← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٥ - عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي عقب كل صلاة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت). قال ابن القيم ﵀: بلغني عن شيخ الإسلام أنه قال: ما تركتها عقب كل صلاة إلا نسياناً أو نحوه. ٦ - قال الإمام أحمد بن حنبل: (ما كتبت حديثاً إلا قد عملت به حتى مرَّ بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبي طيبة ديناراً فاحتجمت وأعطيت الحجام ديناراً). فالعمل بالعلم دليل على أن هذا علم مبارك نافع. وكان السلف يستعينون بحفظ الأحاديث بالعمل. قال وكيع: إذا أردت أن تحفظ حديثاً فاعمل. ١٣ - وجوب التبرؤ من طريقة اليهود والنصارى. ١٤ - يجب معرفة أهل الباطل لنتجنب أعمالهم وأخلاقهم. تم ولله الحمد والمنة أخوكم الشيخ/ سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة البقرة (كاملةً) فوائد - منوعات - فضائل - أقوال إعداد سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 38

hotmail.com

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة البقرة مقدمة: هي سورة مدنية، قال ابن كثير: والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف. سميت بهذا الاسم، لأنها انفردت بذكر قصة البقرة التي أمر الله بني إسرائيل بذبحها لتكون آية، فقد كان للبقرة شأن إلهي عجيب في هذه الحادثة. فضلها: عن النَّوَّاس بْن سَمْعَان قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ (يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِى تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ). رواه مسلم وعن أَبي أُمَامَة الْبَاهِلِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُول (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعاً لأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ) رواه مسلم. الزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفِرْقُ: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامة، والبطلة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها: أي لا يمكنهم حفظها وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها. قوله (اقرؤوا الزهراوين) قال القرطبي: للعلماء في وجه تسمية البقرة وآل عمران بالزهراوين ثلاثة أقوال: الأول: أنهما النيرتان، لهدايتهما قارئهما مما يزهر له من أنوارهما أي من معانيهما. الثاني: لما يترتب على قراءتهما من النور التام يوم القيامة. الثالث: سميتا بذلك لأنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم.

стр. 40

• أغراضها: أولاً: بيان صدق القرآن، وأن دعوته حق لا ريب فيه. ثانياً: بيان أصناف الناس أمام هداية القرآن. ثالثاً: تناولت السورة الحديث بإسهاب عن أهل الكتاب وبوجه خاص اليهود، وناقشتهم في عقيدتهم، وذكّرتهم بنعم الله على أسلافهم. رابعاً: والنصف الأخير من السورة تناول جانب التشريع، لأن المسلمين كانوا في بداية تكوين الدولة الإسلامية، وهم في أمس الحاجة إلى التشريع السماوي الذي يسيرون عليه في حياتهم، وقد ذكرت السورة من ذلك (القصاص، وأحكام الصوم، وأحكام الحج والعمرة، وأحكام الجهاد في سبيل الله، وشؤون الأسرة وما يتعلق بها، وذكرت الإنفاق في سبيل الله، وذكرت البيع والربا). خامساً: ختمت السورة بتوجيه المؤمنين إلى التوبة والإنابة والتضرع إلى الله وطلب النصر على الكفار. (نقلاً من كتاب: أسماء القرآن وفضائلها). • قال ابن عاشور: هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان. قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسبان، وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات. ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس. وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم. وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية، وأساليب الكتب التشريعية، وأساليب التذكير والموعظة، يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين. (تفسير ابن عاشور).

стр. 41

(الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)). [البقرة: ١، ٢] (الم) هذه تسمى الحروف المقطعة، اختلف العلماء في الحروف المقطعة التي وردت في أوائل بعض السور على أقوال كثيرة: فقيل: لها معنى، واختلف في معناها: فبعض العلماء: قال هي أسماء للسور، وبعضهم قال: هي أسماء لله، وبعضهم قال غير ذلك. وقيل: هي حروف هجائية ليس لها معنى، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: وحجة هذا القول: أن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية. وأما الحكمة منها: فأرجح الأقوال أنها إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم، ورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره فقال: وقال آخرون إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وإليه ذهب الشيخ أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية. … وقد رجح هذا الشيخ الشنقيطي في أضواء البينان حيث قال بعد أن ذكر الخلاف: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله … ثم قال ﵀: ووجه استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وأنه حق، قال تعالى في البقرة (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وقال في آل عمران (ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق)، وقال في الأعراف (المص كتاب أنزل إليك)، وقال في يونس (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال في هود (الر كتاب أحكمت آياته .. )، وقال في يوسف (الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآناً عربياً). ثم ذكر ﵀ بقية السور.

стр. 42

ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال بعدما رجح هذا القول: أن هذا القرآن لم يأت بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر، وإنما هي من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر، ومع ذلك فقد أعجزهم • وأما قول من قال إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، فهذا ضعيف، لأن الفصل حاصل بدونها. • وقول من قال: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذا تواصوا بالإعراض عن القرآن إذا تلي عليهم، وهذا ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها. • عدد هذه الحروف المقطعة (١٤) حرفاً يجمعها قولهم: نص حكيم قاطع له سر. • افتتح الله (٢٩) سورة بالحروف المقطعة. (ذَلِكَ الْكِتَابُ) يخبر تعالى أن هذا الكتاب وهو القرآن العظيم لا شك أنه أنزل من عند الله كما قال تعالى في سورة السجدة (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ). • قال الرازي: واتفقوا على أن المراد من الكتاب القرآن قال تعالى (كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ). • قوله تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ) أي هذا الكتاب، و (ذلك) تستعمل بمعنى (هذا) كقوله تعالى (ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) أي هذا، وقال بعض العلماء: استعمل ذلك، لما تفيده الإشارة بلام البعد عن علو المنزلة وارتفاع القدر والشأن. • وسمي القرآن كتاباً: أولاً: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ: كما قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ). ثانياً: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة: قال تعالى (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ). ثالثاً: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، ونقرؤه من هذه الكتب.

стр. 43

• من أسماء القرآن: أولاً: الفرقان. كما قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ). وسمي بذلك: قيل: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، وقيل: لأنه نزل متفرقاً في حين أن سائر الكتب نزلت جملة واحدة، وقيل: الفرقان هو النجاة، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وكل هذه الأقوال صحيحة. ثانياً: القرآن. كما قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً). ثالثاً: الكتاب، كما في هذه الآية. رابعاً: الذكر. كما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). قال ابن جرير في وجه تسميته بالذكر: إنه محتمل معنيين: أحدهما: أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكّر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه. والآخر: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني أنه شرف به شرف له ولقومه. • والكتاب جاء في القرآن على وجوه: أحدها: الفرض، قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام) (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً). وثانيها: الحجة والبرهان، قال تعالى (فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين) أي برهانكم.

стр. 44

وثالثها: الأجل، قال تعالى (وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ) أي أجل. ورابعها: بمعنى مكاتبة السيد عبده، قال تعالى (والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم). (لا رَيْبَ فِيهِ) الريب هو الشك مع القلق فهو أخص من الشك. فالقرآن لا شك ولا ريب أنه موحى من عند الله، كما قال تعالى (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين). والقرآن لا شك أنه يبعث على عدم الريب والشك. والقرآن لا شك ولا ريب أنه واقع موقعه. والقرآن لا يتضمن أموراً تبعث على الريب والشك. والقرآن لا يوجد فيه متناقضات. والقرآن لا ريب فيه وإن ارتاب فيه المرتابون. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (لا رَيْبَ فِيهِ) واختلف العلماء في معنى هذه الآية على ثلاثة أقوال. أحدها: أن ظاهرها النفي، ومعناها النهي، وتقديرها: لا ينبغي لأحد أن يرتاب به لإتقانه وإحكامه. ومثله (ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء) أي: ما ينبغي لنا. والثاني: أن معناها: لا ريب فيه أنه هدىً للمتقين. والثالث: أن معناها: لا ريب فيه أنه من عند الله، قاله مقاتل في آخرين. • قال السعدي: لا ريب فيه: ونفي الريب عنه يستلزم ضده، إذ ضد الريب والشك اليقين، فهذا الكتاب مشتمل على علم اليقين، المزيل للشك والريب، وهذه قاعدة مفيدة: أن النفي المقصود به المدح، لا بد أن يكون متضمناً لضده، وهو الكمال، لأن النفي عدم، والعدم المحض لا مدح فيه. فيه دليل على أنه لا ينبغي للمسلم أن يرتاب في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة.

стр. 45

هذا التنويه بهذا القرآن في كماله وعدم تناقضاته يستوجب حمد الله تعالى (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا). (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) أي هاد للمؤمنين والمؤمنات الذين اتقوا عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فالقرآن هاد لمن اتبعه وعمل بما فيه لكل خير وسعادة في الدنيا والآخرة. • فالقرآن العظيم يُطلق هداه على الهدى العام، ويطلق هداه على الهدى الخاص. فالهدى العام معناه بيان الطريق وإيضاح المحجة البيضاء، وبيان الحق من الباطل، والنافع من الضار، ومنه (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: بينا الحق على لسان نبينا صالح، ومنه قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ). وأما الهدى الخاص فمعناه توفيق الله لعبده حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة، ومنه قوله (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي). وخصهم المتقين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بآيات الله، كما قال تعالى (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) فخصهم بالإنذار لأنهم المنتفعون به، وإلا فالإنذار للجميع. (الشنقيطي). • وقال ﵀: قوله تعالى (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) خصص في هدى هذا الكتاب بالمتقين، وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أن هداه عام لجميع الناس، و هي قوله تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) الآية. ووجه الجمع بينهما: أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين: أحدهما عام والثاني خاص. أما الهدى العام: فمعناه إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع أنهم لم يسلكوها بدليل قوله (فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).

стр. 46

ومنه أيضا قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ)، أي بينا له طريق الخير والشر بدليل قوله (إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً). وأما الهدى الخاص: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) الآية. وقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ). فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين، هو الهدى الخاص وهو التفضل بالتوفيق عليهم، والهدى العام للناس هو الهدى العام، وهو إبانة الطريق وإيضاح المحجة. • وقال ابن الجوزي: والثاني: خصَّ المتقين لانتفاعهم به، كقوله (إنما أنت منذر من يخشاها) وكان منذراً لمن يخشى ولمن لا يخشى. • وقال السعدي: قوله تعالى (هدى للمتقين) وقال في موضع آخر (هدي للناس) فعمّ وفي هذا الموضع و غيره (هدى للمتقين) لأنه في نفسه هدى لجميع الخلق، فالأشقياء لم يرفعوا به رأساً ولم يقبلوا هدى الله، فقامت عليهم به الحجة ولم ينتفعوا به لشقائهم، وأما المتقون الذين أتوا بالسبب الأكبر لحصول الهداية وهو التقوى التي حقيقتها اتخاذ ما يقي سخط الله وعذابه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه فاهتدوا به وانتفعوا غاية الانتفاع قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً) فالمتقون هم المنتفعون بالآيات القرآنية والآيات الكونية. • قال الشنقيطي: صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن هدى للمتقين، ويفهم من مفهوم الآية - أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب - أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لَا يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) وقوله (وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً) وقوله (وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَاناً فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وقوله تعالى (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً) الآيتين، ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق. • قال بعض العلماء: ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا في قوله تعالي (هدي للمتقين) كفاه لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) ثم قال ها هنا (هدى للمتقين) فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس فمن لا يكون متقياً كأنه ليس بإنسان.

стр. 47

• قوله تعالى (هدى للمتقين) في الآية فضل التقوى، ومن فضائلها: أولاً: أنها سبب لتيسير الأمور. قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً). ثانياً: أنها سبب لإكرام الله. قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). ثالثاً: العاقبة لأهل التقوى. قال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). رابعاً: أنها سبب في دخول الجنة. قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ). وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). خامساً: أنها سبب لتكفير السيئات. قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً). سادساً: أنها سبب لحصول البشرى لهم. قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا). سابعاً: أنها سبب للفوز والهداية. قال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ). ثامناً: أنها سبب للنجاة يوم القيامة. قال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً).

стр. 48

تاسعاً: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض. قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ). عاشراً: أنها سبب للخروج من المأزق. قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). الحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله. قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ). الثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن. قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ). الثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله. قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ). الرابع عشر: أنها خير زاد. قال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى). الخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم. قال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ). السادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين. قال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً). السابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال. قال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ). الثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس. قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ). التاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة. قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ). العشرون: أنها من أسباب ولاية الله. قال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ). وقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ). • قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.

стр. 49

• والتقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت هذا المعنى. قال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. قال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى. وروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. قال ابن المعتز: خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى كن مثل ماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرنَّ صغيرة إن الجبال من الحصى • قال ابن القيم: مراتب التقوى: التقوى ثلاث مراتب: إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. … وقال القرطبي: سأل عمر أبياً عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. المراد بالمتقين من اتقوا الله ﵎، ففعلوا أوامره واجتنبوا نواهيه، وقال بعض العلماء: سمي المتقون بذلك: لأنهم اتقوا ما لا يتقى.

стр. 50

قال ابن القيم: فكلما اتقى العبد ربه ارتقى إلى هداية أخرى، فهو في مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى، وكلما فوت حظاً من التقوى، فاته حظ من الهداية بحسبه، فكلما اتقى زاد هداه، وكلما اهتدى زادت تقواه. فالقرآن كله هدى، قال تعالى (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) أي أن هذا القرآن العظيم القدر، يهدي للتي هي أقوم أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب، وقال تعالى (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمةً وبشرى للمسلمين)، وقال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين. يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)، إن القرآن العظيم كالمصباح لهذه الأمة، فلا سبيل لهدايتها إلا به. والقرآن مثبت على الحق، كما قال تعالى (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا). الفوائد: ١ - بيان إعجاز هذا القرآن وأنه من عند الله. ٢ - أن هذا القرآن مكون من هذه الحروف التي يعرفونها ومع ذلك أعجزهم الله أن يأتوا بمثله. ٣ - عظمة هذا القرآن العظيم. ٤ - أن الله يتكلم بحرف وبصوت، لأن قوله (ألم) من كلام الله، وهي حروف. ٥ - الثناء على هذا القرآن بأنه لا ريب فيه ولا شك، بل هو كامل يهدي لكل خير ويقين. ٦ - الترغيب في القرآن لقوله (هدى). ٧ - فضل التقوى وأنها سبب لهداية القرآن. ٨ - أنه كلما زادت تقوى الإنسان ازداد اهتداؤه بهذا القرآن، لأن الحكم إذا علق على وصف ازداد بزيادته ونقص بنقصه. قال بعض العلماء: درجات التقوى خمس: أن يتقي العبد الكفر، وذلك مقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي، والحرمات، وهو مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات، وهو مقام الورع، وأن يتقي المباحات وهو مقام الزهد، وأن يتقي حضور غير الله على قلبه وهو مقام المشاهدة.

стр. 51

(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)) [البقرة: ٣ - ٥]. (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) هذه من صفات المتقين، أنهم يؤمنون بما غاب عنهم مما أخبر به الله ورسله، من البعث، والجنة، والصراط والحساب وغيرها. • عظم منزلة الإيمان بالغيب، حيث ذكره الله تعالى في أول صفات المتقين، والغيب كل ما غاب عنك، و هو ما لا يقع تحت الحواس، ويعلم بخبر الأنبياء، فلا سبيل إلى معرفته إلا عن طريق الوحي. • ومعنى الغيب: قيل: كل ما غاب عن العباد من الجنة والنار، وقيل: القرآن، وقيل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وبالبعث، قال ابن كثير: كل هذه متقاربة في معنى واحد، لأن جميع المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به، وقال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. • الإيمان بالغيب من أعظم الفروق بين المؤمن التقي كامل الإيمان وبين المؤمن ناقص الإيمان، لأن المحسوسات كل يؤمن بها، بخلاف المغيبات. • قال السعدي: وليس الشأن في الإيمان في الأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر، إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به لخبر الله وخبر رسوله، فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر، لأنه تصديق مجرد لله ورسله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده أو لم يشاهده، وسواء فهمه وعقله أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) أي ومن صفات المتقين أنهم يقيمون الصلاة على وجه مستقيم بشروطها وأركانها ومستحباتها كما جاء عن رسول الله ﷺ .

стр. 52

• قال السعدي: لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهراً بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطناً بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها. • لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة). إقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر. • قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) يشمل صلاة الفرض والنفل. • قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) فيه دليل على أهمية الصلاة و عظيم منزلتها وأنها من أعظم صفات المتقين، ومما يدل على عظيم منزلتها: أنها فرضت في أعلى مكان (في السماء ليلة الإسراء والمعراج). وفرضت خمس صلوات في اليوم والليلة، وأول ما فرضت خمسين ثم خففت إلى خمس في العدد، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها سبحانه. أن تاركها كافر يحشر مع فرعون وقارون وأبي بن خلف، وأعظم العبادات بعد الشهادتين، وهي عمود الدين. (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي ومما أعطيناهم من المال يخرجون. • اختلف في المراد بالنفقة هنا: فقيل: الزكاة المفروضة، وقيل: صدقة التطوع، والصحيح أنها عامة في كل أنواع الإنفاق، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري والقرطبي والسعدي. • قال السعدي: يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقة على الزوجات والأقارب والمماليك ونحو ذلك، والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير. • قوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) أي ينفقون بعض مالهم لا كله. • قال السعدي: وأتى بـ[من] الدالة على التبعيض، لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءاً يسيراً من أموالهم، غير ضار لهم ولا مثقل، بل ينتفعون هم بإنفاقه، وينتفع به إخوانهم. • ولم يبين الله القدر الذي ينبغي إنفاقه، وقد بين ذلك في قوله تعالى (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو: الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ) صلة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بذل عزيز على النفس في مرضاة الله؛ لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجاً إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الأعمال، من ذلك التزام آثاره في الغيبة الدالة عليه (الذين يؤمنون بالغيب) ومن ذلك ملازمة فعل الصلوات لأنها دليل على تذكر المؤمن من آمن به، ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالاً لأمر الله بذلك.

стр. 53

• في الآية فضل الإنفاق في طاعة الله، ومن فضائله: أولاً: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ). وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). ثانياً: مضاعفة الحسنات. قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). ثالثاً: أن درجة البر تنال بالإنفاق. قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). رابعاً: أنها من صفات المتقين. كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) دليل على أن الإنفاق ملازم لهم في جميع أحوالهم. خامساً: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر. قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). سادساً: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل. قال تعالى (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ). وقال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ). سابعاً: أن الله يخلف الصدقة. قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). ثامناً: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان. قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم، فالصدقة برهان على صحة الإيمان. تاسعاً: ينال دعاء الملائكة. كما قال ﷺ (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه.

стр. 54

عاشراً: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد. قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). الحادي عشر: أنها إرغام للشيطان وحسن ظن بالله. قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير. قال ﷺ (لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا). • قال السعدي: قوله تعالى (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون) إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم، ليست حاصلة بقوتكم وملككم، وإنما هي رزق الله الذي أنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم الله به عليكم وواسوا إخوانكم المعدمين. • قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) كثيراً ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والإنفاق [الزكاة] كقوله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ). قيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق. وقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية. وقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.

стр. 55

قال السعدي: وكثيراً ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن، لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود، وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه، فلا إخلاص ولا إحسان. (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي: ومن صفات هؤلاء المتقين أنهم يؤمنون بجميع الكتب المنزلة، فيؤمنون بالكتاب الذي أنزل إليك وهو القرآن، ويؤمنون بالكتب السابقة، كالتوراة والإنجيل والزبور. • قال الشيخ ابن عثيمين: وبدأ بالقرآن مع أنه آخرها زمناً، لأنه مهيمن على الكتب السابقة ناسخ لها. • اختلف العلماء في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما زرقناهم ينفقون) على قولين: فقيل: إن الموصوفين أولاً مؤمنوا العرب، والموصوفون ثانياً بقوله (والذين يؤمنون بما أنزل إليك … ) لمؤمني أهل الكتاب، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري ﵀. وقيل: إن هؤلاء هم الموصوفون قبل هذه الآية، وهم مؤمنوا العرب ومؤمنوا أهل الكتاب، ورجح هذا ابن كثير. ويدل لصحة هذا القول أن الله أمر بذلك فقال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ). وقال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). • ورد فضل للكتابي الذي آمن بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ . قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا). قال ﷺ (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: … ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي ﷺ فآمن به). (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي: يوقنون بما يكون بعد الموت من لقاء الله والبعث والحساب والجنة والنار.

стр. 56

• قال السعدي: الآخرة اسم لما يكون بعد الموت، وخصه بالذكر بعد العموم، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان، ولأنه أعظم باعث على الرغبة والرهبة والعمل، واليقين: هو العلم التام الذي ليس فيه أدنى شك، والموجب للعمل • وقال ابن عاشور: والآخرة في اصطلاح القرآن هي الحياة الآخرة. • الآخرة أي اليوم الآخر، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، ويتضمن البعث، والثواب، والعقاب، والجنة، والنار وغير ذلك مما يكون يوم القيامة. • قال ابن عاشور: فالتعبير عن إيمانهم بالآخرة بمادة الإيقان لأن هاته المادة، تشعر بأنه علم حاصل عن تأمل وغوص الفكر في طريق الاستدلال لأن الآخرة لما كانت حياة غائبة عن المشاهدة غريبة بحسب المتعارف وقد كثرت الشبه التي جرت المشركين والدهريين على نفيها وإحالتها، كان الإيمان بها جديراً بمادة الإيقان بناء على أنه أخص من الإيمان، فلإيثَار (يوقنون) هنا خصوصية مناسبة لبلاغة القرآن، والذين جعلوا الإيقان والإيمان مترادفين جعلوا ذكر الإيقان هنا لمجرد التفنن تجنباً لإعادة لفظ (يؤمنون) بعد قوله (والذين يؤمنون بما أنزل إليك). • للإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة: منها: الرغبة في فعل الطاعات والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم. ومنها: الرهبة من فعل المعصية والرضى بها خوفاً من عقاب ذلك اليوم. ومنها: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها. • قيل: ثمرة اليقين بالآخرة الاستعداد لها، فقد قيل عشرة من المغرورين: من أيقن أن الله خالقه ولا يعبده، ومن أيقن أن الله رازقه ولا يطمئن به، ومن أيقن أن الدنيا زائلة ويعتمد عليها، ومن أيقن أن الورثة أعداؤه ويجمع لهم، ومن أيقن أن الموت آت فلا يستعد له، ومن أيقن أن القبر منزله فلا يعمره، ومن أيقن أن الديان يحاسبه فلا يصحح حجته، ومن أيقن أن الصراط ممره فلا يخفف ثقله، ومن أيقن أن النار دار الفجار فلا يهرب منها، ومن أيقن أن الجنة دار الأبرار فلا يعمل لها. • قال ذو النون المصري: اليقين داع إلى قصر الأمل، وقصر الأمل يدعو إلى الزهد، والزهد يورث الحكمة، والحكمة تورث النظر في العواقب.

стр. 57

• فضل اليقين، ومن فضائله: أولاً: سبب للإمامة. قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ). ثانياً: وأهل اليقين هم أهل الانتفاع بالآيات. قال تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ). ثالثاً: خص الله أهل اليقين بالهدى والفلاح. قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ). رابعاً: سبب دخول أهل النار النار عدم يقينهم. قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ). خامساً: صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين. قال ﷺ : (صلاح هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمان). سادساً: سبب لتهوين مصائب الدنيا. فقد كان النبي ﷺ يدعو قبل أن يقوم من مجلسه: ( … ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا). قال ابن مسعود: لو وقع اليقين في القلب لطار إلى الجنة اشتياقاً.

стр. 58

(أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) قال ابن كثير: يقول الله تعالى: (أولئك) أي المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والإنفاق من الذي رزقهم الله والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل والإيقان بالدار الآخرة وهو مستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرمات، (على هدى) أي على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى، (وأولئك هم المفلحون) أي في الدنيا والآخرة. • قوله تعالى (عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ) أي على هدى عظيم، لأن التنكير للتعظيم، وأي هداية أعظم من تلك الصفات المذكورة المتضمنة للعقيدة الصحيحة والأعمال المستقيمة (وأولئك هم المفلحون) والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم، لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم. • قال الشوكاني: معنى الاستعلاء في قوله (على هدى) مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه. • وقال السعدى: وأتى بـ (على) في هذا الموضع، الدالة على الاستعلاء، وفي الضلالة يأتي بـ (في) كما في قوله (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) لأن صاحب الهدى مستعل بالهدى، مرتفع به، وصاحب الضلال منغمس فيه محتَقر. … • قوله تعالى (مِنْ رَبِّهِمْ) أي خالقهم المدبر لأمورهم، والربوبية هنا خاصة متضمنة للتربية الخاصة التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. • قوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) قال النووي: الفلاح الفوز والنجاة وإصابة الخير، قالوا وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح. • قال البقاعي: والفلاح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في الخير. • وقال ابن عاشور: والفلاح: الفوز وصلاح الحال، فيكون في أحوال الدنيا وأحوال الآخرة، والمراد به في اصطلاح الدين الفوز بالنجاة من العذاب في الآخرة. • وقال الشنقيطي: والفلاح في لغة العرب يطلق إطلاقين مشهورين، وكل منهما يدخل في الآية: الإطلاق الأول: أن العرب تقول (أفلح فلان) إذا فاز بمطلوبه الأكبر، فكل إنسان كان يحاول مطلوباً أعظم ثم ظفر به وفاز بما كان يرجو فهذا قد أفلح. الإطلاق الثاني: أن المراد بالفلاح: الدوام والبقاء السرمدي في النعيم، فكل من كان له دوام وبقاء في النعيم تقول العرب (نال الفلاح). (الشنقيطي). • وقال السعدي: والفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، حصر الفلاح فيهم؛ لأنه لا سبيل إلى الفلاح إلا بسلوك سبيلهم، وما عدا تلك السبيل، فهي سبل الشقاء والهلاك والخسار التي تفضي بسالكها إلى الهلاك. • قوله تعالى (وأولئك هم المفلحون) فيه أن الفلاح مرتب على الاتصاف بهذه الصفات، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات، لأن من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، ولولا ذلك ما كان في الجنات درجات.

стр. 59

فائدة: قال مجاهد: أربع آيات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاثة عشر في المنافقين. الفوائد: ١ - أهمية الإيمان بالغيب وأنه من أعظم صفات المتقين. ٢ - أهمية الصلاة وأنها من أعظم صفات المتقين، وهذا يشمل فرضها ونفلها. ٣ - أهمية الإنفاق في سبيل الله في كل مجالات الخير، وقد سبق فضائل الإنفاق. ٤ - على المسلم أن يحرص على المحافظة على الصلاة والإنفاق، فإن الله كثيراً ما يقرن بينهما في كتاب (وقد سبق الحكمة من ذلك من كلام السعدي ﵀. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ). وقال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ). وقال تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). وقال تعالى (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) وغير ذلك كثير. ٥ - ذم البخل. ٦ - إثبات علو الله لقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ .. ) والنزول يكون من أعلى إلى أسفل.

стр. 60

وعلو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسم: علو ذات (أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه)، وعلو القدر (أي قدره وشأنه عال)، وعلو القهر والغلبة والسلطان. علو القهر والقدر: متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدعة (فكلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علواً معنوياً). وأما العلو الذاتي، فيثبته أهل السنة والجماعة، ولا يثبته أهل البدع، والحق مذهب أهل السنة وأن الله عال بذاته والأدلة كثيرة جداً على علوه ، من الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع. أما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة: أحدها: التصريح بالفوقية. كقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ). وكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ). الثاني: التصريح بالعروج إليه. كقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ). وقوله ﷺ (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.). الثالث: التصريح بالصعود إليه. كقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ). الرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه. كقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ). وقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ). الخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو. كقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). وقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ). وقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).

стр. 61

السادس: التصريح بنزيل الكتاب منه. كقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم). وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ). وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ). السابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء. كقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ). وقال الرسول ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود. الثامن: التصريح بالاستواء على العرش. كقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). التاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى. كقوله ﷺ : (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً). والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع. العاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل. الحادي عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلاً: اللهم اشهد). الثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه: (أين الله).

стр. 62

الثالث عشر: شهادته ﷺ لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان. الرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي. الخامس عشر: إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة. من العقل: أن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده. وأما الفطرة: قال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله. وأما الإجماع: فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه. ٧ - فيه أن القرآن منزل غير مخلوق، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة. ومن الأدلة على أنه منزل: قوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً). وقوله سبحانه (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ).

стр. 63

والدليل على أنه غير مخلوق: قوله تعالى (ألا له الخلق والأمر) فجعل الأمر غير الخلق، والقرآن من الأمر لقوله تعالى (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) وقوله سبحانه (ذلك أمر الله أنزله إليكم). ٨ - وجوب الإيمان بجميع الكتب المنزلة. قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً. الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه: كالقرآن الذي نزل على محمد ﷺ ، والتوراة التي أنزلت على موسى، والإنجيل الذي أنزل على عيسى، والزبور الذي أوتيه داود ﵇، وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً. الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة. الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى (وأنزلنا إليك الكتاب مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه). ٩ - فضل الإيمان باليوم الآخر (من الموت والبعث والجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه وغيرها). • قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: لأن الإيمان بالله هو الذي يبعث على العمل، ولهذا يقرن الله دائماً الإيمان بالله وباليوم الآخر. ١٠ - أن ربوبية الله تكون خاصة وعامة، وقد اجتمعا في قوله تعالى عن سحرة فرعون (آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون). ١١ - أن الفلاح مرتب على الاتصاف بما ذكر، فإن اختلت صفة منها نقص من الفلاح بقدر ما اختل من تلك الصفات.

стр. 64

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)). [البقرة: ٦، ٧] (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) اختلف العلماء في تأويل هذه الآية: فقيل: هي عامة ومعناها الخصوص فيمن سبقت عليه كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنه يموت على كفره، أراد الله أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحداً، وقيل: نزلت في رؤساء اليهود، وقيل: نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب. قال القرطبي: والأول أصح. فمعنى الآية - والله أعلم - أن الكفار الذين كتبت عليهم الشقاوة وحقت عليهم كلمة العذاب يستوي عندهم الإنذار من عدمه فهم لا ينتفعون بإنذار ولا بغير إنذار، كما قال تعالى (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم). وقد حكى ابن عطية الاتفاق على أن هذه الآية غير عامة لوجود كفار قد أسلموا بعدها. • قال ابن الجوزي: قال شيخنا علي بن عبيد الله: هذه الآية وردت بلفظ العموم، والمراد بها الخصوص، لأنها آذنت بأن الكافر حين إنذاره لا يؤمن، وقد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم، ولو كانت على ظاهرها في العموم، لكان خبر الله لهم خلاف مخبره، ولذلك وجب نقلها إلى الخصوص. • قال الشنقيطي: قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) هذه الآية تدل بظاهرها على عدم إيمان الكفار، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن بعض الكفار يؤمن بالله ورسوله كقوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف) الآية. وكقوله (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) وكقوله: (وَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ)، ووجه الجمع ظاهر وهو أن الآية من العام المخصوص لأنه في خصوص الأشقياء الذين سبقت لهم في علم الله الشقاوة المشار إليهم بقوله (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ). ويدل لهذا التخصيص قوله تعالى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) الآية وأجاب البعض بأن المعنى لا يؤمنون مادام الطبع على قلوبهم وأسماعهم والغشاوة على أبصارهم فإن أزال الله عنهم ذلك بفضله آمنوا.

стр. 65

• قوله تعالى (إن الذين كفروا) الكفر لغة الستر والتغطية، ويسمى الليل (كافراً) لأنه يغطي كل شيء، وكل شيء غطى شيء فقد كفره، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، وشرعاً: ضد الإيمان، فهو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب. • قوله تعالى (أَأَنْذَرْتَهُمْ) الإنذار: هو الإعلام المقرون بالتخويف. • قوله تعالى (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) فيه دليل على أنه ينبغي إنذار الكفار وتحذيرهم من غضب الله إن لم يؤمنوا، وننذرهم لأمور: أولاً: لأن الله أمر بذلك. فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ). وقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى). ثانياً: ننذرهم رجاء انتفاعهم. كما قال الواعظون من بني إسرائيل (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ). ثالثاً: تبرئة الذمة وقياماً بالواجب. كما في الآية السابقة (معذرة إلى ربكم) أي قال الناهون: إنما نعظكم لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير. • قال الرازي: الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى. • قال القاسمي: سؤال: فإن قيل: لم اقتصر على الإنذار ولم يذكر البشارة في قوله تعالى (أأنذرتهم أم لم تنذرهم)؟ الجواب: لأنهم ليسوا أهلاً للبشارة ولأن الإنذار أوقع في القلوب ومن لم يتأثر به فلأن لا يرفع البشارة رأساً. (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) الختم: الاستيثاق منه حتى لا يصل إليه خير ولا يخرج منه شر، فالمعنى: أن الله ختم على قلوب هؤلاء وطبع عليها، بحيث لا يخرج منها شر ولا يدخل إليها خير، كالقارورة إذا ختمتها وطبعت عليها، لا يخرج شيء مما فيها، ولا يصب إليها شيء آخر. والمعنى: ذكر الله تعالى المانع لهؤلاء عن الإيمان وهو أن الله ختم وطبع على قلوبهم وعلى سمعهم بطابع لا يدخلها الإيمان ولا ينفذ فيها، فلا يعون ما ينفعهم، ولا يسمعون ما يفيدهم وعلى أبصارهم غشاء وغطاء تمنعها من النظر إلى الذي ينفعهم، وسدت عنهم أبواب الإيمان بسبب كفرهم وجحودهم ومعاندتهم بعدما تبين لهم الحق.

стр. 66

قال القرطبي: الختم يكون محسوساً كما بينا، ومعنىً كما في هذه الآية. فالختم على القلوب: عدم الوعي عن الحق سبحانه مفهوم مخاطباته والفكر في آياته، وعلى السمع: عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعُوا إلى وحدانيته، وعلى الأبصار: عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته؛ هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم. • وقال القرطبي ﵀: قوله تعالى (خَتَمَ الله) بيَّن سبحانه في هذه الآية المانع لهم من الإيمان بقوله (ختم الله). والختم مصدر ختمت الشيء ختماً فهو مختوم ومختّم؛ شدّد للمبالغة، ومعناه التغطية على الشيء والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء؛ ومنه: ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك، حتى لا يوصل إلى ما فيه، ولا يوضع فيه غير ما فيه. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة) هذه الجملة جارية مجرى التعليل للحكم السابق في قوله تعالى (سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) وبيان لسببه في الواقع ليدفع بذلك تعجب المتعجبين من استواء الإنذار وعدمه عندهم ومن عدم نفوذ الإيمان إلى نفوسهم مع وضوح دلائله، فإذا عَلم أن على قلوبهم ختماً وعلى أسماعهم وأن على أبصارهم غشاوة عَلِمَ سبب ذلك كله وبطل العجب. • الختم يكون على القلب والسمع، والغشاوة على الأبصار، كما قال تعالى (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة). والغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية. • فإن قيل لم خص القلب بالختم دون سائر الجوارح؟ فالجواب: لأنه محل الفهم والعلم. • فإن قيل لم خص الله هذه الأعضاء بالذكر؟ فالجواب: قيل إنها طرق العلم، فالقلب محل العلم وطريقه السماع أو الرؤية. • فإن قال قائل: إن الله بيّن أنه ختم على قلب هؤلاء وعلى سمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة، فكيف يعاقبهم الله وقد جعل فيهم هذه الأمور المانعة من الإيمان؟ الجواب: إن القرآن بيّن أن هذا الطبع وهذا الختم لا يأتي الإنسان إلا بسبب ذنب من ذنوبه، فهو جزاء وفاق على بعض الذنوب، وقد دلت آيات كثيرة على أن الله يسبب للإنسان الضلالة بسبب ارتكاب الذنوب كما يسبب له الهدى بسبب الطاعات، قال تعالى (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) (الباء) في قوله (بِكُفْرِهِمْ) سببية، فبيّن أن هذا الطبع بسبب كفرهم، وكقوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وكقوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وكقوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً).

стр. 67

• قوله تعالى (على قلوبهم) القلب سمي بذلك قيل: لأنه خالص كل شيء، وقيل: لسرعة تقلبه. • قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم … ) فيه أن طرق الهدى إما بالسمع وإما بالبصر وإما بالقلب، فهؤلاء ختم الله على قلوبهم: فلا تعي ولا تفقه ولا تتعظ ولا تنزجر ولا تتأثر، وختم على سمعهم: فلا تسمع ما تنتفع بها، وجعل على أبصارهم غطاء: فلا يرى ما ينفعه، بل يرى ما يضره ويهلكه. • قال القرطبي: قوله تعالى (ختم الله على قلوبهم) قال القرطبي: قال أهل المعاني: وصف الله قلوب الكفار بعشرة أوصاف: بالختم والطبع والضيق والمرض والريْن والموت والقساوة والانصراف والحميّة والإنكار. فقال في الإنكار (فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) وقال في الحمية (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ) وقال في الانصراف (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) وقال في القساوة (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) وقال (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) وقال في الموت (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ) وقال في الرين (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وقال في المرض (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) وقال في الضيق (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً) وقال في الطبع (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) وقال في الختم (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ). • قال ابن عاشور: وإنما أفرد السمع ولم يجمع كما جمع (قلوبهم) و (أبصارهم) إما لأنه أريد منه المصدر الدال على الجنس، إذ لا يطلق على الآذان سمع ألا ترى أنه جمع لما ذكر الآذان في قوله (يجعلون أصابعهم في أذانهم) وقوله (وفي آذاننا وقر) فلما عبر بالسمع أفرد لأنه مصدر بخلاف القلوب والأبصار فإن القلوب متعددة والأبصار جمع بصر الذي هو اسم لا مصدر، وإما لتقدير محذوف أي وعلى حواس سمعهم أو جوارح سمعهم.

стр. 68

وقد تكون في إفراد السمع لطيفة روعيت من جملة بلاغة القرآن هي أن القلوب كانت متفاوتة واشتغالها بالتفكر في أمر الإيمان والدين مختلف باختلاف وضوح الأدلة، وبالكثرة والقلة وتتلقى أنواعاً كثيرة من الآيات فلكل عقل حظه من الإدراك، وكانت الأبصار أيضاً متفاوتة التعلق بالمرئيات التي فيها دلائل الوحدانية في الآفاق، وفي الأنفس التي فيها دلالة، فلكل بصر حظه من الالتفات إلى الآيات المعجزات والعبر والمواعظ، فلما اختلفت أنواع ما تتعلقان به جمعت. وأما الأسماع فإنما كانت تتعلق بسماع ما يُلقى إليها من القرآن فالجماعات إذا سمعوا القرآن سمعوه سماعاً متساوياً وإنما يتفاوتون في تدبره والتدبر من عمل العقول فلما اتحد تعلقها بالمسموعات جعلت سمعاً واحداً. (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) أي: ولهؤلاء الكفار عقوبة عظيمة في نار جهنم، فإن مصير الكفار في نار جهنم يعذبون أشد العذاب، يعذبون جسدياً ونفسياً. • الفرق بين العظيم والكبير: أن العظيم نقيض الحقير والكبير نقيض الصغير فكأن العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير ويستعملان في الجثث والأحداث جميعاً تقول رجل عظيم وكبير وتريد جثته أو خطره. الفوائد: ١ - أن من حقت عليه كلمة العذاب فإنه لا يؤمن مهما كان الداعي والمنذر. ٢ - أن الهداية والتوفيق بيد الله تعالى، فمن أراد الله هدايته فلن يستطيع أحد أن يضله، ومن أراد الله إضلاله فلن يستطيع أحد أن يهديه. ٣ - أن الإنسان ينبغي أن يدعو الله بالتوفيق والهداية والثبات. ٤ - حكمة الله تعالى في عدم إيمان هؤلاء الكفار. ٥ - أن من لا يشعر بالخوف عند الموعظة، ولا بالإقبال على الله، فإن فيه شبهاً من الكفار الذين لا يتعظون بالمواعظ. ٦ - تهديد هؤلاء الكفار بالعذاب العظيم.

стр. 69

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)). [البقرة: ٨ - ١٠] (وَمِنَ النَّاسِ … ) ذكر الله تعالى في هذه الآيات صفات المنافقين، فأول أربع آيات في سورة البقرة في المؤمنين، وآيتين في الكفار، وثلاثة عشرة آية في المنافقين. • قال النسفي: افتتح بذكر الذين أخلصوا دينهم لله وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم، ثم ثنى بالكافرين قلوباً وألسنة، ثم ثلث بالمنافقين الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم وهم أخبث الكفرة لأنهم خلطوا بالكفر استهزاءً وخداعاً ولذا نزل فيهم (إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار). • قال الشوكاني: ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص، ثم ذكر ثالثاً المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين، بل صاروا فرقة ثالثة؛ لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن الطائفة الثانية، ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار. • فإن قال قائل: لماذا كان التحذير من المنافقين أشد من الكفار؟ فالجواب: نظراً لخطرهم العظيم، ولالتباس أمرهم، وتسميهم باسم الإسلام، بخلاف الكافر فإنه معلوم كفره فيجتنب. • قال ابن كثير: نزلت صفات المنافقين في السور المدنية، وذلك لأن مكة لم يكن بها نفاق، بل كان الأمر في مكة على خلاف النفاق، فكان كثير من أهل الإسلام بمكة يخفون إسلامهم ويسرون بإيمانهم خوف القتل من المشركين، أما المدينة فلما كثر فيها المسلمون وقويت شوكتهم بدأ أهل الكفر يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر خوف السيف. (مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) يقول تعالى في وصف المنافقين الذين ظاهرهم الإسلام وباطنهم الكفر، أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم فأكذبهم الله بقوله: وما هم بمؤمنين، لأن الإيمان الحقيقي ما تواطأ عليه القلب واللسان، وإنما هذا مخادعة لله ولعباده المؤمنين.

стр. 70

• قال تعالى (واليوم الآخر) أي يوم القيامة، وسمي آخراً لأنه لا يوم بعده. (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) الخداع: الإخفاء، فالذي يخادع يظهر شيئاً ويخفي شيئاً. ومنه قوله ﷺ (صلاة المرأة في مخدعها خير من صلاتها في بيتها) ومن قول العرب: انخدع الضب في جحره، والمعنى: أنهم يخادعون الله والمؤمنين بإظهار ما أظهروه من الإيمان مع إصرارهم على الكفر، يعتقدون - بجهلهم - أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده. (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) كما قال تعالى في آية أخرى (إن الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ). • قال ابن كثير: قوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ)؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله (وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وما يَغُرُّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ). • وقال الشوكاني: الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك. (وَمَا يَشْعُرُونَ) أي ما يشعر هؤلاء أن خداعهم على أنفسهم مع أنهم يباشرونه، ولكن لا يحسون به. (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) المرض هو اعتلال الجسم، ومرض القلب خروجه عن صحته واعتداله، فهؤلاء قلوبهم مريضة، وهذا المرض الذي في قلوبهم هو مرض الشك والنفاق الناتج عن ضعف يقينهم وإيمانهم، وقد قال ﷺ في وصف المنافقين (مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة) رواه مسلم [العائرة: الحائرة]. وقد ذكر الله هذا المرض عن المنافقين في عدة آيات: فقال تعالى (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ). وقال تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ). وقال تعالى (رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ). (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) وقد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية: فقيل: المراد الدعاء عليهم بزيادة المرض، وقيل: هو إخبار من الله تعالى عن زيادة مرضهم.

стр. 71

• فيه دليل على أن مرض القلب وفساده - إذا لم يصلحه صاحبه - أنه يزيد هذا المرض ويتفاقم، كما قال تعالى: (فزادتهم رجساً إلى رجسهم). • وفيه دليل على أن الإنسان إذا لم يصلح قلبه ويهتم به فإن مرضه يكون من أسباب قسوته ومرضه وهلاكه، لأن الذنوب والمعاصي سبب لمرض القلب، ومرض القلب إذا لم يحاول الإنسان إصلاحه والاهتمام به يصبح ذنباً ومعصية. • قال ابن القيم: ومرض القلب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن. قال تعالى في مرض الشبهة (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً)، وأما مرض الشهوات فقال تعالى (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) فهذا مرض شهوة الزنا. وقال عن مرض الشبهات: هو أصعبهما وأقتلهما للقلب. • قوله تعالى (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) فيه دليل على أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها، كما سبق في آيات سابقة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وكقوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وكقوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً). (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم موجع. بالغ الإيلام الغاية العظمى، كما قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) وقال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ). • قال هنا في المنافقين (ولهم عذاب أليم) بينما قال في الكفار كما تقدم (ولهم عذاب عظيم) لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى. (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: بتكذيبهم وهو قولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر)، وفي قراءة أخرى (يُكذِّبُون) أي يكذبون بالله ورسوله، والمنافقون اجتمع فيهم الوصفان: فهم كاذبون في دعواهم الإيمان، ومكذبون لله ولرسوله، كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً).

стр. 72

الفوائد: ١ - مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر وخداع، ولذلك قال تعالى في سورة المنافقين (هم العدو فاحذرهم) فحصر العداوة فيهم، لأنهم مخادعون. ٢ - أنه يجب الاحتراز والتحفظ من المنافقين لأنهم أهل خداع ومكر. ٣ - أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. كما قال تعالى (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). ٤ - أن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وأن مرض القلوب أعظم وأخطر من مرض الأبدان، قال ابن القيم: والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه، إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعة، وذلك موت القلب والروح. ٥ - يجب الاهتمام بالقلب، والحذر من مرضه والحرص على حياته. وأن يدعو الله دائماً وأبداً بتثبيته على الحق، فقد كان ﷺ يدعو ويقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك. وأن يدعو الله أن يكون سليماً، فقد كان ﷺ يقول (اللهم إني أسألك قلباً سليماً .. ). وأن يحذر من التساهل في أمر القلب، فقد قال ﷺ (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء). رواه مسلم وأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم). وإذا صح القلب صح الجسد، كما قال ﷺ (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه وأن يحذر من قسوة القلب، كما قال تعالى (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله).

стр. 73

٦ - أن القلوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت. فالقلب السليم: هو القلب الذي سلم من الشرك، ومن البدعة، ومن كل آفة يراد بها غير وجه الله. والقلب المريض: هو القلب الذي فيه مادة حياة ومادة مرض. والقلب الميت: هو قلب الكافر. ٧ - أن الإيمان يزيد وينقص. ٨ - أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها. ٩ - أن من أسباب عذاب المنافقين كذبهم، وهذا من الأسباب، وإلا فالسبب الرئيسي هو كفرهم بالله تعالى. ١٠ - التحذير من الكذب وأنه من صفات المنافقين، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) متفق عليه، وهؤلاء المنافقون جمعوا بين الكذب والتكذيب وهذا شر الأحوال. ١١ - فيه دليل على أن الله لا يعاقب أحداً إلا بسبب ذنبه ومعصيته لقوله (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ). كما قال تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ). وقال تعالى (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ). وقال تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا). وقال تعالى (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ). ١٢ - فيه تنفير وتقبيح من الكذب كما سبق، وفي هذا إشارة إلى أن السبب في استحقاقهم العذاب هو أنهم كانوا يكذبون، ومن المعلوم أن هذا أحد الأسباب في عذابهم، لأن الأسباب كثيرة في استحقاقهم العذاب، لكن قد يعبر الله تعالى عن إهلاك الكفار ببعض ذنوبهم تنفيراً منه وتقبيحاً له كما قال تعالى في قوم نوح (مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً) وقوم نوح كان سبب هلاكهم كفرهم بالله، لكن خص الخطيئات تقبيحاً لها. ١٣ - أن المؤمن قلبه سليم، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).

стр. 74

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)). [البقرة: ١١، ١٢] (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا قال لهم أحد من الناس: لا تفسدوا في الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا قائلين: • قال القرطبي: قوله (لَا تُفْسِدُواْ) " لا " نهي، والفساد ضدّ الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها. فَسَد الشيء يَفْسِدُ فَساداً وفُسوداً وهو فاسد وفِسيد. والمعنى في الآية: لا تُفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. • قال ابن عاشور: والقائل لهم (لا تفسدوا في الأرض) بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلماً بأن النبيء ﷺ يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية. (قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فجمعوا في قولهم هذا بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلباً للحقائق وجمعاً بين فعل الباطل واعتقاده حقاً. الفساد: ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها، والمعنى: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن. • قال بعض العلماء: تصوروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كما قال الله فيهم (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً). (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) هذا كلام مستأنف وجواب من الله تعالى رداً على هؤلاء المنافقين، فإنه لا أعظم إفساداً ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله وزعم - مع هذا - أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟ (وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) أي: ولكن لا يحسون ويفطنون لانطماس نور الإيمان في قلوبهم. • قال ابن القيم: تأمل كيف نفى عنهم الشعور في هذا الموضع، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسداً ولا شعور له بفساده البتة، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج، مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به، وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه.

стр. 75

الفوائد: ١ - أن النفاق من الإفساد في الأرض. ٢ - أعظم الخطر أن يُزيّن للإنسان عمله. ٣ - فيه أن أهل الفساد والشر يرتكبون الكبائر ويزعمون أنهم أهل إصلاح، ومما يدل على ذلك، قوله تعالى عن فرعون أنه قال عن موسى ﵇ (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد). ٤ - فيه دليل على أن موالاة الكفار والمنافقين وأعداء الله من أعظم الفساد في الأرض كما قال تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). ٥ - فيه الإنكار على أهل الفساد وتبيين ضلالهم. ٦ - خطر النفاق. ٧ - وجوب الإصلاح في الأرض. ٨ - الحذر من التشبه بصفات المنافقين. ٩ - أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه.
следующие страницы →