺ منَزَّلاً من عند الله. أن قولَها: "وَلَكِنَّ الْهِجَاءَ حُرِّفَ" يحتمل أن يكون المراد به أنه ألقي إلى الكاتب هجاءٌ غيرُ ما كان الأولى أن يُلْقَى إليه من الأحرف السبعة. أنه يحتمل أيضًا أن يكون مأخوذًا من الحرف، الذي هو بمعنى القراءة واللغة، وأنَّها أرادت أن هذه القراءة المتواترة التي رُسم بِها المصحف لغةٌ ووجهٌ من وجوه أداء القرآن الكريم. (٤)
جواب الأثر الثالث:
أن هذه الرواية غير ثابتة عن ابن عباس. قال أبو حيان: ومن روى عن ابن عباس أن قوله: (تستأنسوا) خطأ، أو وهم من الكاتب، وأنه قرأ: (حتى تستأذنوا)، فهو طاعنٌ في الإسلام، ملحدٌ في الدين، وابن عباسٍ بريءٌ من هذا القول، وتستأنسوا متمكنةٌ في المعنى، بيِّنَةٌ الوجه في كلام العرب. (٥)
стр. 283
أن ابن عباس قرأها (تستأنسوا) وفسرها بالاستئذان. فعن ابن عباس في قوله:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا)
(النور، من آية: ٢٧)، قال: الاستئناسُ: الاستئذانُ. (١)
جواب الأثر الرابع:
أن الرواية بذلك عن ابن عباس غير ثابت، قال أبو حيان: وأما قول من قال: إنَّما كتبه الكاتب وهو ناعسٌ، فسوَّى أسنان السين، فقول زنديقٍ ملحدٍ. (٢) أنه يحتمل أن قول ابن عباس: "كتبها وهو
ناعس"، بِمعنى أنه لم يتدبر الوجه الذي هو أولى من الآخر، وهذا الرد محتمل في كثير من تلك الروايات.
جواب الأثر الخامس:
أنه قد استفاض عن ابن عباس أنه قرأ (وقضى) (الإسراء من آية: ٢٣) وذلك دليل على أن ما نسب إليه في تلك الروايات من الدسائس التي لفَّقها أعداء الإسلام. (٣) قال أبو حيان: والمتواتر هو: (وقضى)، وهو المستفيض عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهم في أسانيد القراء السبعة. (٤)
جواب الأثر السادس:
في قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياءً) (الأنبياء من آية: ٤٨)
فالرواية الواردة عن ابن عباس في تغيير موضع الواو ضعيفة، لا تصح. (٥).
جواب الأثر السابع:
أنه لم ينقل أحدٌ من رواة القراءة أن ابن عباس كان يقرأ: (مثل نور المؤمن)، وهذا يدل على عدم صحة هذا النقل عنه، إذ كيف يقرأ ما يعتقد أنه خطأ ويترك ما يعتقد أنه الصواب. على أنه قد روي
أن أُبَيًّا كان يقرأ: (مثل نور المؤمن)، وهي قراءة شاذة مخالفة لرسم المصاحف، وينبغي أن تحمل على أنه أراد تفسير الضمير في القراءة المتواترة، أو على أنَّها قراءة منسوخة. (٦)
стр. 284
انتهى الكلام عن الشبهة الثانية وجوابها والحمد لله.
الشبهة الثالثة: دعوى تغيير الحجاج بن يوسف (ت: ٩٥ هـ) مصحف عثمان
ادعى بعض الطاعنين في القرآن الكريم أن الحجاج بن يوسف الثقفي غيَّر حروفًا من مصحف عثمان، وأسقط حروفًا كانت فيه، وأنه كتب ستة مصاحف وجه بِها إلى الأمصار، وجمع المصاحف المتقدمة، وأغلى لَها الخل حتى تقطعت، وأنه قصد بذلك التزلف إلى بني أمية بإثبات خلافتهم، وإبطال خلافة ولد عليٍّ والعباس (١).
وتعلقوا في ذلك بنحو ما روي عن عوف بن أبي جميلة أن الحجاج بن يوسف غيَّر في مصحف عثمان أحد عشر حرفًا، قال:
كانت في البقرة: (لم يتسنَّ وانظر)، بغير هاء، فغيَّرها) لَمْ يَتَسَنَّهْ ((البقرة من آية: ٢٥٩) بالهاء. (٢)
وكانت في المائدة: (شريعة ومنهاجًا)، فغيَّرها:) شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا (٣)
وكانت في يونس:) يَنْشُرُكُم (، فغيَّرها:) يُسَيِّرُكُمْ (٤)
وكانت في يوسف: (أَنَا آتِيكُم بِتَأْوِيلِهِ)، فغيَّرها:) أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ (٥)
وكانت في المؤمنين: (سيقولون لله، لله، لله)، ثلاثتهن، فجعل الأخريين: (الله، الله) (٦).
стр. 285
وكانت في الشعراء، في قصة نوح: ﵇ (مِنَ الْمُخْرَجِينَ)، وفي قصة لوط ﵇: (مِنَ الْمَرْجُومِينَ)، فغيَّر قصة نوح ﵇: (مِنَ الْمَرْجُومِينَ)،
(الشعراء من آية: ١١٦) وقصة لوط ﵇:) مِنَ الْمُخْرَجِينَ ((الشعراء من آية: ١٦٧).
وكانت في الزخرف: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعَايِشَهُم)، فغيَّرها) مَعِيشَتَهُمْ (١)
وكانت في الذين كفروا (٢): (مِن مَاءٍ غَيْرِ يَاسِنٍ)، فغيَّرها:) مِن مَاءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ (٣)
وكانت في الحديد: (فالذين آمنوا منكم واتقوا لهم أجرٌ كبير)، فغيَّرها:) وَأَنْفَقُوا ((الحديد من آية: ٧)
وكانت في إذا الشمس كُوِّرَتْ): وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ (، (٤) فغيَّرها:) بِضَنِينٍ (٥).
وهذه شبهة باردة لا تستحق الردَّ؛ فإنَّها تحمل في طيَّاتِها أمارات بطلانِها وردها، ولكن نذكر ما أجاب به أهل العلم عن هذه الكذبة، وهي أجوبة كثيرة، منها:
الجواب الأول: أن الروايات التي تعلقوا بِها في هذه الشبهة في غاية الضعف، ولا تقوم بمثلها حجة، فهذا الأثر المروي عن عوف بن أبي جميلة ضعيف جدًّا، ففيه عبّاد بن صهيب، وهو متروكٌ، ضعيف الحديث، وكان قدريًّا داعيةً، (٦) وكذلك عوف بن أبي جميلة، وإن كان ثقةً، إلا أنه متهم بالقدر والتشيع، وهذا الأثر -إن ثبت عنه- مما يؤيد دعوى الشيعة وقوع التحريف في القرآن، فهو متهم فيه. (٧)
الجواب الثاني: أنه لو حصل مثل ذلك لنقل إلينا نقلاً متواترًا، لأنه مِمَّا تتوافر الدواعي على نقله وتواتره. فلما لم ينقل إلينا بالنقل الصحيح، علم أنه كذب لا أصل له.