← Адаб

Адаб · id 8305

مرزبان نامه

اسبهبد مرزبان

Полный текст (228 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

النديم: يا مولانا الملك أنفقت أموالاً كثيرة وقاسيت مشقة عظيمة حتى ظهر صدقي فقال الملك: نعم ما فعلت ولكن كلام يحتاج قائله إلى إنفاق أموال جسيمة وتحمل مشقة عظيمة وتعب البدن والروح وصرف مدة من العمر لا يتفوه العاقل به. وإنما أوردت هذه الحكاية ليتأدب جلساء الملوك وندماؤهم لئلا يفعلوا شيئاً يحتاجون معه إلى غيرهم أو إلى مكث في الحبس واستعمال جماعة من الأصحاب في السعي إلى تدارك ما يترتب عليه من الخزي والنكال وتحمل منتهم وجميلهم، فقام مبارك الميلاد وقبل الأرض وقال: يا مولانا الملك كل هذا سعادتك وبركة ملاحظتك، وكان سعد الرئيس قد أدبر فانعكس عليه أمره فلما أقبل سعده استقام أمره ونظير هذه الحكاية حكاية الملك كسرى مع غريمه اسد: وكيف كانت تلك الحكاية؟ قال مبارك الميلاد: خرج على كسرى بعض الملوك وجاهره بالعصيان وابتدر لمحاربته فاستعد كسرى وتوجه لقتاله وتواقعا الحرب فيما بينهما فانكسر ذلك الملك الخارج عليه ونصر كسرى عليه فقبض عليه وتفرقت عساكره كلها وحمل إلى كسرى مغلولاً مذلولاً فعاتبه ثم من عليه وأعتقه، فلما تفرقت عساكره التمس من كسرى أن يقيم عنده تحت كنفه أياماً إلى أن

стр. 72

يختار التوجه بنفسه فأنعم له بذلك وأنزله في حديقة يانعة مشتملة على نخيل وأشجار وأزهار وأنوار فالتمس من صدقات كسرى من بين تلك النخيل نخلة يابسة فاستخف كسرى عقله وقال أنا وهبتك هذا البستان برمته قال: لا أريد إلا نخلة يابسة فأنعم له بذلك أيضاً وكان كل يوم يجلس تحتها. ومر على هذا مدة إلى أن جاء الأوان فاستأذن كسرى في التوجه إلى مملكته فسأله كسرى عن ذلك فقال: يا مولانا إن طالعي كان قد انعكس وسعدي أدبر وكل حركاتي كانت غير سديدة ولو كنت توجهت قبل ذلك ما انتظم لي أمر ولا صلح لي حال ولا استقام لي رأي فجربت أمري بجلوسي تحت تلك النخلة اليابسة فإني كنت لفقت من أقوال الحكما أن السعد إذا أقبل يصير اليابس أخضر فكنت أجرب ذلك إلى أن رأيت هذه النخلة اليابسة قد اخضرت فعلمت أن السعادة قد أقبلت والنحوس أدبرت والأمور استقامت فعلمت استقامة أمري ونفوذ قهري فرجعت لذلك وطلبت دستوراً إلى من هنالك.

стр. 73

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن استقامة أمورنا إنما هي من سعادة مولانا الملك وقوة سعده ولمن طلعته وطالعه وكما أن الرعية لا يستقيم لها حال إلا بالملك كما قيل شعر: إذا غدا ملك باللهو مشتغلاً ... فاحكم على ملكه بالويل والحزن كذلك الملك لا يكون ملكاً إلا بالرعية والله تعالى قد أحوج الصغير للكبير ليسوس أمره وأحوج الكبير للصغير ليخدمه. ونظير هذه الحكاية حكاية الشبيطر مع العصفور في زمن سيدنا سليمان ﵊ وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم فقال الأسد: أخبرنا كيف كانت تلك القضية؟ فقال مبارك الميلاد: قيل إن سليمان ﵇ كان يوماً في سيرانه فمر على شجرة دلب عليها وكر شبيطر وقد عشش في وكره عصفور وهما يتخاصمان في شأن ذلك فقال الشبيطر للعصفور: اشكر لي ولجواري إذ لولاي ما أبقتك الحية ولا شيئاً من فراخك وأنا أحميك شرها وأمنعك ضرها، فقال له العصفور أنت أيضاً أشكر لي صنعي إذ لولا أحاطني بك لما أبقى النمل من فراخك شيئاً فكل منهما يمن على الآخر بجواره. ثم قال ا؛ دهما للآخر نحن كلنا ندعو لنبي الله سليمان عليه أفضل الصلاة والسلام إذ هو ملك العصر ونحن في أمان به ونحن كذلك نحمد الله تعالى ونشكره ونكثر الدعاء لمولانا الملك بدوام أيامه حيث ملكه الله علينا إذ هو ملك الوحوش الأكابر والأكاسر الضواري للكواسر وشامل بفضله المساكين والأصاغر وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 74

الباب الرابع في ذكر العنز المحتال والكلب الزكي

стр. 75

فراغ

стр. 76

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في ماشية راعي وعنز فحل يستطيل على الماشية ضرباً ونطحاً وزاد ضرره إلى أن عجز عنه الراعي فأتى به إلى السوق ليبيعه فرآه القصاب فبادر إليه ليشتريه فنظر المحتال فرأى شخصاً منكر الصورة بثياب رثة وعمامة دنسة وعلى حزامه سكاكين معلقة قد مد إليه يداً ملطخة بالدما فارتاع منه وارتعش وأدرك منه بالفراسة أن سيهلكه فتحزر منه فاشتراه القصاب وجذبه إلى المذبح، فلما أدخله فيه رأى شقات اللحم معلقة ورؤوس الغنم مطروحة وجلودها ملأ المكان والدماء سائلة فتحقق ما ظنه، فما توقف القصاب حتى ألقاه إلى الأرض وربط رجليه وأخرج السكين ليذبحه فوجدها كليلة فتوجه لأخذ المسن فلما وجد المحتال الفرصة تمطى في الحبل المربوط به وقطعه وانتصب قائماً وخرج من المسلخ هارباً لما رأى من فجعة الموت وطلب مكاناً خالياً فأدى به الطريق إلى البستان بجوار بيت القصاب فوجد باب البستان مفتوحاً فدخله والقصاب خلفه وبيده السكين مسلولة، وكان بين امرأة القصاب والبستاني عشق وشغف

стр. 77

ومخايلات وكانا كلما وجدا فرصة للوصال انتهزاها، فاتفق أن زوجة القصاب كانت قد أتت إلى عشيقها واجتمعت عليه وقد كانت خواطرهم مطمئنة لعلمهم باشتغال القصاب في مصالحه وصناعته ولم يكن له عادة بالدخول إلى بيته في ذلك الوقت قصدا البستان فكانا أمنين على أنفسهما، فأخذ المحتال على مكانهما يجري وكانا إذ ذاك متعانقين والقصاب وراءه فلم يشعر كل منهما إلا وقد رآهما القصاب وبيده السكين مسلولة فلم تشك زوجته وصاحبها في أنه قاصدهما للقتل فنهضا قائمين يدفعان عن أنفسهما واشتغل كل منهما بصاحبه يتقابضان ووقع الصياح واجتمع عليهم الناس واشتغل القصاب بذلك وذهل عن المحتال واستمر يجري هارباً فوجد ثقباً في حائط البستان فخرج منها وقصد الصحرا والتجأ إلى مغارة في جبل هناك كان الراعي يأوي إليه فدخل إليه وأقام إلى الليل منتظراً ما يحدث من الزمان إلى أن

стр. 78

أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح فخرج خائفاً يترقب ويطلب له أنيساً يأوي إليه فجعل يرعى وهو خائف إذ سمع نباح كلب فقصده فلما رآه وسلم عليه سلام مشتاق ثم قال له: أيها الرفيق الصالح أعلم أن المقادير قد جمعتنا على غير ميعاد وكل غريب للغريب يألف وأنت متفضل على كثير ممن لبس الثياب وركب الفرس وقام وحرس وأنت صالح للصداقة والأخوة والوفاقة وإن كانت الجنسية مختلفة لكن القلوب بحمد الله مؤتلفة وبيننا منك مواثيق ولك علينا منن لحفظك لنا ولراعينا والوثوب على من يقصدنا بسوء وحراستنا في الليالي إلى الصباح فأخبرني ما اسمك وما شأنك ومن أين مجيئك؟ فقال الكلب: أما اسمي فزكي وأما شأني فإني كنت أعرى ماشية فأضللناها وأنا أطلبها ومجيئي من بيت صاحبي لأجلها. قال المحتال أنا من حيث رأيت طلعتك رغبت فيك ورأيت أنوار الذكاء تلوح عليك وتفيض حتى نزلت على الأرض وطلبك لصاحبك يدل حسن وفائك وحفظ عهود صاحبك وكمال مروتك وأرجو من الله تعالى أن يعطفك علي لترغب في صحبتي وصداقتي فإني شممت فيك الخير وسررت بملاقاتك وسترى من صحبتي ومودتي وخدمتي ما يسرك ويشبعك ويؤيد رغبتك في موافقتي وتمحو محبة الآدميين من لوح ضميرك، فإنك أذهبت عمرك في خدمتهم والقيام بحقوقهم وحفظ مواثيقهم وأموالهم

стр. 79

ودورهم وجيرانهم مع قناعتك منهم بما فضل عنهم من كسرة خبز شعير وعظمة يابسة، وقد أضاعوا حقوقك ونفوا خدمتك وأقاموا حدودك حتى لو مددت فمك إلى زادهم شجوا رأسك بالحجارة والعصا ولو ولغت في أنائهم ما قنعوا في طهارته بغسله مرة أو مرتين بل غسلوه سبع مرات وكمنوه بالتراب، وأنا أرجو أن تكون سلطان وحوش هذه الأماكن والقفار بحيث يكونون كلهم تحت حكمك وترتفع من الحضيض إلى الأوج ومن هوان العبودية إلى عز الحاكمية وأنا أساعدك على ذلك فإن لك علي فضلاً وعلى أمثالي بل وعلى أعظم منهم وهذا لا ينكره أحد ونحن معك على مدى الزمان كما قيل: بقاؤك فينا نعمة الله عندنا ... فنحن بأوفى شكره نستديمها قال الزكي: إن جميع ما قلته صادر عن محل الصدق وخلوص الطوية ونحن بيننا مودة من قديم الزمان تكاد تصل إلى حد القرابة ولم تزل المحبة بين آبائنا وآبائكم وأجدادنا وأجدادكم وقد قيل الحب يتوارث والبغض يتوارث. أما هذا الأمر الذي خطر ببالك

стр. 80

والقصد الذي فكرته أمر عظيم يقصر عنه أكبر منا عمراً وأكثر منا فضلاً ومن أين لنا ذلك وكلانا مفلس؟ قال المحتال: أما سمعت قول القائل: المرء يطير بهمته كالطير يطير بجناحيه: وأنا بعناية الله اجتهد إلى أن تصل إلى هذا القصد كما تحب ونحب ولي عليك شرط وهو أنك تترك أخلاقك المنفرة للوحوش عنك والحرص وتعف عن أكل لحوم الحيوانات إلى أن تتمكن وتتعاطى أسباب الزهد والصلاح والعفة بحيث تطمئن خواطرهم إليك ويأمنون على أنفسهم وأولادهم وقد بلغت مقصودك ثم بعد ذلك تتعاطاهم بالرفق واللين وحسن السياسة وقد ملكت قلب الصغير والكبير. قال الزكي: يا أخي هذا أمر محال ولا تعلق آمالي بشيءٍ لا ينال وكل من علق آماله بشيءٍ بعيد المنال وطمع في غير مطمع النوال أصابه ما أصاب مالك الحزين. قال المحتال وكيف كان ذلك الأمر؟ قال الزكي: ذكروا أنه كان في بعض الغياض جانب نهر يأوي إليه مالك الحزين وكان يتقوت من حشائش ذلك المكان فاتفق أنه أقام مدة أيام فلم يتحصل له شيءٍ يتقوت به فتطلب في نواحي الماء فوقع على سمكة صغيرة فلقفها وأراد ابتلاعها فقالت له: يا أخي أعلم أني بنت ملك هذا النهر وليس لأبي غيري وقد قيل في المثل مثل البرغوث ودمه والعصفور ودسمه لا يغني شيئاً وأنا لا أقع منك موقعاً ولا أسد لك جوعة فإن عاهدتني أحلف لك بالإيمان المغلظة أنك إن أطلقتني يحمل لك أبي الجميل ويلتزم لك كل يوم بعشر سمكات تأتيك هنية من غير تعب ولا مشقة، فلما سمع الطائر ذلك داخله الطمع وغلب عليه السرور إلى أن قال: كيف؟ قلت: فبمجرد ما فتح الطائر فمه بالكاف سقطت السمكة من فيه وذهبت، فلم يحصل له شيء غير الحرمان.

стр. 81

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الطمع لا يوجد منه سوى وجع الخاطر وتفريق الفكر والحرمان فافتكر يا أخي في عقبي هذا الأمر قبل الشروع فيه، قال المحتال: نعم ولكن إذا ساعدني تقدير الله تعالى فكل شيء شرع الإنسان فيه نتج وتهيأت له أسباب حصوله من غير منة ولا قوة فلا تهتم أنت بهذا الأمر فإني رأيت فيك مخايل ذلك، فقال الزكي: يا أخي كف عن هذا الأمر قبل الشروع فيه فإن كل من طلب زيادة من الكفاف وقع في التعب وصار مثله مثل الذي يأكل ولا يشبع وأعلم أن لكل جمع تفريقاً ولكل صعود هبوطاً ولكل زيادة نقصاناً وأنا ما رأيت أحسن من القناعة وناهيك مثل صاحب الغنم، قال المحتال: من هو وما قصته؟ قال الزكي: إن صاحب الغنم التي كنت أحرسها كان له من الغنم ألف رأس فقط وكان عنده من المال ما يقدر بع على ألوف عديدة من الغنم وكل وقت تزداد مواشيه، غير أن صاحبي كان من عادته إذا زادت مواشيه، على ألف تصدق بالزائد ووهبه للفقراء وأخرجه عن ملكه بنوع من أنواع التصرفات الخيرية ولا يزيد على عدد الألف أبداً. فاتفق أن راعيها سأله عن سبب ذلك فقال له أعلم أن أعلى مراتب الأعداد الألف فإذا جاوز الإنسان الأعلى هبط إلى الأدنى وما دام الإنسان قانعاً فهو مستريح.

стр. 82

وكم رأيت أصحاب الألوف عدموها ولم يبق معهم منها واحد وأنا غنمي هي هي لا تزيد ولا تنقص. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن القناعة راحة البدن وتخفيف في الحساب وتقليل في الهموم ومع ذلك فجميع أصحابي وأقراني يحسدونني ويبغضونني ويتعاطون أسباب هلاكي والأولى والأليق أنني لا أفعل شيئاً يؤدي إلى ذلك قال المحتال ما أحسن ما نظرت وأيمن ما أشرت ولكن كن كما قيل: إذا هم الفتى بين عينيه عزمه ... ويكسب من ذكر العواقب جانبا ثم إذا كان قصدك في الأمور جميلاً فلا تخش من حاسد ولا تتوقع الأذى من عدو فضلاً عن صديق، وإذا كان الله معك فلا تبال بأحد ولا زالت الناس تطلب الترفع على الأقران والمنازل العلية على غيرهم وإذا كانت مقاصد الإنسان سيئة كانت عواقبه وخيمة وحالاته ذميمة ولو نال قصده. وأنا لولا شاهدت فيك الخير وإشاراته ما أشرت عليك ورأي أن تشرع في هذا الأمر متوكلاً على الله تعالى، قال الزكي: إذا كان الأمر كذلك فإني فوضت إليك مقاليد هذا الأمر فافعل فيه ما تختار وقدم الاستخارة ولا تتوان وكن ثابت القدم ولا تقصر في السعي ما وصلت القدرة إليه فلعل الله تعالى يساعد على ذلك، قال المحتال: فإياك أن تتردد في أمر من الأمور أو يخطر ببالك خوف من شيء بل دم على حالة واحدة حتى تتم لك هذه الأمور ولي عليك شروط أقدمها بين يدي الشروع في المقصود فإن اليوم كلامي معك متيسر فإذا عليت مرتبتك وصرت سلطاناً فلا يليق التكلم معك إلا على قاعدة الملوك وإذا لم استوف كلامي معك في وقت الحاجة اختل النظام. قال الزكي: نعم وليت، ولكن أنت مرتبتك عندي علية

стр. 83

ومكانتك عندي متميزة سمية وإذا لم يراع الشخص رفيقه في الشدة فلا خير فيه في الرخاء، وإذا كان كذلك فأنا أطلق لك الإذن في الكلام فيما اخترت وكيف ما شئت. قال المحتال: أول شروطي عليك أن لا تقرب المؤذي ولا قول العواني ولا تقربهما إليك ولا تلتفت إلى كلامهما، الثاني لا تعجل في فصل الخصومة حتى يتبين لك حقيقتها ومحقها ومبطلها وكل قضية تكون في عقباها ندامة لا تعلمها بالعجلة، الثالث لا تعود لسانك فحش الكلام وسب الناس فإن ذلك ينفرهم قيل: إن عيسى ﵇ مر بجيفة وكان مع حواريه فذكر كل منهم قباحتها ونتنها فقال عيسى ﵇: ما أشد بياض أسنانها فقيل له في ذلك فقال: لا أعود لساني الفحش، الرابع لا تصغي إلى سماع فاحش الكلام كما لا تعود لسانك قوله ولا تعود سمعك الإصغاء إليه، الخامس التحبب إلى الرعية بكل ما تصل إليه قدرتك، فإن السلطان إنما هو سلطان بالخدمة وكل ملك أحبته رعيته دام سلطانه وأعلم أن العدو القديم لا يأتي منه صديق وبأدنى شيء تفسد صداقته كما أنه بأبعد شيء حصلت مودته لا سيما إذا كان في الوسط حسود أو نمام وناهيك قصة الفأرة مع القط. قال الزكي كيف كانت تلك القضية؟ قال المحتال ذكروا أن

стр. 84

رجلاً فقيراً كان في بيته قط قد رباه مثل الولد فكان القط لا يفارق بيت صاحبه ولأجل فقره كان بيته خالياً عما يتقوت به القط فحصل له بسبب ذلك ضعف البدن بحيث سقطت قواه وعجز عن الصيد وكان في بيته وكر فأرة ولها منفذ إلى بيت جاره وهو رجل سمان وعنده أنواع المأكولات فكانت الفارة تنقل من السمن ومن طيب المأكولات وبواسطة ضعف القط كانت تقوى على الدخول والخروج إلى البيت، فتفكرت الفارة يوماً من الأيام في أن القط وإن كان عاجزاً عن معاناة الصيد الآن ربما حصلت له قوة في المستقبل لأن الدنيا لا تدوم بحالة واحدة كما قيل: هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذار من بطشي وفتكي فلا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي فإذا حصل له في نفسه قوة يمنعها من الدخول والخروج ويكون في نفسه حقد لها لما كان يراه من سالف حاله وحالها فأداها فكرها إلى مصادقته في حال ضعفه وتهدي إليه ما يتقوت به فربما يرجع عن غيظه ويفيدها ذلك في المستقبل فحملت من أنواع المأكولات ما قدرت على حمله وجاءت إلى القط وسلمت عليه سلام مشتاق وسألته عن خاطره وقالت: يعز علي أن أرى أبا عروان في هذه الحالة وهنا شيء بالمزيد وقد عزمت على مصادقتك فإن سمح خاطرك الكريم بالرغبة في مصادقتي ورفع العداوة القديمة وتأكيد ذلك بالإيمان التي يطمئن بها الخاطر فأنا أحمل كل يوم إلى حضرتك غداءٍ أو عشاءٍ يكفيك مؤونة التكسب وترجع نفسك إليك، فرغب القط في ذلك وحلف لها وتأكدت بينهما الصداقة وصارت الفأرة كل يوم تنقل إليه ما يكفيه إلى أن نصل من ضعفه وقوى وسمن وانعقدت بينهما الصحبة وتأكدت وانقطع القط إلى

стр. 85

محبة الفارة وكان للقط من الأصحاب القدماء ديك فلما رأى الديك انقطاع القط إلى الفأرة داخله الحسد فسعى في فساد ما بين القط والفأرة إلى أن غلبت العداوة القديمة وتحركت دواعي البغض والشيمة فعدى القط على الفارة. وهي آمنة وقتلها وأكلها. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم مواقع الصداقة والعداوة فتضع كلاً منهما في محله. قال الزكي: جزاك الله خيراً فلقد بالغت في النصيحة وأبلغت في العبارة. قال المحتال: ولي عليك شرط آخر قال: قل ما شئت! قال: أريد أن تكون مكانتي عندك علية وحرمتي موفورة وفية بحيث تكون لي كلمة نافذة وهيبة ساطعة وسطوة جامعة وحرمة يانعة من ابتداء اليافعة وأكون مميزاً على من دوني من خدمك، فإن حرمة الخادم من حرمة مخدومه وإذا ابتذل المخدوم خادمه وتركه وراء ظهره لا يلتفت إليه أحد ممن هو دونه، والملك إذا ألقى حرمة وزيره احتقرته الرعية وكان مثله مثل بنت الزاغة. قال الزكي: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال المحتال: ذكروا أن زاغة كان لها بنت قد نشأت في غاية الحسن والجمال وكانت أولاد الطير يخطبونها من أمها وكانت أمها تخفيها وتخاف عليها من زوج يتعبها ولا يهنيها فتأبى عليها ولا تزوجها لأجل ذلك، إلى أن خطبها فرخ بومة كان بين أمه وبين الزاغة صداقة قديمة فرغبت فيه لأجل ذلك ثم قالت لبنتها: يا ابنتي

стр. 86

إن أولاد ملوك الطير خطبوك وأنا أخشى أن أزوجك لمن لا يعرف مقدارك فلا تستريحي معه وقد خطبك ابن صاحبتي القديمة فلانة البومة وهي تحت أمرك وطوع يدك ومعك كما تحبين، مع أنه ليس في الطير من ينصره علينا ولا يقوم معه إذا أراد أن يظلمنا فإن الطيور جميعها تكرهه فما ترين؟ قالت يا أماه إن الله تعالى يقول: الرجال قوامون على النساء وقال وللرجال عليهن درجة ولقد حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ماذا صنعك بزوج ليس له همة ذليل بين الأصحاب هذا يخطفه وهذا ينتفه وهذا ينقره وإذا لم يكن للزوج حرمة عند زوجته وفي بيته وبين أقرانه فأي حرمة تكون لزوجته عنده فضلاً عن جيرانها وأصحابها، ومقدار المرأة إنما يعرف من مقدار زوجها وكيف يكون حالي إذا تزوجت بزوج مقل ذليل ورجل مفلس حقير بين أخوتي وصويحباتي وأمثالي سيما وأنا من أبرعهم في الجمال ومن أحسنهم في القد والاعتدال وإذا كان الأمر هكذا فأنا لا أرغب في هذا الأمر. وإنما أوردت لك هذا المثل لتعلم أنه لو لم يحصل لي إدراك حرمة بارتفاع منزلتي على أقراني واعتبار شأني من بين إخواني فلا الصديق يرجوني ولا العدو يخافني ويتعدى الوهن مني إلى وهن مخدومي. فقال له الزكي: أبشر بالرتبة العلية والدرجة السنية والكلمة المسموعة والأمر المطاع ولكن أعطيك جميع ما اشترطت علي وأوصيتني به وإلا أكن كما قال الله تعالى: (لم تقولون ما لا تفعلون) وإياك

стр. 87

أن تدلني على مظلمة أو توقعني فيما نهيتني عنه أو تقبل الرشا على الحكم لتظلم الرعية وتميل إلى الأغراض الدنيوية ولا تبني أمورك إلا على التقوى فإنها لك قوى، وأعلم أن الأمور إذا أريد بها وجه الله تعالى فإنها تفلح وإذا دخلها هوى النفس والغرض الفاسد فإنها لا تتم أبداً ويصير مثلها كمثل الرجل مع الشجرة، قال المحتال: وكيف كانت تلك القضية؟ قال الزكي: ذكروا أنه كان في أقصى بلاد الصين شجرة تعبد من دون الله تعالى وقد ضل بها كثير من الناس وكان قد دخلها شيطان يخاطبه الناس من وسطها وكانت في غاية الخضرة والنضارة، فقدم تلك البلاد رجل صالح مسلم فلما رأى الناس وما هم فيه من عبادة الشجرة أخذته غيرة الإسلام فحمل فاساً وتوجه لقلعها فلما وصل إليها وأراد أن يضرب ساقها ناداه الشيطان من وسطها وقال له: يا أيها الرجل الصالح ماذا تريد؟ قال: أريد أن أقطعك وأريح الناس منك ومن ضلالك فإنك لا تضرين ولا تنفعين وقد أضللت كثيراً من الناس فقالت: لا تفعل فإنك رجل فقير وما عليك مني فارجع وأنا أتكفل لك كل يوم بخمسة دنانير تحت فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة فراشك إذا قمت من نومك فخذها وأنفقها وتقوى بها على طاعة الله معبودك، فلما سمع الصالح هذا القول داخله الطمع وانكسرت مروءته ورجع فنام فلما أصبح رأى تحت وسادته خمسة دنانير

стр. 88

واستمر على ذلك عدة أيام ثم إنه فقد ذلك ولم يجد شيئاً فأخذ الفأس وتوجه إلى الشجرة فلما دنا منها ناداه الشيطان وقال: لم جئت؟ قال: لأقطعك لأنك تعبدين من دون الله قال: ارجع فوالله إن دنوت مني لأقطعن عنقك بفأسك التي معك، أنت تظن أني لا أضر ولا أنفع فقد رأيت مني المنفعة حيث وجدت الذهب تحت الفرش ورأيت مني المضرة حين منعتك إياه وحرمتك منه وأذهبت حب الله معبودك من قلبك بحب الدنيا الفانية وأتلفتك بضياع سرك فإنك لما جئتني أول مرة كنت خالصاً لوجه الله فخشيتك وخفتك وهبتك ولو دمت على حالك الأول ما استطاع أحد ردك، وأما الآن فقد داخلك الهوى وشهوة النفس والأعراض الفاسدة فلا تقدر على نفوذ ما عزمت عليه أصلاً. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم فائدة من أراد وجه الله تعالى وكل عمل دليله الغرض الفاسد فلا يقدر أحد على إمضائه ويعقبه الندامة وكل من شرع فيما لا يعنيه أدى به ذلك إلى ما لا يرضيه، كما جرى لزوجة الحريري مع الإسكافي عشيقها. قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الزكي: ذكروا أنه كان حريري له زوجة تخجل الأقمار في كمالها والشمس قبل زوالها وكان يحبها محبة عظيمة واتفق أنه كان بجواره شاب إسكافي يخجل الغصن بقامته والمسك بشامته وبينه وبين زوجة الحريري ما يكون بين العشاق والخلان، فكان الحريري قد شم روائح ذلك ولغلبة حب المرأة كان يتغافل عن ذلك فرأى يوماً مع الصياد طيراً في شكل حسن، فسأله عن أمره فقال: هذا الطائر مع حسن شكله يخبر صاحب البيت عن أفعال زوجته فاشتراه وأتى به إلى منزله فسألته زوجته عن حال الطير فقال لها:

стр. 89

احتفظي به وأكرميه فإن من خاصيته أنه مهما رأى في بيت صاحبه أخبره به ثم خرج إلى دكانه بالسوق فدخل الإسكافي فرأى عند عشيقته هذا الطائر الغريب الشكل فقالت له: ذكر زوجي أن له من الخواص كذا فقهقه الإسكافي وقال: صدق من قال إن النساء ناقصات عقل وروادها عن نفسها فقالت: إن الطائر يفتن علينا فاقسم أنه لا يجامعها إلا بحضرته وإذا فرغ يمسح ذكره في رقبته ففعل وكان الطائر جائعاً وهو من الجوارح، فلما رأى ذكره تصور أنه قطعة يلحم فنط وأخذه بمنقاره ومخلابه وقبض عليه قبضة عنيفة وثيقة فاستغاث بالمرأة أن تخلصه فلم تقدر فأشار عليها أن تكشف فرجعها وتدنو من الطائر لربما أنه يطمع فيه فيترك ذكره ليقبض عليه فتخلص بذلك ففعلت فلما رآه الطائر قبض على فرجها أيضاً بمخلاب يده الأخرى طمعاً في أنه إذا أكل ما في فمه أكل الآخر وشد عليهما شداً وثيقاً، فبينما هما كذلك إذ حضر الزوج ودخل عليهما فرآهما على تلك الحالة العجيبة فقبض عليهما وفعل معهما ما يجب فعله عليه من السب والضرب والتشبع. وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن الإنسان لا ينبغي له أن يسعى

стр. 90

في شيء لا حاجة له به ولا يصغي لمن يتكلم في شيء من ذلك، قال المحتال: قد طالت المحاورة ولم يبق إلا الشروع في المقصود وتقديم الاستخارة وتعاطي أسباب ذلك. وكانت هذه المحاورات تحت شجرة فيها وكر حمامة وقد سمعت جميع ما جرى بين الزكي والمحتال من المحاورات والمناظرات فافتكرت في نفسها وعلمت أنه سيصير له شأن عظيم فأداها افتكارها أنها تسارع إلى التقرب منهما فربما تنال مقصودها بسببهما إذا ارتفع شأنهما، فإن محاورتهما صادرة عن معرفة ورأي وتدبير فسارعت إليهما ونزلت كما قيل شعر: هبطت إليك من المقام الأرفع ... ورقاء ذات تعزز وتمنع ونزلت وابتدأت وقبلت الأرض بين يدي الزكي ووقفت في مقام الخدمة وابتدأت بالتهنئة والسرور والبشارة والحبور وقالت: قد سمعت مناجاة مولانا الملك وحضرة الوزير وكل ما قالاه صادر عن مشكاة السعادة وموافق مراتب السيادة وقد أحببت أن أكون مساعده فإني خل وافي وخادم كافي وصديق مصافي، فاستبشرا بورودها واقتضى رأيهم إرسالها لدعوة الطيور وامتثالهم بذلك وتطيب خواطرهم وتسكين قلوبهم وتنادي أن الزكي قد صار ملك الوحوش والطيور فليدخلوا تحت طاعته ولهم الأمن والرعاية والأمان والحماية وتصحب منهم جماعة كثيرة لنأخذ لهم العهد والميثاق، فأسرعت الحمامة إلى ذلك ورأت من الطيور والوحوش جماعة كثيرة فسلمت عليهم سلام مشتاق فتلقوها بالترحاب

стр. 91

والإكرام ثم سألوها عن موجب قدومها فقالت: الاشتياق وما حدث في عالم الكون وأخبرتهم بمحاسن الزكي والمحتال وما هما عليه من الفقه والدين وما قد عزما عليه وأن الزكي قد صار ملكهم وحامياً لحوزتهم ونادت فيهم بذلك فأجابوا كلهم بالسمع والطاعة واتباع السنة والجماعة وأخذوا في التوجه إلى خدمة املك وأحضروا الهدايا وتوجهوا مع بعضهم إلى الزكي إلى أن دخلوا عليه وأكرمهم وأجلهم وأعطى كلاً منهم منزلته وبالغ في إكرامهم وأعطاهم العهد والميثاق أن لا يظلم أحداً منهم ولا يؤذيهم بغير حق وقرر كلاً منهم في وظيفته. ثم أخذ في استدعاء سائر الوحوش وأرسل الحمامة إليهم فقابلتهم وبغت الرسالة بأوفق عبارة وأرشق إشارة وتشاوروا فيما بينهم وذكروا فضائل الكلاب وخصائصهم وما فيها من صفات فضلت بها على غيرهم من الوحوش واتفقوا أن يسعوا له ويسمعوا كلامه ويطيعوه فقام، من بينهم أرنب مشهور بالذكاء والتمييز فابتدر من بين جماعة الوحوش وقال: أيها الأغمار الخارجون من الديار والعمران كيف يصلح الكلب للرياسة مع ما فيه من الخساسة؟ ولعن الله زماناً صار في الكلب سلطاناً، وذكر مساوئ الكلب وخساسته وأوصافه الدنيئة ونجاسته وأوصافه الخسيسة، فتصدت الحمامة للجواب وقالت بأفصح خطاب: إن الأصل والنسب لا يضران بالشخص إذا كان ذا حسب بأن تكون خصائله حميدة وحركاته مفيدة قال الله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا

стр. 92

أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون) والأصل في استحقاق الملك الهمة العلية والأخلاق الكريمة ومكارم الشيم، وأما الجنسية فغير معتبرة في بيان الهمم العلية، فكلب أصحاب الكهف بحسن الصحبة صار منهم وأضيف إليهم بالذكر معهم قال تعالى: (وثامنهم كلبهم) وناهيك بتفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب وفاؤه بحق صاحبه وحفظه على صديقه ومصاحبه وسهره الليالي وعفافه بالنهار ودوام خضوعه وإدمان خشوعه وأمانته وصيانته، والعاقل من تصفح أحواله وصفاته فإن رأى عيباً أزاله وأقلع عنه وإن رأى خيراً حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وناهيك بقصة اللص مع المرأة قال الأرنب: أخبرني بذلك؟ قالت الحمامة: ذكروا أنه كان لص مشهور بالسرقة بارع فيها بحيث أن الناس قد عجزوا عنه وأعياهم أمره، ففي بعض الأيام كان مختفياً يترقب الفرصة ليسرق من بعض الأماكن وإذا بالوالي مار ومعه امرأة خاطئة مسلسلة وهي تنادي وتستغيث وتقول يا أمة محمد أغيثوني أدركوني لا ذنب لي وأي شيء هو فوالله ما سرقت ولا نقبت ولا أخذت مالاً من أحد ولا قطعت الطريق ولا أنا لصة، فلما سمع الحرامي هذه المقالة من المرأة نبه وقال أف على صنعة تستنكف من فعلها الزواني وتتبرأ من النسبة إليها القحاب ثم إنه عاهد الله تعالى وتاب لوقته وحسنت توبته. وإنما أوردت هذا المثل ليعلم أن المقصود ممن حوى مكارم الأخلاق وتخلى عن كثافة الطباع اتباع هذا الملك وليعلم أنه لولا يستحق الرفعة بتخليه عن الرذائل وتحليه بأنواع الفضائل ما رفعه الله تعالى عليكم، وقد اشتهر ذلك عنه

стр. 93

وإطاعة سائر الوحوش والطيور فلا يرد الأخير أو أنا، أشر عليكم برأي لكم فيه إصلاح وسداد وهو أن ترسلوا معي قاصداً تختارونه فينظر مصداق ما قررته لكم ثم يأخذ لكم منه عهداً بما يقع عليه الاتفاق، فأعجبهم هذا الرأي وأرسلوا معه ظبياً عاقلاً لبيباً وتوجه مع الحمامة فلما قربا من المعسكر سبقت الحمامة وأخبرت بما وقع فتقدم المقدم وقبل الأرض وقال: أسأل صدقات الملك إذا وقع من القاصد سؤال أن أتصدى لجوابه بإجازتكم، فإن الصواب أن يكون في خدمة الملك من يرد الجواب عنه فربما حصل خطأ في الجواب فينسب إليه ذلك الخطأ فإن نسبة الخطأ إلى الخادم أهون من نسبته إلى المخدوم. فاستحسن الملك ذلك وأجاب إليه ثم إنهم تلقوا الظبي بالترحاب فلما وصل إلى حضرة الملك قبل الأرض بين يديه وأدى الرسالة بعد أن قرب من الحضرة وأذن له في جلوسه وخاطبه بما أزال دهشته وأبعد وحشته وأجاب سؤاله وأعطاه عهداً وميثاقاً بكل ما سأله لجماعة من الوحوش والغزلان وأن لا يريق لهم دماً ولا يهتك لهم حرماً وأنهم يرعون حيث شاءوا ويسرحون أينما أرادوا آمنين مطمئنين ثم قال الطير: يا مولانا الملك نحن قوم ضعاف مختلفو الأماكن متباينو الأجناس لم تزل العداوة بيننا قائمة ونار الفتنة مشتعلة فينا غير نائمة يمزق القوي منا الضعيف ويأكل القادر لحم العاجز بعضنا في الجبال وبعضنا في الغياض وبعضنا تحت الأرض والأوكار كقطيع الغنم مجتمعين واجتماعنا يعسر علينا وحفظنا يشق على الملك ولابد من ترتيب قاعدة وتأسيس أمر يكون فيه اجتماعنا هيناً وحفظنا جميعاً متيسراً.

стр. 94

فتلفت الزكي إلى المحتال وقال: أجب أيها الوزير فقال المحتال: هذا من قصور النظر وعدم التأمل وإلا فالسلطان كالشمس إذا استوت في قبة الفلك عم شعاعها البر والبحر ووصل نورها من المشرق إلى المغرب واستوى فيه الجبال والتلال والوعر والحضيض واملك إذا اشتهر صيت عدله في الأقاليم وسكنت هيبته في القلوب وشمل عدله القاصي والداني وعم فضله الرفيع والوضيع فإنه كالغمام الماطر إذا أرسل ما فيه بلغ نواله العامر والغامر والسهل والوعر، ومتى علمت الرعايا أنكم مشمولون بالمراحم السلطانية وداخلون تحت الطاعة الشريفة والعواطف الملوكية لا يتجرأ أحد على التعرض إليكم، وإذا كانت نية الملك الخير والعدل أبلغ الله تعالى بركة ذلك جميع الآفاق وناهيك بقصة كسرة أنوشروان مع حمار الطحان. قال الطير: كيف كانت تلك القضية؟ قال المحتال: ذكر المؤرخون أن كسرى اجتهد في إجراء العدل

стр. 95

فأداه اجتهاده أن يحصل شيئاً يظهر له به أحوال المظلومين من غير توقف على حجاب أو بواب أو أذن أو استئذان لما رأى عدم وصولهم إليه بسبب الحجاب فأداه اجتهاده أن يربط في شرافة قصره حبلاً مبروماً من الحرير الأبيض إلى أن يصل إلى حلقة الباب البراني الذي يمر به عامة الناس وعلق فيه من الجلاجل والأجراس فإذا حرك الحبل صوتت وأذن بالندا بأن كل من له ظلامة ولا يقدر على الدخول على الملك يحرك ذلك الحبل واشتهر هذا العدل. ففي بعض الأيام كان كسرى راقداً في بيته وإذا بالجلاجل والأجراس تصوت فاستيقظ كسرى وطلب المحرك لها فلم يجدوا إلا حماراً كبيراً مهزولاً قد حصل له حكة وهو يحك ذلك الحبل وليس عنده أحد فأحضره وطلب صاحبه فوجده طحاناً فسأله عنه وعن أسباب هزاله حتى تبين له أنه يكلفه من الحمل فوق طاقته ويستعمله في غير مقدرته ويقصر في حقه في العليق فأمر أن تزال ظلومته وأن ينادي أن كل من عنده دابة يفتقدها ولا يقصر في حقها. وإنما أوردت هذا المثل ليعلم مولانا الملك أن تكون هذه الأمور دائمة غير منقطعة لتعتادها الأخلاق العلية والشمائل السنية والمراحم الملوكية والشيم المرضية فإنها إذا اعتادت بها انتقلت عن درجة التكليف وصارت سجية بكل معنى ظريف كما قال المغني لما دعي إلى عرس جاره قال المحتال: كيف كانت تلك الحكاية؟ قال الزكي: ذكروا أن شاباً قصد التزويج ودعا أصحابه وكان له جار مغني من أحسن الناس غناءً فتوجه قاصداً لطلبه حتى يشغل الوقت فلما جاءه القاصد قال: قل لي من أرسلك صاحب العرس أم غيره؟ قال: غيره فامتنع من إتيان الدعوة فقيل له في ذلك فقال إذا كان بأمر صاحب العرس ورغبته كان غنائي مطرباً وكلامي

стр. 96

مفيداً وسماعي محركاً وإن كان ذلك بغير رغبته ورضاه وأمره فلا غنائي يكون مطرباً ولا قولي يكون معرباً، لأن كل شيء لا يجيء على القلب عنايته صعب والقصد من هذا الكلام أن لا يتولى أمرنا إلا من له عناية وشفقة على كبيرنا وصغيرنا، قال الوزير: نعم ما قلت ولقد نصحت من وراءك فاحتفظ بما رأيت وسمعت وتوجه إلى أصحابك فإنك قمت بواجب حقهم فإنهم منتظروك. ثم أضافوا إليه الحمامة وردوه إلى جماعته مكرماً فوصل إليهم مطمئن الخاطر منشرح الصدر وابلغهم الرسالة وطابت قلوبهم وانشرحت خواطرهم فهيئوا التقادم والخدم وأخذوا في أسباب التوجه إلى حضرة الملك بذلك فدعا الوزير وقال له: إن هؤلاء الجماعة قد توجهوا إلينا وفيهم من لا يعرف حقائق الأمور ولا اطلع على قضية الصلح فبمجرد ما يقع نظره علينا ويرى هيبة الملوك يرجف فؤاده ويستطير قلبه ويداخله الفشل فربما فر واتبعه غيره لا سيما إذا كان ممن سبقت له منافي ميادين الصيد سابقه فيهدم جميع ما بنينا ويفسد غالب ما قصدنا واللبيب من تفكر في عواقب الأمور قبل وقوعها وغالب هذه الحيوانات لا تقدر على مشاهدتها وناهيك بقضية الديك والثعلب. قال المحتال: وكيف كانت تلك الحكاية يا مولانا السلطان؟ قال الزكي: كان في بعض القرى ديك قد جرب أمور الدنيا كلها وذاق حلو الدهر ومره وعرف مداخله ومخارجه ففي بعض الأيام داخله الطمع فبعد

стр. 97

عن القرية التي هو بها وقت الظهر فصعد على شجرة عالية وأذن عليها فأعجبه صوته فسمعه ثعلب كان في ذلك المكان له وكر فسرت نفسه بذلك وخرج مسرعاً إليه فلما رآه الديك نط إلى أعلى الشجرة فقرب الثعلب إلى الشجرة بحيث يراه فلما رآه سلم عليه سلام مشتاق محب وقال له: شكر الله سعيك لقد أحييت قلوبنا بطيب آذانك وقد جئت لأتبرك بك وأبشرك ببشارة لم يقع مثلها منذ قامت الدنيا، وهي أن الملك نادى أن جميع الوحوش تتعاشر وتتصاحب وتتزاور بحيث لا يبغي بعضها على بعض ويتصاحب الذئب مع النعجة والثور واللبوة والقط مع الفار والديك والثعلب فالحمد لله الذي قد حصلت المصافاة وذهب الأحقاد والمنافاة، كل ذلك والديك فتحرز منه ولا يلتفت إليه ولا إلى خزعبلاته وتحيلاته بل نظر إليه نظر متملق وقال يا أخي يا ثعلب وأنا أبشرك ببشارة ثم سكت والتفت يميناً وشمالاً وأماماً وخلفاً فقال الثعلب للديك: يا أخي أنا أبشرك ببشارة وأنت لا تلتفت إليّ ولا تنظر لي بل تتشاوف من بعيد فأخبرني ما شأنك وما أمرك؟ فإن أمرك أعياني وشأنك كشأن من لا نظرني ولا رآني. قال لديك: أجل أيها المحب ما يشغلني عنك جد ولا أب وإنما أنا رآني غيرة قائمة من بعيد أريد أن تحققها فإني لم أقع على ما هي!؟ فقال الثعلب: بالله حقق النظر وأخبرني، فنظر طويلاً وقال: أرى حيواناً رقيق الخلقة طويل الأذنين يجري كالريح وليس له غبار يدرك إلا قليل فقال الديك: اصبر حتى تنظر ما هو؟ فقال: والله ما بقي لي صبر وقد رفرف فؤادي، فقال له الديك: أما قلت إن السلطان قد رسم بالصلح بين الحيوانات فأي شيء بقي للكلب عندنا وإذا جاء إلينا يكون صاحبنا وعشيرنا؟ فقال الثعلب: لعل هذا الكلب لم يكن سمع الندا والإجهاز ولا طاقة لي به ثم فر هارباً.

стр. 98

وإنما أوردت هذا المثل لتعلم أن يكون في هذه الوحوش من لم يكن له إطلاع على صلحنا وتوافقنا فبمجرد ما ينظرنا يتخلف أو يهرب فيحصل لغيره بسببه قتل ويقع خلل فيما أمرنا به، فالمصلحة تقتضي أن تذهب الحمامة إليهم وتشهر الندا والأمان والاطمئنان حتى يطلع على هذا الأمر كل واحد منهم ثم تتوجه أنت ورؤوس الحاضرين وتجتمع بطوائفهم وتقرر معهم الأمور بحيث تطيب خواطرهم ولا يقع منهم شيء تختل به القاعدة، فتوجه الوزير ورؤساء الجند للملاقاة وقد سبقت الحمامة وأشهرت المناداة حسبما ذكر ثم وصل الوزير مع رؤساء الجند ولاقى الحيوانات والوحوش وتسامع بذلك سكان الصحارى والقفار والجبال وسكان الفلاة والغابات والأحجار، ثم أقبلوا يسعون جميعاً إلى خدمة الزكي فأنزل كلاً منهم في محله وأقام كلاً منهم في وظيفته ليعمل فيها بالإخلاص والنصح واستقام له الأمر بواسطة عدله فيهم وإصابة رأي وزيره. وفائدة هذا المثل أنه ينبغي لأشرف المخلوقات وهم جنس بني آدم أن ينتبهوا لمثل هذه الأمور وما احتوت عليه من رموز الإشارات ويسلكوا إذا سادوا ورأسوا ويتأملوا أن مثل هذه الأشياء إذا كانت صادرة عن الكلاب التي هي من أحسن المخلوقات فبالطريق الأولى أن يتلبس بها أشرف المخلوقات الذي رفع الله مقداره بقوله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم وأي إكرام أحسن من العقل وأفضل من عدل الملوك الذين ملكهم الله تعالى رقاب المخلوقات وحكمهم في أموالهم ولابد يسألهم عنهم لأن كل راع مسؤول عن رعيته وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا المعللون.

стр. 99

فراغ

стр. 100

الباب الخامس في أمثال الفيل والأسد ومحاربتهما

стр. 101

فراغ

стр. 102

قال الحكيم مرزبان: بلغني أنه كان في بعض جزائر الهند جزيرة تشتمل على طائفة من الأفيال ولهم ملك عظيم فبلغه أن في بعض الغياض والأجم مكاناً في غاية النزاهة ذا أرض خضرة ومروج نضرة وروائح عطرة وأزهار نورة ومياه جارية وفواكه كثيرة ونعم غزيرة وبها أسد عظيم هو ملكها وتحت يده كواسر الوحوش، وهو سلطان تلك الغياض والوحوش فارتاحت نفسه إليها وأراد استخلاصها من يد أصحابها وكان له أخوان ووزيران أحدهما واسطة خير يسمى مقبلاً والآخر واسطة شر يدعى مدبراً فاختلى بهما واستشارهما فيما عزم عليه فقال المقبل: يا مولانا الملك لا تفعل فإن بها صاحباً هو ملكها وهو جار الملك وله حق الجوار ولم يبدلنا منه ضرر ما والملك أيضاً لم يعهد منه غدر ولا طمع ولا حدث منه شر خصوصاً في حق جيرانه وما قضى عمره وأيامه إلا في فعل الخيرات ودفع المنكرات وهذا الذي اشتهر عنه. ولقد سمعت من نصائح الحكماء ثلاث نصائح: الأولى أحذر أن تقع في دم بغير حق والثانية إياك وأموال الناس بغير طريق استحقاق،

стр. 103

الثالثة إياك وهدم البيوت القديمة، ولاشك أن الأسد من أهل البيوت الملك وهو عريق في مملكته، وأعلم أيها الملك أن الله تعالى قد أفاض على كل واحد من المخلوقات يستحقه من نعمة وصداقة، وأقام الأسد في ذلك الأماكن، ولولا أنه مستحق لذلك ما أقامه فيها فلا ينبغي أن ينازع فيما أنعم الله تعالى عليه به خصوصاً لك لئلا تدخل في حيز قول الله تعالى (أم يحسدون الناس على ما أتاهم الله من فضله) ، وكما قيل شعر: يا أحمد اقنع بالذي أوتيته ... إن كنت لا ترضى لنفسك ذلها وأعلم بأن الله ﷻ ... لم يخلق الدنيا لأجلك كلها فالتفت الملك إلى وزيره مدبر وقال له: ما ترى أنت؟ قال يا

стр. 104

ملك الذي قاله مولانا الوزير هو عين النصيحة ولكن لم تزل الملوك تطلب الترفع على أقرانها وفتح البلاد لتكثير خراجها وأخذ الولايات والاستيلاء على الأقاليم، مع أن الأسد حيوان ظلوم كاسر ومشؤوم جاسر فخلاص الرعية من شره واجب على كل أحد ومولانا الوزير كأنه لم يقف على ظلم الأسد للرعية واعتدائه عليها بحيث أنها طالبة لمن ينقذها من شر الأسد ومتطلعة لمن يتصدى لطلب السلطنة وإقامة ناموس الملك ينبغي أن يكون له كل يوم فتح جديد وازدياد ما له من العساكر والجنود والأنسب إلى قصور الهمة وعدم كشف الغمة. نعم وإن كان هذا يستدعي إلى صرف أموال وجمع قروم من الرجال لكنه يكون سبباً في تعمير خزائن الملك وتكثير عساكر الجند فإن مولانا الملك يحتاج إلى ملء خزانته لأن كل وارد عليه طامع في إنعامه وصدقاته فإذا لم تنل ما تؤمله نقصت رغبتها ونفرت خواطرها والذي يقتضيه جفاء الحاكم عدم ذلك كله وحيث كان الأمر كذلك فالمرأى عندي إنقاذ ما عزم عليه الملك وإبراز ذلك من قوة الفكر إلى قوة الفعل. فلما سمع الملك ذلك ثنى وجهه إلى مقبل وقال: لا تبق في هذا الرأي مجهوداً وابذل ما يسمح لك فقال المقبل: أفعل يا مولانا الملك شرط أن تقبل ما أقول وأعلم أيها الملك أن الحكماء قالت إن كل من طلب نفع نفسه بمضرة غيره فإنه لا يمتع بتلك المنفعة ولقد صدقوا هذا على تقدير حصولها والظفر بها وإن لم تحصل هلا يزداد إلا توزيع الخواطر وتفريق البال والندم والخسران واكتساب السيرة السيئة وكل من أراد الظفر بمظلوم واقتصر على تمشية هوى نفسه وأنه أحق بذلك من غيره فإنه لا يسلم أبداً من الأفكار والهموم ولا يكاد يصفو له الزمان، وأما كون الخرج أكثر من الدخل فقد قيل شعر:

стр. 105

قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد والأصل في هذا كله التدبير وحسن التصرف وشيء يحتاج في تحصيله إلى بذل أرواح وأموال وأجساد وتعب قلوب وبعد حصوله يتكلف إلى احتمال الهموم والغموم، وآخر الأمر يخرج من اليد ولا يبقى إلا حسابه وتبعاته فجدير بأن لا يلتفت إليه ولا يهتم بشأنه ويستغنى عنه بغدر الطاقة والأمر كان وإلا فمثل الساعي في بقائه والقاصد إلى دوامه وعدم بلائه كمثل كسرى لما مات ولده وحصل له الوجد عليه والاضطراب ونبهه على خطيئته البهلول لما دخل عليه. قال الملك: كيف كانت تلك الحكاية أخبرنا بها. قال المقبل: ذكروا أن كسرى أنوشروان كان له ولد يخجل الغصن حال قيامه والبدر ليلة تمامه والغزال بلفتاته والمسك بشاماته وكان به معجباً وتصور لفرط شغفه به وحبه له أنه لا يموت فاتفق أنه أدركه الأجل المحتوم ووافاه في اليوم المعلوم فاضطرب كسرى لموته وكاد أن يضطرم ناراً لفوته وما قر له قرار ولا طاوعه ثبات ولا اصطبار فوعظه العلماء فما أفاق وثبته الحكماء بضرب الأمثال

стр. 106

فأعياهم المراد، وكان في بلده بهلول يتردد إليه ويدخل في أكثر أوقاته عليه فدخل عليه ذات يوم من الأيام وهو في حالة لا تسر صديقاً ولا ترضي جاهلاً ولا رفيقاً فسأله البهلول عن حاله وما أوجب توزع باله وتفسير أقواله وأفعاله وخطاباته وأحواله، فقال: يا بهلول عدمت ولدي قرة عيني وراحة روحي وجسدي ولا صبر لي على فراقه ولا لقلبي معين على لهب احتراقه فقال له البهلول: يا أخي إن عيسى ﵇ شكى إليه بعض أصحابه ما تشكوه أنت، فقال له عيسى ﵇: كن لربك كالحمام الألف يذبحون فراخه ولا يطير عنهم، ثم قال البهلول لكسرى: وأنا أسألك سؤالاً فأجبني عنه بجواب شافي إن كنت ترجو أن ذكرك لا يموت، قال كسرى: ولكن أردته يعيش ليمتع بحياته ويتلذذ بطيب المآكل والمشرب ونعيم الدنيا برهة ثم يقضي نحبه، قال بهلول: هب أنه عاش الأجل الذي كنت تريد أن يعيشه أفكان يذهب معه من طيب عيشه شيء أو يغني عنه شيئاً حين فراقه قال: لا قال: فلا فرق الآن بين طويل عمره وقصيره وكثير تمتعه ويسيره كما قيل: وإذا كان منتهى الأعمار موتاً ... فسواء طويله والقصير أو كما قيل: فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما شئت من صيت وفوت فحبل العيش موصول بقطع ... وخيط العمر معقود بموت فهب أنه عاش ما أردته يعيش ويأكل ما أردته يأكل ويتنعم ما أردته يتنعم ما آخر ذلك؟ قال: الموت والفوت قال: فهو الآن كغد قال كسرى: نعم الناصح أنت وسكن بعض ما يجده فقال المدبر: ثلاثة أشياء ينبغي أن يتفكر الإنسان في عواقبها، الأول: سفر البحر

стр. 107

فإن طالب الجواهر النفيسة والأموال الكثيرة يركب البحر ولا يتفكر في الغرق، الثاني: المقدم على الحرب ومقارعة الأبطال لا يتفكر في الكسرة والجراح والموت، الثالث طالب الرياسة والملك لا يتفكر في اقتحام الأخطار والمشاق كما قيل: بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي تروم العز ثم تنام ليلاً ... بغوص البحر من طلب اللآلي وقال غيره: إذا المرء ألقى بين عينه عزمه ... تنكب عن ذكر العواقب جانبا قال المقبل قال الله تعالى: (وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم أولو الألباب) المميزون بين الخطأ والصواب الناظرون في أوائل الأمور عواقبها آمنون من النوازل في تجشها حتى قالوا إن الثعلب المتأني في بيته المتحصن داخل جداره له قوة الأسد الآتي من خارج ولا شك أن انزعاج العساكر المتوجهة إلى قتال من هو ساكن في بيته متحصن في قلعته غير محتاج إلى إخراج أموال وإزعاج رجال وتحمل أخطار وتحتم أسفار ليس من رأي الصواب لأنه موجب لأخذ صغار تحت الأقدام وهدم دور وقطع أرحام وبذل أموال وفقد جملة من الرجال، ومع هذا فحصول المقصود أمر متوهم فإن حصل فقد مر لأنه لا ثبات فيه ولا تمتع وإن لم يحصل فكم من دماء تراق وكانت مصونة وأموال تهلك وكانت مضمونة وأعراض تهتك وقد كانت مختومة وأنفس تذل وكانت عزيز مكرومة، بل ربما اتفق أن من نجا برأسه ربح وإنما قررت هذا التقرير لأن العاقل كما يحسب حساب الربح يحسب حساب الخسارة وكما يتصور الجيد يتصور الردي وهذا كله من العاجلة فضلاً عن المحذورات الآجلة ومن غضب الله وعقابه وتوبيخه وأليم عذابه والعياذ بالله

стр. 108

تعالى إذا أخرج الأمر من اليد وذهب المال والرجال فأي حرمة تبقى له من الهيبة بين الرجال وكيف يستقر ملكه أو يدور عليه سعد فلكه فلا تخافه الرعية ولا يرجونه ولا يسمعون كلامه ولا يطيعونه ويصير كالسحاب الخلب لا يوثق منه بوعد ولا يحصل منه مطلب لفرد أو وفد، إن تكلم أبوا كلامه وإن حكم تقضوا أحكامه وإن حلم عنهم قالوا عاجز وإن تقدم في الحرب قالوا معتوه مبارز وأما الغني فهو على غير هذه الأحوال لأنه إن زاول أدنى فعل رفعت إليه بسببه العيون وكان من بينهم هو الأجل العظيم فإن أعطى قليلاً استصغروا حاتماً عنده وأطنبوا بلسان شافي في شكرهم رفده وإن بخل عليهم قالوا مدير غير مضيع ماله وإن كذب صدقوا مقاله واستصوبوا حركاته وترشفوا كلماته وقد قيل شعر: إن ضرط الموسر في مجلس ... قيل له يرحمك الله وإن عطس المعسر في مجمع ... ساءوا وقالوا فيه ما أشناه فضرطة الموسر عرسه ... وعطسة المعسر مفساه ولقد نقلت من أقوال الحكماء ونصائح العلماء أن الفقر يشيب الفتيان ومسقم الأصحاب ومبعد الأقارب وقاطع للرحم ومبغض للأحباب، وفي الجملة فالذي يجب على الملك أن يتفكر في مبادئ هذا الأمر ويتأمل في عواقب هذه الحركة ولا يقدم على هذا الأمر ولا يتحرك لهذا الوارد إلا بذهن صافي ورأي كافي ولا يعتمد على الحول والقوة قوة الشوكة وكثرة العدد وإمداد العدد مع عدم الاكتراث بالأخصام وقلة المبالاة بكل أسد ضرغام فإن الأسد سلطان السباع وهو ملك مطاع كثير الجند والاتباع شجاعته مشهورة وبسالته مأسورة به يضرب المثل ويشبه به كل بطل، ونحن إن كانت عساكرنا كالجبال تهدم الحصون وتهلك التلال لكن ما

стр. 109

جربنا مصارعة الأسود ولا مارسنا مقارعة النمور والفهود ولا نعرف طريقة بلادهم ولا طريق جلادهم وإن لهم في الحروب أساليب وفي افتراس الفرائس أنياب ومخاليب، فأخشى أن لا تتم هذه الأمور وتقصر حيالنا عن مصادفة ما لهم من قصور ويرجع وبال هذا الأمر علينا إذ ابتداؤه منسوب لنا وإلينا ولا يحل بنا إلا الندامة والتقريع والتوبيخ والملامة ويخاطبنا القائل بما قيل: بيني بأنقاض دور الناس مجتهداً ... داراً فتنقض يوماً بعد أيام قال المدبر: لاشك أن هذا الكلام صادر عن فكر بعيد ورأي سديد وتأمل في العواقب مفيد أصله الحكمة وفرعه الشفقة وثمرته المعرفة والفطنة، ولكن من حين قامت الدنيا لم تزل الملوك تطلب الولايات الواسعة وتقصد الأقاليم الشاسعة وتروم الرفعة على الأقران وعلو المكان بقدر الإمكان وكيف يتصور أن الملك تكون همته أدنى من همة تاجر يطلب الربح لأن التاجر إذا تفكر في لذة الربح ورغب في زيادة المال يضع جميع ماله من مال في سفينة لا عقل لها ويركب هو أيضاً فيها ولا يبالي بالغرق ولا يذكر خوف اتلف ويسلك قياده إلى مصرف الهواء ونفسه وماله إلى حاكم المال ويعمل بموجب ما قيل: وإنا أناس لا توسط بيننا ... لنا الصدر دون العالمين أو القبر وأما قولكم إن العساكر تملك البلاد ولا معرفة لهم بمصادمة الأسود ومقاومة تلك الجنود، فأعلم أيها الوزير أن الأسد ملك كاسر وعلى سفك الدماء جاسر لأن في رعيته من أذاه وابكاه في ذروته وأنكاه واسترعاه قسراً واستولى عليه جبراً وقهراً منتظر لبقاء عين الزمان متوقع انقلاب الحدثان مترقب معنى ما قيل إذا لم يكن للمرء في دولة امرءٍ نصيب ولا حظ تمنى زوالها.

стр. 110

وعكس هذا ما قيل: إذا كان للإنسان في دولة امرءٍ ... نصيب وإحسان تمنى دوامها فما سمع بأحد خرج على الأسد ولو كان أقل العمال فضلاً عن ملك الأفيال بل فيل الأفيال العادل في رعيته البار بأهل ولايته ومملكته المشفق الحكيم الرؤوف الرحيم فبالضرورة يبادر إلى الملاقاه ويغتنم عودته للملك وبعدها غاية مرتجاه فيدل على عورات العدو ويصف عثراته ويرشد إلى طريق نكاياته ونكباته وأيضا في ذلك الإقليم من هو منتشب بأمر جسيم من مال وأولاد وعقار وبلاد وسوائم ومواش وأثقال وحواش ولا يمكنه التحول عن طريقنا ولا التحول لوعودنا فيدع بالطاعة ويتشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فنستمد بآرائه ونستفيد فيما نحن بصدده بدوائه. فقال الملك المقبل ما الجواب عن هذا الخطاب؟ قال المقبل: نعم هذا المقال وإن كان لا يخلو عن الاحتمال وإن وقوعه غير محال لكن الأقرب إلى الذهن أن هذا لا يقع فإنه أمر مبتدع فإن طبائعنا مباينة لطباعهم وأوضاعنا غير أوضاعهم وناهيك بقوم نارية طباعهم الحرارة فيما بينهم يمزق بعضهم بعضاً ويتحاورون فيما بينهم عداوة وبغضاً حتى إذا دخل بينهم ذئب أو حيوان غريب عنهم توجهوا كلهم إليه واتفقوا بأجمعهم عليه فمزقوه أديمه وهتكوا حريمه وجعلوا الحمد لجماعتهم وليمه وعند الأسد من الوحوش أنواع جسيمة ما بين أفهاد وضباع ونمور وسباع وثعالب وأرانب وذئاب وذوات مخالب وكل من هؤلاء له على خصمه درية في مشاورته ووثبة في مصادمته وأنواع في الكر والفر وزوغان في الخير والشر وليس في عساكرنا سوى الصدمات والحطم بقوة النهضات والعزيمات وإن أقرب شيء إلى الرأي عدم الإفادة والراحة أولى من الإبادة وأن لا يفيد شيء من هذا الاضطرام سوى التولي والانهزام.
следующие страницы →