Полный текст (189 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
التوقيف دون التثقيف والتعليم، دون التقويم، والإعذار والإنذار دون الإيقاع والإيجاع. هو بعرض إنكار يسيل دموعه، ويقيم ضلوعه. قد استحق أن يحمل أثقال المعاقبة، ويعرف آيات سوء العاقبة. أنزله منزلة مثله ممن أساء حفظ الوديعة، وجوار الصنيعة، فاستوجب نزعهما منه، وتحويلهما عنه. ضاق به كنف العفو، وحقت عليه كلمة الطو. قد اسودت صحيفته، وأغلق باب التوبة دونه، وحيل بين العفو وبينه. عثراته محظورة على الإقالة وهناته تجني له ثمر الضلالة.
الأبراق والأرعاد
سيعلم المخذول كيف يرمي بحجره، وتشبع الوحوش من جيفته ونفره، الأهب لا ستيصاله مأخوذة، والسيوف لقتاله مشحوذة. سيبلغ في بابه ما يتأدب به كل جامع في عنائه، وطامح إلى ما ليس من شأنه. ستراه وليست له عينى طارفة، ولا جثة واقفة لأكشفنه لكل ليل بارد، ونهار واقد. سينزل بأولئك الأغمار قاطعات الأعمار. إما ذل واستكان، وإما هلك قتل قد كان. قد تكون للباطل جولة، وللفساد مهلة. ثم تأتي من الإنتقام والاصطلام، ما يسقط الهام على الاقدام. أما فلان فسيراق على الضلال دمه، وتتطاير على الجذوع رممه. لم يدر أن العزيمة من مولانا تترك أمثاله مثلا، وتجعله لأهل الشقاق مثلا. أما علم أن مولانا إذا رماه بشعبة من أفكاره ومسه بجذوة من ناره. عاد حرصه ندما. وصار وجوده عدما، وغودر أشياعه بددا، بل طرائق قداد. أتدرون ويحكم في أي حتف تورطتم وأي شر تأبطتم. إما فطمكم عن رضاع الحيف، وإما حسمكم بغرار السيف، تمثل هذه المقانب وتصور هذه الكتائب، وأخطر ببالك قلبها، فإن قلبك يدل على حالك، وميمنتها فإن يمينك تتقاصر عن شمالك؛ وميسرتها فإن اليسرى تتراجع عن أمورك، وجناحها فإنك تجنح عن كافة شؤونك.
стр. 142
احتشاد العدو
حشر وحشد، واستمد واستنجد واستعد، كاشف وبادى، وحشر فنادى، حشد وحشر، وضم ونشر، وجمع أطرافه، وألف ألفافه. قد استنفذوا قواهم في تكثير العدد، وتوفير العدد. وتقديم المراصد، وتوكيد المكائد. جمعوا شوكهم وشجرهم، وجروا مدرهم ووبرهم، واستنفذوا قواهم وقدرهم. نفضت تلك البلاد أحرارها وعبيدها، وأخرجت عدتها وعديدها. رمت تلك البلدة بأفلاذ كبدها، وأخرجت أرضها أثقالها من عديدها وعددها. أسألت تلك البلاد سيلها، وجمعت من أسلحتها نهارها، ومن سوادها ليلها.
ذم جيش العدو
زحق إليه بما احتطب في ليله، وقمش من غثاء سيله. نهض بمن جمع من فراش النار، وأوباش الأمصار. اغتر بما اجتمع إليه من فل الخيول، وغثاء السيول، ورذايا الملاحم، وبقايا الصوارم. تنابحت إليه كلاب الغارة الشعواء، وتعاوت لديه ذئاب الصيلم الصماء. خرج بمن لف لفه، وصافح على الضلال كفه من أشياع الغوايا، وأتباع الغواية. جمع من جمع من فراش النار، وخشاش البوار. أولئك الكلاب الغاوية، والذئاب العاوية. عصبة الضلال وعصبة الخبال. تلك العصبة المعصوبة بالثياب، المغصوبة على الألباب. كل من معه من أصناف الأتباع، والعوم الرعاع. من لا يقيم له وزناً، ولا يتمثل له أمراً، وإنهم نصبوه سلماً لهم إلى الأموال المستهلكة، والمآكل الموبئة، والموارد المردية.
استهانة الأعداء واستحقارهم والتفاؤل عليهم
سحائب صيف عن قليل تقشع، وعروق باطل لا تمهل أو تقطع. لا تهولنك كثرة الارجاس فإنهم أزواد الضباع، وآكال السباع، ومشارع
стр. 143
السيوف، ومراتع الحتوف. ما هي إلا صيحة واحدة، وزجرة راصدة، حتى تراهم كأن لم يغنوا في ديارهم، ولم يسمع بأخبارهم. وهو غرض الجوائح، وهدف الخواطف، واتباعه رجل جراد في ريح يوم عاصف. اقبل في شرذمة هي لجيوش السلطان بمنزلة البغاث للجوارح التي تعتدها لحمة، وتتخذها طعمة. هم فرائس الحمام، وأهداف السهام. ما منهم إلا جراد مجرود، وقنص مصيد أو مطرود، المتالف لهم راصده، وإليهم قاصده. ما منهم إلا نهزة الطالب، وفرصة الغالب، وطعمة الأكل، وجرعة الشارب. جاء في أقل لمة، وأضعف شرذمة. ونوازل الغير بهم محدقة، وسهام النقم لهم مفوقة.
قرب العدو من الهلاك
هو محاط به وكالمأخوذ بناصيته. قد أذن الله في قطع أكله، وأدناه من حاضر أجله. ما هو إلا فرصة اليوم أو غد، والهلك واقف له بكل مرصد. قد رصده ضوء الصباح وظلام الليل. لتجنه أرحام الأرض، أو ينشر من بطون السباع. والطير قد حص جناحه، ودنا اجتياحه. ما هو إلا صفاة آن قرعها بل قلعها، وقناة قد حان صدعها بل قطعها. دعائمه مخفوضة، ومرائره منقوضة واللعنة به مصعوبة، والهلكة عليه مكتوبة، قد احتفت به النوائب تصرف أنيابها، وصمدت له الحوادث تفتح أبوابها، وانحت عليه الخطوب تخطب بحتفه، ولذت به الصروف تأخذه من بين يديه ومن خلفه.
فيمن يسعى بقدمه إلى مراق دمه
قد طار بجناحه، إلى مواضع اجتياحه. يمشي إلى حتفه بأخمصيه، ويبحث عن مديته بيده. تحفزه إلى مصرعه الأضاليل، وتعجله إلى هلكه الأباطيل. استخفهم الحين المتاح، واستحثهم القدر المجتاح. جد بهم
стр. 144
استعجال الآجال، وتصورت لهم المنايا في صور الأماني والآمال. ساروا وآجالهم تفسح لهم في مطامعهم، ومناياهم تحث مطاياهم إلى مصارعهم. أقدموا راكبين للغرر، مستسلمين للغير. تجذبهم كواذب الأطماع بمقاود نفوسهم، إلى مقاطع رؤوسهم، وتسوقهم بأزمة معاطسهم، إلى مظان متاعسهم. نقلهم الله بأقدامهم، إلى مصارع حمامهم. توجهت تلك العساكر المخذولة يسوقها راهن ضلالها، إلى انتهاء آجالها، ويقودها حاضر دمارها، إلى انقضاء أعمارها.
ذكر انخزال الأعداء ووهلهم واستيلاء الرعب عليهم قبل المحاربة
نصرنا بالرعب عليهم، حتى أصبحت المهابة سيوفاً خواطر في قلوبهم، وراحت المخافة رماحاً خواطف لنفوسهم، ملكه ذعر أراه دورة متسفة، وجيوشه مختطفة، وبلاده ممتلكة، ومعاقله منتهكة. أحواله قد تداعت، ونفوس أصحابه قد ارتاعت، تمثل له الأجل، فملكه الوجل، واستطاره الوهل، فلن يطول به المهل. ناوشوا بقلوب غمرها الوجل، وأيد قد أضعفها الوهل. فالسواعد غير مساعدة والأعضاد غير معاضدة. أخذت مبانيهم تتنقض، ودعائمهم تتقوص، وزنادهم تصلد، ورياحهم تركد. فلم يطو مولانا إليهم منزلاً إلا تضاعفوا ضعفاً وتخلخلاً، ولم يدن منهم منهلاً إلا ازدادوا وهناً وتزلزلاً. لا يمرون حبلاً إلا أوثقوا بقواه، وخنقوا بعراه، ولا يلهبون ناراً إلا عوجلوا بضررها، وأبيدوا بشررها. ساء صباحهم، وقرب اجتياحهم، وتطايرت فرقاً أرواحهم. أشعرت نفوسهم التلاقي، فبلغت التراقي، علموا أن القراع لا يثمر إلا قرع صفاتهم، والنزاع لا ينتج إلا نزع شباتهم. استبدلوا بالتطاول تضاؤلا، وبالتجلد تباعدا، ورأوا الأنوار ظلما، والأشخاص بهما، والآكام رجالا، والجبال خيلاً عجالا. لما رأوا الرايات المنصورة تخفق خفقت عليها قلوبها، وتمثل لها أن قد وجدت جنوبها. انزعج من مكانه بقلب هلوع،
стр. 145
وروع مروع. أحس قرب الموت وضيق العيش، وضعف الجأش واضطراب الجيش. تقدمهم الأخبار وهم يتأخرون، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.
مسير الملك في جيوشه والتفؤل له
سار مولانا والسماء تحسد الأرض لسيره، والنجوم تود لو سرت مع سنابك خيله. اقبل مسعود الكواكب، منصور المواكب. سارت تخرج معه الأرض أثقالها، وتسير الغبراء جبالها. نهض مولانا والأرض سائرة بمسيره، والأقدار صائرة إلى تدبيره. نهض والسعود تواكبه، والمناجح تصاحبه، ومعونة الله تقدمه، وصوائب العزمات تخدمه. جلل مولانا هذا الخطب عظم حركته، وغشاه كبر مسيره عن دار مملكته. فكادت السماء تميد إعظاماً لنهوضه، والأرض تسير مع خيوله. نهض مجرداً عزمه لقصدهم، ومحصداً رأيه في حصدهم. ركب في أنصار حقه، وأعوان ملكه، فكادت الأرض ترجف، والجبال تزحف، والأفلاك تقف، والكواكب تكف. سار بأسعد الطوالع والفواتح، وأحمد الميامن والمناجح، بجيوشه التي لا تحصرها الاعداد، ولا يقاس بها الأجناد، فحسبت الأرض ترحل برحيلها، وتسير مع حوافر خيولها. سار مولانا في جيوشه فخيلت الأرض مائجة، والبحار هائجة، والنجوم منكدرة، والسماء منفطرة، خرج والمناجح تطرق بين يديه، والميامن تسير حواليه، وآيات الظفر تقرأ من ذوائب أعلامه وبنوده، ورايات النصر تخفق على مراكبه وجنوده. أقبل والإقبال حاجبه، والنصر صاحبه، والصنع مصاحبه والظفر يقدم أعلامه، والقدر يخدم أيامه. نهض والسيول تقصر عن دهماء جيوشه وجنوده، والنجوم تغمض من ضياء ألويته وبنوده، والنجح يقرأ من نواصي خيله، والأرض تضحك عن آثار عدله وخيره. سار معبي الجيش، رابط الجأش، أصيل الرأي والحزم، ملتئم التدبير والعزم. زحف إليهم رحفاً، ملأ قلوبهم رجفا، استقل به الميسر شائماً بروق العز، مقدماً كتائب
стр. 146
الرعب، مستصحباً مفاتح النصر. أقبل والدنيا تسير بسيره، وخدود النجوم في سنابك خيله. سار يقدمه جند من الرعب والذعر، ويتبعه مدد من الصنع والنصر. اقبل في مراكب أعلامها تخفق بالنجح، وطبولها تنطق بالفتح. برز وقد جهز أود الملك من حماته، واعيان الأرض من كماته، وراياته تكاد تنطق بالنجح، ويملي بأسنتها كتاب الفتح.
وصف الجيش بالكثرة والشوكة والنصرة
خيل، كقطع الليل، ورجال، خلقوا لقطع الآجال. جيوش ترجف لها الأرض، ويستوي بها النشر والخفض، خفت الجيوش فخلت الجبال سائرة، والبحار ثائرة. جيوش يرون من الكثرة قطع ليل أسفع، ومن الحديد وجه نهار قد متع. مواكب ضاقت عنها مناكب الأرض، ذات الطول والعرض. جيوش يغض بها الفضاء، ويستكين بها القضاء، وتضيق عنها الأوطار، وتخشع لها الأقدار. جيش كالليل، بكثرة الخيل، وكالنهار، بوضوح الآثار. عساكر تتتابع أفواجها، وتتدافع أمواجها. جر إليهم جبال الحديد، وأطلق أعنة الأسود السود. عساكرهم آساد وبحار، وأقضية وأقدار، وجبال أطوادها همم ونفوس، ونجوم أسلحتها أقمار وشموس. ملأ الملا خيلاً ورجالا، تحمل أوجالاً وآجالا حسبت الأرض ترتحل برحيلهم، وتسير مع حوافر خيولهم. طلعت على أعداء الله المطايا، عليها المنايا، والسيوف، في ظباها الحتوف. بادروا أفواجاً وأرسالاً، وانفروا خفافاً وثقالاً. عسكر وافر المدد، كثير العدد كثيف العدد.
وصف الأبطال والشجعان وأبناء الحروب
كل باسل قد تعود الأقدام، حيث تزل الأقدام، وشجاع الإحجام، عاراً لا تمحوه الأيام. سيفه أم الآجال، ورمحه يتم الأطفال. ما لسيفه غير الرقاب، قراب إذا أفاض قداح القتال قمر آجال الرجال. قد ملأ الأرض
стр. 147
دماء، والسماء هباء. حجل الخيل بدماء أعاديه، وجعل هاماتهم قلانس رماحه. نهض كالليث الحادر، والشجاع الثائر، والحسام الباتر. عقبان خيول فوقها اسد جنود. ابناء الحروب الذين نشأوا فيها، وارتضعوا لبانها، وعرفوا مراسها، وألفو مساسها، كالأسود إقداما، والنيران اضطراما. بأمثالهم تشحن أطراف الصفوف، وعن قسيهم تصدر رسل الحتوف. رماحهم ظماء، وشرابها دماء، وسيوفهم هيام، ومشارعها نحور وهام، خيولهم سوابق الفوت، وسهامهم برد الموت، وحملاتهم آتي السيل، ومجيئهم مجيء الليل. لا يملون الشر إذا خرست الأبطال، ونطقت الرماح الطوال. أبناء الغايات، وليوث الغابات. اقبلوا كالليوث الخوادر على العقبان الكواسر. ما منهم إلا سيف الضريبة، وليث الكتيبة. آحادهم نفر، وأفرادهم زمر. الحرب دأبهم، والجد آدابهم، والنصر طعمهم، والعدو غنمهم. قلوب أسود في صدور رجال، ورياح زعازع في ثبات جبال. هم على الأعداء بلاء واقع، وسم ناقع. يصيبون الثغر من بعيد، ويدخلون بين زبر الحديد. يقرون والأقدام زيال، ويخفون وهم على الأقران ثقال. انياب الدولة وأعضادها، وكماتها وأنجادها.
ذكر الاولياء والأعداء معاً
التقوا فقلبت ريح الإقبال لأولياء الله، ودبرت ريح الإدبار على أعداء الله أولياء الله معتمدون بالمنائح الزهر، واعداؤه مترصدون بالمنايا الحمر. كانت للأولياء الأثرة، وعلى الأعداء الدبرة. جد الأولياء بقلوب قد غمرها اليقين، وأيد قد بسطها التمكين، وبيت الاعداء وقد بسط لهم الغرور آمالهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم. فاز أولياء الله بأجر المجاهدين، وباء أعداء الله بوزر المعاندين. ازداد الأولياء شدة مراس، وقوة باس، وثبات مقام، وصدق انتقام. وابتدأت أعداء الله تنثلم مواكبها، وتضعف مناكبها، وتنخفض
стр. 148
أعلامها، ونتنتقض أبرامها، وترى بأسلحتها أغلالاً توثقها وتوبقها، وأنكالاً ترهقها وتزهقها.
تعبية الجيوش وترتيبها
رتب مولانا المقادم عموماً وخصوصاً، وعبى المقانب بنياناً موصوصاً. أمر بتسوية الصفوف التي لا خلل بها، وانتضاء السيوف التي لا خلل لها. عبى جيوشه ميامن تضمنت اليمن، ومياسر اتبعت اليسر، ووقف في القلب بقلب يسع الرمال، ويرجح الجبال. رتب فلاناً ومن برسمه في ميمنته التي يقارنها اليمن والنجاح، وفلاناً في ميسرته التي يصاحبها اليسر والفلاح، وصار هو وقواده قلباً قالباً لما قالبه، ناكساً لما واجهه.
تلاقي الجيشين وكشف الحرب عن ساقها
تلاقى الجيشان فاصطف الجيل والرجل، وامتلأ الحزن والسهل، وبرقت الأبصار بشعاع السيوف، وسفرت رسل الحتوف بين الصفوف. تراءى الجمعان، وأفضى قرب العيان، إلى قرب العنان، والتهبت جمرة الضراب والطعان. اشتبكت الحرب تصرف نابها، وتكشف ساقها، وتضرم نارها، ويشد نطاقها. التقى الجمع بالجمع، وقرع النبع بالنبع. دنا العنان من العنان، وأفضى الخبر إلى العيان. سارت الجموع إلى الجموع، وبرق البصر بلمعان الدروع، وحمي وطيس المراس، ودنت التراس من التراس.
اشتداد الحرب وحمى وطيسها
دارت كأس الموت دهاقا، وعاد القرن للقرن عناقا. بلغت القلوب الحناجر، وشافهت السيوف المناحر. هاجت الهيجاء، وعز النجاء، وصار الترامي عناقا. التلاقي اعتلاقا. صمتت الألسنة، ونطقت الأسنة، وخطبت
стр. 149
السيوف على منابر الرقاب، وأقدمت الرماح على الخطط الصعاب. اعتنقت الصوارم والمناصل، وتلاحقت القنا والقنابل، واشتد أزر المصاع، وتكايل الشجعان صاعاً بصاع. قدحت نار القراع، وجالت قداح المصاع، تلاقت الفرق، واشتد الفرق، وصار الفارس إلى الفارس أقرب من ظله، والسيف أدنى إلى الوريد من حبله. استعرت الملحمة، وعلت الغمغمة. فدارت رحى الحرب، واستحرت جمرة الطعن والضرب، واشتجرت سمر الرماح، وتصافحت بيض الصفاح. احمرت الحلق، من العلق. ضاق المجال، وتحكمت الآجال. لم ير إلا رؤوس تندر، ودماء تهدر، وأعضاء تتطاير، وأجسام تتزايل. التقى الصفان، وبرزت الأقران للأقران، وخطبت الصوارم على منابر الأعناق، وسفرت السهام بين القسي والأحداق.
أعمال الأسلحة
رشق شبه فيه ترادف النبل، باتصال الوبل، وزرق أعاد الدعج زرقا، وأوسع الأهب خرقا. رشقوهم بنبال، تتحمل قطع الآجال. واتخذوا النبل رسلاً مؤدية ما حملت، ورسائل مبلغة ما أودعت. ما منهم إلا رام لا يخطيء الأهداف، ولا يتجاوز الشغاف، تجوز نبالهم الدرق إلى الحدق، وتنفذ إلى الحلوق من خلل الحلق. أتتهم السهام كرجل الجراد، والزانات الجداد كذا صادرة عن السواعد الشداد. أوسعوهم ضرباً ومشقا، وطعناً ورشقا، وجرحاً وزرقا. ضربه بعض الغلمان ضرباً رعلا، وثناهم بعض العرب بطعنة نجلا. تواصت الضربات، بين زرق بالزانات لا يعرف إنصافا، وضرب بالمرهفات يفلق الهام أنصافا. أخذت الرماح تطير شررها، والرؤوس تفارق قصرها. ثملت الرماح من الدماء فتعثرت في النحور، وتكسرت في الصدور. اشتجرت سمر الرماح، وتصافحت بيض الصفاح. سيوف أغمادها الرؤوس
стр. 150
والطلى، وجفونها القلوب والكلى. قد أخذت السيوف نفوسهم، وأثمرت القنا رؤوسهم.
حسن الغناء في الحرب والإيقاع بالأعداء وشدة النكاية فيهم
قابلوا الجلاد بالجلد، ونابوا عن أنياب الأسد، وأعطوا الجهاد، أوفى حظوظ الاجتهاد. أجملوا البلاء، واحسنوا الغناء. بلغوا في اقتناص الأعداء أقصى المبالغ، ووطئوهم وطء القامع الدامغ. أبلوا بلاء الأبطال، وابطلوا كيد الأعداء. إن الأبطال زحموا الأعداء من جوانبهم، وتمكنوا من فض مواكبهم، وطئوهم بسنابك الخيول، وتركوهم كجفاء السيول. صبوا عليهم سوط عذاب، وأسلموهم لعوادي تبار وتباب. وقائع هدت قواعد بنيانهم، واشابت نواصي ولدانهم. طحنوهم طحن الحب، وجعلوهم داريا الطعن والضرب. وثبوا عليهم وثوب الأسود، وتركوهم كالزرع المحصود. نكوا فيهم نكاية القضاء والقدر، وأثروا فيهم تأثير النار في يبيس الشجر. شربوهم شرب الهيم، وحطموهم حطم الهشيم، وتركوهم كالرميم. تجردوا لهم فحطوهم وحطموهم، وهزوهم وهزموهم، تركوهم موطيء الحوافر، ومورد الكواسر، ومغدى الضباع، ومراح السباع. قصدوهم فأقصدوهم بأيدي الغير، وحصدوهم حصد الشوك والشجر. طفقوا ينقضون عليهم كالأجادل، ويقذفونهم بالجنادل. أقدموا عليهم إقدام السيل، ونسخوهم نسخ النهار لليل.
هبوب ريح النصر
حتى إذا ضاق المجال، وتحكمت الآجال. أهب الله لمولانا ريح النصر، وحكم لحزبه باللعلو والقهر، ولما بلغ كتاب المهل آخره، أجرى الله للواء المنصور طائره. برقت لامعة النصر، وحانت ساعة القهر. ما انتصف النهار
стр. 151
إلا وقد انتصف الله للحق من الباطل، وكنفنا بالأيد القاهر، والنصر الشامل. هبت ريح النصر فأنجز الله لمولانا وعده، وأظفر جنده، وحفظ عاداته عنده. لاحت غرة الفتح، ووضحت وضوح الصبح، واشرقت صفحة الظفر، إشراق الشمس والقمر، ولما هبت لأشياع الدولة ريح النصرة، علت بهم يد القدرة فأتبعوا أدبار المارقين، وآووهم دار الفاسقين. جاء نصر الله والفتح، ونزل الظفر والنجح.
انجلاء المعركة عن القتلى والجرحى والأسرى والهزمى
انجلت غبرة المعركة، وقد أحاطت بالشقي يد المهلكة. اقتسم شيع الطغيان بين اجتياح سريع، وقتل ذريع، واسر موثق، وحصر موبق، ولم ينج إلا شرذمة لاذت بذمة الهرب، ولن تفوت يد الطلب. بين قتيل قد عجل الله بروحه إلى دار جزائه. واسير قد أوثقه ما ارتكبه بسوء رأيه، ومنهزم أطار الرعب قلبه، وسلب الخوف لبه. بين قتيل استأثر به الحمام، وأتى عليه الاصطلام، وجريح قد عاين طروق المنية، دون بلوغ الأمنية، ومنهزم لا يستبقيه الهرب، إلا بمقدار ما يناله الطلب. قسمهم أولياء الله بين قتيل تبوأ من النار محبسه، ومول جعل ثوب العار ملبسه، واسير حبس على حكم الشريعة، ومستأمن ألحق بأهل الصنيعة بن قتيل موسد، واسير مصفد، وهارب مطرد، ومستأمن مقيد، بين قتيل متشحط بدمائه، وجريح متقلب بذمائه، بين قتيل مرمل، وجريح مجدل، واسير مكبل. لم ير من أشياع المخذول إلا أسير موثق، وجريح مرهق، وقتيل مطرح، وشريد مطوح. إلا أسير وحسير، وقتيل وعقير وجريح وقريح، ومرمل ومزمل، ومقبور ومثبور. تقرقوا بين أسر أحاطت بالرقاب جوامعه، وجرح تحكمت في الأجساد لواذعه، وقتل دنت من الأشقياء مشارعه. قيل لأولئك الأغماز، القصار الأعمار: شاهت الوجوه
стр. 152
وهبت لهم الدبور بين هشيم ورميم، وقتيل وأميم، وجريح ورهين، وأسير مع قرين.
ذكر القتل والقتلى
انكشف الهبوة عن فلان وقد سبقت الصفاح، فيه موضع الاستفتاح. قضت منهم الرماح أوطارها، وبردت السيوف أوارها. سكنت النفوس بقتله كما سكنت نفس الإسلام، بقتل أبي جهل بن هشام. مقتلة نقعت ظمأ الأرض، وأزالت سغب السباع والطير، صلي قبل حر النار بحر المناصل، وسقى الأرض من دمه بطل ووابل. استبدل من أمله، حضور أجله، واستعاض من شهامته، تسليم هامته. قد غضت يقتلاهم حلوق الأرض، واحمرت من دمائهم متون الترب، بطون الأرض اعمر بهم من ظهورها، وحواصل الطير والسباع أحصن قبورها. عدم برد الحياة، وذاق حر المرهفات. جرت من دمائهم أنهار، ولم يطلع عليهم نهار. اريق من دمائهم ما احمرت منه الأرض وجرت به الأودية، ودارت عليه الارحية.
سوء أحوال المنكوبين والمحاط بهم
أوحى الله إلى أرضه أن تنخسف، وإلى فرسه أن يقف. قص جناحه، وأنهر جراحه. ألقاه الله في الشبكة، ورماه بالهلكة. رماه الله بالقارعة المبيدة لجمعه، البليغة في قمعه. قلعت شأفته، وقطعت آفته. لم يبق له مفحص قطاة، ولا مغرز قناة. أنزلهم الله من آمال، إلى آجال، وأوردهم من مطالع، إلى مصارع عليهم الدبرة، وعلى وجوههم الغبرة. مكبوب على مناخره، مطعون في مناحره، قد طال حصاره، وغاب أنصاره، وسقطت دعامته، وقامت قيامته. قد بلغت روحه التراقي، ووعدته منيته التلاقي. ضرب عليه الإدبار سرادق الدمار، ومد عليه الخذلان رواق سوء الاختبار هو جزر
стр. 153
السيوف القواضب ولقى بين أنياب النوائب.
الأسر والاسرى وتشهيدهم
لم ينج من ودائع الأغماد، إلا من حصل في جوامع الأصفاد. حصلوا في قبضة الإسار، وكفة الخسار. نشب في حبالة الانتقام، وشرك الاصطلام. يا حسنه في زوال النعمة، وركوب النقمة، بوجه قد علس، ورأي قد برنس كذا قد أركبوا الفوالج، وتركوا بالتشهير عبرة الناظر، ولعنة الماقت. أوردوا مقرنين في الاصفاد، وتركوا عبرة للساعين في الأرض بالفساد.
هلاك الأعداء وفناؤهم
صاروا كرميم وهشيم، طاح في ريح عقيم. اصبحوا كالزرع المحصود، وصاروا حديثاً مثل عاد وثمود. صاروا جزر السباع والطيور، ورهن الدمار والثبور. لمم يبق لهم جثة واقفة، ولا عين طارفة، ولا روح تسري في جسد، ولا شخص خلق على كبد. حصدوا حصدا، وخبطوا بالسيوف خبطا. فلم يبق منهم صافر، ولا نجا منهم أول ولا آخر. أخذتهم الصاعقة، وحلت بهم البائقة، فلم يبق منهم نافخ نار، ولا رافع منار.
فيمن نجا برأسه وقد كاد يوخذ
استنقذ الأجل ذماءه من ظبى السيوف وقد شارفته، وشبا الحتوف وقد شافهته. عرض على الموت عرض المحتضر، ثم أخر لأجل منتظر. نكص على عقبيه وقد كادت صروف الايام تفترسه، وانياب الحمام تنتهسه. نجا برأسه وقد فغرت المنايا أفواهها إليه، وكادت أظفارها تنشب فيه. فأخر لأجل مضروب، وانسئ لأمد مكتوب. استنقذه تاخر أجله من أنياب القواضب، ومخالب النوائب، ونجا بحشاشته وذماؤه على تلف، وشفافته على شرف.
стр. 154
نجا بروحه التي هي رهينة غيها، وصريعة بغيها. لم يبق منه إلا شفافة أخطأت براثن الأسد، وبقية هي هامة اليوم أو غد.
ذكر المنهزمين ووصف أحوالهم
طاروا بأجنحة الرعب لا ينثني آباؤهم على أبنائهم، ولا يلوي سراعهم على بطائهم. طاروا بأجنحة الوجل، وتصوروا حاضر الأجل. نكصوا على الأعقاب، وطاروا بخوافي العقاب. اجفلوا إجفال النعام، واقشعوا إقشاع الغمام. سبقوا الطلب باقدام الفرار، وتوقوا مواقع السيوف بملابس من العار. تمزقوا في البلاد كما يمزق الريح رجل الجراد. عاينوا هول المطلع فولوا الادبار، وتجللوا الإدبار، وطاروا كل مطار. تتقلب بهم المزال والمداحض، وتساقطت بهم قواهم النواهض. لم يشعر به حتى صار جنيناً قد واراه بطن الليل، طار كهباء الريح وغثاء السيلز نفض يده بالخميس، وأعرب ببرد الهرب عن حر الوطيس. تشتتوا أيدي سبا، وتفرقوا جنوباً وصبا. فلت شباتهم، وجمع على الذل شتاتهم، وحاق البلاء بهم، وحقت كلمة العذاب عليهم، ونكصوا خائبين، وانهزموا خائفين. تفرقوا في جهات المهارب، واعتصموا بالأنهار والمسارب. نفتهم الأرض من مناكبها، وضاقت عليهم من جوانبها. جعلوا يتسللون من أثناء الأنهار، وكل ينهار في جرف هار. طار بين سمع الارض وبصرها. لا يدري ما يطا من حجرها ومدرها. هام على وجهه لا يدري أفي الأرض يطلب مدخلا، أو في السماء يلتمس معقلاً وكلاً كذا فإن تخومك الأرض تسلمه، ونجوم السماء ترجمه. تطاير حشدهم الفجرة، كأنهم حمر مستنفرة، فرت من قسورة. طاحوا كل مطاح، وطاروا بأجنحة الرياح. لا يجدون في الخضراء مصعدا، ولا على الغبراء مقعدا. لم تلقهم أرض، ولم يسعهم طول ولا عرض. لفظتهم البلاد، ومجتهم البقاع، إلى حيث لا استواء قدم، ولا اهتداء بعلم، ولا سماء تظلهم أو تجنهم، ولا
стр. 155
أرض تقلهم أو تكنهم. طاروا بقوادم وجل، وطاحوا بين سقوط أمل، ودنو أجل. استبدوا بمسكة العزائم، هتكة الهزائم. نكصوا على الأعقاب يرون الأشخاص كتائب تختطفهم، والأشباح مقانب تنتسفهم. لما ترامت بهم البلاد تآمروا بينهم يتعاذلون، وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون. هزيمة قوض الله بها عروشه، وفض جيوشه، وضلل وساوسه، وأبطل هواجسه. هزيمة فرق الله بها جمعه، وبدد شمله، وعجل قمعه. غاض في بعض الغياض مخفياً لشخصه، مشفقاً على نفسه. صفراء لم يصحبه صافر، ولم ينج معه طارف ولا باصر. كلما هبت عليه هابة ريح حسبها خيلاً تكر عليهم، أو رجلاً تبتدر إليهم، وكلما عنت عليه عانة أرض ظنها براً ينخسف به، أو بحراً يحيط به. لو وجد في الأرض نفقاً لأولجه فيه شدة روعه، أو في السماء مرتقى لأعرجه إليه نخب روعه. الحمد لله الذي ردهم في أكفان من المذلة، وقبرهم في لحود من الخوف والوحشة.
ذكر ركوب الأولياء أكتاف المنهزمين وقرب متناولهم على الهلاك
ركب الأولياء أكتافهم يشلونهم شل النعم، ويفرونهم فري الأدم، ويذكونهم كهدايا الحرم. لم يزل الطالب راكباً أكتافه، وقابضاً أطرافه، حتى زخ به الحذار في يوم وليلة، إلى موضع كذا بعد أن انتظمت الطرق إليه بجيف أصحابه ورذايا خيله وركابه، ركب الأولياء أكتافهم وعيون المنايا ترصدهم، وأيدي الحتوف تحصدهم. أمر فلان بأن يبعد في آثارهم فلا ينهههم، ويجد في طلبهم فلا يرفههم. لتعجلهم صدمته عن التوصل إلى الاستراشة، والتمكن من الاستجاشة. هاموا على وجوههم يرجون الخلاص ولا خلاص، وياملون النجاة ولات حين مناص. فإن الطلب من ورائهم على أحشاد، وما أعد الله لأمثالهم بمرصاد. طار فلان بجناح الفرار، متلفعاً بالذل متقنعاً بالعار، والخيل مغذة في طلبه، وموعودة الظفر به. فإن قضاء الله
стр. 156
كالليل الذي هو مدركه، ومفاجئه فمهلكه. ركب الأولياء أكتافهم، وتحيفوا أوساطهم وأطرافهم، وغنموا أثاثهم وأسبابهم، وظهورهم ودوابهم. ما هو إلا دريئة الهرب، وفريسة الطلب. أنى له المقام ورماح الطلب نحوه مشرعة، وخيوله إليه مسرعة.
ذكر الغنائم
غنموا أموالهم التي لم يؤدوا فيها حقاً معلوما، ولم يغنوا بها سائلاً محروما. غنموا أموالهم التي احتجنوها فاختزنوها. استولى الأولياء وغنموا، وكلموا وما كلموا. غنموا ذلك الحطام، المجموع من الحرام، المثمر من الآثام، المقتطع من فيء الإسلام. غنموا أموالاً إن ذكر قدرها، استشرف أمرها، وكيف بذلك والذهب حتى الآن يكال بين الأولياء كيلا، ويهال بين الغانمين هيلا. غنم الأولياء ما بقت لهم الحوادث، وأسأرت عندهم النوائب من أمهات الذخائر والعقد النفائس. قد صارت أموال الأعداء غنائم لهم لا تحصى كثرة، وعادت على الفاسقين مظالم وحسرة.
ذكر موت العدو
أفضى به سوء العاقبة إلى العذاب الأليم، والمال الذميم، وسكنى الجحيم، وسقيا الحميم. قضى نحبه، ولقي بأسود صحيفة ربه. جراحة أتت على نفسه، ووسدته في رمسه. آل أمره إلى وبال، وانحلال واضمحلال، قبض إلى أخراه على النفاق، كما عاش في دنياه على الشقاق. مضى لسبيله يقدمه الخزي، ويتبعه اللعن، ولا تبكي عليه السماء ولا الأرض. قبضت. نفسه الخبيثة على ضلال وخبال، وسوء حال ومال. تقطعت وسائل بقائه، واتصلت حبائل فنائه.
стр. 157
سلامة الأولياء على الحرب
عادوا منصورين موفورين لم تمسسهم جراح، ولا عضهم سلاح. لم يمسسهم قرح، ولم ينلهم جرح. لم يصبهم ثلم، ولا مسهم كلم. لم يمسسهم سوء، ولم يشمت بهم عدو.
جلالة شأن الفتح وعظم موقعه وحسن آثاره
كتابي والزمان ضاحك السن، متظاهر البشر، والدنيا مشرقة الجو، مضيئة الأفق، للفتح الذي تفتحت له أبواب الشرف والمجد، وتفتقت أنوار الملك والعدل. كتبت والأرض ريا ضاحكة، والدنيا خضراء ناضرة، وفجر الإسلام عال ساطع، وسيف الإيمان ماض قاطع، والبلدان ملأى تهانيء وبشارات، والأولياء شورى بين أفراح ومسرات، لما بشر به كتاب مولانا من الفتح الذي نطقت به ألسنة الشكر، وارتاحت له أندية الفضل. قد جل هذا الفتح عن تطلب نعوته بتصريف الأقوال، وتفخيم شؤونه بضرب الأمثال، وصار التمويل على ما قد تمكن في القلوب من حاله، واستقر في النفوس من جلاله. لأن آثاره تنظم حاشيتي الشرق والغرب. الفتح الذي أصبح الإسلام به متسع النطاق، والعدل ممدود الرواق، والسلطان ساطع الإشراق. محروساً من عدوه المراق، ونزغة الشقاق. الفتح الذي تفتحت له عيون الزمان، وأشرق بأنواره الخافقان. الفتح الواضح قدمه على ناصية الشمس، الماحق بضيائه أنوار البدر، الضارب برواقه من فوق النجم، الجاثم بجلاله على رقاب الدهر، الماد يديه إلى الشرق، ينظمه إلى أقاصي الغرب. الفتح المبسوط بين المشرقين شعاعه، الممدود على الخافقين شراعه. أجل بشرى أسفرت عنها الأيام والليالي، وسفرت فيها البيض والعوالي.
؟ إشاعة خبر الفتح
أشيع خبر إشاعة اهتزت لها أعواد المنابر، وعرفها البادي معرفة الحاضر
стр. 158
كتبت في إشاعته بما يملأ المسامع، ويشحن المجامع، ويعمر المحاضر، فيملك المنابر. قد أشعناه حتى لو عرفه الخاص من أخص المحاضر، وسمعه العام من صدور المنابر. شهر خبره في الخاص والعام، بين ألسنة المنابر وأسنة الأقلام. اهتزت له المجامع، وأصغت إليه المسامع، ووعاه الحاضر، وتزوده المسافر. طالعته بنبإ هذا الفتح الذي ينشر في المواسم، ويؤرخ في الملاحم، ويؤثر بين الغائب والحاضر، ويذاع على ألسنة المنابر.
؟ حسن حال البلدة المفتوحة والتخفيف عن رعيتها طهرها من شوائب الفساد، وأطلع فيها كواكب السداد، وأرخى من خناق الرعية، واستنقذها من أنياب الأذية. ابتسمت بلاد كذا عن ثغور الأمنة، وطالت فيها أنواع النصفة، وامحت دونها سمات الخونة، وجمع الله أهلها على مسالمة كشفت المحن، وعفت الإحن. استبدلت الرعية بشدة الوجل، قوة الأمل، وبانبساط الأبواع والأيدي عليها، انقباض الأطماع والعوادي عنها. سكنت الرعية، وانحسمت الأذية، ورتب العمال، وهذبت الأعمال. أطلع فيها كوكب العدل وكان خافيا، وأوضح لهم منهاج الأمن وكان عافيا. كأنما بدلوا من ظلمات نورا، وأعقبوا من موت نشورا. وصل إليهم برد الأمن وقد صلوا بحر الذعر. فرش النصفة وأفاضها، وبسط الرعية وأزال انقباضها، ووهب سقيمها لبريها، وظنينها لنقيها. أراح تلك البلاد من جامعة الضر والبوس، وظلمات الظلم العبوس. علمت الرعية أن العدل قد امتدت أبواعه، والجور قد نفدت أنواعه. فأيقنت بالخير الموفور، والانتقال من الظلمات إلى النور.
الأدعية السلطانية عند الفتوح والبشائر وغيرها
سألت الله أن يطيل بقاء مولانا موصول السلطان بالدوام، مكنوف الراية بالنصر
стр. 159
والانتقام، مظفر الألوية والأعلام. ممدود الظلال على الخاص والعام. أدام الله أيامه مصرفاً أزمة الأرض، مالكاً أعنة البسط والقبض. أدام الله سلطانه مستولياً على الإيراد والإصدار، مخدوماً بأيدي الأقضية والأقدار. لا ينهد عزمه لأمر، إلا أسفر عن عز ونصر، ولا ينهض همه لأرب، إلا تجلى عن استظهار وغلب. لا زال يتناول أقاصي المراد، بقريب السعي والارتياد، ويبلغ مرامي المرام، بداني العزيمة والاهتمام، والله يديم له الفتوح يميناً ويسارا، ويزيد أعداءه ذلا وخسارا. لا زالت البشائر وفود سمعه يطرق بابه، وبرفع لها حجابه. أطال الله بقاءه مستولياً على ما تخطبه عزمته، وتقتضيه نعمته. أبقاه الله نافذ المكائد والعزائم، ماضي الآراء والصوارم. عالي اليد والراية، شامل الملك والولاية. حتى تجتمع له الأرض براً وبحراً في عقدة ملكه وتنتظم الخلق شرقاً وغرباً في صفقة ملكه، والله يبقيه لتذليل الخطوب إذا صعرت خدودها وأمالت أجيادها، وكثرت أعوانها ووفرت أعدادها، حتى يملك ما طلعت الشمس عليه، وانتهى هبوب الريح إليه. هنأه الله علو صيته في تدبير المقانب، وتحصيل المناقب. لا زال النصر يقدمه، والدهر يخدمه، والفتوح تصافحه، والمناجح تغاديه وتراوحه. أدام الله أيامه لحسم المعار عن الدنيا بأسرها، وقطع المضار عن الأرض وأهلها. منبسط الظل على النهار حتى لا تشب نوائبه، وعلى الليل فلا تدب عقاربه. أبقاه الله للدنيا والدين، وأخذ راية المجد باليمين، ولا زالت الأرض تحت تصريفه وتدبيره، والناس بين تقديمه وتأخيره. أدام الله له النجم صاعدا، والزمان مسعداً ومساعدا، مالكاً رقاب الخافقين، ومذللا صعاب المشرقين، ومصرفاً أزمة الملوين، ومستغرقاً جديد النصر على كر الجديدين، ليعم الأقاليم السبعة بسلطانه وإحسانه فيغمرها، ويملكها بأعوانه وأوليائه فيعمرها.
الدعاء على أعداء الدولة
سألت الله أن يصرف وجوه الرزايا، ويعكس رقاب المنايا، إلى أضداد دولته،
стр. 160
وكفار نعمته، فلا يخلو أحد منهم من فجيعة وجيعة، وملمة أليمة، تشغلانه بنفسه، وتكلانه إلى خذلانه ونحسه، وتغنيان مولانا عن أن ينزع سهماً من كنانته، أو يشهر سيفاً من أسياف نقمته. لا زال مولانا واطئاً بسنابك خيله قمم منابذيه. مغمداً سيوفه في رقاب مخالفيه، زاد الله أعداءه سقوط مواقع، وهبوط مواضع، ونحوس طوالع، وحتم على كل مشاق لكلمته، محاد لدعوته، أن يكون الموت في رق الذل أهنأ مشارعه، وأقرب موارده، والله يجعل أعداء دولته، صرعى صولته، ومشاقي كلمته، جزر نقمته. لا زال أعداؤه تلفظهم ظهور الأرض، وتقبلهم بطون الترب. لا زال منابذوه حصائد سيوفه، ورهائن خطوب الدهر وصروفه.
استقرار الدار بالسلطان وما يتصل بذكر ذلك من الأدعية
أقبل مولانا فأقبلت به الدنيا المولية، وامجلت الظلمة المستولية. كأن حلوله بمركز عزه ومقر ملكه. حلول الديمة الوطفاء، غب السنة الشهباء، والنور المنتشر، بعد الظلام المعتكر. انحسرت الغمة بلألاء جبينه، ودرت النعم من أخلاف يمينه. عاد إلى سرير ملكه، ومقر عزه، على الطائر الأسعد، والجد الأصعد. فتوجهت الرغبات إلى الله في أن تقرن بذلك من الحبرة بأخضرها، ومن السعادة بأنضرها. هنأ الله مولانا أوبته إلى منشإ عزه، ومستقر ملكه. على أفضل ما وعدت به الطوالع السعيدة عند نهضته، ودلت عليه البشائر الحميدة في سفرته. أتت البشائر بعود مولانا إلى دار سلطانه المعمورة بنضارة أيامه. قد أعطته المطالب قيادها، ووطأت له المناجح مهادها عاد مولانا إلى السرير مستقراً على غاربه، حامياً لجوانبه، قد دانت له الطوائف، وأمن به الخائف، وضم النشر، ولم الشعث وأشرقت الأرض وتباشر البشر.
آخر كتاب السلطانيات وما يقع في أبوابها، ولله الحمد.
стр. 161
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الشوارد والفوارد
وما يشبهها
هبوب ريح الأقبال
قد ركب من الإقبال مطية لم تقف به إلا على الغاية، وسلك من السعادة طريقاً لن يؤديه إلا إلى الزيادة. قد امتطى ظهر الإقبال، وشافه درك الآمال. هب عليه نسيم الثروة، وتمهد له فراش النعمة. زفت إليه الأيام أبكار النعم، وأتحفته ببواكير المنح. اقترن النجح بمطلبه، واقترب من مقصده. امتد عليه ظل النعمى، وجناح الغنى. ظهرت على أموره أمارات الإقبال، ورفرفت حوله طير حسن الحال. أفاق من سقم الفاقة، واتسع بعد الإضافة.
تباشير النجح والغنى
شارف نيل الإرادة، وشافه لسان السعادة، وابتسم له ثغر الأمل، وآذن بالنجاح في أقرب أمد. قد لاح النجاح وانتشر نوره، ولمعت تباشيره. إن ما يبدو من تباشير النجاح، يضاهي فلق الإصباح، الذي يتلوه طلوع الشمس وإشراقها، واستضاءة العيون والنفوس بها وارتفاقها، أو الغيث رش ثم قطر، ومبادي الشجر ورق ثم زهر. هل يرتجى الغيث إلا بمخائله، ويستدل على أواخر الأمر إلا بأوائله.
стр. 162
حسن الجال ووفور المال
سالمه الدهر وساعدة الجد، وحالفه السعد. قد نال ما لم يحتسبة إلا وهما، ولم يؤلمه إلا حدسا، فاز برغائب النعم، وغرائب القسم. خاض بحر الغنى، وركض في ميدان المنى. رأى من الإنعام، ما لم يره في المنان، فكيف من الأيام. قد أدر الله له أخلاف الرزق، ومهد له أكناف العيش، وآتاه أصناف الفضل، وأركبه أكتاف العز. اتسقت أحوال معيشته، وبسقت أغصان دولته. اتسعت مودا ماله، وتفرعت شعب حاله، تناول النعم فيضا، لا قبضاً، وورد منهلاً، عللاً لا نهلا. لا يمتد له طرف إلا إلى نعمى، ولا يصغي سمع إلا إلى نغمة بشرى. لا يلتوي عليه مطلوب، ولا ينزوي عنه محبوب. قد سخر له المقدار، وساعده الفلك المدار. نادى الآمال فإجابته مكثبة، ودعا الأماني فعاجلته مصحبة. رأت عيناه، ما لم تبلغه مناه، واتسعت نعمته، بحيث لم تنله همته. امتلأ ناديه من ثاغيه صباح، وراغيه رواح. تلاحقت حاشيته، وتلاحقت ماشيته.
ذكر المال الصامت
ورمت أكياسه فضة وتبرا. عنده من العين ما تقر به العين. العين للعين قره، وللقلب قوة. من ملك الصفر أبيض وجهه، واخضر عيشه. كم عنده من عدو في برده صديق. من نجاز الصفر، يدعو إلى الكفر، ويرقص على الظفر. كدارة العين، يحط ثقل الدين، وينافق بوجهين. فلان مستظهر بخبايا الحقائب، وسرائر الأخراج، وضمائر الصناديق. أموال اغتص بحسباناتها الديوان، وناء بثقلها الخزان.
تراجع الأمور وركود ريح النعمة
رفت حاشية حاله، ومالت دعامة ماله. قد أفل نجمه، وسقط سهمه،
стр. 163
وكثرت فتوقه، واتسعت خروقه. أخمدت ناره، ووضع مناره، خبا قبسه، وكبا فرسه. قد قعدت به نواهضه، وتساقطت خوافيه وقوادمه.
انحاء الخطوب والنوائب
حصل بين أنياب الزمان ومخالبه، وصلي بنار حوادثه ونوائبه. تصرفت به خطوب تتلو خطوبا، وشوائب تدع الولدان شيبا. حوادث أجحفت، وكوارث الحفت. عصفت به عواصف الثبور، وقواصف الدهور. بين محنة قاصدة، ونكبة راصدة. قد عاين شدة متعبة، وعانى أموراً مستصعبة. مر به ما لو مر بالحديد لذاب، أو بالوليد لشاب. نشب في أعظم خطة، وأصعب ورطة. قد عضه ناب النائبة العظمى، ورمي بسهم الدامية الجلي، وحصل في أسر الطامة الكبرى. حرمسه الضر، وانحى عليه الزمن المر، ونشزت عليه البيض وشمست منه الصفر، وأكلته السود وحطمته الحمر. قد حلي بفم الدهر فما يشبع من أكله نهساً ونهشا، وخضماً وقضما.
سوء الحال واستحكام الحرقة
فلان يرتضع من الدهر ثدي عقيم، ويركب من الفقر ظهر بهيم. عاثر لا يستقل، سليم لا يبل، كسير لا ينجبر، مضيم لا ينتصر. قد زالت عنه الآلآء، وانثالت عليه اللأواء. لو بلغ الروق فاه، لولا قفاه. لا يأوي إلى ظل الدنيا إلا تقاربت أكنافها، ولا يمتري درها إلا أخلفت أخلافها.
سوء أثر الفقر والضر
جاء بوجه قد غبر فيه الفقر، وانتزف ماءه الدهر، وأمال قناته السقم، وقلم أظفاره العدم. وجه أكسف من باله، وزي أوحش من حاله. جاءنا ببدن ناحل، ووجه حائل، ورجل وحلة، ويد قحلة، وأنياب قد افتر عنها الضر، والعيش
стр. 164
المر. طريح ضعف ومتربة، وطليح ذل ومسكنه. جاءنا بوجه قد نضب ماؤه، وطال سقاؤه. لا يملك غير الجلدة بردة، ولا يلتقي بحياه رعدة. جاءنا فلان يضيق بالبرد ويسعه، ويأخذه القر ويدعه.
وصف ثياب الفقر
جاء في قميص قد أكل عليه الدهر وشرب. أطمار لعبت بها أيدي البلى. جبة تقرأ " إذا السماء انشقت " سواء لابسها والعريان. جبة لا تساوي تصحيفها. أطمار كالهواء الرقيق، وكالشراب الرقراق. رداء دب فيه الردى. أطمار كنسج العناكب، ونار الحباحب. رأيت فلاناً في ثياب أخلاق، لم يبق فيها من عمل الحائك باق. أطمار أرق من أكباد المحبين، إذا هب عليها النسيم امتزجت بالهواء، وانتظمت في سلك الهباء.
وصف المتناهي في الفقر
قد أحلت له الضرورة ما حرم الله عليه، قد حصل على أشد إضافة، وتكشفت عن أقبح فاقة، قد تناهت حاله في الانتشار والرزاحة إلى التكشف عن دار بلقع، وفقر مدقع. انتقل من سلخ جلد إلى تعرق لحم، ومن رض عظم إلى انتقاء مخ. فلان حي كميت، وفي بيت بلا بيت. ليس معه عقد، على نقد. يخرج خروج الحية من جحره، والطائر من وكره. حاله حال السليم مله عواده، والغريق أسلمته أعواده. هو بين أنياب الدهر تحطمه بصريفها، وتعتوره بصروفها، ويده صفر، ومنزله قفر، وغداؤه الخوى، وعشاؤه الطوى، ورطاؤه الغبراء، وغطاؤه الخضراء، وإدامه التشهي، وطعامه التمني، وفراشه المدر، ووساده الحجر. ثوبه جلده، ومركوبه رجله. خصيب العين. جديب البطن، واسع المنى. ضيق الغنى، أفرغ بيتاً من فؤاد أم موسى.
стр. 165
ذكر اليسر والعسر والإنتعاش من صرعة الدهر
تجلت عنه غمة الخطوب، ودارت له العواقب بالمحبوب. انقشعت ضبابة محنته، وتجلت غمرة كربته، وطلعت نجوم سعادته، وهطلت سحائب إرادته. صلح له الدهر الطالح، وملكه عنانه البخت الجامع، طلع سعده بعد الأفول، وبعد صيته بعد الخمول، صار كمن أحيي وهو رميم، وأنبت وهو هشيم. أنعم الله بإعادته، إلى أحسن عادته. أقبلت عقد أموره تتحلل، ومطالبه تتسهل، ووجوه مناجحه تتهلل. أخرجه من الضيق إلى السعة، ومن الانزعاج إلى الدعة. تماسكت حاله التي تخللها الخلل، وثبتت قدمه التي ملكها الزلل. صلحت حاله واستقلت، وثبتت قدمه واستقرت.
وصف عيش الناعم المغبوط
فلان في عيشة ندي ظلها، وسح وابلها وطلها. هو عيش رقيق الحواشي، مثمر النواحي. هو في نعمة صافية، ومنحة ضافية، وعيشة راضية. قد لاحظ العيش مخضر العود، ولابس الدهر متصل السعود. هو صائب سهم الأمل، وافر جناح الجذل. يفترع أبكار اللذات، ويجتني ثمار المسرات، يغازل الغزلان، ويقامر الأقمار، ويعاقر العقار. يهصر أغصان القدود، ويقطف ورد الخدود، ويجني رمان النهود. قد صحبته الأيام أحسن صحبة، وعاشرت الزمان أهنأ عشرة. غراب البين عن ربعه مطار، وغيم اللهو فيه مطير. هو في جانب منيع، وجناب مريع. ثمل في غناه، مستقل في كراه قد هنأه الله كل يوم إحساناً أغر، وملأه عيشاً أغن. قد خفض الزمان له جناحاً، وآلان مهاده. فهو يأخذ ما يشاء ويدع، ويلعب ويرتع لذلة العيش وطاب، وولى رقيب الغم عنه وغاب. هو بين جاه عريض، وعيش غريض. هو بين نعمة سنية، وبلهنية هنية. تذل له الأيام أخادعها، وتدني إليه
стр. 166
المطالب مشارعها. عيش أخضر العود ناضره، مائل الغضن مائره. هو بين أنواء خير وخصب، وأنوار رياض وعشب.
في ضد ذلك
نجمة منكدر، وعيشة كدر، ولباسه خشن، وطعامه خشب. يقاسي من فقد رياشه، وضيق معاشه، قذارة عينه، وغصة صدره. حال تريه النهار أسود، والعيش أنكد. إذا أصبح ركب ظهر الشيهم، وإذا أمسى توسد ذراع الهم. يكابد من مرارة عيشه ناب الأرقم، ويتجرع كأس العقم. منغض شرعة العيش، مقصوص جناح الأنس. حاله حال السليم في كربته، والغريق في لجته، والمحترق بحرته. هو بين غمائم لا تمطر إلا صواعق، وسمائم لا تهب إلا بوائق. قد تلقها بوجه الثامت، ويد المصالت. عيشة رنق، ومورده طرق، وجانبه حزن، وحاله حزن. طريح كربة لا يعرف مداها، وجريح غمة لا تكل مداها. ما يأكل إلا على نغص، ولا يشرب إلا على غصص. قد انقبضت مسافة طرفه، وأظلم أفق عيشه، وغربت نجوم سعده.
؟ السرور والإهتزاز
أخذتني هزة، وانتشرت في جوانحي مسرة. وجدت أعضائي كلها تتباشر، ووجوه رجائي تتهلل، وأعطاف مسرتي تهتز، وسحائب غبطتي تنهل. حالي حال من حكم في مناه، وأعطي كتابه بيمناه. كدت أهيم فرحاً، وأطير بجناح السرور مرحا. ملكتني المسرة حتى استفزتني، واشتملت علي حتى هزتني. علتني بشاشة النجاح، ودبت في نشوة الارتياح. أصبحت لا تقلني كواهل أرضي مرحا، ولا أعواد سرجي فرحا. اتسع لي مسرح السرور، وهطلت علي سحابة الحبور. اهتز عطفه، وارتفع طرفه، وانشرح صدره، وترجم عنه بشره. هزة تهدي المسرة إلى سواد القلب، وتؤدي الغبطة إلى سواء النفس.
стр. 167
ابتهاج حل حبوة وقاره، ولاح أثره في أثناء وجهه وأسراره. اهتز اهتزاز الرامي قرطس سهمه، والضارب نفذ حده، والشجاع ظهرت فروسيته، والحازر صدقت فراسته. سرت المسرة في أعضائي، وطبقت الغبطة أحشائي، وتهللت وجوه من الأنس كانت قبل عابسة، وأرقت غصون من الفرح وعهدي بها يابسة. أقبلت بقلب مرتاح، وصدر ملآن من انشارح. جاء بأقوى يد وأبسطها، وأسر نفس وأنشطها. قد شق الضحك شدقه، وأمال الطرب عنقه. مسرة تركتني كالغصن غازلته الصبا فترنح، ومرت به الشمال فترجح. قرت عيناه، وانبسطت يمناه، وصافح مناه. المسرة آتية، والبهجة مواتية، والوحشة مولية. لم أضبط نفسي ارتياحاً وهزة. كادا يورثاني بغية وعزة. أنا في ثوب المسرة رافل ونجم الوحشة عني آفل. دواعي المسرة مكتنفة، وعوادي الوحشة منكشمة.
في ضد ذلك
في نفسه بلابل تدور، ومراجل تفور. يده دعامة لذقنه، وجسمه خشبة لحزنه. قد صافح أكف الحزن، واستسلم لأيدي الزمن، ما يستقر به مضجع، ولا يجف له مدمع. باله كاسف، وقلبه راجف. هم قد نكأ القلب وأبكى العين. لا أقول عمه، ولكن أعماه وأصمه. يرى ضياء الدنيا ظلاماً، ويتصور نور الشمس قتاما. منطوي الجوانح على أذى، مغضوض الجفون على قذى، قد طبق الحزن بسيطة صدره، وأنفق الغم ذخيرة صبره. غمه جذع فتي، وقلقه غض طري. نهاره للفكر، وليله للسهر. طرق الأمس دونه مبهمة، وآفاق السرور عليه مظلمة.
ذكر الأمن
فلام لا يلتفت وراءه مخافة، ولا يخشى أمامه آفة. قد أبدله الله بحر
стр. 168
الخوف برد الأمن فأمن سربه، وعذب شربه. أمن لا يذعر معه السرح، ولا يتغشى لباسه الذعر. قد سكن روعه والتحف عليه جناح السكينة، وحصل في ظل الطمأنينة. قد سكن جاشه، وزال استيحاشه.
في ضد ذلك
إذا نام هاله طيف، وإذا انتبه راعه سيف. طار قلبه بجناح الوجل، وطاش لبه في قبضة الوهل. الأرض عليه كفة حابل أو أشد تقاربا، وحلقة خاتم أو أتم تداخلا. قد ملكه خوف لا يريم، وذعر لا ينام ولا ينيم. قد طاح روعه فرقا، وطار قلبه فرقاً، كادت نفسه تطيح، وروحه تسري بها الريح.
ذكر الطاعة بعد الإمتناع واللين بعد القسوة
دان بعد طماحه، ولان بعد جماحه. سمح، بعد أن جمح، وتطوع، بعد أن تمنع. استأسر، بعد أن استأسد، وتذلل، بعد ما تدلل، وتأتى، بعد ما تأبى، وعنا، وبعد ما عتا، دان مقاده، ولانت شداده. ذلت أخادعه، وتسهلت مراتعه.
الضياع وما يجري من الألفاظ في ذكرها ووصف أحوالها
لفلان ضويعة يرتفق بها، ويرتزق منها. ضيعة أنفق عليها أيام عمره، وأراق فيها ماء شبيبته. ضيعة اقتناها يوطء الجمر، واستعمرها بانتعال العدم. ضيعة يحشد في عمارتها، ويحتمل في تثمير ارتفاعها، ويبيع ما يلوح له الحظ في بيعه من غلاتها. تلك الضياع على اتساع بقاعها، وعظم ارتفاعها، قد استغرقت غلاتها. نوائب السلطان، وتحيفت ثمراتها جوائح الزمان، فلا فضل فيها للإفضال على الإخوان. وقفت على ما عرض في تلك الضيعة من الضيعة، وفي تلك الغلة من الخلة. أربابها أرباب خلة وقلة، وأحوال
стр. 169
مضمحلة. إن الجراد العام قد جرد وأفسد. نوائب أناخت على صبابة معيشته لم تبق ولم تذر، وتركت نباتها كهشيم المحتظر، وذلك أن برداً أتيح لها كبيض النعام كبراً فأقعد قائمها، وغيب ناجمها، وتركها عافية تندب كما نذب الشعراء الأطلال، ثم تنشد أن الوقوف على المحيل محال. هو في تلك الضياع بين نصح يؤثره، وجميل يؤثره. قد حفر، وحرث وبذر، وقوم المائد، وأصلح الفاسد، وعمر الغامر، وتألف الناقر. كان من أثره الحميد توصله بيسير النفقة إلى عمارة القني حتى تفجرت عيونها، وغزرت مياهها. هاذ مع غيض الماء في عامة الأطراف، ويكثر الزروع على الجفاف. قد صار دخلها على الضعف، بعد عودة إلى النصف. قد أكد أساسها، وثمر غراسها، وأضحك رياضها، وملأ حياضها. جاهد أمورها حتى تيسر أكثرها، وتركها لا يتخللها خلل، ولا يميل بها ميل. قدم فيها ما هو أصلح وأنجح، وأوفق وأرفق. تلافي أمرها أعظم التلافي، وتفرد تفرد الكافي الوافي.
ذكر الفرس والبغلة والحمار
فرس يتعب سائسه، ويحمل فارسه. فرس رائع الخلق، تنطق عنه شواهد العتق. سفينة برية، وريح مجسمة. كأنه منتقب بالنجم، منتعل بالحجارة الصم. يباري طلق البزاة، ويفني أنفاس الفهود، كأنه طود موثق، أو سيل متدفق، كالكوكب المنقض، والبارق المنفض. كالجاحم المشبوب، والهاطل المصبوب. ولا يعين عليه سوط، كأنما أنعل بالرياح، وبرقع بالصباح. كأنه شيطان، في أشطان، وكأنما لطم الصباح جبينه. كالبحر إذا ماج، والسيل إذا هاج. بغلة تجمع بين حسن الشية، وطيب المشية. أما ذلك الحمار فالريح أسير يده، وشعل النار في أعضاء جسمه، وحسد الأفراس مقصور على حسنه، وكمد البغال لما فاتها من فضله.
стр. 170
وصف الأبام المشهودة والمشهورة
يوم هو عيد العمر، وموسم الدهر. وميسم الفجر. يوم من أعياد دهري، وأعيان عمري. يوم من أيام الدنيا ضاحك السن. طلق الوجه، شريف الصيت. رخيص الدرهم والدينار. كثير الفرح والاستبشار. يوم أبرزت فيه الدنيا زينتها، وجلت على النواظر في معرض الجمال صورتها. يوم هو يوم القيامة إلا أنه لا حشر، وعيد الدنيا إلا أنه لا فطر ولا نحر. يوم خرجت فيه العذراء من الخدر، والصبي من المهد، وسلب الرجل رداءه في غمار الزحمة، والمرأة سوارها فلم يسمع صراخها من الضجة. يوم تهافت فيه الناس حتى ضلت النعل، وسقط الرداء، ووطيء الشيخ، وديس الصبي، يوم تكاثرت فيه النظارة حتى حمل فيهم الصبي، ودلف الشيخ، ودبت العجوز، وخرجت العروس، وخلت الدور.
التأبيد
ما طلعت الثريا وغربت، وشرقت الشمس وغربت. ما لاح كوكب، وأقام يذبل وكبكب، ما حال حول، وعاد عيد، واخضر عود. ما طلعت شمس، وتكرر أمس، ما تردد نفس، وتكرر غلس. ما بل ريق فما، ومداد قلما. ما انتهى ظلام إلى فلق، وتأدى غروب إلى غسق. ما أخر المهل، وضرب المثل. ما بقي إنسان، ونطق لسان. ما طرد الليل النهار، واطرد النجم وسار. ما تعاقب الضياء والظلام، وتناسخت الشهور والأعوام.
آخر كتاب الشوارد والفوارد وما يشبهها، ولله الحمد
стр. 171
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الأمثال والحكم
وما يحذو حذوها
قال مؤلف في هذا الكتاب
قد اعتمدت بهاذ الكتاب الأخير أن يكون غرره كلها مستقلة بأنفسها، منسوبة إلى أربابها الذين هم أفراد الدهر، وأعيان العصر، في أنواع النثر، وجعلت لكل منهم باباً مفرداً، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
ما أخرج من كلام الأمير شمس المعالي أدام الله تأييده
الكريم إذا وعد لم يخلف، وإذا نهض بفضيلة لم يقف. الرجاء كنور في كمام، والوفاء كنور في ظلام، ولا بد للنور أن يتفتح، وللنور أن يتوضح. العفو عن المجرم من مواجب الكرم، وقبول المعذرة من محاسن الشيم. بزند الشفيع توري نار النجاح والإقداح، ومن كف المفيض ينتظر فور القداح. الوسائل أقدام ذوي الحاجات، والشفاعات مفاتيح الطلبات. من أقعدته نكاية الأيام، أقامته إغاثة الكرام. ومن ألبسه الليل ثوب ظلمائه، نزعه عنه النهار بضيائه. قوة الجناح بالقوادم والخوافي، وعمل الرماح بالأسنة والعوالي. اقتناء المناقب، باحتمال المتاعب، وإحراز الذكر الجميل، بالسعي في الخطب الجليل. الدار دار تغرير وخداع، وملتقى ساعة لوداع، وأهلها متصرفون لورد وصدر، وصائرون خبراً بعد أثر. غاية كل متحرك
стр. 172
سكون، ونهاية كل متكون أن لا يكون، وآخر الأحياء فناء، والجزع على الأموات عناء، وإذا كان كذلك، فلم التهالك على هالك. حشو هذا الدهر الخؤون أحزان وهموم، وصفوه من غير كدر معدوم. إذا سمح الدهر بالحباء، بأبشر بوشك الانقضاء، وإذا أعار، فاحسبه قد أغار، وإذا حالف، فاحسبه قد خالف. الدهر طعمان حلو ومر، والأيام صرفان عسر ويسر، والخلق معروض على طورية، مقسوم الأحوال على دوريه. لكل شيء غاية ومنتهى، وانقطاع وإن بعد المدى. ترك الجواب، داعية الارتياب، والحاجة إلى اقتضاء، كسوف في وجه الرجاء. النجيب إذا جرى لم يشق غباره، والشهاب إذا سرى لم تلحق آثاره. من أين للضباب، صوب السحاب، وللغراب هوي العقاب، وهيهات أن تكسب الأرض لطافة الهواء، ويصير البدر كالشمس في الضياء. قد يستعذب الشريب من منبع الزعاق، ويستطاب النحيب من النهاق. كل غم إلى انحسار، وكل عال إلى انحدار. هم المنتظر للجواب ثقيل، والمدى فيه وإن كان قصيراً طويل.
كلام الإسكافي
ما أخرج من كلام أبي القاسم علي بن محمد الإسكافي الزمان صروف تجول، وأمور تحول. الأخلاق تنميها الأعراق، والثمار تنبي عنها الأشجار. الشكر به زكاء النعمى، والوفاء معه صلاح العقبى. السعيد من تحلى بزينة الطاعة، واقتدح بزند الجماعة. العامة لا تفقه حقائق المذاهب، ولا تعرف عواقب التألب والتجارب. المخذول يرفع رأساً ناكسا، ويبل فماً يابساً. لا يشوقنك غرارة الصبي، ولا يروقنك زخرف المنى. استعذ بالله من نزغات الشيطان، ونزقات الشبان. من خلا له الجو باض وصفر ومن استرخى به اللبب نزا وطفر.
كلام ابن العميد
ما أخرج من كلام أبي الفضل بن العميد
متى خلصت حال من اعتوار إذى، وصفا فيه شرب من اعتراض قذى. قد
стр. 173
تتماسك الأمور حتى تبلغ إلى غاية، ثم تتباين وتتهافت وتستمر حتى تنتهي إلى نهاية، ثم تتخاذل وتتفاوت. لن يفيض الإناء وإن تدارك القطر عليه حتى يمتلي، ولا يتساقط الثوب وإن دب فيه البلى حتى ينتهي. قد تتسمح الأيام بما تمنع، وتتساهل ثم تقطع، وتصل الغبطة، بالرزية، والمحنة بالمحنة، ولها غرات تبتدر، وغفلات تنتهز. قبل أن تفطن فيخشن مسها، ويمتنع جانبها، ويتأبى طائعها، ويتصعب سهلها. قد يعزب العقل ثم يؤوب، ويغرب اللب ثم يثوب، ويذهب الحزم ثم يعود، ويفسد العزم ثم يصلح، ويضاع الرأي ثم يستدرك، ويسكر المرء ثم يصحو، ويكدر الماء ثم يصفو، وكل شدة فإلى رخاء، وكل غمرة فإلى انجلاء. قد تنفجر الضخرة بالماء الزلال، ويلين القاصي فيعود إلى الوصال. العاقل من افتتح في كل أمر خاتمته، وعلم من بدء كل شيء عاقبته، وطالع بظنه من كل غرس ما يجنى منه، ومن كل زرع ما يحصد عنه. خير القول ما أغناك جده، وألهاك هزله. من أسر داءه وستر ظماءه، بعد عليه أن يبل من علله، ويبل من غلله، الرتب لا تبلغ إلا بتدرج وتدرب، ولا تدرك إلا بتجشم كلفة ونصب. الصحيح يصيح ويفصح، والحق يلوح ويلمح. الوداد غرس إن لم يوافق ثرى ثريا وماء رويا، لم يرج إيراقه، ولم يؤمل ثماره وأوراقه. القلوب أوعية يشرحها الرفق، ويبسطها اللطف، ويفسحها التمرين، وإذا تجوز بها هذه الخلال، إلى الأستكراه والإملال، خرجت عن احتواء علم، وضاقت عن ضبط فهم، وفاضت بما تستودع. رأس المال خير من الربح، والأصل أولى بالعناية من الفرع. المرء أشبه شيء بزمانه، وصفة كل زمان منتسخة من سجايا سلطانه. قد يبذل المرء ما له في صلاح أعدائه، فكيف يذهل العاقل عن حفظ أوليائه، للأمور أوائل دالة على أواخرها، ومقدمات شاهدة لعواقبها، هل السيد إلا من تهابه إذا حضر، وتغتابه إذا أدبر. الإبقاء على خدم السلطان عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق على حاشيته وحشمه، مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه. قدم من خيرك ما لا ينفعك تأخيره، واحصد
стр. 174
الشر قبل استفحاله، وقوم الميل ما دام الغصن غضاً يقبل التقويم، ورطباً يطيع التثقيف، ولا تنتظر به العسور والامتناع، وداو فتقاً تنهره الأيام خرقاً إن ترتكته، ارأب شعباً يزيده الدهر وهياً إن أغفلته. المزح والهزل بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد العسر، وفحلان إذا ألقحا لم ينتجا غير الشر.
ما أخرج من كلام أبي محمد الحسن بن محمد المهلبي الوزير
من تعرض للمصاعب، تثبت للمصائب. من ضاف الأسد قراه أظفاره، ومن حرك الدهر أراه اقتداره. من حنث في أيمانه، وأخل بأمانته، فإنما ينكث على نفسه. القلب لا يملك بالمخاتلة، ولا يدرك بالمجادلة. التصرف أسنى وأعلى، والتعطل أعفى وأصفى. أكفف عن لحم يكسبك بشما، وفعل يعقبك ندما. مكن موضع رجلك، قبل مشيك، وتأمل عاقبة فعلك، قبل سعيك. لا تبد وجه المطابق الموافق، وتخفي نظر المسارق المنافق. لا تعدل عن النص، إلى الخرص، وعن الحس، إلى الهجس. ربما وفي ظنين، وهفا أمين. قتل الإنسان ظلم، وقتل قاتله حكم، لو لم يكن في تهجين الرأي مفرد، وتبين عجز التدبير الأوحد. إلا أن الأستلقاح وهو أصل كل شيء لا يكون إلا بين اثنين، وأكثر الطيبات أقسام تجمع، وأصناف تؤلف، لكفى بذلك ناهياً عن الأستبداد، وأمراً بالاستمداد.
كلام إسماعيل بن عباد
ما أخرج من كلام الصاحب أبي القاسم إسماعيل بن عباد
من استجار به فقد وطيء النجم بقدمه، وسبق القدم بتقدمه. من اسمتاح البحر العذب، استخرج اللؤلؤ الرطب. من غرته أيام السلامة، حدثته السنة الندامة. من لم يهزه يسير الإشارة، لم ينفعه كثير العبارة. رب لطائف أقوال، تنزب عن وظائف أموال. الكلام إذا تكرر في السمع، تقرر في القلب. من طلب الري من الفرات لم يخش الظمأ في ورده. ومن قصد الكريم برجائه
стр. 175
لم يحاذر الخيبة في قصده. من طالت يده بالمواهب، امتدت إليه ألسنة المطالب. من غمط النعمة، استنزل النقمة. من نبت لحمه على الحرام، لم يحصده غير حد الحسام. من يكن الحذاء أباه، تجد نعلاه. من لم يتحرر من المكايد قبل هجومها، لم يغنه الأسف عند وقوعها. من عرف المفاخر، عرف المعاير، ومن حفظ المساعي كذا. الناس بالذم أعلق، وروائحه بالحفظ أعبق. الاعتدال أعدل، والطريق الأوسط أمثل. الرأي أقومه، أحكمه، وأسده، أشده. رب اجتهاد، أبلغ من جهاد، ومكايد دقيقة المسارب، أنكى من حداد صقيلة المضارب، ولطائف أقوال، تنوب عن وظائف الأموال. وثبات عقول وعقود، أوقع منثبات جيوش وجنود. غش الكافي أحمد من نصح الناقص. الثناء الجميل لسان المساعي، والبشر الحسن عنوان المعالي. الصدر يطفح بما جمعه، وكل إناء مؤد ما أودعه. اللبيب تكفيه اللمحة، وتغنيه عن اللفظة اللحظة، الإحجام في مواطنه، كالإقدام في مواقعه، والترك في أماكنه، كالأخذ في مواضعه. الراحة حيث تعب الكرام أودع، لكنها أوضع، والعقود حيث قام الأحرار أسهل، لكنه أسفل. الشمس قد تغيب ثم تشرق، والروض قد يذبل ثم يورق، والبدر يأفل ثم يطلع، والسيف ينبو ثم يقطع. اللبيب من الإيماء يكفيه، والإيحاء يغنيه، واللفظة تجزيه، واللمحة تؤثر فيه. الكأس تكره أول ما تؤخذ، ثم تنفع بعد ما تنفذ. السيذ لا يروع القطيع بأرضه، والأسد لا يعدو على الفريسة في غيله. الوقوف في مدارج التهم ذنب عظيم، والدخول في شبهات الظنن داء عقيم. العلم بالتذاكر، والجهل بالتناكر. الطاعة سعيدة المطلع، حميدة المرجع. العصيان ذميم الفاتحة، وخيم العاقبة. الثعالب لا تجسر على أخياس الأسود، والأرانب لا تقدم على أغيال الليوث. الضمائر الصحاح، أبلغ الألسنة الفصاح. إن الجبال الثم، والأطواد الصم لا تمال بحصيات القاذف، ولا تحال بجمرات الحاذف. الرجل الحول من ثنى أزمة
стр. 176
الأعداء عن الشحناء، إلى المودة والصفاء، لا من أحال الصديق ذا الأخاء، إلى حال الهجرة والبغضاء. الشيء في إبانه، كما أن الثمر يستطاب في أوانه. الإغفال لا تؤمن عواقبه، بل تحذر مضايره. الآمال ممدودة، والأنفاس معدودة. الذكرى ناجعة، وكما قال الله نافعة. تجارة الإفضال رابحة، وصفقة الإحسان راجحة. متن السيف لين، ولكن حده خشن. ومس الحية ألين، ونابها أخشن. والشمس تحيي نورا، ولكنا تقتل حرا. والماء يروي، وقد يخاض فيه فيردي. عقد المنن في الرقاب، لا يبلغ إلا بركوب الصعاب. بعض الحلم مذلة، وبعض الإستقامة مزلة. كتاب المرء عنوان عقله، بل عيان قدره، ولسان فضله، بل ميزان عمله. انجاز الوعد، من دلائل المجد. واعتراض المطل، من أمارات البخل. وتأخير الإسعاف، من قرائن الإخلاف. خير البر ما صفا، وضفا، وشره ما تأخر، وتكدر. خير الوعظ ما قضى بالإرتداع قبل الإيقاع والإنزجار قبل الإنكار اصطناع الأراذل، سمة في وجوه الأفاضل. مرضاة السلطان، لا تغلو بشيء من الأثمان، ولا يبذل الروح والجنان. فراسة الكرم لا تبطي، وقيافة الشرف لا تخطي. قد ينبح الكلب القمر، فيلقم النابح الحجر. كم متورط في هثار، رجاء أن يأخذ بثار. لا بد للسرى من قمر، وللربى من مطر. قد يبلغ الكلام، حيث تقصر السهام. ربما كان الإقرار بالقصور، أنطق من لسان الشكور. ربما كان الإمساك عن الإطالة، أرجح في الإبانة والدلالة. هل يثبت التصنع إلا بقدر الاستكشاف، ويستقر التعمل إلا ريث الاستشفاف. لكل أمر أجل، ولكل وقت عمل. إن نفع القول الجميل، وإلا نفع السيف الصقيل. لا يذهن عليك تفاوت ما بين الشيوخ والأحداث، والنسور والبغاث. عريسة الأسد، ليست من أماكن النقد. كفران النعم، عنوان النقم. وجحد الصنائع، داعية القوارع، وتلقي الإحسان بالجحود، تعريض النعم للشرود. قد يصلي البريء بالسقيم، ويؤخذ البر بالأثيم، يقوى الضعيف، ويصحو
стр. 177
النزيف، ويستقيم المائد، ويستيقظ الهاجد. ما انتفع بعلم من لم ينتفع بطبه، ولا بفهم
امرىء
لم يصب بوهمه. إن السنين تغير السنن. شجاع ولا كعمرو، ومندوب ولا كصخر. للصدر نفثة إذا أحرج، وللمرء بثة إذا أحوج. طلوع الشمس في ضمان غروبها. ومكاره الأيام في أعقاب محبوبها. وعواري الليالي على شرف ارتجاعها، وودائع الدهر بعرض انتزاعها. المكاتبة نظام الصلة وقوام المقة، وملاك المسرة، وعماد المبرة. امرىء لم يصب بوهمه. إن السنين تغير السنن. شجاع ولا كعمرو، ومندوب ولا كصخر. للصدر نفثة إذا أحرج، وللمرء بثة إذا أحوج. طلوع الشمس في ضمان غروبها. ومكاره الأيام في أعقاب محبوبها. وعواري الليالي على شرف ارتجاعها، وودائع الدهر بعرض انتزاعها. المكاتبة نظام الصلة وقوام المقة، وملاك المسرة، وعماد المبرة.
ما أخرج من كلام أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابيء
موقع الشكر من النعمة، موقع القري من الضيف. إن وجده لم يرم، وإن فقده لم يقم. إن النفس لأمارة بالسو، صبة إلى العتو. لا تدفع عن مضارها إلا بالشكائم، ولا تقاد إلى منافعها إلا بالعزائم، فمن كبحها وثناها نجاها، ومن أطلقها وأهرجها أرداها. إن الشيطان يكسو الخدع والشبهات، سرابيل الحجج والبينات. ليستفز بها الأحلام، ويستزل الأقدام. احذر أن تأمر بما تجانب فعله، وتنهى عما يأتي مثله. الشورى لقاح العقول والمباحثة رائد الصواب، واستظهار المرء على رأيه من عزم الأمور، واستنارته بعقل أخيه من حزم التدبير. إذا استفحل الداء فالكي والانضاج، أنجع ما استعمل فيه من العلاج. أعرف الناس بقدر العافية من وجدها بعد فقدها، وبفضل الثروة من لبسها بعد التعري منها. لسان العمل أنطق من لسان القول. وجميل الفعل أزجر من حسن الوعظ. إذا أتت الجفوة من معدن البر تضاعف إيلامها، وتزايد إيجاعها، كما أن المبرة إذا جاءت شاذة من معدن العقوق حسن موقعها، وأعجب أمرها. رب بعيد يقربه نقاء جيبه، وقريب يبعده اتهام غيبه. رب حاضر لم تحضر نيته، وغائب لم تغب مشاركته. للكلام مذاهب وملاحن، وربما سلك القائل مسلكاً فسلك السامع ضده، وأراد شيئاً فظن به غيره. لا بد من مصابرة الغمرة حتى تنجلي، وملاطفة الشدة حتى تنتهي.
стр. 178
السيئة إذا حصلت بين حسنتين لم تكن إلامغمورة مغفورة. إن الله تعالى دعا إلى النهوض والنهود، ونهى عن الفتور والقعود. الشكول أقارب، وإن تباعدت بهم المناسب. إن انتشار النظام إذا بدا بدب دبيب النار في الهشيم، ويسري كما يسري النعل في الأديم، وكثيراً ما يعدي الصحاح مبارك الجرب، ويتخطى الأذى إلى المركب الصعب.
ما أخرج من كلام أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف
نعم المعبر عن الضمير مضمار القريض. إن الله سائلك عن الخطرة والخطفة، واللحظة واللفظة. اردع من ثوب عفافك، ما يشمل كافة أطرافك. التقوى أقوى ظهير، وأوفى معين. وخير عتاد، وأكرم زاد للمعاد. اشحذ فكرك، وأرهف ذهنك. إذا ابتديت النظر، فاقض أمامه لكل وطر، لئلا تجاذبك شهوة، أو تختلجك من نوازع النفس حاجة. احذروا أن ينقلكم الله بأقدامكم، إلى مصارع جمامكم. استدم النعمة عليك بالتقوى لله، وبحسن الطاعة للسلطان فإنهما جنتاك، وعدتاك وذريعتاك، والمشفعتان عند الله في أولاك وأخراك. التقوى أوفى معين، وأوقى ظهير. التقوى هي العدة الوافيه، والجنة الواقية، والتجارة الرابحة، والسعادة السانحة، والجلاء للشبهة، والضياء في الغمة. سيعيض الله من حر الهواجر برد الظلال، ومن قلق الركاب، نجح الإياب. استقبلوا بالخضوع وجه الله واستنزلوا بالتسبيح والتهليل رحمته. واستديموا بالحمد والشكر نعمته. أيقظوا قلوبكم من سنة الخواطر، واحبوسا ألحاظكم عن محظور المناظر.
ما أخرج من كلام أبي الحسن علي بن القاسم القاساني
قل في حران أخطأه النوء، وحيران مظلم خذله الضوء. مراتع أهل الفضل موبئة، ووجوه مطالبهم مظلمة. شاهد القلب يصدق القول، ورائد الضمير
стр. 179
يحقق الدعوى. ابتداء المنة تبرع ونافلة، وإتمامها سنة لازمة وغنيمة حاصلة. البيان الحسن ينوب عن الرقى، ويستنزل العصم من الذرى كلال الذهن، مع ارتقاء السن. ونقصان الخواطر، بزيادة الشواغل واستمرار البلادة، بمفارقة العادة.
ما أخرج من كلام أبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي
الشكر على الإحسان، والسلع بإزاء الأثمان. الطير واقعة مع مثلها، والنفس مائلة إلى شكلها، الإذكار حيث التناسي، والتقاضي، حيث التغاضي. العشرة مجاملة، لا معاملة، والمجاملة لا تسع الاستقصاء والكشف، والعشرة لا تحتمل الحساب والصرف. الاعتذار في غير موضعه ذنب، والتكلف مع وقوع الثقة عيب، والدواء لغير حاجة داء، كما أنه عند الحاجة إليه شفاء. الاستقالة تأتي على العثرات، كما أن الحسنات يذهبن السيئات. الذنب للعين العشواء، في محبة الظلماء، وكراهة الضياء، وفم المريض يستثقل وقع الغذاء، ويستمريء طعم الماء. الحر كريم الظفر إذا نال أنال، واللئيم لئيم الظفر إذا نال استطال. الآباء أبوان: أب ولادة، وأب إفادة فالأول سبب الحياة الجسمانية، والثاني سبب الحياة الروحانية. الغيرة على الكتب من المكارم، لا بل هي أخت الغيرة على المحارم. والبخل بالعلم على غير أهله، قضاء لحقه ومعرفة بفضله. الرجل إذا قيدها عقال الوجل، لم تنطلق نحو مطبة الأمل. المحجوج بكل شيء ينطق، والغريق بكل شيء يتعلق. العاقل يختار خير الشرين، ويميل مع أعدل الشقين. الجواد محتكر بر، لا محتكر بر. الكريم تاجر جمال، لا تاجر مال. والحر وقاية الحر من فقره، وسلاحه على دهره، المدح الكاذب ذم، والبناء على غير أساس هدم. الدهر غريم ربما يفي بما يعد، وحبلى ربما تتئم فيما تلد. الدهر أصم على الكلام، صبور على وقع سهام الملام. الناس بالإحسان،
стр. 180
والإحسان بالسلطان، والسلطان بالزمان، والزمان بالأمكان، والإمكان على قدر المكان. العزل طلاق الرجال، والمحنة صيقل الأحوال. الكريم من أكرم الأحرار، والكبير من صغر الدينار. المصيبة في الولد العاق موهبة، والتعزية عنه تهنئة. المحية ثمن كل شيء وإن غلا، وسلم إلى كل شيء وإن علا. الرجل من إذا كوى أنضج، وإذا لقح أنتج. وإذا قال أبلغ. وإذا أنعم أسبغ. التقديم على الغاية تأخر عنها، والزيادة على الكفاية نقصان منها. الأذن بكر من الأبكار، لا تفتض إلا بالأخبار، والبكر منها أحب إليها، وألذ لديها. إنما السؤدد بكثرة الأتباع، وكثرة الأتباع بكثرة الاصطناع إنما تحوم الآمال حيث الرغبة، وتسقط الطير حيث تنتثر الحبة، إن النساء لحم على وضم، وعصيد في غير حرم، إلا أن تلاحظ بعين غيور، ونفس يقظ حذور. إن الولاية عزل، إذا لم يعمر جانبها عدل. سرعة الشهادة طريق من طرق الخفة، وابتذال المدح والتزكية باب من أبواب الملق. المجازفة بحساب المقال، أقبح من المجازفة بحساب المال، قبول شكر الشاكر التزام لزيادته، واستماع قول المادح ضمان لحاجته. صغير البر ألطف وأطيب، كما أن قليل الماء أشهى وأعذب. ثمرة الأدب العقل الراجح، وثمرة العلم العمل الصالح. طول الخدمة، أكد حرمة، وتأكد الحرمة، عقد قرابة ولحمة. ادعاء الفضل من غير معدنه نقيصة، كما أن الإقرار بالنقص من حيث الاعتذار فضيلة، والقتال عن العسكر المنهزم ضرب من المحال، وتعرض لسهام الآجال. شاهد العيان، أقوى من شاهد النسيان، ودليل البصر، أوضح من دليل الخبر شاهد الأحوال، أنطق من شاهد الأقوال. باب الإحسان مفتوح من شاء دخله، وحمى الجميل مباح من اشتهى فعله. وليس على المكارم حجاب، ولا يغلق دونها باب. شبكة المحال أوهى من أن تنشب فيها رجل محق، وكيد الباطل أضعف من أن ينفذ في حق. مؤدب العاقل إخوانه، ومرآته زمانه. وسوط الجواد عنانه. شرف النازل متصل بشرف الدار، وسمك
следующие страницы →