← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير القرآن الكريم سورة الفاتحة - سورة البقرة سورة آل عمران- سورة النساء فوائد - منوعات - فضائل - أقوال إعداد سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير الاستعاذة والبسملة تفسير سورة الفاتحة ١٠/ ٤/ ١٤٣١ هـ

стр. 3

تفسير الاستعاذة والبسملة. (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) أي أستجير بجناب الله من الشيطان أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله. • قوله تعالى (الشيطان) يحتمل: أن المراد به الشيطان المخصوص وهو إبليس الذي كانت قصته مع أبينا آدم، ويحتمل: أن المراد به كل شيطان [كل ما يصدق عليه هذا الاسم أو الوصف]، وهذا أصح، لأنه يدخل فيه الأول ويدخل فيه سائر الشياطين، ومن المعلوم أن سائر الشياطين يصدون الإنسان عن طاعة الله. • قوله تعالى (الشيطان) مشتق على الصحيح من شَطَن أي بعُد، فالشيطان بعيد عن الخير وطباع البشر وعن كل معروف، وقيل: مشتق من شاط، لأنه مخلوق من نار، والأول أصح. • (الرجيم) صفة للشيطان، فالرجيم فعيل بمعنى مفعول أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله. والرجم أصله الرمي بالحجارة، والشيطان مرجوم بالقول وبالفعل: بالقول: بالسب والشتم والذم ويلحق به كل قول قبيح. وبالفعل: أن رجمه الله أي طرده وأبعده من رحمته، ويرجم بالشهب كما قال تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) وقال تعالى (إنا زينا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكب وحفظاً من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملأ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحوراً ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب). وقيل: رجيم بمعنى راجم لأنه يرجم الناس بالوساوس. قال ابن كثير: والأول أشهر وأصح. [تفسير ابن كثير]

стр. 4

مباحث: • تشرع الاستعاذة في مواضع: منها: عند قراءة القرآن. قال تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ). ومنها: عند حصول نزغ من الشيطان ووسوسة. قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). ومنها: عند ما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ربك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) متفق عليه. ومنها: عند ما يُلبس الشيطان على الإنسان في صلاته. لحديث عثمان بن أبي العاص (أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليّ، فقال رسول الله ﷺ : ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثاً، قال: فعلت ذلك، فأذهبه الله عني) رواه مسلم. ومنها: عند الغضب. لحديث سليمان بن صُرد قال (استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، … ) متفق عليه.

стр. 5

ومنها: عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها. لحديث أبي قتادة. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئاً يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثاً، ويتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره .. ، وفي رواية: وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها … فإنها لن تضره). ومنها: عند نزول منزل. لحديث خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من نزل منزلاً، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك) رواه مسلم. ومنها: عند دخول الخلاء. لحديث أنس. قال (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) متفق عليه. • اختلف العلماء في حكم الاستعاذة في الصلاة وخارجها على قولين: القول الأول: أنها واجبة. لقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) قالوا: هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب. استحباب الاستعاذة قبل القراءة، وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبها قبل القراءة لقوله تعالى (فاستعذ بالله). القول الثاني: أنها مستحبة قبل القراءة، سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها. وهذا قول جمهور العلماء. قال ابن كثير: وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة، يأثم تاركها. وقال النووي: ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها. ويدل على عدم الوجوب: حديث أنس قال النبي ﷺ (لقد أنزلت علي سورة آنفاً: بسم الله الرحمن الرحيم. إنا أعطيناك الكوثر) رواه مسلم. ولم يذكر الاستعاذة. ولأن النبي ﷺ لم يعلمها الأعرابي حين علمه الصلاة، وهذا القول هو الصحيح. • قوله (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) هذه إحدى صيغ الاستعاذة. واختار هذه الصيغة أكثر العلماء، لأنها الصيغة التي جاءت بالقرآن. [الجامع لأحكام القرآن: ١/ ٦٢].

стр. 6

وهو الذي ورد في السنة كما في حديث سليمان بن صُرد قال (استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، … ) متفق عليه. قال ابن عطية: وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله تعالى (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم). الصيغة الثاني: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى (فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم). الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. كما في حديث أبي سعيد الذي عند أبي داود عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك ـ ثم يقول ـ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه). قال ابن كثير: وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ الكبر، والنفث الشعر [الشعر المذموم]. • الحكمة من الاستعاذة قبل القراءة: أولاً: أن القرآن شفاء لما في الصدور يُذهب لما يلقيه الشيطان فيها من الوساوس والشهوات والإرادات. ثانياً: أن الملائكة تدنو من قارئ القرآن وتستمع لقراءته، والشيطان ضد الملك وعدوه، فأمر القارئ أن يطلب من الله تعالى مباعدة عدوه عنه. ثالثاً: أن الشيطان يُجلب بخيله ورجله على القارئ حتى يشغله عن المقصود بالقرآن. رابعاً: أن الشيطان أحرص ما يكون على الإنسان عندما يهم بالخير أو يدخل فيه. [إغاثة اللهفان: ١/ ١٠٧]. • ذهب جماهير العلماء أن الاستعاذة تكون قبل القراءة، ويدل لذلك: قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) المعنى: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله. قال الشنقيطي في قوله تعالى: (فإذا قرأت لقرآن فاستعذ بالله): إنه على حذف الإرادة، أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، والدليل على ذلك تكرر حذف الإرادة في القرآن، وفي كلام العرب، لدلالة المقام عليه، كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم .. ) الآية، أي إذا أردتم القيام إليها. … [أضواء البيان:]. وأيضاً فعل النبي ﷺ ، فإنه كان يستعيذ قبل القراءة. وقال بعض العلماء: تكون الاستعاذة بعد القراءة، على ظاهر الآية (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله). والراجح قول الجمهور.

стр. 7

• فيه أنه لا نجاة من الشيطان الجني إلا بالاستعاذة، أما الشيطان الإنسي فكما قال تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) وقال تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). قال ابن كثير: … ولهذا أمر الله بمصانعة شيطان الإنسان ومداراته بإسداءِ الجميل إليه، ليَرُدَّهُ طبعُه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رِشوةً ولا يؤثر فيه جميل، لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة قوله تعالى في الأعراف (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ … ) هذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وقال تعالى في سورة قد أفلح (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ. وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ). وقال تعالى في فصلت (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). فالشيطان الجني لا يقبل رشوة ولا إحساناً، لا يبتغي إلا هلاك بني آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل كما قال تعالى (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ) وقال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)، وقد أقسم للوالد آدم ﵇ إنه لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). قال بعض العلماء: إن نظرت إلى قصة أبيك فإنه أقسم بأنه له من الناصحين ثم كان عاقبة ذلك الأمر أنه سعى في إخراجه من الجنة، وأما في حقك فإنه أقسم بأنه يضلك ويغويك فقال (فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين) فإذا كانت هذه معاملته مع أنه قد أقسم أنه من الناصحين فكيف تكون معاملته مع أنه أقسم أنه يضل و يغوي؟! الفوائد: ١ - مشروعية الاستعاذة دائماً من الشيطان. ٢ - فيه دليل على أن الإنسان ينبغي أن يطلب العون من الله على الطاعة وعلى مجاهدة عدوه. ٣ - وفيه دليل على اعتراف العبد بالعجز وقدرة الرب. ٤ - وفيه أنه لا وسيلة إلى القرب من الله إلا بالعجز والانكسار. ٥ - وفيه الإقرار بالفقر التام للعبد، والغنى التام لله .

стр. 8

تفسير (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) أي أبتدئ بتسمية الله وذكرهِ قبل كل شيء، مستعيناً به جل وعلا في جميع أموري، طالباً منه وحده العون، فإنه الرب المعبود ذو الفضل والجود، واسع الرحمة كثير التفضل والإحسان، الذي وسعت رحمته كل شيء، وعمَّ فضله جميع الأنام. • يستحب للمسلم أن يبدأ قراءة القرآن بالبسملة. • (الله) علم على ذاته ﵎، وكل الأسماء الحسنة تضاف إليه كما قال تعالى (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى). وقال ﷺ (إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه. ولذلك تقول: الرحمن من أسماء الله، ولا تقول الله من أسماء الرحمن. • ومعنى (الله) أي: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيماً وخضوعاً له، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال. • (الله) لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظاً ومعنى. لفظاً: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد. ومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق. • قال بعض العلماء: إنه الاسم الأعظم. لأنه يوصف بجميع الصفات، هذا دليل نظري على أن لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الأعظم، أي أن هذه الأسماء جميعاً ترجع إليه لفظاً ومعنى. • معنى ترجع إليه لفظاً: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها كما سبق في الآيات الحديث. • ومعنى ترجع إليه معنىً: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات. وقد اختلف العلماء ما هو الاسم الأعظم الذي ورد فيه الحديث (لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى).

стр. 9

القول الأول: هو الله. للعلة التي سبقت وهي أن جميع الأسماء ترجع إليه. ولأنه الاسم الذي تكرر في الأحاديث الواردة ومنها: أن رجلاً قال (اللهم إني أسألك أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد فقال ﷺ : لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى) رواه أبو داود. وكحديث أنس قال (كنت جالساً مع النبي ﷺ في المسجد ورجل يصلي فقال: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات … فقال رسول الله ﷺ : دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب) رواه أبو داود. ولأن هذا الاسم ما أطلق على غير الله. القول الثاني: إن اسم الله الأعظم: الحي القيوم. واستدل لهذا القول ببعض الأحاديث التي فيها مقال مثل حديث (اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وفاتحة آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وهما عند أبي داود. وهذان القولان أقوى الأقوال، والأول أقوى من الثاني. • قوله (الله) اختلف هل هو مشتق أم غير مشتق والراجح أنه مشتق. قال الشيخ حافظ حكمي ﵀: واختلفوا في اشتقاقه على أقوال أقواها أنه مشتق من أله يأله إلاهة، فأصل الاسم الإله، ومن أقوى الأدلة عليه قوله تعالى (وهو الله في السماوات وفي الأرض) مع قوله (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) ومعناه ذو الألوهية التي لا تنبغي إلا له. • فائدة: والأسماء المشتقة أبلغ من الأسماء الجامدة، لأن الأسماء المشتقة تتضمن أوصافاً، بخلاف الأسماء الجامدة، فكل أسماء الله مشتقة. • قوله (الرحمن الرحيم) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم.

стр. 10

لكن ما الفرق بينهما: قيل: الرحمن: ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة للمؤمنين يوم القيامة. واستدلوا بقوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً). وقيل: الرحمن يدل على الصفة العائدة على الله من الرحمة، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دال على أن الرحمة صفته، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وهذا أصح وهو اختيار ابن القيم. إذن: الرحمن تدل على الوصف، والرحيم تدل على الفعل، أي: على أنه يرحم. ومما يضعف القول الأول قوله تعالى (إن الله بالناس لرؤوف رحيم). • … (الرحمن) على وزن فعلان، وهو ذو الرحمة الواسعة. (والرحيم) الموصل رحمته لمن يشاء من عباده. • … (الرحمن) مختص بالله لا يسمى به غيره ولا يعرف أحد تسمى به، قال ابن كثير: ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب. • والفرق بين الرحمن والله: الله مختص بالله لفظاً ومعنى، وأما الرحمن مختص بالله لفظاً لا معنى، فإن المخلوق يوصف بالرحمة. • وقد قسّم العلماء ﵏ الرحمة إلى قسمين: عامة - وخاصة. فأما العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق (المؤمن والكافر والبر والفاجر)، فكل الخلق تحت رحمة الله .

стр. 11

وأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين. والفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. وأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة • قال الشيخ ابن عثيمين: وذكر هذين الاسمين الكريمين في البسملة التي تتقدم فعل العبد وقوله، إشارة إلى أن الله إذا لم يرحمك فلن تستفيد لا من هذا الفعل ولا من هذا القول، ولهذا قال النبي ﷺ : (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته). الفوائد: ١ - إثبات اسم من أسماء الله وهو الرحمن المتضمن للرحمة الواسعة. الواسعة: كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). ورحمته سبقت غضبه: كما قال ﷺ (إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب عنده: إن رحمتي تغلب غضبي) متفق عليه. والله أرحم بعباده من الأم بولدها. كما في حديث عمر أنه قال (قدم على رسول الله بسبي، فإذا امرأة من السبي تبتغي، إذ وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته بطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله ﷺ : أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله ﷺ : الله أرحم بعباده من هذه بولدها) متفق عليه.

стр. 12

• وإذا كان الله ذو رحمة واسعة فينبغي أن يعمل ب الأسباب التي تنال بها الرحمة: أولاً: رحمة الناس. قال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود. وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء). وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله). ثانياً: الإحسان. قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). ثالثاً: طاعة الرسول ﷺ -. قال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) رابعاً: السماحة في البيع والشراء. قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري. خامساً: عيادة المريض. قال رسول الله ﷺ : (من عاد مريضاً خاض في الرحمة). سادساً: قيام الليل وإيقاظ الأهل. قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود. سابعاً: الحلق في النسك. قال رسول الله: ﷺ (اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً). ثامناً: مجالس الذكر.

стр. 13

قال رسول الله ﷺ (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة .... ). رواه مسلم. تاسعاً: الجلوس في المسجد. قال رسول الله ﷺ (إن الملائكة تستغفر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه). متفق عليه عاشراً: سماع حديث الرسول وتبليغه. قال رسول الله ﷺ (رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان. الحادي عشر: الإنصات للقرآن. قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). • تشرع التسمية (استحباباً أو وجوباً) في مواضع: منها: عند الوضوء. لقوله ﷺ (لا صلاة لمن لا وضوء له) رواه أبو داود. ومنها: عند الركوب. قال الله تعالى (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ). وفي حديث علي ( … وأُتيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله .... الحديث وفي آخره قال: رأيت النبي ﷺ فعل كما فعلت) رواه أبو داود. ومنها: عند الذبح والصيد. لقوله تعالى (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ).

стр. 14

وقال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ). وعن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل) متفق عليه. ومنها: عند الأكل. لحديث عمرو بن سلمة. قال (كنت غلاماً في حجر النبي ﷺ ، وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال: يا غلام سم الله، وكل بيمينك ..... ) متفق عليه. ومنها: عند دخول المنزل. لحديث جابر. أن رسول الله ﷺ قال (إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء) رواه مسلم. ومنها: عند الجماع. لحديث ابن عباس. عن النبي ﷺ أنه قال (لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا … ) متفق عليه. ومنها: عند الخروج من البيت. لحديث أنس. قال: قال رسول الله ﷺ (إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له حينئذ: هديت وكفيت … ) رواه أبو داود. ومنها: في المساء والصباح. لحديث عثمان. قال: قال رسول الله ﷺ (من قال: بسم الله، الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح … ) رواه أبو داود.

стр. 15

ومنها: إذا عثر المرء أو عثرت دابته. لحديث رجل قال (كنت رديف النبي ﷺ فعُثِر بالنبي ﷺ فقلت: تعس الشيطان، فقال النبي ﷺ : لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب) رواه أبو داود. ومنها: عند وضع الميت في قبره. لحديث ابن عمر (أن النبي ﷺ كان إذا وضع الميت في القبر قال: بسم الله، وعلى سنة رسول الله) رواه أبو داود. • وقد اختلف العلماء في البسملة في أول السور هل هي من السورة أم لا؟ القول الأول: هي آية من سورة الفاتحة، ومن كل سورة. وهذا مذهب الشافعي. لحديث أنس قال (بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا بالمسجد، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ فقال: نزلت علي آنفاً سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر. فصل لربك وانحر. إن شانئك هو الأبتر) رواه مسلم. القول الثاني: ليست من الفاتحة ولا من أول سورة بل هي آية مستقلة نزلت للفصل بين السور. وهذا مذهب الحنفية واختيار ابن تيمية. لحديث أبي هريرة. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي، … ) رواه مسلم. فالرسول ﷺ بدأ بقوله: الحمد لله رب العالمين، دون بسم الله الرحمن الرحيم، ولو كانت البسملة من الفاتحة لبدأ بها لا بالحمد. ولحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (إن سورة من القرآن من ثلاثين آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي: تبارك الذي بيده الملك) رواه الترمذي. فالرسول ﷺ ذكر أن مقدار سورة الملك ثلاثون آية، وقد اتفق القراء وغيرهم على أنها ثلاثون آية سوى البسملة، ولو كانت منها لكانت إحدى وثلاثين، وهو خلاف قول الرسول ﷺ . وهذا القول هو الصحيح. فائدة الخلاف: أن من قال أنها آية من أول كل سورة قال بوجوب قراءتها قبل الفاتحة في الصلاة، لأنها إحدى آياتها، ومن لم يقل بأنها آية من أول كل سورة لم يقل بذلك.

стр. 16

تفسير سورة الفاتحة مقدمة: أسماؤها: • بعض أسماء سورة الفاتحة: الاسم الأول: فاتحة الكتاب. ويعد هذا أشهر أسمائها، وقد ثبتت هذه التسمية في السنة في أحاديث كثيرة. كقوله ﷺ (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) متفق عليه، وقوله ﷺ (من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) رواه مسلم. وسبب التسمية بذلك: كما قال ابن كثير: لأنها فاتحة الكتاب خطاً وبها تفتح القراءة في الصلوات. الاسم الثاني: أم الكتاب، أم القرآن. وقد ورد هذا الاسم في السنة في أحاديث كثيرة. كقوله ﷺ (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) رواه البخاري، وقوله ﷺ (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني) رواه الترمذي. وسبب التسمية بذلك: أن أم الشيء أصله، وهي أصل القرآن لاشتمالها على أنواع أغراض القرآن ومقاصده. قال البغوي ﵀: سميت أم القرآن وأم الكتاب، لأنها أصل القرآن، منها بدئ القرآن. الاسم الثالث: السبع المثاني. وقد ورد هذا الاسم في السنة. كقوله ﷺ لأبي سعيد بن المعلى (ألا أعلمنك أعظم سورة في القرآن، .... الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري. سبب التسمية: أما السبع، فلأن آياتها سبع، وأما وصف النبي ﷺ لآياتها بالمثاني، فأرجح الأقوال أنها تثنى في الصلاة، أي تكرر، فتكون التثنية بمعنى التكرار.

стр. 17

الاسم الرابع: القرآن العظيم. كما قال ﷺ (الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته). سبب التسمية: قال القرطبي: سميت بذلك لتضمنها جميع علوم القرآن. الاسم الخامس: سورة الحمد، سميت بذلك لأنه ذكر في أولها لفظ الحمد. الاسم السادس: الصلاة. وهذا الاسم ثبت بالسنة. فقد قال ﷺ (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال حمدني عبدي) رواه مسلم. وقد ذكر الإمام النووي في شرحه على مسلم بعد ذكر الحديث السابق أن المراد بالصلاة الفاتحة، وعلل تسميتها بقوله: لأنها لا تصح الصلاة إلا بها. • عدد آياتها: قال ابن كثير: وهي سبع بلا خلاف. • وهي مكية لقوله تعالى (ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم). • ما ورد في فضلها: سبق بعض الأحاديث في فضلها: كقوله ﷺ لأبي سعيد بن المعلى (ألا أعلمنك أعظم سورة في القرآن، .... الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) رواه البخاري. وكقوله ﷺ (أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم) رواه البخاري. وقوله ﷺ (الحمد لله رب العالمين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني) رواه الترمذي.

стр. 18

(الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). [الفاتحة: ١ - ٣]. (الْحَمْدُ للّهِ) ثناء من الله على نفسه ، وهذا يتضمن أمر لعباده بحمده، وقد أمر بذلك فقال تعالى مخاطباً لنبيه خطاباً يدخل فيه جميع أمته (وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها). وقال تعالى (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى). • الحمد وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم. • الحمد لله: الألف واللام للاستغراق فجميع المحامد كلها لله، ومن أسمائه الحميد، قال ابن القيم: وهو الحميدُ فكل حمدٍ واقع … أو كان مفروضاً مدى الأزمان ملأ الوجودَ جميعَه ونظيرَه … من غير ما عدٍّ ولا حُسْبان هو أهله سبحانَه وبحمده … كل المحامد وصف ذي الإحسان • والله يحمد على كمال صفاته، وعلى كمال إنعامه: الحمد على كمال صفاته: كقوله تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) وقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ). الحمد على إنعامه: كقوله ﷺ (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشربَ الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.

стр. 19

• قال بعض العلماء: إن الحمد هو الثناء على الله، وهذا قول ضعيف لأن الرسول ﷺ قال (قال تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي، فإذا قال الحمد لله، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم: قال: أثنى علي عبدي ..... ) رواه مسلم، ففرق بين الحمد والثناء، فالصحيح أن الثناء هو تكرار الحمد. • قال ابن القيم: ومن أعظم نعمه علينا وما استوجب حمد عباده له، أن يجعلنا عبيداً له خاصة ولم يجعلنا ربنا منقسمين بين شركاء متشاكسين، ولم يجعلنا عبيداً لإله نحتته الأفكار، لا يسمع أصواتنا ولا يبصر أفعالنا ولا يعلم أحوالنا ولا يملك لعابديه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، ولا تكلم قط ولا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى. ومما يحمد الله عليه: خلق السماوات والأرض. قال تعالى (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور … ). وعلى دخول الجنة. قال تعالى (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين). (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور). وعلى صفات الكمال كالوحدانية وغيرها. قال تعالى (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً). إنزال الكتاب. قال تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا). وعلى ماله في السماوات والأرض. قال تعالى (الحمد لله الذي له ما في السماوات والأرض). • قال بعض العلماء إن هذه الكلمة (الحمد لله) كلمة كل شاكر ويدل لذلك: قول أهل الجنة (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن). وبقول نوح ﵇ (الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين).

стр. 20

وبقول أهل الجنة أيضاً (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله). وبقول إبراهيم ﵇ (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق). وبقول داود وسليمان ﵉ (الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين). • الحمد هل هو مرادف للشكر أم بينهما تغاير، اختلف العلماء في ذلك على أقوال: فقيل: بمعنى واحد. وهذا اختيار ابن جرير الطبري. وقيل: ليسا بمعنى واحد. وبه قال جماعة. قال ابن تيمية: والحمد نوعان، حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا لمن هو في نفسه مستحق للحمد. فالحمد أعم من الشكر. قال ابن عطية: الحمد معناه الثناء الكامل، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدي إلى الشاكر، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئاً. وقال الزمخشري: الشكر لا يكون إلا على نعمة، وأما الحمد فهو المدح والوصف بالجميل وهو شعبة واحدة من شعب الشكر. • استنبط بعض العلماء من قول (الحمد لله) أن من أسماء الفاتحة: الحمد، وسميت بذلك لأنه ذكر في أولها لفظ الحمد ولم تنفرد هذه السورة بافتتاحها بلفظ الحمد، إنما يشترك معها أربع سور من سور القرآن وهي سورة الأنعام، والكهف وسبأ وفاطر، ولكن أطلق هذا الاسم بالغلبة على سورة الفاتحة، فإذا قلنا: سورة الحمد، فالمتبادر إلى الأذهان أن المقصود بها هي سورة الفاتحة لا غيرها من السور. ١ - جاءت أحاديث في فضل الحمد لله. قال ﷺ (الحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض) رواه مسلم.

стр. 21

وقال ﷺ (أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله) رواه الترمذي. (رَبِّ الْعَالَمِينَ)) الرب هو المالك المتصرف المعبود المدبر لشؤون خلقه المربي لهم بالنعم الظاهرة والباطنة. قال الشيخ السعدي ﵀: وتربيته تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة: فالعامة: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا. والخاصة: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكملهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر. • العالمين: اختلف ما المراد بالعالمين على أقوال: قيل: كل موجود سوى الله، وهذا قول قتادة ورجحه القرطبي وابن كثير. وقيل: أهل كل زمان عالم لقوله تعالى (أتأتون الذكران من العالمين) أي من الناس. وقيل: الجن والإنس، لقوله تعالى (ليكون للعالمين نذيراً). وقيل: العالَم عبارة عما يعقل وهم الإنس والجن والملائكة والشياطين. والصحيح الأول، لأنه شامل لكل مخلوق وموجود، ودليله قوله تعالى (قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما). • العالمين: جمع عالَم: قيل: مأخوذ من العَلامة، لأنهم عَلمٌ على خالقهِم وصانعهم، وهذا هو الصحيح. فإن هذا الخلق في كل فرد منه، وفي كل جزء منه، آية تدل على وحدانية الله وعلى عظمته وعلى انفراده بالملك. قال الشاعر: فوا عجباً كيف يُعصى الإلهُ … أم كيف يجحده الجاحدُ وفي كل شيءٍ له آيةٌ … تدل على أنه واحدُ

стр. 22

قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ). وسئل بعض الأعراب عن وجود الله فقال: إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام ليدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج ألا يدل على وجود اللطيف الخبير. جسمك وروحك فيه من الآيات ما يبهر العقول. وقيل: مأخوذ من العِلم، لأن هذا الخلق لا يصدر إلا عن علم ومعرفة بأحوالهم. • العالمين: تطلق أحياناً ويراد به الإنس والجن: كما قال تعالى (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً). وأحياناً تطلق على البشر: كقوله تعالى (أتأتون الذكران من العالمين). • قال بعض العلماء: واعلم أن تربيته تعالى مخالفة لتربية غيره، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه، وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم. الثاني: أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله وهو متعال عن النقصان والضرر، كما قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ). الثالث: أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه، والحق تعالى بخلاف ذلك، كما قال ﷺ : (إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء). الرابع: أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط، أما الحق تعالى فإنه يعطي قبل السؤال، ألا ترى أنه رباك حال كنت جنيناً في رحم الأم، وحال ما كنت جاهلاً غير عاقل، لا تحسن أن تسأل منه، ووقاك وأحسن إليك مع أنك ما سألته وما كان لك عقل ولا هداية. الخامس: أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغْيبة أو الموت، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة. السادس: أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم، أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل، كما قال: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). فثبت تعالى أنه رب العالمين ومحسن إلى الخلائق أجمعين، فلهذا قال تعالى في حق نفسه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

стр. 23

(الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ). سبق شرحهما. قال القرطبي: إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (ولو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من رحمته أحد). (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) أي: هو المالك للجزاء والحساب المتصرف في يوم الدين الذي يُدان كل عاملٍ بما عمل (يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ). (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً). وسمي يوم الدين لأن الناس يُدانون به (يعني يُجزون به). • يوم الدين: أي يوم الجزاء، والدين في القرآن يطلق على معنيين: الأول: بمعنى الجزاء كما في هذه الآية، وكما قال تعالى (إنا لمدينون) أي: لمجزيون، وكما قال تعالى (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي: جزاء أعمالهم، وقال تعالى (فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ. تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: غير مجزيين بأعمالكم ومحاسبين عليها، وقال تعالى (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) أي: إن الجزاء على الأعمال لواقع حقيقة. والثاني: العمل، كما في قوله تعالى (لكم دينكم ولي الدين) وقوله (ورضيت لكم الإسلام ديناً). • ومثل هذه الآية: قوله تعالى (وله الملك يوم ينفخ في الصور). وقوله تعالى (الملك يومئذ لله يحكم بينهم). وقال سبحانه (الملك يومئذ الحق للرحمن). وقال تعالى (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). • تخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئاً ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً). • مالك يوم الدين: جاء في قراءة (ملِك) وقد اختلف العلماء أيهما أبلغ مالك أو ملك. قال الشوكاني: فقيل: إن ملِك أعمّ وأبلغ، إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملك، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد والمبرد ورجحه الزمخشري.

стр. 24

وقيل: مالك أبلغ لأنه يكون مالكاً للناس وغيرهم … ثم قال الشوكاني: والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر، فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملِك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعاية، فالمالك أقوى من الملك في بعض الأمور، والملك أقوى من المالك في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة لفعله. وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وفي الجمع بين القراءتين فائدة عظيمة، وهي أن ملكه جل وعلا ملك حقيقي، لأن من الخلق من يكون ملكاً، ولكن ليس بمالك، يسمى ملكاً اسماً وليس له من التدبير شيء، ومن الناس من يكون مالكاً ولا يكون ملكاً كعامة الناس، ولكن الرب جل وعلا مالك ملك. الفوائد: ١ - كمال صفات الله ، لأن الحمد المطلق لا يستحقه إلا من كان كاملاً في وصفه، كاملاً في فعله. ٢ - ينبغي حمد الله دائماً وأبداً. ٣ - ثبوت ألوهية الله لقوله (لله) فالله إله الحق، وما سواه فهو باطل. ٤ - إثبات ربوبية الله، والرب هو الخالق المالك المدبر. ٥ - فيه أن كل مخلوق مربوب مقهور يتصرف فيه، فقير محتاج إلى الله تعالى. ٦ - فيه دليل على أن هذا العالم علَم وآية دالة على الله ، فجميع هذه المخلوقات تدل على وجود الخالق سبحانه. ٧ - إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى. ٨ - إثبات يوم القيامة والجزاء. ٩ - حث الإنسان على أن يعمل ويستعد لذلك اليوم الذي يجازى كل إنسان بعمله. ١٠ - إثبات البعث. ١١ - في الآية ترغيب وترهيب، فإن الإنسان إذا أيقن بأنه سيحاسب على عمله، ويثاب عليه حرِص على الأعمال الصالحة واجتهد، وترهيب للإنسان الذي يعمل السيئات أنه سيجازى على عمله في يوم القيامة. ١٢ - حكمة الله ، حيث جعل لهذا الخلق مآلاً يُدانون فيه، ويُجازون بأعمالهم، لأنه لولا ذلك لكان الأمر عبثاً، والله منزه عن العبث (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً). ١٣ - كمال عدل الله تعالى.

стр. 25

(إياك نعبد وإياك نستعين. اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ). [الفاتحة: ٤ - ٧]. (إياك نعبد وإياك نستعين) قال ابن كثير: أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، … فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله . … قال الشيخ السعدي: أي نخصك وحدك بالعبادة والاستعانة. قال ابن القيم: وكثيراً ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول (إياك نعبد) تدفع الرياء (وإياك نستعين) تدفع الكبرياء. ثم قال ابن القيم: فدواء الرياء (إياك نعبد) ودواء الكبر بـ (إياك نستعين). • العبادة تعريفها باعتبار المفعولات (الأعمال المتعبد بها): اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وباعتبار فعل العبد: الانقياد لله والخضوع له. • (وإياك نستعين) قال ابن القيم: والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره - مع ثقته به - لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه - مع عدم ثقته به - لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به. وقال الشيخ السعدي: والاستعانة هي: الاعتماد على الله في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصيل ذلك. • يكون العبد محققاً للعبودية بأمرين: الأول: متابعة الرسول ﷺ -. الثاني: الإخلاص لله ﵎. • كلما كان العبد أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له: كان أقرب إليه، وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله.

стр. 26

وقال ابن تيمية: أعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه. كما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره، ومتى احتجت إليهم -ولو في شربة ماء- نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته، ليكون الدين كله لله، ولا يشرك به شيئاً. وقال ﵀: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك، ومفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق، وفيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة. والرسول ﷺ قال (إنما أنا عبد)، وقد وصفه الله في وصف العبودية في أعلى المنازل: فقال تعالى في الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً). وقال تعالى في مقام التحدي (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ). وقال تعالى في مقام الدعوة (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً). وكان ﷺ أعبد الناس لربه وأخشاهم له. ووصف الله بذلك أكمل خلقه وأحبهم إليه وهم رسله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ). وقال تعالى (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ). وقال تعالى عن المسيح (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ). وقال عنه وعن الملائكة (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ). وقال أيضاً عن الملائكة (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ). والعبادة هي الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له التي خلق الخلق لها، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وبها أرسل جميع الرسل كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).

стр. 27

• (وإياك نستعين) فيها وجوب الاستعانة بالله في جميع أموره، فلا توفيق للعبد إلا إذا أعانه العبد. كما قال تعالى (إياك نعبد وإياك نستعين) وهي كلمة عظيمة جامعة يقال: إن سر الكتب الإلهية كلها ترجع إليها وتدور عليها. وفي الحديث قال ﷺ (وإذا استعنت فاستعن بالله). وفي استعانة الله وحده فائدتان: إحداهما: أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في عمل الطاعات. والثانية: أنه لا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول. وكان ﷺ يعلم أصحابه في خطبته أن يقول: الحمد لله نستعينه. وأمر معاذاً أن يقول دبر كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادك). وينبغي الاعتناء بهذا الدعاء لثلاثة أمور: لأنه وصية، ولأن النبي ﷺ قال لمعاذ فيه: إني أحبك، ولأنه دعاء جامع شامل. وفي دعاء القنوت (اللهم إنا نستعينك .. ). وقال موسى لقوم (استعينوا بالله واصبروا). ولما بشر ﷺ عثمان بالجنة على بلوى تصيبه قال: الله المستعان. ومن كلام بعض العارفين: يا رب عجبت لمن يعرفك يرجو غيرك، عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك. وكتب الحسن الى عمر بن عبد العزيز: لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه. • أتى بضمير الجمع في قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) والحكمة كما قال ابن القيم: الإتيان بضمير الجمع في الموضع أحسن وأفخم، فإن المقام مقام عبودية وافتقار إلى الرب تعالى، وإقرار بالفاقة إلى عبوديته واستعانته وهدايته، فأتى به بصيغة ضمير الجمع أي نحن معاشر عبيدك مقرون لك بالعبودية، وهذا كما يقول العبد للملك المعظم شأنه: نحن عبيدك ومماليكك وتحت طاعتك ولا نخالف أمرك، فيكون هذا أحسن وأعظم موقعاً عند الملك من أن يقول: أنا عبدك ومملوكك. قال الشيخ السعدي: وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها، لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى، فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامر واجتناب النواهي. • وقال ابن تيمية: وكثير ما يقرن الناس بين الرياء والعجب، فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس، وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق قوله (إياك نعبد) والمعجب لا يحقق قوله (إياك نستعين) فمن حقق قوله (إياك نعبد) خرج عن الرياء، ومن حقق قوله (وإياك نستعين) خرج عن الإعجاب.

стр. 28

(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي دلنا وأرشدنا، ووفقنا إلى الصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله وإلى جنته. • اختلف في المراد بالصراط المستقيم: فقيل: هو الإسلام. وقيل: هو القرآن. وقيل: محمد ﷺ وصاحباه. قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيحة وهي متلازمة. وقال الشوكاني: وجميع ما روي في تفسير هذه الآية يصدق بعضه بعضاً، فإن من اتبع الإسلام أو القرآن أو النبي فقد اتبع الحق. قال ابن جرير: وإنما وصفه الله بالاستقامة، لأنه صواب لا خطأ فيه، وقد زعم بعض أهل الغباء أنه سماه مستقيماً لاستقامته بأهله إلى الجنة، وذلك تأويلٌ لتأويل جميع أهل التفسير خلاف، وكفى بإجماع جميعهم على خلافه دليلاً على خطئه. … • الهداية هي: معرفة الحق والعمل به، فلا يكفي معرفة الحق دون العمل به، فالكثير من الناس يعرفون الحق ولا يعملون به، واليهود يعرفون صدق محمد ﷺ ولم يتبعوه. • قال ابن كثير: فإن قيل: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟ فالجواب: أن المراد الثبات والاستمرار على الأعمال المعينة. وفيما قاله ﵀ قصور، فإن الهداية أعم من ذلك. قال ابن القيم: فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم. وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه، وما لا نقدر عليه - مما نريده - كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوته الحصر.

стр. 29

وأيضاً للهداية مرتبة أخرى وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة وهو الصراط الموصل إليها. [مدارج السالكين: ١/] ومن ذلك الهداية إلى العلم والتعلم، فكم من الناس لا يسلكون طريق العلم وطلبه، وكم من الناس سلكوا هذا الطريق ولم يستمروا عليه. وكم ممن تعلم ولم يفوق، بل يقال له: ليتك ثم ليتك ما علمتَ. وكم من الناس من ينشغل بالمفضول عن الفاضل، وينشغل بالمباحات والإكثار منها. وأيضاً نحتاج للهداية في الأمور المستقبلية، فالمسلم بحاجة إلى سؤال الهداية في كل لحظة، فالأمور والعوارض والقضايا الدينية والدنيوية تمر عليه كل ساعة، فهو بحاجة إلى معرفة الحق فيها. وأيضاً المسلم بحاجة للهداية عند احتضاره وفي قبره قال تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة). وأيضا بعد موته في يوم القيامة ثم إلى منزله في الجنة قال تعالى (والذين قتلوا في سبيل الله سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم) أي سيهديهم إلى الجنة وإلى أماكنهم فيها ". • فيه دليل على استحباب سؤال الله الهداية دائماً وأبداً، فإن المسلم محتاج لها. قال ابن تيمية: أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة [اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين]، فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شر لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقال ﵀ في موضع آخر: ورأس هذه الأدعية وأفضلها قوله [اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين] فهذا الدعاء أفضل الأدعية وأوجبها على الخلق، فإنه يجمع صلاح العبد في الدين والدنيا والآخرة. وكان رسول الله ﷺ يقول (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) رواه مسلم.

стр. 30

وكان يقول في صلاة الليل ( … اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم وعلم الحسن أن يقول في دعاء قنوت الوتر (اللهم اهدني فيمن هديت) رواه أبو داود. وجاء أعرابي للرسول ﷺ فقال (يا رسول الله علمني كلاماً؟ .. الحديث وفيه ثم قال الأعرابي هؤلاء لربي فما لي؟ قال: قل اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني). رواه مسلم وعن أبي مالك قال (كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني). رواه مسلم وعن علي. قال: قال لي رسول الله ﷺ (قل اللهم اهدني وسددني). رواه مسلم (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) المعنى: أي اهدنا ووفقنا للصراط المستقيم الذي هو: صراط الذين أنعمت عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- هؤلاء المنعم عليهم هم المذكورون في قوله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً). • وفي ذكر الله ﵎ المنعم عليهم -وهم من سبق ذكرهم في الآية السابقة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- فائدة ذكرها ابن القيم حيث قال: ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس عنه ناكبون، مريداً لسلوك طريق مرافقُه في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرد، وعلى الأنس بالرفيق، نبه على الرفيق في هذه الطريق، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط: هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقل قدراً وإن كانوا هم الأكثرين عدداً.

стр. 31

(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلَا الضَّآلِّينَ) أي: اهدنا ودلنا على الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم (غير) صراط (المغضوب عليهم) الذين عرفوا الحق وتركوه كاليهود ونحوهم و (لا) صراط (الضالين) الذين تركوا الحق على جهل وضلالة كالنصارى ونحوهم. • المغضوب عليهم: هم اليهود، والضالون: هم النصارى، كما في الحديث من قوله ﷺ (اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون) رواه الترمذي. • ينبغي على المسلم أن يحذر من سلوك طريق اليهود والنصارى، لأن الله حذر منهما، فيجب على المسلم أن يحذر كل الحذر. قال ابن تيمية ﵀: ولما أمرنا الله ، أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين، وقد وقع ذلك كما أخبر به ﷺ حيث قال: لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ وهو حديث صحيح. • ومن الأمور التي وقعت فيها ناس من هذه الأمة مشابهة لليهود والنصارى: كتم العلم، والبخل بالعلم والمال، وقسوة القلب (ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) وغيرها كثير. … • وصف اليهود بالغضب والنصارى بالضلال: فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمداً فكان الغضب أخص صفاتهم، والنصارى جهلة لا يعرفون الحق فكان الضلال أخص صفاتهم. … وقال ابن القيم: ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به، ومن ههنا كان اليهود أحق به، والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصف النصارى به.

стр. 32

• فإن قيل: لم قدم المغضوب عليهم على الضالين؟ وأما تقديم المغضوب عليهم على الضالين فلوجوه: أحدها: أنهم متقدمون عليهم بالزمان. الثاني: أنهم كانوا الذين يلون النبي ﷺ من أهل الكتابين فإنهم كانوا جيرانه في المدينة، والنصارى كانت ديارهم نائية عنه، ولهذا تجد خطاب اليهود والكلام معهم في القرآن الكريم أكثر من خطاب النصارى كما في سورة (البقرة والمائدة وآل عمران) .. وغيرها من السور. الثالث: أن اليهود أغلظ كفراً من النصارى، ولهذا كان الغضب أخص بهم واللعنة والعقوبة، فإن كفرهم عن عناد وبغي كما تقدم، فالتحذير من سبيلهم، والبعد منها أحق وأهم بالتقديم، وليس عقوبة من جهل كعقوبة من علم. • قوله تعالى (أنعمت عليهم) ولم يقل: المنعم عليهم كما قال: المغضوب عليهم. أولاً: أن هذا جاء على الطريقة المعهودة في القرآن، وهي أن أفعال الإحسان والرحمة والجود تضاف إلى الله ، بخلاف الشر فإنه لا يضاف إلى الله تأدباً. ونظير هذا قول إبراهيم الخليل (الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين) فنسب الخلق والهداية والإحسان بالطعام والسقي إلى الله، ولما جاء إلى ذكر المرض قال (وإذا مرضت) ولم يقل: أمرضني. ومثل قوله تعالى حكاية عن مؤمني الجن (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً). ثانياً: أن النعمة بالهداية إلى الصراط: لله وحده، وهو المنعم بالهداية دون أن يشركه أحد في نعمته، فاقتضى اختصاصه بها أن يضاف إليه بوصف الإفراد فيقال: أنعمت عليهم، أي أنت وحدك المنعم المحسن المتفضل بهذه النعمة. [ذكره ابن القيم]. • ذكر الله تعالى انقسام الناس وأنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، المنعم عليهم - وهم من عرف الحق واتبعه - والمغضوب عليهم - وهم من عرفه واتبع هواه - والضالين - وهم من جهله - فالناس لا يخرجون عن هذه الأقسام الثلاثة. • يجب بغض ومعاداة اليهود والنصارى.

стр. 33

الفوائد: ١ - فيه وجوب الإخلاص في عبادة الله. فإن قال قائل كيف أتخلص من طلب العوض والثناء؟ فالجواب: علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته. ومعرفته أن الناس ليس بيدهم نفع ولا ضر، قال الفضيل: (من عرف الناس استراح) يريد -والله أعلم- أنهم لا ينفعون ولا يضرون. ٢ - الحذر من الرياء، وقد قال ﷺ (قال تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمِل عملاً أشرك معي غيري تركته وشركه) رواه مسلم. ٣ - يجب على المسلم أن يطلب العون من الله في جميع أموره. وقد كان رسول الله ﷺ يقول (رب أعني ولا تعن علي) رواه الترمذي. وعلم معاذ فقال له (لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أبو داود. ٤ - يجب على المسلم أن يحذر من أي أمر يعوقه عن الهداية. قال ابن القيم: " ولينظر إلى الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط، فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه ". ٥ - نستفيد أن من أسباب الهداية دعاء الله بذلك، لأن الله أمرنا بذلك بقوله: (اهدنا الصراط). وكان ﷺ يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك)، وهو الرسول ﷺ الذي قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. ٦ - دليل على أنه يستحب للداعي أن يقدم بين دعائه ثناء على الله بالتوحيد والثناء على الله. قال ابن القيم: ولما كان طالب الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب، علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم، توسلٌ إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ".

стр. 34

٧ - فيه أن الطريق الحق المستقيم واحد لا غير كما قال تعالى (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه). قال ابن القيم: وذكر الصراط المستقيم منفرداً، لأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه. ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فوحد لفظ الصراط وسبيله، وجمع السبل المخالفة له. وقال ابن مسعود (خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، وقال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن يساره، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) ". ٨ - قال ابن القيم: فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، هدي هناك إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذه الصراط يكون سيره على ذاك الصراط. ٩ - يجب على المسلم أن يفعل الأسباب التي تعينه على السير على الصراط المستقيم. ١٠ - دليل على أن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قوم علموا بالحق وعملوا به وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالهداية، وقسم علموا الحق ولم يعملوا به وهو المغضوب عليهم، وقسم لم يهتدوا إلى الحق لا علماً ولا عملاً وهم النصارى. ١١ - أن نعمة الدين أعظم من نعمة الدنيا. ١٢ - عظم ذنب من أوتي علماً ولم يعمل به، لأنه يستحق الغضب. فالعلم يطلب من أجل العمل.

стр. 35

وقد ذم الله اليهود لأنهم لم يعملوا بعلمهم وشبههم بالحمار يحمل أسفاراً. قال تعالى (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً). قال ابن كثير: يقول تعالى ذاماً لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل ثم لم يعملوا بها: مثلهم في ذلك كمثل الحمار يحمل أسفاراً، أي كمثل الحمار إذا حمل كتباً لا يدري ما فيها، فهو يحملها حملاً حسياً ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه حفظوه لفظاً ولم يتفهموه ولا عملوا بمقتضاه، بل أولوه وحرفوه وبدلوه فهم أسوأ حالاً من الحمير، لأن الحمار لا فهم له، وهؤلاء لهم فهم لم يستعملوه. ومن لم يعمل بعلمه فإنه سيكون حجة عليه. كما جاء في الحديث (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع وذكر منها .. وعن علمه ماذا عمل به). وقال بعض السلف: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم). والذي يعمل بعلمه يثبت علمه. نماذج مشرقة في تطبيق العمل بالعلم: ١ - عن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً) رواه البخاري ومسلم ٢ - ولما علم النبي ﷺ علياً وفاطمة: أن يسبحا ثلاثاً وثلاثين ويحمدا ثلاثاً وثلاثين ويكبرا أربعاً وثلاثين وقال: (فهو خير لكما من خادم) قال علي ﵁: ما تركته منذ سمعته من النبي ﷺ ، قيل له: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين. رواه مسلم ٣ - عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه؛ يبيت ثلاث ليالٍ إلا ووصيته مكتوبة) قال عبد الله بن عمر ﵁: ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي). رواه مسلم ٤ - قال البخاري: ما اغتبت أحداً منذ علمت أن الغيبة حرام، إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحداً.

стр. 36

٥ - عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت). قال ابن القيم ﵀: بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها عقب كل صلاة إلا نسياناً أو نحوه. ٦ - قال الإمام أحمد بن حنبل: (ما كتبت حديثاً إلا قد عملت به حتى مرَّ بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبي طيبة ديناراً فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً). فالعمل بالعلم دليل على أن هذا علم مبارك نافع. وكان السلف يستعينون بحفظ الأحاديث بالعمل. قال وكيع: إذا أردت أن تحفظ حديثاً فاعمل. ١٣ - وجوب التبرؤ من طريقة اليهود والنصارى. ١٤ - يجب معرفة أهل الباطل لنتجنب أعمالهم وأخلاقهم. تم ولله الحمد والمنة أخوكم الشيخ/ سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة البقرة (كاملةً) فوائد - منوعات - فضائل - أقوال إعداد سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 38

hotmail.com

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة البقرة مقدمة: هي سورة مدنية، قال ابن كثير: والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف. سميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها لتكون آية، فقد كان للبقرة شأن إلهي عجيب في هذه الحادثة. فضلها: عن النَّوَّاس بْن سَمْعَان قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِى تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ). رواه مسلم وعن أَبي أُمَامَة الْبَاهِلِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) رواه مسلم. الزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفِرْقُ: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامة، والبطلة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها: أي لا يمكنهم حفظها وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها. قوله (اقرؤوا الزهراوين) قال القرطبي: للعلماء في وجه تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال: الأول: أنهما النيرتان، لهدايتهما قارئهما مما يزهر له من أنوارهما أي من معانيهما. الثاني: لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. الثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم.

стр. 40

• أغراضها: أولاً: بيان صدق القرآن، وأن دعوته حق لا ريب فيه. ثانياً: بيان أصناف الناس أمام هداية القرآن. ثالثاً: تناولت السورة الحديث بإسهاب عن أهل الكتاب وبوجه خاص اليهود، وناقشتهم في عقيدتهم، وذكّرتهم بنعم الله على أسلافهم. رابعاً: والنصف الأخير من السورة تناول جانب التشريع، لأن المسلمين كانوا في بداية تكوين الدولة الإسلامية، وهم في أمس الحاجة إلى التشريع السماوي الذي يسيرون عليه في حياتهم، وقد ذكرت السورة من ذلك (القصاص، وأحكام الصوم، وأحكام الحج والعمرة، وأحكام الجهاد في سبيل الله، وشؤون الأسرة وما يتعلق بها، وذكرت الإنفاق في سبيل الله، وذكرت البيع والربا). خامساً: ختمت السورة بتوجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة والتضرع إلى الله وطلب النصر على الكفار. (نقلاً من كتاب: أسماء القرآن وفضائلها). • قال ابن عاشور: هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان. قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسبان، وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات. ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس. وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم. وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية، وأساليب الكتب التشريعية، وأساليب التذكير والموعظة، يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين. (تفسير ابن عاشور).
следующие страницы →