الحاجات إلى الإصلاح
لم يكن بدٌ وقد بدأ اتصالنا بالحضارة الغربية في مستهل هذا القرن تقريباً، من أن تتجه افكار المصلحين الاجتماعيين الى معالجة قضية المرأة عندنا بعد أن وصلت إلى ما وصلت اليه في عصور الانحطاط: من الاهمال والافتئات على كثير من حقوقها حتى غدت غير ذات أثر فعال في تطور مجتمعنا والنهوض بأمتنا.
طريقان للاصلاح:
وكان جمهور هؤلاء المنادين بالاصلاح: ذوي اتجاهين متباينين في كثير من نقاط الرأي:
١ - فالذين درسوا الاسلام وعلموا ما جاء فيه من اصلاح عظيم لشؤون المرأة، والذين آمنوا بوجوب احتفاظ المرأة عندنا بخصائصها كامرأة عربية مسلمة، أخذوا ينادون بوجوب الاستفادة من تراث الاسلام وتجارب الأمم في اصلاح المرأة وإنهاضها.
٢ - والذين بهرتهم أنوار المدنية الغربية وغرتهم مظاهر حياة المرأة الغربية، أخذوا ينادون بوجوب اتباع النهج الغربي في رقي المرأة عندنا وإنهاضها من كبوتها.
هذان هما الاتجاهان الرئيسيان اللذان انقسم اليهما دعاة الاصلاح، وطبعاً إنني أسقط هنا أولئك الذين أعجبهم وضع المرأة على ما هو عليه تماماً، فلم يروا حاجة لادخال أي تبديل أو تغيير في حياتها .. هؤلاء لا أتحدث عنهم لأني لست أراهم قوماً عمليين ولا مدركين خطورة بقاء المرأة على ما توارثته من عهود الانحطاط والتخلف.
وكان لا بد لاتجاهات الفريقين المتباينين في وجهات النظر في طريق اصلاح المرأة من أن تعكس على قوانينا في عصر النهضة الذي نعيش فيه فجاءت فيها أحكام مستمدة من الفقه الاسلامي، وأحكام تخالفه، وأنا متحدث عن أهم هذه الأحكام بقدر ما أستطيع من إيجاز يسمح به الوقت:
стр. 37
نواحي الاصلاح:
نستطيع أن نقسم الاصلاحات أو الأحكام التي دخلت في قوانيننا لاصلاح حالة المرأة والهوض بها الى أقسام رئيسية ثلاثة:
أ - ... في نطاق الأحوال الشخصية.
ب - في نطاق الحقوق السياسية.
ت - في نطاق الحقوق الاجتماعية.
стр. 38
في الأحوال الشخصية
стр. 39
في الأحوال الشخصية - في الزواج
من المعلوم أن أحكام الأسرة عندنا كانت تؤخذ من مذهب أبي حنيفة ﵀ خلال مئات السنين، وكذلك كان الحال في لبنان والأردن ومصر والعراق، كما كانت تؤخذ من مذهب مالك في كل من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وكانت تؤخذ من الشافعي في الحجاز وبعض البلاد الأخرى، وتؤخذ من مذهب أحمد في السعودية والكويت وأمارات الخليج العربي.
وحين تخاصم الناس فيما بينهم ويتحاكمون الى فقيه من فقهاء الشريعة. كان كل فقيه يفتي بمذهبه الذي يتمذهب به.
ولا شك في أن كل مذهب قد يحتوي من الأحكام ما لا يتفق مع مصالح الأسرة، وبخاصة بعد تطور الحضارة والعادات والتقاليد، لذلك بدأت الدولة العثمانية في أواخر عهدها باصلاح ما تراه ضرورياً من أحكام القضاء في شؤون الأسرة، فأصدرت في عام ١٣٣٦ هقانون حقوق العائلة الذي أخذ بعض أحكامه من آراء في المذهب الحنفي نفسه، ومن آراء من المذاهب الاجتهادية الأخرى، كما أخذت مصر تسن في بعض مسائل الأحوال الشخصية قوانين تأخذ فيها بآراء غير المذهب الحنفي، فصدر في عام ١٩٢٠ القانون رقم ٢٥، وفي عام ١٩٢٩ القانون رقم ١٥، كما صدر في عام ١٩٤٣ القانون رقم ٧٧ وهو المتضمن لأحكام المواريث، وصدر في عام ١٩٤٦ القانون رقم ٧١ وهو المتضمن لأحكام الوصية كلها.
وقد صدر في سورية عام ١٩٥١ قانون الأحوال الشخصية شامل لأحكام الزواج وانحلاله، والأهلية والوصية والمواريث. وقد أخذت بعض أحكامه من آراء المذاهب الاجتهادية غير المذهب الحنفي، ونص في آخر مادة منه (المادة ٣٠٨) على أنه في الحالات التي لا يوجد عليها نص في القانون يعمل فيها بمذهب أبي حنيفة.
وكذلك صدر في كل من الأردن وتونس والمغرب والعراق قوانين جديدة تنظم أحكام الأسرة من المذاهب السائدة فيها. وقد تضمنت بعض هذه القوانين أحكاماً جديدة في أحكام الأحوال الشخصية كالمواريث تخالف أحكام الشريعة صراحة.
стр. 40
ومما تميز به قوانين الأحوال الشخصية التي صدرت حديثاً في البلاد العربية أنها أزالت كثيراً من الشكوى التي كان يشكو منها الناس نتيجة التقيد بمذهب معين كما كان العمل عليه في المحاكم الشرعية، مع أنه ليس لذلك سند من شريعة أو مصلحة. وسأقتصر في بحثي هذا على أهم الاصلاحات التي تضمنها قانون الأحوال الشخصية السوري ومثله في القوانين المصرية، ولعل مثله جاء في القوانين العربية الأخرى.
стр. 41
١ - في الزواج
١ - منع زواج الصغار دون سن البلوغ
ذهبت الآراء الاجتهادية في المذاهب الأربعة وغيرها الى صحة زواج الصغار ممن هم دون سن البلوغ، واستندوا في ذلك الى اجتهادات من نصوص القرآن الكريم، وإلى وقائع حدثت في عهد النبي ﷺ والصحابة والتابعين.
وخالفهم في ذلك عدد قليل من الفقهاء منهم ابن شبرمة والبتي، فذهبوا الى عدم صحة زواج الصغار مطلقاً، وأن العقد الذي يعقده أولياؤهم نيابة عنهم يعتبر باطلاً لا يترتب عليه أثر ما.
ولا شك في أن حكمة التشريع من الزواج يؤيد هذا الرأي، وليس للصغار مصلحة في هذا العقد، بل قد يكون فيه محض الضرر لهم، إذ يجد كل من الفتى والفتاة نفسه بعد البلوغ مجبراً على الزواج بشخص لم يؤخذ رأيه في اختياره، وقد لا يتفق معه في المزاج والأخلاق والطباع وقد يكون احدهما سيء الأخلاق، الى غير ذلك مما يقع كثيراً.
والذي يحمل الناس - وخاصة في الريف - على اجراء مثل هذه العقود رغبة الوليين - وقد يكونان أخوين في ربط أسرتيهما برباط المصاهرة لمصلحة عائلية أو مادية أو شخصية، ومثل هذه المصالح لا يقيم لها الشرع وزنا، ولم تعد في حياتنا الحاضرة محل اعتبار بالنسبة للسعادة الزوجية، ووجوب الاحتياط لكل ما قد يؤدي بها الى الضعف أو التفكك.
لقد كان الأمر قديماً في مجتمعنا أن الفتاة لا رأي لها في اختيار الزوج، بل أبوها يزوجها بمن يريد أو تريد أمها، وما دام كذلك فمن السهل عليهم أن يزوجوها وهي صغيرة فاذا كبرت وجدت نفسها ملزمة بهذا الزواج لا تستطيع أن تبدي عليه اعتراضاً، وإلا كان نصيبها التأنيب والاهانة وقد يصل الأمر الى القتل اذا أصرت على الرفض والامتناع.
стр. 42
وهذا أمر لا تقره الشريعة. ولا تبيحه مصلحة الأسرة والمجتمع وفيه عدوان صارخ على حق الفتى والفتاة في اختيار كل منهما من يشاء لبناء حياته الزوجية المرتقبة. وقد أيدت التجارب فساد مثل هذا النوع من الزواج وفشله وكثيراً ما ينتهي بجرائم خلقية أو عدوانية.
ومن هنا أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري بمبدأ عدم صحة زواج الصغار، وأن أحداً لا يملك تزويجهم ولياً كان أم وصياً، وإن كان ذلك كان لغواً لا أثر له. وقد اقتضى قانوننا في ذلك إثر قانون حقوق العائلة العثماني.
أما قانون مصر فقد منع سماع دعوى الزوجية في مثل هذه الحالة، ومعنى ذلك أن العقد صحيح ولكن المحكمة الشرعية لا يمكنها تسجيله، ولعل عذرهم في ذلك واقع الريف المصري، فان زواج الصغار منتشر جداً، فأرادوا احترام الأوضاع الاجتماعية القائمة، واعتبروا عدم سماع الدعوى في هذا الزواج خطوة أولى في طريق إيقافه.
والذي نراه أن ما فعله قانوننا أصح وأحزم.
٢ - تحديد سن الزواج
ليس في الفقه الاسلامي تحديد لسن الزواج، بل أحكامه العامة قاضية ببلوغ الرشد حين البلوغ الجنسي فعلاً، أو تقديراً بخمس عشرة سنة ولكن قانون الأحوال الشخصية جعل سن الأهلية الكاملة للزواج ثمانية عشر عاماً للفتى، وسبعة عشر عاماً للفتاة، وأجاز القانون للفتى اذا بلغ خمسة عشر عاماً، وللفتاة اذا بلغت ثلاثة عشر عاماً، وأرادا الزواج، أن يتقدما بطلب الى القاضي للاذن لهما بعقد الزواج. فاذا وجد القاضي أن جسميهما يحتملان الزواج ووافق الأب أو الجد فقط على ذلك، يسمح لهما بالزواج وإلا فلا.
وليس لهذا التحديد مستند من آراء الفقهاء الاسلاميين، ولكنه أخذ عن القوانين الغربية، وللغربيين بيئتهم وأوضاعهم الخاصة، غير أني لا أرى هذا التحديد متفقاً مع مرحلة البلوغ الجنسي لكل من الفتى والفتاة في بلادنا، ولا يتفق مع المصلحة الأخلاقية العامة، فيجب أن يسمح بالزواج منذ البلوغ الجنسي، والفتى والفتاة وأولياؤهما أدرى بالمصلحة متى تكون في الزواج، أهو بمجرد البلوغ أم بانتظار سنوات بعد ذلك، وتدخل القانون في هذا الموضوع لا معنى له، بعد أن فتح الباب بالسماح بالزواج بمجرد البلوغ الجنسي ولكن
стр. 43
عن طريق اقتناع بأن جسم الفتى أو الفتاة يحتمل الزواج! .. كأن القاضي أغير على مصلحة الفتى والفتاة منهما أو من أوليائهما!
على أني لم أجد فائدة لتدخل القاضي في هذا الموضوع، فالآباء الراغبون في زواج بناتهم قبل بلوغهم سن الزواج القانوني يلتمسون من الحيل ما يفسد احتياط القانون لذلك، ومن أهم هذه الحيل أن يعرضوا على القاضي أو مندوبه شقيقة الفتاة الكبرى، أو بنت عمها، أو احدى قريباتها أو احدى جاراتها على أنها هي التي يراد زواجها، فيوافق القاضي ... فما فائدة هذا التدخل؟ ولم ندخل القاضي في مثل هذه المشاكل؟
إن عصرنا عصرٌ وعى الناس لمشكلاته تماماً، فالفتاة تعرف مشكلات الزواج ومتاعبه، فلا توافق أولياءها على الزواج إلا وهي مقتنعة بأن مصلحتها فيه، وكذلك أولياؤها يعرفون متاعب الزواج المبكر جداً، فاذا رغبوا في زواج فتاتهم بعد بلوغها بسنوات قلائل كان ذلك عندهم أنه في مصلحتها.
قد يقال: إن بعض الآباء يرغمون بناتهم على الزواج وهن في سن مبكرة رغبة في منافع مادية يؤملونها.
والجواب على هذا بأن مذهب أبي حنيفة - وهو الذي أخذ به في قانون الأحوال الشخصية - أن الفتاة متى كبرت لا يستطيع أبوها أو أولياؤها إجبارها على قبول الزواج، بل لابد من رضاها، وفي هذا ضمانة كافية لمنع تسرع الآباء في تزويج فتياتهم رغبة في منافع مادية.
الزواج المبكر
إنني من أنصار الزواج المبكر نسبياً، فالزواج المبكر أحفظ لأخلاق الشباب، وأدعى الى شعورهم بالمسؤولية. وهو أفضل لصحة الزوجين، وللزوجة بصورة خاصة.
وقد ثبت علمياً - كما أيده الدكتور فيكتور بوجومولتز في كتابه "من الجلد الى الذهن" وترجم أخيراً بعنوان "عش شاباً طول حياتك" - ان انجاب الأطفال شيء مهم جداً في حياة المرأة من كل ناحية، ولم يقرر أحد من المختصين أن تعب البنية من كثرة الولادة قاض عليها، ويقول (ص ٦٨):
"إن من المؤكد أن عملية الحمل والولادة عامل حيوي جداً في نشاط بنية المرأة، ولست أميل الى القول بأن المرأة تتعرض لتقصير حياتها بافراطها
стр. 44
في انجاب الذرية، فكلنا نعرف نساء أنجبن كثيراً من الأولاد، وعمرن طويلاً جداً".
"اذا رجعنا الى أمثلة معينة بين من نعرف فربما بدت لنا القوة التناسلية دليلا على حيوية خارقة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك. فلاح روسي اسمه "فيودور فاسيليان" يبلغ من العمر خمساً وسبعين، وقد أنجب ثلاثة وثمانين طفلاً من زوجتين متعاقبتين، فقد ولد له من الأولى أربعة توائم، أربع مرات متتالية، وثلاثة توائم، أربع مرات متتالية أيضاً، وتوأمان ست عشر مرة، وولد من من زوجته الثانية الحالية ثلاثة توائم مرتين، وتوأمان ست مرات، وخمسة أطفال فرادى".
ثم يقول هذا الطبيب:
ولكن مثل هذه الحالات لا تعتبر تفسيراً مقنعاً في نظر العلم، وإن المقطوع به أو الولادة مفيدة عموماً لبنية المرأة، وقد لاحظ العلامة "ألكس كاريل" أن الاناث من ذوات الثدي قد لا تصل الى غاية نموها إلا بعد الحمل مرة أو أكثر، فالحمل عند المرأة من عوامل توازنها الحيوي، أما تكاليفه من المتاعب فلما يصاحبه من ظروف عارضة، ولهذا يعتبر الطب الظاهري الحياة الجنسية والتناسلية على أعظم جانب من الأهمية لدى المرأة، ويميل الى تشجيع النشاط الجنسي (المشروع لمصلحة أعضائها واستدامة شبابها واطالة عمرها).
وأريد بهذه المناسبة أن أتحدث عن تأخر الشباب والشابات وبخاصة الطلاب والطالبات - في الزواج الى الوقت الذي يضمنون فيه مستقبلهم بعد تخرجهم، وهذه ظاهرة خطيرة أدت الى مساوئ اجتماعية لا عداد لها.
إن الزواج اذا يسرت وسائله وقضي على التقاليد السيئة فيه يصبح أمراً عادياً جداً، فالطالب الذي ينفق عليه أبوه يستطيع أن يضم اليه زوجة في نفس الغرفة التي يسكن فيها دون أن يرهق والده.
ويجب أن نفرق بين الزواج وبين انجاب الأولاد، فقد أصبح من الممكن علمياً الآن إيقاف إنجاب الأولاد الى الوقت الذي يصبح فيه الزوجان قادرين على الانفاق على الأولاد.
والمهم أن تبكير شبابنا وشاباتنا في الزواج يعصم أخلاقهم من
стр. 45
الانحراف، ويهدئ أعصابهم، ويقيهم أخطار الانفعالات النفسية ذات الأثر الضار في دراستهم واتجهاههم السلوكي في الحياة.
وقد جاءتنا الأنباء بأن زواج الطلاب بالطالبات في جامعات أمريكا قد أصبح "الموضة" المنتشرة بينهم، وبلغ عدد المتزوجين من الطلاب والطالبات في إحدى الجامعات الأمريكية الكبرى أربعين في المائة، وجاءت الأخبار من إنجلترا بأن هذه "الموضة" قد سرت الى جامعاتها أيضاً، ويؤيد عدد من أساتذة الجامعات في أوروبا وأمريكا هذا الاتجاه الجديد بين الطلاب والطالبات، وقد صرح البروفسور هاردن أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد بأن الزواج المبكر لا يضر كما يعتقد البعض، وخاصة بين طلاب وطالبات الجامعة. إن الظاهرة التي يشاهدها الناس في الجامعات هي ظاهرة طبيعية وجد مفيدة، فالطالب المتزوج يدرك قيمة مستقبله (جريدة الوحدة الدمشقية) ٥/ ١١/١٩٦١.
إنني كأستاذ جامعي وكمتزوج أشجع وأدعو طلابنا وطالباتنا الى الزواج بعضهم من بعض، وأنا كفيل لهم بحياة سعيدة هانئة، وذلك يقتضي شبابنا وفتياتنا أن يبدؤا بأنفسهم بالثورة على التقاليد السيئة التي ترافق الزواج وتجعله عبئاً مالياً ثقيلاً، وحسب الفتاة أن تقول لأبيها وأمها إنني أرضى بالزواج في غرفة شاب يقيم مع أسرته إلى أن يتيسر له الانفراد بسكن مستقل، وحسب الشاب أن يفعل ذلك، ومتى بدأ به بعض أفراد منهم أصبح أمراً مألوفاً يحتذيه اخوانهم من بعدهم.
ولا بد لي من التوجه أيضاً الى الجمعيات النسائية بأن تحمل لواء الدعوة في الأوساط النسائية الى نبذ تلك التقاليد التي نشكو منها جميعاً، وان تحاربها في اجتماعاتها ونشراتها وندواتها بكل ما وسعها الجهد، فذلك خير عمل تقدمه لجيلنا وللأجيال الآتية من بعده.
إن جيلنا المثقف جدير بأن يضرب أول معول في بناء هذه التقاليد الضارة ...
٣ - منع الفرق الكبير في السن بين الزوجين
في المجتمع الواعي الذي يقدر القيم الأخلاقية والمعاني الاجتماعية النبيلة، يترك التشريع لابنائه تقدير الظروف والمناسبات التي يباح فيها الشيء أو يمتنع مما يختلف باختلاف الدواعي والأسباب.
стр. 46
ومن ذلك أن الشريعة الاسلامية اكتفت ببيان الحكمة من الزواج وبيان غاياته الاجتماعية النبيلة: من كونه سبباً لسكن النفس واطمئنانها، وقيامها بواجباتها وبناء خلية اجتماعية صالحة تمد المجتمع بنسل صالح قوي عامل.
ولم تضع حداً لفارق السن بين الزوجين، فذلك مما تتنبه له العقول السليمة وتعيه الارادة الحكيمة، والناس في هذا مختلفون، فكم من متقدم في السن أكثر قدرة على القيام بواجباته الزوجية، وأكثر استعداداً لاسعاد زوجته وملء بيتها رغداً وهناءاً من كثير من الشباب.
إلا أن بعض الناس قد تعميهم المصلحة العاجلة عن الضرر الآجل وتهمهم مصالح أنفسهم قبل مصالح أبنائهم وذويهم، وقد يرون في الثروة والجاه وسيله للسعادة دون الفتوة والقوة والشباب، فيقدمون على تزويج بناتهم من شيوخ يعجزون عن القيام بواجباتهم الزوجية، ويستحيل أن تكون حياة الفتاة معهم حياة قلب وروح، بل حياة أشباح تتهاوى، وقبور تفتح لتستقبل أصحابها.
مثل هؤلاء يسيئون الى بناتهم بالغ الاساءة، والشريعة وإن لم تنص بصراحة على منعهم من هذا العمل إلا أن روحها وأهدافها التي أعلنتها من شرع الزواج تمنعهم منه وتشنع عليهم صنيعه.
وقد نص بعض الفقهاء على حرمة ذلك، قال القليوبي في حاشيته على المنهاج: ويصح أن يزوج بنته الصغيرة بهؤلاء (عجوز وأعمى) وإن حرم عليه، قال الجمهور: (انظر: ٣/ ٢٣٠).
فأنت ترى أنهم فرقوا بين صحة العقد وبين حرمته، فالعقد وإن كان صحيحاً، فيه حرمة اتفق عليها الجمهور، وهذا ما يعبر عنه الفقهاء بتعبير آخر يجوز قضاء ويحرم ديانة.
وكثير من الناس لا يردعهم القول بحرمة الشيء عن اتيانه ماداموا يرونه صحيحاً، ولذلك كثر في الأيام الأخيرة تزويج فتيات في مقتبل العمر طمعاً في ثروة الأزواج وجاههم ووراثة ممتلكاتهم، ومن المؤسف أن الفتيات أنفسهن قد يكن راغبات بهذا الزواج للبواعث ذاتها، وهذه البواعث غير كريمة في نظر الخلق ولا مرضية في نظر الشريعة، ومثل هذا الزواج لا يعصم الزواج الفتاة ولا يحقق لها الهناء والاستقرار لذلك وجب أن يتدخل المشرع في منعه، عملاً
стр. 47
بالسياسة الشرعية، فلولي الأمر منع المباح اذا نشأت عنه مفسدة، فكيف اذا كان حراماً؟
وبذلك أخذ قانوننا في وجوب تقارب الزوجين في العمر، ونص على أنه اذا كان الفارق كبيرا ولا مصلحة في هذا الزواج فللقاضي أن لا يأذن به. ونعم ما فعل.
غير أن القانون لم يحدد للفارق سناً معينة، وقد جرت محاكمنا الشرعية على اعتبار الفارق المسموح به ما كان دون العشرين عاما، فان زاد على ذلك كان غير مسموح به، وقد يكون هذا مقبولاً على وجه العموم.
٤ - منع تحكم الولي في الزواج:
لا تزال التقاليد في مجتمعنا - وبخاصة في الريف - تكاد تسلب الفتاة حريتها في اختيار الزوج، والأغلب أن يفرض عليها من يريده الأب، أو ترضاه الأم وهي بواقعها كفتاة عذراء تستحي أن تبدي رأيها، وبواقع المجتمع الذي تعيش فيه لا يحق لها أن تعترض على ارادة أبيها وأوليائها وكثيراً ما أخفق الزواج في مثل هذه الحالات، وجر وراءه مآسي كثيرة.
وليس لهذا سند صريح من الشريعة، إلا أن بعض المذاهب الاجتهادية ذهبت الى أن الأب يستطيع اجبار فتاته البكر - دون الثيب - على الزواج ويستحب له أن يأخذ رأيها.
وخالف في ذلك أبو حنيفة ﵀ ومن وافقه، فقالوا: ليس للأب ولا لغيره من الأولياء اجبار البنت البكر البالغة على الزواج، ويجب على الأب أو الأولياء استئمارها في الزواج، فان وافقت عليه صح العقد وإلا فلا.
وقد كان العمل - ولا يزال - في المحاكم الشرعية جارياً على الأخذ برأي أبي حنيفة، فلم يكن للأب أو الأولياء سبيل إلى اعنات الفتاة واجبارها على الزواج بمن لا تريد.
غير أن أبا حنيفة ومن معه يرون من حق الأولياء الاعتراض على رغبة الفتاة في الزواج بمن تحب عن طريق الادعاء بأمرين:
الأول: عدم كفاءة الزوج، وللكفاءة عند أبي حنيفة وغيره مقاييس من الحسب والمهنة ومكانة الآباء والجدود والغنى وغير ذلك مما يفتح المجال
стр. 48
واسعاً أمام الأولياء الجاهلين للتحكم في زواج بناتهم إذا لم يوافقوا على مكانة عائلة الخاطب وثروته وغير ذلك.
الثاني: عدم مهر المثل، فاذا زوجت الفتاة نفسها بأقل من مهر مثلها كان لأبيها أو لأوليائها فسخ العقد لأنه مما تلحقهم فيه المعرة.
ولا شك أن تطور الحياة الاجتماعية يقتضي تغيير النظرة الى هذه المسألة تغييراً أساسياً، ولذلك عالجها قانوننا للأحوال الشخصية معالجة موفقة.
فمن حيث الكفاءة أقر القانون اشتراط الكفاءة بين الزوجين، هذا من حيث المبدأ لضمان سعادتها وتفاهمهما، ولكنه ترك تحديد الكفاءة الى عرف البلد الذي يجري فيه العقد، وهذا إجراء حكيم مرن يمكن تطبيقه في كل وقت بما يكفل هناءة الأسرة.
وجعل القانون من حق الأب الذي تزوجت فتاته في سن الزواج القانوني بغير رضاه أن يعترض لدى القاضي بعدم الكفاءة فحسب، فان تحقق القاضي عدم الكفاءة فسخ العقد وإلا أجراه.
وبهذا حال القانون دون تعنت الآباء أو الأولياء في زواج فتياتهم.
وبقي في القانون مشكلة على مذهب أبي حنيفة، وهي ما إذا عقدت فتاة في السادسة عشرة من عمرها زواجاً من كفءٍ ولم يوافق أبوها على ذلك، فان هذا العقد لا يستطيع القاضي إجراءه بحسب نصوص القانون، وهو صحيح على مذهب أبي حنيفة قولاً واحداً.
أما مهر المثل فقد ألغى القانون اعتباره تماماً، ولم يجعل للأب حق الاعتراض بسببه، وقد أحسن القانون في ذلك صنعاً، فان المهر في الاسلام رمز لاكرام المرأة والرغبة في الاقتران بها، والتعيير بنقصانه صنيع البيئات الجاهلة التي تغفل الحكمة من مقاصد الزواج وحكمة المهر فيه، ومثل هذا لا يقيم له الاسلام وزناً، وبذلك قال الأئمة المجتهدون غير أبي حنيفة.
٥ - الشروط في عقد الزواج
قد تكون للزوجة مصلحة في اشتراط أمر معين في عقد الزواج، فما هو موقف الشريعة حينئذ؟
إن الشريعة تنظر الى مصالح الناس بلا ريب، وتسعى الى تحقيق ما لا
стр. 49
يتنافى منها مع مقاصد الشريعة أو مبادئ النظام العام، أو مصلحة الجماعة بوجه عام.
وللفقهاء مسالك معروفة في الشروط في العقود، ما بين متشددين في عدم السماح بها إلا في نطاق ضيق، وما بين متسامحين في قبول كل شرط إلا ما خالف مبادئ الشريعة وأنظمتها، وهؤلاء هم الحنابلة، ولكل مذهب ادلته التي استند اليها في تحديد الشروط التي يقبلها أو يرفضها.
أما في عقد الزواج فالاجماع منعقد على أن كل شرط فيه يخالف نظامه الأساسي يعتبر لغوا وباطلاً، وذلك كاشتراط أن لا تدخل في طاعته، أو أن لا ينفق عليها.
واختلفوا فيما وراء ذلك، والذي عليه فقهاء الحنفية وهو الذي كان معمولاً به في المحاكم الشرعية عندنا قبل صدور قانون الأحوال الشخصية عام ١٩٥١ أن كل شرط لا يقتضيه العقد ولا يلائم نظامه، ولم يرد نص خاص بجوازه، وليس مما جرى به العرف، فهو شرط فاسد، بمعنى أن العقد صحيح والشرط لاغ لا قيمة له ولو تراضيا عليه في العقد.
وعلى هذا فلو اشترطت عليه أن لا يسافر بها من بلدها، أو أن لا يتزوج عليها صح العقد ولغا الشرط، وله بعد ذلك أن يسافر بها، وأن يتزوج عليها، وإن كان الأولى أن يفي بما ارتضاه عند العقد، لأن الله رغب في الوفاء بالعهود والمواثيق.
لقد كان ينشأ من تطبيق هذا المبدأ ضرر بالغ بالمرأة، وتغزير خطير بها فهي ما أقدمت على العقد إلا بناء على ما اشترطته فيه لمصلحتها، وقد قبل الزوج بذلك، فعدم وفائه بعدئذ بالشرط الذي اتفقا عليه إخلاف لما وعد به الزوج به، وتغرير منه.
لذلك عالج قانون الأحوال الشخصية هذا الموضوع بما يحفظ حقوق الزوجة، ويمنع الزوج من التغرير بها، فاختار مبدأ الحنابلة أساساً في قبول الشروط، ولكنه قسمها تقسيماً جديداً توخى فيه مصلحة الزوج والزوجة على السواء.
فقد قسم القانون الشروط الى ثلاثة أقسام:
١ - شروط باطلة لا يحق الوفاء بها، ويكون العقد معها صحيحاً، وذلك
стр. 50
بأن يقيد عقد الزواج بشرط ينافي نظامه الشرعي، كاشتراط عدم المهر، أو انفاق الزوجة على الزوج، أو بشرط ينافي مقاصده الشرعية، كاشتراط الاستمتاع الزوجي، أو أن يلتزم فيه ما هو محظور شرعاً، كاشتراط المرأة أن تسافر وحدها.
فهذا النوع من الشروط باطل، والعقد صحيح، ولا يجوز الوفاء بالشرط وقد قدمنا أن هذا حكم متفق عليه في المذاهب الاجتهادية، ولا نعلم فيه خلافاً.
٢ - شروط صحيحة يلزم الزوج بالوفاء بها، بمعنى أن القضاء يجبر الزوج على تنفيذها، وهي الشروط التي تكون فيها مصلحة مشروعة للزوجة، ولا تمس حقوق غيرها، ولا تقيد حرية الزوج في أعماله الخاصة المشروعة، كأن لا يسافر بها، أو أن لا ينقلها من دار أبيها أو بلدها، فهذا الشرط صحيح ولا يستطيع الزوج أن يسافر بزوجته، فان أصر على السفر بها منعه القاضي من ذلك.
وهذا مأخوذ من مذهب أحمد ﵀.
٣ - شروط صحيحة، ولكنها غير ملزمة للزوج بمعنى أن القضاء لا يجبر الزوج على تنفيذها، وذلك في الحالتين التاليتين:
أ - ... أن تشترط الزوجة في عقد الزواج ما فيه تقييد لحرية الزوج في أعماله الخاصة المشروعة، كأن تشترط عليه أن لا يسافر، أو لا يتوظف، أو لا يشتغل في السياسة! أو لا يتزوج عليها.
ب - أن تشترط ما يمس حقوق غيرها، كاشتراطها أن يطلق زوجته الأخرى.
فالشرط في مثل هاتين الحالتين شرط صحيح، ولكن لا يلزم الزوج الوفاء بسلطة القضاء، فاذا لم يف كان للزوجة طلب فسخ النكاح.
وهذا متفق مع مذهب أحمد ﵀ أيضاً، الا في اشتراط تطليق الضره، فان للحنابلة رأيين: أحدهما يقول بجوازه، والآخر، لا.
ومن هنا تبين أن القانون قد أعطى الزوجة حق اشتراط ما تشاء من الشروط التي لا تنافي نظام عقد الزواج، وأن هذه الشروط منها ما تستطيع ان تجبر الزوج على تنفيذه بسلطان القضاء، ومنها ما يعطيها الحق بطلب فسخ النكاح اذا نكل الزوج عن الوفاء به.
стр. 51
وبهذا رفع غبن كبير عن المرأة كانت تئن تحت وطأته بسبب التقيد بمذهب أبي حنيفة قبل صدور القانون.
غير أن الحق فسح المجال كثيراً أمام شروط الزوجة قد يعود بالضرر البالغ على الزوج، خذ لذلك مثلاً: اشتراطها أن لا يسافر بها من بلدها، ان الزوج قد يجد نفسه مضطراً للسفر، كأن يكون موظفاً صدر الأمر بنقله الى بلد آخر، فاذا أصرت الزوجة على عدم السفر معه، لم يكن أمامه إلا أن يتركها تعيش وحدها، ويعيش هو وحده، وفي هذا من تشتت للأسرة، وتعرض الحياة الزوجية لعدم الاستقامة، وإما أن يضطر الى طلاقها، وفي هذا خراب بيته، وانهيار حياته الزوجية، وتعريضه لهزات عنيفة ليس من اليسير تلافيها.
إني أرى اعادة النظر في مثل هذه الشروط بحيث لا يعنت الزوج، ولا تعنت الزوجة، والحياة الزوجية ليست شركة مادية يحاول كل طرف فيها أن ينال أكبر كسب ممكن، بل هي شركة معنوية، لا بد أن يتنازل فيها كل واحد للآخر عن بعض حقه. حتى يتم الوئام والانسجام والاستقرار.
بقيت هنا نقطتان لا بد من الاشارة اليهما:
الأولى: أن فقهاء الحنفية يقررون أنه اذا اشترطت الزوجة في العقد جعل حق الطلاق بيدها بحيث تطلق نفسها متى شاءت، فان هذا شرط محترم، ويكون من حقها أن تطلق نفسها في أي وقت تريد، وهم يحرّجونه لا على أنه من قبيل الشرط حتى يكون فاسداً كما هي قاعدتهم، بل على أن الزوج قد ملّكها حقاً يملكه بعد العقد متى يشاء، فله أن يعجل بتمليكها هذا الحق عند العقد. وليس في هذا ما ينافي القواعد العامة.
الثانية: أن قانون حقوق العائلة قد نص على أن الزوجة اذا اشترطت أن لا يتزوج عليها، واذا تزوج كانت هي أو ضرتها طالقة، فالعقد صحيح والشرط معتبر (المادة ٣٨) وهذا ليس من قبيل الشروط الفاسدة، بل هو من قبيل تعليق الطلاق بشرط، وهو صحيح كما اذا قال لها: إن ذهبت الى مكان كذا فأنت طالق. ثم ذهبت فالطلاق واقع قولاً واحداً.
стр. 52
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - فكرة التعدد
يشن الغربيون المتعصبون من رجال الدين والاستشراق والاستعمار حملة قاسية على الاسلام والمسلمين بسبب تعدد الزوجات، ويتخذون منها دليلاً على اضطهاد الاسلام للمرأة واستغلال المسلمين لها في إرضاء شهواتهم ونزواتهم.
والغربيون في ذلك مكشوفو الهدف، مفضوحو النية، متهافتو المنطق.
١ - فالاسلام لم يكن أول من شرع تعدد الزوجات، بل كان موجوداً في الأمم القديمة كلها تقريباً: عند الاثينيين، والصينيين، والهنود، والبابليين والأشوريين، والمصريين، ولم يكن له عند أكثر هذه الأمم حد محدود، وقد سمحت شريعة "ليكي" الصينية بتعدد الزوجات الى مائة وثلاثين امرأة، وكان عند أحد أباطرة الصين نحو من ثلاثين ألف امرأة! ...
٢ - والديانة اليهودية كانت تبيح التعدد بدون حد، وأنبياء التوراة جميعاً بلا استثناء كانت لهم زوجات كثيرات، وقد جاء في التوراة أن نبي الله سليمان كان له سبعمائة امرأة من الحرائر وثلاثمائة من الإماء.
٣ - ولم يرد في المسيحية نص صريح بمنع التعدد، وإنما ورد فيه على سبيل الموعظة أن الله خلق لكل رجل زوجته .. وهذا لا يفيد على أبعد الاحتمالات إلا الترغيب بأن يقتصر الرجل في الأحوال العادية على زوجة واحدة، والاسلام يقول مثل هذا القول، ونحن لا ننكره، ولكن أين الدليل على أن زواج الرجل بزوجة ثانية مع بقاء زوجته الأولى في عصمته يعتبر زنى ويكون العقد باطلاً.
ليس في الأناجيل نص على ذلك، بل في بعض رسائل بولس ما يفيد أن التعدد جائز، فقد قال: "يلزم أن يكون الاسقف زوجا لزوجة واحدة" (١) ففي إلزام الأسقف وحده بذلك دليل على جوازه لغيره.
стр. 53
وقد ثبت تاريخياً أن بين المسيحيين الأقدمين من كانوا يتزوجون أكثر من واحدة، وفي آباء الكنيسة الأقدمين من كان لهم كثير من الزوجات، وقد كان في أقدم عصور المسيحية من إباحة تعدد الزوجات في أحوال استثنائية وأمكنة مخصوصة.
قال "وستر مارك" ( Wester Mark) العالم الثقة في تاريخ الزواج: إن تعدد الزوجات باعتراف الكنيسة بقي الى القرن السابع عشر. وكان يتكرر كثيراً في الحالات التي لا تحصيها الكنيسة والدولة (١).
ويقول أيضاً في كتابه المذكور:
إن "ديارماسدت" ملك إرلندة كان لو زوجتان وسريتان.
وتعددت زوجات الميروفنجيين غير مرة في القرون الوسطى.
وكان لشرلمان زوجتان وكثير من السراري، كما يظهر من بعض قوانينه ان تعدد الزوجات لم يكن مجهولاً بين رجال الدين أنفسهم.
وبعد ذلك بزمن كان فيليب اوفاهيس وفردريك وليام الثاني البروسي يبرمان عقد الزواج مع اثنتين بموافقة القساوسة اللوثرين.
وأقر ماتر لوثر نفسه تصرف الأول منهما كما أقره ملانكنون.
وكان لوثر يتكلم في شتى المناسبات عن تعدد الزوجات بغير اعتراض، فإنه لم يحرم بأمر من الله، ولم يكن ابراهيم - وهو مثل المسيحي الصادق - يحجم عنه إذ كان له زوجتان.
نعم إن الله أذن بذلك لأناس من رجال العهد القديم في ظروف خاصة ولكن المسيحي الذي يريد أن يقتدي بهم، يحق له أن يفعل ذلك متى تيقن أن ظروفه تشبه تلك الظروف، فإن تعدد الزوجات على كل حال أفضل من الطلاق.
وفي سنة ١٦٥٠ ميلادية بعد صلح وسنفاليا، وبعد أن تبين النقص في عدد السكان من جراء حروب الثلاثين. أصدر مجلس الفرنكيين بنورمبرج قراراً يجيز للرجل أن يجمع بين زوجتين.
стр. 54
بل ذهبت بعض الطوائف المسيحية الى ايجاب تعدد الزوجات، ففي سنة ١٥٣١ نادى اللامعمدانيون في مونستر صراحة بأن المسيحي - حق المسيحي - ينبغي أن تكون له عدة زوجات، ويعتبر المورمون كما هو معلوم أن تعدد الزوجات نظام الهي مقدس (١).
ويقول الأستاذ العقاد: ومن المعلوم أن اقتناء السراري كان مباحاً - أي في المسيحية - على اطلاقه كتعدد الزوجات، مع اباحة الرق جملة في البلاد الغربية، لا يحده إلا ما كان يحد تعدد الزوجات، من ظروف المعيشة البيتية، ومن سورية جلب الرقيقات المقبولات للتسري من بلاد أجنبية، وربما نصح بعض الأئمة - عند النصارى - بالتسري لاجتناب الطلاق في حالة عقم الزوجة الشرعية. ومن ذلك ما جاء في الفصل الخامس عشر من كتاب الزواج الأمثل للقديس اوغسطين، فانه يفضل التجاء الزوج الى التسري بدلاً من تطليق زوجته العقيم.
وتشير موسوعة العقليين الى ذلك. ثم تعود الى الكلام عن تعداد الزوجات فتقول: إن الفقيد الكبير جروتيوس دافع عن الآباء الاقدمين فيما أخذه بعض الناقدين المتأخرين عليهم من التزوج بأكثر من واحدة، لانهم كانوا يتحرون الواجب ولا يطلبون المتعة من الجمع بين الزوجات.
وقال جرجي زيدان: "فالنصرانية ليس فيها نص صريح يمنع اتباعها من التزوج بامرأتين فأكثر، ولو شاؤا لكان تعدد الزوجات جائزاً عندهم، ولكن رؤساؤها القدماء وجدوا الاكفتاء بزوجة واحدة أقرب لحفظ نظام العائلة واتحادها - وكان ذلك شائعاً في الدولة الرومانية - فلم يعجزه تأويل آيات الزواج حتى صار التزوج بغير امرأة حراماً كما هو مشهور".
٤ - ونرى المسيحية المعاصرة تعترف بالتعدد في افريقيا السوداء، فقد وجدت الارسالية التبشيرية نفسها أمام واقع اجتماعي وهو تعدد الزوجات لدى الافريقيين الوثنيين، ورأوا أن الاصرار على منع التعدد يحول بينهم وبين الدخول في النصرانية، فنادوا بوجوب السماح للافريقيين المسيحيين بالتعدد الى غير حد محدود، وقد ذكر السيد نورجيه مؤلف كتاب "الاسلام والنصرانية في أواسط افريقية" (ص ٩٢ - ٩٨) هذه الحقيقة ثم قال:
стр. 55
"فقد كان هؤلاء المرسلون يقولون إنه ليس من السياسة أن نتدخل في شؤون الوثنيين الاجتماعية التي وجدناهم عليها، وليس من الكياسة أن نحرم عليهم التمتع بأزواجهم ماداموا نصارى يدينون بدين المسيح، بل لا ضرر من ذلك ما دامت التوراة وهي الكتاب الذي يجب على المسيحيين أن يجعلوه اساس دينهم تبيح هذا التعدد، فضلاً على أن المسيح قد أقر ذلك في قوله: "لا تظنوا أني جئت لأهدم بل لأتمم" ١. هـ.
وأخيراً أعلنت الكنيسة رسمياً السماح للافريقيين النصارى بتعدد الزوجات الى غير حد! ...
٥ - والشعوب الغربية المسيحية وجدت نفسها تجاه زيادة عدد النساء على الرجال عندها - وبخاصة بعد الحربين العالمينين - إزاء مشكلة اجتماعية خطيرة لا تزال تتخبط في ايجاد الحل المناسب لها.
وقد كان من بين الحلول التي برزت، اباحة تعدد الزوجات.
فقد حدث أن مؤتمراً للشباب العالمي عقد في "مونيخ" بألمانيا عام ١٩٤٨ واشترك فيه بعض الدارسين المسلمين من البلاد العربية: وكان من لجانه لجنة تبحث مشكلة زيادة عدد النساء في ألمانيا أضعافا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب، وقد استعرضت مختلف الحلول لهذه المشكلة وتقدم الأعضاء المسلمون في هذه اللجنة باقتراح اباحة تعدد الزوجات. وقوبل هذا الرأي أولاً بشيء من الدهشة والاشمئزاز، ولكن أعضاء اللجنة اشتركوا جميعاً في مناقشته فتبين بعد البحث الطويل أنه لا حل غيره، وكانت النتيجة أن أقرت اللجنة توصية المؤتمر بالمطالبة باباحة تعدد الزوجات لحل المشكلة.
وفي عام ١٩٤٩ تقدم أهالي "بون" عاصمة ألمانيا الاتحادية بطلب الى السلطات المختصة يطلبون فيه أن ينص في الدستور الألماني على اباحة تعدد الزوجات (١).
ونشرت الصحف في العام الماضي أن الحكومة الألمانية أرسلت الى مشيخة الأزهر تطلب منها نظام تعدد الزوجات في الاسلام لأنها تفكر في الاستفادة منه كحل لمشكلة زيادة النساء ثم أتبع ذلك وصول وفد من علماء
стр. 56
الألمان اتصلوا بشيخ الأزهر لهذه الغاية، كما التحقت بعض الألمانيات المسلمات بالأزهر لتطلع بنفسها على أحكام الإسلام في موضوع المرأة عامة وتعدد الزوجات خاصة.
وقد حدثت محاولة قبل هذه المحاولات في ألمانيا أيام الحكم النازي لتشريع تعدد الزوجات، فقد حدثنا زعيم عربي اسلامي كبير أن هتلر حدثه برغبته في وضع قانون يبيح تعدد الزوجات، وطلب اليه أن يضع له في ذلك نظاماً مستمداً من الاسلام، ولكن قيام الحرب العالمية الثانية حالت بين هتلر وبين تنفيذ هذا الأمر.
وقد سبق أن حاول "أدوارد السابع" مثل هذه المحاولة فأعد مرسوماً يبيح فيه التعدد ولكن مقاومة رجال الدين قضت عليه (١).
ثم إن المفكرين الغربيين الاحرار أثنوا على تعدد الزوجات، وبخاصة عند المسلمين. فقد عرض "جروتيوس Grotius " العالم القانوني المشهور لموضوع تعدد الزوجات فاستصوب شريعة الآباء العبرانيين والانبياء في العهد القديم (٢).
وقال الفيلسوف الألماني الشهير "شوبنهور": في رسالته "كلمة عن النساء".
"إن قوانين الزواج في أوروبا فاسدة المبنى بمساواتها المرأة بالرجل، فقد جعلتنا نقتصر على زوجة واحدة فأفقدتنا نصف حقوقنا، وضاعفت علينا واجباتنا، على أنها ما دامت أباحت للمرأة حقوقاً مثل الرجل كان من اللازم أن تمنحها أيضاً عقلاً مثل عقله! ... ".
إلى أن يقول ... "ولا تعدم امرأة من الأمم التي تجيز تعدد الزوجات زوجاً يتكفل بشؤنها، والمتزوجات عندنا نفر قليل، وغيرهن لا يُحصَين عدداً، تراهن بغير كفيل: بين بكر من الطبقات العليا قد شاخت وهي هائمة متحسرة، ومخلوقات ضعيفة من الطبقات السلفى، يتجشمن الصعاب ويتحملن شاق الأعمال، وربما ابتذلن فيعشن تعيسات متلبسات بالخزي والعار ففي مدينة
стр. 57
(لندن) وحدها ثمانون ألف بنت عمومية (هذا على عهد شوبنهور! .. ) سفك دم شرفهن على مذبحة الزواج ضحية الاقتصار على زوجة واحدة، ونيتجة تعنت السيدة الأوروبية وما تدعيه لنفسها من الأباطيل".
"أما آن لنا أن نعدّ بعد ذلك تعدد الزوجات حقيقة لنوع النساء بأسره"؟ "إذا رجعنا الى أصول الأشياء لا نجد ثمة سبباً يمنع الرجل من التزوج بثانية إذا أصيبت إمرأته بمرض مزمن تألم منه، أو كانت عقيماً، أو على توالي السنين أصبحت عجوزاً، ولم تنجح "المورمون" (فرقة من البروتستانت تبيح تعدد الزوجات وتمارسه فعلاً ولها كنائسها المنتشرة في أوروبا وأمريكا) في مقاصدها إلا بإبطال هذه الطريقة الفظيعة: طريقة الاقتصار على زوجة واحدة (١) ".
وتحدث "غوستاف لوبون" في "حضارة العرب" عن تعدد الزوجات عند المسلمين وهو الذي عاش بنفسه سنوات طويلة في بلاد الشرق والاسلام فقال:
"لا نذكر نظاماً اجتماعياً أنحى الأوروبيون عليه باللائمة كمبدأ تعدد الزوجات، كما أننا لا نذكر نظاماً أخطأ الأوروبيون في إدراكه كذلك المبدأ فيرى أكثر مؤرخي أوروبة إتزاناً أن مبدأ تعدد الزوجات حجر الزاوية في الاسلام، وأنه سبب انتشار القرآن، وأنه علة انحطاط الشرقيين ونشأ عن هذه المزاعم الغربية على العموم أصوات سخطٍ رحمة بأولئك البائسات المكدّسات في دوائر الحريم فيراقبهن خصيان غلاظ، ويُقتلن حينما يكرههن سادتهن! ...
ذلك الوصف مخالف للحق، وأرجو أن يثبت عند القارئ الذي يقرأ هذا الفصل بعد أن يطرح عنه أوهامه الأوروبية جانباً، أن مبدأ تعدد الزوجات الشرقي نظام طيب يرفع المستوى الأخلاقي في الأمم التي تقول به، ويزيد الأسرة ارتباطاً، ويمنح المرأة احتراماً وسعادة لا تراهما في أوروبة.
وأقول قبل إثبات ذلك: إن مبدأ تعدد الزوجات ليس خاصاً بالاسلام، فقد عرفه اليهود والفرس والعرب وغيرهم من أمم الشرق قبل ظهور محمد ﷺ ولم تر الأمم التي دخلت الاسلام فيه غنما جديداً إذن، ولا نعتقد مع ذلك وجود ديانة قوية تستطيع أن تحول الطبائع فتبتدع أو تمنع مثل ذلك المبدأ الذي هو وليد جو الشرقيين وعروقهم وطرق حياتهم.
стр. 58
تأثير الجو والعرق من الوضوح بحيث لا يحتاج الى ايضاح كبير، فبما أن تركيب المرأة الجثماني وأمومتها وأمراضها الخ ... مما يكرهها على الابتعاد عن زوجها في الغالب.
وبما أن التأيم المؤقت مما يتعذر في جو الشرق، ولا يلائم مزاج الشرقيين، كان مبدأ تعدد الزوجات ضربة لازب.
وفي الغرب، حيث الجو والمزاج أقل هيمنة، لم يكن مبدأ الاقتصار على زوجة واحدة في غير القوانين، لا في الطبائع حيث يندُر!.
ولا أرى سبباً لجعل مبدأ تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين أدنى مرتبة من مبدأ تعدد الزوجات السّري عند الغربيين! مع أنني أبصر بالعكس ما يجعله أسنى منه، وبهذا ندرك مغزى تعجب الشرقيين الذين يزورون مدننا الكبيرة من احتجاجنا عليهم، ونظرهم الى هذا الاحتجاج شزراً.
ثم ينقل غوستاف لوبون ملاحظات العالم المتدين "لوبليه" في كتابه "عمال الشرق" عن الضرورة التي تدفع أرباب الأسر الزراعية في الشرق الى زيادة عدد نسائهم، وكون النساء في هذه الأسر هن اللائي يحرضن أزواجهن على البناء بزوجات أُخَر من غير أن يتوجعن. وختم ذلك بقوله: إن رأي الأوروبيين (في تعدد الزوجات) ناشئ عن نظرهم الى الأمر من خلال مشاعرهم، لا من خلال مشاعر الآخرين. وقال: ويكفي إنقضاء بضعة أجيال لإطفاء أوهام أو احداثها (١).
ويقول وستر مارك في تاريخه:
إن مسألة تعدد الزوجات لم يفرغ منها بعد تحريمه في القوانين الغربية وقد يتجدد النظر في هذه المسألة كرة بعد أخرى، كلما تحرجت أحوال المجتمع الحديث فيما يتعلق بمشكلات الأسرة.
ثم تساءل: هل يكون الاكتفاء بالزوجة الواحدة ختام النظم ونظام المستقبل الوحيد في الأزمنة المقبلة؟.
ثم أجاب قائلاً: إنه سؤال أجيب عنه بآراء مختلفة، إذ يرى سبنسر أن نظام الزوجة الواحدة هو ختام الأنظمة الزوجية، وأن كل تغيير في هذه الأنظمة لا بد أن يؤدي الى هذه النهاية.
стр. 59
وعلى نقيض ذلك يرى الدكتور ليبون Lepon أن القوانين الأوروبية سوف تجيز التعدد.
ويذهب الأستاذ اهرنفيل Ehrenbel إلى حد القول بأن التعدد ضروري للمحافظة على بقاء "السلالة الآرية".
ثم يعقب وستر مارك بترجيح الاتجاه الى توحيد الزوجة إذا سارت الأمور على النحو الذي أدى الى تقريره (١).
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - ضرورات التعدد الاجتماعية
وإذا نحن حاكمنا الموضوع محاكمة منطقية بعيدة عن العاطفة وجدنا للتعدد حسناته وسيآته. وحسناته ليست من حيث التعدد ذاته، فما من شك أن وحدة الزوجة أولى وأقرب الى الفطرة، وأحصن للأسرة، وأدعى الى تماسكها، وتحاب أفرادها، ومن أجل ذلك كان هو النظام الطبيعي الذي لا يفكر الانسان المتزوج العاقل في العدول عنه إلا عند الضرورات، وهي التي تسبغ عليه وصف الحسن، وتضفي عليه الحسنات. والضرورات هنا تنقسم الى إجتماعية وشخصية.
ضرورات التعدد الاجتماعية:
أما الضرورات الاجتماعية التي تلجئ إلى التعدد فهي كثيرة نذكر منها حالتين لا ينكر أحد وقوعهما:
١ - عند زيادة النساء على الرجال في الأحوال العادية، كما هو الشأن في كثير من البلدان كشمال أوروبا، فإن النساء فيها في غير أوقات الحروب وما بعدها تفوق الرجال بكثير، وقد قال لي طبيب في دار للتوليد في هلسنكي (فنلندا) أنه من بين كل أربعة أطفال أو ثلاثة يولدون يكون واحد منهم ذكراً والباقون إناثاً.
ففي هذه الحالة يكون التعدد أمراً واجباً أخلاقياً واجتماعياً، وهو أفضل بكثير من تسكع النساء الزائدات عن الرجال في الطرقات لا عائل لهن ولا بيت يؤويهن، ولا يوجد إنسان يحترم استقرار النظام الاجتماعي يفضل انتشار
стр. 60
الدعارة على تعدد الزوجات، إلا أن يكون مغلوباً على هواه، كأن يكون رجلاً أنانياً يريد أن يشبع غريزته الجنسية دون أن يحمل نفسه أي التزامات أدبية أو مادية نحو من يتصل بهن، ومثل هؤلاء خراب على المجتمع، واعداء للمرأة نفسها، وليس مما يشرف قضية الاقتصار على زوجة واحدة أن يكونوا من أنصارها، وحياتهم هذه تسخر منهم ومن دعواهم.
ومنذ أوائل هذا القرن تنبه عقلاء الغربيين إلى ما ينشأ من منع تعدد الزوجات من تشرد النساء وانتشار الفاحشة وكثرة الأولاد غير الشرعيين، وأعلنوا أنه لا علاج لذلك إلا السماح بتعدد الزوجات.
فقد نشرت جريدة (لاغوص ويكلي ركورد) في عددها الصادر بتاريخ ٢٠ نيسان ١٩٠١ نقلاً عن جريدة (لندن تروث) بقلم إحدى السيدات الإنجليزيات ما يلي:
"لقد كثرت الشاردات من بناتنا، وعم البلاء، وقل الباحثون عن أسباب ذلك، وإذ كنت امرأة تراني أنظر الى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزنا، وماذا عسى يفيدهن بثي وحزني وإن شاركني فيه الناس جميعاً!! لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجسة، ولله در العالم الفاضل (تومس) فإنه رأى الداء ووصف له الدواء الكامل الشفاء وهو "الاباحة للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة" وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محال وتصبح بناتنا ربات بيوت، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي على الاكتفاء بامرأة واحدة".
"إن هذا التحديد بواحدة هو الذي جعل بناتنا شوارد، وقذف بهن الى التماس أعمال الرجال، ولا بد من تفاقم الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة".
"أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين أصبحوا كلاً وعاراً وعالة على المجتمع، فلو كان تعدد الزوجات مباحاً لما حاق بأولئك الأولاد وأمهاتهم ما هم فيه من العذاب الهُون، ولسلم عرضهن وعرض أولادهن .. إن إباحة تعدد الزوجات تجعل كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين (١) ".
стр. 61
وتدل الاحصائيات التي تنشر في أوروبا وأمريكا عن ازدياد نسبة الأولاد غير الشرعيين زيادة تقلق الباحثين الاجتماعيين، وهؤلاء ليسوا إلا نتيجة عدم اقتصار الرجل على امرأة واحدة، وكثرة النساء اللاتي لا يجدن طريقاً مشروعاً للإتصال الجنسي.
٢ - عند قلة الرجال عن النساء قلة بالغة نتيجة الحروب الطاحنة، أو الكوارث العامة. وقد دخلت أوروبا حربين عالميتين خلال ربع قرن، ففني فيهما ملايين الشباب، وأصبحت جماهير من النساء ما بين فتيات وما بين متزوجات، قد فقدن عائلهن، وليس أمامهن - ولو وجدن عملاً - إلا أن يتعرفن على المتزوجين الذي بقوا أحياء، فكانت النتيجة أن عملن باغرائهن على خيانة الأزواج لزوجاتهن، أو انتزاعهم من أحضان زوجاتهن ليتزوجن بهم.
وقد وجدت النساء المتزوجات في هذه الأحوال من القلق وتجرع الهجر والحرمان ما يفوق مرارة انضمام زوجة أخرى شرعية الى كل واحدة منهن، وقامت في بعض بلاد أوروبا - وبخاصة في ألمانيا - جمعيات نسائية تطالب بالسماح بتعدد الزوجات، أو بتعبير أخف وقعاً في أسماع الغربيين وهو "إلزام الرجل بأن يتكفل امرأة أخرى غير زوجته".
وضرورات الحروب ونقصان الرجال فيها لا تدع مجالاً للمكابرة في أن الوسيلة الوحيدة لتلافي الخسارة البالغة بالرجال هو السماح بتعدد الزوجات.
وهذا الفيلسوف الانجليزي "سبنسر" برغم مخالفته لفكرة تعدد الزوجات، يراها ضرورة للأمة التي يفنى رجالها في الحروب.
يقول "سبنسر" في كتابه "أصول علم الاجتماع":
إذا طرأت على الأمة حال اجتاحت رجالها بالحروب ولم يكن لكل رجل من الباقين إلا زوجة واحدة، وبقيت نساء عديدات بلا أزواج، ينتج عن ذلك نقص في عدد المواليد لا محالة، ولا يكون عددهم مساوياً لعدد الوفيات، فاذا تقاتلت أمتان مع فرض أنها متساويتان في جميع الوسائل المعيشية وكانت إحداهما لا تستفيد من جميع نسائها بالأستيلاد، فإنها لا تستطيع أن تقاوم خصيمتها التي يستولد رجالها جميع نسائها، وتكون النتيجة أن الأمة الموحدة للزوجات تفنى أمام الأمة المعددة للزوجات (١) " هـ.
стр. 62
ونحن نقول زيادة على هذا إن الأمم المتحاربة ولو كانت كلها ممن تذهب إلى وحدة الزوجة، إلا أن الأمة المغرقة في الترف هي تتعرض للفناء أمام الأمة التي هي أقل حضارة وأقرب الى الفطرة، لأن نساء الأمة المتحضرة المغرقة في الترف تميل دائماً الى الإقلال من النسل كما هو في فرنسا، بخلاف الأمة الأخرى فإنها تنجب أكثر كما هو في روسيا، فلا بد للأمة الأولى من أن تلجأ إلى تعدد الزوجات لتسدرك نقصان التناسل فيها ...
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - ضرورات التعدد الشخصية
هناك حالات كثيرة قد تلجئ الانسان الى التعدد، نذكر منها على سبيل المثال:
١ - أن تكون زوجته عقيماً، وهو يحب الذرية، ولا حرج عليه في ذلك، فحب الأولاد غريزة في النفس الإنسانية: ومثل هذا ليس أمامه إلا أحد أمرين: إما أن يطلق زوجته العقيم، أو أن يتزوج أخرى عليها، ولا شك في أن الزواج عليها أكرم باخلاق الرجال ومروؤاتهم من تطليقها، وهو في مصلحة الزوجة العاقر نفسها، وقد رأينا بالتجربة أنها - في مثل هذه الحالة - تفضل أن تبقى زوجة ولها شريكة أخرى في حياتها الزوجية، على أن تفقد بيت الزوجية، ثم لا أمل لها بعد ذلك فيمن يرغب في الزواج منها بعد أن يعلم أن طلاقها كان لعقمها، هذا هو الأعم الأغلب، إنها حينئذ مخيرة بين التشرد أو العودة الى بيت الأب، وبين البقاء في بيت زوجها لها كل حقوق الزوجية الشرعية وكرامتها الاجتماعية، ولها مثل ما للزوجة الثانية من حقوق ونفقات.
نحن لا نشك في أن المرأة الكريمة العاقلة تفضل التعدد على التشرد، ولهذا رأينا كثيراً من الزوجات العقم يفتشن لأزواجهن عن زوجة أخرى تنجب لهم الأولاد.
٢ - أن تصاب الزوجة بمرض مزمن أو معد أو منفر بحيث لا يستطيع معه الزوج أن يعاشرها معاشرة الأزواج، فالزوج هنا بين حالتين: إما أن يطلقها وليس في ذلك شيء من الوفاء ولا من المروءة ولا من كرم الأخلاق، وفيه الضياع والمهانة للمرأة المريضة معاً، وإما أن يتزوج عليها أخرى ويبقيها في عصمته، لها حقوقها كزوجة، ولها الانفاق عليها في كل ما تحتاج اليه من دواء وعلاج، ولا يشك أحد في أن هذه الحالة الثانية أكرم وأنبل، وأضمن لسعادة الزوجة المريضة وزوجها على السواء ...
стр. 63
٣ - أن يشتد كره الزوج لها بحيث لم ينفع معه علاج التحكيم والطلاق الأول ولا الثاني، وما بينهما من (هدنة) العدة التي تمتد في كل مرة ثلاثة أشهر تقريباً، وهنا يجد الزوج نفسه أيضاً بين حالتين: إما أن يطلقها ويتزوج غيرها، وإما أيبقيها عنده لها حقوقها المشروعة كزوجة، ويتزوج عليها أخرى، ولا شك أيضاً في أن الحالة الثانية أكرم للزوجة الأولى، وأكثر غرماً على الزوج، ودليل على وفائه ونبل خلقه، وهو في الوقت نفسه أضمن لمصلحة الزوجة خصوصاً بعد تقدم السن وإنجاب الأولاد.
٤ - أن يكون الرجل بحكم عمله كثير الأسفار، وتكون إقامته في غير بلدته تستغرق في بعض الأحيان شهوراً، وهو لا يستطيع أن ينقل زوجته وأولاده معه كلما سافر، ولا يستطيع أن يعيش وحيداً في سفره تلك الأيام الطويلة، وهنا يجد نفسه كرجل بين حالتين. إما أن يفتش عن امرأة يأنس بها عن غير طريق مشروع، ولسي لها حق الزوجة، ولا لأولادها - الذين قد يأتون نتيجة اتصال الرجل بها - حقوق الأولاد الشرعيين، وإما أن يتزوج أخرى ويقيم معها إقامة مشروعة في نظر الدين والأخلاق والمجتمع، وأولادها منه أولاد شرعيون يعترف بهم المجتمع، وينشؤون فيه كراماً كبقية المواطنين، واعتقد أن المنطق الهادئ والتفكير المتزن، والحل الواقعي، كل ذلك يفضل التعدد على الحالة الأولى.
٥ - بقيت حالة أريد أن أكون فيها صريحاً أيضاً، وهي أن يكون عنده من القوة الجنسية، ما لا يكتفي معه بزوجته، إما لشيخوختها، وإما لكثرة الأيام التي لا تصلح فيها للمعاشرة الجنسية - وهي أيام الحيض والحمل والنفاس والمرض وما أشبهها - وفي هذه الحالة نجد الأولى والأحسن أن يصبر على ما هو فيه، ولكن: إذا لم يكن له صبر فماذا يفعل؟ انغمض أعيننا عن الواقع وننكره كما تفعل النعامة أم نحاول علاجه؟ وبماذا نعالجه؟ نبيح له الاتصال الجنسي المحرم؟ وفي ذلك إيذاء للمرأة الثانية التي اتصل بها، وضياع لحقوقها وحقوق أطفالها، عدا ما فيه من منافاة لقواعد الدين والأخلاق؟ أم نبيح له الزواج منها زواجاً شرعياً تصان فيه كرامتها، ويعترف لها بحقوقها، ولأولادهم بنسبهم الشرعي معه؟
هنا تتدخل مبادئ الأخلاق والحقوق فلا تتردد في تفضيل الحالة الثانية على الأولى.
стр. 64
ولا بد لي هنا من ذكر حديث جرى بيني وبين أحد الغربيين يلقي ضوءً على هذا الموضوع.
حين سافرت إلى أوروبا في عام ١٩٥٦ موفداً من جامعة دمشق في رحلة استطلاعية للجامعات والمكتبات العامة، كان ممن اجتمعت بهم في لندن "البروفسور إندرسون" رئيس قسم قوانين الأحوال الشخصية الشرقية في معهد الدراسات الشرقية في جامعة لندن، وجرى بيننا - فيما جرى من الأحاديث - نقاش حول تعدد الزوجات في الإسلام.
سألني أندرسون: ما رأيك في تعدد الزوجات؟
قلت له: نظام صالح يفيد المجتمعات في كثير من الظروف إذا نفذ بشروطه!
قال: أنت إذا على رأي محمد عبده بوجوب تقييده!!
قلت: قريباً من رأيه لا تماماً، فإني أرى أن يقيد بقدرة الزوج على الانفاق على الزوجة الثانية ليمكن تحقيق العدل بين الزوجات كما طلب الإسلام.
قال: وهل مثلك في هذا العصر يدافع عن تعدد الزوجات؟
قلت: إني أسألك فأجبني بصراحة! من كانت عنده زوجة فمرضت مرضاً معدياً أو منفرداً لا أمل بالشفاء منه. وهو في مقتبل العمر والشباب فماذا يفعل؟ هل أمامه إلا ثلاث حالات: أن يطلقها، أو يتزوج عليها، أو أن يخونها ويتصل بغيرها اتصالاً غير مشروع؟
قال: بل هناك رابعة، وهي: أن يصبر ويعف نفسه عن الحرام.
قلت: وهل كل انسان يستطيع أن يفعل ذلك؟
قال: نحن المسيحيين نستطيع أن نفعل ذلك بتأثير الإيمان في نفوسنا.
فتبسمت وقلت: أتقول هذا وأنت غربي؟ أنا أفهم أن يقول هذا القول مسلم أو مسيحي شرقي، فقد يسطيع أن يكف نفسه عن الحرام، لأن محيطه لا يهيء له وسائل الاختلاط بالمرأة في كل ساعة يشاء وأنى يشاء، ولأن تقاليده وأخلاقه لا تزالان تسيطران على تصرفاته، ولأن الدين لا يزال له تأثير في بلاده.
стр. 65
أما أنتم الغربيون الذين لم تتركوا وسيلة للاتصال بالمرأة والاختلاط بها والتأثير عليها واغوائها إلا فعلتم، حتى لم تعودوا تستطيعون أن تعيشوا ساعة من نهار أو ليل دون أن تروا المرأة أو تخالطوها منذ تغادرون البيت حتى تعودوا اليه، أنتم الذين يضج مجتمعكم بالأندية والبارات والمراقص، وتغص شوارعكم بالأولاد غير الشرعيين .. تدعون أن دينكم يمنعكم من خيانة الزوجة المريضة؟ وكيف ذلك وخيانات الزوجات الجميلات الصحيحات الشابات تملأ أخبارها اعمدة الصحف والكتب، وتصك الآذان، وتشغل دوائر القضاء؟
قال: إنني أخبرك عن نفسي، فأنا أستطيع أن أضبط نفسي وأصبر.
قلت: حسناً، فكم تبلغ نسبة الذين يضبطون أنفسهم من المسيحيين الغربيين أمثالك بالنسبة إلى الذين لا يصبرون.
قال: لا أنكر أنهم قليلون جداً.
قلت: وهل ترى أن التشريع يوضع للقلة التي يمكن أن تعد بعدد الأصابع، أم للكثرة والجمهرة من الناس؟ وما فائدة التشريع الذي لا يستطيع تطبيقه إلا أفراد محدودون؟
فسكت وانتهت المناقشة فيما بيننا، أقول هذا لأبين أن الذين يزعمون بأن الغريزة الجنسية ليست كل شيء في حياة الانسان، وأن هنالك قيما أثمن وأغلى كالوفاء والصبر يحرص عليها الحر الكريم، وأن تبرير التعدد بالحاجة الجنسية هو هبوط بالانسان الى مستوى الحيوان ... هذا الكلام وأمثاله، كلام جميل، وخيال خصب، قيل في ظل غير هذه الحضارة، ومن غير هؤلاء الذين يتكلمون هذا الكلام .. لو قيل من عباد زهّاد تعف ألسنتهم وأقلامهم وأعينهم عما حرم الله من زينة المرأة ومفاتنها: واهواء الحياة وشهواتها! أما من أولئك فلا، وخير لهم أن يحترموا واقع الحياة التي تعيشها الانسانية ويعالجوا مشاكلها بصراحة الحكيم المجرب، لا بمراوغة المجادل المكابر ...
سؤال غريب
أما وقد ذكرت المبررات الشخصية والاجتماعية لتشريع تعدد الزوجات، فإني أحب أن أتعرض لسؤال غريب سألتني إياه طالبة في الجامعة حين كنت اتحدث الى طلابي عن موضوع تعدد الزوجات، قالت:
إذا كانت المبررات التي ذكرتموها تبيح تعدد الزوجات، فلماذا لا يباح
стр. 66
تعدد الأزواج عند وجود المبررات نفسها بالنسبة الى المرأة؟
وكان جوابي فيه شيء من التلميح فهمته تلك الفتاة وتفهمه امثالها من النساء وهو أن المساواة بين الرجل والمرأة في أمر التعدد مستحيلة طبيعة وخلقه، ذلك لأن المرأة في طبيعتها لا تحمل إلا في وقت واحد، مرة واحدة في السنة كلها، أما الرجل فغير ذلك، فمن الممكن أن يكون له أولاد متعددون من نساء متعددات، ولكن المرأة لا يمكن إلا أن يكون لها مولود واحد من رجل واحد.
فتعدد الأزواج بالنسبة الى المرأة يضيع نسبة ولدها الى شخص معين، وليس الأمر كذلك بالنسبة الى الرجل في تعدد زوجاته.
وشيء آخر وهو أن للرجل رئاسة الأسرة في جميع شرائع العالم فاذا أبحنا للزوجة تعدد الأزواج فلمن تكون رئاسة الأسرة؟ أتكون بالتناوب؟ أم للأكبر سناً؟ ثم إن الزوجة لمن تخضع؟ أتخضع لهم جميعاً وهذا غير ممكن لتفاوت رغباتهم؟ أم تخص واحداً دون الآخرين، وهذا ما نسخطهم جميعاً إن السؤال فيه من الطرافة أكثر مما فيه من الجدية؟.
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - مساوئ التعدد
وهنا نجد من الانصاف أن نذكر مساوئ التعدد بعد أن ذكرنا محاسنه.
١ - فمن أهم مساوئه ما ينشأ بين الزوجات من عداء وتحاسد وتنافس يؤدي الى تنغيص عش الزوجية، وانشغال بال الزوج بتوافه الخصام بين الزوجات، مما يجعل حياته معهن جحيما لا يكاد يطاق، وحياتهن فيما بينهن نكداً لا يكاد ينتهي.
وقد اطلعت أثناء تبييض هذه المحاضرة على أبيات للمرحوم الشيخ عبد الله العلمي الغزي الدمشقي أوردها في تفسيره لسورة يوسف - الذي طبع حديثاً - يصور عذاب المتزوج باثنتين (١):
تزوجت اثنتين لفرط جهلي ... وقد حاز البلى زوجُ إثنتين
فقلت أعيش بينهما خروفاً ... أُنَعّم بين أكرم نعجتين
فجاء الأمر عكس الحال دوماً ... عذاباً دائماً ببليّتين
стр. 67
رضا هذي يحرك سُخط هذى ... فما اخلوا من احدى السخطتين
وكثيراً ما يهيج الشر بينهن أن احداهن تكون أحب الى قلب الزوج من الآخرى أو من أخراهن، فيكون الحسد الذي لا يغثأ حدته الى حكمة الزوج، وهيهات إلا من أوتي أخلاق النبيين وعقل الفلاسفة والحكماء!
٢ - إن هذا العداء ينتقل غالباً إلى أولاد الزوجات، فينشأ الأخوة وبينهم من العداء والبغضاء ما يؤدي في الكثير الغالب إلى متاعب للأسرة، وللأب خاصة ما يكون له أسوأ الآثار في إستقرار الحياة الزوجية وسعادتها.
٣ - إن الزوج لا يمكنه العدل بين زوجاته في المحبة - كما أخبر الله تعالى - مهما حرص على العدل في النفقة والمعاملة، وفي ميل الزوج الى زوجته الجديدة إيحاش لقلب زوجته الأولى، وإيلام لها حيث تشعر أن زوجها كان لها خالصاً، فأصبح لها من ينافسها في حبه وعواطفه ومسكنه ومأكله ومشربه، إن الحب لا يقبل مشاركة ولا مزاحمة، فكيف يقر للزوجة الأولى قرار بعد هذا الشريك المزاحم الجديد؟ وأي عذاب هذا الذي تستطيع أن تتحمله ودونه كل عذاب؟
٤ - وقد قيل في مساوئ التعدد إنه سبب من أسباب تشرد الطفولة في بلادنا، كما قيل مثله عن الطلاق.
ولكن التدقيق في دراسة التشرد وأسبابه وأماكنه يرد هذه الدعوى ونذكر من ذلك أمراً بسيطاً، وهو أن التعدد في بلادنا كثيراً ما يقع في الريف، ويقصد منه أن يكون للأب أولاد كثيرون يساعدونه في زراعة الأرض التي يملكها، وهو لا يكون غالباً إلا من الموسرين كما تدل عليه الاحصاءات، ولا وجود للتشرد في الريف، ولا في أولاد الموسرين، وإنما هو موجود في المدن الكبرى وفي أولاد الفقراء، وفي اليتامى وأبناء المجرمين والمشردين، فللتشرد عوامل اجتماعية خاصة ليس تعدد الزوجات ولا الطلاق من أسبابه (١).
إن المساوئ الثلاثة الأولى هي التي تسلّم في مساوئ تعدد الزوجات،
стр. 68
ولكن: أي نظام لا مساوئ له؟ ثم أي شيء في الدنيا يجري كما يحب كل إنسان ويهواه؟ على أن التدين الصحيح والتربية الخلقية الكاملة يخففان كثيراً من هذه الأضرار حتى كأنها لا وجود لها.
إن نظام التعدد لا ينفذ غالباً إلا عند الضرورات، وللضرورات احكامها، وهو في رأيي كالعملية الحربية: فيها آلام، وفيها ضحايا، ولكن إذا كانت لا بد منها، كانت دفاعاً مشروعاً يتحمل في سبيله كل تضحية وكل ألم، وإذا لم تكن ضرورية كانت عملاً جنونياً لا يقدم عليه عاقل، وهذا هو تماماً موقف كل إنسان وكل مجتمع من قضية التعدد.
ثم إن شعور المرأة بالألم لمزاحمة زوجة أخرى لها، لا يدفعه منع التعدد فما دام الرجل يتطلع الى امرأة أخرى، فبماذا تحول زوجته دون انصراف عواطفه الى تلك المرأة؟ إنه يستطيع أن يخونها، وأن يواصل تلك المرأة سراَ ويعاشرها سراً، وقد تعلم ذلك ولكنها لا تستطيع أن تفعل معه شيئاً، كما هو الواقع في حياة الغربيين، وفي حياة كثير من المنحرفين في بلادنا أليس الأكرم لها ولزوجها وللمرأة الأخرى أن يكون هذا اللقاء بعلمها ورضاها، وأن يكون مشروعاً على سنة الله ورسوله كما يقولون؟
والرجل الذي يقتصر على امرأة واحدة ولا يحب زوجته، ألا يؤلمها ذلك؟ ألا ينغص عيشها؟ ألا يفقدها السعادة والهناء في حياتها الزوجية؟ ولكنها ماذا تستطيع أن تفعل معه؟ أتجبره على حبها؟ هذا مستحيل! أتحبسه في بيتها؟ أتتوسل اليه بالرقى والتعاويذ؟ ان الحب كما لا يقبل المزاحمة لا يقبل الاكراه فاذا ابتليت الزوجة بمن لا يحبها كان ذلك في الكتاب مقدوراً، ولا سبيل الى دفع عذابها النفسي وألمها بسبب ذلك، فاما ان تخسر الزوج كلها بالطلاق، واما أن تخسر نصفه بالتعدد، فأيهما أكثر خسارة لها وأشد إيلاماً؟
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - التعدد نظام أخلاقي
إن نظام التعدد - وبخاصة نظامه في الاسلام - نظام أخلاقي إنساني. اما إنه أخلاقي فلأنه لا يسمح للرجل أن يتصل بأي امرأة شاء، وفي أي وقت شاء.
إنه لا يجوز له أن يتصل بأكثر من ثلاث نساء زيادة عن زوجته.
ولا يجوز له أن يتصل بواحدة منهن سراً، بل لا بد من إجراء العقد
стр. 69
وإعلانه ولو بين نفر محدود، ولا بد من أن يعلم أولياء المرأة بهذا الاتصال المشروع ويوافقوا عليه، أو أن لا يبدوا عليه اعتراضاً، ولا بد من تسجيله - بحسب التنظيم الحديث - في محكمة مخصصة لعقود الزواج، أو يستحب أن يولم الرجل عليه، وأن يدعو لذلك أصدقاءه، وأن يضرب له الدفوف (الموسيقى) مبالغة في الفرح والإكرام.
وأما أنه انساني فلأنه يخفف الرجل به من أعباء المجتمع بإيواء امرأة لا زوج لها ونقلها الى مصاف الزوجات المصونات المحصنات.
ولأنه يدفع ثمن اتصاله الجنسي مهراً وأثاثاً ونفقات تعادل فائدته الاجتماعية من بناء خلية اجتماعية تنتج للأمة نسلاً عاملاً.
ولأنه لا يخلي بين المرأة التي اتصل بها وبين متاعب الحمل وأعبائه، بل يتحمل قسطاً من ذلك ينفقه عليها أثناء حملها وولادتها.
ولأنه يعترف بالأولاد الذين أنجبهم هذا الاتصال الجنسي، ويقدمهم للمجتمع ثمرة من ثمرات الحب الشريف الكريم، يعتز هو بهم، وتعتز أمته في المستقبل بهم.
إن نظام التعدد، يحدد الانسان فيه شهوته الى قدر محدود، ولكنه يضاعف أعباءه ومتاعبه ومسؤولياته الى قدر غير محدود.
لا جرم ان كان نظاماً أخلاقياً يحفظ الأخلاق، إنسانياً يشرف الانسان.
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - تعدد الغربيين لا أخلاقي ولا إنساني
وأين هذا من التعدد الواقع في حياة الغربيين حتى تحداهم أحد كتابهم أن يكون أحدهم وهو على فراش الموت يدلي باعترافاته للكاهن، تحداهم أن يكون فيهم واحد لا يعترف للكاهن بأنه اتصل بامرأة غير امرأته ولو مرة واحدة في حياته.
إن هذا التعدد عند الغربيين واقع من غير قانون، بل واقع تحت سمع القانون وبصره.
إنه لا يقع باسم الزوجات، ولكنه باسم الصديقات والخليلات.
إنه ليس مقتصراً على أربعة فحسب، بل هو الى ما نهاية له من العدد.
إنه لا يقع علناً تفرح به الأسرة، ولكن سراً لا يعرف به أحد.
стр. 70
إنه لا يلزم صاحبه بأية مسؤولية مالية نحو النساء اللاتي يتصل بهن، بل حسبه أن يلوث شرفهن، ثم يتركهن للخزي والعار والفاقة وتحمل آلام الحمل والولادة غير المشروعة.
إنه لا يلزم صاحبه بالاعتراف بما نتج عن هذا الاتصال من أولاد، بل يعتبرون غير شرعيين، يحملون على جباههم، خزي السفاح ما عاشوا، لا يملكون أن يرفعوا بذلك رأساً.
إنه تعدد قانوني من غير أن يسمى تعدد الزوجات، خال من كل تصرف أخلاقي أو يقظة وجدانية، أو شعور إنساني.
إنه تعدد تبعث عليه الشهوة والانانية، ويفر من تحمل كل مسؤولية.
فأي النظامين ألصق بالأخلاق، وأكبح للشهوة، وأكرم للمرأة، وأدل على الرقي، وأبر بالانسانية؟
شغب الأوروبيين
بعد هذا يحق لك أن تتعجب من إثارة الغربيين للضجة على الاسلام والمسلمين حول تعدد الزوجات، ونتساءل:
ألا يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم ليسوا على حق في إثارة هذه الضجة على الإسلام؟
ألا يشعرون بأنهم حين يضجون من تفكك الأسرة، وتكاثر الأولاد عاماً بعد عام، يعترفون ضمناً بأنهم لا يستطيعون أن يقتصروا على امرأة واحدة؟
ألا يشعرون بأن من يقتصر على أربعة خير ممن يجدد كل ليلة زوجة؟ وأن من يلتزم نحو من يتصل بها بمسؤوليات أدبية ومالية أنبل ممن يتخلى أمامها عن كل مسؤولية.
ألا يشعرون أن انجاب نصف مليون ولد بصورة مشروعة أكرم وأحسن للنظام الاجتماعي من انجابهم بصورة غير مشروعة!
في اعتقادي أنهم يشعرون بذلك لو تخلو عن غرورهم من جهة وتعصبهم من جهة أخرى.
أما الغرور فهو اعتقادهم أن كل ما هم عليه حسن وجميل، وأن ما عليه غيرهم من الأمم والشعوب - وبخاصة المستضعفة منها - سيء وقبيح.
стр. 71
وأما التعصب فهو هذا الذي ما يزالوا يتوارثونه جيلاً بعد جيل ضد الاسلام ونبيه وقرآنه.
حين كنت في دبلن (ارلندا) عام ١٩٥٦ زرت مؤسسة الآباء اليسوعيين فيها، وجرى حديث طويل بيني وبين الأب المدير لها، وكان مما قلته له:
لماذا تحملون على الاسلام ونبيه وبخاصة في كتبكم المدرسية بما لا يصح أن يقال في مثل هذا العصر الذي تعارفت فيه الشعوب والتقت الثقافات؟
فأجابني: نحن الغربيين لا نستطيع أن نحترم رجلاً تزوج تسع نساء! ..
قلت له: هل تحترمون نبي الله داود، ونبيه سليمان؟
قال: بلى! وهما عندنا من أنبياء التوراة!
قلت: إن نبي الله داود كان له تسع وتسعون زوجة! كملهن بمائة بالزواج من زوجة قائدة أوريا كما هو معلوم "ونبي الله سليمان كانت له - كما جاء في التوراة - سبعمائة زوجة من الحرائر، وثلاثمائة من الجواري وكن أجمل أهل زمانهن، فلم يستحق احترامكم من يتزوج ألف امرأة، ولا يستحق من يتزوج تسعاً؟ لماذا لا يستحق احترامكم من تزوج تسعاً، ثمانية منهن ثيبات، وأمهات، وبعضهن عجائز، والتاسعة هي الفتاة البكر الوحيدة التي تزوجها طيلة عمره؟
فسكت قليلاً وقال: لقد أخطأت التعبير أنا أقصد أننا نحن الغربيين لا نستسيغ الزواج بأكثر من امرأة، ويبدوا لنا أن من يعدد الزوجات غريب الأطوار، أو عارم الشهوة!
قلت: فما تقولون في داود وسليمان وبقية أنبياء بني اسرائيل الذين كانوا جميعاً معددين للزوجات بدءً من ابراهيم ﵇؟
فسكت ولم يحر جواباً ...
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - تشريع التعدد في القرآن
جاء في القرآن الكريم في أول سورة النساء ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء: ٠٣].
وجاء في السورة نفسها: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
стр. 72
حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٢٩].
تفيد هاتان الآياتان بمجموعهما كما فهمها جمهور المسلمين من عهد الرسول ﷺ وصحابته والتابعين وعصور الاجتهاد فما بعدها: الاحكام التالية:
١ - اباحة تعدد الزوجات حتى الأربع، فلفظ "انكحوا" وإن كان لفظ أمر إلا أنه هنا للاباحة لا للايجاب، وعلى ذلك جمهور المجتهدين في مختلف العصور لا نعلم في ذلك خلافاً.
ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل الأهواء والبدع فذهبوا الى أن الآية تفيد إباحة التعدد بأكثر من أربعةن وهذا ناشئ من جهلهم ببلاغة القرآن وأساليب البيان العربي، ومن جهلهم بالسنة كما قال القرطبي ﵀.
٢ - أن التعدد مشروط بالعدل بين الزوجات، فمن لم يتأكد من قدرته على العدل "لم يجز" له أن يتزوج بأكثر من واحدة، ولو تزوج كان العقد صحيحا بالاجماع ولكنه يكون آثما.
وقد أجمع العلماء - وأيده تفسير الرسول ﷺ وفعله - أن المراد بالعدل المشروط هو العدل المادي في المسكن واللباس والطعام والشراب والمبيت وكل ما يتعلق بمعاملة الزوجات مما يمكن فيه العدل.
٣ - أفادت الآية الأولى اشتراط القدرة على الانفاق على الزوجة الثانية وأولادها، بناء على تفسير قوله تعالى ﴿أن لا تعولوا﴾ أن لا تكثر عيالكم، وهذا هو التفسير المأثور عن الشافعي ﵀.
قال البيهقي في "أحكام القرآن" الذي جمعه من كلام الشافعي ﵀ في مصنفاته:
وقوله: "ألا تعولوا" أي لا يكثر من تعولون اذا اقتصر المرأة على واحدة، وإن أباح له أكثر منها" (ص ٢٦٠).
وهذا يفيد ضمناً اشتراط القدرة على الانفاق لمن أراد التعدد، إلا أنه شرط ديانة لا قضاء.
٤ - وأفادت الآية الثانية أن العدل في الحب بين النساء غير مستطاع وأن على الزوج أن لا يميل عن الأولى كل الميل فيذرها كالمعلقة، لا هي مطلقة،
стр. 73
بل عليه أن يعاملها باللطف والحسنى بما استطاع، عسى أن يصلح قلبها ويكسب مودتها.
وقد فهم النبي ﷺ هذه الآية كما ذكرناه، فكان حين يعدل بين زوجاته يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يعني بذلك حبه لعائشة ﵂ أكثر من غيرها من زوجاته.
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - فهم خاطئ متهور
وقد حاول بعض الناس ممن لا علم لهم بالشرع، ولا بالكتاب والسنة أن يزعموا أن القرآن يمنع التعدد في آيتيه السابقتين، لأن الآية الأولى تشترط إباحة التعدد بالعدل بين الزوجات، والآية الثانية تقطع باستحالة العدل بينهن، فكأن التعدد مشروط بما يستحيل امكانه، فهو ممنوع.
ولا ريب في أن قليلاً من النظر يرد هذه الدعوى لأمور كثيرة منها:
أولاً- إن العدل المشروط في الآية الأولى وهو غير العدل المقطوع باستحالته في الآية الثانية.
فالعدل المشروط في الأولى هو العدل الذي يمكن للزوج أن يفعله وهو العدل المادي في مثل المسكن والمبيت واللباس والطعام وغير ذلك.
والعدل المقطوع بعدم استطاعته هو العدل الذي لا يمكن في الواقع للزوج أن يفعله، وهو العدل المعنوي في الحب والمكانة القلبية، فما تزوج الثانية إلا وهو معرض عن الأولى بسبب من الأسباب، فكيف يعدلها بها ويساويها معها في حبه وعواطفه!
وعلى هذا فلا تعلق بين العدلين في الآيتين، الا من حيث أنه عدل بين الزوجات! ويكون تعليق التعدد بالعدل المادي بين الزوجات لا يزال مشروطاً وقائماً، فمن علم أنه لا يعدل بينهن كان آثماً في التعدد، وإذا تزوج فلم يعدل كان آثماً.
وأما عدم عدله في حبه بينهن فلا يؤاخذه الله عليه إلا إذا أفرط في الجفاء، وبالغ في الانصراف.
ثانياً- إن نص الآية الثانية قاطع بالمراد من العدل الذي لا يستطيعه الانسان، وهو الحب، وذلك أن الله ﵎ بعد أن علم طبيعة النفس
стр. 74
الانسانية وأنها لا تستطيع العدل بين الأولى والثانية، خاطبه بما يستطيع، فنهاه عن أن يميل عن الأولى "كل" الميل، فيذرها كالمعلقة ومعنى ذلك أن الميل "بعض" الميل جائز، بل هو الذي لا بد أن يقع وهو مما لا يحاسب الله عليه الزوج. ولذلك ختم الآية الكريمة بقوله: ﴿وأن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً﴾ وهذا حث آخر للزوج أن يصلح الوضع فيما بينه وبين زوجته الأولى، ويتقي الله في أمرها فلا يهجرها ويسيء عشرتها، وأنه إن فعل ذلك فإن الله يغفر له ما يكون منه من ميل الى زوجته الثانية أكثر من الأولى، وأن الله رحيم بتلك الزوجة، بما سيلقي في قلب زوجها من وجوب العدل معها وحسن معاملته لها.
ثالثاً- لو كان الأمر كما زعمه هؤلاء لما كان لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ معنى، ولا أدى الى غرض ولكان الأولى أن يمنع التعدد رأساً بلفظ واحد، لا أن يبيح التعدد ويعلقه بشرط مستحيل، فهذا عبث من الكلام يصان عنه أي واحد من العقلاء فكيف بكلام رب العالمين، الذي هو الذروة العليا من الفصاحة والبلاغة والبيان العربي المبين؟ ...
أليس مثل ذلك - في دعواهم - كمثل من قال: أبحت لك أن تسلك هذه الطريق أوهذه الطريق، أو هذه الطريق، ولكن من المستحيل عليك أن تسلك إلا طريقاً واحداً لكذا وكذا؟ ما معنى مثل هذا الكلام؟ وما فائدته؟ وهل يقع في مثل هذا في قانون؟ أو دستور أو كتاب علمي؟ فضلاً عن كتاب رب العالمين.
رابعاً- من المعلوم في الدين بالضرورة أن النبي ﷺ مفسر لكتاب الله، وأنه لا يفعل حراماً، ولا يسمح بحرام ولا يقر عليه، وقد ثبت أن العرب الذين دخلوا في الاسلام كان منهم كثيرون تحتهم أكثر من أربع زوجات، منهم من كان عنده ست، ومنهم من كان عنده ثمان، ومنهم من كان عنده عشر، ومنهم من كان عنده ثماني عشرة ... وهكذا فأمرهم النبي ﷺ أن يختار كل واحد أربعاً من زوجاته ويفارق سائرهن، ولو كان التعدد حراما بنص هاتين الآيتين لأمرهم أن يختاروا واحدة منهن ويفارقوا سائرهن.
ومن الثابت أن النبي ﷺ قد عدد زوجاته، وأن أصحابه قد عددوا الزوجات في حياته وعلى مسمع منه وعلم، ولم ينكر عليهم، فاذا قيل إن تعدد زوجات النبي ﷺ خاص به - مع أن خصوصيته في الزيادة على الأربع لا
стр. 75
في الزيادة على واحدة باجماع المسلمين - فكيف أقر النبي تعدد زوجات أصحابه، وكيف رضي بذلك وسكت عنه؟
ولا أعتقد عاقلاً يزعم أن الصحابة والتابعين وجماهير المسلمين خلال أربعة عشر قرنا لم يفهموا هاتين الآيتين حق الفهم، وأن الله أدخر هذه الفضيلة لأصحاب هذا الفهم، إن قال أحد مثل هذا فقد حكم بنفسه على عقله! ...
في اعتقادي أن الذين قالوا مثل هذا ليسوا من الجهل والغباوة الى هذا الحد، ولكنهم بين فريقين: بين مخلص حسن النية رأى شدة هجوم الغربيين على نظام التعدد في الاسلام، فظن أنه بمثل هذا القول يخلص الاسلام مما يتهمونه به، ومثل هذا ضعيف الايمان، ضعيف الشخصية، لا يثق بما عنده، ويخشى ما عند أعدائه، فينهزم أمامهم لأول حملة مصطنعة، وأرى أن عصر هؤلاء قد ولى، وأن الغربيين قد أصبحوا بحاجة الى ترميم بنيانهم المتداعي، فلم يعودوا يصلحون للهجوم على الناس .. ولم يعودوا يخيفون من يهاجمون ...
وبين آخر سيء النية يريد أن يخدع المسلمون عن دينهم، فيزين لهم التبرئ مما فعله رسولهم وصحابته وجماهير الملايين المسلمين أربعة عشر قرناً، بحجة أنهم لم يفهموا القرآن كما ينبغي، ومثل هذا مهتوك الستر لا يمكن أن يخدع أحداً، وقد أصبح المسلمون من الثقة بدينهم، والوعي لدسائس خصومهم بما لا تنطلي عليهم مثل هذه الدسائس، ولا هاتيك التحريفات!
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - أثر الاصلاح الاسلامي في التعدد
جاء الاسلام ونظام التعدد شائع في كل شرائع العالم وشعوبه تقريباً ولكنه لم يكن له حد ولا نظام.
فكان أول إصلاح في هذا النظام أن قصره على أربع زوجات، وهو اصلاح عظيم الشأن إذا علمنا أن بعض الناس، بل بعض الأنبياء السابقين كانت لهم مئات الزوجات.
وكان مما عمله أن شدد فيه على العدل بين الزوجات، عدلاً مادياً إلى أقصى حدود المستطاع، وقد بنى الفقهاء المسلمون على هذا المبدأ إحكام أحكام في نهاية السمو الأخلاقي الذي لا مثيل له حتى في أخيلة الفلاسفة والحكماء.
وإن تعجب فمن صنيع النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه: كان يرحص على أن يبيت عند كل زوجة ليلة كما يبيت عند الآخرى، وكان من