← Адаб

Адаб · id 8305

مرزبان نامه

اسبهبد مرزبان

Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

معه ومن تصدى لمن كان الله معه عاقبته وخيمة وجنابته على نفسه ذميمة وأيضاً إذا قتل هذا الرجل فلا شك أن تلامذته ومريديه يقيمون من يخلفه وإذا علموا أن ذلك منا تأكدت عداوتنا في قلوبهم فيأخذون حذرهم منا أولاً ثم يتحالفون على عداوتنا ومقاتلتنا واستئصالنا لأننا أهلكنا معتقدهم فلا يمكن تدارك هذه الفتنة إلى يوم القيامة. وإذا كان الأمر كذلك فالرأي الصواب في أمر هذا الرجل وجماعته أنه حيث لا يتيسر لنا إضلالهم بالظواهر نأتيهم بالوساوس الشيطانية فنضلهم بها فنزني لهم حب الدنيا ونحسن في قلوبهم الميل إلى شهواتهم والركون إليها ونجلو على بواطنهم عرائس الحرص والطمع وطول الأمل في الدنيا فنطمس أبصار أفكارهم وبصائر حالاتهم، فإذا ذاقت ألسنة عقولهم حلاوة الدنيا وتمكنت في أدمغة سوائدهم الرغبة والميل إليها سلبوا حلاوة الطاعة وزاغوا عن طريق الحق فنتوصل بذلك منهم إلى مقاصدنا حتى يهلكوا أنفسهم بأيديهم ونسلط بعضهم على بعض فيتشاجروا ويتدابروا ويضلوا كما قال الله تعالى: (زين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون) فإذا رهم الناس على هذه الحالة رجعوا عنهم وقبضوا أيديهم عن مناصرتهم بل عادوهم وتعاطوا أمر قتالهم وكان بأسهم بينهم كما قال اله تعالى: (ويذهب غيظ قلوبهم فإذا ظهرت قسوتهم كسدت بضاعتهم وفسد سوقهم وأمكننا سوقهم) فاستصوب العفريت هذا الرأي ثم قال الرأي عندي أن اجتمع بهذا الرجل في المحافل العامة الجامعة للناس وألقي عليه السؤالات عن حقائق الأشياء وأسرار العلوم الغوامض فإذا عجز سعوا في هلاكه فيكفونا شره وأمره وهذا قبل الوسوسة وإلقاء الشيطنة واليلبسة. ثم إن العفريت قال لوزير رابع:

стр. 37

ما ترى أنت في هذا الأمر؟ فقال: حيث تردد أمركم بين آراء مختلفة فأستوثق بأحدها دون الآخر ليس من قضايا العقل فإنه يصير ترجيحها بلا مرجح ووجه المرجح محجوب قال تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وكم قضية يتصورها الفكر صواباً وهي خطأ وبالعكس، وهذا له دليل من المحسوس وهو قضية الرجل المضيق وولده الأحول فقال العفريت: أخبرني بهذه القضية كيف كانت؟ فقال الوزير: كان في بعض الأحيان رجل في مكان كريم الشمائل محبوب الخصائل سخي النفس يحب قرى الضيفان ويتصدى لإكرام الصادر والوارد من البلدان فنزل به في بعض الأيام رجل عزيز من أصحابه فبالغ في إكرامه وأحضر إليه ما أحضر من طيب طعامه فلما رفع السماط ووضع للبسط البساط قال المضيف لضيفه: إن عندي قارورة واحدة من الشراب المعتق كنت ادخرتها لمثلك ولم يكن عندي غيرها فإن أردت إحضارها أحضرناها وتعاطينا الراح لطلب الانشراح كما قيل:

стр. 38

وما بقيت من اللذات إلا ... أحاديث الكرام على المدام فأجاب الضيف إلى ذلك فقال المضيف لولده: وكان أحول يا بني ادخل المكان الفلاني فإن فيه قارورة فجيء بها فدخل الولد فتراءى في عينيه قارورتان فأيتهما أجيء بها فخجل أبوه لذلك لئلا يتصور ضيفه أنه أخفى الأخرى منه وينسبه إلى الخسة واللؤم فقال: يا ولدي اكسر الواحدة وجيء بالأخرى فأخذ عصا ودخل فضرب إحدى ما كان تراءى في عينيه من القارورتين فلم يجد غيرها فخرج إلى أبيه وقال: يا أبت امتثلت أمرك وكسرت إحدى القارورتين ولا أدري الأخرى أين ذهبت، فقال: يا بني إن الخلل كان من عينيك. وإنما أوردت هذه الحكاية لتعلم أن العين هي أقوى طرق العلم في الإدراك للمحسوس وإذا أخطأت في بعض ما تراه فكيف يكون حال عين المفكر المحجوب بأنواع الحجب وتصرفها إنما هو في المعاني المعقولة دون المحسوسة. فعلى هذا ينبغي أن تتأملوا في هذه الحوادث وتنظروا في عقبى هذه الأمور ثم تشرعوا في تعاطيها والشروع فيها بعد إمعان النظر وإجادة الفكر. وأعلم أيها الرئيس النفيس أن الله تعالى لم يخلق في جميع مخلوقاته أعز جوهراً من بني آدم وأن الله اختصهم بسرعة الإدراك وحدة النظر ورباهم مثل ما تربى الدابة الطفل وهو أشفق بهم وأرحم من الوالدة بولدها، وقد وكل بحفظهم ملائكة حفظة واختصهم بأنواع العلم والأفكار الدقيقة وغامض الأسرار وأن علمنا بالنسبة إلى علمهم كعلم تعبير الفلاح الجاهل بالنسبة إلى علم المعبر، فقال العفريت: وما هو ذلك الفلاح وكيف كانت واقعته؟ فقال الوزير: ذكروا أن فلاحاً رأى في منامه بأنه خرج من ذكره مفتاح فأصبح فجاء إلى المعبر فقال: أعطني ديناراً لأعبر لك هذا المنام فإنه منام جيد فأعطاه ديناراً فقال له: يولد لك ولد ذكر جميل

стр. 39

ويحصل لك على وجهه فتوح، وكان كذلك فإن زوجته كانت حاملاً ثم من بعد مدة حصل للفلاح وجع في رجله فجاء إلى المعبر وكان يدعي علم الطب فعرض ذلك عليه فقال: أعطني ديناراً أعالجك فأعطاه ديناراً، فقال له ضع عليه ضماداً من عجة بيض مخلوط بعسل ويكون ذلك حاراً ففعل فسكنت رجله فافتكر الفلاح يوماً في ذلك وقال لقد علمت علم التعبير وعلم الطب فباع أسباب الفلاحة وآلاتها واشترى له كتابين وبعض أوراق ولف على رأسه عمامة كبيرة وبسط له بساطاً في بعض الأسواق وجمع له بعض العقاقير وأشار إلى أنه معبر وطبيب، فاتفق أن بعض الطواشية رأى مناماً فقصد الفلاح على أن يعبره له فلما قصة عليه قال: أعطني ديناراً حتى أعبره فأعطاه، فقال: أبشر فإنه يولد لك ولد ذكر فضحك الطواشي وقال لا تسخر بي عبر لي هذا المنام كما ينبغي فقال: لا أقول إلا حقاً فإنه بعد ثلاثة أيام يولد لك ولد ذكر فقال: أنا طواشي وهذا مني محال وأنا رجل بي ألم ووجع في رأسي فقال: إن كان بك ألم فأعطني ديناراً آخر حتى أعالجك

стр. 40

فأعطاه ديناراً آخر، فقال: ضمد رجليك بعجة بيض مخلوطة بعسل فإن ألمك يزول فازداد الطواشي غضباً وعلم أن ذلك الرجل جاهل فأدبه كما ينبغي وطرده بعد أشحاره فرجع إلى ما كان عليه من فلاحة. وإنما أوردت هذه الحكاية لأنبه على أننا إن اشتغلنا بمباحث الآدميين في العلوم ومناظرتهم في دقائق الأسرار ربما افتضحنا معهم وسمحت المسألة وعادت على واضعها بالنقص. قال العفريت: نعم ما قلت أيها الوزير وإن الله خلقنا من النار والنار طبعها الإحراق والتعدي والظلم والإهلاك والجهل والأخذ من المستحق من غير نظر إلى استحقاقه وخلقهم من التراب وطبعه التدبير والسكون والحلم والعدل والحكم وهم مع هذه الأوصاف لو خرجوا عن دائرة العدل ولو قدماً واحداً لتحكمنا فيهم كيف ما نختار ولعبنا بهم كما يلعب بالكرة الصغار، فنحن إذا خرجنا عن دائرة حدنا وتعدينا في ظلمنا وجورنا لم نأمن من غائلة سوء فعلنا، ونحن إن عجزنا عن مقاومتهم في الظاهر فلا ترتفع أيدينا عن أنواع الكيد في الباطن وقالت الحكماء وهل التجربة: إذا عجز الشخص عن غريمه وضعف عن مقاومة خصمه فلا يستعين في ذلك إلا بمقاومته الحيل وأنواع الفكر المصيب ويستعين في ذلك بأهل النجدة والقوة ما استطاع ولو كانوا من أعدائه فإذا سلط بعض الأعداء على بعض ربما استراح ونال مقصوده وهذا يحتاج إلى فكر دقيق وعقل جليل وثيق كما فعلت الفأرة من الحيل حين عجزت عن مقاومة الثعبان، فقال الوزير: ينعم مولانا بكيفية الواقعة فقال العفريت: سمعت أن بعض الأغنيا وأرباب الثروة من الدنيا كان له حاصل يجمع فيه المغلات وكان في ذلك الحاصل فأرة وقد اتخذت لها وطناً نزهاً ومكاناً متسعاً له منفذ إلى بستان كأنه قطعة من جنة آدم فكانت

стр. 41

تأخذ ما يقوم بكفايتها من مغل ذلك الحاصل وتدخره صيفاً وشتاءً وإذا أرادت التنزه خرجت من منفذها إلى البستان فتبخترت فيه وعادت إلى وكرها فكان عيشها هنياً وأمرها رضياً ومضى على ذلك برهة من الزمان فاتفق أن في بعض الأيام خرجت للتنزه فمر بمسكنها ثعبان عظيم فنظر مكان نزهاً ومسكناً حصناً معموراً بأنواع الأطعمة محفوفاً بالحفظ من جميع الجوانب فدخل إليه واستوطنه فلما رجعت الفأرة إلى مكانها رأت الثعبان فيه فأسرعت إلى أمها وشكت إليها حالها، فقالت لها أمها: لقد ظلمك ظلماً يفوق الحدود، وتعدى عليك فيما أنت فيه وأخرجك من وطنك بغير حق ولا تتوهمي أنك تقاومين الثعبان أبداً فاطلبي لك مسكناً غيره فالأرض واسعة فلما آيست الفأرة من ذلك شرعت في أعمال الحيلة في إخراجه فراقبت الفرصة إلى أن خرج الثعبان في قائلة الحر ونام تحت وردة في ظل ظليل فتوجهت الفأرة يميناً وشمالاً فوجدت البستاني قد سقى البستان ونام في ظل شجرة وهو تعبان فوثبت

стр. 42

عليه وعلى وجهه فوثب قائماً فاختفى في مكان فلم ير أحداً فنام فأمهلته حتى غرق في نومه ودخلت تحت قميصه وجعلت تعبث فنهض قائماً وانتفض فسقطت وهربت فرجع ونام فأمهلته ثم صعدت على وجهه وأدخلت ذنبها في أنفه فوثب مستشيطاً فرآها وهربت منه بعيداً فأخذ يمر ويتبعها فهربت مطمعة للفلاح فيها فتبعها وهي أمامه حتى أتت إلى الثعبان فحين رأى الثعبان نسي الفأرة وقتل الثعبان فرجعت الفأرة إلى حجرها آمنة مطمئنة وإنما أوردت هذه الحكاية ليعلم أن من له عدو قوي لا يقدر على مقاومته ينبغي أن يستعمل في رفع أذاه عنه العقل الراجح والفكر المصيب الناجح فإذا ساعده في ذلك قضاء وقدر فلا شك أن أموره تنجح. وأفكاره تنتج وتصلح وهذا إذا كان الضعيف مظلوماً والظالم قوياً كالفأرة مع الثعبان أما إذا كان الضعيف ظالماً والمظلوم قوياً كحاكم مع الزاهد البابلي فإنه مظلوم معكم، فإنه على الحق سالك مسلك الصدق وأنتم له ظالمون وعن الحق خارجون فهذا مشكل فأنى يرجى لكم النصر عليه وكيف ترون الوصول في تنفيذ الغرض لديه لا سيما إذا كان الله معه وأنا أخاف أن هذه القضية لا يحصل منها بعد العناء والتعب غير الفضيحة والخيبة ويصير أمرنا كأمر امرأة الضيف الذي أراد ستر عورة امرأته فوقع منها ما هو أشنع منه، فقال العفريت: وكيف كانت تلك الحكاية؟ فقال العفريت: ذكروا أن بعض الناس كان له صاحب محترم، فنزل به في بعض الأيام ضيف وكان المضيف فقير جداً فما وسعه إلا أن يتلقى صاحبه بالبشاشة والإكرام وكان ذلك في فصل الشتاء والبرد فسجروا التنور يتدفون وجلست معهم زوجة المضيف وذلك بعد أن هيئوا ما أمكن إحضاره فلما فرغوا من الطعام اجتمعوا على رأس التنور وهيئوا ما أمكن وجلسوا يتدفون وجلست زوجة

стр. 43

المضيف بينهم وجلس كل منهم على جانب من جوانب التنور وكان في سراويل زوجة المضيف قطع ملاقي فرجها فجعل الضيف يتأمل ما رآه ويسارق بالنظر فلمح ذلك صاحب البيت فأراد أن ينبه زوجته بأدنى إشارة فأخذ عوداً وجعل يلعب به إلى أن وصل طرفه تحت شق السروايل فأحرقها فانزعجت لذلك فأرادت أن تستر نفسها فضرطت فزادت فضيحة العين فضيحة الأذن ولم يحصل من هذا الأمر إلا الخجالة، وإنما أوردت هذه الحكاية لتتيقظوا في عواقب أموركم، فإن أردتم مجادلة هذا الرجل الصالح الزاهد والبحث في العلم فأعلموا أنه رجل كامل في العلم وما بلغ هذه المرتبة وفاق أقرانه وأهل زمانه إلا ببراعته في كل الفنون ووقوفه على كليات القضايا ودقائق الأسرار. وأما أنتم فما لكم دأب إلا المكر والحيلة ولا يؤخذ عنكم إلا الخداع والحيل والمكر وهو على طريق الحق والحق واحد وأنتم في الطرق متخالفون قال الله تعالى: (وإن

стр. 44

هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله وهو قد أحكم ما هو عليه وأنتم عن طريقه غافلون وعن علومه ذاهلون) وقال بعض أهل الفضل: ما ناظرت ذا فنون إلا وغلبته وما ناظرني ذو فن إلا وغلبني وأنا أخشى إن ناظرت هذا الرجل أن تفتضح معه ولا تحصل معه على طائل ويظهر فضله وقصورك. فقال الوزير: نعم ما قال مولانا الرئيس وأنا أيضاً أخشى من ذلك وتصير هذه الواقعة كواقعة بزرجمهر الحكيم وزير خسرو مع مخدوم كسرى فقال العفريت: أخبرني بتلك الحادثة. فقال الوزير بلغني أن بزرجمهر الحكيم كان فريد وقته في الطب والحكمة وكان مقرباً عند مخدومه كسرى وكان كل يوم يجيء إلى الخدمة قبل أن يطلع الفجر فيجد مخدومه نائماً فيفزعه من نومه ويقول له ما معناه تيقظ لتظفر بمطلوبك فإن التبكير أنجح وكان كسرى يجد لهذا الإزعاج ألماً لما كان يطيل السهر في اللهو ولا ينام إلا وقد مضى من الليل جانب عظيم ومقدار جسيم فلا شك أنه يتأخر في النوم إلى الصباح، فلما طال ذلك من الوزير أرصد له جماعة من الخدم في طريقه ليأخذوا قماشه وهو مبكر في وقت الغلسة إلى القيام بخدمة مخدومه فرجع إلى بيته ولبس ثياباً غيرها فتأخر عن ميعاده إلى وقت الضحوة ورجع فوجد مخدومه منتصباً في ديوان الحكم فقال له: ما بال الوزير جاء اليوم متأخراً على خلاف عادته، فقال إن اللصوص قد قبضوا علي ونزعوا ثيابي فلزم من ذلك أن رجعت ولبست ثياباً غيرها فوقع التأخير مني بسبب ذلك، فقال له كسرى: الآن ظهر عكس ما كنت تقوله من أن التبكير سبب للنجاح وحصول المقصود وما أراد في تبكيرك إلا حصل لك النقص والخسران، فقال له إن اللص بكر إلى مقصوده قبلي فحصل له الظفر بمقصود فظهرت نتيجة كلامي ولم أبكر

стр. 45

بالنسبة إليه فحصل لي ما حصل، فاستحسن كسرى جوابه وعجب من سرعة بديهته. وهذه حكاية أوردتها ليعلم أن كسرى وإن كان فاضلاً وبارعاً في العلوم لكن الوزير بزرجمهر كان أحسن محاضرة وأسرع منه جواباً وأحكم بديهة ومع هذا كله فإنه غلبه في المناظرة وسلم إليه كسرى ذلك وإن كان هو السلطان والحاكم، وهذا الرجل أعني الشيخ البابلي كذلك فكيف يقدر الشخص على مجادلته ومباحثته. فعند ذلك استشاط العفريت غضباً وقال: لقد عظمتم من شأن هذا الآدمي ووضعتم من شأننا وأنا ما قلت لكم ما تقدم من القول إلا لأخبر ما عندكم واستبدي رأيكم ونحن أعظم حيلة وأسرع مكراً وأقدم وجوداً وأغزر علماً وأكثر عدداً وأوفر عدة وما أرى لكم همة صادقة ولا انبعاثاً تاماً ثم أقبل على الوزير الأول وقال له: أجل قداح فكرك وحقق ما تفعله فإن رأيك أمتن ورأيك

стр. 46

أرضى فقال الوزير: يا مولانا نحن إلى الآن ما بارزنا طائفة الأنس بالعداوة وإنما كنا نخادعهم ونظهر لهم الباطل بصورة الحق وهذا الرجل قد ظهر فيهم وعلا شأنه ونحن الآن مسالموه وهم تارة يوافقوننا وتارة يخالفوننا فأنا أخشى إن تصدين لمبارزة هذا الرجل الصالح وتعرضنا لمنع هذا الدين المسلك تتحقق العداوة بيننا وبينه ثم لا يظفر بالمقصود ولا يفيدنا ذلك إلا الندامة وبعد أن ينتصر علينا ونغلب معه يستمر علينا هذا العار إلى يوم القيامة وقد قيل: لا تسع في الأمر حتى تستعد له ... سعي بلا عدة قوس بلا وتر فقال العفريت: أنا إلى الآن لم أبارزه ولم أناظره ولقد قذف في قلوبكم رعبه وجبنتم عن مناظرته وتخلفتم عن مقاومته وما وقفتم على مقدار علمه ولا على عدد جنوده، وأما أنا فلا بد لي من مناظرته ومجادلته وأعلموا أن الوادي الذي ماؤه يجري إلى جهة لو أبقي على حاله مائة سنة لا ينقلب إلى الجهة الأخرى اللهم إلا أن يصرف من رأس الوادي إلى جهة أخرى ولا يحكم الشخص على شيء حتى يراه ويختبره، ونحن أن تصدينا لدفع هذا الأمر ومبارزة هذا الرجل ربما نظفر به وننال مقصودنا منه ونصل إلى غرض ما وهذا شيء قد وقر في خاطري ولابد لي منه. فلما رأى الوزير أن العفريت قد رسخ في نفسه الخبيثة هذا الخيال الفاسد وتقرر في خاطره أمسك عنه لئلا ينسب إلى خيانة فيصيب منه نكاية وحسن له هذا الرأي واستقر الأمر على مراسلة الزاهد بما يقتضيه رأيه وكان في شياطينه المردة عفريت من الجن قد أضل عقائد كثير من الناس واشتهر بين أبناء جنسه بشدة عداوة بني آدم وإفساد أمورهم وإلقاء كثير منهم بشؤم وسوسته وحيل شيطنته وبلبسته في قفار المعاصي وبحار الزلل وغمسهم بعد ذلك في نار السعير والعذاب الأليم

стр. 47

فتوجه هذا العفريت إلى سفح الجبل الذي فيه ذلك الزاهد وأرسله إليه يقول له إن من قديم الزمان وبعيد الحدثان كنت أضللت كثيراً من الناس وكانوا قد صاروا تبعي ومريدي وأنت فتنت العالم وصيرتهم أعدائي من بني آدم وأنا مقتدى الشياطين ورأس العفاريت المتمردين ورجوم النجوم إنما أعدت من أجلي وقوله تعالى فاتبعه شهاب ثاقب نزلت في شأني وأن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم طراز خلعتي ثم إنك قد جئت في هذا الزمان وظهرت في هذا المكان تريد تهدم ما بنيته وتعود بصلاحك ما بفسادي سوية وأنا كنت في قديم الزمان ناديت بني آدم جميعاً وسيرتهم لي سميعاً ومطيعاً بشعر خذه وأشهره بين ذويه لتعيه: كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وقامروا ... ألا واسرقوا سراً وخوضوا الدما جهراً ولا تتركوا شيئاً من الفسق مهملا ... مصيركم عندي إلى الجنة الحمرا وأنت جئت بزخرفتك ووسوستك وخرافاتك وناموسك الباطل تريد أن تبدد عني عساكري وتفرق جموعي بمخالفة أموري وأوامري، وهاأنا قد جئت إليك ونزلت كالقضاء المبرم عليك اريد أن أناظرك في أنواع العلوم وأسألك عن حقائق المنطوق والمفهوم بمحضر من الجن والأنس وسائر ما في الوجود من أنواع الحيوان والجنس فيظهر إذ ذاك جهلك فيتبدد قومك وأهلك ويتركك مقتدوك وينفك عن حضرتك مريدوك وافسد بين العالم صيتك وأتلفه فاجعل بيننا وبينك موعداً لا تخلفه. فلما وصل رسول العفريت إلى الشيخ العابد والناسك الصالح الزاهد فبمجرد ما نظر إليه ووقع نظر الزاهد عليه كاد أن يذوب كالأملاح ونفذ في فؤاده

стр. 48

من الشيخ سهام الطاعة والصلاح فبهت الذي كفر وغلبت عليه الدهشة والصغر وخاف فما أبدى ولا أعاد ولا قام لإصلاح ذلك الفساد، فقال الشيخ: ويلك ما لك وما حلك واحتيالك؟ وما سبب دخولك عليّ وأنت غير منسوب إليّ، فقال له الرسول: أنا رسول محبك العفريت المشقوق الحوافر الواسع المناخر قد أقبل إليك في جمع كبير وعدد من الجن غزير ومعه روس العفاريت والغثاة المصاليت وقد حملني إليك رسالة تتضمن الشجاعة والبسالة إن شئت أديها وأن أبيت رددتها، فقال: قل ما تريد وابلغ ما معك عن ذلك البعيد فابلغ الرسالة وأداها وأسال في أوديتها مؤداها، فقال الزاهد: والله ما شبهته في هذا الكيد إلا بالحمار في الوحل والحمام في شبكة الحمام والوجل، قل لمرسلك أرى قدمك أراق دمك كان الله أراد دماركم وأن يمحو من أرضه آثاركم ويخرب دياركم ويريح البلاد من فسادكم والعباد من عنادكم، أما أنا فأفقر الخلق وأحقر الداعين إلى الحق ولكن بعون الله وقدرته والهام الحق والصدق لقوته لي من العلم والفضل وما من الفيوضات الإلهية أجنيه ما يقتله في جوفه وجنيه فمتى أراد يحضر ليبارز خصمه ويخبر ويحضر معه من يريد من كل جني عنيد وشيطان مريد وعفريت هديد، فليحضر فإن الحق يحق ويبطل الباطل ويتميز الحال الطيب من الحال البطال العاطل وأنا لفي عدة عديدة ومدة مديدة ألا ترى هذه منجنيقات التوحيد منصوبة ورعادات الأذكار ممدودة، وصواعق التسبيح معدودة وسلاسل الفيوضات الإلهية متواردة ممدودة وأنا لفي عدة لأمثاله وأي عدة وفي حصون منيعة لأمثاله مردة وحولنا الأبطال تحرسنا من القتال فأخبره لينشط لهلاكه وإتلافه في إحراكه وليروا جنوداً لا قبل لهم بها ولنخرجنهم أذلة منها. فرد الجواب الرسول وكشف له عن حقيقة القول ثم إن

стр. 49

العفريت سأل الرسول عن أوضاع الشيخ الزاهد وأحواله التي رآه عليها في المساجد والمشاهد وما عاينه من أموره وحركاته في سيره ومروره، فقال: رأيت إنساناً مباركاً زاهداً صائماً للفضول تاركاً كلامه صادع وأمره ناجع ما حاد عن مشروعه في أمر ذهابه ورجوعه كثير الذكر والفكر مسائل العبرة في الذكر يقوم الليل إلا قليلاً ويرتل القرآن تيرتيلا يعرف الحق فيأتيه ويحث على فعله أتباعه ومريديه كأنه نبي أو رسول أو طود راسخ عن الحق لا يحول. فلما سمع العفريت ذلك ندم على مناوشته ولكن قال الشروع ملزم والبداءة توجب التكلم ثم إنهم حضروا وأحضروا معهم الجان والعفاريت وأحضروا الأكابر من الآدميين والعلما واشترطوا على الزاهد أنه إن غلبه العفريت في سؤاله وعجز الزاهد عن جوابه يهلك العفريت جماعته وإن أجاب الشيخ سؤال العفريت لا يظهر بعد ذلك اليوم لبني آدم بل يسكنون الخرب من البلاد والجزائر وتحت الأرض ويتشتتون في نواحي الدنيا. ثم شرع العفريت في السؤال، فقال السؤال الأول: العالم كم قسماً وخالق العالم من هو وهل هو متعدد أو واحد فقال الزاهد: العالم ثلاثة أقسام: الأول، مفردات العناصر كالتراب والماء والهواء والنار والثاني، الأجرام العلوية كالسموات السبع وما فيها من النجوم والكواكب وهذه الأجرام بعضها متحرك من وجه ساكن من وجه، الثالث العقول والنفوس الملكية ومقامها في أعلى عليين وحصول هذه شيء لا يوصف بالحركة والسكون ولا بالبساطة والتركيب، وأما موجد العالم وخالقه فهو واحد لا يثني أحد لا يتجزأ قديم قادر سميع بصير مريد متكلم حي عالم أزلي لا بداية له ابدي لا نهاية له إلى آخر أوصاف الربوبية وما يتعلق بها من الصفات اللائقة بها

стр. 50

الكمالية السؤال الثاني، الإنسان مخلوق مماذا؟ وعلى من يطلق لفظ الإنسانية والآدمية وأنفس الآدمي كم هي ومآل النفس إلى أين؟ فقال الزاهد: الإنسان مخلوق من العناصر الأربعة المشار إليها وهي التراب والماء والهواء والنار ومن الأمزجة الثمانية مفردة ومركبة على سبيل الاعتدال، والإنسانية عبارة عن القوة المميزة بين الصحيح والفاسد والرائج والكاسد والحق والباطل والحسن والقبيح العاطل والخير والشر والنفع والضر، والمميز لهذه الأشياء، يقال له النفس الناطقة والأنفس ثلاثة ويعبر عنها تارة بالروح وتارة بالقلب وكل نوع من هذه الأنفس قائم بعضو من الأعضاء مستمد من شيء من الأشياء، الأول الروح الطبيعية قائمة بالكبد واستمدادها من الأغذية، الثاني الروح الحيوانية وقيامها بالقلب وفيه حركة البدن واستمدادها من حركة الأفلاك، الثالث الروح النفسانية وفعالها من الدماغ ومنها الحركات الذهنية كالأفكار وما يتولد منها وذاك يترقى بالأرواح إلى عالم الغيب لأجل الثواب والعقاب، السؤال الثالث، قال العفريت: أخبرني عن كيفية وضع العناصر الأربعة فقال الزاهد: بحسب الخفة والثقل واللطافة والكثافة، فالتراب أثقلها فهو أسفل الكل وفوقه الماء لأنه أخف منه وفوق الماء الهواء لأنه أخف منهما وفوق الهواء النار لأنه أخف منهما جميعاً فعنصر الماء محيط بالتراب وعنصر الهواء محيط بالماء والتراب محيط بالماء والنار محيطة بالكل. السؤال الرابع، قال العفريت: أخبرني عن أقرب الأشياء وعن أبعد الأشياء وما الشيء الذي يمكن عوده وما الشيء المستحيل وما الشيء الذي لا يمكن تحصيله بالاكتساب وما الشيء الذي لا يمكن ضبطه وما الشيء الذي لا يمكن الإحاطة به؟ فقال الزاهد: أقرب الأشياء الأجل وأبعد الأشياء ما لم يقم والشيء الذي يمكن عوده النعمة والشيء الذي لا يمكن عوده ويستحيل

стр. 51

الشباب والشيء الذي لا يمكن تحصيله الاكتساب بالعقل والشيء الذي لا يمكن ضبطه الدنيا إذا أدبرت، والشيء الذي لا يمكن الإحاطة به عظمة صانع الكائنات تعالى وتقدس. ثم أقبل المساء فتفرقوا فلما أصبح الصباح اجتمعوا للسؤال الخامس، فقال العفريت: ما فائدة العقل؟ فقال الزاهد: الإرشاد إلى سبيل الحق والخلاص من ورطة المهالك والإغناء عن حلول الفقر. السؤال السادس، قال العفريت: فمن العاقل وعلى من يطلق من جنس آدم هذا الاسم؟ فقال الزاهد: العاقل من يتحمل إذا أضيم ويعفو إذا قدر ويحلم إذا غضب ويتهون أمور الدنيا ولا يغفل عن الأخرى. السؤال السابع، قال العفريت: ما الفائدة في حب الدنيا والرغبة فيها ولأي معنى غلب الحرص على بنيها؟ فقال الزاهد: لأجل انتظام هذا العالم ومداومته إلى الأجل الذي أجله وقدره في الأزل خالقه وإلا لاختل نظامه وبطلت أمور المعاش، وببطلان أمور المعاش تبطل أمور المعاد، فقال العفريت: أخبرني عن جوهرية الملك والجن والأنس، فقال الزاهد: جوهر الملك من العقل المحض وجوهر الجان من الحرص والغضب والشهوة والصفات الذميمة، وجوهر الإنسان مركب من جوهري الملك والجان ولهذا من غلب عقله شهوته كان أفضل من الملك ومن غلبت شهوته عقله كان أخس من الكلاب ويقول يوم القيامة يا ليتني كنت تراباً. قال الراوي: فلما انتهى إلى هذا المقام أمسك العفريت عن الكلام وظهر فضل الزاهد ثم من ذلك الوقت تفرقت الشياطين واختفت عن أعين الناس ولم يظهروا إلى يومنا هذا والله أعلم.

стр. 52

الباب الثالث في ذكر الثعلبين المدعو أحدهما بالرئيس والآخر بالعادل

стр. 53

فراغ

стр. 54

قال الحكيم بلغني: أنه كان في بعض الغياض أسد عظيم في خدمته ثعلبان يدعى أحدهما بالرئيس والآخر بالعادل ملازمان منادمته، وله دب وزير بينه وبين الثعلبين عداوة وكان هو أقربهما من حضرة الملك.

стр. 55

فحاقهما المكر السيئ فكان يتوقع لهما عثرة يتوصل بها إلى إفساد صورتهما. ففي بعض الأيام كان الثعلبان ينادمان الملك فغلب عليه النعاس فخرج منه ريح سمعاها واستيقظ هو لها فتناوم ليعرف ما يصدر منهما فلم يتمالك الرئيس أن ضحك فقال له العادل: مم تضحك أما علمت أن الضحك بلا سبب من قلة الأدب وأن الملوك تحترم مجالسهم غابوا أو حضروا، ناموا أو استيقظوا، وقد قيل: رفع قلم العتاب عن النايم والسكران والمجنون والصبي وعذر النائم أوضح من عذر الباقين فإن النوم أخو الموت، ولقد قال صاحب الأخلاق: لا يعيب الشخص على أحد عيباً هو فيه، وإذا صدر من الملوك منقصة فلا تغد منقبة، ويجب على جلساء الملوك أن لا ينظروا من الملوك إلا المحاسن، وقد قيل في المثل من جالس الملوك بغير أدب فقد خاطر بنفسه وأوجب لها التعب. فقال الرئيس: اللسان إذا ظهر من الكذب، والعرض إذا نقي من العيب والنفس إذا زكيت عن الجهل يصلح لها أن تضحك على كل أحد، وأنا إذا اتصفت بهذه

стр. 56

الأوصاف فلا علي إذا ضحكت على غيري. قال العادل: يعرف الجاهل بثلاث علامات أولها، أن يرى نفسه عارياً عن العيوب ثانيها، أن يرى نفسه أنه أعلم من غيره ثالثها، أن يغتر بعلمه ويتصور أنه انتهى في ذلك إلى أعلى المراتب، وقالت الحكماء: إذا رأيت نفسك طاهراً من دنس العيوب وطالباً عيوب غيرك فأعلم أنك غارق في العيوب ومتدنس بأوساخ المساوئ وأعلم أنك لا تشم رائحة الفضل الموجب للتقدم ما دمت ترى لنفسك مقداراً، ولكن كن في تفقد عيوبك حريصاً لتفقد عدوك. قال الرئيس: لقد صدقت ونصحت فجزاك الله عني خيراً وقد وقع الخطأ على سبيل الغفلة وقد خرج هذا الأمر مني على سبيل السهو وهو كالسهم إذا له رد وكيف يدر الحالب اللبن، ولكن الذنب غير المستمد المار لا يستحق صاحبه العقوبة ولا الدمار وإنما أنا أحمد الله من أجل أنك رفيقي وصاحبي ونصيحتي وأرجو منك أن لا تفض ختام هذه الهفوة عني، فقد قالت الحكماء: السر لا يستقر إلا في صدر محب وأنت محب وشفوق. فقال العادل: من علامات الجهل شيئان أحدهما أن أحدهما أن تقرض مالك ثم تتقاضاه بالعنف، والثاني أن تودع سرك لمن يحتاج أن تتضرع إليه وتحلفه أن يكتمه ولا يبديه وقد قيل: وإذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق وقالت الحكماء لا تستودع أحداً سرك فإن كتمان السر ثقيل يتولد منه هم وعيا وإفشاؤه هلاك وبلا وقد قيل: كل سر جاوز الاثنين شاع ... وكل علم ليس في القرطاس ضاع والمراد بالاثنين الشفتين وناهيك بقصة الحرامي مع البرغوث

стр. 57

فقال الرئيس: أخبرني بتلك الحكاية قال العادل: زعموا أن لصاً كان ماهراً في صنعة السرقة وكان كثيراً ما يقع في خاطره أنه ينقب خزانة الملك ويأخذ منها الذخائر ويطلب لذلك ممن يفشي إليه سره ذلك وهو يخاف من إفشائه، إلى أن زاد عليه الخاطر ولم يتمالك كتمانه وعجز عنه فوجد في ثيابه برغوثاً فقال في نفسه: هذا البرغوث قد أكل من حمي وشرب من دمي وهو حيوان ضعيف ولا لسان له يفشي السر به، ثم أدنى رأسه إلى البرغوث وهو في يده وقال: أعلم أيها البرغوث أني أريد أن أدخل دار الملك وآخذ مما تصل إليه يدي من الذخائر والدراهم والدنانير وأنا الآن مودعك هذا السر فلا تفشه عني. ثم أطلق البرغوث في ثيابه وقصد إلى دار الملك فلما دخلها اختبأ تحت الملك حتى يجد فرصة فيأخذ ما يريد فخرج البرغوث من ثيابه وقصد الملك فقرصه فأقلقه، فطلب النور ونظر في ثيابه فوجد البرغوث فأراد القبض عليه ففر ونزل تحت السرير ففتشوا عليه فوجدوا الحرامي فقبضوا عليه وفعلوا معه ما يجب فعله كما قيل: مشى برجليه عمداً نحو مصرعه ... ليقضي الله أمراً كان مفعولا وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن السر لا يؤمن عليه الحيوان بل ولا الجماد فضلاً عمن يكون فيه أدنى ناطقيه أو يسمى باسم إنسان. فلما انقضت هذه المحاورة وكان الأسد قد استوفاها من

стр. 58

أولها إلى آخرها وقد امتلأ غضباً فوثب مغضباً وأمر بالقبض على الرئيس وإيداعه في السجن، ففعلوا به ما أمر به الملك من القبض عليه وإيداعه في السجن، فتنكد عيش رفيقه العادل وتوجه إليه وأغلظ له القول ولكن كان الأمر قد خرج من يده فقال الرئيس: كل هذه الأمور بقضاء الله تعالى وقدره وفي الجملة إذا كان السعد مقبلاً فكل حركة له تصدر عن الشخص فإنها سعيدة وإذا أدبر فلا يكاد يصيب العاقل واللبيب فضلاً عن غيره وهذه عادة الزمان مع أبنائه وقد قيل شعر: ومن ذا الذي ما غره صرف دهره ... فأضحكه يوماً ولم يبكه سنه وأنا كنت غافلاً عن هذه النكت ماشياً على ما كنت أعهده من نفسي وعودني به الزمان فصادفني مثل حكاية الهدهد والرجل الصالح. قال العادل: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الرئيس: ذكروا أن رجلاً من الصلحاء كان قد علمه الله تعالى لسان الطير وكان له هدهد يدعي صحبته فرآه في بعض الأيام جالساً على رأس حائط فقال له: يا صاحبي هذا المكان كثير العاهات فانتقل إلى مكان

стр. 59

آخر، قال الهدهد: قد علمت ذلك ولكن سبب جلوسي هنا أني رأيت صبياً قد نصب لي فخاً يريد أن يوقعني فيه فأنا أتفرج عليه وأسخر من كونه يسعى في أمر باطل ويضيع وقته في ما لا يتحصل منه على طائل، فمضى الصالح في حاجته ورجع فرأى الهدهد ي يد الصبي فقال له: كأنك وقعت له في الفخ طوعاً أردت أن تنظر هل له من الاقتدار عليك نوعاً فإنك كنت حريصاً على أن لا تقع في مكايد هذا الصبي ورأيت أنه لا يحصل له إلا التعب والعي ولو لم يكن ذلك فأنت ترى الماء تحت الأرض أفلا تنظر حبل الفخ؟ فقال له الهدهد: ذلك لا يمنع من إنفاذ القضاء والقدر إذا جاء القضا عمي البصر. فاشترى ذلك الرجل الصالح الهدهد من الصبي وأطلقه وحرره وأعتقه. وإنما أوردت هذا المثل ليقل عني توبيخك وتقريعك وتتعاطى أسباب خلاصي من هذه القضية ولو بان يكون مسكني بعدها في البرية وذلك بحسن تدبيرك على ما تقتضيه سابق الصحبة وقديم المودة وما أعهده عنك من طيب الأعراق ومكارم الأخلاق وسابق الصحبة وقديم المودة والمحبة وما أعهده عنك من وفور الشفقة وحسن الوفاء والقيام بحق الإخاء وقد قيل: دعوى الأخاء على الرخاء كثيرة ... بل في الشدائد تعرف الأخوان وأنا أسألك بالله وسالف حقوق المودة والصداقة أن تكف عني توبيخك فقد آلمني أكثر مما أنا فيه، فرق له العادل وقال: حباً وكرامة ولو لم تقل لي ذلك لما كان يسعني التخلص عن خلاصك وإنما قلت لك ما قلت من شدة ما نابني من الحرق والأرق وقد قبل أربعة أشياء فرض في شريعة المودة وطريق الأخوة الأول المشاركة في هموم الأخوان ونوازلهم، الثاني إذا أخطأ أحدهم يردونه إلى

стр. 60

طريق الصواب بألطف وجد وأسن إشارة ولا يتركونه على الخطأ، الثالث إذا صدر من أحدهم جفا يتداركونه بالوفا ولا يتركون الوفاء القديم الجفاء الحادث، الرابع عدم المؤاخذة وأنا إن لم أبذل مجهودي في إنقاذك بكل ما تصل إليه يدي وإلا فلا فائدة في صحبتي، فإني والله لأبذلن المجهود في ذلك وهاأنا متوجه إلى الملك فانظر ما يصدر منه ثم أتم الأمور على ما يقتضيه ذلك. ثم توجه العادل إلى الملك فوجد الدب عنده وهو يريد أن يكلمه في أمر الرئيس فإنه قد وجد للظفر فرصة يريد أن ينتهزها فإنه عدو قديم فأراد أن يتكلم ثم أفتكر أنه ربما يعاكسه الدب فتنخرم أموره فأمسك عن الكلام ثم بدا له أنه ربما يفتح الدب الكلام بطبيعة العداوة فيرسخ في قلب الملك فلأتمكن إزالته ويعسر رده ويتعذر إزالته من خاطر الملك كما قيل شعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا فبادر العادل بالكلام وافتتحه بالدعاء على العادة في استعطاف الملوك الكرام ثم قال: إن من عادات الملوك العظام العفو عن الجرائم لا سيما إذا كان وقوعها على سبيل السهو والخطأ وصدرت من المعروف صدقهم وإخلاصهم. ومن ذا الذي ما ساء قط ... ومن له الحسنى فقط وكان مملوك مولانا الملك الرئيس معترفاً بتقصيره متوقعاً من مولانا الملك عفوه ومراحمه وإسبال ذيل الشفقة والحنو عليه ووجبت الشفاعة فيه على الملوك السابقة والأخوة وقديم الصداقة. فلما سمع الأسد ذلك علم أن قصد العادل جميل وهو يريد سوق الأجر وإثبات الحسنات في صحائفه وانتشار صفاته بالجود والعفو

стр. 61

بين الأقران فما رد عليه جواباً وأطرق، فلما رأى الدب إطراقه وسكوته قال إن الملوك سكوتها رضاها وحيث سكت أتت الفرصة فانتدب للجواب واستعد للخطاب فقال: أعلم يا عادل أن من أخفى خيانة الخائن واستخف بزلة الجاني واعتذر منه فهو شريكه في الذنب خصوصاً إذا كان صادراً في حق ملك من الملوك ويقدر المجني عليه على الجاني. قال العادل: يا مولانا الوزير كلنا محل الخطأ والتقصير. ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرد نبلاً أن تعد معايبه وإن لم يشفع الشخص في الجاني فالمحسن لا يحتاج إلى شفاعة ومن لم يأخذ بيد العاثر لم يجد ليده آخذاً إذا عثر وأحسن ما يكون العفو من القادر على المؤاخذة وهم الملوك وأحسن ما تتصف به الملوك من الصفات الجميلة والخطأ الذي يصدر من الشخص أربعة أقسام: زلة وتقصير وخيانة ومكروه، فجزاء الزلة العقاب وجزاء التقصير الملامة والتوبيخ وجزاء الخيانة العقوبة، وإيصال المكروه جزاؤه إيصال مكروه مثله، والذنب الصادر من الرئيس إنما هو زلة وقد استوفى جزاءه وزيادة والملك أدام الله تعزيزه له أن يعاقب على الذنب اليسير ويعفو عن الذنب الكبير ولا يؤخر عنده العفو والخير والفضل ومكارم الشيم أولى من أن يؤثر عنه القصاص والعقوبة فإن ذلك أليق بحشمة الملك. فلما سمع الدب منه هذا الكلام قال: من شرط ناموس السياسة إقامة حرمة الملك وأن لا يسامح طوائف بل يستوفي الملك القصاص منهم ولا يأمن إليهم، فإنه لا يصدر منهم خير منهم من عزل عن منصبه بغير سبب ومنهم من يصادف أعداء الملك ومنهم من يرى له مسرة في مضرة الملك ولا يبالي بذلك ومنهم من يطلب على خدمته مكافأة، فإن لم يحصل مطلوبه تغير خاطره ومنهم من يتعرض لسخط الملك ومنهم من يهتك حرمته

стр. 62

ومنهم من يفشي سره ومنهم من يخون في الحريم، ولا شك أن الرئيس قد ارتكب بعض هذه الخصال وهو متصف بباقيها وهذا يدل على دناءة أصله ولؤم طبعه. قال العادل: لا تقل هذا يا مولانا الوزير فإن الرئيس خادم قديم وعبد مخلص ونديم ظريف لم نعلم عليه ما يسوءه من صدق ولايته ولا أطلع أحد منهم على سهوه والخطأ شيء من تفوه نادرة في حق الملك فحلم مولانا الملك لا يقتضي طرح هذه الأوصاف كلها لأجل هذه النادرة المنفردة وقد حصل له من الكسر ما لا يجبره إلا عفو الملك ومراحمه وإلا فلا جابر لكسره أبداً، وأنا ما قمت في مقام الشفاعة إلا لقوله تعالى: (من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة لكن له كفل منها) ، وأنا أسأل صدقات الوزير أن يكون شريكاً لي في الأجر والثواب وأن لا تقع منه مخالفة في ذلك فإن كريم الطبع لا يصدر منه إلا الكرائم التي تليق بطبعه واللئيم إذا أراد أن يتعاطى شيئاً من مكارم الأخلاق المحمودة لا تساعده طباعه كما قيل: كلما رام التخلق جاذبته ... فعاله إلى الطبع القديم وقال آخر: الناس على دين ملوكهم ... وتأبى الطباع على الناقل وحيث كان مولانا الملك مجبولاً على الشفعة الكاملة والمراحم الشاملة فكلنا يجب علينا أن نتشبث بتلك الخصال فإن العبد من طيبة مولاه وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فالتجم الدب بهذه المغالطة ولم يرد جواباً فقال الأسد: حتى انظر في الأمر فتفرقوا من المجلس فتوجه العادل إلى الرئيس وهو في الحبس وأخبره

стр. 63

بصورة ما وقع وقال له: أبشر فإني رأيت لخلاصك أثراً قوياً في بشرة الملك فشكر الرئيس للعادل جميل مساعدته وقال الرئيس للعادل: كنت أود أن تؤخر الكلام في أمري فإن الطالع قد أدبر والسعد في هبوط وطالع الخصم في قوة أما سمعت قصة الحكيم بزرجمهر في مخدومه كسرى، قال العادل أخبرني بها. قال الرئيس: ذكروا أن كسرى انوشروان أراد النزهة يوماً فدعا وزيره الحكيم بزرجمهر وجلس معه على جانب حوض يتنادمان وكان في الحوض طائفة من البط وكان كسرى يلعب بخاتمه وفيه فص ثمين فسقط من يده فابتلعته بطة وهو غافل عن ذلك، كل ذلك وبزرجمهر لم يشاهد هذه الأمور فلما دخل كسرى إلى الحريم افتقد خاتمه فلم يجده فدعا الحكيم بزرجمهر ليسأله عن ذلك وعرف بزرجمهر ما قد دعاه إليه فنظر في الطالع فرآه غير مستقيم فخاف أنه إن تكلم في هذا الأمر بما رآه عاكسه الطالع فربما يذبح ذلك الطير كله وربما لم يجد الخاتم وأن عين طائراً بعينه

стр. 64

فربما يكون الخاتم في غيره فينسب إلى الجهل فلم يزد عن السكوت لما سأله عن ذلك. واستمر كسرى على الطلب والاهتمام بشأن الخاتم فلما استقام الطالع وزال عنه الوبال توجه بزرجمهر إلى خدمة مخدومه وأخبره بما كان من وبال الطالع فأحضروا الطير كله وقبضوا على واحدة وذبحوها فوجدوا الخاتم في جوفها ولم يحتاجوا إلى ذبح غيرها وذلك لقوة الطالع وإقبال السعد. وإنما أوردت هذا المثل لمراقبة الطالع ولم أورده اعتراضاً على ما فعلت، فإني أعرف أن مقاصدك جميلة فقال العادل: الأمر كما قلت وإنما بادرت بذلك خوفاً من حاسد يسيق بكلام يستقر في خاطر الملك فتعسر إزالته ولئلا أنسب إلى تقصير وتوان ومع هذا إن الله هو المدبر ومقاليد الأمور بيده ولم يخطر ببالي أن أقواني في هذه القضية لحظة واحدة وأني مباكره فناظر ما يصدره منه. ثم إن العادل باكر إلى خدمة الأسد فوجد الدب قد سبقه وهو يريد أن يفتح الكلام فبادر العادل وقاطع عليه ودعا للملك ثم قال: يا ملك إن المواعيد الوفية والأخلاق المرضية تقدمت في حق عبده القديم الرئيس بالنظر في أمره ولم يبق إلا المراحم وإجراء عبيده القدما على ما كانوا عليه من سالف حالتهم المرضية خصوصاً المخلصين من خاص الندما كما دعوتهم المكارم البهية والصدقات السنية. ولازال يتكلم بمثل هذا الكلام حتى لان قلب الأسد وظهر للدب ذلك فاشتعل غيظاً وخرج عن دائرة الاعتدال وقال: كل من ستر على أعداء الملك فهو شريكهم في الخيانة ومن يشفع في الجاني فهو الجاني وما أظنك أيها النديم والخادم القديم إلا منقصاً لهيبة الملك وانتهاك حرمته، فعند ذلك هم الأسد على الدب وقال: لم تزل إلا ظالماً من قديم الزمان إلى هذا الأوان وأنت ترقب مراحم

стр. 65

الأكابر لتنسلط على أحبائهم بظلمك وتوقعهم في الأثام وإن السلاطين لم تزل تغضب وترضى وتسبل ذيل إحسانهم على هفوات أصحابهم وأصدقائهم ويطلبون أجر مخدومهم وثبوت الأجر والثواب في صحائفهم، وكلامك أيها الوزير يلوح على صفحات وجهك منه خيالات الغش ومنازلة الفتن وإن كان العادل هذا مساعداً في أمر الرئيس فذلك هو الذي يجب عليه لأنه صاحبه القديم ولو تخلى عنه من قبل هذه الورطة نسب إلى عدم المروءة وقلة الدين وقد راعى ما يجب عيه من وجوه عديدة: أولاً قام يجب عليه لأخيه وصاحبه من شروط الأخوة، ثانياً قصد إثبات الحسنات في صحائفي، ثالثاً تحرى ما يوجب رضائي وانشراح صدري ويزيل غيظي، رابعاً باعدني عن الوقوع في الإثم فربما تعديب الحد في عقابه، خامساً طلب اشتهار اسمي بالفضل دون العدل، سادساً اشهر نفسه بحسن الوفاء وحفظ العهد، سابعاً غرس في قلوب الأماثل محبته، وأما أنا فقد تحققت أن الرئيس قد ندم على ما وقع منه ورجع واعترف بذنبه ويكفيه خجلته عقوبة ولا يليق بحشمي إلا العفو ومكارم الشيم وهذا الذي ورثته من

стр. 66

أكابر أسلافي. فندم الوزير على ما وقع منه وعلم أنه فرط ووقع مع صاحبه في ورطة فلا حاجة قضى ولا صديقاً أبقى. فلما علم أن الأسد عفا تفكر في تدارك ما وقع منه وما هفا فلم ير أوفق من السعي بينه وبين الرئيس، وكان للدب صاحب أرنب يدعى مبارك الميلاد فعرض عليه القضية فلامه على ما كان منه وقال: يا أخي أما علمت أن الملوك يمال على هواهم ويطلب رضاهم وهل تحققت أن الملك طرح جانب الرئيس قطعاً حتى أنه لا يقبل عليه أصلاً هيهات إذا لم يعرف الكبير مقدار خدمة عبده ووفائه وحسن عهده، فما فائدة خدمته خصوصاً هذا الملك الجليل الذي نحن في خدمته هذه فنكون في عقب هذا الأمر مثل التاجر البلخي في أمر زوجته. قال الدب أخبرني كيف كانت الحكاية؟ قال مبارك الميلاد ذكروا أنه كان في بلخ تاجر كثير المال عريض التجارة فاتفق أنه تراجعت عنه الدنيا وصار كلما قصد شيئاً خسر فيه إلى أن نفد ما عنده فلم ير لنفسه إلا التغرب والبعد عن وطنه إلى أن يقضي الله ما يختار، فقصد بلاد المغرب وأقام بها مدة ففتح الله تعالى عليه

стр. 67

بمال جزيل ثم اشتاق إلى وطنه فجاء إلى بلخ فلما وصل إلى البلد تخفى ودخل البلد لينظر ما حدث في غيبته فجاء إلى داره وصعد إلى السطح من طريق كان يعرفها فنظر من الكوة فرأى زوجته قد عانقت شاباً جميلاً وهما نائمان على السرير فأخذته الحمية وقصد قتلهما ثم تفكر في نفسه وقال: إن مدة غيبتي طويلة وقد تكون المرأة فسخت عقد نكاحي وتزوجت بهذا الرجل حلالاً فالتأمل في هذا الأمر والفحص عنه أولى، ثم نزل وأتى إلى جارة له في صبيحة تلك الليلة فطرق عليها الباب فخرجت له فقال لها إني رجل تاجر كنت أتردد على صاحب هذه الدار مدة بعيدة فأخبريني ما حاله، فقال إنه سافر من مدة مديدة ولم نعرف له خبراً وإن زوجته لما طالت الغيبة عليها توجهت إلى القاضي وشكت إليه طول غيبة زوجها وأنها لا تعرف أهو حي أم ميت ولم يأتها جواب منه ولا خبر عنه فطلقها عنه وأمرها بتزوج غيره، فظهر للتاجر البلخي أن الأمر على ما ظنه وأنه لو قتلهما لكان ذنبهما بعنقه فحمد الله تعالى وأثنى عليه بمحامده إذ ألهمه التثبت ف الأمر، وإنما أوردت لك هذا المثل لتعرف فائدة التأمل في العواقب فقال الدب: دعنا يا أخي يا مبارك من هذا الكلام وخذ بنا في تدارك هذه القضية قبل أن يخرج تداركها من أيدينا فنندم حيث لا ينفع الندم. لأنهم قالوا إذا لم تتدارك زلة القدم ندمت حيث لا ينفعك الندم، فقال مبارك: عندي من يتدارك أسباب الصلح والسعي ويفعل لك ما فيه الرشد وينفي عنك ما يوقع في الغي وخلص لك الرئيس ويأخذ لك في المصافاة باطناً وظاهراً بحيث ترتفع الكدورات من الاثنين أصلاً فإن شاطرتني على هذه الشروط كما ذكرت فأنا أتعاطى أسباب التدارك في هذه القضية وإن أبقيت في نفسك شيئاً من نقص فلا يفيدنا ذلك شيئاً بل ربما وقعنا في بلية ولا تنتج أمورنا ولا تنجح

стр. 68

آراؤنا، فوافقه الدب على ذلك وعاهده وصفا باطنه وصدق في مودته وألقى زمام تدبير الأمور إليه وعول في هذه المهمة عليه وذلك بعد الإيمان الأكيدة والعهود الوثيقة الشديدة أنه أزال ما في باطنه من الكدورات أصلاً ولم يبق لها في قلبه مكاناً ولا محلاً. فتوجه مبارك الميلاد إلى منزل العادل وذكر له ما جرى بينه وبين الدب وأخبره أن المكارم لا تكون إلا من الكرام وأن انتهاز الفرصة في وقت الذلة سيما اللئام وأن السعي لإزالة الحقد محموده والمشي في طلب صفاء ذات البين موارده عند الكرام موروده. وأنت أيها العادل من أهل الصلاح وسيمتك الخير والنجاح وأعلم أن لو كانت هذه الزلة في شيمتك صدرت منه لسعيت له لأجل التجاوز عنه وإن كان الرئيس متصفاً بصفتك إلا أنه بوجودك معنا لا يخرج عن مشيمتك. فلما سمع منه العادل هذا الكلام اعتدل واستقام ووثب معه وقام وتوجها إلى الرئيس واعتذر له من جهة الوزير وقال له: إن كنت ممن يحب المشاغبة والمتاركة والجزاء على أمثال هذه المشاركة فهذا غير الجبلة والفطرة لأن الوزير ما قام بما قال إلا موافقة مراد مولانا خوف أن يستغشه في الصحة وبعد التبين يتكلم بالمحبة على أن الوزير صرح بأن هذا ما صدر منه إلا في معرض السهو والخطأ وما عني الأذى والإختطا.

стр. 69

أقر بالذنب ثم اطلب تجاوزه ... فإن جحود الذنب ذنبان ومع هذا فهو واقف موقف الندم يرجو عفو مولانا فيما زلت منه فيه القدم وما زال يتعاطى أسباب الموجبة للصفاء والمودة وتأكيد المحبة والصحبة حتى انعقدت بينهما كما ينبغي وتأكدت كما يجب. ثم توجه العادل ومبارك الميلاد وصحبته الوزير إلى حضرة املك ووقفوا في مقام الخدمة والشفاعة في الرئيس إلى أن عطفت عليه جوانحه ووقع كلامهم منه في محل القبول فأمر بإحضاره فحضر مكبلاً في حديده مغبراً في صعيده ووقفوا به في مقام الخدمة والخجل والإفتقار فقال الملك: أما سمعت يا رئيس قول القائل إياك وما يعتذر منه وقالت الحكما: إذا كان أحد في خدمة الملك فينبغي أن لا يفوه بكلمة حتى يشيرها أولاً بميشار الفكر ويقيسها بمقياس العقل ويزنها بميزان الحكمة ويعايرها بمعيار التدبير ثم يعبر عنها بأرشق عبارة وألطف خطاب ولا يتكلم بكلمة تورثه الندامة وتعقبه الملامة كما جرى لرأي ملك الهند مع محذومه فقال الحاضرون: أخبرنا يا ملك الزمان عن كيفية هذه الحكاية.

стр. 70

قال الملك: بلغني أن ملك الهند كان في خدمته نديم فاضل ثقيل الرأس خفيف الروح فكان في بعض الليالي في خدمة مخدومه فطلب منه أن يحدثه بأحاديث مختلفة ثم جرى على لسانه أن قال: رأيت في عراق العرب حيواناً في شكل الطير والجمل يأكل الحصا فتذيبه معدته ويبتلع الحديد المحمي قلا يضره فأنكر الحاضرون ذلك وقالوا حيوان من لحم ودم يأكل النار لا يتصور ووافق الملك على ذلك فخجل النديم وتندم على حكاية ذلك وودان لو كان لم يذكر هذا الحديث، ولزم من هذا أنه يتوجه إلى عراق العرب فوصل إلى بغداد وحصل من النعام عدة وتكلف في حملها وإيصالها إلى بلاد الهند وأنفق عليها أموالاً عديدة وتحمل ما ادعاه حتى وصل إلى الهند وأخبر الملك بذلك فأحضر ما وصل من النعام بين يديه وطرح الحديد المحمي والحصا أمامها فما تتمالك أن أكلت منه فتعجب الحاضرون من ذلك وصدقوا فقال

стр. 71

النديم: يا مولانا الملك أنفقت أموالاً كثيرة وقاسيت مشقة عظيمة حتى ظهر صدقي فقال الملك: نعم ما فعلت ولكن كلام يحتاج قائله إلى إنفاق أموال جسيمة وتحمل مشقة عظيمة وتعب البدن والروح وصرف مدة من العمر لا يتفوه العاقل به. وإنما أوردت هذه الحكاية ليتأدب جلساء الملوك وندماؤهم لئلا يفعلوا شيئاً يحتاجون معه إلى غيرهم أو إلى مكث في الحبس واستعمال جماعة من الأصحاب في السعي إلى تدارك ما يترتب عليه من الخزي والنكال وتحمل منتهم وجميلهم، فقام مبارك الميلاد وقبل الأرض وقال: يا مولانا الملك كل هذا سعادتك وبركة ملاحظتك، وكان سعد الرئيس قد أدبر فانعكس عليه أمره فلما أقبل سعده استقام أمره ونظير هذه الحكاية حكاية الملك كسرى مع غريمه اسد: وكيف كانت تلك الحكاية؟ قال مبارك الميلاد: خرج على كسرى بعض الملوك وجاهره بالعصيان وابتدر لمحاربته فاستعد كسرى وتوجه لقتاله وتواقعا الحرب فيما بينهما فانكسر ذلك الملك الخارج عليه ونصر كسرى عليه فقبض عليه وتفرقت عساكره كلها وحمل إلى كسرى مغلولاً مذلولاً فعاتبه ثم من عليه وأعتقه، فلما تفرقت عساكره التمس من كسرى أن يقيم عنده تحت كنفه أياماً إلى أن

стр. 72

يختار التوجه بنفسه فأنعم له بذلك وأنزله في حديقة يانعة مشتملة على نخيل وأشجار وأزهار وأنوار فالتمس من صدقات كسرى من بين تلك النخيل نخلة يابسة فاستخف كسرى عقله وقال أنا وهبتك هذا البستان برمته قال: لا أريد إلا نخلة يابسة فأنعم له بذلك أيضاً وكان كل يوم يجلس تحتها. ومر على هذا مدة إلى أن جاء الأوان فاستأذن كسرى في التوجه إلى مملكته فسأله كسرى عن ذلك فقال: يا مولانا إن طالعي كان قد انعكس وسعدي أدبر وكل حركاتي كانت غير سديدة ولو كنت توجهت قبل ذلك ما انتظم لي أمر ولا صلح لي حال ولا استقام لي رأي فجربت أمري بجلوسي تحت تلك النخلة اليابسة فإني كنت لفقت من أقوال الحكما أن السعد إذا أقبل يصير اليابس أخضر فكنت أجرب ذلك إلى أن رأيت هذه النخلة اليابسة قد اخضرت فعلمت أن السعادة قد أقبلت والنحوس أدبرت والأمور استقامت فعلمت استقامة أمري ونفوذ قهري فرجعت لذلك وطلبت دستوراً إلى من هنالك.

стр. 73

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن استقامة أمورنا إنما هي من سعادة مولانا الملك وقوة سعده ولمن طلعته وطالعه وكما أن الرعية لا يستقيم لها حال إلا بالملك كما قيل شعر: إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكه بالويل والحزن كذلك الملك لا يكون ملكاً إلا بالرعية والله تعالى قد أحوج الصغير للكبير ليسوس أمره وأحوج الكبير للصغير ليخدمه. ونظير هذه الحكاية حكاية الشبيطر مع العصفور في زمن سيدنا سليمان ﵊ وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال الأسد: أخبرنا كيف كانت تلك القضية؟ فقال مبارك الميلاد: قيل إن سليمان ﵇ كان يوماً في سيرانه فمر على شجرة دلب عليها وكر شبيطر وقد عشش في وكره عصفور وهما يتخاصمان في شأن ذلك فقال الشبيطر للعصفور: اشكر لي ولجواري إذ لولاي ما أبقتك الحية ولا شيئاً من فراخك وأنا أحميك شرها وأمنعك ضرها، فقال له العصفور أنت أيضاً أشكر لي صنعي إذ لولا أحاطني بك لما أبقى النمل من فراخك شيئاً فكل منهما يمن على الآخر بجواره. ثم قال ا؛ دهما للآخر نحن كلنا ندعو لنبي الله سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام إذ هو ملك العصر ونحن في أمان به ونحن كذلك نحمد الله تعالى ونشكره ونكثر الدعاء لمولانا الملك بدوام أيامه حيث ملكه الله علينا إذ هو ملك الوحوش الأكابر والأكاسر الضواري للكواسر وشامل بفضله المساكين والأصاغر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 74

الباب الرابع في ذكر العنز المحتال والكلب الزكي

стр. 75

فراغ
следующие страницы →