← Адаб

Адаб · id 8305

مرزبان نامه

اسبهبد مرزبان

Полный текст (228 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فأعياهم المراد، وكان في بلده بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فدخل عليه ذات يوم من الأيام وهو في حالة لا تسر صديقاً ولا ترضي جاهلاً ولا رفيقاً فسأله البهلول عن حاله وما أوجب توزع باله وتفسير أقواله وأفعاله وخطاباته وأحواله، فقال: يا بهلول عدمت ولدي قرة عيني وراحة روحي وجسدي ولا صبر لي على فراقه ولا لقلبي معين على لهب احتراقه فقال له البهلول: يا أخي إن عيسى ﵇ شكى إليه بعض أصحابه ما تشكوه أنت، فقال له عيسى ﵇: كن لربك كالحمام الألف يذبحون فراخه ولا يطير عنهم، ثم قال البهلول لكسرى: وأنا أسألك سؤالاً فأجبني عنه بجواب شافي إن كنت ترجو أن ذكرك لا يموت، قال كسرى: ولكن أردته يعيش ليمتع بحياته ويتلذذ بطيب المآكل والمشرب ونعيم الدنيا برهة ثم يقضي نحبه، قال بهلول: هب أنه عاش الأجل الذي كنت تريد أن يعيشه أفكان يذهب معه من طيب عيشه شيء أو يغني عنه شيئاً حين فراقه قال: لا قال: فلا فرق الآن بين طويل عمره وقصيره وكثير تمتعه ويسيره كما قيل: وإذا كان منتهى الأعمار موتاً ... فسواء طويله والقصير أو كما قيل: فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وفوت فحبل العيش موصول بقطع ... وخيط العمر معقود بموت فهب أنه عاش ما أردته يعيش ويأكل ما أردته يأكل ويتنعم ما أردته يتنعم ما آخر ذلك؟ قال: الموت والفوت قال: فهو الآن كغد قال كسرى: نعم الناصح أنت وسكن بعض ما يجده فقال المدبر: ثلاثة أشياء ينبغي أن يتفكر الإنسان في عواقبها، الأول: سفر البحر

стр. 107

فإن طالب الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة يركب البحر ولا يتفكر في الغرق، الثاني: المقدم على الحرب ومقارعة الأبطال لا يتفكر في الكسرة والجراح والموت، الثالث طالب الرياسة والملك لا يتفكر في اقتحام الأخطار والمشاق كما قيل: بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي تروم العز ثم تنام ليلاً ... بغوص البحر من طلب اللآلي وقال غيره: إذا المرء ألقى بين عينه عزمه ... تنكب عن ذكر العواقب جانبا قال المقبل قال الله تعالى: (وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم أولو الألباب) المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون في أوائل الأمور عواقبها آمنون من النوازل في تجشها حتى قالوا إن الثعلب المتأني في بيته المتحصن داخل جداره له قوة الأسد الآتي من خارج ولا شك أن انزعاج العساكر المتوجهة إلى قتال من هو ساكن في بيته متحصن في قلعته غير محتاج إلى إخراج أموال وإزعاج رجال وتحمل أخطار وتحتم أسفار ليس من رأي الصواب لأنه موجب لأخذ صغار تحت الأقدام وهدم دور وقطع أرحام وبذل أموال وفقد جملة من الرجال، ومع هذا فحصول المقصود أمر متوهم فإن حصل فقد مر لأنه لا ثبات فيه ولا تمتع وإن لم يحصل فكم من دماء تراق وكانت مصونة وأموال تهلك وكانت مضمونة وأعراض تهتك وقد كانت مختومة وأنفس تذل وكانت عزيز مكرومة، بل ربما اتفق أن من نجا برأسه ربح وإنما قررت هذا التقرير لأن العاقل كما يحسب حساب الربح يحسب حساب الخسارة وكما يتصور الجيد يتصور الردي وهذا كله من العاجلة فضلاً عن المحذورات الآجلة ومن غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه والعياذ بالله

стр. 108

تعالى إذا أخرج الأمر من اليد وذهب المال والرجال فأي حرمة تبقى له من الهيبة بين الرجال وكيف يستقر ملكه أو يدور عليه سعد فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب لفرد أو وفد، إن تكلم أبوا كلامه وإن حكم تقضوا أحكامه وإن حلم عنهم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا معتوه مبارز وأما الغني فهو على غير هذه الأحوال لأنه إن زاول أدنى فعل رفعت إليه بسببه العيون وكان من بينهم هو الأجل العظيم فإن أعطى قليلاً استصغروا حاتماً عنده وأطنبوا بلسان شافي في شكرهم رفده وإن بخل عليهم قالوا مدير غير مضيع ماله وإن كذب صدقوا مقاله واستصوبوا حركاته وترشفوا كلماته وقد قيل شعر: إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله وإن عطس المعسر في مجمع ... ساءوا وقالوا فيه ما أشناه فضرطة الموسر عرسه ... وعطسة المعسر مفساه ولقد نقلت من أقوال الحكماء ونصائح العلماء أن الفقر يشيب الفتيان ومسقم الأصحاب ومبعد الأقارب وقاطع للرحم ومبغض للأحباب، وفي الجملة فالذي يجب على الملك أن يتفكر في مبادئ هذا الأمر ويتأمل في عواقب هذه الحركة ولا يقدم على هذا الأمر ولا يتحرك لهذا الوارد إلا بذهن صافي ورأي كافي ولا يعتمد على الحول والقوة قوة الشوكة وكثرة العدد وإمداد العدد مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فإن الأسد سلطان السباع وهو ملك مطاع كثير الجند والاتباع شجاعته مشهورة وبسالته مأسورة به يضرب المثل ويشبه به كل بطل، ونحن إن كانت عساكرنا كالجبال تهدم الحصون وتهلك التلال لكن ما

стр. 109

جربنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريقة بلادهم ولا طريق جلادهم وإن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب، فأخشى أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حيالنا عن مصادفة ما لهم من قصور ويرجع وبال هذا الأمر علينا إذ ابتداؤه منسوب لنا وإلينا ولا يحل بنا إلا الندامة والتقريع والتوبيخ والملامة ويخاطبنا القائل بما قيل: بيني بأنقاض دور الناس مجتهداً ... داراً فتنقض يوماً بعد أيام قال المدبر: لاشك أن هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وثمرته المعرفة والفطنة، ولكن من حين قامت الدنيا لم تزل الملوك تطلب الولايات الواسعة وتقصد الأقاليم الشاسعة وتروم الرفعة على الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان وكيف يتصور أن الملك تكون همته أدنى من همة تاجر يطلب الربح لأن التاجر إذا تفكر في لذة الربح ورغب في زيادة المال يضع جميع ماله من مال في سفينة لا عقل لها ويركب هو أيضاً فيها ولا يبالي بالغرق ولا يذكر خوف اتلف ويسلك قياده إلى مصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم المال ويعمل بموجب ما قيل: وإنا أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر وأما قولكم إن العساكر تملك البلاد ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود، فأعلم أيها الوزير أن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء جاسر لأن في رعيته من أذاه وابكاه في ذروته وأنكاه واسترعاه قسراً واستولى عليه جبراً وقهراً منتظر لبقاء عين الزمان متوقع انقلاب الحدثان مترقب معنى ما قيل إذا لم يكن للمرء في دولة امرءٍ نصيب ولا حظ تمنى زوالها.

стр. 110

وعكس هذا ما قيل: إذا كان للإنسان في دولة امرءٍ ... نصيب وإحسان تمنى دوامها فما سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل العمال فضلاً عن ملك الأفيال بل فيل الأفيال العادل في رعيته البار بأهل ولايته ومملكته المشفق الحكيم الرؤوف الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاه ويغتنم عودته للملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدو ويصف عثراته ويرشد إلى طريق نكاياته ونكباته وأيضا في ذلك الإقليم من هو منتشب بأمر جسيم من مال وأولاد وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش ولا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحول لوعودنا فيدع بالطاعة ويتشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه ونستفيد فيما نحن بصدده بدوائه. فقال الملك المقبل ما الجواب عن هذا الخطاب؟ قال المقبل: نعم هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال وإن وقوعه غير محال لكن الأقرب إلى الذهن أن هذا لا يقع فإنه أمر مبتدع فإن طبائعنا مباينة لطباعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك بقوم نارية طباعهم الحرارة فيما بينهم يمزق بعضهم بعضاً ويتحاورون فيما بينهم عداوة وبغضاً حتى إذا دخل بينهم ذئب أو حيوان غريب عنهم توجهوا كلهم إليه واتفقوا بأجمعهم عليه فمزقوه أديمه وهتكوا حريمه وجعلوا الحمد لجماعتهم وليمه وعند الأسد من الوحوش أنواع جسيمة ما بين أفهاد وضباع ونمور وسباع وثعالب وأرانب وذئاب وذوات مخالب وكل من هؤلاء له على خصمه درية في مشاورته ووثبة في مصادمته وأنواع في الكر والفر وزوغان في الخير والشر وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزيمات وإن أقرب شيء إلى الرأي عدم الإفادة والراحة أولى من الإبادة وأن لا يفيد شيء من هذا الاضطرام سوى التولي والانهزام.

стр. 111

فلما بلغ الكلام والنصح من مقبل إلى هذا المقام وكان رأي المدبر رسخ في خاطر الملك لأن النفوس بطبعها مائلة إلى الفساد والتولي عن النصيحة والعناد لم يعد كلام المقبل شيئاً فأخذ في أسباب التوجه إلى محاربة الأسد وأمر بفتح الخزائن وتجهيز الجنود وسار إلى جزيرة الأسد فعندما حل بساحتها أطلع الأسد على هذه الأحوال وسمع هذه الحركات والأقوال وعاين الفيل مكابدة الأسود ومكايدة النمور والفهود ورأى من مقارعتهم مصادمة الجبال وعدم معرفة الموت والوبال زاغ كأنه وطف أو ولد قهر ولايات الأسد فأخبر أنه قدم جزيرة الأسد، للتنزه وتغيير الهواء والكد فأنكر الأسد في نفسه هذه القضية وعلم أن هذا الكلام خداع ودهيه وإن هذه القضايا لابد فيها من إراقة دماءٍ وخراب أماكن وهلاك رعايا سواء تمت للأفيال هذه الأمور أو لم تتم ما عزمت عليه من الشرور، فأخذ يضرب أخماساً إلى أسداس وخاف على سكنه وخراب وطنه واستئصال أولاده وذهاب طريفه ومتلده وكل هذا والأسد منتظر الوقوف على حقيقة ذلك الأمر. فبينما هو كذلك إذا قبل عليه مقبل وأخبره الخبر ليكون له حظوة عنده يتداركه بها لحسن آرائه ويصير ممنوناً بحسن تدبيره وإمضائه ويصير له عند الأسد بذلك وجه ويد ورجع مسرعاً إلى ملكه بعد أن أطلع الأسد على حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال فنادى الأسد في جيشه بالحرب والغزو فتشوشت الخواطر وانصدعت الأصاغر والأكابر ورسم باجتماع رؤوس مملكته وأعيان خاصته ورعيته وأعرض عليهم ما بلغه من القول من هذا الأمر المهول وإذن لكل أحد في ذلك بأن فاتفقوا على أن يجمعوا من كل جنس من الحيوانات واحداً يتفقون على خصاصته وكفايته وعظته ودرايته ويعقدون معهم مجلس مشاورة، فمهما وقع عليه الاتفاق من

стр. 112

المجمع وارتضاه عملوا بمقتضاه فاتفق جنس الأسود على حضور واحد منهم هو رئيسهم وكبيرهم ونفيسهم قد مارس الأمور وهو بالجلالة مشهور وبالفراسة والافتراس مذكور فقدموه عليهم لرجاحة رأيه. واختارت طايفة النمور نمراً سريع الوبة قوي الضربة لطيف الحركات خفيف النهضات فقدموه عليهم واختارت جماعة الثعالب من بينها ثعلباً مليح الزوغات صحيح الاحتيال طالباً صرف الكلاب السلوقيات بحيلته التي اتخذها له سلاحاً ونفذ من غالب الأسود والنمور بالمكر والحيلة ونال نجاحاً قرم من القروم مكار معلوم واعتمد الذئاب على ذئب عجيب الحيل والختر شديد المكر والكسر طالما أفسد برأيه صنوفاً وخاض بمكره صفوفاً ما أفسد مفسد علمه ولا دخل داخل قطع فضله فرضوا به جميعاً وقدموه عليهم، فاختلى بهم الأسد وشاورهم في دفع هذا الشر والنكد فقال الأسد: لا نطلب النصر في هذا الأمر إلا بالاتكال على رب الجلال ونحن ما ابتدينا ولا ظلمنا ولا اعتدينا وهم بدونا بالعدوان فيرجعون بالخذلان ويرد الله كيدهم في نحرهم ويرجع عليهم وبال أمرهم، فنحن أمرنا دائر بين إحدى خصلتين إما الثبات وإما الفرار، فأما الفرار فلا سبيل إليه لأن ذلك شيء لم تعرفه الأسود وكونها لا تهاب اقتحام الأهوال أمر معهود وبنا يضرب المثل في الشجاعة والبسالة والفطانة والإقدام والنبالة وبنا تشبه الأبطال في الإقدام

стр. 113

والنوال ولنا في محاربتهم إحدى الحسنين إما الظفر بهم وهو المقصود وإن كانت والعياذ بالله تعالى الأخرى فرتبة الشهادة ومن قتل دون ماله فهو شهيد ولا يمكننا أن نترك أوطاننا ونسلم بلادنا التي فيها أولادنا وبها نشأنا من أول وهلة من غير مصادمة ولا مواقعة ولا مقاومة ولو فعلنا ذلك عاد علينا وباله وصرنا في العار والنكال بحيث لا يمحى عنا هذا الاسم ولا ولا يرسم لنا من بين الحيوانات برسم وكل امرئ ساع إلى تحصيل العناء ومواقع حسن الثناء والموت في مقام العزة خير من الحياة في الذل وناهيك بقضية الملك مع النجم، قال المحتال: ما هذه القضية وما سببها؟ قال: زعموا أن أهل بابل كانوا لا يولون عليهم ملكاً إلا من يختارونه فإذا أرادوا عزله عزلوه فاتفق أنهم ولوا عليهم واحداً فمكث في الملك سبعين يوماً ثم بدا لهم أن يعزلوه فعزلوه واتفقوا على عزله فاهتم لذلك ثم تفكر وقال لو نظرت في الطالع من أول أمري حتى اخترت لساعة جلوسي على التخت وقتاً فيه طالع نجمي يكون ثابتاً ربما كان لملكي بثبات ودوام، ولكن حيث فاتني ذلك أولاً فسأفعله آخراً فلعله يفيدني ثم دعا منجماً حاذقاً وقال له: انظر في طالع نجمي واختر لي ساعة انزل فيها عن الملك سريعة العود إليه والرجوع فيه فقال المنجم: أحسن ما يكون ذلك إذا كان على طالع الولادة لأنها هي أول دليل على الوجود، فقال له: ولدت يوم كذا من شهر كذا في ساعة كذا سنة كذا فنظر في الطالع بعد حسابه

стр. 114

وتحير في أداء جوابه، فقال له الملك: ما ظهر لك أيها الحسوب أطالب أم مطلوب، فقال: يا أيها الملك طالع الوجود معدود له سبعون يوماً في كبد السعود فتعجب الملك من هذا الكلام، فقال له المنجم: أما أنا فلا أعد من العمر أياماً غيرها وإن كان من غير العمر فملك طويل ورزق فيه جليل فسلم لله وقال العبد: أسير لمولاه. وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن أيام الموت على طالع العز المعبر عنه بالاسم الحسن خير من الحياة على ذل. ثم نظر الأسد إلى النمر فقال له ما تقول أنت في هذه البهم والأمر الذي دهم فقال النمر: لا شك أن الأفيال أكبر منا جسوماً وأقوى في الحرب والضرب وقد استعدوا وأقبلوا وأخاف أن يكون لا طاقة لنا بهم ولا مقاومة ولا قدرة على المصادمة، فإن فينا الضعيف والعاجز وصغير الجثة فيطؤنا تحت أقدامهم وتنكسر حرمتنا وشوكتنا من بينهم ولا يقر لنا بعد ذلك قرار معهم وتتأسس العداوة بيننا وبينهم بأجمعهم وقد قيل: هل للحرائر من صوت إذا وصلت ... أيدي الرعايا إلى الخلجان والخدم فعندي الرأي المصيب والفكر الثاقب النجيب أن ينتخب الملك للرسالة رجلاً كاملاً خلياً عن الجهالة يؤلف بين الماء والنار والقط والفار يصلح لمخاطبة الملوك سهل العريكة حسن السلوك يسكن من فورهم ويهون من غضبهم يعدهم ويمنيهم ويبشرهم ويهنيهم ويريهم بأسامع الإهانة في قالب مدح وليانة فإن أمكن رجوعهم وإلا طاولناهم على ألسنة رماحهم ثم أخذنا في الأهبة لهم كما

стр. 115

ينبغي ونأتيهم ليلاً كما نشتهي فربما وصلنا إلى القصد منهم أو إلى بعض منه. فقال الأسد للذئب ما تقول أنت وما رأيك؟ فقال الذئب: الذي سمعته من وصايا الحكماء وتلقيته من أفواه أولى التجارب والعقلاء أن الإنسان إذا ابتلى بخصم لا يطيق مقاومته يدافعه بالهدايا ويستدعيه بشيء من التحف فإنه قد قيل خير المال ما وفيت به النفس فالتفت الأسد إلى الثعلب وقال هات يا أبا الحصين رأيك في هذه الواقعة وإني أراه يقرب للصواب، فقال الثعلب: أمرنا لا يخلو من إحدى قضايا ثلاث: المقاتلة أو المصالحة أو تعاطي أسباب الحيلة أما المقابلة والمقاتلة فلا أراها لأنا عاجزون عن مصادمة الأفيال محتاجون إلى الطعام والشراب وهم يقنعون بالعشب والكلاء ونحن لا طاقة لنا بذلك، وأيضاً نحن لا نعرف أحوال عسكرنا ولا اعتماد لنا عليهم لأن عساكرنا أجناس مختلفة وطوائف مجتمعة وبينهم عداوة جيلية قديمة وبعضهم عدو لبعض لو ظفر به كسره وأكله فربما اشتد الشر منهم وصار بأسهم بينهم، وأما هم فلهم اعتماد على أنفسهم ومن معهم إذ هم جنس واحد لا يتخلف بعضهم عن بعض وكل من اعتمد على هؤلاء المساكين

стр. 116

وأمثالهم يصيبه ما أصاب الصياد مع القط، قال الأسد: أخبرني كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الثعلب: ذكروا أنه كان رجل صياده وكان يحب الصيد ويولع به فرأى في بيته ذات يوم عصفوراً داخلاً من الكوة فوثب عليه القط فاصطاده وأكله فأعجب الصياد فعل القط وعزم على أن يأخذه معه ليصطاد به، فلما أصبح أسرج جواده وقصد الصيد وأخذ القط معه وركب والقط تحت إبطه وقصد البرية فوصل إلى حوش فخرج من وراء صخرة حجلة فرمى عليها القط فطارت الحجلة وخافت من القط وأرادت أن ترجع إلى تحت إبطه فظفرت وعلقت مخاليبها في وجه الفرس فجفلت الفرس وضربت الأرض بفارسها فكان آخر العهد به. وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أنه لا ينبغي أن يعتمد الشخص إلا على عسكره وجماعته فيقصد بهم مثل عسكر الأفيال ومصادمتهم، وأما ما ذكره مولانا السلطان في كسبهم بالليل فليس برأي أيضاً لأن ذلك إنما يكون إذا كان العدو غافلاً وعن نكبات الدهر مطمئناً وعلم ذلك بشرط أن يعلم أن عدوه لا تقوم له قائمة بعد ذلك ولا يشفق أحد عليه بعد ذلك مما له قدرة على مقاومة الكاسر، وأما إذا كان العدو مستيقظاً مستعداً فلا يصح ذلك ولا شك أن الأفيال استعدوا وأخذوا حذرهم وترقبوا خوف حصول شيء لهم من هذه المكايد وربما يكونوا عملوا حيلة نحن

стр. 117

عنها غافلون ولم يصل فهمنا إليها كما فعل صاحب الجمل مع الجمل، فقالوا: هات يا أخا الزمان أخبرنا بتلك الحكاية كيف كانت؟ قال: ذكروا أن جمالاً كان له جمل يتعيش عليه ويكتسب لعياله بسببه فكان ينقل عليه ملحاً ويبيعه وكان يحمله فوق طاقته ولا يرثى له فهزل الجمل حتى كادت تسقط قواه وكان له أرنب صديق في بعض الأماكن فأرسله صاحبه يوماً يرعى فقصد وكر الأرنب وسلم عليه فلما رأته سألته عن حاله وسبب ضعفه فاخبرها بما يفعل معه صاحبه من تحميله الحمل الثقيل من الملح وقلة تعاهده بالعلف وأنه عجز عن تدبير أمره وسدت عليه طرق الحيل فتفكرت الأرنب طويلاً ثم قالت: رأيت لك وجهاً للخلاص وهو أنك إذا خضت بما حملك ماءً فابرك به فيه وامكث مقدار ساعة ولو ضربوك فإن الملح يذوب ويخف حملك وافعل هذا مراراً فإنك تخلص من حمل الملح وتستريح، قال: ففعل ذلك مراراً عديدة حسبما أشارت به عليه صديقته الأرنب فصار صاحبه المسكين يتضرر ولا يفيده ذلك شيئاً فعلم الجمال أن ذلك الفعل مكر وخديعة وحيلة تعلمها الجمل فقال: والله لأمكرن به مكراً يترك مكره بسببه ويرجع لعادته الأولى فعمد الجمال إلى أشياء أخرى وصار يحمله منها ويمشي به في طرق خالية من المياه حتى حمله في بعض الأيام صوفاً ومر به على طرق الماء فانتهز الجمل الفرصة ولم يعلم ما دبره صاحبه من المكر والخديعة فبرك في الماء فتشرب الصوف منه فصار أثقل مما كان بأضعاف مضاعفة فما أفاده ذلك الفكر الوبيل إلا زيادة التعب والنصب. وإنما أوردت هذا المثال ليعلم الملك والحاضرون أن العدو يصنع

стр. 118

من المكايد والحيل ما تصل إليه يده فتارة يدرك أمله بذلك وتارة يغفل عنه فيقع فيه فلا ينبغي أن يفعل عن مثل ذلك بل يحرص الشخص من فكره في ذلك بقدر الطاقة. وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا والأموال فذلك أيضاً يدلهم على خورنا وعجزنا ويجرئهم علينا، ولكن الرأي عندي أن يرسل إليهم رسولاً لبيباً عاقلاً فصيحاً بصيراً بالعواقب في الأمور برسالة تتضمن السؤال عن موجب التوجه إلينا وقصد بلادنا وما سبب هذا الاعتداء ولم يصدر منا غير الخير لهم ولغيرهم ويذكر لهم طرقاً من شجاعتنا وبسالتنا وما عندنا من اسود الحرب ونمور الطعن والضرب وأجناس السباع الكواسر والوحوش الجواسر وأصناف القبائل من العشائر ويتكلم بما يراه ويقتضيه المقام مما يناسب الحال بالانسجام ويميز عساكرهم وأوضاعهم وأحوالهم ويرد الجواب فيعمل على مقتضى ما يرد به علينا من ذلك ويبني عليه ما يقع عليه الاتفاق. فاستصوبوا هذا الرأي. وكان عند الأسد ذئب هو له من خواص حضرته وندماء

стр. 119

مجلسه وأهل محبته وله عليه الاعتماد الكلي وهو ممن يصلح للسفارة بين الملوك والدخول في معضلات الأمور والسلوك فوقع اختيارهم عليه فحمله الأسد هذه الرسالة ومن مضمونها بعد إبلاغ ملك الأفيال الرسالة والتحية ليعلم ملك الأفيال أن قوتنا من قديم الزمان ظاهرة وهيبتنا تذل لها الوحوش الكاسرة وصولتنا قاهرة باهرة تفترس الفرائس ونجندل الفوراس ويضرب بنا في الشجاعة المثل المثوال وتفر من بين أيدينا الأبطال، وقد بلغنا أن ملك الأفيال متوجه إلينا بجنوده وهيأ في ذلك أجناس عساكره وجنوده ولا علمنا لذلك موجباً ما ولا تقدمنا إليه بعداوة توجب حزناً وحرماً بل ولا تعرضنا لأحد في مملكته وملكه ولا قهر أحد منا بالتعدي على اتباعه أحداً في ملكه وفلكه والرعايا بحمد الله تعالى منا شاكرة ونشر جميل الذكر عنا في حقوقكم أموره ظاهرة فانعموا برد الجواب وميزوا الخطأ من الصواب وأكدر من اللعاب قبل تفاقم الأمور وتعاظم الشرور والتهاب شواظ الغيظ من الأسود والنمور، مع أن اعتمادنا على الله تعالى العلي العظيم وتوكلنا على الله العزيز الرحيم، فلما أبلغ الذئب الرسالة وأجرى ما فيها من شجاعة وبسالة وتبين لملك الأفيال ما تضمنت من رفعة وجلالة استشاط ملك الأفيال وتغيرت لاضطرابه الأحوال وكاد أن يقلقل الجبال من شدة ما تغيرت منه الأحوال ونظر من بين تلك الأفيال والفيول إلى فيل ظلوم وجهول وقال له: من غير فكر ولا تأمل في الكلام ولا تفكر اذهب إلى هذا المغر بكلامه المغر ومزهو أنه السكران بمدامه الراقد في غفلة منامه وقل له متى ما رست معركة الشجعان أو صارعت أبطال الميدان ومن أين لك طاقة لمصادمة الجبال وأنى تعرف مقاومة الأفيال فاستيقظ لنفسك فعن قليل تحل برمسك واستعد لجنود لا قبل لك بها تشاهد منها ما لم تسمعه من حربها وضربها فلقد

стр. 120

جاءك عسكر القضاء وبنوده وليحطمنكم سليمان الأفيال وجنوده فليرقن منكم الدما وليستأسرن منكم الحرائر كالإما وليدوسن الأطفال وليرينكم الأنكاد والأنكال وليشعلن بنار الدمار والبوار مالك من مساكن وديار وأنت بين أمرين خيرين فتخير تكون من أي الفريقين إما أن تطيع لأمرنا وتنقاد وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد وإما أن تنحاز في طرائق الفراق وتنجو منا منجاء الذئاب وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب وقد بالغنا في النصيحة بعباراتنا الفصيحة وأقوالنا البليغة الصحيحة وكلماتنا الموزونة الرجيحة فوصل ذلك الفيل الرسول وأدى إلى الأسد هذا المقول فتشوش خاطر الأسد وداخله الهم والغيظ والكمد والنكد، فأراد إيقاع الهلاك بالرسول الظلوم الجهول إلا أنه لنفسه تمالك وعن ذلك الغيظ قد تماسك أن لا يقدحوا زند الغضب على الرسل ولا يضيقوا عليهم الطريق والسب، ثم قال له والله لولا أنت رسول من عند الظلوم الجهول والرسول لا يقاتل ولا يهان ولا يضرب ولا يعاقب بتوبيخ ولا حرمان لقتلتك على هذا الكلام القبيح بما يجب لك من الجزاء الرجيح ثم نظر إلى الثعلب متلفتاً إليه لأنه في مهماته عوال عليه وقال يا أبا الحصين ما تقول في هذين النحسين قال الثعلب: الأغلب ذو الرأي المصيب الأصيب لا يغرنك هذا الثقيل فإنه على عقل الفيل أقوى دليل وإن فكره وبيل وقلبه عليل وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد خفيت وأنه قد غوى وأضل قومه وما هدى وكل من اعتمد على قواه وحوله واستجلى غرور عقله وقوله فقد ضل وذل وفي عقد البلاء حل، وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الحصيف قد استحقرنا في عينه فسيرى منا بحول الله وقوته حلول حينه وكل من استخف بعدوه فسيعدم

стр. 121

حداوة حدوه. وقد قالت الحكماء أربعة لا يستحقرها أهل الاعتبار ولا يستخف بها أولو الأبصار السقم والدين والعدو والنار فالملك أعز الله أنصاره وأكثر جنده ونصاره وأعلى قدره وسلط على أعدائه قهره لا يلتفت إلى هذا الكلام ولا يتزعزع لعواصف هذه الأوهام ولا يخف من جهامة الأفيال فكل ما هم فيه باطل ومحال، بل يعتمد على الله العزيز الجبار ويصلح نيته مع الكبار والصغار ويقوي جنانه على الملاقاة وقد قابله النصر ولاقاه ووقاه فإن هؤلاء اعتدوا بغير حق على بلادنا وأتوها بدون استئذاننا فسينصرك الله عليهم بجنود لم تروها فكم من مستضعف حقير نصر على مستعظم أمير وصدر منه بالحيلة وحسن التدبير أمر خطير وبحسن الدبير تساعد المقادير والصبر العزيز يتم كل أمر كبير وناهيك بقصة الفأرة مع رئيس الحارة وما فعلته من المكايد معه إلى أن قتلته بها. قال الأسد: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الثعلب بلغني أنه

стр. 122

كان في مكان رئيس ضيق الغطن خسيس وكانت له زوجة ذات أمانة وتعفف وصيانة وتقوى وديانة ولهم دجاجة تبيض كل يوم بيضة وفي البيت فأرة تراقب الدجاجة كل يوم فكلما باضت بيضة لقطتها وسارعت إليها وسرقتها فيطالب الرجل زوجته بالبيضة فتحلف له أنها ما رها ولا تعرف كيف ذهبت فينكر عليها ويؤلمها تارة بالكلام والسب وتارة بالملام والضرب. ففي بعض الأيام رأت المرأة الفأرة وهي تجر البيضة إلى وكرها فدعت الرجل وأرته ذلك، فلما تيقن الرجل براءة المرأة اعتذر إليها وتعطف بخاطرها وأحسن إليها وعمل مكيدة ونصب مصيدة للفأرة فنظرت الفأرة إلى المصيدة فعلمت أنها شرك ومكيدة فتحرزت منها ولم تتقدم عليها فاتفق أن ضيفاً من معارف الفأرة قدم عليها فأرادت أن تضيفه بشيءٍ ولم يكن عندها سوى هذه البيضة التي دونها ريب المنون فاعتذرت إلى الضيف بما وقع وأرته المصيدة فقال أنا أقدر أن أتخطاها وأجيء بالبيضة فحذرته ومنعته عن مجيئها فأبى إلا المجيء بها فخلت بينه وبينها فتقدم فوقع في المصيدة فهلك فتنكدت الفأرة لموت ضيفها وعلمت أن ذلك عيبه عليها وعاره مستحق لها بين أقاربها وجيرانها وقالت: لا رأس لي ترفع إليهم ولا عين تنظر وجوههم حتى أخذ بالثأر من رب تلك الدار. وكان لها صاحبة قديمة وهي عقرب خبيثة لئيمة قد أودت السموم في ذباب أبرها وسقت سم المنايا إبرة شوكتها فقصدتها وترامت عليها ونزلت بساحتها وجلست لديها وقالت: إنما تدخر الأصحاب لأيام الشدائد ولدفع الضرر والمكائد وحلول البلاء وأخذ الثأر والانتقام من المعتدين اللئام وقصت القضية عليها وأنهت أمرها إليها وطلبت منها إذ لاحت هذه القصة أن تدرك بضرباتها القصاص ويحصل لها من بين أقرانها الخلاص، فأجابتها إلى ما سألت وأقبلت إلى وكر

стр. 123

الفأرة بما أقبلت وأخذا في أعمال الحيلة إلى أن أدتهم أفكارهم الوبيلة أن يخدعوا صاحب الدار بالذهب ويلقوه بسبب ذلك في أشد اللهب ثم تمهلوا إليها إن دخل الليل وشرعوا في أعمال الحيلة والويل فأخرجت الفأرة ديناراً وألقته في صحن الدار ووضعت ديناراً آخر عند حجر الفار وأظهرت نصف دينار من الذهب من حجرها وجعلت النصف الآخر عند العقرب واستترت العقرب إذ كانت تحتاج السكون واختفيت تحت أذيال الكمون وقد عبت في شوكتها ريب المنون وزبانها السم الكمون، فلما أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح وأغنى الليل عن ضوء المصباح وقام من نومه ذلك العديم للفلاح وجد هذا الدينار في صحن الدار فنهض إليه واسعد نهاره بصباح ديناره ولم يعلم أنه سبب لدماره ففتح عينيه وحلق حواليه فوجد عند حجر الفأرة ثاني دينار ففرح وطار ونشط واستطار وزاد في الطلب عن بقية الذهب فرأى نصف دينار داخل حجر الفار فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدر عليه فضربته العقرب ضربة فقضى منها نحبه فبرد مكانه ولاقى هوانه وأخذت الفأرة ثأرها وقضت من عدوها أوطارها. وإنما أوردت هذا المثل ليعلم الملك أن حيلة الأفكار تفعل ما لا يفعله الصارم البتار وبقليل الحيلة تدرك الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بحديث الأفيال ويأخذ فيما هو بصدده بدقيق الاحتيال، وأنا أرجو من كرم الله تعالى أن ننتصر على عدونا ونظفر منه بما مولنا ومرجونا فأول ما نعاملهم بالوهم وإظهار الصولة والتخويف وقوة شوكة الدولة فإن الوهم قتال والعاقل يحتال وطائفة الفيول عديمة العقول وبالوهم يبلغ الشخص مراده كما بلغ الحمار من الأسد ما أراده، قال الأسد: أخبرني بتلك الحكاية.

стр. 124

قال الثعلب: ذكروا أنه كان في بعض المعاصر حمار يستعملونه الليل والنهار إلى أن ضعف وعجز عن العمل وانعقر فتركوه ولأجل الثواب اعتقوه وفي المراعي أطلقوه فتدرج في المرعى إلى أن خرج إلى الصحرا واستطرد بمرور الأيام إلى أن دخل في بعض الحدائق وصار يرعى إلى أن صحى وسمن واستقوى منه البدن وطال وطال دبره وزال عنه ضرره وصار يغدو وينهق على عادة الحمير إلى أن ملأ تلك الأماكن من النهيق والزفير. وكان في بعض الأكام أسد ضرغام عارف بالأمور لم ير طول عمره الحمير فلما سمع صوت الحمار مار واستولى عليه الفزع ولم يخرج من شدة ما داخله من الجزع واستمر عدة أيام لا يخرج من جحره حتى أهلكه الجوع والعطش وكان بالقرب منه عين ماءٍ يشرب منها إذا عطش فصار الحمار يتردد إليها ويشرب منها ولا يجتري الأسد على الدنو منها إلى كاد يموت من العطش فأخرجته الضرورة وهو عطشان متخوف وقصد العين ليشرب منها فرأى الحمار واقفاً عندها فداخله الرعب منه ثم قال وهو يرجف: من أنت فعرف الحمار أنه خائف منه فقال: له بقلب حاضر وجنان ثابت مصادر: أنا مفرق أرزاق الوحوش ومقسم أقواتهم عليهم فقال له الأسد: إني جائع وعطشان أريد أن تعطيني قسمي من ذلك الأكل والشرب فقال له: أدن واشرب ولا تسرف فدنا وشرب وهو خائف ثم قال له أنا جائع فقال له الحمار: تعال معي حتى أطعمك فمشى إلى أن وصلا إلى نهر ماء عميق فأراد العبور فقال الأسد للحمار: هذا الماء عميق احملني في الذهاب وأحملك في الإياب قال: افعل فوثب الأسد على الحمار فركب وقطع به النهر وفي أثناء ذلك أنشب مخالبه في ظهر الحمار وثقل عليه فلم يتأثر الحمار لذلك وثبت فقال الأسد في نفسه هذا حيوان وعر ثابت لا طاقة لي به، فقطعا الطريق فوصلا

стр. 125

إلى نهر آخر فقال الحمار: النوبة لي فقال له الأسد اركب فركب الحمار واسترخى فثقل على الأسد ثم وضع حوافره فيه فتأثر الأسد لذلك وماج تحته فقال له أثبت مالك قال: يا أخي ما هذا الذي وضعته في ظهري قال: معي أربعون مسماراً هذا واحد منها ولابد من غرزها كلها في ظهرك وإلا فحصول الرزق ليس بهني ولا سهل فقال له الأسد: يا أخي سألتك بالله انزل عني واتركني في حالي لا أريد منك رزقاً ولا قوتاً فدعني أتقوت من حشاش الأرض ولا رايتك ولا رأيتني فنزل عنه الحمار وتركه الأسد فهرب وجعل يتلفت يميناً وشمالاً لئلا يدركه الحمار. وإنما أوردت هذا المثل ليعلم بذلك حقيقة ما قررته إذ بالحيلة والوهم يبلغ المقصود ونرجو من كرم الله تعالى أن نبلغ مقصودنا من الأفيال وهذا مثل العاجز مع القوة ونحن بحمد الله أقوياء فينا قوة لمصادمتهم وقدرة على مقاومتهم فلا نكن في جزع من أمرهم ثم اقتضى الرأي إعادة الذئب إلى الفيال برسالة مضمونها يا أخي بصرك الله بعيوب نفسك ونصرك على جنوده أعلم أن واضع الشطرنج من أحكم حكماء الهند وكان أعقل الحكماء والبراهمة وقد وضع لكل من الحيوانات مكاناً وبيتاً وقرر له نوعاً من السير لا يتعداه ووضع للفيل مكاناً لا يتخطاه فأنا أخاف أن تتعدى من مكان هو مقامك وتقصد بيت الشاه فيفوتك أمرك ومرادك ويقول لك إقليدس: العقل يا رجل ما هذا بيت الفرس ولا بيت من يلعب بالرخ مع النفس هذا بيت الأسد والشاه هذا بيت مالك أن تتخطاه فتخرج من رقعة الوجود إلى رقعة العدم والخمود فلا تعتمد عظم جسدك وكف عن حقدك وحسدك ولا تقصد حرم كعبة غيرك فيصيبك ما أصاب الفيل حيث أرسل الله عليه طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول

стр. 126

فلما قرأ الفيل هاج وماج وضاع منه اللب والابتهاج وعميت منه الباصرة وصمت منه السامعة الموسرة وأراد يطأ الرسول تحت أقدام الفيول لكن راجع عقله ورد الذئب بجواب مجيب غير مصيب وقال: استعدوا للقتال ومصادمة الأفيال ومقاومة الأبطال ثم أمر بالعساكر فتجهزت وبأمور الحرب فتحربت فسار مالئاً بجنوده الغضا يوقدون جمر نار الفضاء فبلغ الملك المظفر أبا الحارث الغضنفر ما قصده الكلب الأكلب فاستشار في ذلك الثعلب لما له من الحيلة والمكر إلا عليه فقال: أعلم أيها املك أن عساكر الأفيال لا يعرفون سوى المصادمة والاندفاع مرة واحدة والمخاصمة لكن بعض العساكر يكون فيهم المواجهة والمشاقة والمناهشة والمعانقة والمهاوشة والممارسة والمكافحة والمناطحة والمطارحة والمرابحة والوثوب والمشاورة والزوغات والروغات والمصادرة والكيد والاغتيال للصيد والربوض في الكمين والنهوض من ذات الشمال وذات اليمين. وكل أرباب هذه الملاعب وأصحاب هذه الحرف والمذاهب من عسكرنا مجدون موجودون معدون معدودون فلابد من ترتيب كل واحد في مكانه وإبقائه بين اقرانه وأحزابه ببغيتهم ومحبتهم، وكان من قرب موضع حسن التضاف ترد المرابض والتعاف ذات مياه جارية وعليها جسور وقناطر عالية فاتضى رأي الأسد أن يطلقوا تلك المياه على البرية لتكون الطرق مخيفة، ثم إنهم قطعوا تلك المياه وصفوا عساكرهم في طرق الفلاه وقدموا أمامهم الثعالب والكلاب وكل سريع المجيء خفيف الذهاب وجعلوا وراءهم الذئاب والنمور والقرود والأسود ووقف الأسد في حاشيته وأهل دولته ومملكته ثم إن الثعالب وما معها دخلت بين الأفيال وصارت تنط عليها وتروع من بينها وتلعب

стр. 127

أمامها وتستخف بها أمام عينها وتتعلق بأذنابها وتتشبث بعرقيبها وكعابها فازداد حمقهم وثار قلقهم وحطموا وصدموا وتقدموا واضطلموا فناوشتها الكواسر وهاوشتها الأبطال وهارشتها الجوتسر ثم ولوا أمامهم مدبرين ومن الطرق المخيفة هاربين فتصور الأفيال أن جيش الأسد فر وجنوده انحطم وانكسر وإن عسكرهم غلب وانتصر فحطم الأسد ومن معه عسكر الأفيال يداً واحدة بهمة متعاضدة وصدمة متناكدة وقوة متساعدة وفي الوقت والحال ارتدوا في عسر الأوحال وهلكوا عن آخرهم وارتطموا وقطع دابر القوم الذين ظلموا ثم رجع عليهم الأسد بما معه من نمور وفهود وسائر السباع والذئاب والضباع والأسود فوقعوا في تلك الفوارس وقوع الجياع على الهرايس وعانقوهم معانقة الأحباب للعرائس وأكلوا وادخروا وحمدوا الله وشكروا ورأوا سر قوله ﷺ : من أذى جاره ورثه الله داره والله لا يهدي القوم الظالمين والحمد لله رب العالمين.

стр. 128

الباب السادس في أمثال الجمل الصادق والأسد الزاهد

стр. 129

فراغ

стр. 130

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان فيما مضى أسد عظيم الخلقة جسيم الشقة كثير المكارم سليل الأكارم قد بلغ في الزهد الغاية وفي الورع والعفة النهاية حسن الأوصاف والشمائل كريم الأعطاف والخصائل جمع بين الهيبة والشفقة والصدق والصدقة وسياسة الملك بالفضل وكياسة العدل بالعقل هيبته ممزوجة بالدولة وعاطفته مدموجة في الصولة وقد عاهد الرحمن بالكف عن أذى الجيران وأن لا يريق دماً ولا يتعاطى محرماً ولا يأكل دسماً ولا يتعدى عهده بأمر ما يتقوت بنبات القفار ويقوم الليل ويصوم النهار يرعى فيدولته الغنم والذئب وينام في ظل أمانه الثعلب والأرنب يعد الحرب في الأشهر الحرم لكل متعد مجرم ينطبق عليه قول الشاعر: ولي البرية عد لنا فتمازجت ... أضدادها من شدة الإيناس يحنو على ابن الماء أم الصقر بل ... يحمي أخو العصباء أخت كناس وكان في جوازه دوحة كثيرة الثمار نضيرة الأزهار غزيرة الأنهار رائعة الماء والكلأ فائقة النمو والتمار رياحينها طرية ومروجها

стр. 131

شهية وغياضها بهية، وكان الأسد وما معه إذا أرادوا أن يريحوا أنفسهم من الاجتهاد الحاصل في العبادة المجاوز للعادة توجهوا إلى ذلك الروض الأريض والدوح العريض فيتبختر فيه ويسبح خالقه ومنشيه. فبينما هو يتبختر في بعض الأوقات ويتشمى في تلك الخضراوات صادفه دب عظيم الجسم مليح الرسم فقبل الأرض بين يديه وذكر له أنه أقبل لينتمي إليه فإنه قد سمع بأوصاف عدله ومكارم شيمه وفضله فقصده ليتشبث بأذياله وينتظم في سعد خيله ورجاله ويقضي في خدمته ما بقي من عمره متمسكا ببارز مرسومه ونافذ أمره، فتلقاه بالقبول والإقبال وشمله بالفضل والأفضال وقال طب نفسا وقر عينا لقيت زينا ووقيت شينا فانتظم في سلك خدمه وانغمر في بحر كرمه واشترط عليه أن يحتمي من لحوم الحيوان ولا يتعرض لطير ولا إنسان فامتثل ذلك بالسمع والطاعة وصار على سنن سنته مع الجماعة. ثم بعد مدة يسيرة قصد الأسد سيره فخرج يسير على باكر وحوله طائفة من الجند والعسكر فلقوا جملا ضل في الطريق

стр. 132

وضاع عن الصاحب والرفيق فسار إليه جماعة الأسد وقصدوا تضييعه بالغاب والسر فإنهم كانوا لشدة القدم الهبوا بالضرم فناداهم الأسد ويلكم كفوا وعن هذا الغريب عفوا لئلا يصيبكم ما أصاب كسرى من الكيد لما ركب وخرج صباحا يريد الصيد، فقبل الجماعة الأرض ووقعوا في مقام العرض وقالوا ينعم مولانا بتقرير الحكاية وقاه الله تعالى من الأسواء والنكاية. قال الأسد: ذكروا أن كسرى الملك خرج يوما في جماعته وأهل طاعته فصادفه رجل قبيح المنظر والصورة مشوه الخلقة أعور العين المنيرة فتشاءم من طلعته وتعوذ في رؤيته وأمر بضربه فضرب ولولا تداركته شفاعة من أهل الخير لصلب ثم تركه وسار نحو الصيد بالقفار فحاش الصيد واقتنصه من عسكره عمر وزيد ورجع مسرورا فرحا محبورا وقد أدركه المسا فلاقاه ذلك الرجل وهو ملتف بكسا وكان ذا لب صحيح وعقل رجيح وفهم مليح ولسان فصيح فأبدأ كسرى بالسلام وأوقف كسرى للكلام وقال

стр. 133

له: أيها الملك العادل والسلطان الفاضل أسألك بالله الذي ملكك رقاب الأمم وحكمك في طوائف العرب والعجم أنعم علي برد الجواب حتى يتميز الخطأ من الصواب فإنك ملك عادل حكيم فاضل حليم فوقف بعسكره وأنصت لخبره وقال: هات مقالك وقل ما بدا لك واذكر سؤالك، فقال يا مالكا زاد الأيد كيف حالك اليوم في الصيد؟ قال: على أتم ما تريد لقد ناله السادات والعبيد قال: فهل حصل في أمور السلطنة خلل أو في الخزائن المعمورة نقص أو ملل قال: لا بل أحوال السلطنة مستقيمة وديم الخزائن مقيمة مستديمة قال: فهل ورد اليوم خبر يؤذن بتشويش أو خلاف أو تغير أو تغلب أو اعتساف؟ قال لا بل الجوانب آمنة مطمئنة والثغور من الأعداء والمخالفين مستكنة قال: أصاب أحد من الخول أو الخدم مصب قال: لا بل كلهم آمنون من الضرر والضير، قال: فلم ضربتني وأهنتني وعلى ما أسرتني وطردتني؟ قال لأن الصباح بوجهك مشؤوم وهذا أمر معلوم قال: سألتك بالله الذي تتقلب في مواهبه إن كان الشام فعلى صاحبه أنا تصبحت بك وأنت تصبحت بي فأنت أصبت الذي ذكرت وقد علمت ما هو بي ومع جزائي إنما عبت الصائغ وغفلت عن ما أودعته قدرته من أسرار بدائع صنعته فإني لا اختيار لي فيما فطرني عليه ولا مدافع ولا حيلة فيما قدره ولا مانع، وكما يقول الشاع:

стр. 134

لقد كان قصدي أن أسود على الورى ... بقد وظرف كامل الخلق بارع ووجه يفوق الشمس والبدر بهجة ... فعاكسني تقدير ربي وصانعي فتنبه كسرى لكلامه وأمر بإعزازه وإكرامه وتدارك ما فرط منه بإحسانه وجوده وامتنان. وإنما أوردت هذا المثل لئلا يكون هذا الجمل مثل ذلك الرجل لأنه قد تصبح بي ولا يرى أبداً مكروهاً بسببي بل يرد الخير ويكفي الضرر والضير وكذا كل من هو عندي ومنسوب إليّ من خولي وجندي. ثم دعا ذلك البعير وسأله عن جليل أمره والحقير فأخبره بأنه تاه عن أصحابه وأنه ممن يتعلق بأذياله وينزل بأعتابه فأكرم مثواه وأحسن مأواه وما زال مقبلاً عليه ومحسناً إليه إلى أن صار من أكبر الخد وذا خول وحشم ورأس الندماء ورئيس الجلساء فأمن النكد والبؤس وسمن حتى صار كالعروس فحسده الدب لعدم اللب وعزم بمكره على إلقائه في الجب وإسقائه السم والبلاء الأصعب واشتد به الأمر في ذلك اليوم وعزم على أن يأكل لحم الجمل مع القوم وأخذ يضرب بذلك أخماس في الأسداس واستحوثه بسوطوتيه القلق والوسواس فلم ير أوفق من إفساد صورته وإظهار سوء سريرته فيهلكه ويبيده ويصل منه إلى كل ما يريده ويثمر مكره الحسد فأداه فكره إلى أن يغري به الأسد فاحتال بالجمل وابتدا في شر العمل وقال له: لي معك كلام على كتمه منك أريد أن لا ألام ولكنك لست موضعاً للسر لأنك سارح لم تعرف هذا وقد قيل الحماقة في الطويل ولولا وفور شفقتي وحنوي عليك ومودتي ما فهت لك بكلمة وأتركك مثل التيه في الظلمة، وقد قالت الحكماء

стр. 135

لا تفش سرك إلى خمس طوائف أولها سليم الفطرة وثانيها مدمن الخمرة وثالثها كثير الكلام ورابعها الغلام وخامسها المرأة وهي أشدهم هتكاً للسترة فهؤلاء الخمس ليسوا محل الأسرار ويفشونها من غير اختيار وقد قيل كم إنسان أهلكه اللسان وكم من حرف أدى إلى حتف. فقال الجمل: يا أخي أنا تحققت شفقتك وتيقنت مودتك ونصيحتك وأنت لا تحتاج في تجربتي إلى دليل لأن لي في صحبتك الزمان الطويل وأنا أؤكد لك قولي بالإيمان وأعقد على تلقيه الجنان ولا أتفوه به لحمار ولا حيوان ولا لأنس ولا جان والشخص إذا لم يعرف ما يراد منه فلا فرق بينه وبين الحمار، ثم أنشأ إيماناً غلاظاً أنه يبالغ فيما يسمعه من الدب احتفاظاً ولا يبدي منه لاماً ولا فاءً ولا ظاءً فلما وقف الدب على جوابه وربطه بزمام يمينه اختل به تعرف أنه ملك في غاية العفة والدين وعلى درجة العباد والزاهدين قد فطم نفسه عن الطعوم خصوصاً عن الدماء واللحوم ولكنه في ذلك غير معصوم فإنه قد تزلى بلحم الحيوان وتغذى بافتراس الأقران ورضع الدماء وانقطعت سرته على هذا الغذاء، وتزهده إنما هو تكلف ومصابرة ومكايدة وتعسف ولأن النفس تعمل خاصيتها وتجذب الشهوات إلى ناصيتها وتجمع إلى مركزها وتطمح إلى مبرزها قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) وإذا كان كذلك فاحتفظ لنفسك واحفظ نصيحتي وأمسك فإنك في صحبة الأسد على خطر عظيم وأمر جسيم ولا تغفل عن ما قلت لك ولا تظن أنه لا يقتلك. فتداخل الجمل من هذا الكلام الخور ولم يبق له طاقة ولا مصطبر ثم تثبت في أمره وأجال قداح فكره وقال للدب: يا أخي فأي ضرورة دعت الأسد الغشوم حتى تعفف عن أكل اللحوم؟ قال الدب: أنا لا أشك في دينه ولا أرتاب ف حسن يقينه ولكن

стр. 136

ربما تعود المياه إلى مجاريها ويعطي القوس باريها وتتحرك النفس الأبية والشهوة التي طالما ألقت بصاحبها في بلية وأن الإنسان دائر مع اختلاف أخلاق الزمان فإن الزمان كالوعاء والإنسان فيه كالماء وإنه يعطيه من أخلاقه ما يقتضيه ويرتضيه من كدرته وصفائه، ولهذا قيل لون الماء لون إنائه وقد قيل الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم وناهيك يا ذا الكرامات بما قاله صاحب المقامات شعراً: ولما تعامى وهو أبو الورى ... عن الرشد في أنحائه ومقاصده تعاميت حتى قيل أني أخو العمى ... ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده والأسد في هذا الأوان ماش على ما يقتضيه الزمان وأن الزمان يتحول فيرجع إلى خلقه الأول، أما بلغك يا ذا العظمة قضية الحائك والحية قال الجمل لا والله أخبرنا كيف كانت تلك القضية، قال الدب: ذكروا أن حائكاً من الحياك له زوجة تخجل شمس الأفلاك، صورتها مليحة وسيرتها قبيحة فشم زوجها روائح مما هي عليه من القبائح فطلب تحقيق ذلك ليبلغها المهالك فقال لها إني مسافر إلى ضيعة لأجل فائدة في بيعة وغائب أياماً يسيره لفائدة كثيرة فاقصري ما بك واحفظي من السوء جنابك فقالت: أنا بنت

стр. 137

رئيسه ومثلي عروسه أنى يحول حولي الفساد فأدرك سوقك قبل الكساد وجهزته أسرع وأحسن جهاز أتم من تجهيز الحاج إلى الحجاز فسافر من غير مريه ثم رجع إلى البيت في خفيه فاختبى تحت السرير لينظر ما تجري به أمور المقادير فبادرت الزوجة إلى النار ونفخت وأسرعت إلى الطعام فطبخت وخرجت من المخبأ وأتى على الطعام المهيأ ورجع إلى مكانه فنام بعد أكلة ذلك الطعام فجاءت المرأة بحريقها وقصدت الطعام لضيفها فصادفت يدها والحصير فعلمت أن البلاء تحت السرير فأخذت تطلب المخلص من ذلك المقنص فاتفق أن الملك رأى منا ما هاله ولكن نسي هيئته وحاله فنادى بطلب مخبر ولمنامه معبر فسارعت المرأة في باب الأمير ودخلت عليه وقالت: سقطت على الخبير إن لي زوجاً حكيماً بتعبير المنام عليماً لكنه يتعزز وعن تعبير المنام يتحرز حكيماً بتعبير ولا يسمح فيه بالتفسير إلا بعد ضرب كثير وأنه ليس له في ذلك نظير فبعث وراه فحضر وأكرم لقاه وقال: رأيت مناماً راعني وفي الفلا ضاعني فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ثم عبره لي فقد أخبرت بأنك حبيب لله وولي فقال: يا مولانا الملك أنا في الجهل مرتبك حائك فقير ما عندي من العلم نقير ولقد كذب علي من نسب هذا العلم إليّ والعين تعرف العين وأنا من أين وتعبير الرؤيا من أين فما صدقه ولا استوثقه بل

стр. 138

صدق قول المرأة فيه وحققه وتيقن قول المرأة فيه وأمر بإيصاله بما ينكيه ثم طلب المقارع وشد منه المكارع وضربوه ضرباً أعسفه إلى أن يتلفه فنادى الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان فتركوه وأمهلوه وقيدوه وأطلقوه فصار يدور في الخرائب ويتضرع تضرع الطيد النائب، ففي ثالث الأيام دخل إلى مكان خراب وأخذ في البكاء والانتحاب فنادته حية من بعض الشقوق ما بالك يا ذا العقوق فأخبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله فقالت له: ماذا تجعل علي إذا أنا أخبرتك بالمناك وفضضت عن مسك تعبيره الختام؟ قال: أكون لك وصيفاً وأعطيك مما أ"طاه نصيفاً قالت له إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من سمائه أسوداً ونموراً وفهوداً وبيور وأن المساء بذلك تمور والأرض بهم تخور، وتعبير هذا المنام أنه يظهر للملك في هذا العام أعداء جواسر وحساد كواسر يقصدون هلكه ويرمون ملكه ولكن سيطفئ نارهم بمياه سيوفه ويسقيهم بجنوده كاسات حتوفه فلما كشفت الحية غمته قام فأصلح لباسه وعمته وقصد باب الملك ونادى غير مرتبك وذكر المنام وعبره ووعد السلطان بالنصر وبشره فتذكر المنام وحققه واعتمد عليه وصدقه وأمر له بألف دينار وصار له بذلك اعتبار فأخذ ذلك الذهب ومسروراً به إلى أهله انقلب. ثم افتكر ما اشترط مع الحية فأبت عن الوفاء نفسه الأبية فخاف أن تطالبه بحصتها وأن تفضحه بقصتها فلم ير أوفق من قتلها وسد ذريعة سلبها فأخذ بيده عصار

стр. 139

ورام بذلك مخلصاً وقصد مأواها ووقف فناداها فخرجت مسرعة إليه وأقبلت بالوداد عليه فرأت العصا بيمينه فعلمت أنه خائن في عهده ناكث في يمينه فولت هاربة فضربها ضربة خائبة لكن جرحها وعمد إلى نفسه ففضحها وتركها وذهب فائزاً بما معه من الذهب. ففي العام الذي بعده أذن الله وحده أن السلطان رأى مناماً أقلقه ومن نومه أرقه ومن شدة أهواله محاه الوهم من لوح خياله فدعاه هذا المعبر المعهود إليه وقص حاله عليه وطلب منه صورة المنام وما يترتب عليه من الكلام فاستمهله له الأيام المعدودات وقصد رئيسة الحيات وناداها عجلاً ووقف في مقام الاعتذار خجلاً ثم قالت له: أي غدر حلالك ما مضى من عمرك وحلالك وبأي وجه تقابلني وتخاطب وقد خلصتك من المعاطب ثم قابلت بسوء صنيعك إحساني وأذيتني بين أهلي وجيراني ولكن غدرك بك حف فقال: عفى الله عما سلف والصداقة بيننا من اليوم تستأنف ويكون الود ألطف والقلب أرأف ثم أنشأ إيماناً أنه يبدل الإساءة إحساناً وأنه لا يخون ولا يمين فيما يقع عليه العهد واليمين فقالت: أريد جميع الجائزة وأكون بها فائزة فأجاب إلى ما سألت وعاهدها على ذلك فقبلت ثم قالت: رأى الملك السماء تمطر قروداً ونيراناً وثعالب وجرذاناً، وتعبير المنام والله الخبير لعلام أن في هذا العام تكثر اللصوص والخوارج والمعتدون من كل خارج ويظهر في العساكر كل ماكر وشيطان ذاعر ولكن صولة الملك تمحقهم وبوارق سيوفه تصعقهم فأسرع إلى السلطان وأخبره بما رآه في منامه وعبره، فقال له الملك: بالحق أتيت وهذا الذي كنت رأيت ثم أمر له بجائزة سنية وخلعة بهية فصار في عيشة رضية وحالة مرضية ثم سلك طريقته الدنية فلم يلتفت إلى عهوده القوية ونبذ عهد الحية

стр. 140

الحيية وقال يكفيها مني كفي عنها البلية فلا أطلب إيذاها ولا تطلب مني رضاها. ثم إن السلطان رأى في ثالث الأعوام على عادته منام فأرسل إليه فغشيه من الغم ما غشي فرعون وجنوده من أليم عندما سأله غماً رآه وعن تعبير رؤياه فطلب المهلة كما كان وأحاط به موج الغم من كل مكان ولم يريد من معاودة الحية فأتاها وقد كواه الحيا أشأم كية وناداها بصوت خاشع ووقف في مقام الذليل الخاضع فخرجت إليه ورأته في حيرته فوبخته وزجرته وقالت له: يا خئن يا كذاب يا ناقض العهد يا مرتاب يا قليل الحيا يا كثير البذا ترى بأي لسان تخاطبني وبأي وجه تقابلني وقد ختلت وخنت وقتلت وفعلت فعلتك التي فعلت فقال: لم يبق للاعتذار مجال ولا للاستقالة مقال وما تم لي طريق معاملتك بالإفضال إن تفضلت بالإحسان وإن رددت فقدرك واضح البيان وهذه المرة الثالثة ليست يمينها حانثة ولا أحل مما بيننا عقوداً وأحلف وكفى بالله شهيداً أني بعد اليوم لا أنكث عهداً ولا آتي شيئاً أداً فقالت له: لا أخبرك بشيء حتى تعهد إليّ بأن تعطيني جميع ما تعطى وتكف عن الإتيان بمثل ما جئت به الخطأ لأكشف لك الغطاء الذي لا يكشفه لك أحد قط، فسمع مقالها وأجاب سؤالها فقالت: رأى الملك في المنام ولذيد الأحلام كان الجو ممطراً من غمامه ماءً ملأ الفضا وظرافاً وأغنام وتعبير هذا المنام يكون في هذا العام من الخيرات والإنعام ما يشمل الخاص والعام فتطيب الأردا وتتصالح الأعدا وتطيع العصاة وتثيب البغاة ويوافق المخالف ويكثر المحب والموالف فاحفظ ما قلت لك فقد حللت مشكلتك فتوجه بصدر فرح وخاطر منشرح وقص المنام وعبر ما فيه من الأحلام. فطار بالملك الفرح وتم سروره وانشرح وأمر بالجوائز فصبت عليه

стр. 141

وبالأموال فانهالت لديه فلم تلك العطية والخلع السنية وقصد باب الحية ليفي بعهده لها وإيمانه القوية ثم وقف وناداها وقدم إليها ذلك كله وأعطاها وشكر لها إحسانها وتحمل جميلها وامتنانها فقالت: أعلم يا لئيم أنه لا ذنب عليك ولا ملام فيما جنيته أو لا من الآثام ولا ما ارتكبته من العداوة والخيانة في العامين الأولين ولا فضل لك في هذه السنة فيما فعلته من الحسنة فإن ذينك العامين كانا مشتملين علي وإن النحسيين فكان مقتضى ما لهما فساد الزمان والوقوع بين الأصدقاء والأخوان فجريت على مقتضاهما حسب مرتضاهما، وفي هذا الأوان قد انصلح الزمان واستقام الطالع وزال الحسد والتقاطع واستقام الطالع بالموافقة والفلاح واقتضى الفلك الصلاح والإصلاح فمشيت على موجبه وتشبثت بذيل مذهبه فخذ هذا المال وتصرف فيه بارك الله فيه فلا حاجة لي إليه ولا معول لي عليه. وإنما أوردت هذا المثل أيها الجمل لتعلم أن الزمان لتقلبه في الدوران يوقع بين الأصحاب والأخوان ويباين بين الأصدقاء والخلان، والأسد وإن كان زهد وترك من أخلاقه ما كان عهد فيمكن عوده إلى حالته الأولى والاحتراز منه في كل حال أحق وأولى. وهاأنا قد أخبرتك وعلى ما وصل جهدي إليه أطلعتك وفرط محبتي وشفقتي عليك اقتضى إفشاء هذا السر إليك ومن أنذر فقد أعذر ومن تصبر فما قصر، قال الجمل: يا أخي نترك هذا المقام وللبال نريح ونخدم في خدمته ونستريح. قال الدب: إن كان هذا الغادر الزاهد التقي النقي الراكع الساجد الذي تعفف عن أكل اللحوم والدما وقنع بأكل الحشيش وشرب الماء لا تؤمن غائلته ولا تعتمد حائلته فإلى أين نتحول وعلى من يكون المعول وأنى نذهب

стр. 142

وفيمن نرغب؟ قال الجمل: فكيف يكون العمل ولقد ضاقت بي السبل وتقطعت بي الحيل لا طريق للمفر ولا قرار للمستقر. ففكر الدب طويلاً ثم رأى رأياً وبيلا وقال الرأي السديد والفكر المفيد أن تبادر الأسد قبل وقوع النكد وتقصده بما يقصده ولا توصله إلى ما يعتمده ويعول عليه ويجده فالعاقل يتفكر في عواقب الأمور ويفتش بفكر السرور والشرور ويستعمل الحزم وإذا قصد أمراً يصمم بالعزم وناهيك بقصة الثعبان مع الإنسان قال الجمل: أخبرني بتلك القصة والقضية وما ذاك الإنسان وما تلك الحية؟ قال الدب: ذكروا أن شخصاً كان ماهراً في صيد الأفاعي شديد الحرص في تلك المساعي يتشبث بصيدها ولا يبالي من كيدها فبينما هو في بعض الفلوات يسعى إذ صادف أفعى كما قيل:

стр. 143

أرقش ظمآن متى عض لفظ ... أمر من صبر ومر وخظظ قد أثر في الحر الحرق ... واشتط في مكان وهو نائم طبق فاستبشر الصياد لرؤيته ومديده لقبضه في عقصته فلم يفق الثعبان من رقدته إلا وهو في قبضته فما وسعه إلا أنه تماوت وامتد وتراعى حتى لم يتبق منه عرق مشتد فظن الصياد أنه مات وأن مراده منه قد فات فتحرق لذلك وتألم وحرق عليه الألم ورماه من يده فما استقر بالأرض حتى دار في كبده أن في بطنه خرزة ثمينة مشرقة بهية فاخرة مضيئة فأخرج الشفرة وقصده ومد لتقنيصه يده فلما تحقق الثعبان ما قصده ذلك الإنسان خدعه وختله ثم ضربه فقتله. وإنما أوردت لك هذا المثل لتحقق أيها الجمل أن المبادرة إلى هلاك العدو أقر للعين وأحلب للهدو وبدون مين ومن فات الفرصة وقع في عصية، وهذا الأسد أن غفلنا عنه أكلنا وأبادنا قصد دمارنا وفسادنا ولا يفيدنا إذ ذاك الندم أنى وقد زلت القدم وتحكم في وجودنا من مخاليب العدم. قال الجمل: أعلم أيها الرفيق الشفيق والصديق الحقيق أن هذا الملك آوانا وأكرم مثوانا ولم نشاهد منه سوءاً ولا من ظلمة باطنة علينا ضوءاً ولو قصد أذانا ما وجدنا دافعاً ولا مانعاً ولا مدافعاً وقد علمنا أنه ترك الأذى تعففاً لا تخوفاً وتكرماً ولا تكلفاً واختياراً إلا اضطراراً وجبراً لكسرنا إلا إجباراً وأما أنا علي الخصوصية فلم أر منه إلا الجميل والفضل الجزيل والإحسان الطويل العريض والإمتنان الهني العويض ولأي شيء أسرع في نفسي وأنيه على ما يكدرها في حدسي ولم يظهر لي من ذلك إمارة لا بدلالة ولا بإشارة فضلاً من سباق أو سياق أو كلام يدل على الفراق والشقاق وأني لو مت كمداً قصدته بأذى أبداً والصيومي ابن الوقت لا يتقيد بنكد ولا مقت فإن قصدني بعد

стр. 144

ذلك بشر أو تعرض لي بغدر أو أذية أو إهلاك أو رزية أو فكاك لا يسعني فيه إلا التسليم للقضاء والانقياد لأمر ربي العزيز العليم والرضا على أني غير قادر على مقاومته ولا قوة لي على دفع مخاليبه ومصادمته. وأنا وإن كنت منسوباً إلى التغفل فلا أدع من يدي ذيل التوكل فبالتقويض والتوكل يحصل النجاح والفوز والفلاح والظفر والصلاح، كما جرى لذلك الفلاح مع الذئب والشجاع حال التوكل والانقطاع، قال الدب: كيف كانت تلك القضية أخبرني عنها بعبارة جلية؟ قال الجمل: ذكروا أن رجلاً فلاحاً مضى في صبوته سياحاً من غير سلاح ولا رفيق فبينما هو في بيداء الطريق مار وسائر إذ صادفه ذئب ذاعر كاسر فقصده الذئب ليكسره ففر وصعد إلى الشجرة فراصد الذئب نزوله وانتظره ليغوله فحبسه وأسره وعن ضروراته

стр. 145

حصره. وبينما هو في تلك البلية وقعت عينه على حيه ذات قرون صاعدة وهي على تلك الفروع راقدة فازداد همه وأحاط به وهمه وغمه فبقى بين بليتين وانحصر في داهيتين فلم يجد أوفق من التوكل على الله والإعراض عما سواه فاعتمد متوكلاً عليه وفوض الأمر إليه. وبينما هو في تلك الشدة وقد بلغ به ضره حده وإذا برجل أقبل من الفلا وعلى عاتقه عصا مقبل بها على الذئب مهرولاً فلما رآه الذئب على تلك الحالة من قريب وأيقن بهلاكه بما معه من السلاح فر هارباً بالكلاحة فنزل الفلاح من فوق الشجرة وأزال الله تعالى همه وضرره. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الله نعم الوكيل ومن عليه يتوكل فأخرج هذا الوسواس من القلب والرأس ولا تخلع الحذاء قبل الوصول للماء ولا تهتم لأمر ما سيما إذا لم يكن وقع فإن ذلك من أشر البدع فإن قصدنا بسوءٍ فالله بكافيه وسيكفينا فيه. قال الدب هذا رأي القاصر في البعر العاجز في الفكر وأما ذو الفكر الثاقب فلا يغفل عن العواقب وكل من قصر عن العواقب نظره ولم يسد في الأمور فكره فهو كمن تعلقت النار بأهدابه وتشبث لإحراق ثيابه وهو مشغول عن إطفائها متساهل في كشف أضرارها فلم يفق إلا وبه قد نشبت وأعضاؤه بالنار التهبت فماذا تفيده الإقامة وقد صار حراقه؟ قال الجمل: يا أخي
следующие страницы →