وأما التعصب فهو هذا الذي ما يزالوا يتوارثونه جيلاً بعد جيل ضد الاسلام ونبيه وقرآنه.
حين كنت في دبلن (ارلندا) عام ١٩٥٦ زرت مؤسسة الآباء اليسوعيين فيها، وجرى حديث طويل بيني وبين الأب المدير لها، وكان مما قلته له:
لماذا تحملون على الاسلام ونبيه وبخاصة في كتبكم المدرسية بما لا يصح أن يقال في مثل هذا العصر الذي تعارفت فيه الشعوب والتقت الثقافات؟
فأجابني: نحن الغربيين لا نستطيع أن نحترم رجلاً تزوج تسع نساء! ..
قلت له: هل تحترمون نبي الله داود، ونبيه سليمان؟
قال: بلى! وهما عندنا من أنبياء التوراة!
قلت: إن نبي الله داود كان له تسع وتسعون زوجة! كملهن بمائة بالزواج من زوجة قائدة أوريا كما هو معلوم "ونبي الله سليمان كانت له - كما جاء في التوراة - سبعمائة زوجة من الحرائر، وثلاثمائة من الجواري وكن أجمل أهل زمانهن، فلم يستحق احترامكم من يتزوج ألف امرأة، ولا يستحق من يتزوج تسعاً؟ لماذا لا يستحق احترامكم من تزوج تسعاً، ثمانية منهن ثيبات، وأمهات، وبعضهن عجائز، والتاسعة هي الفتاة البكر الوحيدة التي تزوجها طيلة عمره؟
فسكت قليلاً وقال: لقد أخطأت التعبير أنا أقصد أننا نحن الغربيين لا نستسيغ الزواج بأكثر من امرأة، ويبدوا لنا أن من يعدد الزوجات غريب الأطوار، أو عارم الشهوة!
قلت: فما تقولون في داود وسليمان وبقية أنبياء بني اسرائيل الذين كانوا جميعاً معددين للزوجات بدءً من ابراهيم ﵇؟
فسكت ولم يحر جواباً ...
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - تشريع التعدد في القرآن
جاء في القرآن الكريم في أول سورة النساء ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ [النساء: ٠٣].
وجاء في السورة نفسها: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو
стр. 72
حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ١٢٩].
تفيد هاتان الآياتان بمجموعهما كما فهمها جمهور المسلمين من عهد الرسول ﷺ وصحابته والتابعين وعصور الاجتهاد فما بعدها: الاحكام التالية:
١ - اباحة تعدد الزوجات حتى الأربع، فلفظ "انكحوا" وإن كان لفظ أمر إلا أنه هنا للاباحة لا للايجاب، وعلى ذلك جمهور المجتهدين في مختلف العصور لا نعلم في ذلك خلافاً.
ولا عبرة بمن خالف ذلك من أهل الأهواء والبدع فذهبوا الى أن الآية تفيد إباحة التعدد بأكثر من أربعةن وهذا ناشئ من جهلهم ببلاغة القرآن وأساليب البيان العربي، ومن جهلهم بالسنة كما قال القرطبي ﵀.
٢ - أن التعدد مشروط بالعدل بين الزوجات، فمن لم يتأكد من قدرته على العدل "لم يجز" له أن يتزوج بأكثر من واحدة، ولو تزوج كان العقد صحيحا بالاجماع ولكنه يكون آثما.
وقد أجمع العلماء - وأيده تفسير الرسول ﷺ وفعله - أن المراد بالعدل المشروط هو العدل المادي في المسكن واللباس والطعام والشراب والمبيت وكل ما يتعلق بمعاملة الزوجات مما يمكن فيه العدل.
٣ - أفادت الآية الأولى اشتراط القدرة على الانفاق على الزوجة الثانية وأولادها، بناء على تفسير قوله تعالى ﴿أن لا تعولوا﴾ أن لا تكثر عيالكم، وهذا هو التفسير المأثور عن الشافعي ﵀.
قال البيهقي في "أحكام القرآن" الذي جمعه من كلام الشافعي ﵀ في مصنفاته:
وقوله: "ألا تعولوا" أي لا يكثر من تعولون اذا اقتصر المرأة على واحدة، وإن أباح له أكثر منها" (ص ٢٦٠).
وهذا يفيد ضمناً اشتراط القدرة على الانفاق لمن أراد التعدد، إلا أنه شرط ديانة لا قضاء.
٤ - وأفادت الآية الثانية أن العدل في الحب بين النساء غير مستطاع وأن على الزوج أن لا يميل عن الأولى كل الميل فيذرها كالمعلقة، لا هي مطلقة،
стр. 73
بل عليه أن يعاملها باللطف والحسنى بما استطاع، عسى أن يصلح قلبها ويكسب مودتها.
وقد فهم النبي ﷺ هذه الآية كما ذكرناه، فكان حين يعدل بين زوجاته يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يعني بذلك حبه لعائشة ﵂ أكثر من غيرها من زوجاته.
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - فهم خاطئ متهور
وقد حاول بعض الناس ممن لا علم لهم بالشرع، ولا بالكتاب والسنة أن يزعموا أن القرآن يمنع التعدد في آيتيه السابقتين، لأن الآية الأولى تشترط إباحة التعدد بالعدل بين الزوجات، والآية الثانية تقطع باستحالة العدل بينهن، فكأن التعدد مشروط بما يستحيل امكانه، فهو ممنوع.
ولا ريب في أن قليلاً من النظر يرد هذه الدعوى لأمور كثيرة منها:
أولاً- إن العدل المشروط في الآية الأولى وهو غير العدل المقطوع باستحالته في الآية الثانية.
فالعدل المشروط في الأولى هو العدل الذي يمكن للزوج أن يفعله وهو العدل المادي في مثل المسكن والمبيت واللباس والطعام وغير ذلك.
والعدل المقطوع بعدم استطاعته هو العدل الذي لا يمكن في الواقع للزوج أن يفعله، وهو العدل المعنوي في الحب والمكانة القلبية، فما تزوج الثانية إلا وهو معرض عن الأولى بسبب من الأسباب، فكيف يعدلها بها ويساويها معها في حبه وعواطفه!
وعلى هذا فلا تعلق بين العدلين في الآيتين، الا من حيث أنه عدل بين الزوجات! ويكون تعليق التعدد بالعدل المادي بين الزوجات لا يزال مشروطاً وقائماً، فمن علم أنه لا يعدل بينهن كان آثماً في التعدد، وإذا تزوج فلم يعدل كان آثماً.
وأما عدم عدله في حبه بينهن فلا يؤاخذه الله عليه إلا إذا أفرط في الجفاء، وبالغ في الانصراف.
ثانياً- إن نص الآية الثانية قاطع بالمراد من العدل الذي لا يستطيعه الانسان، وهو الحب، وذلك أن الله ﵎ بعد أن علم طبيعة النفس
стр. 74
الانسانية وأنها لا تستطيع العدل بين الأولى والثانية، خاطبه بما يستطيع، فنهاه عن أن يميل عن الأولى "كل" الميل، فيذرها كالمعلقة ومعنى ذلك أن الميل "بعض" الميل جائز، بل هو الذي لا بد أن يقع وهو مما لا يحاسب الله عليه الزوج. ولذلك ختم الآية الكريمة بقوله: ﴿وأن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفوراً رحيماً﴾ وهذا حث آخر للزوج أن يصلح الوضع فيما بينه وبين زوجته الأولى، ويتقي الله في أمرها فلا يهجرها ويسيء عشرتها، وأنه إن فعل ذلك فإن الله يغفر له ما يكون منه من ميل الى زوجته الثانية أكثر من الأولى، وأن الله رحيم بتلك الزوجة، بما سيلقي في قلب زوجها من وجوب العدل معها وحسن معاملته لها.
ثالثاً- لو كان الأمر كما زعمه هؤلاء لما كان لقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ معنى، ولا أدى الى غرض ولكان الأولى أن يمنع التعدد رأساً بلفظ واحد، لا أن يبيح التعدد ويعلقه بشرط مستحيل، فهذا عبث من الكلام يصان عنه أي واحد من العقلاء فكيف بكلام رب العالمين، الذي هو الذروة العليا من الفصاحة والبلاغة والبيان العربي المبين؟ ...
أليس مثل ذلك - في دعواهم - كمثل من قال: أبحت لك أن تسلك هذه الطريق أوهذه الطريق، أو هذه الطريق، ولكن من المستحيل عليك أن تسلك إلا طريقاً واحداً لكذا وكذا؟ ما معنى مثل هذا الكلام؟ وما فائدته؟ وهل يقع في مثل هذا في قانون؟ أو دستور أو كتاب علمي؟ فضلاً عن كتاب رب العالمين.
رابعاً- من المعلوم في الدين بالضرورة أن النبي ﷺ مفسر لكتاب الله، وأنه لا يفعل حراماً، ولا يسمح بحرام ولا يقر عليه، وقد ثبت أن العرب الذين دخلوا في الاسلام كان منهم كثيرون تحتهم أكثر من أربع زوجات، منهم من كان عنده ست، ومنهم من كان عنده ثمان، ومنهم من كان عنده عشر، ومنهم من كان عنده ثماني عشرة ... وهكذا فأمرهم النبي ﷺ أن يختار كل واحد أربعاً من زوجاته ويفارق سائرهن، ولو كان التعدد حراما بنص هاتين الآيتين لأمرهم أن يختاروا واحدة منهن ويفارقوا سائرهن.
ومن الثابت أن النبي ﷺ قد عدد زوجاته، وأن أصحابه قد عددوا الزوجات في حياته وعلى مسمع منه وعلم، ولم ينكر عليهم، فاذا قيل إن تعدد زوجات النبي ﷺ خاص به - مع أن خصوصيته في الزيادة على الأربع لا
стр. 75
في الزيادة على واحدة باجماع المسلمين - فكيف أقر النبي تعدد زوجات أصحابه، وكيف رضي بذلك وسكت عنه؟
ولا أعتقد عاقلاً يزعم أن الصحابة والتابعين وجماهير المسلمين خلال أربعة عشر قرنا لم يفهموا هاتين الآيتين حق الفهم، وأن الله أدخر هذه الفضيلة لأصحاب هذا الفهم، إن قال أحد مثل هذا فقد حكم بنفسه على عقله! ...
في اعتقادي أن الذين قالوا مثل هذا ليسوا من الجهل والغباوة الى هذا الحد، ولكنهم بين فريقين: بين مخلص حسن النية رأى شدة هجوم الغربيين على نظام التعدد في الاسلام، فظن أنه بمثل هذا القول يخلص الاسلام مما يتهمونه به، ومثل هذا ضعيف الايمان، ضعيف الشخصية، لا يثق بما عنده، ويخشى ما عند أعدائه، فينهزم أمامهم لأول حملة مصطنعة، وأرى أن عصر هؤلاء قد ولى، وأن الغربيين قد أصبحوا بحاجة الى ترميم بنيانهم المتداعي، فلم يعودوا يصلحون للهجوم على الناس .. ولم يعودوا يخيفون من يهاجمون ...
وبين آخر سيء النية يريد أن يخدع المسلمون عن دينهم، فيزين لهم التبرئ مما فعله رسولهم وصحابته وجماهير الملايين المسلمين أربعة عشر قرناً، بحجة أنهم لم يفهموا القرآن كما ينبغي، ومثل هذا مهتوك الستر لا يمكن أن يخدع أحداً، وقد أصبح المسلمون من الثقة بدينهم، والوعي لدسائس خصومهم بما لا تنطلي عليهم مثل هذه الدسائس، ولا هاتيك التحريفات!
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - أثر الاصلاح الاسلامي في التعدد
جاء الاسلام ونظام التعدد شائع في كل شرائع العالم وشعوبه تقريباً ولكنه لم يكن له حد ولا نظام.
فكان أول إصلاح في هذا النظام أن قصره على أربع زوجات، وهو اصلاح عظيم الشأن إذا علمنا أن بعض الناس، بل بعض الأنبياء السابقين كانت لهم مئات الزوجات.
وكان مما عمله أن شدد فيه على العدل بين الزوجات، عدلاً مادياً إلى أقصى حدود المستطاع، وقد بنى الفقهاء المسلمون على هذا المبدأ إحكام أحكام في نهاية السمو الأخلاقي الذي لا مثيل له حتى في أخيلة الفلاسفة والحكماء.
وإن تعجب فمن صنيع النبي ﷺ في مرضه الذي توفي فيه: كان يرحص على أن يبيت عند كل زوجة ليلة كما يبيت عند الآخرى، وكان من
стр. 76
شدة مرضه لا يستطيع المشي، فكان يحمل من بين زوجة الى بيت زوجة أخرى حتى إذا ثقل عليه المرض، استأذن زوجاته في أن يظل عند عائشة تمرِّضه، فلما أذنّ له وعلم رضاهن بذلك انتقل الى بيت عائشة وظل عندها حتى توفي بعد ليالٍ صلوات الله وسلامه عليه!
أنا لا أرى تعبيراً عن انسانية الاسلام وأخلاقيته ومثاليته في تعدد الزوجات أبلغ من هذا المثال ..
وكان من إصلاح الاسلام في هذا الأمر أن ربى ضمير الزوج المسلم على خوف الله ومراقبته، ورغبته في ثوابه إن نفذ أوامره، وخشيته من عذابه إن خالفها، وبذلك كان مع زوجاته لا رجلاً مستعلياً مستبداً يتحكم بهن كما يشاء، بل مؤمنا حاكما على ضميره، مراقباً بنفسه لنفسه فيما يكون قد قصر من حق نحو إحدى زوجاته أو أساء من معاملة.
ومثل هذه التربية تجعل التعدد - حين تقتضيه ظروف الانسان الشخصية أو ظروف المجتمع العامة - قليل المساوئ، قليل الاضرار، فلا بيت تنهكه العداوات، ولا أولاد تفرق بينهم الخصومات، وكل ما في الأمر غيرة لا بد منها تكبح الزوجة المسلمة جماحها بأدب الإسلام، وتعفى آثارها بحسن طاعتها لزوجها وقيامها بحقه ...
ونشأ البيت الاسلامي في العصور الأولى، تعمره الفضيلة، ويملؤه الحب، ويشيع في جنباته الوفاء والاخلاص، لا فرق في ذلك بين البيت ذي الزوجة الواحدة، وهو الأكثر، وبين البيت ذي الزوجتين، وهو الغالب في التعدد، وبين البيت ذي الزوجات الثلاث أو الأربع، وهو القليل في حالات التعدد ..
وكان للتعدد أثره في حروب الفتح، فمن المعلوم أن المعارك الإسلامية مع أعداء الإسلام استمرت منذ هجرة النبي ﷺ ، فدولة الخلفاء الراشدين فالأمويين، فعهد غير قصير من أيام العباسيين. مرحلة امتدت أكثر من مائتي سنة، تتلاحق فيها المعارك في الشرق والغرب والشمال والجنوب، وفي المعارك ضحايا من شهداء ومشوهين وأسرى ومفقودين، ومع ذلك فلم يشك الجيش الاسلامي يوماً من تناقص المحاربين! ولقد خاضت أوروبا معركتين خلال ربع قرن، ففني من رجالها عشرات الملايين، وأصبحت لها مشكلتها الاجتماعية الكبرى: نقصان الرجال وكثرة النساء، فكيف استطاع
стр. 77
المسلمون أن يواصلوا الحروب أكثر من مائتي سنة، ثم واصلوا الحروب بعد ذلك في غزوات التتار، وفي غزوات الصليبيين، وفيما بعد ذلك دون أن يشكو نقصاً في الرجال، وكثرة في النساء؟
في اعتقادي أن لنظام تعدد الزوجات والتسري أثراً كبيراً في هذه النتيجة، ولمن شاء من الباحثين أن يدلنا عن سبب غير هذين ..
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - المسلمون اليوم والتعدد
منذ أفاق المسلمون على ضجيج الحضارة الغربية تصك آذانهم، على جيوشها وحكوماتها تسيطر على شؤونهم ومقدراتهم، وعلى كتبها وعلومها تغزو عقولهم وأفكارهم، وعلى مستشرقيها ومبشريها يحاولون النيل من دينهم وتراثهم، تنبه المفكرون فيهم الى وجوب اصلاح المجتمع الاسلامي وتنقيته من الشوائب، وإنهاضه من كبوته، وبعثه من رقاده.
ومما كثر جدلهم في تعدد الزوجات، وهو أمر كان فاشياً شيئاً ما في ذلك الحين، ثم أخذ يتقلص شيئاً فشيئاً لعوامل كثيرة، وهو منتشر في بعض الأقطار الإسلامية أكثر منه في أقطار أخرى، فهو في مصر مثلا أكثر منه في بلاد الشام .. وقد يكون في تركيا أقل منه في الشام وهكذا.
ولقد كان التعدد يومئذ نتيجة جهل المسلمين، وبُعدهم عن أحكام الاسلام يؤدي الى أضرار كثيرة في الأسرة والمجتمع، مما لا علاقة له بنظام التعدد في الاسلام، بل بأخلاق المسلمين أنفسهم.
إزاء هذا وإزاء حملات الغربيين السديدة على نظام التعدد في الاسلام فكر عدد من المصلحين الاسلاميين في معالجة أضرار التعدد بأساليب شتى.
وكان أقوى من تكلم في ذلك، وأبعدهم أثراً، هو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵀.
فقد كتب كثيراً في أضرار التعدد كما كان عليه في أيامه، وكما شاهد مساوئه بنفسه، وقد تعرض له في دروسه في التفسير التي كان يلقيها في الجامع الأزهر ويدونها حينئذ تلميذه وحامل علمه السيد رشيد رضا ﵀، فكان ينشرها في مجلته "المنار" ثم نقل شيئاً منها في تفسيره (ج ٤ ص ٣٤٩).
стр. 78
قال الاستاذ الامام في تفسيره:
"فمن تأمل الآيتين (اللتين ذكرناهما من سورة النساء) علم أن اباحة تعدد الزوجات في الاسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة باقامة العدل، والأمن من الجور، وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من المفاسد، جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال، ولا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت، كأن كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد الى البيوت، ومن البيوت الى الأمة.
ثم قال: كان للتعدد في صدر الإسلام فوائد أهمها صلة النسب والصهر الذي تقوى بالعصبية، ولم يكن من الضرر مثل ما له الآن ... لأن الدين كان متمكنا من نفوس النساء والرجال، وكان أذى الضرة لا يتجاوز ضرتها، أما اليوم فإن الضرر ينتقل من لك ضرة الى ولدها، الى والده، الى سائر أقربائه، فهي تغري بينهم العداوة والبغضاء، تغري ولدها بعداوة اخوته، وتغري زوجها بهضم حقوق ولده من غيرها، وهو بحماقته يطيع أحب نسائه اليه، فيدب الفساد في العائلة كلها".
الى أن يقول: "وناهيك بتربية المرأة التي لا تعرف قيمة الزوج ولا قيمة الولد، وهي جاهلة بنفسها، وجاهلة بدينها لا تعرف منه إلا خرافات وضلالات تلقفتها من أمثالها، يتبرأ منها كل كتاب منزل، وكل نبي مرسل، فلو تربى النساء تربية دينية صحيحة يكون بها الدين هو صاحب السلطان الأعلى على قلوبهن، بحيث يكون هو الحاكم على الغيرة، لما كان هناك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، وإنما يكون ضرره قاصرا عليهن في الغالب، أما والأمر على ما نرى ونسمع، فلا سبيل الى تربية الأمة مع فشو تعدد الزوجات فيها، فيجب على العلماء النظر في هذه المسألة - خصوصاً الحنفية منهم - الذين بيدهم الأمر، وعلى مذهبهم الحكم فهم لا ينكرون أن الدين أنزل لمصلحة الناس وخيرهم، وإن من أصوله منع الضرر والضرار، فاذا ترتب على شيء مفسدة في زمن لم تكن تلحقه فيما قبله، فلا شك وجوب تغير الحكم وتطبيقه على الحال الحاضرة، يعني على قاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
стр. 79
قال: وبهذا يعلم أن تعدد الزوجات محرم قطعاً عند الخوف من عدم العدل".
ثم قال السيد رشيد رضا بعد ذلك: هذا ما قاله الأستاذ الامام في الدرس الأول الذي فسر فيه الآية، ثم قال في الدرس الثاني:
"تقدم أن اباحة تعدد الزوجات مضيقة قد اشترط فيها ما يصعب تحققه فكأنه نهى من كثرة الأزواج، وتقدم أنه يحرم على من خاف عدم العدل أن يتزوج أكثر من واحدة، ولا يفهم منه كما فهم بعض المجاورين (طلاب بالأزهر) أنه لو عقد في هذه الحالة يكون العقد باطلاً أو فاسداً فإن الحرمة عارضة لا تقتضي بطلان العقد، فقد يخاف الظلم، وقد يظلم ثم يتوب فيعدل، فيعيش عيشاً حلالاً". اهـ.
من هذا يتبين لك:
أولاً- ان الاستاذ الإمام لا يرى في نظام تعدد الزوجات كما جاء في الإسلام، وكما طبقه المسلمون الأولون أي ضرر بالمجتمع.
ثانياً- أنه يرى في التعدد الذي شاهد آثاره بنفسه مضار تتعدى الأسرة الى المجتمع.
ثالثاً- أنه يرى وجوب تشريع يحول دون الاضرار التي يلحقها تعدد الزوجات بالمجتمع.
ولم يفصح ﵀ عما يراه بخصوص هذا التشريع، هل هو منع التعدد؟ أم تقيده بقيود تقلل من وقوعه ومن أضراره؟.
ونحن لا نظن مطلقاً أنه كان يرى منع التعدد - ولو أن في كلامه ما يمكن أن يفهم منه ذلك لمن أراد أن يفهم - فمنع التعدد تغيير لأحكام الله، وحيلولة بين الأمة وبعض الأفراد وبين الاستفادة من هذا التشريع حين تقتضي الضرورات ذلك. ولا نعتقد أن الأستاذ الإمام ﵀ يرى هذا، ولو أنه رأى هذا لكان رأيه مردوداً عليه، فشرع الله أحق أن يتبع، والله أعلم بالحكمة في تشريعه، واساءة استعمال أي تشريع لا تقتضي إلغاءه، بل تقتضي منع تلك الاساءة ...
стр. 80
في الأحوال الشخصية - في تعدّد الزوجات - محاولات لمنع التعدد أو تقييده
المهم أن هذه الصرخات كان لها صداها فيما بعد في نفوس المخلصين من رجال التشريع، واستغلها بعد ذلك المبشرون والمستعمرون والمتزلفون اليهم، فقاموا بحملات مركزة بغية حمل الحكومات الاسلامية على اصدار تشريع يمنع تعدد الزوجات أو يقيده تقييدا يشبه إلغاءه.
في مصر:
يحكي لنا العلامة الجليل الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه "محاضرات في عقد الزواج وآثاره" (ص ١٢٧) أنه بعد نحو من عشرين سنة من وفاة الاستاذ الإمام وجدت مقترحات تتضمن تقييد تعدد الزواج قضائياً بقيدين وهما: العدالة بين الزوجات، والقدرة على الانفاق، وكان ذلك في اللجنة التي ألفت في أكتوبر ١٩٢٦ إذ قدمت مشروعاً مشتملاً على ذلك، ولكن بعد الفحص والتمحيص والمجاوبات المختلفة بين رجال الفقه ورجال الشورى، رأى أولياء الأمر العدول عن ذلك، وجاء المرسوم بقانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ خالياً منه.
وفي سنة ١٩٤٣ همت وزارة الشؤون الاجتماعية المصرية أن تنشر المقبور، لأن وزيرها إذ ذاك ظن أنه يصلح للحياة، ولكنه عدل وشيكا عما هم به فكان له بذلك فضل.
ثم جاء من بعد ذلك وزير آخر، وجعل من أعظم ما يعنى به هذه المسألة، فأعاد نشر ذلك الدفين، وهمّ بأن يقدمه لدار النيابة ليأخذ سيره ولكنه بعد أن خطا بعذ الخطوات، ونبه الى ما فيه من خطر اجتماعي - وممن كتب في ذلك الأستاذ أبو زهرة نفسه في مجلة القانون والإقتصاد في العددين الأول والثاني للسنة الخامسة عشرة - أعاده الى حيث كان.
وبعد أن طبع الأستاذ أبو زهرة كتابه هذا، أعيد الجدل مرة أخرى في العام الماضي - ١٩٦١ - على صفحات الصحف، وقد أيدت عناصر مختلفة منع التعدد أو وضع قيود له، وعارضه علماء الاسلام وعلى رأسهم العلامة الشيخ أبو زهرة معارضة قوية.
ومن الطريف أن رئيس تحرير مجلة كبرى في القاهرة - آخر ساعة - وهو الأستاذ محمد التابعي كتب مقالاً مدعماً بالاحصاءات الرسمية عن تركيا وكيف
стр. 81
أن منع التعدد قانوناً لم يمنع الشعب التركي من التعدد فعلا، وقد انتهى فيه الى أن أي تشريع يمنع التعدد سيلقى الفشل الذي لقيه قانون منع التعدد في تركيا، وقد نقلت احدى الصحف اليومية الكبرى - الاخبار - هذا المقال برمته في شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي على ما أذكر.
في تونس
أما في تونس فقد صدر قانون يمنع التعدد تماماً وفرض عقوبة على من يتزوج أكثر من واحدة. ومن المعروف عن الحاكم هناك أنه غربي النزعة والثقافة والاتجاه.
وقد كان لقرار منع التعدد صدى مختلف الأثر، ففي الأوساط الاسلامية والعلمية كان له صدى مؤسف بالغ الدلالة على الاتجاه الفكري الذي تساق اليه تونس في عهدها الاستقلالي، وفي الأوساط الاستعمارية والنسائية كان له صدى مستحب حيث نعت هذا الاجراء بأنه خطوة تقدمية في سبيل تحرير المرأة التونسية!
في الباكستان
وقد جاءت أنباء الباكستان أخيرا تفيد بأن رئيس جمهوريتها السيد أيوب خان أصدر قانونا - بصفته الحاكم العسكري - يضع قيودا شديدة جدا للزواج بأكثر من واحدة، منها أن يعرض ذلك على مجلس عائلي، وأن يدفع مبلغاً ضخماً من المال، الى غير ذلك مما لا نستطيع الافاضة فيه لأننا لم نطلع على نص القانون كما هو، وإنما وافتنا أنباء الصحف بمعلومات مقتضبة موجزة جداً عنه.
وقد قوبل هذا القانون في الباكستان في الأوساط العالمية الاسلامية وفي الأوساط الشعبية بالسخط والاستنكار، كما قوبل من السيدات المثقفات ثقافة اجنبية وأمثالهن من المثقفين كذلك باستحسان وسرور، وقد أيدته الصحف الاستعمارية والأوساط التبشيرية وأثنت عليه كثيراً.
أما في سورية فقد جاء في قانون الأحوال الشخصية الذي صدر بتاريخ ١٧/ ٠٩/١٩٥٣ ما يلي في باب الأهلية:
وهذا كما نرى تقييد للتعدد بقيد واحد، وهو قدرة المتزوج بواحدة على الانفاق على الزوجة الأخرى، وان للقاضي أن "لا يأذن" بهذا العقد إذا تحقق عدم القدرة المالية.
стр. 82
وهذا النص صريح في أنه عند عدم القدرة تكون سلطة القاضي في عدم الاذن فقط، ولم يتعرض القانون لعدم صحة العقد، وذلك يدل على أن العقد صحيح تترتب عليه آثاره الشرعية وهذا يتفق مع الأحكام الفقهية المجمع عليها، ولكن صاحب العقد يتعرض للعقوبات المالية كأي عقد من عقود الزواج لا يسجل في المحكمة الشرعية.
مناقشة للمنع
نريد أن نذكر أمراً واحداً قبل الدخول في مناقشة هذه المحاولات وهي أنه لا توجد في العالم الاسلامي الآن مشكلة تعرف بمشكلة تعدد الزوجات، فالاحصاءات التي تنشر عن الزواج والطلاق في البلاد العربية الاسلامية تدل على أن نسبة المتزوجين بأكثر من واحدة نسبة ضئيلة جدا لا تكاد تبلغ الواحد بالألف.
والسبب في ذلك واضح، وهو تطور الحياة الاجتماعية، وارتفاع مستوى المعيشة. وازدياد نفقات الأولاد في معيشتم وتعليمهم والعناية بصحتهم.
يضاف الى ذلك أن الزوج لم يعد متفرغاً - كما كان من قبل - لشؤون الأسرة ومشكلاتها، فهو مع زوجة واحدة وأولاده منها لا يكاد يتفرغ تفرغاً كافياً للاشراف على شؤونهم والقيام بواجباتهم، فكيف يضيف الى هذا أعباء جديدة ومشاكل جديدة؟
ثم إن التعدد كان يقع غالباً في الريف، في الأسر الغنية رجاء أن يكون لرب الأسرة أولاد يكفون لزراعة أراضيه والقيام على شؤونها، وقد كان الأولاد يرضون أن يقيموا في الريف مع أبيهم على جهلهم أو على شيء قليل من العلم.
أما الآن فقد انتشر التعليم ولم يعد ابن القرية الذكي الطموح ليرضى أن يظل مزارعاً طيلة حياته مهما غلّت له ارضه عن غلات، بل يريد أن يتعلم ويدخل الجامعة ويتوظف ويقيم في المدينة، ولهذا كثرت هجرة أبناء القرى الى المدن هجرة تقلق بال الباحثين الاجتماعيين.
ويضاف الى هذا قوانين الاصلاح الزراعي التي أخذت تحدد الملكية الزراعية بما لا يترك في أيدي المالكين أراضي شاسعة كما كان الأمر من قبل. كل هذه العوامل وغيرها من انتشار الوعي الاجتماعي والصحي
стр. 83
والحضاري أدى الى انخفاض نسبة تعدد الزوجات، وسينخفض كلما ازدادت هذه العوامل رسوخاً في مجتمعنا، فليس التعدد عندنا الآن من الأهمية بالمكان الذي تثار من أجله كل هذه الضجة، اللهم الا من راغبين في الشهرة بأنهم تقدميون .. وانهم متحررون. وهي لا تكلفهم الا بضع كلمات في مقالة، أو سطرا واحدا في قانون يصدرونه حين يكونون في الحكم.
ومن أجل هذا لا نرى فيما فعلته تونس والباكستان وتحاول أن تفعله بضع البلدان الأخرى إلا مجرد استرضاء للغربيين اثباتاً لتحرر هؤلاء المسؤولين من سيطرة عقائدهم وتراثهم عليهم، وهو في الوقت ذاته دليل تهافت الشخصية، واحتقار الذات، وترام على اقدام المتعصبين الغربيين لاستجلاب عطفهم وثنائهم وثناء صحفهم ومبشريهم ومستشرقيهم على حساب امتنا وكرامتنا وديننا.
إنني لست أخشى من انتشار تعدد الزوجات أو بقاء نسبته كما هي، بقدر ما أخشى انعدامه في مجتمعنا الاسلامي. ذلك أن من الملاحظ اعراض الشباب عن الزواج، ورغبة المتزوجين في عدم الاكثار من النسل، وهذا يؤدي في المستقبل الى عدم تكاثرنا بالنسبة للأمم الأخرى، وبخاصة للأمم المجاورة لنا، وفيها أمم تناصينا العداء، وتزيدنا اضعافا مضاعفة في السكان أو دولة - كاسرائيل - تحاول بكل جهدها أن تزيد من عدد سكانها بإغراء اليهود على الهجرة اليها وتخشى كل الخشية من زيادة سكان البلاد العربية لها وبخاصة مصر التي يقدر أنها في نصف قرن سيبلغ تعداد سكانها خمسين مليونا. وهذا ما يرعب اسرائيل والاستعمار.
فعوضاً عن التفكير في تشجيع الزواج وتكثير النسل بأية طريقة مشروعة، نحاول أن نعمل بأيدينا على انقاص عددنا مأخوذين بأكثر النظريات الخاطئة التي يشيعها الغربيون - عن سوء نية أو حسن نية - هي من فوائد تحديد النسل، ومضار التعدد، والخطر الذي سيدهم العالم يوما ما نتيجة تكاثر السكان، وهو خطر المجاعة ...
ان الغربيين قد يقولون هذا صادقين بالنسبة الى رقعة ارضهم وعدد سكانها، ولكننا نحن العرب، نحن المسلمين، نسكن مساحات شاسعة من الأرض، لم نستثمر من خيراتها حتى الآن إلا الأقل الأقل مما تحتويه. فلو استثمر استثماراً علمياً فنياً لاتسعت لأضعاف عدد سكانها الآن .. فالتهديد
стр. 84
بخطر المجاعة من تكاثر السكان .. لست أدري بماذا أصفه - على قلة خبرتي في هذا الموضوع - ولكني أحس احساساً عميقاً بأن مثل هذا الكلام لا ينبغي أن يقال لنا، وان جهات استعمارية أو صهيونية تروجه، ولا ينبغي لنا أن نصغي اليه قبل أن نستنفذ كل امكانيات ارضنا الطيبة الخيرة الغنية ...
إننا في سورية مثلاً نشكو من قلة السكان بالنسبة لأراضينا الواسعة الشاسعة التي لم تستثمر بعد، فهل يجوز التفكير بمنع تعدد الزوجات، والتعدد يمدنا حتما باعداد من الأيدي العاملة لا يمنحنا اياها نظام الزوجة الواحدة!
وأعتقد أن ما يقال عن بلادنا في سورية يقال عن كثير من بلادنا في غيرها فقد أعلن مدير البنك الدولي أن ثروات العراق تكفي لأن يعيش فيها سبعون مليونا في مستوى من العيش لا يقل عن أمريكا هذا مع العلم بأن عدد سكان العراق حالياً سبعة ملايين فقط ....
فالتسرع في سن التشريعات التي تؤدي الى اضرار بالغة في مستقبل الأمة عدديا أو عسكريا أو وطنيا أو غير ذلك، تسرع فهو في مصلحة خصومنا الذين لهم مؤسسات علمية خفية منبثة لا يشعر بها كثير من المسؤولين. فليتقوا الله فإن المؤامرات كثيرة، والأعداء ايقاظ، والحيل واسعة، والخداع محكم، والمتنبهين قليلون.
مناقشة التقييد:
ليست هنالك قيود يمكن أن توضع لتعدد الزوجات وهي مستقاة من الشريعة إلا قيدين اثنين:
القيد الأول: العدل بين الزوجات، وهذا كما رأينا شرط صريح في القرآن لإباحة التعدد، لا لصحته، باجماع العلماء، وقد مر بنا قول الاستاذ الامام محمد عبده في ذلك.
فلو جعل شرطاً قانونياً لسماح القاضي بالزواج بامرأة ثانية لمن عنده زوجة واحدة، كيف يمكن للقاضي أن يتحقق من ذلك؟
هل للعدل أمارات سابقة؟ هل يمكن أن يثبت ذلك بالشهادة؟ هل يكتفي فيه بيمين الزوج أنه سيعدل؟ هل هو مما تجري فيه الفراسة؟ وهل يكون القضاء بالفراسة؟ هل يسأل القاضي أقرباء الزوج وأصدقاءه عن خلق الزوج في العدالة وعدمها؟ وهل يمكن أن يحكم القاضي بشهادتهم في ذلك؟ ثم كيف
стр. 85
يمكن أن نمنع عقداً لمحظور لم يوجد بعد! ولا سبيل الى التحقيق من وجوده في المستقبل؟
نحن مع الأستاذ الجليل أبي زهرة في أن العدل الذي جعل شرطاً دينياً لا يمكن أن يجعل شرطاً قانونياً يتوقف عليه السماح بالتعدد أو عدمه (١).
القيد الثاني: القدرة على الانفاق على الثانية مع الأولى والقدرة على الانفاق على أولاده منهما أو منهن.
وقد قلت إن هذا الشرط يستفاد ضمناً من قوله تعالى ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾ على تفسيرها بألا تكثر عيالكم كما ذهب الى ذلك الشافعي ﵀.
ويستفاد أيضاً منه اشتراط العدالة، فان الذي لا يستطيع الانفاق على زوجتيه وعلى أولاده منهما لا بد له من أن ينفق على احداهما دون الأخرى، فتنتفي بذلك العدالة المشروطة ديناً، ولا بد له من أن يهمل الانفاق على بعض أولاده وهذا تفريط يحال بينه وبين أسبابه.
إن هذا الشرط ممكن، ويستطيع القاضي أن يتأكد منه، بالسؤال عن قدرته المالية، ومعرفة دخله وإيراده، فاذا وجده قادراً على الانفاق على زوجتيه وأولادهما لم يكن هنالك مانع من السماح له باجراء هذا العقد.
ونحن في هذا نخالف الاستاذ الجليل أبا زهرة في ادعائه بأنه شرط لا يمكن التحقق منه كالعدالة، فالواقع أن هناك فرقاً واضحاً بينهما، ذلك أن العدالة أمر معنوي مغيب لا يعرف إلا عند المعاملة، أما القدرة المالية فهي أمر مادي يمكن أن تعرف حالاً، ولها أدلة تثبتها بكل سهولة، ودعوى الاستاذ أبي زهرة بأنه لم يؤثر عن النبي وصحابته أنهم تحروا في القدرة على الانفاق يجاب بأن المعيشة في عصورهم كانت بسيطة، وكانت الأرزاق على الأولاد وغيرهم جارية فلا خوف من الضياع.
ونرى في هذا الشرط منعاً لاساءة استعمال التعدد في بعض حالاته، حين يقدم بعض الناس على التزوج بأكثر من واحدة، لشهوة عارمة، أو رغبة في التفكه أو الانتقام من زوجته الأولى، وهو غير قادر على الانفاق على البيتين معاً، فتضيع الزوجتان، ويهمل الأولاد، وتتشرد الأسرة.
стр. 86
إن مثل هذه الحالة سفه محض، وتستطيع الدولة أن تمنعها دون أن تقف مكتوفة الأيدي، كما تتدخل في أمر كل سفيه فتحد من تصرفاته، وتمنع عنه وعن غيره الضرر والأذى.
وبعد هذه المناقشة أرى أن موقف القانون السوري هو أعدل المواقف وأحكمها وقد وقف في ذلك موقفاً وسطاص بين المانعين، وفي ذلك ما فيه من العدوان على شريعة الله والتضييق على مصلحة الأمة وبعض الأفراد، وبين المطلقين الذين يمنعون أي قيد فيه، وفي هذا ما فيه من فسح المجال لبعض السفهاء باستعمال هذا الحق في غير موضعه، فتضيع الزوجات والأولاد.
ولست أرى الذهاب الى أبعد من ذلك في هذا الموضوع، والعناية بالتربية الدينية وتنمية الوعي الاجتماعي كفيلان بحسن استعمال هذا الحق حين يستعمل عند الضرورة، دون إضرار بالمجتمع أو اساءة الى وحدة الأسرة وتماسكها.
إنني أنا شخصياً ممن لا يفكر في الزواج إلا بزوجة واحدة، وقد قلت في بعض ما كتبت (١):
"أقوى الناس على تحمل المتاعب من يتزوج اثنتين، وأسرع الناس الى الهلاك من يتزوج ثلاثاً، وأقرب الناس على الجنون من يتزوج أربعاً، وليس في اباحة الله لنا ذلك، ما يحملنا على التعرض للمتاعب من غير ضرورة ملجئة".
وشريعة الله حين أباحت التعدد إنما تركت الباب مفتوحاً لمعالجة الضرورات الفردية والاجتماعية ولم ترغب في ذلك ولم تنفر، لأن طبيعة الانسان تغني عن الترغيب او التنفير من ذلك، ففي فطرة كل انسان ان لا يتحمل طائعاً مختاراً إلا زوجة واحدة، وان لا يهدأ ولا يستقر إلا بذلك، ولكن التشريع الخالد ما وجد فيه الناس جميعاً حاجاتهم، وما وجدت فيه الأمم طلباتها في مختلف ظروفها وأحوالها.
فليس في ترك التعدد مباحاً كما هو في الشريعة ترغيب للناس في ذلك، وهذا هو الواقع المشاهد، ولكن في تضييقه أو منعه حيلولة دون معالجة مشكلات خاصة تجد علاجها في التعدد، ومنع الأمة في ظرف من
стр. 87
الظروف الطارئة من حل مشكلة من مشكلاتها لا علاج لها إلا بالتعدد، والتشريع الحكيم هو الذي يترك الباب مفتوحاً لمعالجة المشاكل ولا يوصد الباب دونها.
إذا كانت بعض الأمم تفكر في الاستفادة من نظام التعدد عندنا لمعالجة أخطر مشكلاتها الاجتماعية بعد الحرب، أفلسنا نحن معرضين لمثل ما تعرضت له هذه الأمم؟ ألسنا نتهيأ - حكومات وشعوبا - لخوض معارك طاحنة مع اسرائيل، ونحن نعلم أننا لن نخوضها مع اسرائيل وحدها، وقد لا نخوضها نحن وحدنا، فالحرب المقبلة ربما كانت أخطر حروب تخوضها أمتنا في تاريخها الطويل، إنها ستكون أخطر من معاركنا مع التتار، ومن معاركنا مع الصليبيين، ومن معاركنا مع الفرس والروم، وأنا لا أشك أن أمتنا بعد هذه الحروب أو في هذه الحروب، ستجد في نظام التعدد أكبر عون لها على بقائها صامدة في المعركة، تمدها بقوافل المجاهدين عشرات فعشرات، وتعوض بعد الحرب ما أفنته الحرب من شباب ورجال .. لست أقول هذا خيالاً، إنني أرى بوادره منذ الآن، وليس من الحكمة أن نضع أيدينا على أعيننا لئلا نرى الحقائق.
أرى خلل الرماد وميض نار ... ويوشك أن يكون لها ضرام
ومن ناحية أخرى نرى اسرائيل تحاول أن تحشر في الأرض المحتلة من فلسطين - على ضيق رقعتها - عشرات الملايين. وهي غير حاسبة لمشكلة معيشة هذه الملايين حسابا، مع أن امكانياتها الزراعية ضيقة. بل كل همها أن تكثر من تعداد سكانها، ضاربة بعضر الحائط كل ما يقال عن وجوب تحديد النسل احتياطاً لمعيشة سكان الأرض، حيث يرى بعض خبراء التغذية أن الأرض ستصبح في يوم ما عاجزة عن تأمين القوت لسكان كوكبنا الأرضي .. إنها وهي ذات الرقعة الضيقة والموارد الزراعية المحدودة لا تهتم إلا بحشر أكثر عدد ممكن فيها من يهود العالم لأغراض سياسية عدوانية ...
فكيف نستجيز لأنفسنا - نحن سكان البلاد العربية خاصة - أن نخدع بالنظريات التي يروجها علماء من اليهود أنفسهم، حول وجوب تحديد النسل، مع أن أراضينا واسعة، تتسع لعشرة أضعاف سكانها الحاليين - حتى مصر يقال إن مشكلة تكاثر السكان فيها يحتم التفكير في منع تعدد الزوجات والأخذ بمبدأ تحديد النسل - اذا استخدمت ثرواتها الطبيعية الظاهرة والدفينة، وحشدت
стр. 88
كل طاقات امكانياتها البشرية والفكرية، وأقيمت الصناعات المختلفة ما بين مدنية وعسكرية.
ومثل ذلك يقال عن باكستان بالنسبة لجارتها الهند التي يبلغ سكانها خمسة أضعاف سكان باكستان أو أكثر، وهي في مشكلات مع الهند لا يؤمن معها يوماً أن تقع الحرب بينهما. فأية جريمة هذه التي يحاول المسؤولون فيها أن يضعوا عراقيل تؤدي الى منع تعدد الزوجات بدلاً من أن يفكروا في الوسائل التي تؤدي الى كثرة سكانها مع رفع مستواهم المعيشي؟ وليس ذلك بمستحيل إذا صدقت العزائم واستخدم العلم في تنمية الثروة القومية.
وأرى أن أختم هذا البحث بكلمة قيمة للأستاذ العقاد.
قال في كتابه "المرأة في القرآن الكريم (ص ١٣٧):
وحسب الشريعة أن تقيم الحدود، وتوضح الخطة المثلى بين الاختيار والاضطرار، وأما ما عدا ذلك من التصرف بين الناس، فشأنه شأن جميع المباحات التي يحسن الناس وضعها في مواضعها، أو يسيئون العمل والفهم فيها، على حسب أحوال الأمم والمجتمعات من الارتقاء والهبوط، وعلى المعرفة والجهل، ومن الصلاح والفساد، ومن الرخاء والشدة، ومن وسائل المعيشة على التعميم.
فالمباحات الاجتماعية والفردية كثيرة تأذن بها الشريعة، ولكنها لا تأخذ بأيدي الناس ليحسنوا تناولها والتصرف فيها، فليس أكثر من الطعام المباح، وليس أكثر من اضرار الطعام بمن يستبيحونه على غير وجهه، وبالزيادة أو النقص في مقداره، وبالخلط بين ما يصلح منه للسليم، وما يصلح منه للمريض، وما يطيب منه في موعد، ولا يطيب في موعد سواه، وإنه لمن الشطط على الشرائع - وعلى الناس - أن ننتظر من الشارع حكماً قاطعاً في كل حالة من هذه الحالات، لأن الضرر من فرضها على من يتولاها بغير بصيرة، أوهم وأعظم من تركها للتجربة والاختيار.
إن الممنوع من تعدد الزوجات لا حيلة فيه للمجتمع إلا بنقض بناء الزواج، وإهدار حرماته جهرة أو في الخفاء ...
أما المباح من تعدد الزوجات، فالمجتمعات موفورة الحيلة في اصلاح
стр. 89
عيوبه على حسب أحوالها الكثيرة من أدبية ومادية، ومن اعتدال أو اختلال في تكوين أسرها وعائلاتها وسائر طبقاتها.
فالتربية المهذبة كفيلة بالعلاقة الصالحة بين الزوج والزوجة، فلا يحمد الزوج نفسه علاقة بينه وبين امرأته لا تقوم على العطف المتبادل والمودة الصريحة، والمعاونة الثابتة في تدبير الأسرة، ولا يتهيأ له جو البيت على المثال الذي يرتضيه مع زوجتين تدعوه الى الجمع بينهما داعية من دواعي الأثرة والانقياد للنزوات.
وقد ينشأ المانع لتعدد الزوجات في حالتي الغنى والفقر على السواء.
فالغني يستطيع ان ينفق على بيوت كثيرة، ولكنه لا يستطيع أن يجد غنياً مثله يعطيه بنته، ليجمع بيناه وبين ضرة تنازعها، ولو اعتزلتها في معيشة أخرى، وقد يشق عليه أن ينفق على الزوجات الغنيات بما تتطلبه هذه النفقة من السعة والاسراف، وإذا وجد النساء الفقيرات فلعلها حالة لا تحسب إذ ذاك من أحوال الاضطرار بالنسبة لمن يقبلن عليها من الزوجات.
والفقير قد يحتاج الى كثرة النساء والأبناء لمعاونته على العمل - ولا سيما العمل الزراعي - ولكنه يهاب العالة، ويحجم عما يجهده من تحصيل النفقة والمأوى.
والمجتمع يحق له أن يشترط الكفاية في الزوج لتربية أبنائه، ويتوخى لذلك دستورا يحافظ على حرية الرجال والنساء، ولا يخل بحقوقهم في التراضي على الزواج متى اتفقت رغبتهم عليه، وليس من العسير تسويغ ذلك الدستور من جانب المجتمع، لأن الأزواج المقصرين يجنون عليه، ويحملونه تبعات كل كفالة للأبناء، يعجز عنها الآباء والأمهات.
ومن حسنات السماح بتعدد الزوجات عند الضرورة، أن يكون ذريعة من ذرائع المجتمع لدفع غوائل العيلة والفاقة عند اختلال النسبة العددية بين الجنسين، فاذا كان هذا العارض من العوارض التي يخطر لرجل في علم "ليبون" أنه يستلزم القوانين لتداركه، فليس افتراضه في الشريعة باطلا يقضي عليه بالعبث في جميع الظروف، ويحق للمجتمع أن يرجع اليه في تقدير تلك الظروف، فلا تصطدم عقائد الدين ودواعي المصلحة بين جيل وجيل" اهـ.
وأخيراً فإنني أعلن بكل صراحة أنني من أعداء منع تعدد الزوجات تشريعاً
стр. 90
وقانوناً، أو وضع العقبات في طريقه، وإن كنت من أنصار وحدة الزوجية في حياتي الشخصية. ولا غرابة في ذلك ولا تناقض، فإن الانسان العاقل يختار الحياة الأفضل، والمتشرع الحكيم يختار لأمته القانون الأشمل.
فأنا لا أدعو الى أن يعدد كل متزوج الآن زوجاته، ولكنني أدعو جعل مبدأ التعدد مسموحاً به من غير قيود - ما عدا قيود القدرة على الانفاق - ليستطيع من تلجؤه ظروفه الخاصة الى التعدد، ولتستطيع الأمة في حالة الحروب والأزمات التي يقل فيها الرجال ويكثر النساء أن تستفيد من تشريع التعدد بما يسد به نقص الرجال، وتكفل به حياة النساء، ويحال بينهن وبين التشرد والتسكع، وإغواء المتزوجين، وإغراء غير المتزوجين. وبذلك تحفظ كرامتهن، ويصان المجتمع من كثرة الفواحش وازدياد الأولاد غير الشرعيين كما يقع الآن تماماً في أوروبا. فقد أصبحت مشكلة تكاثر الأولاد غير الشرعيين مشكلة اجتماعية وإنسانية حملت كثيراً من المفكرين عندهم على أن ينادوا بوجوب الاعتراف بهؤلاء وإلحاقهم بآبائهم وأن يكون لهم في القانون حقوق الأولاد الشرعيين .. ولو أنهم أباحوا التعدد لما وصلوا الى هذه الحالة.
***
стр. 91
في الأحوال الشخصية - في الطلاق - مبادئ عامة في الطلاق
شرع الله الطلاق علاجاً للخلافات الزوجية حين لا ينفع معها علاج سواه، وقد كان الغربيون منذ قرن مضى يعيبون على الاسلام شرع الطلاق ويعتبرونه دليلا على استهانة الاسلام بقدر المرأة، وبقدسية الزواج.
ومع أن الاسلام لم يكن أول من شرع الطلاق أيضاً، وقد جاءت به الشريعة اليهودية، وعرفه العالم قديماً، فإن الاسلام قد جاء فيه بنظام يكفل لكل من الزوجين حقوقهما وكرامتهما كشأنه دائماً في كل ما قام به من اصلاح للأوضاع الاجتماعية، كما أنه لا يجعل من مبدأ الطلاق أداة للتلاعب بقدسية الزواج وعدم استقرار الحياة الزوجية، كما حصل للغربيين حين أباحوا الطلاق.
إن الاسلام يفترض أولاً أن يكون عقد الزواج دائماً، وأن تستمر الزوجية قائمة بين الزوجين حين يفرق الموت بينهما، ولذلك لا يجوز في الاسلام تأقيت عقد الزواج بوقت معين، فإن نص فيه على وقت معين صح العقد ولغا التأقيت وكان مؤبداً.
وما يجيزه الامامية في عقد المتعة - وهو زواج مؤقت - لم توافقهم عليهم جمهرة المذاهب الفقهية في الاسلام، بل انفردوا وحدهم بالقول بجوازه، حتى أن الشيعة الزيدية وهم من أهم فرق الشيعة يتفقون مع الجمهور في بطلان عقد المتعة وعدم جوازه (١).
غير أن الاسلام وهو يحتم أن يكون عقد الزواج مؤبدا، لا يغمض عينيه عن طبائع الناس، وتجارب الأمم، وما يمكن أن يقوم بين الزوجين من خلاف منشؤه اختلاف الأمزجة والاخلاق، أو اختلاف المصالح في بقاء الزوج أو انحلاله، أو ما أشبه ذلك من دواعي الخلاف بين الزوجين، كما أنه لم يغفل
стр. 92
أيضاً إمكان المصالحة بينهما قبل ايقاع الفرقة بينهما، ولذلك جاء بتشريع محكم لا يتطرق اليه الخلل لو نفذ بنصه وروحه، وتقيد الناس بأحكامه وتعاليمه.
مبادئ عامة في الطلاق
سلك الاسلام في معالجة الخلاف العائلي بين الزوجين الطرق التالية:
١ - دعا الزوجين الى أن يشعر بمسؤوليته نحو الآخر ونحو أولادهما أمام الله ، فهو المطلع على حسن سلوكهما أو انحرافه، وقد جعل كلاً منهما راعياً ومسؤولاً، ففي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن رسول الله ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" إلى أن يقول: والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيته".
٢ - فإذا بدأ الخلاف بينهما أوصاهما بأن يتحمل كلّ أخلاق الآخر ويصبر على ما يكرهه منه، فالحياة لم تسو بين الناس في عقولهم وأخلاقهم وطباعهم، ولا بد من اغضاء الانسان عما لا يرضيه، وكثيراً ما يكون الخير فيما يكرهه الانسان ويتأذى به. وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾ [النساء: ١٩].
٣ - فإذا لم يعد أحدهما يحتمل الآخر. ويصبر على الخلاف معه، واشتد الخلاف بينهما بحيث يخشى من الشقاق والافتراق، أوجب الاسلام أن يُحكّم أهلهما في هذا الخلاف، فيختار الزوج واحداً يمثله، وتختار الزوجة واحداً يمثلها ويجتمعان كمحكمة عائلية ينظران في أسباب الخلاف وعوامله، ويحاولان إصلاح الأمور بينهما بما يستطيعان، ولا ريب في أن كلاً من الزوج والزوجة إذا كان راغباً في انهاء الخلاف وعودة الوئام بينهما الى سابق عهده فان الحكمين سينجحان في مهمتهما، وهذا ما تحدث عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿وان خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ [النساء: ٢٥].
٤ - فإذا لم ينفع التحكيم وأصر كل من الطرفين على موقفه، أجاز
стр. 93
الاسلام أن يقع الطلاق بين الزوجين لمرة واحدة تعتد فيها الزوجة في بيت الزوجة مدة تقارب ثلاثة أشهر - ويعرف تفصيل ذلك من محله في كتب الفقه (١) - وفي خلال العدة تعيش الزوجة في بيت الزوجية، إلا أن زوجها لا يعاشرها معاشرة الأزواج، والحكمة من جعل العدة بهذا الشكل هو ترك الفرصة الكافية لاعادة الصفاء بين الزوجين، بعد أن تهدأ أعصاب كل منهما، ويريان نتيجة الانفصال وآثاره السيئة على حياتهما وحياة أولادهما، فلعلهما يعودان عن الخصام والنزاع، ويعود الهدوء والحب الى جو الأسرة.
هذا ومع أن الاسلام أجاز ايقاع الطلاق في هذه الحالة كأمر لا مفر منه فإنه يراه مكروها، وينفر منه أشد التنفير. وذلك في قوله ﷺ : "أبغض الحلال الى الله الطلاق".
ثم إن الطلقة التي أوقعها تعتبر طلقة رجعية ما دامت المرأة في العدة، بمعنى أن الزوج يستطيع أن يرجع اليه من غير مهر ولا عقد ولا شهود بل يكفي أن يتعاشرا معاشرة الأزواج لينتهي أثر هذه الطلقة، وتعود الحياة الزوجية الى سابق عهدها، وفي مذهب الشافعي لا بد من المراجعة بالقول كأن يقول لها: "راجعتك" فتحل له رأساً.
٥ - اذا انتهت العدة ولم يراجع الزوج زوجته أصبحت الطلقة بائنة بمعنى أن الزوج لا يستطيع أن يعود اليها الا بمهر وعقد جديدين، وان المرأة لو رفضت العودة اليه وفضلت أن تقترن بزوج آخر، لا يملك الزوج الأول إجبارها على العودة، ولا منعها من الزواج بالثاني.
٦ - اذا عادا الى الحياة الزوجية - سواء خلال العدة أو بعدها - ثم تكرر الخلاف نعيد ذات الخطوات السابقة، من ايصائهما بحسن معاملة احدهما الآخر، وتحمل احدهما لما يكرهه من الثاني، فاذا اشتد الخلاف ثانية لجأنا الى التحكيم العائلي، فاذا لم ينجح في الاصلاح بينهما كان للزوج أن يطلقها طلقة ثانية، ولها ذات الأحكام التي تأخذها الطلقة الأولى.
٧ - فإذا عاد الزوج الى زوجته بعد الطلقة الثانية وعاد الخلاف بينهما، عدنا الى اتخاذ الخطوات السابقة قبل ايقاع الطلاق، فاذا لم ينفع كل ذلك في
стр. 94
الاصلاح بينهما جاز للزوج أن يطلق زوجته الطلقة الثالثة والأخيرة، وتصبح بائنة منه بينونة كبرى بمعنى، أنه لا يستطيع أن يرجعها اليه بعد هذه الطلقة الا بعد اجراء شديد الوقع على نفس الزوج والزوجة معاً وهو أن تكون الزوجة قد تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها من الأول، ثم وقع الخلاف بينهما وبين الثاني فطلقها، عندئذ يجوز للزوج الأول أن يعود اليها بعد عدتها من طلاق الزوج الثاني ويجب أن يكون ذلك كله طبيعياً من غير احتيال ولا تواطؤ.
والحكمة من هذا الاجراء أن الزوج لا يقدم على ايقاع الطلقة الثالثة بعد كل ما سبق من محاولات التحكيم، وبعد طلقتين سابقتين اعتدت المرأة بعدهما، إلا بعد استفحال الخصومة بينه وبين زوجته، بحيث أصبح يعتقد أن استمرار حياتهما الزوجية على هذا الشكل: طلاق وافتراق ثم عودة والتقاء مرتين متتاليتين، أصبح جحيماً لا يطاق، وأنه قرر التخلص نهائياً من هذه الرابطة الزوجية، فأفهمه الشارع أن حين يوقع الطلقة الثالثة قد بانت عليه بينونة كبرى لا سبيل الى رجوعها اليه إلا بعد أن تجري الحياة الزوجية مع زوج آخر، ولو أبحنا له أن يعود الى الزواج منها بعد طلاقها للمرة الثالثة، ثم يعود فيطلقها حين يختلفان، ثم يعود فيرجعها حين يتفقان، لكان ذلك عبثاً في الحياة الزوجية، واستمرار لتعاسة الأسرة وشقائها الى ما لا نهاية، إذن فلا بد من حد يقف عنده الطلاق، وقد قدره الشارع بثلاث تخفيفاً لعذاب الزوج والزوجة والاولاد على السواء.
وحكمة أخرى، وهي أن زواج المرأة من زوج آخر، ثم عودتها الى زوجها الأول، أمر شديد الوقع على نفس كل من الزوج والزوجة وهو مما تنفر منه النفوس الكريمة، فكان تعليق إباحة عودتهما الى الحياة الزوجية بعد الطلقة الثالثة على الزواج بزوج آخر ثم طلاقها منه، منعاً في الحقيقة لايقاع الطلقة الثالثة بحيث لا يقدم عليها الزوج وهو يعلم ما وراءها من حكم قاس تشمئز منه نفسه، إلا وقد يئس نهائياً من استمرار حياته معها.
تلك هي أهم مبادئ الطلاق وخطواته في الاسلام، وهي كما ترى حريصة كل الحرص على أن لا تنقطع الحياة الزوجية لأول خلاف يقع بينهما، بل قد جعل الاسلام لها فرصاً "للهدنة" بينهما يستطيعان فيها إصلاح ما في نفسيهما إن أرادا الاصلاح والعيش معاً في حياة هانئة مستقرة.
стр. 95
في الأحوال الشخصية - في الطلاق - لماذا جعل الطلاق في يد الرجل
وهنا يتبادر الى الاذهان سؤال كثيراً ما أثاره الذين لا يؤمنون بنظام الاسلام وعظمته وسمو حكمته، هو: لماذا جعل الطلاق بيد الرجل وحده بحيث يتحكم الرجل في بت الحياة الزوجية متى شاء؟ وكثيراً ما يكون إثر خصام أو حالة من الغضب شديدة؟ ولماذا لم يجعل للمرأة رأي في ذلك ما دامت هي شريكة الرجل في حياته؟
إن الاحتمالات العقلية في هذا الموضوع لا تخلو عن خمسة:
١ - أن يجعل الطلاق بيد المرأة وحدها.
٢ - أن يجعل الطلاق باتفاق الرجل والمرأة معاً.
٣ - أن يجعل الطلاق عن طريق المحكمة.
٤ - أن يجعل الطلاق بيد الرجل وحده.
٥ - أن يجعل الطلاق بيد الرجل. وتعطى المرأة فرصاً للطلاق إذا أساء الرجل استعمال حقه، فلنناقش كل احتمال منها على حدة.
١ - لا سبيل لاعطاء المرأة وحدها حق الطلاق، لأن فيه خسارة مالية للرجل وزعزعة لكيان الأسرة، والمرأة لا تخسر ماديا بالطلاق، بل تربح مهراً جديداً، وبيتاً جديداً، و (عريساً) جديداً وإنما الذي يخسر هو الرجل الذي دفع المهر للمرأة ويقوم بنفقة البيت والأولاد، وقد دفع نفقات العرس، وثمن اثاث البيت، فاذا أعطيت المرأة حق الطلاق بمجرد إرادتها سهل عليها أن توقعه متى اختصمت مع الزوج نكاية به ورغبة في تغريمه، سيما وهي سريعة التأثر، شديدة الغضب، لا تبالي كثيراً بالنتائج وهي في ثورتها وغضبها، ولنتصور رجلاً اختلف مع زوجته فاذا هي تطلقه وتطرده من البيت وهو صاحبه ومنفق عليه؟!
٢ - وجعل الطلاق بيد الرجل والمرأة معاً، أمر يكاد من المستحيل اتفاقهما عليه، إن الإسلام لا يمنع أن يتفاهم الرجل والمرأة معاً على الطلاق، ولكن لا يعلق صحته على اتفاقهما معاً، إذ ماذا يكون الحال فيما لو أصبحت حياة الرجل مع امرأته شقاء ليس بعده شقاء، فأراد أن توافقه على طلب الطلاق فأبت؟ وكثير من النساء في مثل هذه الحالة يفضلن عذاب الرجل وتعاسته على راحته وخلاصه، ثم إن المرأة لم تنفق شيئاً على البيت، ولا دفعت مالاً
стр. 96
للرجل، فلماذا تربط إرادته بارادتها في إنهاء الحياة الزوجية؟ وكيف تجبره على ان يعيش مع امرأته كرهها ثم أبت ان توافق على طلاقها منه؟
٣ - وجعل الطلاق عن طريق المحكمة كما هو عند الغربيين، قد ثبتت أضراره من جهة، وعدم جدواه من جهة أخرى.
أما أضراره فلما يقتضيه من فضح الأسرار الزوجية أمام المحكمة والمحامين عن الطرفين، وقد تكون هذه الأسرار مخزية من الخير لأصحابها سترها لنتصور أن رجلاً اشتبه في سلوك زوجته، وتقدم الى المحكمة طالباً طلاقها لهذا السبب، كم تكون الفضائح في هذا الموضوع؟ وكم يكون مدى انتشارها بين الأقرباء والأصدقاء والجيران وبعض الصحف التي تتخذ من مثل هذه القضايا مادة للزواج؟
وأما عدم جدواه فان المتتبع لحوادث الطلاق في المحاكم في الغرب يتأكد أن تدخل المحكمة شكلي في الموضوع، فقل ان تقدمت إمرأة أو رجل بطلب الطلاق الى المحكمة ثم رفض، وإن كثيراً من ممثلات السينما يعلن عن رغبتهن في الطلاق من أزواجهن، والزواج من آخرين قبل أن يتقدمن الى المحاكم بهذا الطلب، ثم ما تلبث المحاكم أن تجيبهن الى طلبهن.
وأبشع من ذلك أن المحاكم في بعض البلاد الغربية لا تحكم بالطلاق الا إذا ثبت زنى الزوج أو الزوجة، وكثيراً ما يتواطئان فيما بينهما على الرمي بهذه التهمة ليفترقا، وقد يلفقان شهادات ووقائع مفتعلة لإثبات الزنى حتى تحكم المحكمة بالطلاق.
فأي الحالتين أكرم وأحسن وأليق بالكرامة؟ أن يتم الطلاق بدون فضائح؟ أم أن لا يتم إلا بعد الفضائح؟
٤ - وجعل الطلاق بيد الرجل وحده، هو الطبيعي المنسجم مع واجباته المالية نحو الزوجة والبيت، فما دام هو الذي يدفع المهر ونفقات العرس والزوجية، كان من حقه أن ينهي الحياة الزوجية إذا رضي بتحمل الخسارة المالية والمعنوية الناشئين عن رغبته في الطلاق.
والرجل في الأعم الغالب اضبط اعصابا، وأكثر تقديراً للنتائج في ساعات الغضب والثورة، وهو لا يقدم على الطلاق إلا عن يأس من امكان سعادته الزوجية مع زوجته ومع علم بما يجره الطلاق عليه من خسارة، وما يقتضيه
стр. 97
الزواج الجديد من نفقات، فقل ان يقدم عليه إلا وهو على علم تام بالمسؤولية، وعلى يأس تام من استطاعته العيش مع زوجته لذلك نجد أن إعطاء الرجل وحده حق الطلاق طبيعي ومنطقي ومنسجم مع قاعدة "الغُرم بالغُنم".
اعتراض وجوابه:
غير أنه يرد عليه ان الرجل لا يوقع الطلاق دائماً وهو معذور فيه أو مضطر اليه، بل قد يفعل ذلك نكاية بالزوجة ورغبة في الاضرار بها وكثير ممن لا خلاق لهم يطلقون زوجاتهم لمجرد الرغبة في الاستمتاع بامرأة جديدة، وقد يكون له من الأولى أولاد فتسيء الزوجة الجديدة معاملتهم، وكثيراً ما يرضخ الزوج لرغبة زوجته الجديدة فيرضى أو يسهم في تعذيب أولاده من زوجته الأولى وإساءة معاملتهم.
والجواب أن كل نظام في الدنيا يساء استعماله، وكل صاحب سلطة لا بد من أن يتجاوزها إذا كان سيء الأخلاق ضعيف الوازع الديني، ومع ذلك فلا يخطر في البال أن تلغى الأنظمة الصالحة لأن بعض الناس يسيئون استعمالها، أو أن لا تعطى لأحد في الدولة أية صلاحية لأن بعض أصحاب الصلاحيات تجاوزوا حدودها.
إن الإسلام أقام دعامته الأولى في أنظمته على يقظة ضمير المسلم واستقامته ومراقبته لربه. وقد سلك لذلك سبلاً متعددة تؤدي - إذا روعيت بدقة وصدق - إلى يقظة ضمير المسلم وعدم إساءته ما وكل إليه من صلاحيات. وأكبر دليل على ذلك، أن الطلاق لا يقع عندنا في البيئات المتدينة تديناً صحيحاً صادقاً إلا نادراً، بينما يقع في غير هذه الأوساط لا فرق بين غنيها وفقيرها.
على أن كل نظام وكل قانون في الدنيا لا بد من أن ينشأ عند تطبيقه بضع الأضرار لبعض الأفراد، ومقياس صلاح النظام أو فساده هو نفعه لأكبر قدر من الناس أو اساءته اليهم، وإذا قارنا بين حسنات إعطاء الرجل حق إيقاع الطلاق بسيئات نزع هذا الحق منه أو اشراك غيره معه فيه رجحت عندنا كفة الحسنات على السيآت كثيراً، وهذا وحده كافٍ في ترجيح إعطاء الرجل وحده حق الطلاق.
стр. 98
اعتراض آخر وجوابه:
وهنالك اعتراض آخر كان قائماً منذ سنوات، وكانت الألسنة تلهج به، وهو أن في بعض أحكام الطلاق ما يؤذي المرأة حتما، وليس فيها ما ينصفها أو يدفع عنها الأذى، ومن ذلك إيقاع الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد، وطلاق المرأة في حالة غضب الزوج غضباً لا يكاد يعي فيه ما يقول، وعدم استطاعة الزوجة الخلاص من زوج يسيء معاملتها حتى أصبحت معه جحيما لا يطاق، وهي تتمنى طلاقها منه بأي وسيلة ولكنه يتعنت ذلك ويأبى طلاقها.
إن مثل هذه الحالات كانت قائمة في مجتمعنا، وكانت الشكوى منها عامة ولكن الحق أنها ليست ناشئة من نظام الطلاق كما جاء في القرآن والسنة، ولكنها ناشئة من التقيد بأحكام مذهب معين من المذاهب الأربعة كما كان العمل عليه في محاكمنا الشرعية منذ عصور حتى سنوات خلت.
ولهذا اتجهت عناية المصلحين الى الاستفادة من المذاهب الاجتهادية الأربعة وغيرها مما يخفف هذا الاعنات عن المرأة، ومما يفسح أمامها مجالاً للخلاص من زوج ظالم قاسي القلب سيء الأخلاق لا ترى منه إلا كل غلظة وفظاظة.
وأستطيع أن أؤكد أن ما وضع في سبيل ذلك من تشريع - سواء في سورية أو مصر أو غيرها - قد أزال كثيراً من أسباب الشكوى من انفراد الزوج بحق الطلاق، هذا مع اعتقادي بأنه لا تزال هناك ثغرات يجب أن تعالج أيضاً بالأخذ بما يصلح من المذاهب الاجتهادية في الاسلام.
لقد قامت هذه التشريعات على الحل الخامس المعقول الذي ذكرناه من قبل، وهو أن يبقى الطلاق بيد الرجل، على أن تعطى المرأة فرصاً للخلاص من زوج تكرهه، أو زوج يتعمد اعناتها وإيذائها. وبذلك نحول دون استبداد الزوج بحق الطلاق استبدادا يتنافى مع الخلق الاسلامي بعد أن ضعف الوازع الديني، وساءت الأخلاق إلى حد كبير.
стр. 99
في الأحوال الشخصية - في الطلاق - الاصلاحات التشريعية في الطلاق
وإنني سأستعرض بإيجاز أهم ما احتواه قانوننا للأحوال الشخصية، وهو في ذلك متفق مع قوانين مصر في كثير من هذه الأحكام. وينفرد عنها بأحكام جديدة.
١ - جعل الطلاق رجعياً
جعل الطلاق كله رجعياً إلا في الحالات الآتية:
أ - الطلاق الثالث فإنه يقع بائناً فوراً.
ب - الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة.
ت - الطلاق على مال وهو الخلع أو المخالعة.
ث - التفريق للعلل الجنسية.
ج - التفريق للشقاق بين الزوجين.
وقد كان العمل قديماً بمذهب أبي حنيفة من أن ألفاظ الكناية والطلاق المقترن بما يفيد التشديد فيه وغير ذلك يعتبر طلاقاً بائناً، فكان إذا قال لزوجته: أنت عليّ حرام يقع الطلاق بائناً ولا يمكن للزوج مراجعة زوجته في العدة.
ولكن المذاهب الأخرى لا تذهب الى هذا التضييق، ولذلك ذهب قانوننا الى أن كل طلاق يقع رجعياً إلا ما ذكرناه، وفي هذا اصلاح كبير، فإنه يترك الفرصة خلال العدة لمراجعة الزوج من غير أن يحتاج الى عقد ومهر جديدين.
٢ - الطلاق الثلاث بلفظة واحدة
جعل الطلاق الثلاث بلفظة واحدة إلا طلقة واحدة، وقد كان العمل قديماً بمذهب أبي حنيفة وتؤيده المذاهب الثلاثة الأخرى الى أن الطلاق الثالث يقع
стр. 100
ثلاثاً مرة واحدة، وكانت تقع نتيجة لذلك من المشكلات والحيل واللجوء الى "المحلل" ما يندى له الجبين.
ولكن قانوننا أخذ برأي بعض الصحابة والتابعين وبعض أتباع المذاهب الاجتهادية الأخرى كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله. ومذهب الامامية على الراجح عندهم من أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة.
وأنا لا أريد الخوض في مناقشة الأدلة التي يوردها الطرفان حول هذا الموضوع، ولكنني ألفت النظر الى أن آيات الطلاق في القرآن تشير الى أن جعل الطلقات ثلاثاً إنما هو لفسح المجال لعودة الصفاء بين الزوجين بعد الطلقة الأولى والطلقة الثانية، ويكاد يكون النص القرآني صريحاً في ذلك.
يقول الله تعالى: ﴿الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ ثم يقول بعد ذلك: ﴿فإن طلقها (أي للمرة الثالثة) فلا تحل من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾.
فهو هنا صريح في أن الطلاق على مراحل، تقع الطلقة الأولى فاما أن يمسكها بمعروف أي يراجعها وإما أن يسرحها بإحسان، فإذا راجعها ثم طلقها للمرة الثانية كان عليه أيضاً أن يراجعها وإما أن يسرحها بإحسان. فإذا طلقها للمرة الثالثة لم تعد تحل له حتى تتزوج غيره.
هذا هو نظام الطلاق بصراحة في القرآن الكريم، فكيف يتأتى تطبيق هذا النظام فيما لو طلقت الزوجة طلاقاً بائناً بينونة كبرى بمجرد أن يطلقها زوجها ثلاثاً بلفظ واحد في مجلس واحد وفي ثانية واحدة؟
ثم إن الله تعالى يقول في سورة الطلاق ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة، وتلك حدود الله، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف﴾.
فهذه الآيات صريحة في أن الطلاق يجب فيه التأني، وأن المطلقة يجب أن تعتد في بيت الزوجية ولا تخرج منه احتمال أن يحدث الله بعد ذلك أمراً، أي احتمال أن يعود الصفاء إلى قلب الزوجين فيعودا الى حياة الزوجية، فاذا انتهت العدة فاما أن يمسك الرجل مطلقته أي يعيدها اليه كزوجة، وإما أن
стр. 101
يفارقها، وقد أخبر الله في هذه الآيات أن من لم يتقيد بهذه الحدود فقد ظلم نفسه.
فهل يمكن تطبيق ذلك في الطلاق الثلاث بلفظ واحد إذا أنفذناه ثلاثاً فبانت منه زوجته بينونة كبرى؟ هل هناك أمل بأن يحدث الله أمراً؟ هل يمكنه أن يمسكها بعد ذلك بالمعروف؟
وإذا رجعنا الى آية الظهار نجد أن الله أمر من ظاهر امرأته - بأن يقول لها أنت عليّ كظهر أمي - أن يتربص أربعة أشهر فلعله يعود إليها ويرجع عما انتواه من هجرها وطلاقها، فاذا انتهت الشهور الأربعة، وقع الطلاق إما بنفس الظهار أو بلفظ جديد على خلاف بين الفقهاء.
الذي نستنتجه من مجموع هذه النصوص أن الله لم يشرع الطلاق لبيت الحياة الزوجية بتاً نهائياً، وإنما جعله على مراحل، وترك بين كل مرحلة وأخرى فرصة للمراجعة والمصالحة .. وهذا لا يتأتى مع إنفاذ الثلاث بلفظة واحدة.
إن قانوننا أحسن صنعاً بالأخذ بهذا الرأي - كما أخذ بذلك من قبل قانون مصر - وخلصنا من مشكلة التحليل والمحلل وما يلابسها من مخازٍ ومخجلات ....
٣ - طلاق السكران والمكره والمدهوش
الأصل في صحة التصرفات كلها اكتمال الأهلية وذلك بالعقل والبلوغ، وتمام ذلك بالرضى، وعلى ذلك كان مقتضى القواعد العامة أن لا يقع طلاق السكران ولا المكره، أما السكران فلفقدان التمييز والعقل حين تلفظ بالطلاق، وأما المكره فلفقدان الرضى منه.
ولكن مذهب أبي حنيفة صحة طلاق السكران، ويرى ذلك من قبيل العقوبة له على سكره، فيكون إيقاع طلاقه رادعاً له عن السكر، ولكن الواقع أن هذا الحكم لم يردع السكارى عن سكرهم، وأن هذه العقوبة جاءت على رأس الزوجة المسكينة التي ربما كان طلاقها لأنها أنبت زوجها السكران على سكره، فعاجلها بالطلاق، لذلك كان الصحيح ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة من عدم صحة طلاقه. وهذا ما أخذ به قانوننا.
وأما المكره فقد ذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم صحة طلاقه أيضاً، لفقدان
стр. 102
الرضى منه، ولكن أبا حنيفة خالفهم فأجاز طلاقه، وقد أخذ القانون بما ذهب اليه الأئمة الثلاثة.
وأما المدهوش وهو الغضبان الذي فقد تمييزه من شدة الغضب أو المرض أوغيرهما حتى أصبح لا يعي ما يقول، فقد ذهب الأئمة الثلاثة إلى صحة طلاقه، ولكن أبا حنيفة ذهب الى عدم صحته، وهذا هو المعقول وهو الذي أخذ به القانون.
٤ - اليمين بالطلاق
كان العمل في المحاكم على أن من حلف على امرأته بالطلاق أن لا تفعل شيئاً ففعلته، يحكم بطلاق المرأة، ولكن مذهب الظاهرية والى ذلك ذهب بعض أصحاب الشافعي وأحمد، التفصيل في ذلك:
فان كان قصد من قوله، إن دخلت، أو قصد بذلك التأكيد عليها بعدم دخول لا إيقاع الطلاق إن دخلت، أو قصد بذلك التأكيد عليها بعدم دخول الدار، لا يقع الطلاق بدخولها، وكان كلامه كاليمين يقصد به التأكيد والاستيثاق، وتكون فيه كفارة اليمين.
وإن قصد أنها إن دخلت الدار طلقت فعلاً، فإنها تطلق بدخول الدار.
ولما كان أكثر الناس يقصدون من مثل تلك العبارة معنى اليمين لا إيقاع الطلاق، كان الأخذ بذلك التفصيل أرفق بالناس. وأكثر تضييقاً لدائرة الطلاق، وبهذا أخذ قانوننا.
٥ - اشتراط المرأة جعل الطلاق بيدها
قلنا إن مذهب أبي حنيفة جوز أن تشترط المرأة في العقد أن يكون أمر الطلاق بيدها تقوله متى شاءت، وهو من الشروط الجائزة في مذهب أحمد كما ذكرناه، ولما كان في الأخذ به احتياط لمصلحة المرأة، ومنع من استبداد الرجل بأمر طلاقها، فقد أخذ القانون بصحة هذا الشرط.
٦ - الطلاق للغيبة:
إذا غاب الرجل عن زوجته غيبة منقطعة بحيث لا يدري أين هو؟ فما حكم زواجه؟
مذهب أبي حنيفة والشافعي أن الزوجة تظل في عصمة زوجها الغائب
стр. 103
حتى يحضر أو يحكم القاضي بموته، واختلفوا متى يحكم القاضي بموته؟ وأشهر الأقوال في المذهب الحنفي أن يموت آخر واحد من أقرانه، وقيل أن يبلغ من العمر ثمانين سنة.
وذهب مالك وأحمد الى التفريق بينها وبين زوجها الغائب بعد مدة قليلة قيل إنها أربع سنوات، وقيل ثلاث، وقيل سنة، وقيل ستة أشهر.
ولا شك أن الأخذ بمذهبي أبي حنيفة والشافعي فيه إعنات بالمرأة واضرار بالغ بها، اذ عليها أن تنتظر حتى يبلغ عمر زوجها ثمانين سنة، ثم تعتد بعد ذلك وتحل للأزواج، ومن الذي يتزوج بها حينئذ؟ وكيف نجبرها على الوحدة والصبر خلال هذه السنين الطوال؟ وغالباً ما تموت قبل أن يحكم القاضي بموت زوجها على مذهبي الشافعي وأبي حنيفة.
لذلك كان الأرفق بالمرأة، والأحصن لها أن يؤخذ برأي المذاهب الأخرى، فاختار القانون أن الزوج إذا غاب بلا عذر مقبول أو حكم عليه بعقوبة السجن أكثر من ثلاث سنوات جاز لزوجته بعد سنة من غيابه أو سجنه أن تطلب الى القاضي التفريق بينها وبين زوجها، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه.
ثم نص القانون أن هذا التفريق طلاق رجعي، فاذا رجع الغائب أو أطلق السجين والزوجة في العدة حق له مراجعتها.
والغيبة المنقطعة هي أن لا يكون للزوج مكان معلوم، أو كان في مكان لا تصل اليه الرسائل.
ويشترط في الغيبة أن لا تكون لعذر مقبول، إذ يكون ذلك دليلاً على قصده الاضرار بها، فان كان لعذر مقبول، كالغياب في خدمة العلم، أو الجهاد في سبيل الله، أو طلب العلم، لا يحق لها طلب التفريق لأنه لم يقصد بغيابه الاضرار بها.
٧ - الطلاق لعدم الانفاق:
اذا امتنع الزوج عن الانفاق على زوجته، فقد ذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد الى جواز التفريق بينهما، أخذاً من قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا﴾ [البقرة: ١٣١] ولا شك في أن امساكها
стр. 104
مع الامتناع عن الانفاق عليها إضرار بالغ بها.
وذهب أبو حنيفة الى عدم جواز التفريق لعدم الانفاق، لأن الزوج لا يخلو من أن يكون معسراً أو موسراً، فإن كان معسراً فلا ظلم منه بعدم الانفاق، والله تعالى يقول: ﴿لينفق ذو سعة من سعته، ومن قُدر عليه رزقه (ضُيق) فلينفق مما آتاه الله، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسرٍ يسرا﴾ [الطلاق: ٠٧] وإذا لم يكن ظالماً فلا يجوز أن نظلمه بإيقاع الطلاق عليه، وإن كان موسراً فهو بلا شك ظالم في امتناعه، ولكن دفع ظلمه لا يتعين بالتفريق بينهما، بل هنالك وسائل أخرى لرفع الظلم، منها: بيع ماله جبرا عنه للانفاق على زوجته، ومنها حبسه لإرغامه على الانفاق، وأيا ما كان فان الظلم لا يدفع بالظلم.
كان العمل قديماً بمذهب أبي حنيفة، ولكن قانوننا أخذ بمذاهب الأئمة الثلاثة حفظاً للزوجة من الضياع، وصيانة لها عن الانحراف، وقد فصل القانون في هذه الحالة تفصيلاً ليس هذا محله.
٨ - الطلاق المعلل:
الأصل في الزواج أن يكون لسكن النفس واطمئنانها، ومما يؤثر في ذلك وينغض الحياة الزوجية وجود العلل والأمراض في أحد الزوجين فما مصير الزواج اذا اكتشف أحدهما علة في الآخر بعد الزواج؟.
تنقسم الى قسمين:
١ - علل جنسية تمنع من الاتصال الجنسي كالحَبب والسُعنة والخصاء في الرجل، والرَتق والقرن في المرأة.
٢ - علل لا تمنع من الاتصال الجنسي ولكنها منفرة أو معدية أو ضارة بحيث لا يمكن المقام معها إلا بضرر، كالجذام والبرص والجنون والسل والزهري.
وتختلف مذاهب العلماء في حكم هذه العلل بالنسبة للزواج.
فذهبت الظاهرية إلى أنه لا يحق لأحد من الزوجين طلب التفريق بسبب
стр. 105
علة من العلل مطلقاً، ولو كانت عللاً جنسية. وهذا بعيد عن حكمة التشريع، ولذلك لم يوافق عليه أحد من أئمة الاجتهاد.
وذهب فريق من العلماء - منهم ابن شهاب الزهري وشريح وأبو ثور - إلى جواز طلب التفريق من كل عيب مستحكم، سواء كان في الزوج أو الزوجة، لأن العقد قد تم على أساس السلامة من العيوب، فاذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار، وهذا قول قريب جداً من حكمة التشريع.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف الى أن العيوب الجنسية ان كانت في المرأة فلا خيار للرجل في فسخ النكاح، لأنه يملك تطليقها في أي وقت يشاء ...
وإن كانت العلل الجنسية في الرجل فللمرأة حق طلب فسخ النكاح في ثلاثة منها فحسب، وهي: الجَب، والخصاء، والعنة.
أما العلل غير الجنسية فلا خيار للرجل ولا للمرأة في حق الفسخ. ومعنى ذلك أنه لا حق في طلب الفسخ من مرضٍ كالسل أو الزهري أو غيرهما من الأمراض المعدية أو المنفرة.
وهذا بعيد عن حكمة التشريع في الزواج.
وذهب محمد الى أن العيوب إن كانت في المرأة فلا حق للرجل في طلب الفسخ جنسية أم غير جنسية، لأن الرجل يملك التطليق حين يريد.
وإن كانت في الرجل فلها طلب الخيار في العيوب الجنسية، وفي غير الجنسية إذا كانت لا يمكن المقام معها إلا بضرر.
هذا هو الصحيح من مذهب محمد (١) خلافاً لما توحيه عبارات بعض فقهاء الحنفية.
وذهب مالك والشافعي وأحمد الى أن لكل من الرجل والمرأة طلب التفريق اذا وجد أحدهما بالآخر عيباً جنسياً أو منفراً بحيث لا يمكن المقام معه إلا بضرر.
وهذا هو أقرب الآراء الى حكمة التشريع في الزواج، وإلى منع الضرر عن الرجل والمرأة على السواء.
стр. 106
في قانوننا:
كان العمل قديماً قبل صدور قانون حقوق العائلة برأي أبي حنيفة وأبي يوسف من أن العلل التي تبيح للرجل طلب فسخ النكاح إذا وجدت في المرأة هي العلل الجنسية الثلاثة المذكورة آنفاً. وهي الجَب، والخصاء، والُعنة.
ثم جاء قانون حقوق العائلة فأخذ بقول محمد وأجاز للرجل طلب الفسخ لكل العيوب المنفرة.
ولما صدر قانوننا للأحوال الشخصية كان موقفه غريباً من هذا الموضوع فقد كان رجعة الى الوراء، إذ جعل من حق الزوجة طلب التفريق بينها وبين زوجها إذا كان فيه احدى العلل المانعة من الدخول بشرط سلامتها منها، وإذا أصيب بالجنون بعد الزواج.
ومعنى هذا أن المرأة لا حق لها في طلب التفريق اذا وجدت بزوجها مرضاً معدياً أو منفراً، كالسل والجزام والبرص والزهري وغير ذلك. وهذا في منتهى الغرابة، إذ كيف تستطيع المرأة أن تصبر على زوج مبتلي بمثل تلك الأمراض وتعيش معه وتمنحه حبها وقلبها؟! وكيف يتحقق السكن النفسي في مثل هذا الزواج؟ مع أن بعض العلل المانعة من الدخول قد تكون أخف على المرأة كثيراً من الأمراض المؤذية والمعدية، فالمرأة قد ترضى بالعيش مع رجل عاجز عن الاتصال الجنسي، ولكنها لا ترضى أنتعيش مع رجل مصاب بمرض مؤذ أو معدٍ ولو كان قادراً على الدخول بها ... فكيف غاب هذا الأمر عن واضعي القانون.
يقول ابن القيم (زاد المعاد: ٤/ ٣٠) في التعقيب على ما ذكره بعض فقهاء الحنابلة من أن الامام أحمد قصر العيوب الجنسية على ثلاثة أو خمسة فقط:
"وأما الاقتصار على عيبين أو ستة أو سبعة دون ما هو أولى منها أو مساوٍ لها فلا وجه له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين أو الرجلين أو أحدهما، أو كون الرجل كذلك، من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو منافٍ للدين، والاطلاق في العقد إنما ينصرف الى السلامة فهو كالمشروط عرفاً، وقد قال عمر لمن تزوج امرأة وهو لا يولَد: أخبرها أنك عقيم وخّيرها، فماذا يقول ﵁ في العيوب التي هذا (أي العقم) عندها (عند تلك العيوب) كمال بلا نقصان، والقياس أن
стр. 107
كل عيب ينفر الزوج الآخر منه ولا يحصل به مقصود النكاح من الرحمة والمودة يوجب الخيار".
ثم قال: "ومن تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما يشتمل عليه من المصالح لم يخف عليه رحجان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة".
وقصارى القول إن قانون الأحوال الشخصية السوري قصر في هذا الموضوع تقصيرا ضاراً بالمرأة والرجل على السواء، ومن الواجب تعديله بما يعطي حق كل من المرأة والرجل في طلب الفسخ إذا اطلع أحدهما في الآخر على عيب منفر أو معد بحيث لا يمكن المقام معه إلا بضرر، وهذا متفق مع قول محمد ومع الصحيح من مذهب الحنابلة، وهو قبل كل شيء متفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها وحكمة التشريع في الزواج.
٩ - التفريق للشقاق:
قلنا إن الاسلام أوجب تأليف لجنة محكّمة لبحث أسباب النزاع بين الزوجين على أن يكون من أهل الزوج، والآخر من أهل الزوجة.
وقد نص قانوننا على اتخاذ هذا الإجراء عند ادعاء الزوج أو الزوجة أن أحدهما يضر بالآخر ويتعمد الإساءة إليه، ثم تقدم اللجنة المحكّمة تقريراً الى القاضي عن نتيجة تحقيقاتها في النزاع وأسبابه، فان اقترحا الإصلاح بينهما لم يكن للقاضي التفريق، وإن اقترحا التفريق فرق القاضي بينهما، ويعتبر ذلك طلقة بائنة. وقد فصل القانون في الحكم بالمهر، على حسب ما يتحقق له من أن الإساءة كانت من الزوج أو الزوجة.
هذا والقول بالتفريق للشقاق هو مذهب مالك وأحمد، ولا يرى أبو حنيفة والشافعي جواز التفريق للشقاق، فيكون القانون قد استمد هذا الحكم من مذهبي المالكية والحنابلة، ونعم ما فعل، فان الحياة الزوجية لا تستقيم مع الشقاق والنزاع، عدا ما في ذلك من ضرر بالغ بتربية الأولاد وسلوكهم. ولا خير في اجتماع بين متباغضين، ومهما يكن أسباب هذا النزاع خطيراً أو تافهاً فإن من الخير أن تنتهي العلاقة الزوجية بين هذين الزوجين لعل الله يهيئ لكل واحد منهما شريكا آخر لحياته يجد معه الطمأنينة والاستقرار.
стр. 108
١٠ - الطلاق التعسف:
كل الأسباب السابقة التي ذكرناها يكون الطلاق أو التفريق فيها أمراً تحتمه المصلحة، إما مصلحة الزوجة أو مصلحة الزوج.
وهنالك حالتان يكون الطلاق فيهما تعسفاً وعدواناً خالصاً. وقد تعرض القانون لهما أيضاً:
١ - أن يطلق الرجل المريض مرض الموت زوجته ليحرمها من ارثها منه، وهذا بلا شك عدوان لا يرضاه الله وتأباه المروؤة، وللأئمة فيه آراء مختلفة:
فيرى الشافعي أن المرأة إذا طلقها زوجها طلاقاً بائناًَ وهو في مرض الموت ثم مات قبل أن تنتهي عدتها، لا ترث من ذلك الزوج، لأن الطلاق البائن يقطع عرى الزوجية فلما مات لم تكن زوجته فلا ترث منه، أما أن يكون قصده من طلاقها حينئذ الفرار من ارثها فذلك أمر يعاقبه الله عليه، ولا يؤثر على الصيغ والعقود.
ويرى الأئمة الثلاثة أن العدل يقتضي معاقبته على قصد اضراره بالزوجة، واختلفوا بعد ذلك في الحكم:
فرأى أبو حنيفة توريثها منه إذا مات وهي لا تزال في عدتها، فان انقضت عدتها من الطلاق ثم مات بعد ذلك لم ترث منه.
ورأى أحمد أنها ترث منه ولو مات بعد انتهاء عدتها ما لم تتزوج زوجاً آخر، فاذا تزوجت فلا إرث لها من زوجها الأول.
ورأى مالك أنها ترث ولو انتهت عدتها وتزوجت من آخر، وهذا كما ترى على طرف النقيض من رأي الشافعي، بينما ذهب أبي حنيفة وأحمد متوسطان.
وقد اختار القانون رأي أبي حنيفة، ونحن نختار رأي أحمد فهو أقرب الآراء الى العدالة، وأدناها الى معاملة الزوج بخلاف قصده، إذ قصد الفرار من إرثها، فورثناها منه ما لم تتزوج زوجا آخر، فإنها سترث من هذا الأخير فلا معنى لتوريثها من الأول.
٢ - والحالة الثانية من حالات التعسف أن يطلقها لغير سبب معقول،
стр. 109
وقد تكون فقيرة أو عجوزا لا أمل في زواجها مرة ثانية، فبقاؤها من غير زوج ينفق عليها إضرار بها، ولؤم في معاملتها، وهو آثم بلا شك فيما بينه وبين الله تعالى، ولكن العمل قديماً على عدم إنصاف مثل هذه المرأة، فجاء قانوننا يعطي الحق للقاضي أن يفرض لها على مطلقها بالتعويض بنسبة التعسف ودرجته.
وهذا مبدأ جديد في قوانيننا، ومستنده - فيما نظن - أن الله أوجب لبعض المطلقات متعة - وهي مثل ثيابها عند خروجها من بيتها ويجوز أن يقدر ذلك بدراهم - كما رغب في اعطاء المتعة لبعض المطلقات الأخر. بحيث لا تخلو مطلقة من متعة تأخذها من الزوج، وليس للمتعة كما قال الفقهاء حد معين ولا لباس معين، وإنما تقدر بحسب عرف البلد وتعامل الناس، لأن القرآن الكريم قيدها " بالمعروف" وهذا مما يختلف فيه الناس بين بلد وبلد، وبين زمن وزمن، وبين امرأة وأخرى، فاستند قانوننا الى هذا المبدأ الشرعي فأجاز للقاضي أن يحكم على المطلق بتعويض يتناسب مع ظلمه للمرأة وتعسفه في طلاقها.
وهذا تشريع جميل بلا ريب من شأنه أنه يخفف عن المطلقة ألم الطلاق، ولكننا نأخذ على القانون أنه اشترط أن لا يزيد التعويض عن نفقة سنة لأمثالها فوق نفقة العدة، فنحن نرى أن لا يقيد ذلك بنفقة سنة، فما دام الزوج ظالماً متعسفاً، وما دامت الزوجة مظلومة، فلم لا يلزم بالانفاق عليها حتى تتزوج ان كانت في سن قابل للزواج، أو حتى تلقى وجه ربها إن كانت عجوزاً شارفت على وداع الحياة؟ والشريعة الاسلامية في عدالتها تأبى أن تترك مثل هذه المرأة العجوز تعاني آلام البؤس والفاقة حتى تلقى وجه ربها، بعد أن أمضت زهرة شبابها مع زوج لم يكن عنده من الوفاء ما يحفظ لها كرامتها في أخريات أيامها.
الخلاصة:
نجد من كل ما تقدم أن الاسلام في أصل نظامه الذي وضعه للطلاق راعى فيه ضرورات الحياة وواقع الناس في كل زمان، كما أنصف فيه المرأة من فوضى الطلاق التي كانت سائدة عند عرب الجاهلية حيث لا عدد ولا عدة ولا حقوق ولا التزامات، كما كانت سائدة في الشعوب التي تبيح شرائعها الطلاق.
стр. 110
ونجد أيضاً أن المرأة لم تعد تحت رحمة الرجل الذي يملك حق الطلاق، بل فتح لها الاسلام منافذ تنفذ منها الى حياة الراحة من زوجية شقية بائسة مع زوج قاس ظالم، فأعطاها حق اشتراط أن يكون الطلاق بيدها عند عقد الزواج، ويسر لها الخلاص من الزوج برضاه ورضاها إذا كفلت له التعويض عن خسائره المالية بسبب الطلاق، وذلك عن طريق "الخلع" أو "المخالعة" كما فتح لها الطريق الى القضاء ليحكم بالتفريق بينها وبين زوجها في حالات لا تستطيع الحياة فيها مع زوجها.
وحتى في حالات الطلاق التعسفي من جانب الرجل فقد ضمن لها الاسلام حقوقها كما رأينا، فلم يبق بعد ذلك مجال للشكوى إلا من حالات أساء فيها الزوج استعمال حق الطلاق، ومثل هذه الحالات لا يستطيع أي قانون في الدنيا أن يحتاط لمنع وقوعها، وإنما المدار في ذلك على التربية الدينية، ويقظة الضمير واستقامة الوجدان، وهذا ما حرص الاسلام على أن يربى عليه المسلم تربية تمنعه من الاساءة لا إلى زوجته فحسب، بل الى أي انسان كان قريباً أو بعيداً، مواطناً أو أجنبياً، وإني أحيل الذين يشككون في هذا الأمر الى احصاءات الطلاق ليروا كيف يكاد الطلاق ينعدم في البيئات المتدينة تديناً واعياً صادقاً لا جهل فيه ولا غباوة، ولا تدجيل ولا تجارة ...