ان الطبيب يشير الى الأخطار التي تتعرض لها صحة المرأة ويطالب بإلحاح بتحقيق وصاياه التي تعتبر اليوم خيالية كقوله: بأن كل امرأة لها أولاد لم تتجاوز أعمارهم الخامسة عشر سنة لا يجوز لها القيام بأي عمل خارج البيت. إن مهمتها الحقة هي أن تكون راعية للأسرة (هي رعاية أسرتها والسهر على مصلحة أطفالها).
ان استثمار احتياطي الاقتصاد الذي لم يستثمر بعد يقع على عاتق تلك الفئة الكبرى من النساء اللواتي تجاوزت أعمارهن الأربعين سنة. واللواتي يرغبن في العودة الى حياة العمل من جديد. كما أن مشروع التشغيل "النصف يومي" للمرأة أمر يجب أن يتم. ان الدكتور هانسي كير خهوف Heinz Kirchoff مدير المستشفى النسائي في جامعة جوتنجن يقدم (١) لنا حديثاً فيما يصف فيه بصورة مؤثرة أعباء المرأة (العاملة) ويطالب باتخاذ الوسائل اللازمة من أجل انصافها ورفع العبء عن كاهلها.
"لمعرفة أوفى في التفاصيل يرجع الى محاضرته التي ألقاها في يوم الأطباء الرابع والستين بعنوان: "توصيات طيبة".
القسم الأول
اسمحوا لي أولاً ان أذكر النقاط الهامة التي تجعل من موضوع "أعباء المرأة العاملة" أمراً دقيقاً ومتعدد الجوانب:
١ - ان الاقتصاد الحالي ومجتمعنا المعاصر لا يمكنه الاستغناء عن تشغيل المرأة إذا أراد استثمار طاقات العمل جميعها. ولقد قدم لنا Ruth Bergholz " روت برجهولس" بحثاً بعنوان "الاقتصاد يحتاج الى المرأة" يجد المرأة فيه تفصيلات كافية حول هذه الناحية.
انه لا ينبغي لنا - كما أنه ليس بامكاننا - ان نتهرب من الوقائع أو أن نتعمد رد العجلة الى الوراء الى ذلك "الزمان السعيد الغابر" إذا أردنا حقاً أن يجنب كياننا الاجتماعي المصاعب.
لقد قال Arnold Gelhn آرنولد جلن: ان الشكل الحديث للحضارة الغربية أكثر تعقيداً من أي حضارة ماضية ولكن فيما اذا كان في ذلك سعادة الانسان أو، لا، ما يزال موضع شك كبير.
стр. 212
٢ - وبسبب نقص اليد العاملة فاننا لم نحتج الى مزيد من النساء العاملات فحسب بل طالبنا المرأة بأن تضاعف انتاجها.
٣ - فاذا لم يكن ممكناً - ولا واجباً - تغيير اتجاه نظامنا الاجتماعي هذا برده الى وضعه الماضي، فان واجباً هاماً ينشأ عن ذلك. واجباً يحتم على جميع الجهات المسؤولة ألا تظل غافلة عن الوظائف الطيبة للمرأة، وأن تحميها، وأن تعيد لها مفاتنها. أعني أو الواجب يدعونا الى اعتبار "بناء الاسرة" الوظيفة الأساسية للمرأة، لكي تتمكن من أداء دورها في تربية الأطفال والعناية بهم عناية تامة.
٤ - ان الدراسة الفيزيولوجية والاجتماعية بالاضافة الى تجارب حربين عالميتين تشير الى ضرورة تصحيح الوضع الحالي للمرأة من مسألتي قابليتها للعمل وطاقتها عليه من أساسه. انه لم يعد من حقنا بعد اليوم أن نتكلم عن "جنس ضعيف" عندما نتناول "موضوع المرأة" كما أنه لا يحق لنا أن ننظر الى عملها على أنه زهيد وقليل القيمة بالقياس الى عمل الرجل، ولكنه لا ينبغي لنا أن نوافق الاستاذ الامريكي " Ashley Montagu" اشلي مونتاجو، على آرائه المتشعبة المثيرة، والتي يزعم فيها بأن للمرأة "أفضلية طبيعية على الرجل" إن هذه الآراء غير صحيحة على الاطلاق. فنحن حينما نتحدث عن المرأة والرجل فاننا لا نتحدث عن "طبيعة أعلى" أو "طبيعة أدنى" بل "طبيعة أخرى".
٥ - فإذا كنا لا نستطيع وضع حد لتزايد تشغيل النساء. وعلى الرغم من ذلك ننظر الى مهمة المرأة الأساسية في "أمومتها"، وأردنا التوفيق بين هذين الفرضين المتعارضين فانه يجب أن نعمل ما بوسعنا من أجل تجنب الاضرار الصحية والاخطار الاجتماعية. وأهم من ذلك كله ألا نهمل الاسرة وبالتالي النسل بأجمعه.
٦ - ان اختبارات الطب الاجتماعي واختبارات الطب البشري حول الأضرار الصحية للمرأة، الناجمة أو التي يمكن أن تنجم من جراء عملها لم تلاحظ أكثر من التغيرات العضوية المرضية التي تنشأ عن بعض العوامل كالوقوف الطويل، أو الجلوس غير المريح، أو وضع الانحناء، أو رفع الأوزان الثقيلة، أو العمل الذي يعتمد على اجهاد عضو معين من الجسم وعلى اجهاد بعض الاعضاء دون غيرها" - بينما التأثيرات الضارة غير المباشرة لم يلتفت اليها لأنه من الصعب إدراكها ولأن الاعتبارات الضرورية لنفسية المرأة لم تقدر
стр. 213
حق تقديرها ولعدم مراعاة امكانية اعطاء المرأة عملاً مناسباً لها.
ومن هذه العوامل جميعاً يبرز عامل - يزداد في الكتابات الحديثة دائماً ذكره على نحوٍ مُرضٍ - تنسب اليه مسؤولية النتائج النفسية والجسمية لعمل النساء - هذا العامل هو العمل المزدوج او على الأصح ذو الثلاثة جوانب، أعني: المهنة - تدبير المنزل - الأسرة.
ولزيادة في التفصيلات يرجع الى بحث من الفاميدرال وفيولا كلين بعنوان "الدور المزدوج للمرأة في الأسرة والمهنة" والى كتاب الأسرة "النساء بين الأسرة والمصنع" د. ا. ل. هوفمان ورتيرش كيرستن.
٧ - وهناك أسباب أخرى تدل على مدى تعقد المشكلة نشأت عن تطويل عمر الانسان - فعمر المرأة يبلغ حالياً ٧٢ سنة - وعن امكانية زيادة سني العمل التي تترتب على ذلك وخاصة في مرحلة الكبر. إنها تضع الطبيب أمام مشكلة جديدة، بالاضافة الى أن قلة المواليد الحالية تتيح لكثير من النساء في سن مبكر نسبياً العودة الى المهنة من جديد.
القسم الثاني
فالى جانب التشغيل الكامل في هذا العصر ذي المستوى الاقتصادي المرتفع، تلعب أسباب شخصية دوراً هاماً في تزايد عمل المرأة المهني مما يجب أن يكون معلوماً لدى الاجتماعيين ورجال السياسة والأطباء، إذا أرادوا أن يقدروا أسباب ردود الفعل المخيبة وأسباب الانهاك والضرر النفسي والجسمي المتسبب عن العمل حق تقديرها، وان يصلوا بعد ذلك الى نتائج صحيحة ان ذلك مهم جداً بالنسبة للآثار الايجابية والسلبية - بوجه خاص - للنشاط المهني أعني فيما إذا كان المرء يذهب الى عمله بسرور وارتياح او بدافع الحاجة فحسب دون أن يشعر برغبة داخلية أو بعلاقة تشده الى عمله.
فيما إذا كان المرء يذهب الى عمله متحرراً من أعباء الواجبات الأخرى مدفوعاً بالطموح وإرادة الابداع، أو مكرهاً مشغول الفكر بمنزله وأطفاله المتروكين دونما رعاية أو بزوجة المريض المهمل شأنه.
إن المعنى المألوف والقائل: بان تزايد تشغيل المرأة مبعثه رغبتها في الخروج من دائرة الحياة المنزلية الضيقة والدخول في ميدان العمل النابض، بالاضافة الى أن ذلك يؤدي الى رفع مستوى الحياة باقتناء ثلاجة مناسبة أو
стр. 214
رائي "تلفزيون"، ان هذا المعنى صادق ولا شك على نسبة ضئيلة جداً من النساء. ولكن السبب الأساسي - وهذا ما تؤكده الاحصاءات والاختبارات بشكل واضح - انما هو الواجب القاسي او الحاجة المرة. إن المرأة لا تشتغل على الاطلاق من أجل نفسها بل - وبدون استثناء تقريباً - من أجل الأسرة.
إن أجر الرجل أو راتبه التقاعدي لا يكفي، فعلى المرأة أن تعمل معه، ولقد تبين من أحد الاستفتاءات لأحد المرافق أن ثلثي من وجهت اليهم الأسئلة كان عليهم أن يؤمنوا ربحاً فوق راتبهم يعادل - ٣٠ - ٥٠% منه لكي يحافظوا على كيان أسرتهم، فالمسكن وأثاثه والضرائب يجب أن تغطى من الطرفين. كما أن المرفق الخاص يتطلب عوناً كاملاً من المرأة بالإضافة الى عملها المنزلي. فلنفكر اذن في المصير التعس للنساء الريفيات ولنفكر أيضاً بالعدد الضخم من أرملات الحرب والمطلقات اللواتي يتوجب عليهن أن ينتزعن لقمة عيشهن وعيش أطفالهن بأنفسهن.
ففي ألمانيا الاتحادية تعيش ١,١٥٠,٠٠٠ أرملة حرب و ٢,٨٠٠,٠٠٠ أسرة محرومة الأبوين، وهذا يعني ربع مجموع العائلات الألمانية. كما أن هناك ١,٧٠٠,٠٠٠ رجلاً من مشوهي الحرب اللذين يعادل كسبهم أقل من نصف كسب الرجل العادي، وغالبية هؤلاء متزوجون. كل هذا بالاضافة الى أن عدد النساء في ألمانيا الاتحادية يزيد على الرجال بثلاثة ملايين.
ان هذه الأسباب المذكورة باختصار تجعلنا ندرك النتائج التي تترتب على المرأة، بحيث يتبين لنا أن النساء اللواتي يعني العمل عندهن إملاء فراغ المرأة، لا يشكلن غير نسبة ضئيلة فحسب، أما الأغلبية فيسبب لها متاعب جسيمة ونفسية.
ولعل الحديث يصبح أكثر تأثيراً عندما يعالج المرء النسبة العددية لمشاركة النساء في العمل، اسمحوا لي أرجوكم في أن تفهموني وان تكونوا معي في الرأي عندما أسوق بعض الاحصائيات التي لا تعتبر سارة لما هو معلوم: ففي ٣٠ حزيران عام ١٩٦٠ بلغ عدد النساء العاملات في المانية الاتحادية ٦,٩٠٠,٠٠٠ امرأة وهذا يعني أكثر من العدد في عام ١٩٥٠ بـ ٢,٨٠٠,٠٠٠ وهذه السبعة ملايين تقريباً تشكل نسبة ٣٤% من مجموع العمال بحيث أن الوقت الذي سيصبح فيه عدد النساء العاملات مساويا لعدد الرجال لا يبدو بعيداً. ان ٣٦% من النساء العاملات متزوجات، والأرقام الآتية يجب أن تسترعي انتباهنا:
стр. 215
١,٧ مليونا وهذا يعني ١٤% من مجموع المتزوجات يعملن خارج نطاق العمل المنزلي، فهؤلاء النساء يقمن بالإضافة الى ساعات العمل اليومي الثمانية. بالذهاب الى أماكن العمل - التي ليست دائماً قريبة - والعودة منها. الى جانب أعمالهن المنزلية. وحسب احصاء عام ١٩٥٧ كان هنالك ١,٢ مليون عاملة عليهن أن يرعين أبناءهن الذين لا تتجاوز أعمارهم الـ ٦ سنوات بالاضافة الى عملهن.
ويمكن أن نضيف هنا مثالاً بسيطاً يبدو أنه لا يمس القضية مباشرة لكنه في الحقيقة يجب أن يسترعي اهتمامنا: إنها مسألة مصير أطفال الامهات العاملات الذين يدعون بـ "أطفال الاقفال" أو حسبما يتطلبه التعبير المؤلم: "يتامى الصناعة".
فبينما كان المرء منذ عشر سنوات مضت في عام ١٩٥٠ يعد مليونين من الاطفال الذين تذهب أمهاتهم وآباؤهم الى العمل يقدر هذا العدد اليوم بثلاثة ملايين طفل. إننا لسنا بحاجة الى ذكر النكبات المترتبة على ذلك والتي تحل بايتام الصناعة، هؤلاء الذين يبقون دون أبوين، على الرغم من جميع الاحتياطات الاجتماعية كدور الحضانة اليومية وحدائق اللعب.
هذا عدا الآثار الجسمية والنفسية التي تتحملها أمهات هؤلاء الاطفال العاملات والتي تترتب على وجوب ترك أطفالهن.
وهناك بعد، مجموعتان من الأرقام سنذكرها من أجل فهم بعض الآلام والمتاعب التي تبدو غير واضحة، والتي يزعم أنها ناشئة من العمل مباشرة، ولكنها في الحقيقة ناشئة في كون الأمهات غير مسرورات في عملهن. إنها تتعلق بدلائل النشاط في العمل وبالوضع الثقافي.
فهناك ٩% فقط من النساء يزاولن الاعمال الحرة وتختلف هذه النسبة عن أمريكا حيث تبدو هناك أعظم. كذلك في البلاد الاخرى حيث يزداد الميل الى مشاركة النساء في المهن المستقلة (الحرة) والراقية. فأكثر من ٦٠% من النساء هن عاملات أو مستخدمات أو موظفات و ٢٢% منهن يعملن بالاضافات الى عملهن المنزلي في مرافق خاصة كالفلاحات في الاقتصاد الريفي والتجارة، وهكذا فان ٩٢% من النساء يقمن بأعمال عادية، وهناك حقيقة هامة توضح بعض الثغرات والنتائج المترتبة عليها. تلك هي أن ٩% من النساء فقط يقمن بعمل اختصاصي - أي كصناع - (بينما تبلغ هذه النسبة ٥٠% في الرجال)
стр. 216
وبالمقابل فان ٤٥% من النساء يعتبرن متعلمات و ٤٦% جاهلات (في حين ٧٠% من الرجال متعلمين و ٣٠% جاهلين).
فبينما يزداد مشاركة المرأة في الصناعة من عام الى عام فانه يجب في وقتنا الحالي ان نأخذ كظاهرة نموذجية - وان تكن غير سارة - تلك هي أن عمل المرأة في الحقل المنزلي وحقل رعاية الأسرة بدأ يتناقص، إن هذه الحقيقة تجعلنا محقين عندما نتحدث عن الفرار من البيت بعد أن كنا نتحدث عن الفرار من الريف.
وانني لأعتبر من واجبي أن أذكر مواطني ما وراء الستار الحديدي. ان عدد النساء العاملات يزداد عن النسبة العالمية التي رأيناها في الجمهورية الاتحادية ففي عام ١٩٥٠ كان النساء يشكلن ٣٨,٤% من عدد العمال وفي عام ١٩٥٦، ٤٣,٦% وفي النهاية فان كل امرأة من اثنتين من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن من ١٥ - ٦٠ كانت لها مهنة. ويبلغ عدد المتزوجات ٤١%.
ويجدر بنا ان نذكر بأنه الى جانب تلك المشاركة غير العادلة للنساء في حياة العمل في ألمانية الشرقية، فان الرعاية الاجتماعية من ترتيبات الحماية لهؤلاء - وخاصة اللواتي سيصبحن أمهات - في تزايد مستمر، ولذلك لم تنشأ حسب الاحصاءات التي أعطيت تأثيرات ضارة بالوضع الصحي للمرأة وسير الحمل والولادة ووفاة الرضع.
القسم الثالث
ان تزايد دخول المرأة في مجال عمل الرجل دفعت الاخصائيين الاجتماعيين وأطباء العمال - في وقت مبكر - الى عقد مقارنة بين الطاقة على العمل والقابلية له بين كلا الطرفين. ففي البداية قيل ان عمل النساء أقل قيمة من عمل الرجال، فان المرأة لا تملك غير ٢٠ - ٣٠% من القدرة العضلية للرجل. فالفروق الفسيولوجية والتشريحية بين الرجل والمرأة تتطلب الانتباه عند تقسيم العمل وتجهيز مكانه. حتى فيما يتعلق بوضع الآلة.
ان الشكل العام للمرأة والذي يتميز بزيادة وزن النصف العلوي منها والشكل الواسع والعميق للفراغ البطني في الانثى، وشكل الحوض الذي جهز بشكل خاص من أجل الحمل، وما ينتج عن ذلك من تغير نوعي في توازن المرأة، والعادة الشهرية والتغييرات التي تتسبب عن الحمل والولادة. كل هذا
стр. 217
يتطلب حرصاً كبيراً لوضع المرأة من الآلة وحمايتها، فالقدرة الوظيفية المتناقصة لجهاز الدوران التنفسي تعيق وقد تحول احيانا وبلا شك من مقدار الطاقة على العمل، كذلك فان جسم المرأة ليس مخلوقاً في الاصل للعمل المستمر، وفي مقابل ذلك فان المرأة أفضل موهبة من الرجل في الاعمال التي تتطلب مهارة.
وهكذا فعندما يتطلب عمل المرأة - على أساس فروق البيئة وتغيرات أطوار حياة المرأة خاصة فيما يتعلق بوظائف التناسل - انسجاماً كلياً مع معطياتها التشريحية والفيزيولوجية والنفسية، فانه سوف تتفادى المتاعب العصبية في عمل المرأة في المستقبل وخاصة في مجال الصناعة، حيث أصبحت الأهمية فيه حتى اليوم للاعتبارات الجسمية أكثر من النفسية والروحية، ولقد وصف لنا الكاتب المختص (جراف Graf) هذا الوضع بشكل مؤثر حيث قال: "ان العامل أصبح بدرجة متزايدة - سواء قلت أو كثرت - جهاز ضرائب لآلات العمل. ولذا فقد وضعت مسألة قدرة المرأة على الاعمال الصناعية في غير محلها".
واننا لنتفق معه أيضاً حينما يتابع قوله: انه لكي نحكم على طاقة العمل يجب أن نفحص دور المتطلبات الروحية والأعباء العصبية، وان نقيم لهذا الدور وزنا أكثر مما عرفنا حتى اليوم.
الملاحق - إقدام البريطانيات على الانتحار
قالت مجلة حضارة الاسلام في العدد العاشر من المجلد الثاني ص ١٢٠٤:
يؤخذ من تقرير نشرته مجلة طبيب العائلة التي تصدرها الجمعية الطبية البريطانية بلندن: ان عدد النساء اللواتي يحاولن الانتحار يزيد على عدد الرجال، ولكن عدد الرجال الذين ينجحون في عملية الانتحار يزيد على عدد النساء.
ويقول الدكتور ف. ركاسون واضع التقرير: ان عدد الرجال الذين يحاولون الانتحار اخذ في الانخفاض بالنسبة الى عدهم قبل ٥٠ عاماً. اما عدد النساء فأخذ في الازدياد!
стр. 218
ويشير التقرير الى أن هذا ربما عاد الى تولي نساء هذا العصر مسؤوليات اقتصادية أكبر، والى تحررهن من حياة التزمت في عصر الملكة فيكتوريا.
ويقول التقرير: ان أكثر من ٥٠٠٠ حادثة انتحار وقعت في انكلترا خلال احدى السنوات الأخيرة. وقد تناولت هذه الحوادث ٢,١١٦ رجلاً و ٢,٠٩١ امرأة أي بمعدل خمس وفيات انتحار لكل ست وفيات نتيجة لحوادث على الطرق.
الملاحق - على الرجل ان يبقي زوجة في البيت لتتفرغ لشؤون الأسرة
وقالت المجلة نفسها في العدد السابق والصفحة السابقة في الرقم المتقدم:
حاول أحد الأزواج في أمريكا أن يدخل في موضوع عناد مع زوجته لأنها أصرت على الالتحاق بوظيفة بدون رغبته، فلم يجد أمامه وسيلة إلا أن يعتصم في البيت ويرفض الذهاب الى عمله او الخروج من البيت نهائياً.
ولما ضاق الزوج من البيت ومن الحبس، ووجد ان اعتصامه لم يلن قناة زوجته أو يرغمها على التنازل، قدم شكوى الى قسم البوليس يتهمها فيها بالتقصير في واجباتها نحوه بالجمع بين الوظيفة والحياة الزوجية.
وفي المحكمة قال الزوج: إنه لا يقبل فكرة ترك البيت وحده بدون أية رعاية، وأنه اضطر للبقاء في البيت عندما أصرت زوجته على الخروج للعمل يومياً.
وفي النهاية أعلن القاضي أنه من حق الزوج شرعاً أن يبقي زوجته في البيت ويمنعها من الخروج للعمل ما دامت رغبته كذلك، ولكن ليس من حقه أن يعتصم في البيت ويمتنع عن الذهاب للعمل في كل مرة ترفض فيها زوجته طاعة أوامره. أو كل مرة تخرج فيها من البيت لقضاء بعض مصالحها.
الملاحق - طالب عربي في جامعات الغرب يتحدث عن الأسرة هناك
جاء في "حضارة الاسلام" في العدد الأول من السنة الثالثة نقلاً عن احدى صحف دمشق:
يقول أحد القادمين من سويسرا حديثاً وهو طالب يدرس في احدى الجامعات الألمانية أنه قبل عودته الى "دمشق" قادماً من أوروبا قام بجولة في
стр. 219
بلدان أوروبا كان آخرها سويسرا، وحين سئل عن مشاهداته وانطباعاته خلال جولته في البلدان الأوروبية، كان مما قاله: ان هناك ظاهرة عجيبة نلمسها في أوروبا.
ان الأسرة الأوروبية مفككة جداً، وروح الاستقلال التام تسيطر عليها وتوجهها. الأب يعمل، والأم تعمل هي الأخرى. وهما لا يلتقيان إلا على مائدة العشاء، والعمل في أوروبا يبدأ من الثامنة صباحاً حتى الثانية عشرة، ومن الثانية بعد الظهر حتى السابعة مساء، والأم ليس لديها الوقت الكافي لتمضيه مع أولادها. إنها تلتقي بهم في مدرسة داخلية، ولا تراهم إلا في المواسم والأعياد، ونسبة كبيرة جداً من الأوروبيات لا يحملن أبداً لا لضيق الوقت فحسب، ولكن للمحافظة على جمال الجسم، ولحفظ حقهن في الطلاق! فبين كل ثلاث زيجات في سويسرا تقع حالة طلاق واحدة!
وعندما ينتهي الابن أو الابنة من الدراسة الابتدائية، يلتحق باحدى المدارس المهنية ليتعلم حرفة ما في هذه المدارس، مدة الدراسة فيها تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات فقط، وبعدها يتخرج الطالب ليعمل على الفور، ومعنى هذا ان الفتاة تبدأ العمل في سن مبكرة جداً لا تزيد على ١٨ سنة وكذلك الشاب. ومن النادر أن يكمل الشاب السويسري دراسته الجامعية. أولاً لأن أباه - مهما كان ثرياً - يبخل عليه، ولا يدفع له مصروفات الدراسة الجامعية الباهظة، وأغلب الطلبة السويسريين الذين يدرسون في الجامعة يدفعون مصروفات دراستهم من عرق جبينهم، لا من جيوب آبائهم.
والفتاة الأوروبية حرة في كل تصرفاتها. إنها تدفع لأسرتها ايجار غرفتها وثمن طعامها وغسل ملابسها. أعرف فتاة تدفع لأمها ٢٠ سنتيما عن كل مكالمة تليفونية لها في المنزل! وهي تحمل مفتاحاً للشقة.
الملاحق - دناءة استغلال الرجل الغربي للمرأة عندهم
قالت حضارة الاسلام أيضاً في ص ١٠٩ من العدد الأول للمجلد الثالث ما يلي:
تقوم لجنة تحقيق تابعة لمجلس الشيوخ الأميركي بسماع شهادات حول استخدام فتيات الريف الساذجات في النوادي الليلية وارغامهن على تعاطي الدعارة.
стр. 220
وتحقق تلك اللجنة التي يرأسها السناتور جون ماكلين في عمليات احدى النقابات التي تدعي بأنها تضم في عضويتها عدداً كبيراً من راقصات التعري.
واستمعت اللجنة في الاسبوع المنصرم الى شهود ذكروا ان عقود العمل التي تبرمها النقابة وهي الجمعية الاميركية للفنانين تتضمن نصوصاً لحماية أعضائها من الاستغلال. وقال المستر وليام سكوت المساعد الخاص السابق للنائب العام في ايلينويس: ان بعض النوادي الليلية في شيكاغو يديرها أشقياء من رجال العصابات، وان العاملات فيها يرغمن على الاشتراك في نشاط غير مشروع كالدعارة والنشل، وأضاف قائلاً ان أعضاء هذه النقابة الاجرامية المنظمة تنظيماً حسناً جداً لا يتعاطون الرذيلة والمقامرة وحسب، بل يقومون عملياً بارتكاب جميع أنواع الموبقات والجرائم المعروفة.
وقال ان بعض الفتيات اللواتي يعملن في الاندية الليلية يتعرضن الى ضرب مستخدمي هذه الاندية، ويخضعن الى حالة من الرعب لدرجة أنهن لا يجرؤن على الشهادة في المحكمة.
ووصف المستر سكوت الفتيات اللواتي يعملن في تلك الاندية بأنهن عادة من الفتيات القادمات من المناطق الريفية الصغيرة واللواتي يتعرضن في أوائل فترات الشباب الى المشاكل ويضعن أطفالا غير شرعيين.
وأعلنت الممثلة والراقصة الشقراء جون غينسلي أمام لجنة مجلس الشيوخ ان مديري احد النوادي الليلية في احدى ضواحي شيكاغو حاولوا ارغامها على البغاء، وسألها مستشار اللجنة عما اذا كان النادي يتعاطى البغاء؟ فأجابت بالايجاب، ثم سألها اذا كانت توجد غرف خلفية تستخدم للدعارة؟ فأجابت بالايجاب أيضاً.
وقالت: إنها لم تسمع أبداً بأن المسؤولين كانوا يلجأون الى التهديد، وأضافت قائلة ان بعض العاملات في النادي لا يتعاطين الدعارة بمحض اختيارهن لأسباب معينة.
وأعلنت المسز كوري ستاين وهي راقصة أخرى أمام اللجنة أنه في أحد نوادي ميامي في فلوريدا كان يتوجب على الفتيات أن يبعن أنفسهن ثم يعدن بما حصلن عليه من نقود الى رب العمل، وقالت: ان معظم الزبائن منحلو الاخلاق وهم يعلمون سبب مجيئهم الى الاندية الليلية، ويعتقدون أن بامكانهم
стр. 221
معاملة الفتيات بفظاظة بحيث ينجحون في نيل مبتغاهم وعادة يستطيعون ذلك. وأضافت قائلة انني كنت أدعو منذ عدة سنوات الى الحماية النقابية ولكنهم كانوا يردون علي بوصمي بانني راقصة متعرية متعصبة! وقالت: لقد نجوت بنفسي لأنني نجمة سينمائية ورفضت ذلك.
الملاحق - آثار أدب الجنس في الغرب
نشرت "حضارة الاسلام" في المجلد الثاني ص ٤٨٨ ما يلي:
أصدرت الجمعية البريطانية أوامرها بسحب كتاب "يتزوجون من السوق، وهو الكتاب الذي جاء فيه ان العذرية (البكارة) بين الفتيات الانجليزيات أصبحت "مودة" قديمة، وقد أعلن مؤلفا الكتاب استقالتهما من الجمعية احتجاجاً على مصادرته.
ونشرت في الصفحة نفسها ما يأتي:
زاد عدد الروائيات في بلاد الغرب زيادة كبيرة في السنوات الأخيرة، وقد تبين ان معظم انتاجهن من الروايات الغرامية الماجنة، وقد صرح أحد الناشرين الانجليز بانه يتعامل مع اربعين كاتبة ينشر لهن مائتين وخمسين رواية كل سنة، ويبيع منها نحو مليون نسخة، تشتري دور الكتب العامة نحو ربعها، ودلت الاحصاءات على أن أكثر مستعيري هذه الكتب (من دور الكتب العامة) نساء في أواسط العمر حرمن من الزواج، أو فتيات وفتيان في سن المراهقة.
الملاحق - طبيب يعلن النفير العام للأطباء لانقاذ العاملات
نشرت مجلة (ده كستيل به كلايدونع Dextil Bekleidung) الصادرة في مدينة Dusseldorf في عددها الصادر في شهر آب ١٩٦٢ المقال التالي، ترجمة السيد: ر. سعيد، أحد طلابنا في جامعات ألمانيا، وهو الذي أرسل الينا هذه الترجمة.
قال البروفسور دكتور Kline رئيس أطباء المستشفى الحكومي للنساء في مدينة Ludwiksbuven في مؤتمر الأطباء هناك:
стр. 222
ان ثلاثين في المئة من النساء في مجتمعنا لسن سعيدات في حياتهن، والسبب في ذلك هو المتطلبات الجسيمة والروحية المتصاعدة، وعلى هذا فانني أعلن النفير العام لعلم الطب. ان الواجب على الـ Bundestay " المجلس البلدي" ان ينظر الى هذه الفاجعة التي تحل بكثير من نسائنا العاملات بعين الجد والاعتبار، ان هذا الخطر يهدد كثيرين منا، لأن هذا معناه انهيار عظيم وخسارة مزدوجة لملايين من البشر.
أرجوك أن تساعدني يا دكتور، انني لم أعد أتحمل هذا الألم المستمر أرجوك مساعدتي، انني أنازع، هذا ما يردد الف مرة يومياً في عيادة أطباء النساء، ولكن هؤلاء الرجال المرتدين بالكساء الابيض يقفون مكتوفي الأيدي أمام متطلبات النساء الكثيرات اللاتي يملأن العيادة نحو الممشى، لانه أي طب يمكن مساعدة هؤلاء المساكين الذين يعانون عبئا مزدوجاً لا بل مثلثاً، من وظيفة - أعمال البيت - ومتطلبات الحياة العائلية: هذا العبء الأبدي غير الاعتيادي - والضغط العصبي الناتج عن التحميل الجسمي والروحي.
ان معامينتنا ليست باستطاعة مساعدة تلك النساء، هذا ما يقوله لنا أحد أطباء النساء المعروفين في ميونخ: ان عيادتي هي البرهان الوحيد وهي الشاهد ضد الزمان، ان حالة النساء في خطر عام، خذ مثلاً المرأة التي أتت لي البارحة - احدى العاملات النشيطات في معامل النسيج والخياطة الضخمة - انها لم تكن مريضة لحد الآن، والآن تأتي تحت عامل انهيار عصبي تام، ففجأة مثلاً بينما هي تخيط تدخل ابرة الماكنة في أصبعها، وفي حالة أخرى تنهار على الماكنة متهالكة في حالة إغماء، المسؤولون في المعمل يدعون هذه الحالة، حالة اصابة في العمل، ولكن الحقيقة هي غير ذلك: ان هذه المرأة لا تدري ماذا تعمل.
ان هذه الحادثة لا تدعو للاستغراب، لأن هذه المرأة منذ سنوات عديدة تستيقظ يومياً منذ الساعة الخامسة لتهيء أعمال البيت وتعد أطفالها الى المدرسة، ومن ثم تذهب الى المعمل لتجلس أمام ماكنتها ثمانية ساعات ونصف، ساعة ونصف تحتاج للذهاب والإياب الى المصنع، وإذا ما وصلت الى البيت متهالكة يبدأ العبء الثالث لها، ألا وهو العمل المنزلي الذي لم ولن ينجح معها بتاتاً.
стр. 223
السبب هل الاعصاب.
ان في الجمهورية الاتحادية الالمانية اليوم حوالي سبعة ملايين من النساء العاملات، وهذا أكثر من ثلث المجموع من عدد العمال. ان أكثر من ثلث النساء متزوجات، ومعظمهن عندهن طفل أو أكثر من الذين لا يزالون في سن الطفولة تحت سن السابعة، وهؤلاء الأطفال بحاجة خاصة الى عناية الأم، ان هذا العبء المثلث على تلك النساء هو السبب الوحيد الذي يؤدي الى تدهور حالتهن الصحية التي بدورها تؤدي الى تدهور الطفولة، ومن ثم المجتمع العام.
انه من المعروف أن البناء الجسمي والروحي لدى النساء يختلف اختلافا كبيراً عن تركيب بنية الرجال القاسية المتينة.
انه ليس داعياً للتعجب أن تعطينا الاحصاءات الطبية الصحيحة في المجتمع الألماني ان كل ثامن امرأة تعاني مرضاً في القلب وفي جهاز الدوران الدموي.
ان التقارير الطبية ترد هذا الى التعب غير الطبيعي، ان نسبة وجع الرأس الدائم عند العاملات هو أكثر بسبع مرات من تلك اللاتي في البيت بدون عمل، والمرض الجنسي من موت الجنين أو الولادة قبل الأوان هو كما يتخيل أنه الوقوف الدائم أو الجلوس المنحني أمام منضدة العمل أو الحمل الثقيل غير الاعتيادي، لا بل هناك العامل النفسي الذي هو الأساسي، ومن المعروف اليوم أن التشويه عند النساء: تضخم الرجلين، أو تضخم البطن أو غير ذلك، يعود الى الحالات النفسية التي تقاد من الدماغ ومركزها في النخاع الشوكي الذي قد يؤدي الى الشلل او العاهة الجسمية.
لماذا يعمل النساء؟
والآن يفتح الستار أمام السؤال: لماذا يعمل النساء - اذا كان المصير هو هذا المصير الفاجع - أليست الصحة فوق كل شيء؟؟
الجواب على ذلك: ان السبب ليس فقط الرفاهية في الحياة: سيارة براد، تلفزيون الخ .. لا بل ان الاحصاءات أعطت أن الطمع المادي والطمع في زيادة المال هو الذي يؤدي الى هذه الحياة المرة، فكثير من نسائنا لسن بحاجة الى العمل لانهن يملكن جميع رفاهيات الحياة، ومع كل هذا يسرن يومياً كالدواب الى العمل.
стр. 224
ومع كل هذا فالتحميل الجسمي والنفسي ليس هو الوحيد الذي يجعل امرأتنا (غير شهية) لأنهن كنساء يشعرن بعدم الرضا الجنسي، بل هو ذلك الشعور الذي يخامرهن ألا وهو التقدم في السن الذي يعزلهن عن الاناث الشابات اللاتي يزاحمنهن في حياتهن الاجتماعية واللاتي يرمينهن في زاوية المهملات، انه أكبر مسبب للطلاق وتدهور الحياة الزوجية من أي مسبب آخر.
وعلى هذا فان ملايين النساء يرين أنفسهن مقبوضاً عليهن في حلقة الشيطان، وبطاقتهن الخاصة لا يمكن لهن التخلص منها.
ان مساعدتهن واجب على كل من يستطيع، وان رفع الراتب هو سياسة غير ناجحة في هذه الحالة، انه صحة وسعادة الملايين من الأسر.
الملاحق - حول ملكات الجمال
نشرت "حضارة الاسلام" في العدد الثالث من المجلد الثاني ص ٣٥١ عنوان ملكات الجمال" ما يلي:
كثرت ملكات الجمال في هذا الزمان، حتى أصبحن أكثر من الهم على القلب، أو أكثر من دود القطن في فصل الصيف. وأكثرهن يشبه دود القطن نعومة والتواء وقلة كساء وحياء، ونحن نعلم أن الأمراض والأوجاع تنتشر على أثر الحروب في شكل وبائي، ولدينا جدول مفصل لهذه الأمراض ولا بد لنا أن نضيف الى هذا الجدول، والى أصناف الحميات التي تتفشى بعد الحروب هذا الداء الجديد، وهو حمى ملكات الجمال، كان هذا المرض موجوداً قبل الحرب، ولكنه لم يعدو في حالات فردية نادرة. أما الآن فقد أضحى مرضاً وبائياً، مثله كمثل الحمى الاسبانية التي اجتاحت جميع القارات في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أو الحمى الاسيوية التي اكتسحت القارات والمحيطات بعد الحرب العالمية الثانية بعشر سنين.
والاسم الذي أطلق على هذا المرض يوهمنا، لأول وهلة، أنه مما يصيب النساء دون الرجال، فيكون - في هذه الحالة - من اختصاص أطباء الأمراض النسائية. غير أن التشخيص الدقيق أثبت أن جرثومة المرض متأصلة في الرجال أيضاً، وإن كانت أعراضه قلما تظهر إلا على النساء. لذلك يرى
стр. 225
العلماء ان الرجل هو بمثابة حامل الجرثومة وناقل المرض، وان كانت الضحايا في "الاكثر الأغلب" من النساء.
ولم يكن بد - بعد ان كثرت ملكات الجمال هذه الكثرة الهائلة - ان تتعدد أنواعها وأشكالها، فأصبحت هنالك ملكات للقرى والمدن والعواصم والأقطار والقارات، وملكات لبعض أعضاء الجسم، مثل ملكات الساق والأنف والأذن والحنجرة، وملكات لبعض السلع التجارية كملكة القمح أو الأرز أو البامية. ولا شك أن مجال التعدد والتنوع لا يزال واسعاً فسيحاً.
وبعد أيها القارئ الكريم! ما أظنك إلا مدركا ان هذه المبتدعات الغربية ما هي إلا من قبيل تمجيد الجسد الزائل الحائل، في زمن لم يتعلم أهله بعد كيف يمجدون الروح، ولا بد أن يمضي وقت طويل، بل لا بد أن تبدل الأرض غير الأرض، والناس غير الناس، قبل أن نسمع بملكات للصدق والأمانة، والوفاء والاخلاص.
الدكتور محمد عوض محمد
رئيس المجلس التنفيذي لمنظمة اليونيسكو
الملاحق - أزمة الحضارة الغربية يرجع أكثرها الى تفكك الأسرة وشيوع أدب الجنس
نشرت "حضارة الاسلام" في العدد الثاني ص ١٠٠ من المجلد الثالث ترجمة مقال كتبه الكاتب الاجتماعي "ج. س. يولاك" يتحدث فيه عن أخلاق الشباب في الغرب، وفوضاهم، وسلوكهم الشاذ ويحاول ان يبحث عن أسباب هذه المشكلة، ومما قاله:
إننا نلاحظ منذ سنوات ان عصرنا يفقد بالتدريج حرارة الحياة فيه ويخسر باطراد: الدفء والطمأنينة من القلب البشري، فحياة الفرد المعاصر لا تعرف الارتباطات والواجبات الاجتماعية كما عرفها إنسان الأمس، ولم يعد المرء يشعر نحو جواره بذلك الشعور الذي كان معروفاً في الماضي، كما ان روابط الأسرة لم تعد كما كانت، بل فقدت كثيراً من مقوماتها. إننا في الحقيقة وسائل للميكانيكية (التصنيع) التي غيرت كل الروابط الاجتماعية حتى روابط
стр. 226
الأسرة، إننا ويا للأسف ندفع ثمناً لما يعطينا التطور التكتيكي من أدوات، إننا نعاني خسارة مطردة في مادتنا الروحية دون أن نشعر.
وبعد أن يتحدث عن طبائع الجيل في الغرب يقول:
وهكذا ينقلب الفتيان حول الثانية عشر الى قطاع طرق، ويتحول الشباب والشابات الطبيعيون عادة في رقصة "روك أندروك" الى فوضويين مخربين، لقد بلغت خسائر رقصة روك اندروك وما نتج عنها من فوضى في احدى مقاهي برلين في الشهر الماضي مبلغ ٣٠٠,٠٠٠ شلن، وفي هامبورغ ١٢٠,٠٠٠ شلن.
ثم يتحدث الكاتب عن أثر كتب أدباء الجنس والأفلام السينمائية في وصول الشباب الى هذه الحالة فيقول:
إن ٦٢% من مجموع الفتيان هم زوار نظاميون للسينما، وبذلك نجد أن الفيلم يحتل مقعد التوجيه المنتظم لثلثي شباب اليوم، الفيلم بما يحمله من قصص قطاع طرق مجرمين وقصص خيانة اجتماعية، وما الى ذلك.
وإني لأتساءل هنا بشدة: ألم ينتبه المسؤولون حتى الآن كم لعبت السينما دور مدرسة المجرمين، بالاضافة الى السينما تلعب هذه "الكتيبات" الحقيرة التي تطبع منها ملايين النسخ، والتي يقبل الفتيان على قراءتها وتدوالها، بلهفة شديدة، إنها كتب لا تحوي سوى قصص الخيانة والاجرام.
لقد دلت الاحصاءات على أن ٤٠% من طلاب المدارس يقرؤون هذه الكتب، وأن كل واحد من هؤلاء يملك ما بين ١٠ إلى ٢٠٠ كتاب منها. ولقد اعترف احد هؤلاء الفتيان أنه يقرأ أسبوعياً ١١ كتاباً من هذه الكتب الجذابة. ويتابع الكاتب بحثه فيقول:
مخازن مفسدي الأطفال
ما أظن أن أحداً لا صلة له بالكتب السيئة ومخازنها يستطيع أن يقدر الأثر السيء الذي تسببه هذه الكتب. ان دور نشر كبيرة وعبيد الربح أيا كان مصدره يقومون بانتاج وتوزيع هذه الكتب الوسخة، مستغلين أوضاع الشباب النفسية وقلقهم واضطرابهم الداخلي، وحبهم للتطلع.
стр. 227
ان هذه الكتيبات تكنس كل ما في الفتوة من خجل واحترام وكيان، وتهدم كل مقومات صيانة الأخلاق الطبيعية التي يحملها في نفسه بحكم فطرته.
ما أظن أحداً يستطيع أن يقدر المقود الضخم الذي تملكه الكلمة المطبوعة بالنسبة للذين لم يتم نموهم بعد، والذين لا يزالون في منتصف مرحلة النمو، وخصوصاً تلك الكلمات المنتقاة، مثل: جنس، عمل اغتصابي، انحراف جنسي، ان لهذه الكلمات قوة هائلة على نفوس هؤلاء الشباب، وعلى سبيل المثال: فقد بلغ المشهد نهايته العظمى في أحد هذه الكتيبات التي التقطت من طفل في الثانية عشرة من عمره، وفي هذا المشهد يصور للطفل صورة انسان يحترق، لقد ورد في هذا الكتاب: هل رأيت شمعة إنسانية تحترق، وبشكل خاص عندما تقفز هنا وهناك وترجف مع قفزها؟ تماماًَ كما يفعل الديك الذي قطعت رقبته، لقد أوقدنا شمعة إنسانية منذ عدة أسابيع قفز رجل عالياً كالصاروخ وهرب الى بيته، وهناك ابتدأت النيران تشتعل فأحرقت الخزائن معه أيضاً زوجه وأطفاله.
إنه من طبيعة الفتيان الذين لم يبلغوا بعد امكانية الحكم على الأشياء حكماً صحيحاً، أن ينقلوا صور هذا العالم الثنائي البعد، عالم الكلمة المطبوعة، وعالم الصور المتحركة على الشاشة البيضاء، الى التنفيذ العملي، وتحت هذا الفيض الزاخر من عمل العنف وارتكاب الجنايات تنطفئ كل دوافع المسؤولية واحترام الانسان، وبهذا ينحني سلوك الفرد وتصبح عوامل العنف عنده أمراً طبيعياً، وبقدر ما يوجد من آباء واعين مسؤولين، يمكن أن تدرك هذه الحقائق كما يدركها آلاف من المربين والقساوسة وأطباء النفس.
.. ولكن لماذا لا نبحث عن مخططات لمعالجة الموقف؟ أما يشغل الوزارات غير رؤوس نائمة لا تدرك خطر الأفلام والكتيبات؟
الجنس ينمو أسرع من النفس
لم يعد في مقدور الآباء أن يقدموا لأطفالهم ما يملأ فراغ عالم إدراك الشاب الذي لم يبلغ من العمر الثلاثين أو الأربعين، وذلك بما تقدمه له الأفلام والصحف المصورة والتلفزيون من مشاهد لا يراعى في انتقائها واختيارها أي وقع لهؤلاء الفتية، ومن ثم تسلم ضمائر هؤلاء الأطفال الى اضطراباتها.
стр. 228
يضاف الى هذا أيضاً ذلك التعقيد المتمثل بنمو الطفل الجسمي أسرع من الماضي، متأثراً بهذا العالم التكتيكي حوله، وهذا ما أثبته الأستاذ A. Huhn في جامعة ميونيخ، حيث وجد أن ٩٥% من فتيان اليوم يمرون في سنة التطور الجسمي مع تأخر في النفسي، فالفتى الذي يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، والذي يبدو في المظهر أنه يبلغ ثمانية عشرة عاماً، هو في الحقيقة لا يتجاوز من حيث النمو النفسي اثني عشر عاماً.
ان الذرية الحالية تشعر بالرغبة في أن ترسم مخطط حياتها بنفسها في سن مبكر، في حين أنها في الواقع ليس لديها الاستعداد النفسي لذلك.
وأخيراً فقد كانت العائلة في الماضي تضم أفرادها مدة أطول تحت سلطانها، وليس الأمر كذلك بالنسبة لانسان اليوم، فسلطة والديه عليه ضعيفة، وما الأب سوى شكل جانبي في الأسرة، بينما كان يمثل الشخصية المحترمة الأولى التي تدير الأسرة وتقودها.
كثير من المال وقليل من التربية
إن إشتراك المرأة في العمل والوظيفة شغل جل وقتها، ونتج عن هذا أمر خطير هو شلل شعور الأمومة فيها، فلم يعد عند الأم فراغ تهتم به بأبنائها، بل تركت للمال الذي تقدمه لهم بسخاء، أن يعوض عن الحب والاهتمام بشؤونهم، وبهذا انعدم وجود نساء يستطعن ان ينمين في أطفالهن شعور الايثار والتضحية وحب الانسانية والاستعداد للعيش مع الآخرين بوئام وانسجام، لقد تحول العالم وتغير الانسان، وأصبحت الأمهات تتسابقن في تحقيق كل رغبة لأطفالهن، فتجاوز دلال الأطفال كل حد، وطفح كيل تزويدهم بكل حديث، وفتحت لهم أبواب تحقيق مسراتهم على مصراعيها: السينما والسيارة (أو الموتور) والالعاب الاوتوماتيكية، ومزاولة الرقص في كل ساعة من ساعات اليوم، حتى أصبحت هذه الامور من البديهيات .. ولكن الكلمة التي يجب أن تقال هنا:
إن الشباب الحالي يملك كثيراً من المال، وكثيراً من الوقت، وكثيراً من الحرية أيضاً، ولكن لا نجد أحداً يعتني بتكوينهم وتربيتهم، وقلما يلاحظ المرء أنه مع نماء المظهر الخارجي والسعادة الظاهرية للانسان، تنمو كذلك، صحراء داخلية في قلب كل فتى وفتاة.
стр. 229
إن ما ذكرناه في هذه الكلمة ليس في الحقيقة إلا محاولة بسيطة لمعرفة بعض الأسباب الرئيسية لمشكلة شبابنا.
الملاحق - نصيحة أشهر ممثلة في الاغراء للمراهقات بعد انتحارها
نشرت "حضارة الاسلام" في عددها الثالث للمجلد الثالث ص ٣٣١ ما يلي:
اكتشف المحقق الذي يدرس قضية انتحار مارلين مونرو رسالة محفوظة في صندوق الأمانات في مانهاتن بانك في نيويورك ...
ألقت هذه الرسالة بعض الأضواء على انتحار مونرو: اذ وجد على غلافها كلمة تطلب عدم فتح هذه الرسالة قبل وفاتها.
فتح المحقق الرسالة، وجدها مكتوبة بخط مونرو بالذات، وهي موجهة الى فتاة تطلب نصيحة مارلين عن الطريق الى التمثيل ...
قالت مارلين في رسالتها الى الفتاة والى كل من ترغب بالعمل في السينما:
احذري المجد ... احذري كل من يخدعك بالأضواء .. إني أتعس امرأة على هذه الأرض ... (لم أستطع أن أكون أماً ... ) إني امرأة افضل البيت ... الحياة العائلية الشريفة على كل شيء ... ان سعادة المرأة الحقيقية في الحياة العائلية الشريفة الطاهرة، بل ان هذه الحياة العائلية لهي رمز سعادة المرأة بل الانسانية ... وتقول في النهاية:
لقد ظلمني كل الناس ... وان العمل في السينما يجعل من المرأة سلعة رخيصة تافهة مهما نالت من المجد والشهرة الزائفة.
اني أنصح الفتيات بعدم العمل في السينما وفي التمثيل - ان نهايتهن اذا كن عاقلات كنهايتي ....
كيف تعيش ممثلات هوليود؟
وجاء في الصفحة نفسها من العدد المذكور:
هذا السؤال وجه الى بطل أفلام رعاة البقر المشهور (هيك اوبريان)
стр. 230
فأجاب: انهن كالمسحورات .. امنية الواحدة منهن أن تضيف الى شعرها الأشقر صبغة جديدة، وأن تستعمل آخر مبتكرات مساحيق ماكس فاكتور، ناسية ان الجمال لا يدوم، وان الجمهور لا يرحم ... وسريع النسيان .. وهوليود تعرف كيف تفتك بهؤلاء الممثلات اللواتي لا يعرفن السعادة أبداً ... وترى الواحدة منهن قبل أن تكبر تفضل الموت على الحياة ...
وسئل عن رأيه في انتحار الممثلة المشهورة مارلين مونرو فقال: كنت في لندن عندما سمعت بموتها ولقد صدمت لهذا الخبر .. ان هوليود هي السبب المباشر بمقتلها، وان هوليود تتحكم بعمالة السينما فترفعهم ساعة تشاء ... وتقضي عليهم ساعة تشاء .. لقد قست هوليود كثيراً على مارلين وعاملتها معاملة احتقار بعد ان استغلتها ... وهذه الطريقة من المعاملة لها اخصائيون في هوليود، انهم يعرفون وفي الوقت المناسب، كيف يقضون على الفنان الذي يكون قد أمضى زهرة شبابه تحت أضواء الاستوديو والنظام القاسي المعمول به ... ولا أريد أن أتكلم بأكثر من ذلك لأن ظروفي لا تسمح لي.
وقال: لقد كنت على علم بأنها ستموت قبل أن تموت .. كنت انتظر لها مثل هذه النهاية التعيسة ... وأضاف يقول ان فاتنات هوليود أكثر نساء العالم تعاسة! انهن دمى بيد تجار هوليود، وما على الفنانة لكي تصل الى الشهرة الا أن تبيع نفسها وارادتها وكرامتها، ثم لا تلبث أن تأتيها الضربة القاصمة بعد أن ينتهي دورها وتستنفذ مواهبها ...
الملاحق - انهيار الشباب في الغرب نتيجة لأدب الجنس
ونشرت "حضارة الاسلام" أيضاً في عددها الرابع للمجلد ص ٤٤٤ ما يلي:
في مؤتمر عقد أخيراً في الولايات المتحدة أعرب أحد الاخصائيين عن اعتقاده بأن موجة من "هستريا الجنس" أصابت العالم في السنوات الأخيرة، وترتب عليها زيادة نسبة المواليد غير الشرعيين في أكثر العالم، ويرجع ذلك الى تفكك الروابط العائلية، والى المثل السيئة التي يضربها الآباء والامهات للابناء والبنات، وإلى رواج الخمور والمكيفات والمثيرات الجنسية في السينما والصحف والمجلات؟
стр. 231
وفي العدد الثالث من المجلد الثالث من المجلة المذكورة نشرت مقالاً مترجماً بعنوان "يجب أن لا تلعنوهم" ننشره بنصه لما فيه من العظة التي ينبغي أن تفتح عيوننا وضمائرنا قبل أن يفلت الأمر فنقع في نفس ما وقع فيه الغربيون؟
ان مشكلة ارتكاب الفتيان للإجرام، عادت حديثاً على بساط البحث، ففي محاضرة حول "الفتيان والشرطة أكد الدكتور Otto Kornde أحد كبار موظفي الشرطة، أن السبب في تصرف الفتيان الاجرامي يقع بالدرجة الأولى على عاتق نضوجهم الجسمي بسرعة تفوق نموهم النفسي، الى جانب أسباب أخرى، مثل: "كثرة الطلاق" و "الغربة النفسية" بين الآباء والأبناء و "الفيلم" الذي يقوم بنصيبه في تعويد الفتيان "الجلافة" وحب الاجرام.
ولقد أوضح البروفسور Dinelt في بيت النقابات، ان تربية الفتيان اليوم أصعب منها في الزمن الماضي، لأن حصن الصيانة التربوي الوحيد هو العائلة السليمة، في حين ان التربية بواسطة عوامل التأثير من الوسط الخارجي، تعترضها مشاكل معقدة، وعقبات تستعصي على الحل، عد البروفسور منها، كظواهر سلبية، الانحراف الجنسي الخطر، بسبب ما يشاهده الفتى من حوادث "قبل استعداده لرؤيتها Vorzeitige Erlebnime " وقلة الخضوع أمام السلطة الحقة، وغلبة النزعة المادية، الى جانب نقص في الادراك لمعنى المال، إدراكا يتضمن فهما للمسؤولية، وميوعة تؤدي الى ذوق فاسد، والتواء في الشعور مشحون بغمغمة وانمياع في المفاهيم.
وفي محكمة الاحداث، بدأ النقاش حول الأخذ بالاجراءات الكفيلة بمنع اتصال الفتيان الذين عوقبوا مرة، بالفتيان الآخرين، وشكلت لجنة من أجل هذا الغرض، كانت تخبر كل يوم عن كثير من الحوادث التي يرتكب فيها الفتيان اعمال الشر.
وعلى النقيض من هذا، يقرأ القارئ رسالة "مشوه حرب" الرجل الذي تجوس به زوجته خلال الشوارع، فتراه يقول ان الدموع كانت تترقرق في عينيه، عندما يرى بعض الفتيان المظلومين "المتهمين عدوانا بما يرميهم به الناس" يساعدون زوجته، بشكل عفوي، معتبرين ذلك أمراً بدهياً. يرفضون عليه بعد ذلك أي شكر.
стр. 232
مؤسسة دار التربية:
انه لا شيء يوضح هذا الاختلاف بين فتيان مجرمين، وآخرين طبيعيين يقدمون المساعدة للمرضى والمشوهين، كزيارة لدار التربية Kaiser-Ebersdorf حيث يستطيع المرء هنالك، أن يفهم الوضع الصحيح لهؤلاء الفتيان.
أعمال المؤسسة وغايتها:
قبل سبع سنوات، منحتني وزارة العدل اذنا خاصاً بزيارة هذه المؤسسة وذلك بعد أن حصل فيها عصيان ناشد الفتيان فيه الرأي العام، وطلبوا منه أن يقف الى جانبهم؟
ولم يكن في وسعي أن أصمم على نشر انطباعاتي عن الدار في ذلك الحين، لأنها كانت لا تزال في دور التأسيس، ولكن لما ظهر في العام الماضي كثير من الأخبار المكذوبة عن هذه المؤسسة، بالاضافة الى أن البعض بدأ يجعل هذا الموضوع، الذي يهمنا ويهم كل انسان في النمسا، شهرة وتجارة، فقد صممت أن أنشر شيئاً عنه اليوم:
ان وظيفة هذه المؤسسة صعبة ومتشعبة، فهي ترمي الى التعرف على المنحرفين المحالين الى المؤسسة، تعرفاً كاملاً، "وحتى اذا اقتضى الأمر استعمال وسائل تشخيص ملائمة" من أجل تقديم العلاج الشافي من جميع العوامل المؤثرة وكذلك تنمية علاقة تربوية - موهبة - ذاتية لدى بعض المنحرفين، وجعلهم صالحين للعمل والوظيفة، وتوليد حب العمل عندهم بشروط ملائمة، الى جانب تربيتهم الجسمية الصحية، وتعويدهم كيف يقضون أوقات فراغهم، وتهيئتهم للشروط الاجتماعية التي من المحتمل أن يعيشوا فيها بعد فك سراحهم.
صعوبات وعقوبات:
ان بامكان المرء أن يدرك ان ادارة المؤسسة مهما كانت قوية، لا يمكنها ان تفي بالمطلوب، اذ لم يشارك الفتى المنحرف "المريض" نفسه في ذلك؟ وحتى لو فعل ذلك، لا يكفي أيضاً، ما دام المجموع لم يشاركوا "عائلياً" الموضوع تحت العلاج ... ذلك أن للأمر علاقة هامة بالضرائب والناحية المالية .. ومن جهة أخرى، فان وظيفة المصح ليست "مصحاً" بكل معنى الكلمة، وليس كذلك ان تنشىء في الفتى نقمة على الجو المحيط به باستعمال شدة مفرطة ...
стр. 233
وسأكتب فيما يلي ما قاله اثنان من هؤلاء الفتيان في العدد الخامس والعشرين من جريدة المؤسسة Derweg، التي يحررها الفتيان أنفسهم:
لقد أوضح ( Tritz) رأيه في صحافة اليوم، واشتكى من الأخبار الغريبة التي تنشرها هذه الصحافة، وقال: ان هذا ليس له الا نتيجة واحدة هي أن هذه المؤسسة ( Kaiser-Elerdorf) تكتسب مع الزمن سمعة سيئة لدى الرأي العام، فعندما يبحث أحد "الفتيان" الذي أصبحوا "أصحاء" عن عمل، يجد ان العثور عليه أمر صعب!
وقال الثاني ( Hainz) : علينا أن نعالج نقطة رئيسية: أي رئيس عمل أو مدير مصنع يقبل أن يعطي أحدنا عملاً؟ ومن منهم يمنحنا ذرة من الثقة؟ ومن منهم لم تكن لديه بعض المخاوف من أن نسرقه؟
من هم "المرضى" ومن الذي يحيلهم الى المؤسسة؟
أما المحيلون اليها فهم القضاة الجنائيون في محاكم الأحداث، وقضاة الرعاية والعناية فحسب، وليس لأحد غيرهم، كالشرطة والدرك، حتى ولا للأوصياء مثل هذا الحق، وعلى هؤلاء القضاة ان يتقيدوا بالفقرة ٢ من J.G.G والتي تحصر حق الاحالة على هذه المؤسسة بالفتيان الذين يرتكبون عملاً ممنوعاً معاقباً عليه في القانون، اذا أثبت التحقيق ان ارتكابهم لهذا العمل راجع لنقص في التربية.
ويجب على الفتى المحال أن يبقى ثلاثة أشهر مع المجموعة المقبولة حديثاً، تحت الرعاية الطبية والتحليلية النفسية، ومن ثم يمكنه أن يخرج من المؤسسة برفقة "مربي مجموعة"، وبعد ستة أشهر يمكنه أن يخرج وحيداً بواسطة بطاقة مرور.
وبعد أن يتم قبول هؤلاء الفتيان، يتصرفون كصغار الابقار أو الخيل حشرت في "اسطبل" تضيق به ذرعاً، فتراهم "يضربون بأرجلهم وحوافرهم" على الأرض، ويحاولون خرق الجدار برؤوسهم، أي إنهم يبدؤون بلعن الشرطة والآباء! ثم ما يلبثون أن يهدؤا عندما يدرك جلهم أنه يراد بهم الخير.
نتيجة:
ان هذه المؤسسة: K.E.D ليست سجناً للفتيان، ولا مؤسسة للأعمال
стр. 234
الالزامية، إنما تبغي تطبيق برنامج تربوي معين، فليس على نوافذها قضبان حديدية، والفتيان الذين ارتكبوا جريمة فعلاً، لا يتصلون بأولئك الذين ثبت عندهم نقص في التربية، ولم يرتكبوا جريمة بعد.
ولكن يبقى بعد ذلك كله، عدد من "البليدين" الذين لا يقدرون على تعلم ما يحتاجون اليه في حياتهم المستقبلية .... وهذا ليس بأمر غريب فان أمثال هؤلاء موزعون ضمن العائلات وفي الجيش والمعامل ... والنسبة بين القابلين للتحسس و "الشفاء" وغير القابلين له هي نسبة ثمانين الى عشرين.
جريمة النظام الاجتماعي:
وأراني هنا بشكل لا إرادي أتذكر قول غوته:
"أنتم قدتمونا الى داخل الحياة .... "
"أنتم جعلتم الفقراء يرتكبون الخطايا ... "
أتذكر هذا عندما أعلم أن بعض هؤلاء الفاسدين والمجرمين من الفتيان ممن فشلت هذه المؤسسة التربوية في علاجهم، قد ترعرعوا في بيئة فاسدة مليئة بالأخطاء والأوساخ ... لقد قال لي أحد الآباء مرة بالحرف الواحد: "إن أجمل أيام حياتي، يوم يقف ابني السارق أمام القضاء"!! كان أباً سكيراً مجرماً، لاعباً للقمار، وبعد أن أطلق سراح ابنه من المؤسسة السابقة، وهو في سن العشرين، تمكن هذا الابن من تحقيق أمنية والده! حين وقف أمام المحكمة، لتحكم عليه بالسجن لارتكابه جريمة السرقة، فهل يمكننا أن نلعن هذا الولد الذي أنجبه هذا الوالدظ "إن الإله الكريم قد أعطى أبناء هذا العصر آباء وأمهات، ولكنه لم يمنحهم والدين، هذه العبارة يمكنني أن أضعها عنوانا على موضوع بين قيمة وأهمية الوالدين في التربية، والدليل على ذلك، في المؤسسة نفسها: إن فيها من بين مائة فتى Zöglinge خمسة وسبعين لم ينشأوا تحت رعاية أبوية، بل ربوا تربية مهملة ... وبين الخمسة والعشرين الباقين، اثنان وعشرون انحدروا من أبوين عاملين ... وثلاثة فقط ترعرعوا في أحضان أبويهم.
المؤسسة وقيام المجتمع الصالح:
إن بإمكاننا أن نغلق هذه المؤسسات، عندما يقوم الآباء نحو أبنائهم بواجبهم التربوي الصحيح، غير أن خبيراً تعليمياً عارضني مرة بقوله "يجب أن
стр. 235
نربي الآباء أولاً، ولعل هذا الاعتراض صحيح لحد ما، خصوصاً ونحن نسمع من الآباء الاعتراض التالي: اذا لم يذهب كلانا (الرجل والمرأة) الى العمل، لنكسب قدراً أعظم من المال، فاننا لا نستطيع أن نشتري هذا ... ولا ذاك ... وهنا نضطر دوماً للإجابة على هذا الاعتراض، بقولنا: ان المطبخ الامريكي، والسجادة الجميلة، والزخارف والبورسلان، ليست ضرورية لتربية الطفل!
ان التربية الصحيحة في بيت الآباء (حيث لا تضطر المرأة الى العمل خارج المنزل) تعطي الولد القوة والقدرة على أن يقطع حياته الدراسية بسهولة ويسر، وتؤهله لدخول المعترك الاجتماعي بشكل صحيح، أليس هذا واضحاً من ٣٠% فقط من الفتيان المنحرفين عاشوا تحت رعاية (مهملة) من والديهم؟!
هل يقوم على تربية الأبناء من رزق بهم؟
وعلى الطريق، نحو بناء مستقبل اقتصادي عال، يتحطم الأزواج، وتتفكك الأسرة، ويقع الطلاق، والضحية بعد ذلك كله هم الأبناء، الذين لا يجدون من يقوم بأمر تربيتهم والاعتناء بهم، ويمكننا أن نرى نسبة الوالدين المنفصلين عن بعضهم بالطلاق، من الأبناء الموجودين في المؤسسة، الذين انحرف بهم مجتمعهم نحو الجريمة والفوضى، وفيما يلي إحصاء بسيط يبين هذه النسبة:
٢٥,٤% من عائلة غير متفككة (يعيش الأبوين معاً).
٢١,٢% من أبوين منفصلين.
٢٧,٣% من عائلات بدون أب.
١٠,١% من عائلات بدون أم.
٦% بدون أبوين.
ومن الملاحظ أنه في الحالة التي يعيش فيها الزوجان معاً، في حالتين منها، يعمل الوالد خارج منطقة سكنه، وهو بهذا لا يساهم فعلاً في التربية، وفي ثلاث أحوال: يوجد للآباء أبناء كثيرون، وقد دّلل أحدهم، في ثلاث أحوال أخرى: كان الآباء فيها مجرمين، وفي عشرة أحوال: كان الأجداد فيها كعوامل فاسدة في التربية، أكثر من مربين، وفي تسع أحوال: كان الآباء
стр. 236
مشوهي حرب أو عمل، أو في سن التقاعد، حيث لا يقدرون على القيام بأعباء التربية. هذا الى جانب أحوال أخرى: كان كلا الوالدين فيها - أو بعضهما - مدمناً على الشرب، أو أن الأم أو الأب مريض بمرض معضل أو أن النزاع بين الأم والأب ليس له حد، أو أن الوالدين كانا يدللان ابنهما "الوحيد" أو أن الأطفال - أخيراً - قد أصيبوا بجروح أو انفلونزا رأس، أو اضطرابات دماغ، أو التهابات الاذن الوسطى، أو تقيحات جوف الجبهة ....
عاطفة الحب:
وما أسميه عجباً في هذه المؤسسة، هو أنها نجحت في تحويل كثير من هؤلاء المشردين (الزعران) الى شباب نابهين، يسلكون سبيلاً حسناً، ويتصرفون تصرفات يرضى عنها، حتى أن بعضهم قد أطلق سراحه مبكراً ولم يتمكن "او لم يرد" مدير المؤسسة أن يشرح لي أسباب ذلك.
لكني لاحظت وعرفت أنه في الدار: K.E.B يجد الفتى لأول مرة في حياته من "يحبه" ويعطف عليه. نعم ان المربين والمساعدين والمعلمين يحبون هؤلاء الأطفال، كما يحب المرأ أخاه، وعندهم صبر وتفهم لأحوالهم، ولقد شاهدت بعيني "فتى" كان الشرطي يحاول ادخاله الى المؤسسة، ثانية، بعد أن عاد لارتكاب الجرائم عقب خروجه من المؤسسة كيف أنه وقف معانداً ارادة الشرطي، حتى أتى "مربيه" السابق، فانكب على قدميه يقبلهما ويطلب منه السماح.
وأخيراً:
ان بناء هذه الدار: K.E.B الضخم، والمشيد منذ ثلاثمائة عام لا يصلح لإجراء برنامج التربية، ولقد قال أحد النواب بعد زيارته لهذه المؤسسة: وراء هذه الجدران القديمة والمظلمة، لا يمكن أن يشفي انسان.
الملاحق - يوصي بسكرتيرته ويحرم زوجته
قالت مجلة حضارة الاسلام ص ٦١٩ من المجلد الثاني:
توفي أحد أثرياء مقاطعة تورمبيش بانجلترا، وعندما فتحت وصيته وجد أنه ترك كل أملاكه وهي: منزل ريفي كامل يقدر بـ ١٠ آلاف جنيه، وعقار، ومكتبه الخاص، وسيارته، و ٥٠ ألف جنيه في البنوك لسكرتيرته الحسناء (ماري
стр. 237
فيرا) ولم يترك لزوجته قرشاً واحداً، وكتب في وصيته: إنني لم أترك لزوجتي شيئاً لأنها كانت سبب شقائي وآلامي المستمرة ولا تستحق إلا الفقر والموت، وإني أترك كل أموالي لسكرتيرتي التي أحببتها وأخلصت لها واليها يرجع الفضل في التغلب على نكد زوجتي.
أقول: نحيل هذا الى الذين ينكرون غرائز الفطرة والحياة الواقعية، ما شرعه الله ويستنكرون الله من تعدد الزوجات!
الملاحق - حول خوف المجاعة تزايد سكان العالم
نشرت مجلة حضارة الاسلام ص ٢٤٩ من المجلد الأول مقالاً للكاتب "كريستوفرهوليس" نشرته مجلة "سبكتيتور" اللندنية وهو ما يلي:
هناك اعتقاد شائع في هذه الأيام بأن عدد سكان العالم في تزايده المستمر سيكون خطراً يهدد الجنس البشري في المستقبل القريب. وحجة أصحاب هذا ان عدد السكان في البلاد المختلفة يزداد زيادة مرعبة، بينما الانتاج يزداد ببطء بالغ، وفي رأيهم أنه ما لم تكتشف طريقة رخيصة لمنع الحمل وما لم تتكلف الحكومات لتحديد النسل في العالم، فان المشكلة ستكون في المستقبل مستعصية لا حل لها. ويحمل مثل هذا الرأي رجال هم صفوة المفكرين مثل بروفسور توينبي.
وفي رأيي أن هذا الاعتقاد لا صحة له. والواقع يثبت عكسه. وبين أيدينا احصائيات سكرتيرية الأمم المتحدة التي تقول ان الانتاج في الشرق الأقصى قد زاد في عشر السنوات الأخيرة بنسبة ٣% بينما زاد عدد السكان في المدة ذاتها بنسبة ١,٤%.
أضف الى هذا أن تحسن وسائل الانتاج سيزيد الانتاج نفسه: فانتاج الفدان من الرز في جاوا على الرغم من صلاحية الظروف لزراعته فيها، يبلغ ثلث انتاج الفدان من الرز في اليابان. وليست التربة في اليابان خيراً منها في جاوا لزراعة الرز.
وتقول التقديرات ان نحو ٥٠% من مساحة الأرض صالحة للزراعة، أما المستغل منها الآن فلا يزيد عن ١٠% فقط. وفي رأيي أننا لو استصلحنا
стр. 238
واستثمرنا كل الأراضي الصالحة للزراعة فان الانتاج سيكون كافياً لـ ٢٨ بليون انسان "أي عشرة أضعاف سكان الأرض الآن" وفي مستوى حياة المواطن في هولندا الآن، وهذا الانتاج نفسه يكفي لـ ٩٠ بليون انسان في المستوى المعاشي الذي عليه سكان آسيا.
وللتقدم العلمي الدور الأول في تحسين وسائل الانتاج، واستخراج الطاقات المحركة من الفحم والايدروجين المضغوط، ولن يمضي زمن طويل حتى نجد الطاقات الذرية، وقد استعملت على نطاق يخفف من أعباء الحياة على الانسان.
الملاحق - من أمثلة الانحلال الخلقي عند الغربيين
نشرت "حضارة الاسلام" في عددها الرابع للمجلد الثالث ص ٤٤٣ ما يلي:
في بعض الحفلات الخيرية! في بلاد الغرب تنظم مزايدات على "قُبل" الكواكب المعروفات، وقد دفع أحد الأثرياء في انجلترا خلال الحرب العالمية الأولى في حفل خيري ١٢,٠٠٠ جنيه مقابل تقبيل إحدى الممثلات المعروفات حينذاك، ودفع آخر منذ بضعة أشهر ١٥٠٠ جنيه في مناسبة مشابهة، وقد أوصى ثري في "مانشستر" بـ ٢٥,٠٠٠ جنيه لفتاة "تقديراً لقبلة منحته إياها أثناء احدى حفلات عيد الميلاد (أي ميلاد السيد المسيح نبي الطهر والعفة والحياء)!.
الملاحق - الحنين الى العهد الماضي
نشرت مجلة الاسبوع العربي اللبنانية في العدد ١٥٣ بتاريخ ١٤ أيار (مايو) المقال التالي بقلم "نازك باسيلان":
كانت كلمة "حريم" تعني منذ الأزمان البعيدة الحرم المقدس أو المعبد المحرم الدخول اليه، وقد أطلق هذا الاسم على القسم الخاص بالعائلة أي بالنساء والأطفال، والذي كان محرماً على الغرباء ولوجه، بينما سمح لهم
стр. 239
بالدخول الى باقي أقسام المنزل، ويرجع هذا التقليد الى ما قبل ظهور الاسلام شأن الحجاب تماماً، إذ لم ينفرد به المسلمون بل انتشر في أكثر الأقطار الشرقية قبل ظهور الاسلام بزمان بعيد، وقد كان هذا التقليد ترفا خاصاً بالأثرياء، إذ لم يكن في متناول يد أي رجل عادي أن يقيم في منزله حريماً خاصاً بالنساء، ومن جهة أخرى فقد كانت نساء الطبقة العاملة كثيرات التجوال والخروج في الطرقات سعياً وراء أعمالهن.
أما هندسة "الحريم" فكانت أنيقة تدعو الى البهجة والمرح، إذ اتسعت للجنائن الغناء تلونها الأزهار الجميلة وتجري بين خمائلها المياة غزيرة منعشة. وقد كان عالم المرأة ذاك جميلاً نعمت فيه بأيام سعيدة قد نستغربها اليوم، ونحن نسعى الى العمل مع الرجل وأحياناً كثيرة لاستباقه الى ما كان ينفرد به من كد وإرهاق.
وكثيراً ما كانت النساء يستقبلن المنجمين والأطباء والتجار الذين كانوا يحملون اليهن الأقمشة الجميلة والجواهر الثمينة، فيسرعن عندئذ الى ارتداء الحجاب كما لو كان عليهن أن يسرن في الطريق العام.
ولم يكن ليبرجن "الحريم" إلا لزيارة صديقاتهن أو لحضور بعض الحفلات العائلية أو الاحتفالات الدينية أو إذا أردن الذهاب الى الحمام، فقد كان للنساء إذن عالمهن الخاص المقتصر عليهن فقط، إذ حرم عليهن تماما الاختلاط بالرجال او استقبالهم والتحدث اليهم، إلا أن ذلك عكس ما يتبادر الى الأذهان لم يكن ليجعل من عالمهن عالماً رتيباً متشابهاً مملاً، إذ كن يقضين أوقاتهن في أعياد دائمة، نزهات في الحدائق الضاحكة حيث كانت المياه ترقص من الفرح وتعكس صورة حوريات جميلات محصنات، وأمسيات معطرة على الشرفات المنفتحة للنسيم ولضوء القمر، واستقبال الصديقات بنشر الورود والرياحين عند وصولهن وحرق بخور وعطور نادرة، وكانت تهل على أعيادهن المغنيات والراقصات ترافقهن جوقة من الموسيقيين.
إلا أن المرأة لم تكتف دائماً بتلك الحياة على ما كان فيها من الراحة والطمأنينة، بل اقتحمت في الجيلين الحادي والثاني عشر حقل المهن الحرة فكانت محامية وشاعرة وطبيبة فيما كانت نساء الشعب ينصرفن لشؤون منازلهن والى بعض الأعمال التي كانت من دخل الأسرة الضئيل كحياكة الثياب أو الصياغة أو رتي الثياب القديمة.
стр. 240
الحمام:
أما الحمام فكان يقوم مقام صالون التجميل الحديثة إذ كانت النساء يقصدنه مرة كل خمسة عشر يوماً، فيقضين فيه سحابة نهارهن كي يتسنى لهن الاستفادة من عمليات التجميل المختلفة.
كانت تصله المرأة منذ الصباح يتبعها خادم من الخصيان يحمل لها في علبة من الخشب المنقوش المشط والمرآة ومختلف العطور، فتغتسل متمهلة تساعدها عاملتان من الحمام، ثم تتناول طعام الغداء وتبدأ بعد ذلك عملية "الحنة" التي كانت منتشرة بين جميع النساء، وكان يأخذ شعرها اللون الذي تريد، كانت كل سيدة تسلم نفسها لأيدي المدلكة الماهرتين.
ويحين موعد الاعتناء بالوجه في ساعات النهار الأخيرة، فمن تدليك الوجنتين الى تكحيل العينين بكحل اصفهان الى ما هنالك من فنون تلك الأيام في تجميل المرأة وإبراز محاسنها.
وما ان تقترب الشمس من المغيب ويحين موعد عودتها للبيت حتى تنظر كل سيدة لنفسها في المرآة فترتاح لما تحلت به من حسن وانوثة، وهكذا كان يتسنى للمرأة أن تعيش أنوثتها وأن تتحسسها كامرأة جميلة محصنة مكرمة.
رحم الله يوماً كانت فيه انسانة مرهفة مرفهة بعيدة عن ارتداء البنطلون وزئير الموسيقى المجنونة وهز الوسط في أماكن غلفها الظلام وضاقت بأنفاس المعربدين! ..
الملاحق - سقوط الحضارة الغربية
ذكرنا في الكتاب ولواحقه كثيراً من أقوال المفكرين الغربيين، مما يدل على شعورهم بقرب سقوط حضارتهم.
ونحيل القارئ الآن الى كتاب "سقوط الحضارة" للكاتب الانجليزي "كولن ولسن" صاحب كتاب اللامنتمي".
ونحيل القارئ أيضاً الى كتاب "الساعة الخامسة والعشرون" تأليف "كونستنتان جيورجو" وهو يعلن في كتابه هذا قرب انتهاء الحضارة الغربية والأمل في نشوء حضارة روحية جديدة تنبعث من الشرق.
стр. 241
وقد نشرت مجلة حضارة الاسلام في عددها الثاني للسنة الثالثة مقالة عن هذا الكتاب بقلم الاستاذ محمد سعيد رمضان البوطي يوضح فيها ملامح الافكار الرئيسية لهذا الكتاب القيم فنلفت اليه الأنظار.
الملاحق - المرأة الموظفة عندنا تتمنى العودة الى البيت
نشرت جريدة الأيام الدمشقية في عددها الصادر بتاريخ ١٥ من جمادى الآخرة ١٣٨٢ الموافق ١٢ من تشرين الثاني ١٩٦٢ في زاوية "ضيف المحرر" أسئلة متعددة وجهة الى السيدة "عفيفة شماس شمة" الموظفة حالياً في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، والتي عملت عشرين سنة في مدارس اعدادية خاصة في بيروت وحماة وبغداد، وكان من جملة الأسئلة والأجوبة ما يلي:
- ... هل تحبذين الوظيفة للمرأة؟ وما هي المشاكل والصعوبات التي تصادف المرأة المتزوجة؟
وهل أجمل من بيتك يا أختي المرأة. تلك المملكة الصغيرة، ذلك الينبوع المتدفق دوماً، عطفاً وحناناً وتضحية؟
ليت الظروف تسمح لي أن أترك الوظيفة، فأنا أعمل لأنني مسؤولة وحدي، وإذا عملت المرأة فأشرف ما تعمل من أجله خارج البيت، هو التعليم ...
أما الصعوبات التي تصادف المرأة المتزوجة فعديدة، منها: إهمال أولادها وزوجها، وبيتها تلك البقعة المقدسة التي لا تملك - حقاً - سوها.
- ... ما هي الصفات التي يجب أن تتوفر في المرأة المثالية؟
أن تبقى المرأة، موضوع وحي وإلهام لرفيقها الرجل، فتجعل حياته نغمة روحانية سامية، مهما كان اتجاهها المادي (كذا).
أن تربي أولادها تربية صالحة، وأن تتمسك بعاداتنا العربية الأصيلة، فتحافظ أولاً وآخراً على شرفها لتبقى في منزلتها التي خصها الله بها، وهيأتها
стр. 242
لها الطبيعة لتتربع على عرش الأمومة، ذلك العرش الذي على المرأة وحدها أن تشيده وتثبت أركانه، لتؤدي لبلادها أجل الخدمات، تلك هي بنظري المرأة المثالية.
- ... هل توافقين على اشتغال المرأة في السياسة؟
إنني أرى بأن المرأة خلقت لا لتعمل في السياسة، بل لتصنع رجالاً يعملون في السياسة.
- ... ما هي مشاريعك للمستقبل؟
أن أعود الى مهنة التعليم لأخدم بلادي عن طريقها، ففيها التكوين والابداع والخلق.
أقول: هذا كلام المرأة العاقلة الحكيمة التي تجهر بالحق في قضية المرأة، برغم توظفها في إحدى مؤسسات الدولة، ولقد قالت ذلك بجرأة أدبية تشكر عليها ... ودلت بنات جنسها على الطريق الصحيح الذي ينبغي عليهن سلوكه، ولو أن كل السيدات الفضيلات اللائي يرين مثل رأيها، يعربن بمثل ما أعربت به، لقامت في بلادنا حركة نسائية بناءة تخدم أمتنا أفضل خدمة، ولعل ذلك سيكون ان شاء الله. فلقد آن للجمعيات النسائية والقائمات على شؤونها - وهنّ من كرائم سيدات المجتمع - أن يعالجن مشكلات المرأة في بلادنا معالجة بعيدة عن العاطفة، مستفيدة من تجارب الحضارة الغربية، مستمدة أسس اصلاحها من تشريعنا العظيم وديننا الحكيم، وإنهن لفاعلات إن شاء الله وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
تنبيه: لم نر حاجة لاثبات المراجع في آخر الكتاب لأننا ذكرناها خلال الكتاب، أما المراجع فيما ذكرناه من قضايا الأحوال الشخصية، فقد ذكرناها في آخر الجزء الثالث من شرح قانون الأحوال الشخصية، فلمن شاء أن يرجع اليه.