Полный текст (228 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وبالأموال فانهالت لديه فلم تلك العطية والخلع السنية وقصد باب الحية ليفي بعهده لها وإيمانه القوية ثم وقف وناداها وقدم إليها ذلك كله وأعطاها وشكر لها إحسانها وتحمل جميلها وامتنانها فقالت: أعلم يا لئيم أنه لا ذنب عليك ولا ملام فيما جنيته أو لا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والخيانة في العامين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة فيما فعلته من الحسنة فإن ذينك العامين كانا مشتملين علي وإن النحسيين فكان مقتضى ما لهما فساد الزمان والوقوع بين الأصدقاء والأخوان فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاهما، وفي هذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع واستقام الطالع بالموافقة والفلاح واقتضى الفلك الصلاح والإصلاح فمشيت على موجبه وتشبثت بذيل مذهبه فخذ هذا المال وتصرف فيه بارك الله فيه فلا حاجة لي إليه ولا معول لي عليه.
وإنما أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان، والأسد وإن كان زهد وترك من أخلاقه ما كان عهد فيمكن عوده إلى حالته الأولى والاحتراز منه في كل حال أحق وأولى. وهاأنا قد أخبرتك وعلى ما وصل جهدي إليه أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء هذا السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن تصبر فما قصر، قال الجمل: يا أخي نترك هذا المقام وللبال نريح ونخدم في خدمته ونستريح. قال الدب: إن كان هذا الغادر الزاهد التقي النقي الراكع الساجد الذي تعفف عن أكل اللحوم والدما وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ولا تعتمد حائلته فإلى أين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب
стр. 142
وفيمن نرغب؟ قال الجمل: فكيف يكون العمل ولقد ضاقت بي السبل وتقطعت بي الحيل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر. ففكر الدب طويلاً ثم رأى رأياً وبيلا وقال الرأي السديد والفكر المفيد أن تبادر الأسد قبل وقوع النكد وتقصده بما يقصده ولا توصله إلى ما يعتمده ويعول عليه ويجده فالعاقل يتفكر في عواقب الأمور ويفتش بفكر السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمراً يصمم بالعزم وناهيك بقصة الثعبان مع الإنسان قال الجمل: أخبرني بتلك القصة والقضية وما ذاك الإنسان وما تلك الحية؟
قال الدب: ذكروا أن شخصاً كان ماهراً في صيد الأفاعي شديد الحرص في تلك المساعي يتشبث بصيدها ولا يبالي من كيدها فبينما هو في بعض الفلوات يسعى إذ صادف أفعى كما قيل:
стр. 143
أرقش ظمآن متى عض لفظ ... أمر من صبر ومر وخظظ
قد أثر في الحر الحرق ... واشتط في مكان وهو نائم طبق
فاستبشر الصياد لرؤيته ومديده لقبضه في عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو في قبضته فما وسعه إلا أنه تماوت وامتد وتراعى حتى لم يتبق منه عرق مشتد فظن الصياد أنه مات وأن مراده منه قد فات فتحرق لذلك وتألم وحرق عليه الألم ورماه من يده فما استقر بالأرض حتى دار في كبده أن في بطنه خرزة ثمينة مشرقة بهية فاخرة مضيئة فأخرج الشفرة وقصده ومد لتقنيصه يده فلما تحقق الثعبان ما قصده ذلك الإنسان خدعه وختله ثم ضربه فقتله.
وإنما أوردت لك هذا المثل لتحقق أيها الجمل أن المبادرة إلى هلاك العدو أقر للعين وأحلب للهدو وبدون مين ومن فات الفرصة وقع في عصية، وهذا الأسد أن غفلنا عنه أكلنا وأبادنا قصد دمارنا وفسادنا ولا يفيدنا إذ ذاك الندم أنى وقد زلت القدم وتحكم في وجودنا من مخاليب العدم. قال الجمل: أعلم أيها الرفيق الشفيق والصديق الحقيق أن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد منه سوءاً ولا من ظلمة باطنة علينا ضوءاً ولو قصد أذانا ما وجدنا دافعاً ولا مانعاً ولا مدافعاً وقد علمنا أنه ترك الأذى تعففاً لا تخوفاً وتكرماً ولا تكلفاً واختياراً إلا اضطراراً وجبراً لكسرنا إلا إجباراً وأما أنا علي الخصوصية فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان الطويل العريض والإمتنان الهني العويض ولأي شيء أسرع في نفسي وأنيه على ما يكدرها في حدسي ولم يظهر لي من ذلك إمارة لا بدلالة ولا بإشارة فضلاً من سباق أو سياق أو كلام يدل على الفراق والشقاق وأني لو مت كمداً قصدته بأذى أبداً والصيومي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت فإن قصدني بعد
стр. 144
ذلك بشر أو تعرض لي بغدر أو أذية أو إهلاك أو رزية أو فكاك لا يسعني فيه إلا التسليم للقضاء والانقياد لأمر ربي العزيز العليم والرضا على أني غير قادر على مقاومته ولا قوة لي على دفع مخاليبه ومصادمته. وأنا وإن كنت منسوباً إلى التغفل فلا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتقويض والتوكل يحصل النجاح والفوز والفلاح والظفر والصلاح، كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع حال التوكل والانقطاع، قال الدب: كيف كانت تلك القضية أخبرني عنها بعبارة جلية؟
قال الجمل: ذكروا أن رجلاً فلاحاً مضى في صبوته سياحاً من غير سلاح ولا رفيق فبينما هو في بيداء الطريق مار وسائر إذ صادفه ذئب ذاعر كاسر فقصده الذئب ليكسره ففر وصعد إلى الشجرة فراصد الذئب نزوله وانتظره ليغوله فحبسه وأسره وعن ضروراته
стр. 145
حصره. وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حيه ذات قرون صاعدة وهي على تلك الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به وهمه وغمه فبقى بين بليتين وانحصر في داهيتين فلم يجد أوفق من التوكل على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلاً عليه وفوض الأمر إليه. وبينما هو في تلك الشدة وقد بلغ به ضره حده وإذا برجل أقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا مقبل بها على الذئب مهرولاً فلما رآه الذئب على تلك الحالة من قريب وأيقن بهلاكه بما معه من السلاح فر هارباً بالكلاحة فنزل الفلاح من فوق الشجرة وأزال الله تعالى همه وضرره.
وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الله نعم الوكيل ومن عليه يتوكل فأخرج هذا الوسواس من القلب والرأس ولا تخلع الحذاء قبل الوصول للماء ولا تهتم لأمر ما سيما إذا لم يكن وقع فإن ذلك من أشر البدع فإن قصدنا بسوءٍ فالله بكافيه وسيكفينا فيه. قال الدب هذا رأي القاصر في البعر العاجز في الفكر وأما ذو الفكر الثاقب فلا يغفل عن العواقب وكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسد في الأمور فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه وتشبث لإحراق ثيابه وهو مشغول عن إطفائها متساهل في كشف أضرارها فلم يفق إلا وبه قد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت فماذا تفيده الإقامة وقد صار حراقه؟ قال الجمل: يا أخي
стр. 146
أفق من محالك وعالج فساد تصورك وخيالك وانظر قوة جلادك وكيفية حالك ألم تعلم بأن لحمي قد نبت من صدقات الأسد وحبه ثبت في دمي وعظمي وكيف لنعمه أجحد وكيف أريق دمه وأنا غرس صدقاته وبنيان نصفاته ورفيق حضرته وعتيق منته، مع أني لو نبذت عهده وقطعت ما قعطت وعزمت على مناوشته ما استطعت.
أما سمعت قول الشاعر:
هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعائد من قدرت له عنادا
أتريد صيد العقاب بفرخ أم اقتناص الذئاب بجرو الكلاب أم صيد الفهود تبغيه بالقرود أم بالسنانير صيد الأسود الهواصير؟ والله بالأذى لا أقصد الأسد ولا يطاوعني على ذلك قلبي أبداً ولو فعلت ذلك لسعيت في دماري وخراب دياري وجدعت انفي بكفي وبحثت على حتفي بظلفي وجززت بيدي رأسي وقطعت ثديي بفأسي وقلعت بإصبعي مقلتي وسلمت للموت مهجتي وكنت من أكبر المعتدين وأفسدت ديني ودنياي، والله لا يصلح عمل المفسدين فاطو عني عنان هذا الكلام وارتجع عن ذكره بسلام. وكان بالقرب منهما وكر فارة وقد سمعت ملا جرى بينهما من تلك العبارة فوعت كلامهما وما قاله كل منهما فلما رأى الدب المريد أن كلامه مع الجمل لا يفيد أمسك واحتشم وأخذه على ذلك الندم، واستمر الجمل ف التفكر في معنى هذا الكلام والمقال حتى أداه إلى الهزال وصيره في الانتحال حتى صار كالخلال وذهب منه ما كان عليه من النشاط وداخله الفكر والاحتياط وصار كل يوم في انحطاط وتوهم واختباط. ولم يزل بين هم وغم ورجاء وخوف أعم ففطن له الأسد وتعجب من حاله
стр. 147
ولم يعرف ما سبب انهزاله وكان عنده غراب مقدم على جميع الأصحاب هو وزيره ومعتمده وصاحب أخباره وعضده فسأله عن حال الجمل وما شاهده عليه في شدة الخوف والوجل وقال له: أنا عففت عن لحوم الحيوانات وأكلها ورضيت في العيش بأدنى مطعوم من النباتات التي أجدها وهذا قد عرف واستقر مني عليه العمل وصار في بال كلكم حتى الجمل فما لي أراه ليس له مستقر ولا هدوء فكر فأريد أن تعرف لي حاله وتخبرني عن صدقه ومحاله. فتوجه الغراب إلى منزل الجمل وسأله عن هزاله وسبب سقمه وانتحاله فما أجاب جواباً ولا حكي صواباً فطار الغراب يرتقبه وحيث ما توجه يعتقبه ففي بعض الأيام كان الغراب على بعض الأكام فرأى الجمل مقبلاً إلى الماء ليطفي بشربه ثورة الظمأ فتخفى الغراب واقتفى أثره وقاربه واختفى وخلف صخرة فقال بعدما شرب وقد رأى سميكات الماء في اللعب: لك الحمد يا رب ما أرحمك وطوبى لك تبارك أسمك لا وزر يوشى تخفن ولا حشم يقوى ترجفن ولا ملك يهولكن ولا سلطان يعولكن ولكن البكاء على المسكين الجمل الذي به ضاقت الحيل وقد وقع في دور البلا المرتجى فصار لا يهتدي إلى طريق النجا بل ولا يدري عاقبة أمره المهول إلى ماذا يؤول إلى الغرق والندامة أم إلى بر السلامة. ثم أخذ في الانتحاب إلى أن أبكى الغراب وشاب من هذا الأمر
стр. 148
العجاب. ثم توجه إلى أسد الشرى وعرض عليه ما جرى فتشوش لذلك فكره وسره وضاق بالهم صدره فقال: أنا عففت عن الشر والأذى وفطمت نفسي عن طيبات الغذا ليأتيني صحابي ويستأنس بي أحبابي فإذا لم يستقر خاطرهم ولم تطمئن على محبتي سرائرهم فأي فائدة لي في الحياة وكيف أخلص في كعبة المودة من كدر العيش إلى صفاة فكل ملك لا تصفو له رعيته ولا ترسخ في قلوب جنده محبته كيف يثبت سلطانه ويساعده عند مهول الشدة أعوانه، أنا بذلت جهدي وطاقتي وتشبثت بأذيال العدل على قدر استطاعتي ليطمئن خاطر الرعية فلم أر لذلك تأثيراً ولا أمنية فلم يبق لي إلا التضرع إلى مثبت القلوب وعلام الغيوب ليكشف لي عن هذه الغمة ويصلح لي هذه الأمة.
ثم تضرع إلى عالم الأسرار أن يطلعه على حقيقة هذه الأخبار وأمر بالاجتماع لطائفة من رؤوس جماعته المقيمين على محبته وطاعته وعرض عليهم هذه الأحوال وطلب منهم اكتشاف ما فيها من الأهوال وقال: أعلموا أني أمنتكم من مخافتي وبذلت لكم بذل عفتي وطاقتي وقد حققتم مرامي وتحققتموه وصدقتم أخلاقي ومطلوبي عرفتموه وعلمتم أخلاقي ومبدأ أعلامي وكل هذا لتطبيب خواطركم وتصفية سرائركم ولم أفعل ذلك عجزاً ولا خوراً ولا تهاوناً ولا سخراً وأنا الآن آمركم بواحدة هي أجل فائدة هي أن لا تكتموا عني شيئاً تكرهونه مني بل أوقعوني عليه وأرشدوني إليه ثم اجهدوا أني أمنعه عني فإني فيكم أجل محبوبي من أهدى إلى عيوبي، وقد قال سيد الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام اللهم بلغه التحية عنا من غشنا فليس منا.
وإنما أوردت هذا الكلام في هذا المقام بخصوص الخاص والعام
стр. 149
على سبيل التخيير والإعلام والتنذير وأقسم بالله العلي الكبير اللطيف الخبير الذي منه المبدأ وإليه المصير لم يكن في خاطري يمنى من أحد ولا هجس ببالي أذى ولا نكد وهاأنا قد أخبرتكم وبإطلاعي أمرتكم فلم يبق لي ذنب منه يستغفر ولا لكم في الإخفاء ما عنه يعتذر، وأن الله لا يعذب بضلال الأسافل بل يهب الأعالي للأراذل فإذا فسد الرأس تغير الناس فيحل البأس ويهيج الوسواس فقد قال مجري بحر البرية وباريها: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فنهض الحاضرون في مقام العبودية والولا وبسطوا ألسنتهم بأنواع الشكر والثناء والدعا ونادوا بكلمة واحدة متفقة متصاعدة حاشا لله ما علمنا عليه من سوء بل لم يزل يطيب على تقصيرنا وجراح خطايانا وأنت الأب الشفوق الذي لا نستطيع لك الوفاء بحقوق. وكان هذا الكلام للأكابر والبادي والحاضر والدب حاضر بينهم فأدرك أن هذا شيء حدث فيما بينهم وحدث نفسه بأن هذا العمل شيء شعر به الأسد من الجمل فأراد المبادرة ليدرك فرطه فسلك في ذلك سبيل المغالطة ثم اختلى بالأسد ولم يكن ثم معهما أحد وقال: كان مولانا الملك أدام الله
стр. 150
أيامه ورفع في ميادين العدل أعلامه بأحسن بشيء أوجب تقرير كلامه لطائفة جنده وخدامه وأنا عندي كلام لم يطلع عليه أحد من الأنام، فلذلك لم ابده بحضرة أحد من الجماعة فربما لم يقصد الملك في ذلك الإذاعة ولا يمكنني إخفاؤه وقد آن إبداؤه وأعلم أيها الملك وقاك الله شر كل مهلك أنه كما أن العالم يستخف الجاهل كذلك الجاهل يزدري العالم العاقل وذلك لقصور فهمه وعدم علمه ووكلما أحاط الخادم بمرتبة مخدومه وزاد على قدره في معلومه ازداد في قلبه وروحه وصارت كؤوس خشيته منادمته له في غبوقه وصبوحه، وقد قال رب الأرض والسماء إنما يخشى الله من عباده العلما وقول النبي ﷺ أنا أعلمكم بالله وأخشاكم لله إشارة إلى هذا المقام، وقال الشاعر:
على قدر علم المرء يعظم خوفه ... فلا عالم إلا من الله خائف
فآمن مكر الله بالله جاهل ... وخائف مكر الله بالله عارف
وكلما ضعفت مرتبة الخادم بالمخدوم قلت قيمته عنده وهذا أمر معلوم، ثم أعلم أن الجمل لطول الأمل قد اغتر بالملك إذ في ذرى أمره سلك وأحسن إليه غاية الإحسان وصار في عدم الوفاء كالإنسان وحصل له من صورة غضبه الأمان فجهل قدره وعدى طورهن وفي ذلك قال الشاعر:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أكرمت اللئيم تمردا
فوضع الندا في موضع السيف بالعدا ... مضر كوضع السيف في موضع الندا
وقد قال الله تعالى: إن الإنسان ليطغى أن رآه استغني وكل نفس لا تحتمل صنع الجميل وحوصلة العصفور لا تسع اللقمة التي يبتلعها الفيل. وناهيك بما قد قيل في بعض الأقاويل عن حماقة كل
стр. 151
طويل فلا جرم في فساد دماغه حين حصل على فراغه وتطاولت نفسه في سراها إلى أشياء لا يمكن إفشاها لأن ذكرها قبيح والكناية أبلغ من التصريح. فلما سمع الأسد هذا المقال والبيان علم ببديهة العقل أنه زور ومحال وبهتان ثم أرسل إلى الغراب ليميز الخطأ من الصواب ويبين القشر من اللباب والماء من الحباب فاستدعاه إلى حضرته وجلا صورة هذا القول على مراتب فكرته فقال الغراب: ضميرك المبارك في حل هذا المشكل لا يشارك فإنه حلال المشكلات موضح المعضلات، وأما أنا فلا أقبل هذا الكلام ولا يقبل في الجمل عندي ما فإني أعرف تواضعه وسكنته وصبره واحتماله وطاعته وإخلاصه وقناعته وأنه صادق في محبته مخلص في هبوديته فاعرف أن خوفه من الملك غالب على رجائه وأنه مقيم على سنن عهوده ووفائه ولو أراد الذهاب لذهب بسلام فلا في وطيفته قيد ولا في وتيرته حزام، ثم قال الغراب والغالب على ظن ذوي الألباب أن الدب قصد بإلقاء الفتنة إلقاء الجمل في الجب فالملك لا يبادر في هذه القضية حتى يتبصر الأمر على حقيقة جلية وحاشاه أن يفرط في عبيده المخلصين من غير أن يتدبر أمرهم بيقين، فالملك يختلي بعبده أبي أيوب ويستكشف منه أستار العيوب بعد استجلاب خاطره وتطييب ضمائره وسرائره فاستصوب. الأسد هذا الفضل واستخلى بالجمل ليقف منه على الأصل ويسكن جأشه وأزال بلطف الكلام الجأشه وشكر في خدمته مساعيه وطلب بملاطفته مراضيه ثم طلب من الجمل تفصيل ما بلغه من جهل وأكد قوله بالإيمان أنه لو صدر منه تقصير ونقصان فإنه قد عفا عن هفواته ولا يطالبه أبداً بذلاته فيطلقه على كيفية الحال ويذكر ما دفع منه من فعل وقال، فافتكر الجمل في معاهدته مع الدب وأنه لا يفشي سره لأحد وشهد بذلك الرب وقال: إن
стр. 152
تكلمت أضعت صاحبي وإن سكت قصرت في جانبي ثم اختار كتم الأسرار وسلوك طريق الأحرار على حد قول الشاعر:
وإن أودعوا سراً رأيت صدورهم ... كنوزاً لأسرار تنزه عن نقل
وحفظ العهود ووفى بالعقود وقال أسعد الله مولانا الذي بجهوده ووجوده أحياناً وبخير أنه ربانا أني أتفكر في عواقب الأمور وتقلبات الدهور وأخشى سطوات السلطان وأخاف من حوادث الزمان فلا أزال في هذا الخيال في انتحال وهزال إلى أن صرت في هذا الحال، فإن كان هذا ذنباً يوجب العقوبة فإن في إزالته من خاطري صعوبة فإن هذه أوهام لا أملك منعهما ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. قال الأسد له: هل أطلعت على ما يوجب ذلك أو يدل على الإلقاء في المهالك وتضييق المسالك من حركات أفعالي أو فلتات أقوالي أو تقلبات أحوالي أو نقل إليك ناقل من عاقل أو جاهل؟ فأفحم الجمل عن الجواب وأطرق فلم ينطق بخطأ ولا صواب فقال الغراب: يا جمل لا ينجيك إلا الصدق وكشف ابتعاد الدب عن وجه الحق، وكان حاضر هذه النجوى بقر وحشي أعمى وهم عنه غافلون وعن استماعه ذاهلون ففي الحال توجه إلى الدب وحكى صورة ما جرى كتخبير البائع لمن اشترى:
стр. 153
فعلم الدب أنه افتضح وسره اتضح فنهض وما قعد ودخل على الأسد فرأى الجمل مطرقاً فأبقوه منطقاً فمد صولجان اللسان وخلف كثرة البيان وسابق بالكلام خوفاً من الكلام وقال بلسان طلق كلاماً غير قلق أعلم يا لئيم أنك لو سكت عن كلامك القبيح في وقتك الفسيح لكن أصوب وأحسن وأعجب، ألم تعلم أنك لما فهت بما فهت وقلت ما قلت قصدت به هلاك الملك وهذا من قبح شيمك وقد أزال الله سترك وأبدى أمرك لا جرم جرمك حسبك يكفيك أمسك أخرصك ربك العظيم بإثمك، فأبهت الأسد من هذا الكلام وتحير الغراب من هذا الأمر العجاب ووقعوا في الارتياب واشتبه الباطل بالصواب فقال الجمل للدب: يا فقير اللب يا قليل الصفة وعديم المعرفة وأنحس أفاك وأنجس تباك أتظن أني عاجزاً عن كلامك وخطابك م قاصر عن تجيهك وملامك أما تعي أني قصدت ستر عورتك وأطفأ نارك وهلكتك وتفكري في تلافي قضيتك وإخماد شر مصيبتك وإهماد ضرام فتنتك وعلى تقدير
стр. 154
التسليم وإني قلت هذا القول العظيم أكنت معك منفرداً أم رأيت بينناً أحداً؟ فإن كان بيننا أحد فاحضره إلى حضرة الملك فإني أرضى به أن يبين ولا دافع لي فيما أقول وأمعن ولا مطعن وإن كنت أنت وحدك فما منعك عن نصح الملك وسدك فأنت إذاً خائن أو بائن وهذا أمر ظاهر باين والله مالك مثل مع المسكين الجمل إلا امرأة النجار لما دخلت الدار قال الأسد الهصور: اخبرنا يا أبا أيوب كيف كان هذا الحديث؟ لنقف به على سر هذا الدب الخبيث.
قال الجمل: بلغني من رواة الأخبار أنه كان رجل نجار له زوجة تخجل الأقهمار كأنها الدنيا بحسن صورتها وتقبح بخبث سيرتها فكانت كلما رقد زوجها وهو تعبان انسابت إلى الرفاق والإخوان انسياب الثعبان فتقضي الليل بالانشارح وتغيب إلى وقت الصباح ثم تنشيى عائدة فلا يستيقظ الزوج إلا وهي عنده، راقدة ففطن النجار لفعلها وراقب ليلة ختلها فتراقد في الفراش وخرجت هي لطلب الهراش فنهض ورآها النجار وأرصد باب الدار واستمرت هي وصاحبها وزوجها يراقبها فلما عادت راجعة وجدت الدار مانعة فطرقت الباب من غير اكتراث وارتياب فناداها يا خائنة اذهبي حيث كنت كائنة فقالت استر لي هذه الذنوب فإني بعد اليوم أتوب فقال: لا والله الرحمن حتى تفتضحي بين هؤلاء الجيران فقالت الموت أهون لي من الفضيحة فاستر لي هذه القبيحة ولحت عليه وتضرعت لديه فلم يفتح لها باباً ولم يرد عليها جواباً فقالت والله اللطيف الخبير لئن لم تفتح لي لألقين نفسي في هذا البير ولأرمينك في فتيل بين الجليل ووالحقير ثم عمدت إلى حجر كبير وطرحته ف البير ثم التصقت بالباب لتنظر ما يبرزه القضاء من الحجاب، فلما سمع زوجها حسن إلقاء الحجر فتح الباب وإلى البئر
стр. 155
ابتدر وتصور أن تلك الباغية ألقت نفسها في الهاوية فما توقفت أن دخلت الدار وأغلقت الباب دون زوجها النجار وأحكمت الابتهاج وأوقدت السراج وملأت الدنيا بالعياط وأخذت في الهباط والمياط، فاجتمع الجيران ونظروا ما هذا الإنسان فقالت هذا الرجل الظالم لم يتركني كل ليلة حتى أنام ثم يتوجه إلى الزواني ويتركني حتى أقاسي القلق والوحدة والهيام فأخذ الزوج يحلف بالله ذي الجلال ويذكر للجماعة حقيقة هذا الحال فمنهم من يصدق ومنهم من يكذب وهو ما بين مصدق ومكذب فلم يزالا على عويل وصياح إلى الفجر والصباح فحضرا إلى القاضي واختصمها وشهدوا بصلاح الرجل والصلحا والعلما واحتمعت الألسن الصادقة وأجمعت بمقالاتها ناطقة أن المرأة زانية فاسقة ولولا ذلك لذهب البري غلطاً وانقلب صواب المحق الصادق خطأً والرجل إذا غلب عن فعل الشجعان يستعمل أفعال حبائل الشيطان ويتشبث بمكر النسوان العظيم الخسران وإنما أوردت هذا المثل لتعلم خيانة الدب وبراءة الجمل فعلم الأسد باطن القضية بالقوة الذهنية وكان اسجان ماهر ثعلب وصفه كاسمه ساحر أمره بتسلمهما وأوصاه أن يحتفظ بهما لما استقرا في قبضة الحبس واستمر أمرهما تحت آثار اللبس توجهت الفأرة التي كانت سمعت مناجاتهما واطلعت من أول الأمر على حكاياتهما إلى الساحر السجان وسأله عما آل إليه أمرهما من الشأن فأخبرهما بحالهما وعن عاقبة أمرهما وأنه ليس
стр. 156
بعالم أيهما المظلوم وأيهما الظالم فقال الفأرة أسألك يا ذا الشطارة والذكاء والمهارة أن ترجح لأحدهما الجانب وتبين الصادق من الكاذب وتبين المرضى عنه والمغضوب عليه تطلعني على ذلك لأنظر إليه فقال الساحر للفأرة: لقد فهمت عنك الإشارة أن لك إطلاعاً على هذا الأمر وفرقاً جلياً بين التمر والجمر فإن كنت شممت من ذلك روائح فبادري بأداء تلك النصائح فإن قولك مقبول ولك الفضل على الفضول ولا تقصدي بهذا الإرشاد إلا مصلحة العباد وكشف الغمة وبراءة الذمة وردع الظالم وخلاص ذمة الحاكم قالت الفأرة لا أقصد الإصلاح ذات البين وشمولها بطاعة الملك حتى يصيرا متحابين ويرتفع النكد ويحصل رضاء الأسد ويزول الضرر والضمير ويختم عاقبتهما بالخير قالت لقد سمعت من العلما ونصائح الحكما ومقالات ذوي الآراء قالوا لا يتكلم في أمور الملك بيضاء ولا سوداء وابن الجرزان من الأسد والقطران من الشهد قال الساحر: لا تقولي ذلك ولا تستحقري بحالح ودونك القول الصادر الذي قاله الشاعر:
لا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكيك الصواب إذا أتى من ناقص
فالدر وهو أجل شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص
وقال الآخر:
لا تحقر الرأي يأتيك الحقير به ... فالنحل وهو ذباب طائر العسل
стр. 157
والنصيحة كالعسل والحق يصدع كالأسل فالعسل يعطي الحلاوة في ذوقه سواء كان في صحيفة الذهب أو في زقه وقاصد الصلاح والنصيحة ومن أعراضه لدفع الفساد صحيحه مخاطر بنفسه وماله ويراقب حسن حاله وأفضل المعروف إغاثة الملهوف وقد سمعت في المثل السائر أفضل الجهاد كلمة حق عند أمير جائر وهذا الطول عند ضمر الحول وكيف وملكنا أعدل الحكام وناصر دين الإسلام منصفه بمكارم الأخلاق والشيم يعامل الكبير والصغير بالمراحم والكرم فإن كنت تدري بهجة الانتفاع أو لك على قضايا الدب والجمل اطلاع فقولي وانصحي واظهري الحق تنجي وتفلحي كما فعل الوزير المنتخب مع كسرى لما استولى عليه الغضب قالت الفأرة أخبرني أيها الأمين بذلك الفعل الكمين قال الساحر: ذكر المؤرخون وسطر المسطرون أنه كان فيما تقدم من الزمان لكسرى أنوشروان زوجة يخجل الأغصان قدها ويفضح الأقمار خدمها وهي من بنات الملوك قتل أباها وأخاها زوجها الفتوك وكان مشغوفاً بحبها ومتخوفاً من تشويش فكره لئلا تتذكر قتيلها وتتحيل في أخذ ثأرها وهو لم يزل متحرزاً من أفعالها مراقباً من أحوالها وفلتات لسانها في أقوالهان فاتفق أنه كان جالساً معها على السرير وحولها من الجواري الحسان كل بدر منير فاشتاقت نفسه إليها فوضع يده عليها فنظرت إلى الجواري فرأت أعينهن إليها ناظرة فصارت بين طرفي الانقياد والامتناع حائرة، وكانت قد سمعت من أبيها ما روته عن أقاربها وذويها وهو أني لأستحي أن أباضع في بيت فيه نرجس لأنه يشبه العيون الناظرة فخطر ببالها أنه إذا استحى من عيون النرجس وهي جامدة فكيف لا أستحي أنا من النساء في المراقبة وهي غير راقدة، فغلب عليها وأراد قضاء وطره منها فانكمشت وزادها الحيا من كسرى انقباضاً فجذبها إليه
стр. 158
فانفلتت منه وعليه استعصت فوقع عن سريره العالي وعلا خلقه الغالي وتذكر ما هي عليه من أخذ الثأر وأسود قلبه لما غار وأضرمت في أحشائه النار فدعا وزيره الكبير ودفع إليه ربة السرير وأمره بإزهاق نفسها وإسكانها في رمسها من غير مراجعة ولا شفاعة ولا مدافعة، فحملها إلى منزله ووقع في صعب الأمر ومشكله ولم يفعل شيئاً من إمضاء مرسومه وامتثال أوامر مخدومه ثم تدبر في المآل ونادته ربة الخلخال وقالت: أيها الوزير الناصح المشير صاحب الرأي والتدبير هبني أنا خاطيه ولا يرضى الملك بتائبة فما ذنب الذي في بطني المودع من الملك الذي لم يجني فلا بأس من أن تعاوده وبالإشارة تراوده وإن كان ولابد من قتلي فاستمهله إلى أن أضع ثم تهلك الأم ويبقى التبع، فإنه كان يعطى النذور والمال ويطلب الولد في ظلمات الليالي ويدعو بذلك ربه ذا الجلال، وإن أبى إلا القتل فعلى الله المتكل فعرض الوزير ذلك على آرائه بالصريح لا الإشارة واستعمل فيه أحسن عبارة فأبى فعرف أخلاقه ثائرة وأنه لابد من أن تنطفي تلك الثائرة فإذا برد قلبه وزال كربه فيطالبه بالفرع إن لم يطلب الأصل وبعد القطع لا يمكن الوصل. فرأى الوزير المصلحة في التأخير فأودعها عند الحريم
стр. 159
للتخليد وسلك في الحزم الرأي السديد وجعل نفسه لها وقاية إلى أن أخذت مدتها النهاية فوضعت ولداً ذكراً كأنه غصن بان مثمراً قمراً فقام الوزير بتربيته وإصلاح إرضاعه وأغذيته إلى أن بلغ سبع سنين وهو كالبدر المنير والدر الثمين مربى بالدلال معبا بالكمال كأنه هو المقصود في قول الشاعر:
في تلمهد ينطق عن سعادة جده ... أثر الحنا به ساطع البرهان
فاتفق أن كسرى ركب للصيد في عسكر ونرايد فتفرق العساكر عدا وبقي كسرى فصادف غزالين يسوقان لهما ولداً خشفاً بلا مين كما قيل شعر:
بروحي أغن كأن إبرة روقه ... قلم أصاب من الدواة مدادها
فهجم عليهما فتخليا عن ولدهما ففوق السهم الخفيف نحو الحشف الضعيف فلما رأت أمه السهم داخلها الوهم فتصدرت للسهم دون ولدها واستقبلت نصله بكبدها فأراد إطلاق السهم من الكبد ليصيب به الولد فاعترضه الوالد بصدره وتلقاه دونها بنحره وجعل نفسه وقاية لأم ولده وفداها بروحه وجسده فتذكر كسرى أم ولده وندم على ما قدمه وتضاعف حزنه عليها وهمه وغمه وتذكر ما سلف منه في حق زوجته وما عاملها وولدها فاشتعلت النار في مهجته وقال: إذا كان هذا الحيوان الخلي من العقل حمى بروحه ولده وزوجته وجعل نفسه من الأذى لهما وقاية حيث ألفته
стр. 160
ومع ذلك فهو حيوان أبكم صامت لا يتكلم، فإذا كانت هذه حالته فلم لم يفعل ذلك الحيوان. الناطق ثم فاضت دموع عينيه ورمى القوس من يديه ورجع مفكراً وعلى ما فرط منه متحسراً ودعى ذلك الوزير وقال: الصبر نعم النصير وكان قد سبق من المملوك الإشارة ولكن المفرط أولى بالخسارة، فالصديق الصادق والشفيق الموافق يقول ما أنصع نصحت فلم يسمع والمحب الممارق والحسود المنافق يقول أردت أقول ولكن تركت الفضول ولا حيلة للملك والوزير فيما جرى به التقدير، ثم دعى للملك وانصرف وعبأ حملاً من الهدايا والتحف وألبس ابن الملك أفخر ملبوس وجهز أمه كما تجهز العروس وأضاف إلى ذلك من المراكب الملوكية والخدامات السلطانية وأقبل بها عليه وأعرض ذلك إليه وقال: يا ملك الزمان أنا كنت راقبت هذا اليوم في ذلك الزمان وعلمت أن الندم سيعم من الرأس إلى القدم وها قد قدمت للملك من التحف الدر مع الصدف والثمر مع الشجر والشمس مع القمر متعك الله بهما ومتعهما بك وحرس من الأسواء عزيز جنابك، فلما رأى كسرى ذلك سر قلبه وانشرح صدره وأغمي عليه من شدة الفرح كما قال الشاعر:
طفح السرور علي حتى أنه ... من عظم ما قد سرني أبكاني
يا عين قد صار البكا لك عادة ... تبكين من فرح ومن أحزاني
ثم أمر ببساط السرور وجلس في النشاط والحبور وقال أيضاً شعراً:
أهلاً وسهلاً بالتي ... جادت علي بليلتي
أهلاً بها وبوصلها ... من بعد طول الهجرة
أدر المدام وغن لي ... أهلاً وسهلاً بالتي
стр. 161
ثم أفاض خلع الأنعام والكرم والاحترام على الوزير وشكر له حسن التدبير وارتفعت عنده منزلته وتضاعفت في الارتقاء مرتبته.
وإنما أوردت هذه الأمثال لتجري على هذا المنوال فإن كان عندك ما ينفي الشك والأغاليط ويحقق الحق ويميز الأخاليط فإن في إبدائه منة عظيمة ونعمة على الملك جسيمة ستبلغين بها إلى العيش الهني والمقام العلي السني. وإن أنت أخرت النصيحة فقد شاركت الخائن في أفعاله القبيحة. قالت الفأرة: ما أدق ما نظرت وأحق ما إليه أشرت لا تردد للعقل في هذا النقل ولكن من أنا في الرقعة وما الفأرة حتى تطلب الرفعة وأنا لست في العير ولا في النفير وإني من أول عمري ومبدأ أمري في زوايا الخمول أتحرز من فضلات الفضول لا لصحة في ولا لي صورة جميلة ولا لي في طريق السلوك سيرة نبيلة لا أمينة ولا ثقة وخير أسمائي الفاسقة فأنى أصير مصدقة أو أمينة موثقة وقد أباح سيد العرب والعجم معدن الفضل والكرم المبعوث لتتميم مكارم الشيم ﷺ قتلي في الحرم والحل فلو طلبت محلة من فوقي لخرجت عن طائرة طوقي وصيرت نفسي ضحكة للناظرين ومرآة للساخرين خصوصاً ملك الأسود وسلطان النمور والفهود ورحم الله امرءاً عرف قدره ولم يتعد طوره، ومن أعجب العجب أن نخشى من شوك العنب ومن أحسن الأمثال ما يقال إن السلطان للأنام بمنزلة الحمام، البعيد عنه يطلب قربه والداخل فيه يشكو كربه فاللائق بحالي أن لا أشغل بالي الخالي بما لا يليق بي وبأمثالي حيث أشرت إلى بادي النصيحة في بيان الحال الفاسدة من الحالة الصحيحة طلباً لمرضات الملك وصوناً لخاطره عن الأمر المشتبك المرتبك، فأنا أمتثل مرسومك وأودع ذلك معلومك بشرط أن لا تذكرني بصفة ولا
стр. 162
تشير بنكرة ولا معرفة لا لصوني ورفعة قدري بل لتنزيه الأفواه عن ذكرى مقاصدها على ما اشترطت، فمدت القول وبسطت ثم ذكرت ما جرى وما كانت وقعت عليه من ذلك الخبر من كلام الدب في الجمل وما صدر بينهما من قول وعمل وفصلت تلك الفصول وقررت براءة الجمل بطريق المعقول والمنقول.
فلما اتضح للثعلب براءة ساحة عرض الجمل وأن الدب هو الذي أغراه على قصد الأسد وحمل وتحقق ذلك بالبرهان الساطع والدليل القاطع توجه إلى حضرة الأسد وأخبره بما صلح من الأمر وما فسد وإنما تأخر عن خدمة مخدومه ليصل ما في جيب الغيب من مكتومه، فلما اتضح لليث ما في هذا الأمر من صلاح وغش وتبين أن الصالح الجمل والطالح الدب أرسل إلى الغارب وأعرض عليه هذا الأمر العجاب وطلب منه الإرشاد إلى هدم ما بناه الدب من الإيقاع وشاد، قال الرأي عندي أن تجتمع العساكر وتجهز الندا بالاجتماع للبادي والحاضر وتحضر الدب والجمل وتعرض على الجميع هذا العمل فإذا ظهر الحق وانكشف الباطل عن وجه الصدوق وتبين الظالم من المظلوم وتعيين الصحيح من المثلوم ترآى برأيك السعيد ما يقتضيه وتسلك ما ترتضيه بحيث لا ينتظر في ذلك عنزان ولا يختلف عليك اثنان.
فلما كان ثاني يوم من أمر الأسد اجتمع القوم الكبير والصغير والمأمور والأمير ثم اعتلى الأسد أعلى السرير وأثنى على الله اللطيف الخبير ثم ذكر ما أهمه من هذه القضية المهمة وذكر فضل هذه الأمة وما لها من رفعة وجلالة وأنها لا تجتمع على ضلالة ثم قال ما تقولون في رفيقين شقيقين صديقين لم تكن بينهما مكالحة ولا منازعة ولا محايمة سوى المحبة والممالحة والمودة الصالحة يبيتان
стр. 163
في فراش ويستعينان على حسن المعاش أحدهما خان رفيقه من غير سبب وسعى في إراقة دمه وإذلال قدره وعدم وجوده بوجود عدمه فماذا يجب على هذا الحاسد المنافق الفاسد في ترويج باطله الكاسد وقصده ذلك البري الصالح السري الفاهم والسعي به إلى الحاكم وإلقائهم بسببه الآثام وارتكاب الجرائم وحمل هذه العظائم؟ فأجاب الجمهور أن من أكبر الكبائر قول الزور وأن مرتكبه الأثيم استوجب العذاب الأليم ومن هو هذا الجريء الكذاب الذي يرتكب مثل هذه العظائم الهائلة في مثل هذه الدولة العظيمة العادلة ولأي شيء يؤخر جزاه ولا يحسم دواه ولا يضرب ولا يشهر ولا يؤمر بالمعروف في مثل هذا المنكر. قال الأسد فاكتبوا ما قلتم محاضر وليعلم الغائب الحاضر حتى إذا وقع الاتفاق وارتفع هذا الخلاف والشقاق وأجمع على ذلك العقل والجمع، فقالوا فيه ما يقتضيه الشرع فاتبعوا شرورهم وكتبوا بذلك خطوطهم فعند ذلك طلب الأسد الفأرة واستنطقها بما تعلم واستشهدها على الدب بما تكلم فشهدت بما به سمعت في وجهه ورقمت بذلك خطها ووضعته في مبيضته وزكاها الحاضرون وشهد بزهدها وصلاحها السامعون والناظرون واتفقوا على حقيقة صدقها وتحقق منطوقها فتهلل وجه الجمل بهذا القول والعمل، وظهرت على صفحات الدب العديم اللب علامة الفضيحة والانكسار والخسران والدمار والبوار فلم يسعه أنه أذعن حيث لم يكن له في ذلك رافع ولا مطعن، فأمر الأسد بالدب أن يلقى من العلا في جب وأن السباع تحتوشه والضباع تفترسه، ففي الحال نهشته الذئاب وفرسته الكلاب وخطفته النمور وقطعته الببور والتهمه السباع والتقمه الضباع فبعضوعه وقطعوه ووزعوه وحرقوه ومزقوه ولم يكتفوا بعظمه وأهابه حتى لحسوا دمه من يابس ترابه وكانوا قد امتد بهم الغم
стр. 164
فأطفئوا بدمه ولحمه بعض الضرم وزال عن أبي أيوب الضرر وضاعف الله تعالى عبر براءة ساحته أصناف الحمد والشكر وارتفعت منزلة ذلك الحر وزادت حرمته وعلت مروءته ومرتبته.
وفايدة هذا المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فائدة الأمانة ووخامة المكر والخيانة وأن الله تعالى غير مضيع أهله وأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله وهذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والله الموفق والمعين والحمد لله رب العالمين.
стр. 165
فراغ
стр. 166
الباب السابع
في ذكر العقاب والحجلتين
стр. 167
فراغ
стр. 168
قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض ولايات أذربيجان جبل يسمى السماك في العلو يباهي به الأفلاك في السمو المياه والأشجار كثير النبات والثمار في قلبه شجرة عالية قطوفها دانية، وفي ظل الشجرة مأوى لحجلتين ذكر وأنثى وصل إليهما ذلك المكان إرثا هو وطنهما ومستقرهما المألوف وبالقرب من ذلك الجبل جبل مقارن يسمى القارن لو قصد البد سوره أو رفع رأسه ينظر دوره أو يلقي فيه شعاعه ونوره لرمى عن رأسه طرطوره سمير عقاب عالي الجناب هو ملك تلك الطيور وبيده أزمة الأمور وجوارح ذلك الصائح تحت طاعته منتظمون في خدمته. وكانت الحجلتان كلما فرخت أو قاربت أفراخها الطيران عزم العقاب بالاجناد على التنزه والاصطياد فيصل بجماعته والأعوان إلى الجبل الذي فيه الحجلتان فتدب الأفراخ تحت أقدامها العساكر وتصير طعمة لعساكر ذلك الطائر فتقع الحجلتان في الفكر والأحزان، فلم يزالا في نكد على فقد الولد فافتكرتا في بعض الأيام فيما هما عليه من الآلام وترادف الأنكاد على ممر الأعوام فقال الذكر للأنثى: قد
стр. 169
قاربت الشمس عمرنا الأفول وقدم بقائنا بزل ويزول وليس لنا من يذكر الله بعدنا ولا يحيي آثارنا عند فقدنا وقد قضينا العمر في الأنكاد في الخوف وفراق الأولاد وبعد وفاتنا يمحي اسمنا ويندرس رسمنا فلا حياة هنية ولا أخرى رضية، وإني على فراق قرة العين محزون فإنا لله وإنا لله راجعون وهذا أمر صرنا به مخصوصين على وجه المذلة والشين، ومثلنا كمن جمع المال من حله ومن غير حله وتركه بعد الكد والحرص إلى غير أهله كما قيل:
تؤديه مذموما إلى غير أهله ... فيأكله عفوا وأنت دفين
ولا طاقة لنا في دفع جيش العقاب ولا حيلة إلى باب الخلاص من هذا العقاب ومضى العمر في هذا الويل وقد أشبهنا النائم على طرق السبل، فإن ذبينا عن أنفسنا ربما أغفلونا وطرحونا أو ازهونا في مهلكة تدير علينا من العنا طاحونا، فالرأي عندي أن نترك هذا الوطن ونرحل إلى مقام لا نرى فيه تلك المحن فقد فرغ الصبر على فراق الولد ولم يبق قلب يحتمل هذا الألم والنكد كما قيل:
стр. 170
وذاك لأن المرء يحيى بلا يد ... ورجل ولا تلقاه يحيى بلا كبد
قالت الأنثى: لقد أعربت عما في فكري وشرحت ما كان يجول أبدا في صدري وهذا البلاء نحن فيه سواء ومحنة قد أعياني في برئها الدواء ومصيبة هدت مني الحيل والقوى كما قيل:
بي مثل ما بك يا حمامة فاندبي ... لم يدر مر الصبر إلا من أكل
وأنا لم أخل قط في وقت من هاذ الفكر الذي أوجبه الهم والمقت والذكر واعلم أن سهام العقلا وتوجهات أفكار ذوي النظر من الحكما والنبلا إنما تصدر عن قوس واحدة وتتوجه إلى غرض فرد طرقه غير متعددة. وقالت الحكما وأولوا التجارب والعقلا: بل أطلق أرباب العقول وأئمة الدين وأصحاب الأصول أن قضايا العقل كلها صادقة وألسنتها فيما تحكمه بالصدق ناطقة، غير أن كثيرا ما تتعقبه القضايا العقلية بالقضايا الوهمية فيقع الخطأ في القضايا الوهمية فيتصور أنها قضايا عقلية وإلا فالقضايا العقلية لا يقع فيها الخطأ البتة وقذفت رشيد العقل بحبل بال كثير المنافع غزير المقال فإن كل من قصد الصعود إليه أو توجه إلى الارتقاء عليه لا يتيسر له ذلك لا من طريق واحدة منها يصل إلى الفائدة وعلى
стр. 171
هذا فطريق المعاشرة وسبيل المباشرة مع العقلاء وذوي الآراء الزكية في العداوة والبغضا والصداقة والكدورة والرياقه واللطافة والكثافة والخوف والرجا والانتهاء والابتداء إنما هو من باب واحد لا من طرق متعددة. ولأجل هذا ملوك هذا الطريق الأمر معهم متيسر لا متعذر ولا متعسر وإن خيط هذه السموط بالاستقامة مضبوط وبالصلاح مربوط بخلاف الجهال والخلعا والحمقى والسفها فإن أمورهم متفرطة وأفكارهم وآراؤهم غير منضبطة فتكد خواطر العقلاء في تعليمهم وتعيى طبيب الفكر في معالجة أخفهم وإصلاح سعيهم كما قيل:
إني لآمن من عدو عاقل ... وأخاف خل يعتريه جنون
والعقل زين للفتى وطريقه ... نجح وخير والجنون فنون
ولهذا قيل: معادات العاقل خير من مصادقة الجاهل، ثم قالت الأنثى: أما سمعت حديث أشرف الإنسان سيد ولد عدنان الذي خلقت من أجل الأكوان "حب الوطن من الإيمان" وقد ألفنا وطننا وحبه وقطع أصول محبتنا صعبة خصوصا وهو في معزل عن طرق الجوارح ومكن عن طوارق السوانح والبوارح، وإنما تعرض لأولادنا تلك الآفات والعاضة من تراكم العساكر وما يحصل من إقدامها من الكثافة وأخاف إن انتقلنا من هذا الوطن يخرج من أيدينا هذا السكن ولا نحصل على مأوى يليق ولا توافقنا الغربة أو يمنع مانع في الطريق فنقصد الريح فيذهب راس المال فنخسر ما في أيدينا في الحال ولا يحصل المأوى في الاستقبال كيف وهو مسقط رأسنا ومحل أنسنا وإيناسنا؟ فالأولى لنا الرضى والانقياد لأوامر القضا وملازمة الوطن القديم والسكون تحت تقدير العزيز العليم، وقد قيل إنما يشفى العليل إذا ترك مشتهيات نفسه وقيد متمنياته في حبسه
стр. 172
ولا بد للمرء في بلوغ المنى من ترك المراد والقانع من قطع النظر عن الازدياد وقد قيل الحزم رفض الشهوات وكل ما هو آت آت. وإنما وقائع الأنكاد من جهة الأولاد وما يقع منها من كل عام فتجيبها إحدى ما يقع من نوايب الأيام ونحن بل كل المخلوقات عرضة للنوايت والآفات وطعمة للمقدور وحوادث الدهور ولو انتقلنا من الوطن وتحولنا عن هذا السكن وبعدنا عن الأقارب وجاورنا الأعداء والأجانب ونزعنا عن الحبايب ومعارفنا من الأجانب لا يطيب لنا مقام وتتكدر أوقاتنا على ممر الأيام ولا نزال بين تذكر الوطن المألوف والتحنن إلى رؤية الصاحب الألوف، فتسهيل هذه الأنكاد مفارقة الأولاد. واعلم أنه لو تيسر لما مع الانتقال انتظام الأمور واستقامة الأحوال وحصلت الأولاد وزالت الأنكاد وصفا الوقت بزوال المقت فإن الخاطر يشتغل من حين وجدان الولد ويتعلق بمصالحه القلب والجسد وتصرف الهمة إلى القيام بمصالح إلى حين ترعرعه وارتياشه ويتعلق القلب بمحبته والإلتفات إلى عمل مصلحته ويزداد ذلك يوما فيوما وشهرا وشهرا وعاما فعاما فإن أدركه والعياذ بالله من ذلك ألم أو أصابه ضرر أو سقم التهبت عليه الجوارح واستولت به الهموم على القلب والجوارح، فإن آل إلى الموت واستحال إلى الفوت فهو المصيبة العظمى والطامة الكبرى وإن سلم من هذه العاهات وبلغ سالما من هذه المخالفات فتزداد كلفته وتتضاعف مؤنته ويركب والده في ذلك كل صعب وذلول ويذهبان في مذهب في كل عرض وطول ويكتسبان من الحلال والحرام ويتحملان المشاق والآثام، هذا إذا كان مطيعا ولأبويه منقادا سميعا وأما إذا ركب جموح العقوق ونسي ما لهما عليه من الحقوق فهي مصيبة أخرى وداهية كبرى ويصير كما قيل:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد
стр. 173
وعلى كل قدير وأنت بهذا خبير وبدقائقه عليم أن الأولاد بين الأبوين وبين الآخرة سد عظيم لا تخلص من الالتفات إليهم لله طاعة وأغلى الانقطاع منهم إلى طريق الآخرة استطاعه، وناهيك بأهل الذكاء والفطنة قول من أنقذك من هذه المحنة إنما أموالكم وأولادكم فتنة فاسمع هذا الكلام بأذن التحقيق واسلك في سير معانيه أوفى طريق وحقق يا ذا الإرشاد أن وجود الأولاد عند ذوي البصيرة النقاد مزيف ومتاع مزخرف وسم تحت حلوى وسرور فوق بلوى وعارية مردوده بعد وفاة محدوده بل أكرة من خشب مموهة بالذهب وطلاية من نضار على جرة من فخار، وقد نبه على هذا رب العباد الصادق في الوعد والميعاد على لسان أشرف العباد بقوله تعالى: (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد) وكما أن الأطفال الصغار الغافلين عن بديع الحكم ودقائق الأسرار إذا نظروا إلى اللعبة الموقة الملونة والخشبات المصبغة المستحسنة التهوا بها عن اكتساب الآداب وملازمة العلماء والكتاب فيلعبون وهم جاهلون وعن طريق اكتساب الكمال ذاهلون. فكذلك كل من التفت إلى غير الله خاطره واشتغلت بأمور الدنيا من المال والولد سرائره وضمائرة حرم من الاطلاع على دقائق الملوك وفاته لذات الوقوف على حقائق السلوك فهو عن الله تعالى محجوب وفي عساكر الأموات وإن كان حيا محسوب كما قيل:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسادهم دون القبور قبور
وإن امرءا لم يحيى بالعلم صدره ... فليس له حين النشور نشور
قال الله تعالى وكلمته العليا (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) وهذا صريح بالشهادة على ما نقلته وقد جليت صداء قلبك
стр. 174
وصقلته فلا تكونن كالآلا ولا تعلق قلبك بغير الله قولا واعتقادا وعملا فالباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا واجتهد في إصلاح قلبك المكابر واصغ إلى ما قاله الحكيم الحليم متحررا من العذاب الأليم عاملا بما يرضي السميع العليم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بلقب سليم. وإذا علمت هذا وتحققته وقررته وحررته وصدقته فاعلم أن الأولى بحالنا والأحسن للنظر في مآلنا أن نعد ما نحن فيه من جملة النعم وأن هذا قسم لنا من القسم في القدم فلا تنتقل عن دائرة الرضا والتسليم قدما عن قدم وننتظر ما يتولد عن حدثان الزمان ولا نرخي في ميدان الطمع العنان ونعرض عن طامح الخاطر كمال قال الشاعر:
كم نار عارية شبت لغير قرى ... على بقاع وكم نور بلا ثمر
هون عليك أمورا أنت تنكرها ... فالدهر يأتي بألوان من العبر
قال الذكر: جميع هذا القول صادر من موارد المعقول موافق لما ورد به المنقول، لقد غصت في بحر الفطنة على جواهر الحكمة ولم تتركي في ميدان المسائل مقالا لقائل ولا مجالا لجائل، ولكن لا ينبغي للعاقل أن يغفل عن حوادث الدهر ولا يعطي ظهره لكواسر العصر فإن طوارق الآفات وخوارق العادات ومحن الزمان وغصص الحدثان محتجبة تحت الأستار ومنظورة في أنواع الأطوار والفلك الدوار له في علم الأدوار مغيبات أبكار يبرزها للناظر فتلعب بالأفكار وتذهب في سناء برق مخارقها بصائر الأبصار ويحتار في حركاتها الرأي المصيب ويدهش في دجى حدسها الفطن الاريب وقد حار الفكر وعجزتن القوى والقدر وحارت عقول البشر دون إدراك ما يبرزه كل وقت من الصور من وراء ستر الغيب سعيد القضاء والقدر ولم يعهد من الدهر الخؤون والزمان المجنون إذا
стр. 175
استقام أو نزل أو جل أو هزل أو ولى وعزل أو أمر وامتاز وفضل أو أقبل واعتزل أو أراد نقض إبرام من غزل أن يرسل قبل ذلك مبشرا أو مبصرا أو محذرا يستيقظ النائم أو ينهض الحائم أو يتحرك القائم وإنما يحطم بغينه ويهجم في سكته فيأخذ على بهشه فلا يفلت منه نكتة ولا يهمل إلى لحظة ولا فليته وقد قيل شعر:
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
وعلى هذا فلو وقع منا غفلة أو ذهول عند قدوم هذا الجيش المهول فاخترم والعياذ بالله واحدا منا ونحن على أحسن ما يكون سكونا وأمنا فكيف ترين يبقى حال الآخر وهل يصير إلا كما قال الشاعر؟
ما حال من كان له واحد يؤخذ منه ذلك الواحد، وإذا بقي أحدنا منفردا وعن صاحبه منعزلا متوحدا فماذا يفيده الجيران والسكون والوطن والأمنة وهل يبقى له لذة وصال ألف سنة بأليم الفراق في تلك الساعة الخشنة كما قيل:
إن كان فراقنا على التحقيق ... هذا كبدي أحق بالتمزيق
لو دام الوصال لنا ألف سنة ... ما كان يفي بساعة التفريق
لا كان في الدهر يوم لا أراك به ... يا صاحبي ومؤنسي ورفيق
ولا فيه شمس بل ولا قمر ... ولا دونت ولا ساق لخمر عتيق
وكل من لم يتفكر في الحوادث قبل حلولها ويتأمل في تداركها قبل نزولها ويطمئن إلى سكونها مع الزمان ويتكئ بظهره على وسادة الحدثان ويحيل في الكوائن على القضاء والقدر ويدفع يد التدبير عن تعاطي أسباب الحذر، كان كمن ترك إحدى جنبتي خرجه فارغة وحشى الأخرى من الحجارة الثقيلة الدافعة فأنى يستقيم محله أو يبلغ على الطريق المستقيم منزله فلا يزال حمله
стр. 176
مائلا وخطبه هائلا فالعاقل يسعى فيما يظنه ولا يغفل عن السبب وبما وجب يعمل كما قيل:
على المرء أن يسعى ويبذل جهده ... وليس عليه أن يساعده الدهر
فإن نال بالسعي الذي تم أمره ... وإن غلب المقدور كان له عذر
وعلى كل حال تعاطي الأسباب لا يقدح في الأفعال والتوكل وناهيك بملحة العمل حكاية الحمار مع الجمل قالت الأنثى: كيف كانت تلك الحكاية وقال الله شر النكاية؟
قال: بلغني أنه ترافق في المسير عير مع بعير فكان الحمار كثير العثار مع أن عينيه كانتا تراقبان يديه ورجليه وكان الجمل على عظم جهامته وعلو قامته وبعد عينيه عن مواقع يديه ورجليه لا يزل له قدم ولا يضل له أجم، فقال الحمار للبعير: أيها الرفيق الكبير ما بالي في المسير كثير الوقوع والزلل دائم العثار والخطل لا أخلو من حجر يدميني الحافر أو عثرة ترميني في حفرة حافر مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء وأنت لا تنظر إلى مواطئ إخفافك، ولا تعرف ماذا تقع فيها ولا تحتل عن طريق تمشي فيها ولا أدري هذا مما ذا قال البعير: أنت في المسير قاصر النظر أعمى
стр. 177
القلب والفكر لا تراقب إلى ما بين يديك ولا تنظر ماذا أمامك إليك أم عليك؟ فإذا أدهمك ما أدهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلا وقد وقعت وفي حفر المهالك قد نزلت وانخرق ما رقعت فلا يمكنك التلاف إلا وأنت رهين الإتلاف، وأما أنا فمراقب دائما ما يصير من العواقب وأميز أمامي الطريق أسهل أم حد فأميز السلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلا وقد أذللته ولا وعر إلا وقد سهلته ولا وهدة إلا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلا وكشفت ضيقها فأستعد للأمر قبل نزوله وأحتال لدفعه قبل أوان حلوله، وهذه قاعدة الفقهاء وأصل كبير عند العلماء لأنهم قالوا الدفع أهون من الرفع.
وإنما أوردت هذا المثل عن الحمار والجمل لتعلمي أن لا بد لنا قبل حلول النكبة من أخذ الأهبة فما كل مرة تسلم الجرة ولا كل وقعة سلامتها ميسرة وقد قرب وضع البيض وبعده قد همت العساكر بالفيض فلا بد من إعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر الصعيب، كما قيل مهد لنفسك قبل الموت مضجعا. قالت الأنثى: جميع مل قررته لا يخلو عن دقيق النظر وتحقيق صائب الفكر وغامض معاني الأسرار وتبيين مواقع الأخبار وكل ذي عقل يقبل ويعول عليه وكل فكر مصيب يحثو الاقتباس في الحكمة بين يديه، ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والراغبون في نيل المرادات والأمنية على فرق شتى في بلوغ المراد والآمال فمنهم من يبلغ بقوة الجنود وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاونه معاون العصر وينهض به سعد التقدير ويقوم معه كل صغير وكبير وعظيم وحقير وعدو نصير كما قيل:
وإذا أراد الله نصرة عبده ... كانت له أعداؤه أنصارا
стр. 178
فيقيض له المساعدة والمعاضد فلا يحتاج إلى سعي ولا في استماع النصيحة إلى وعي بل يصل إلى قصده بدون كده وبغير جهده وعده وعدده، ومنهم من يحتاج إلى سعي بليغ وجهد طويل سبيغ ومساعدة ناصح ومعاون صالح وقرع أبواب وتعاطي أسباب وسعد رقيق وفكر دقيق حتى يبلغ مراده ويدرك ما أراده، ومنهم من تغلب عليه العجلة والطمع والشره والحرص والهلع فيسارع إلى نيل ما يرومه فيلقيه في عائق الحرمان حرصه وشؤمه فيقع من التعب في هويته ويحرم لكونه اعتمد على حوله وقولته فيصير كما قيل:
بالحرص فوتني دهري فوائده ... فكل من زاد حرصا زيد تفريطا
ومنهم من يتمنى ثم يتكاسل ويتوقع ثم يتساهل فيحرم من مقصده ويرده عجزه عن مراده ويده فانظر يا ذا السكون والوقار والركون نحن من أي الأقسام نكون وأنت تعلم أنا لا نقدر على مقاومة العقاب ولا على أن ندفع عن أنفسنا ما ينزل بنا من عقاب فإنه إذا طار العقاب يبلغ الثريا والسحاب ونحن إذا تحركنا في الثرى لا نقدر أن نرتفع عن الثرى قيد لوا، وقد قيل في المثل أين الثرى من الثريا وأين العادل ممن اشتد بغيا بغياً وقد قيل كل من تعلق بخصم هو أقوى منه فقد سعى في هلاك نفسه بيده كما قيل:
ومن يشبشم بالعداوة كفه ... بأكبر منه فهو لا شك هالك
وكان مثله كمثل النملة الضعيفة التي ينبت لها أجنحة خفيفة فتحركها دواعي الطيران فتصور في نفسها أنها صارت من النسور والعقبان فبمجرد ما ترتفع عن الثرى إلى الهواء التقفها عصفور واختطفها أصغر الطيور ولهذا قيل:
إذا ما أراد الله إهلاك نملة ... أطار جناحيها فتسقط في المعطب
стр. 179
ونحن ليس لنا اطلاع على مكامن الغيب فتره نفسك عن حوادث هواجس الريب وليس لنا مساعد من الأقارب والأباعد ولا لنا خيل ولا مال ولا عدة ولا رجال ونحن أقل من أن يساعفنا زمان أو يعيننا على العقاب أعوان فلم يبق لنا إلا الركون تحت حركات السكون وانتظار ما سيكون، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، واعلم أن حركاتنا مع العقاب والجامع لنا معه من الأسباب متحدة في الحقيقة وطريقتنا معه من جنس ذي طريقه وهي الطيرية وكلنا فيها سوية وهم منها كإعجاز القرآن من الفصاحة في الطرف الأعلى ونحن منها كأصوات الحيوانات في أدنى الأدنى من العلا فالأولى بحالنا الاصطبار من غير ريب إلى أن يصل لكسرنا الجبر من عالم الغيب كما قيل:
مهلا أبا الصقر كم من طائر ... يحوم يلقى بعد تحليق
زوجت نعمى لم تكن كفؤها ... إذنها الله بالتطليق
وقيل في هذا المعنى أيضاً:
الأمر يحدث بعده أمر ... والعسر مقترن به اليسرد
وحلاوة الصبيان من عسل ... وحلاوة الشجعان من صبر
والصبر يأتي بعده نعم ... تأتيك مقرونة الشكر
وقال الآخر من هذا المعنى:
اصبر على ما جرى من اسبق قدما ... فمركب الصبر بالآمال ملتحقه
خوفا من أن تقع مع من هو أشد منا ونعانيه ونأمل التخلص من ييديه حمقا وجهلا لا تفضلا وفضلا كما وقع الثعلب الجائع المجهود مع الجمل الموجود قال: كيف كانت تلك الحكاية؟ أخبريني بها لعل أن تزول عنا بسببها النكاية.
قالت: حكي أن ثعلبا اتخذ له وكرا في روض بهي ذا منظر
стр. 180
شهي يأوي إليه صباحا ومساء ويعكف به صيفا وشتاء ويدخر فيه قوة شتوته في وجه صيفته واستمر على ذلك مدة من الزمان والأعوام والدهور والآوان. ففي بعض السنين احتال على قوته النمل فسرقه وقطعه ومزقه وكان ذلك عند اشتداد البرد فأصابه لذلك الهم والغم والكمد، ففي بعض أوقات نهاره خرج من جحره متطلبا لصيد قفاره إذ رأى جملا على باب جحره باركا ملقيا عنانه وللهمومتاركا ففرح بذلك وقال: لك الحمد يا رب يا مالك أنت اللطيف وراحم الضعيف وقال في نفسه: لقد صادفت ما يكفيك ويفوتك أنت وبنيك فاهنأ بما أعطيت واشكر الله ربك وموليك، ثم أخذ في إعمال حيلته يدخل بها إلى الجمل جحره ويقتنصه بها جهره فأداه جهله وحمقه إلى ما يحصل به هلاكه ومحقه وأخذ حبلا وثيقا من الكتان وليته كان من صوف أو صوفان وربطه في ذيل الجمل من
следующие страницы →