← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8312

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 108 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

ثم هناك مسألة: الله تعالى في جميع القرآن إذا أمر بالبر والدعاء يستعمل الوالدين وليس الأبوين في القرآن كله. مع العلم أن الوالدين مثنى والد ووالدة وغلّب المذكر الوالد والأبوين مثنى وغلّب المذكر الأب والأبوان أب وأم. (وبالوالدين إحساناً) هذه عامة لم يحدد ذكر صفة من كفر أو غيره. (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨) نوح) (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١) إبراهيم) (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا (٢٣) الإسراء) لم يذكر في القرآن موقف بر أو دعاء إلا بلفظ الوالدين. في آية المواريث (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ (١١) النساء) . (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ (٨٠) الكهف) ليس فيها مقام ذكر البر لذا قال أبواه أما في الدعاء فقال (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ) لا يستعمل الأبوين. الأبوين يستعملها في مكان آخر. ما الفرق بين الوالد والأب؟ التي تلد هي الأم والوالد من الولادة والولادة تقوم بها الأم وهذه إشارة أن الأم أولى بالصحبة وأولى بالبر قبل الوالد. لكن في المواريث لأن نصيب الأب أكبر من نصيب الأم استعمل الأب (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ) . في الأموال يستعمل الأبوين وفي الدعاء الوالدين. سؤال: ما الفرق بين الآية (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) الأعراف) و (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) الشعراء) ؟

стр. 1017

أتمنى أن نأخذ القصتين في الشعراء والأعراف في حلقة خاصة لأن فيها أكثر من سؤال واختلاف. لكن الآن نجيب أنه إذا رجعنا إلى القصة في السورتين: الشعراء والأعراف. في الشعراء تتسم القصة بسمتين بارزتين أولها التفصيل في سرد الأحداث والآخر قوة المواجهة والتحدي لأن موسى أمام فرعون (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) الشعراء) . الآن نأتي في الأعراف ذكر أن ملأ فرعون هم الذين قالوا أن موسى ساحر (قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)) في الشعراء فرعون هو الذي قال وليس الملأ (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)) لأن الكلام كان شديداً بينه وبين موسى. في الشعراء ناسب أن يواجهوا فرعون بالقول لأن هو الذي قال. في الأعراف قال (وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)) وفي الشعراء قالوا (فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)) . هناك لم يقولوا قالوا لفرعون لأن المتكلم كان الملأ لأن القائل الأول ليس فرعون. في الشعراء قالوا لفرعون (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)) لم يقولوا إن زيادة في التوكيد وزيادة في سرد الأحداث لما كان التفصيل أكثر قال (أئن) . الفرق بين (إن) وأئن، أئن استفهام مضمر (هل تذهب؟) أحياناً حرف الإستفهام يضمر ولا يذكر لكن يفهم من السياق تذهب معي؟ أصلها أتذهب معي؟ إن لنا لأجراً استفهام لكن لم يذكروا همزة الإستفهام. أما في الثانية فالوضع فيه شدة وحدة وتفصيل أكثر والاستفهام أدل على هذا الأمر وصرحوا بالهمزة (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) .حتى في الجواب قال في الأعراف (قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)) وفي الشعراء قال (قَالَ

стр. 1018

نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)) أضاف إذن لأن الموقف مختلف يريد أن ينتصر وكان الكلام شديداً مع موسى ولا يمكن أن يواجهه الحجة. ليس هذا فقط وإنما في الشعراء أقسموا بعزة فرعون (فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)) أما في الأعراف ما قالوا هذا الشيء لأن فرعون في مأزق في المناقشة وصار عصبياً فأقسموا بعزة فرعون ولم يقسموا في الأعراف. ونحتاج للنظر في السورتين بتفصيل. إستطراد من المقدم: ألا يجعل هذا قائلاً يقول أن هذا يدل على تناقض في القصة الواحدة؟ التناقض هو أن تذكر أمراً مخالفاً للآخر لكن أن توجر في ذكر الأحداث أو تفصّل هذا ليس تناقضاً. إذا سافرت وعدت تذكر بالتفصيل ماذا حصل معك وتذكر الأشخاص وأحياناً تذكر أنك سافرت يوماً وعدت. هذا ليس تناقضاً والقرآن مرة يستعمل الإجمال ومرة التفصيل. في قصة إبراهيم قال في موضع (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ (٦٩) هود) (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٢٥) الذاريات) وفي موضع آخر لم يذكر سلام (إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) الحجر) لكنه لم يقل أنه لم يرحب بهم.

стр. 1019

سؤال: ما إعراب (وقومَ نوح) في سورة الذاريات (وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)) ولماذا جاءت منصوبة؟ ننظر في الآية قبلها تتكلم عن فرعون (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)) فصار العطف ظاهراً (وقومَ نوح) معطوفة على الضمير المفعول به في (فأخذناه) أي أخذناه وأخذنا قوم نوح. وقسم يقول معطوفة على (فبنذناهم) أي نبذناه ونبذنا قوم نوح. كثير يكون العطف في حالات مثل في سورة الأعراف (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً (٦٥)) معطوفة على (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ (٥٩)) الأولى. ليس بالضرورة أن يكون العطف على الأقرب ولكن على المعنى. في سورة الأعراف (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً (٦٥) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا (٧٣)) معطوفة على (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) الأولى ثم تمتد القصص. لما قال تعالى هنا في الذاريات (فأخذناه وجنوده) ثم قال (وقومَ نوح) العطف على الهاء في (فأخذناه) . والعطف على ضمير جائز بعضها بشروط وبعضها بغير شروط. فأخذناه وأخذنا قومَ نوح ونبذناه ونبذنا قومَ نوح. سؤال: ما الفرق بين سلام الملائكة وسلام إبراهيم ﵇ في الآية (وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ (٦٩) هود) (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (٢٥) الذاريات)

стр. 1020

هذا السؤال أثير مرات كثيرة وأجبنا عنه بتفصيل ونجيب اليوم إجابة سريعة عنه. (سلاماً) جزء من جملة فعلية هو مفعول لفعل محذوف (يسلِّم تسليماً) والأخرى و (سلامٌ) جزء من جملة إسمية (سلامٌ عليكم) .والجملة الإسمية والإسم أقوى وأثبت من الجملة الفعلية هذه قاعدة. وكما ذكرنا في حلقة سابقة هو يتعلّم وهو متعلِّم، هو يتفقه وهو متفقّه. إذن إبراهيم ﵇ ردّ التحية بخير منها (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (٨٦) النساء) هو ردّ التحية بخير من تحيتهم. همّ حيّوه بحملة فعلية وهو ردّ بجملة إسمية فكان ردّ التحية بأفضل منها (بالجملة الإسمية) . فالردّ أفضل. استطراد من المقدم: هل يجوز أن يقول قالوا سلاماً (سلاماً) مفعول به لفعل (قالوا) ؟ هذه ضعيفة والأَولى أن يُقال (قالوا سلاماً) سلاماً مفعول به لفعل محذوف (يسلّم سلاماً) . وهو قال (سلامٌ) أي سلامٌ عليكم، سلام مبتدأ والخبر محذوف جوازاً. سؤال: ما هو اشتقاق كلمة شيطان وهل لها جذور عربية؟

стр. 1021

أهل اللغة يضعون إحتمالين لاشتقاق كلمة شيطان: إما من (شاط) أو من (شطن) . شطن معناه بعُد وشاط أي احترق (شاط يشيط) . يضعون احتمالين إما من شطن فيكون البُعد عن الخير أو كأنه طال في الشرّ هذا إذا كان من شطن. وإذا كان من شاط أي احترق غضباً، فهم يضعون هذين الاحتمالين. إذا كان من شطن (النون أصلية) يكون على وزن (فَيْعال) وفيعال وزن عربي وإذا كان من شاط يصير الوزن (فعلان) لأن النون ليست أصلية. وأنا أرجح أن يكون من شطن لسبب وهو كونه منصرف وليس ممنوعاً من الصرف لأن النون إذا كانت أصلية فيه يكون الوزن منصرف وإذا كانت النون زائدة يكون ممنوعاً من الصرف مثل كلمة حسّان. إما أن تكون من الحُسن أو من الحَسّ (الحَسّ هو القتل) كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ (١٥٢) آل عمران) فإذا كانت من الحُسن يكون منصرفاً لأن النون أصلية وإذا كان من الحَسّ تكون غير منصرفة، شاعر الرسول ﷺ حسان بن ثابت ورد ممنوعاً من الصرف فهو من الحَسّ. وكذلك كلمة ريّان إذا كانت من الريّ أو من الريْن. إذا كانت من الريّ فهي ممنوعة من الصرف وإذا كانت من الريْن فهي مصروفة. وأنا أرجح أن شيطان من شطن لأنه منصرف (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) التكوير) القرآن استعملها مصروفة وقد يعترض أحدهم في النحو. الجذر الذي اشتق منه شيطان يدل على الحالة التي مرّ بها إبليس: إحترق غضباً فعصى ربه لما قال له اسجد لآدم أو بعُد في الشرّ وذهب بعيداً فالأمر يحتمل.

стр. 1022

سؤال: ما الفرق بين نهايات الآيات في سورة النحل (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)) وما دلالة الجمع والإفراد في كلمة آية وآيات؟

стр. 1023

نقرأ الآيات ليتضح لنا السؤال. الآيات متتابعة (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)) . الآية الأولى ذكر وعدّد أموراً واضحة: الزرع والزيتون والنحيل والأعناب والثمرات وفي الثانية ذكر أموراً عددها: الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم والآية الثالثة قال (وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه) لم يعدد شيئاً فسوف تتذكر أنت حتى تعدد ولذلك قال تعالى في ختامها (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)) . في الأولى ذكر الزرع والزيتون وغيرها وفي الآية الأخرى ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. وفي الثالثة اُذكر أنت فسوف تتذكر ثم تذكر لذا ختم الآية بـ (يذّكرون) .

стр. 1024

الآية الأولى (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) تنبت في الأرض وجزء من الأرض فإنه ذكر ما يتعلق في الزرع والآية (وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ) في الأرض فالآيتين في الأرض وجزء من الأرض. الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم أكثر إذن الأرض آية وهذه آيات. لما ذكر ما يتعلق بالأرض أو جزء منها قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً) ولما ذكر الشمس والقمر والليل والنهار والنجوم قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) . جزء من الأرض، شيء من الأرض قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً) . الشمس آية والقمر آية والنجوم آيات لذا قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ) . لما ذكر جزءاً من الأرض جعلها آية ولما ذكر ما هو أكثر من الأرض جعلها آيات.

стр. 1025

هذا أمر وعرفنا استعمال يذّكرون وعرفنا الفرق بين آية وآيات. الأمر الآخر أنه لما ذكر الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم هذه يكفي العقل فيها فقط لمعرفة الله تعالى، العقل وليس العلم. العقل وحده كافٍ لأنه الذي يفرق بين العاقل والمجنون ولأن هذه أشياء يومية يراها العاقل. هذه آيات للذي عنده عقل. الباقي يحتاج إلى فِكر (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ) كيف ينزل في الأرض وكيف ينبت به لذا كل آية تتناسب خاتمتها مع ما فيها. (يتفكرون) بمعنى الفِكر يُعمِل فكره، ويعقلون مجرد العقل. التفكير أكثر من العقل. كونك عاقلاً يعني تعرف أموراً والفرق بين العاقل والمجنون أن العاقل يعقل الأمور. وهناك فرق بين يعقل ويعلم: اذي يعلم ينبغي أن يكون عاقلاً لكن العاقل ليس بالضرورة أن يكون عالماً. إذن المرحلة الأولى العقل لأنه مناط التكليف وليس بالضرورة أن يكون عالماً لأن مناط التكليف العقل. والمرحلة الثانية التفكر يُعمِل فكره في أشياء أخرى. الفرق بين يذّكرون ويتذكرون: أصلهما يتذكر. يذّكرون فيه إبدال التاء دالاً. يسمونه إبدال جائز واُدغِم مثل يتطهرون ويطّهرون ويتبدر ويدّبر ويتضرع ويضّرع وكلها من الإبدال الجائز؟ أصله يتفعل بالتاء ثم أُبدِل إبدالاً جائزاً لسبب وسنشرح هذا لاحقاً في إجابة عن سؤال في موضعه وقد نحتاج لحلقة كاملة. سؤال: ما هي اللمسة البيانية في (يهدّي) في الآية (أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) يونس) ؟

стр. 1026

سبق أن تحدثنا عن هذه الآية وبينا الاختلاف بين يهدي للحق ويهدي إلى الحق. يهدّي أصلها يهتدي كما قلنا الآن في يتذكر ويّكر. التاء أُبدلت دالاً إبدالاً جائزاً. يهدي فعل مجرّد ثلاثي، يهتدي مزيد بالهمزة والتاء (إهتدى) وفي المضارع يصير يهتدي. ويهدّي إبدال التاء دالاً، هذا من حيث الأصل اللغوي. يهتدي ليس فيه تضعيف، يهدّي فيه تضعيف الدال مضعّفة. التضعيف جاء من التاء عندما أُبدبت دالاً وأُدغمت فصار تضعيف. إذن الفرق بين يهتدي ويهدّي من حيث البناء الأصل واحد مع الإبدال صار تضعيف والأصل ليس فيه التضعيف. وعندنا التضعيف فيه مبالغة مثل كسر وكسّر. هذه الآية الوحيدة في القرآن كله التي وردت فيها (يهدّي) والباقي (يهتدي) , ربنا تعالى أراد أن يذكر المبالغة في عدم اهتدائهم وفي القرآن كله الكلام في الإنسان (يهتدي) إلا هذه الآية فالكلام في الأصنام وفيها مبالغة في عدم الإهتداء فأُبدل ليصير مبالغة وتكثير وهؤلاء ايسوا مثل البشر. في الأصنام مبالغة في عدم الإهتداء أُبدل وقال (لا يهدّي) للمبالغة في عدم الهداية. سؤال: ما دلالة الخطاب بـ (يا أيها الناس) في الحج (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ (٢٧) الحج) (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا (٩٧) آل عمران) بينما الخطاب في الصلاة وغيرها بـ (يا أيها الذين آمنوا) ؟

стр. 1027

الحج يختلف عن كل العبادات. لما قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) هذه دعوة للناس أجمعين للدخول في الإسلام بخلاف ما لو قال صلّوا أو صوموا. دعوة لجميع الناس للدخول في الإسلام، كيف؟ الصلاة الصيام والزكاة الديانات مشتركة فيها. قال تعالى عن إسماعيل (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) مريم) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) البقرة) وقال (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧) يونس) وكفار قريش كانوا يصلّوا (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥) الأنفال) فلو قال صلّوا لقالوا إنما نصلي ولو قال زكّوا لقالوا إننا نزكّي ولو قال صوموا لقالوا إننا نصوم، إذن هذه الدعوات لو قالها لا تكون دعوة للدخول في الإسلام بخلاف الحج. لم يكن أهل الكتاب من النصارى واليهود يحجون إلى بيت الله الحرام. فلما قال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) معناها كلٌ مدعوون للدخول في الإسلام لأن هذه العبادة الوحيدة التي لم تكن عند أهل الكتاب. هم كانوا يصلّون ويصومون ويزكّون إلا الحج فلم يكونوا يحجون لمكة. ولذلك هذه دعوة للدخول في دين الله. الحد يختلف عن بقية العبادات لأن بقية العبادات موجودة. إذن قوله تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) هو دعوة للدخول في الإسلام وإقامة هذه العبادة.

стр. 1028

سؤال: ما الفرق بين أنزل وأوتي في الآية (قُولُواْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) البقرة) ؟ هذه الآية فيها إنزال وإيتاء. نسأل سؤالاً: مَنْ من الأنبياء المذكورين ذُكرت له معجزة تحدّى بها المدعوين؟ موسى وعيسى ﵉ ولم يذكر معجزان للمذكورين الباقين. هل هذه المعجزة العصى وغيرها إنزال أو إيتاء؟ هي إيتاء وليست إنزالاً ولذلك فرّق بين من أوتي المعجزة التي كان بها البرهان على إقامة نبوّته بالإيتاء وبين الإنزال، هذا أمر. كلمة (أوتي) عامة تشمل الإنزال والإيتاء. الكُتب إيتاء. أنزل يعني أنزل من السماء وآتى أعطاه قد يكون الإعطاء من فوق أو من أمامه بيده. لما يُنزل ربنا ﵎ الكتب من السماء هي إيتاء فالإيتاء أعمّ من الإنزال لذلك لما ذكر عيسى وموسى ﵉ ذكر الإيتاء لم يذكر الإنزال ثم قال (وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ) دخل فيها كل النبييبن لأنه ما أوتوا من وحي هو إيتاء. (وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) قد يكون إنزالاً ويكون غيتاء لكن ما أوتي موسى وعيسى ﵉ في هذه الآية هذا إيتاء وليس إنزالاً لأنه يتحدث عن معجزة ولأنهما الوحيدان بين المذكورين اللذين أوتيا معجزة. الآخرون إنزال وعندما يتعلق الأمر بالمعجزة قال إيتاء.

стр. 1029

سؤال من المقدم: هل العرب كانت تفهم هذا الكلام؟ من حيث اللغة العرب تفهم الفرق بين أوتي وأُنزل بالمعنى العام لكن هنا تأتي لنما نقرأ القرآن ونعلم أن موسى أوتي آيات حتى يُلزِم فرعون وقومه الحُجّة ألزمهم بما آتاه وليس بما أُنزل إليه. وموسى ﵇ أُنزِلأ عليه بعد خروجه من مصر. هو أظهر معجزته وليس الكتاب لأن الألواح أخذها بعد أن خرج من مصر. الأمر كان يتعلق بالإيتاء وليس بالإنزال بالنسبة لموسى يتعلق بالمعجزة كالعصا واليد في تسع آيات. وعيسى ﵇ كان يتحداهم بالآيات وليس بما أُنزل إليه (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٩) آل عمران) لم يتحداهم أبداً بما أُنزل وإنما بما أُوتي وهما الوحيدان فيما ذكر دعوتهما بالتحدي بما أوتوا وليس بالإنزال. سؤال: ما الفرق بين بني وأبناء في الآيات (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ (٣١) النور) و (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) الأحزاب) ؟ يجب أن نعرف أولاً الفرق بين أبناء وبني. (نستكمل الإجابة إن شاء الله تعالى في الحلقة القادمة)

стр. 1030

سؤال: ما الفرق بين بني وأبناء في الآيات (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ (٣١) النور) و (لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاء أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥) الأحزاب) ؟ استعمال بني وأبناء: بني (بنو بالرفع) أكثر من أبناء من حيث العدد. بنو آدم ليست مثل أبناء آدم، بني إسرائيل كثير، أبناء يعقوب أقل. بني أكثر من أبناء. أبناء هي من صيغ جموع القِلّة: أفعُل، أفعال، أفعلة، فُعلة. الفرق بين الآيتين لو لاحظنا آية النور التي فيها (بني) هذه في عموم المؤمنين، الخطاب لعموم المؤمنين والمؤمنات. بينما في آية الأحزاب الخطاب لنساء النبي ﷺ . في آية النور قال تعالى (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) نساء المؤمنين كثير بني أخواتهن وبني إخوانهن فقال بني أخواتهن. أما في الأحزاب فالخطاب لنساء النبي ﷺ وهن قليلات بالنسبة لنساء المؤمنين فقال أبناء لأن أبناء أقل من بني وفي الكثير قال (بني) لأنها في عموم نساء المؤمنين وهذه طبيعة اللغة.

стр. 1031

(بنو) ملحقة بجمع المذكر السالم (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) الشعراء) . بنين حذفت النون للإضافة (بني آدم) . فإذا أضيف المذكر السالم والمثنى تحذف النون فتصير بنو آدم وبني آدم. سؤال: لماذا جاءت صافات ويقبضن في الآية (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) الملك) ؟ لم يقل صافات وقابضات؟ أصل الطير للطيور صفّ الأجنحة والقبض حتى يتمكن من الصفّ. فالقبض طارئ والصفّ هو الأصل. والصفّ هو فرد جناحي الطير. الأصل في الطيران هو صفّ الأجنحة والقبض ليتمكن من الاحتفاظ بالتوازن فلما كان الصفّ هو الحالة الثابتة جاء بالصيغة الدالة على الثبوت وهو الإسم والإسم يدل على الثبوت ولما كانت الحالة طارئة وهي القبض جاء بالحالة الدالة على الحركة والتجدد وهو الفعل للدلالة على الحركة والتجدد. هذه حالة الطيران. إذا قال صافّات فقط هي ليست من دون قبض وهي تحتاج إلى القبض حتى تتمكن من الموازنة لكن القبض هو طارئ والصفّ هو الأصل الثابت لهذا قدّم صافّات أصلاً لأنه طيران. وصافات جاءت بالصيغة الثابتة للإسم للحالة الثابتة وجاء بالصيغة المتجددة الدالة على الحدوث للحالة المتجددة فناسب بين الحالة والصيغة. سؤال: ما دلالة أن يعود الضمير على واحد (يرضوه) فقط في الآية (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (٦٢) التوبة) ولم يقل يرضوهما بما أنه ذكر الله ورسوله؟

стр. 1032

ليستا جهتين متباينتين، من أرضى الرسول ﷺ فقد أرضى الله ومن أرضى الله تعالى فقد أرضى الرسول ﷺ وقد قال تعالى (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ (٨٠) النساء) ليستا جهتين كل واحدة تحتاج لإرضاء، هي جهة واحدة: إرضاء الله تعالى من إرضاء الرسول ﷺ لأنه قال من أطاع الرسول فقد أطاع الله فإذا أطعت الرسول ﷺ وأرضيته تكون قد أرضيت الله تعالى. أحياناً يقال لك إرضي فلان وارضي فلان وكل واحد له مطلب لكن هنا الحالة واحدة، الحالة الأساسية هي إرضاء الله تعالى. والضمير في (يرضوه) الأظهر أنه للرسول ﷺ لأنه قال (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ) يذهبون إلى الرسول ﷺ فبدل أن يحلفوا للمؤمنين ويرضوهم إذهبوا إلى الرسول ﷺ وارضوه فإذا رضي الرسول ﷺ فقد رضي الله . فيقول للمنافقين بدل أن تذهبوا للمؤمنين حتى يرضوا اذهبوا إلى الرسول وأرضوه. ما دام علمنا أن إرضاء أي واحد منهما هو إرضاء للآخر فلا يضير أن يعود الضمير على من. ما دام إرضاء أي واحد منهما يرضي الآخر. لم يذكر واحداً فقط لأن الرسول ﷺ ليس جهة مستقلة عن الله تعالى وإرضاء الله تعالى هو الأول فلا بد أن يذكر الله تعالى فكيف نرضي الله تعالى؟ نرضي الرسول ﷺ . إرضاء الله تعالى هو الأول جعلهما جهة واحدة وليستا جهتين متباينتين مختلفتين. لو قال يرضوهما تدل على أن كل واحد له مطلب وكل واحد يجب إرضاؤه وقد تتعارض الإرادتان. هنا الجهتان واحدة إذا أرضيت إحداهما فقد أرضيت الأخرى. هو إرضاء واحد إذا أرضيت الرسول ﷺ فقد أرضيت الله تعالى وإذا أرضيت الله هذا إرضاء للرسول ﷺ .

стр. 1033

سؤال: ما الفرق بين النزغ والوسوسة في الآيات (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (١٠٠) يوسف) و (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا (٢٠) الأعراف) ؟

стр. 1034

من حيث اللغة النزغ هو الإفساد بين الأصدقاء تحديداً، بين الإخوان، بين الناس (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ (٣٦) فصلت) النزغ هو أن يحمل بعضهم على بعض بإفساد بينهم، هذا هو النزغ في اللغة، أن يغري بعضهم ببعض ويفسد بينهم. الوسوسة شيء آخر وهي عامة، يزين له أمر، يفعل معصية، يزين له معصية، الوسوسة عامة والنزغ خاص بأن يحمل بعضهم على بعض وأن يفسد بينهما. قال تعالى (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (١٠٠) يوسف) ، لم يقل وسوس. مع آدم وحواء لم يكن هناك خصومة بينهما لكن مع إخوة يوسف كان هناك خصومة فقد حاولوا أن يقتلوا يوسف، أفسد بينهم، أغروا به حتى أفسدوا. الوسوسة عامة لأنه يدخل فيها النزغ. هنا (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (١٠٠) يوسف) (نزغ الشيطان) الحالة الخاصة للحالة الخاصة وهذه الحالة هي هكذا بين يوسف وإخوته، هذا هو المعنى اللغوي. يقولون أصل الوسوسة الصوت الخفي ويكون مسموعاً أحياناً وأحياناً يكون غير مسموع (الذي يوسوس في صدور الناس) أحياناً لا يُسمع وإنما يبقيه الشيطان في نفس الإنسان (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس) والصدر هو الممر إلى القلب فإذا وسوس في الصدر الشيطان يريد أن يملأ الساحة بالألغام كما يفعل الأعداء في الحرب. وقد تكون الوسوسة بالكلام المسموع، همس أو كلام خفي بينك وبين أحد بدليل أنه لما وسوس إبليس لآدم كان كلاماً باللسان (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (١٢٠) طه) سماها القرآن وسوسة ثم قال (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) الأعراف) قاسمهما أي حلف لهما بالله ولذلك لما رب العالمين عاتب آدم قال آدم: يا رب ما كنت أظن أحداً يحلف بك كاذباً. الوسوسة إذن تكون في الصوت المسموع أحياناً

стр. 1035

وبالصوت غير المسموع أحياناً. سؤال من المقدم: كلمة وسوس فيها هدوء وخفية وفيها تكرار مقطع (وس/وس) فهل هي مرتبطة بكلام سيئ أو خبيث؟ هكذا يبدو من استعمالها لماذا لا يظهر هذا الكلام إلا إذا كان هناك ما يريد أن يخفيه عن الآخرين؟. سؤال: ما اللمسة البيانية في الآية (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩) الأعراف) ؟ لو يسأل السائل سؤالاً محدداً في الآية. أولاً للعلم أن القرآن لم يستعمل مضارعاً للفعل جاء ولم يستخدم إلا الفعل الماضي (جيء، جاء) لم يستعمل لا فعلاً مضارعاً لجاء ولا فعل أمر ولا إسم مفعول ولا إسم فاعل. إذا أراد أن يستخدم مضارعاً يستعمل الفعل يأتي. يقولون المجيء بمعنى الإتيان لكن الإتيان أيسر من المجيء ويستعمل لما هو أيسر وجاء يستعمل لما هو أصعب. لا نتوقع أن يأتي مضارع يجيء لأن القرآن لم يستعمل مضارع جاء. إذا كان كما يقول قسم من أهل اللغة أن المجيء فيه صعوبة والإتيان لما هو أيسر وأسهل فعند ذلك هل ما وقع أسهل أو ما لم يقع؟ إذا لم يقع أسهل وما وقع أصعب فـ (جاء) لما وقع و (يأتي) لما لم يقع. فرق بين الماضي والمضارع، جئتنا ماضي وتأتينا مضارع. هذا عموم استعمال جاء ويأتي وهذا لم يقع بعد فيكون أيسر، هذا من حيث جاء ويجيء ويأتي. تبقى الآية نفسها عندنا فيها أمران: استعمل الماضي للفعل (جاء) في (من بعد ما جئتنا) جئتنا فعل ماضي و (تأتينا) فعل مضارع والقرآن لا يستعمل مضارع جاء وإنما قال (تأتينا) . هذا أمر. ولم يستعمل فعل أتى بالماضى لأن هذا عذاب وإيذاء وقلنا المجيء لما هو أصعب من الإتيان فقال أوذينا من قبل ما جئتنا وهذا طبيعي في الاستخدام.

стр. 1036

يبقى استعمال (أن) و (ما) : ما قال من بعد أن جئتنا وإنما قال (من بعد ما جئتنا) فعل الماضي يأتي بعد (أن) في اللغة كما جاء في قوله (مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي (١٠٠) يوسف) ، (مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (٢٤) الفتح) . لماذا هنا استخدم (ما) وهنا استخدم (أن) ؟ (من بعد ما جئتنا) (ما) هذه تحتمل معنيين في اللغة هنا: الأول المصدرية والثانية الموصولة. هنا توسع في المعنى وتحتمل الأمرين. هي مصدرية بمعنى (الذي) أي من بعد الذي جئتنا به وهو الرسالة. إذن تحتمل أمرين معنيين: من بعد مجيئه هو شخصياً ومن بعد الذي جاء به من الرسالة ولذلك ما قال من بعد أن جئتنا به لتشمل المعنيين ولو قال من بعد أن جئتنا تكون تعني الموصولة لأنه يصير عائد. فهنا (ما جئتنا) ذكر أمرين لأنه كان مجيئه بالرسالة ومجئيه هو، فجمع معنيين هنا وهذا من باب التوسع في المعنى. الفرق بين ما المصدرية وما الموصولة: السياق يحددها لكن هنالك أمر يقطع: إذا كان موجود عائد وهو الضمير الذي يعود على الإسم الموصول يقطع هذا بأنها إسم موصول. في حالة عدم وجود العائد نبحث عن المعنى هل يحتمل المصدرية أو الموصولة. (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (٢٣) الأحزاب) (ما) هنا إسم موصول أي صدقوا الذي عاهدوا الله عليه. لو حذف في غير القرآن (عليه) لو قال: صدقوا ما عاهدوا الله يكون صدقوا عهد الله نفسه والعهد الذي عاهدوا عليه. (المزيد في باب التوسع في المعنى يمكن الرجوع إليه في كتابي الجملة العربية والمعنى) . استطراد من المقدم: إذا كان كفار مكة آنذاك فهموا العربية ولم يؤمنوا بالقرآن ونحن نؤمن بالقرآن ولا نفهم العربية ألهذه الدرجة تنحدر لغتنا العربية؟

стр. 1037

لم تبقى لنا سليقة لأن اللغة العربية منذ زمن بعيد دخلت أقوام وصار اختلاط ألسنة وصارت اللغة تضمحل شيئاً فشيئاً وتحلّ محلها اللهجات العامية ثم هناك من يدفع لإشاعة اللهجات العامية ومحاربة اللغة العربية لأسباب كثيرة وكل جهة لها غرض لمحاربة العربية وخاصة لارتباطها بالقرآن الكريم ولم يبقى عربية في التعليم والمدارس إلا أشياء محدودة وضئيلة جداً. كان العرب يفهمون العربية لأن هذه كانت لغة العرب آنذاك يتحدثون بها. وحتى نعيد العربية إلى سليقتنا نحن نحتاج إلى جهود متضافرة وليس جهد شخص إنما جهد حكومات وجمعيات للغة العربية تكون جادّة وضرورة إفهام الناس بضرورة هذه اللغة وأنه إذا ضاعت هذه اللغة ضاع وجودهم وهنالك عدة أمور يجب أن يفهمها الناس للحفاظ على لغتهم والاعتزاز بها. واللغة العربية عجيبة وهي بالنسبة للغات الأخرى كأنها جهاز متطور ذو تقنية عالية جداً واللغات الأخرى الشائعة الآن لا تستطيع أن تعبّر عن المعاني. لو قلنا مثلاً: أعطى محمد خالداً كتاباً يقابلها في الانجليزية Mohamed gave khaled a book ولو قلنا محمد أعطى كتاباً خالداً، خالداً كتاباً أعطى محمد، وغيرها ذكرناها سابقاً، حوالي ٨ جمل كل واحدة لها معنى خاص دقيق ومعناها العام هو نفسه. عندما نضع الفعل والفاعل والمفعول الأول والمفعول الثاني على الترتيب تقولها والمخاطَب خالي الذهن ليس عنده أي معلومة عن الحادث فأنت تعطيه معلومة جديدة. عندما أقول: محمد أعطى خالداً كتاباً المخاطَب يعلم أن شخصاً ما أعطى خالداً كتاباً لكن لا يعلم الشخص المعطي فكأنه يسأل من أعطى خالداً كتاباً؟ محمد. إذا قلنا: خالداً أعطى محمد كتاباً المخاطَب يعلم أن محمداً أعطى كتاباً لكن لا يعلم لمن أعطاه فكأنه يسأل لمن أعطى محمد كتاباً؟ خالداً. لو قلنا: كتاباً أعطى محمد خالداً المخاطب يعلم أن محمداً أعطى خالداً شيئاً لكن لا يعلم ما هو؟ لو قلنا: خالداً كتاباً أعطى محمد المخاطَب

стр. 1038

يعلم أن محمد أعطى شيئاً ما لشخص ما فتقدمهما على العامل حتى يكون هذا المعنى. ولو قلنا: خالداً كتاباً محمد أعطى المخاطب يعلم أن شخصاً ما أعطى شيئاً ما لشخص ما، هناك عطاء لكن لا يعرف من أعطى وماذا أعطى ولمن أعطى؟ هذه التراكيب كلها تصح نحوياً. لو قدمنا فقط على الفاعل كل واحدة لها معنى. أحياناً عندنا ٢٥ جملة في العربية أو أكثر كل واحدة لها معنى يقابلها جملة واحدة في اللغات الأخرى. هذه الجمل موجودة في الحياة كيف نعبّر عنها؟ وهذه تدخل في البلاغة والأهمية. سؤال: ما الفرق في استخدام كلمة الأنعام في الآيات في سورة الحج (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)) (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)) (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤)) ؟

стр. 1039

قسم من اللغويين فرّق بين بهمية الأنعام فقالوا بهيمة الأنعام ما أُلحِق بالأنعام. الأنعام هي البقر والغنم والمعز والإبل (ثمانية أزواج) . البهيمة من ذوات الأرواح، ما لا عقل له، تسمى بهائم. البهيمة أعمّ والأنعام جزء منها. البهيمة كل ما له روح ولا عقل له حتى الوحوش والأنعام بهائم. فكلمة بهيمة أعمّ. (بهيمة الأنعام) عندنا عموم وخصوص، (بهيمة الأنعام) قسم من أهل اللغة قالوا هي ما ماثل الأنعام وأدخلوا بها الظباء وبقر الوحش (ألحقوها إلحاقاً) هي مما يؤكل فقالوا هذه من المُلحَق وكل مجترّ قالوا يدخل في بهيمة الأنعام. كل ما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب قالوا هو بهيمة الأنعام وليس الأنعام، يعني الظباء بهيمة الأنعام، بقر الوحش بهيمة الأنعام، كل ما يجترّ وليس له ناب مما يؤكل دخل في بهيمة الأنعام.

стр. 1040

وهنالك أمر آخر من حيث اللغة في رأيي: بهمية الأنعام إضافة العام (البهيمة) إلى الخاص (الأنعام) كما نقول يوم الخميس: اليوم عام والخميس خاص، شهر ورمضان الشهر عام ورمضان خاص، كتاب النحو، علم الفقه، شجر الأراك، إضافة العام إلى الخاص وهذا من أساليب العربية وموجود في القرآن (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) هذا من إضافة العام إلى الخاص. لماذا ورد هنا؟ لماذا أضاف هنا العام إلى الخاص؟ نرجع للآيات التي ذكرها قال تعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) الحج) وآية أخرى مشابهة لها (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤) الحج) هو يتكلم عن أيام الحج، ذِكر الله وذِكر أسماء الله في أيام الحج فقط على هذه أو عام؟ هو ذِكر عام ليس فقط على بهيمة الأنعام وإنما الذكر في الحج أمر شائع (فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ (١٩٨) البقرة) (فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (٢٠٠) البقرة) (وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (٢٠٣) البقرة) وقال هنا (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) تحديداً فأضاف عاماً إلى خاص، هذه حالة خاصة. الذكر عامٌّ في الحج وذكر الله عامّ في الحج وهنا قال (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) إذن هذا خاص بعد عامّ. العامّ ذكر الله والخاص (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) إذن هنا جاء بأمر عام بعده خاص. ذِكر اسم الله عامّ، على ما

стр. 1041

رزقهم خاص لأن ذكر الله في أيام الحج هو عامّ. لكنه في الآية ذكر (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) الحج) إذن ذكر خاصاً بعد عام وبهيمة الأنعام خاصٌ بعد عامّ. نفسها الآية الأخرى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (٣٤) الحج) ذِكر اسم الله عام وهو قال (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) صار خاصاً. خاص بعد عامّ وبهمية الأنعام خاص بعد عامّ. لكن لما ذكر الأنعام (وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)) ليس فيها ذكر ولا شيء لأن الكلام في الأنعام تحديداً. أما في الأولى (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) خاص بعد عام وكل خاص بعد عامّ جاء (بهمية الأنعام) خاص بعد عامّ. هذه مناسبة فنية عجيبة في اللغة وهذا من باب التناسب.

стр. 1042

سؤال: ما دلالة تقديم تعليم القرآن على خلق الإنسان في آية سورة الرحمن مع أنه يتصور أن الخلق يكون أولاً (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)) ؟

стр. 1043

قوله تعالى (الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)) خلق الإنسان لأي غرض؟ ربنا خلق الإنسان والجن للعبادة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) الذاريات) إذن أي واحد يريد أن يصنع شيئاً لغرض يجب أن يكون الغرض مرسوماً عنده. فلما كان خلق الإنسان والجن لغرض العبادة والقرآن هو كتاب العبادة التي سيستغرق الانس والجن إلى قيام الساعة. فهذا الكتاب هو الغرض من خلق الانسان فهو الأسبق، الغرض أسبق من الخلق. في أي عمل الغرض أسبق من العمل. الغرض موجود ويعمل الشيء بموجب الغرض وبموجب العِلّة. خُلِق الإنسان للعبادة وكتاب العبادة قبله، هذا أمر. والأمر الآخر هو أن القرآن هو أصلاً قبل خلق الإنسان، القرآن كلام الله ومن علم الله وهو موجود قبل الإنسان. فإذن من حيث العِلّة هو أسبق من الإنسان ومن حيث الوجود هو أسبق من الإنسان. فإذن (علّم القرآن) أسبق من الإنسان لذلك ذكر العِلّة أولاً ثم ذكر ما بعدها (خلق الإنسان) ثم قال (علّمه البيان) حتى نلاحظ ما قال علم الإنسان البيان وإنما لما ذكر الإنسان قال (علّمه البيان) ذكرها بالإطلاق قبل خلق الإنسان هذا أصلاً. نفهم قوله علّمه البيان بعد الإنسان والقرآن أسبق من الإنسان. هذا ترتيب زمني أولاً ترتيب العِلّة لأن الغرض أسبق من العمل فإذا كان الغرض العبادة فالقرآن هو كتاب العبادة أسبق ووجوداً وواقعاً هو أسبق فقدّم، وهو أفضل أيضاً. إذا كان على الفضل هو أسبق وإذا كان على الزمن هو أسبق وإذا كان على العِلّة والغرض هو أسبق. القرآن ليس بالضرورة أن يراعي الترتيب الزمني وإنما بحسب الضرورة أو حسب السياق، حسب الأسبق أو حسب الأفضل وأحياناً يقدم المتأخر. سؤال: ما الفرق بين الحسرة (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ (٣٩) مريم) والندامة (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ (٣٣) سبأ) ؟

стр. 1044

الحسرة هي أشد الندم حتى ينقطع الإنسان من أن يفعل شيئاً. والحسير هو المنقطع في القرآن الكريم لما يقول (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) الملك) حسير أي منقطع، إرجع البصر كرتين، ثم ارجع البصر، الحسير المنقطع. الحسير المنقطع والحسرة هي أشد الندم بحيث ينقطع الإنسان عن أن يفعل شيئاً ويقولون يكون تبلغ به درجة لا ينتفع به حتى ينقطع. (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ (٣٠) يس) هذه أكبر الحسرات على الإنسان وليس هناك أكبر منها. الندم قد يندم على أمر وإن كان فواته ليس بذلك لكن الحسرة هي أشد الندم والتلهف على ما فات وحتى قالوا ينقطع تماماً. يقولون هو كالحسير من الدواب الذي لا منفعة فيه (أدرك إعياء عن تدارك ما فرط منه) . في قصة ابني آدم قال (قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١) المائدة) الندم له درجات أيضاً ولكن الحسرة أشد الندم، هي من الندم لكن أقوى من الندم يبلغ الندم مبلغاً. (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ (١٦٧) البقرة) منقطعة ولا فائدة من الرجوع مرة ثانية. سؤال: ما الفرق بين حميم ويحموم؟ الحميم هو الماء الحار (وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ (١٥) محمد) من حمّ والحمّى. والحميم يأتي من الشيء وضده حتى أنه يستعمل للماء البارد أيضاً (مشترك لفظي) . اليحموم هو الدخان الأسود الشديد السواد (وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (٤٣) الواقعة) . سؤال: ما الفرق بين طوعت (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) المائدة) وسولت (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) طه) (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا (١٨) يوسف) ؟

стр. 1045

سولت معناها زينت له، يقال سولت له نفسه أي زينت له الأمر، طوّعت أشد. نضرب مثلاً" الحديد يحتاج إلى تطويع أي يحتاج إلى جهد حتى تطوعه، تريد أن تطوع وحشاً من الوحوش تحتاج لوقت حتى تجعله يطيعك، فيها جهد ومبالغة في التطويع حتى تروضه وتذلله، المعادن تطويعها يحتاج إلى جهد وكذلك الوحوش والطيور تطويعها يحتاج إلى جهد وبذل. التسويل لا يحتاج إلى مثل ذلك الجهد. إذن سولت أي زينت له نفسه، لذا ابني آدم قال (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) كان يفكر هل يمكن أن يقدم على قتل أخيه فاحتاج وقتاً لترويض نفسه ليفعل هذا الفعل وهو ليس كأي تسويل أو تزيين بسهولة تفعل الشيء وأنت مرتاح. التطويع يحتاج إلى جهد حتى تروض نفسه وتهيء له الأمر. وفي القرآن قال تعالى (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) في قصة السامري هنا بسهولة وهذه أسهل من أن يقتل الواحد أخاه. لا يجوز في القرآن أن تأتي طوعت مكان سولت أو العكس وفي النتيجة العمل سيكون لكن واحد أيسر من واحد. سوّل وطوع بمعنى واحد لكن طوّع فيها شدّة. سؤال: ما الفرق بين آلآف وألوف (وهم ألوف) في القرآن؟ آلآف من أوزان القِلّة، جمع قلة. (أفعال) من أوزان القِلّة: أفعُل، أفعال، أفعِلة، فِعلة. من أوزان القِلّة وألوف من الكثرة. لذلك قال ربنا (أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) آل عمران) (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) آل عمران) لأن القلة من الثلاثة إلى العشرة فإن تجاوزها دخل في الكثرة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ (٢٤٣) البقرة) قال بعضهم قطعاً أكثر من عشرة آلآف وقسم أوصلهم إلى أربعين ألفاً. آلآف إلى حد العشرة جمع قلة، ألوف ما تجاوز العشرة وهي جمع كثرة. سؤال: ما الفرق بين أتباع وأشياع؟

стр. 1046

الأشياع هم أتباع الرجل على جماعة واحدة والأتباع هم أنصار الرجل لكن ما الفرق؟ الأشياع أنصار أيضاً لكن الأشياع أعمّ قال تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (٥١) القمر) المخاطَب زمن الرسول ﷺ أشياعهم الأمم السابقة، نحن أشياع سيدنا محمد ﷺ وأتباعه الذين معه وقتها. القرآن الكريم لم يستعمل التبع إلا من كان مع الرسول ﷺ وقتها، كل أتباع الرجل من كان معه (فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا (٢١) إبراهيم) . الأشياع ليس بالضرورة واستعملها الله تعالى للمتقدم والمتأخر، تكلم عن سيدنا نوح ﵇ (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)) ثم قال (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) الصافات) أين إبراهيم ﵇ من نوح ﵇؟ من شيعته أي من شيعة نوح، صحيح الفروع مختلفة لكن أصل الرسالة واحدة. سيدنا نوح ﵇ كان أسبق بكثير من إبراهيم. فالأشياع أعمّ من الأتباع، الأتباع من كانوا معه فقط ولا يستعمل للمتأخر. التبع يكون معه والأشياع عامة وفي القرآن يستعمل الأشياع أعمّ من التبع. سؤال: ما الفرق بين فتنة وفتون (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا (٤٠) طه) ؟

стр. 1047

الفتون ذكروا فيها إحتمالين: قالوا هي إما مصدر (والفتنة أيضاً مصدر كالقعود والجلوس) مصدر فعل (فتن) وفَتَن أي اختبر ولها معاني كثيرة منها وضع الذهب في النار حتى تبين جودته وليختبره والفتنة التعذيب. وقسم ذهب إلى أنها جمع (فتون) (وفتناك فتونا) قالوا جمع فَتْن كالظنّ والظنون، (فَتْن) فتناً مصدر وفتنة مصدر. المصدر يُجمع إذا اختلفت أنواعه كالظنون (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) الأحزاب) . فقالوا (وفتناك فتوناً) أي امتحناك واختبرناك عدة مرات. رجّح بعضهم على أنها جمع وليست مفرداً. فإذن الفتون تختلف عن الفتنة، الفتنة هي المصدر والفتون جمع. والفتنة مصدر وقد تكون للواحدة وقد تكون لغير الواحدة لأن أحياناً ما دامت على وزن فَعلة وفِعلة تحتمل، لأن المصدر إذا أردنا المرة جئنا به على وزن فَعلة (إسم المرة) إذا كان واحداً ركض ركضة، مشى مشية، الرحمة مشتركة لأنها على وزن فَعلة نأتي بها مرة واحدة نقول (رحمة واحدة) وإذا أردنا نأتي بها جمع نقول (رحمة) . فتنة على وزن الهيئة لكنها مصدر (مشية، فعلة) ليست إسم هيئة إلا إذا أردنا الهيئة تحدد بشيء: فتنة المؤمن حتى يتضح أنه يراد بها الهيئة "وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة". فالفتون رجحوا أنها جمع فَتٍن وقسم قال جمع فتنة مثل بدر بدور وهناك أمثلة في اللغة. فِتَن جمع أيضاً ويبدو لي أن فتون جمع لأنه منّ عليه بأنه اختبره عدة اختبارات ونجّاه منها وليست مسألة واحدة وإنما عدة اختبارات ونجاه منها وأعدّه للرسالة فهي من باب المنّ عليه، يبو لي هذا والله أعلم. سؤال: (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) الأنعام) كيف يردّون وكيف يعودون؟

стр. 1048

المشهد من مشاهد النار يوم القيامة (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ (٢٧) الأنعام) يعني يردهم ربهم إلى الدنيا (وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قالوا يا ليتنا نعود مرة أخرى ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين فرب العالمين ردّ عليهم فقال (بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ) كانوا يفعلون ما نهوا عنه ويرجعون إلى نفس المسألة التي دخلوا بسببها النار وسيعودوا إلى نفس المنكرات والقبائح التي فعلوها بعد أن رأوا الموقف بأعينهم وقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب فقال تعالى لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون أي أن هذا التمني كاذب فلو ردهم إلى الدنيا لعادوا إلى أفعالهم القبيحة. هل هناك رابط بين ردوا وعادوا؟ عاد مبني للمعلوم ورُدّوا مبني للمجهول يعني لو رددناهم إلى الدنيا لعادوا إلى فعلتهم. ردوا معناه أعيدوا يعيدهم ربهم إلى الدنيا (عندنا عاد وأعاد) تعني لو أعدناهم إلى الدنيا، لو أعيدوا إلى الدنيا، لو رجعناهم إلى الدنيا لعادوا إلى أفعالهم. ردوا مبني للمجهول وعادوا يعودون إلى أفعالهم وإنهم لكاذبون. سؤال: في القرآن الكريم يذكر الجن قبل الإنس في مواطن كثيرة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) الذاريات) أما في سورة الرحمن فقدم الإنس (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) الرحمن) فما دلالة التقديم والتأخير؟

стр. 1049

التقديم والتأخير يقتضيه المقام والسياق أحياناً يقدم الجن على الإنس (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) الذاريات) لأن الجن وجودهم أسبق من الإنس، (وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (٢٧) الحجر) إبليس قبل آدم. إذن قد يكون السبب هو القِدَم أن الأقدم يقدّمه مثل (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) . (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) الرحمن) قدم الجن على الإنس لأن الجن أقدر على النفاذ من الإنسان وهم كانوا يستمعون، فلما تحداهم بالنفاذ بدأ بمن هو أقوى أي بالجنّ. الآية التي ذكرها في سورة الرحمن (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) هنّ أهل الجنة (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) ، (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) ، نفسياً إذا كان أحدهم يريد أن يتزوج امرأة وعلِم أنه اتصل بها رجل سابق يحجم عن الزواج أما إذا قال جنّي إتصل بها يقول هذا كلام وخرافة. ولذلك قدم الإنس لأن النفس فوراً إذا طمثها إنسي يحجم عنها إحجاماً ولذلك قدم ما تشمئز منه النفس أولاً فبدأ بالإنس لأن هذا أدعى إلى طهارتها ولو قال لم يطمثهن جن ولا إنس ليست بتلك المنزلة فقدم ما هو أشد. والطمث يعني الدخول بها. الآية تتكلم عن نساء الجنة، عن حور الجنة (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ) هنّ نساء الجنة كما قال ربنا (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) الواقعة) معناها أبكاراً. سؤال: ما الفرق بين يذّكرون ويتذكرون؟

стр. 1050

يذّكرون أصلها يتذكرون في اللغة صار فيها إبدال. وأصل الفعل الثلاثي ذَكَر يذكر (أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) مريم) الفعل الثلاثي المجرد هو (ذكر) . تذكّر هذا مزيد بالتاء والتضعيف. إذّكّر حصل فيه إبدال التاء صارت ذالاً وهذا إبدال جائز، التاء صار فيها إبدال يصير إدغام (ذال وذال) الأول ساكن والعرب لا تبدأ بالساكن فجاءوا بالهمزة فقالوا إذّكّر مثل إطّهر، إفّعل، إدّبر هذا كله من الإبدال الجائز. إذن يتذكرون ويذّكّرون هما في الأصل فعل واحد لكن أحدهما فيه إبدال والآخر ليس فيه إبدال: يتطهرون ويطّهرون، يدّبر ويتدبر أصلهما فعل واحد لكن أحدهما حصل فيه إبدال والآخر ليس فيه إبدال، هذا من الناحية اللغوية الصرفية. لكن كيف يستعمل القرآن يتذكرون ويذّكّرون؟ يتذكرون ويذّكرون من حيث اللغة واحد حصل إبدال كما في اصتبر واصطبر (التاء صارت طاء) ، إزتحم وازدحم هذا إبدال واجب، وهناك إبدال جائز (يتذكرون ويذّكرون) .

стр. 1051

إستخدام القرآن الكريم في هذا ونظائره: يتذكر ويذّكّر أيها الأطول في المقاطع؟ (يتذكر: ي/ت/ذ/ك/ر/) خمسة مقاطع، (يذّكّر: ي/ذ/ك/ر/) أربعة مقاطع. يتذكر أطول ومقاطعه أكثر هذا أمر. والأمر الآخر يتذكّر فيها تضعيف واحد ويذّكّر فيها تضعيفان. إذن عندنا أمران: أحدهما مقاطعه أكثر (يتذكر) والآخر فيه تضعيف أكثر (يذّكّر) والتضعيف يدل على المبالغة والتكثير. القرآن الكريم يستعمل يتذكر الذي هو أطول لما يحتاج إلى طول وقت ويستعمل يذّكّر لما فيه مبالغة في الفعل وهزة للقلب وإيقاظه. مثال (فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (٣٥) النازعات) يتذكر أعماله وحياته كلها فيها طول، (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) الفجر) يتذكر حياته الطويلة. (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ (٣٧) فاطر) العمر فيه طول. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) الأنفال) هؤلاء يحتاجون إلى هزة، ما عندهم قلب ويحتاجون إلى تشديد لتذكر الموقف، هنا موقف واحد وهناك عمر كامل. يحتاجون إلى من يوقظهم ويحتاجون إلى مبالغة في التذكر تخيفهم وترهبهم وليس تذكراً عقلياً فقط وإنما هذا تذكر فيه شدة وتكثير للتذكر ومبالغة فيه بحيث تجعله يستيقظ، هذا يسمى مبالغة في التذكر. (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) التوبة) هؤلاء في قلوبهم رجس يحتاجون إلى هزة توقظ قلوبهم ليس مسألة تعداد. (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١) الإسراء) ليعتبر. إذن يتذكر ويذّكّر الصيغتان في القرآن عموماً. يتذكر لما هو أطول وهو تذكر عقلي ويذّكّر فيه مبالغة وفيه إيقاظ للقلب، تهز القلب. يذّكّر فيه إيقاظ للقلب وهزة ومبالغة مع أن الجَذر واحد.

стр. 1052

الحلقة ١٩ سؤال: السُرى هو السفر ليلاً فما دلالة ذكر (ليلاً) في آية الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً (١)) ؟ في الحلقة الماضية تعرضنا إلى أن هناك ظرف مؤكد وظرف مؤسس. الظرف المؤسس يعطيك معلومة جديدة لم تستفدها من الجملة السابقة للظرف كأن تقول سافرت يوم الجمعة، يوم الجمعة لم تستفدها إلا بعد أن ذكرت الظرف. أولاً (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً) ليلاً: ظرف مؤكد لأن الإسراء لا يكون إلا بالليل. والتوكيد في الظروف وغير الظروف أسلوب عربي وجائز. في الصفات كقوله تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) الحاقة) هي نفخة واحدة وقال تعالى (وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ (٥١) النحل) الإلهين يعني اثنين. إذن عندنا تأسيس وتأكيد في الحال والصفات والظروف. إذن ليلاً هو ظرف مؤكد، هذا أمر. والأمر الآخر أن كلمة ليلاً أفادت معنى آخر غير كونها ظرف مؤكد وهو أن الإسراء تم في جزء من الليل. لما تقول سافرت ليلاً أي سافرت في هذا الوقت لا يعني أنك قضيت الليل كله لكن لما تقول سافرت الليل أي قضيت كل الليل سفراً. عندما تأتي بالألف واللام سافرت الليل أو الليل والنهار أو مشيت الليل والنهار أي كله لأن هذا جواب (كم؟) . لما تقول سافرت ليلاً فهو توقيت وجواب عن متى؟ قد تكون سافرت في جزء منه، أما لما تقول سافرت الليل تكون قد استغرقته كله كما في قوله تعالى (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) الأنبياء) هذا يستغرق استغراقاً لا يفترون. (ليلاً) أفاد أن هذه الحادثة كلها، الإسراء تم في جزء من الليل وهذا دليل على قدرة الله أن تستغرق الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى التي تستغرق شهوراً والمعراج وما فيه كل هذا في جزء من الليل. إذن كلمة ليلاً أفادت معنيين الأول أنها ظرف مؤكد للإسراء والأمر الآخر أن هذه الحادثة استغرقت جزءاً من الليل. (أسرى بعبده) كم استغرق؟ لا نعلم. كلمة أسرى وحدها لا تدل على جزء محدد من الليل، الإسراء هو المشي بالليل فقط ولو لم يقل ليلاً

стр. 1053

لما دل على أن هذا تم في جزء من الليل. فكلمة ليلاً إذن أفادت أمرين الظرف المؤكد وأن هذه الحادثة لم تستغرق إلا جزءاً من الليل. لا توجد كلمة زائدة في القرآن أو حشو وإنما كل كلمة لها دلالة. في القرآن يقولون حرف جر زائد وهذا مصطلح لا يعنون به الزيادة التي ليس لها فائدة وإنما وقوعها بين العامل والمعمول لغرض وهو الزيادة للتوكيد كما في قوله (وما ربك بظلام للعبيد) ، هو من حيث وقوعها بين العامل والمعمول تسمى زيادة فهذا مصطلح والمعنى العام هو باقٍ لكن وقعت بين العامل والمعمول وأكّدت والتأكيد أمر موجود في اللغة وقد يستدعي السياق التأكيد فكلمة زائدة عند النُحاة لا تعني أنه ليس لها فائدة، هذا قطعاً ليس هو المقصود وإنما في الغالب تفيد التوكيد وأقول في الغالب لأنه قد تفيد الزيادة شيئاً آخر غير التوكيد. سؤال من المقدم: الإسراء من - إلى، ألا يقتضي المنطق أن الظرف يأتي بعد (من - إلى) يعني أسرى بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليلاً؟ العامل هو أصلاً متقدم (أسرى) وبعبده وليلاً متعلقة بهذا العامل وهي معمولات لهذا العامل. يبقى الترتيب لما هو أهمّ: بدأ بالزمان (ليلاً) ثم المكان (من المسجد الحرام) كلها حصلت في جزء من الليل وهذا أمر مستغرب أنه من هذا المكان إلى ذلك المكان أن يكون في جزء من الليل، ليس مستغرباً أن تذهب من هذا المكان إلى ذلك المكان لكن المستغرب والمستبعد أن يتم ذلك في جزء من الليل لذلك هم قالوا نضرب إليها أكباد الإبل ستة أشهر ذهاباً ومجيئاً. هم لم يستغربوا من الذهاب والإياب لأنهم يذهبون ويأوبون ولكن استغربوا من الاستغراق للوقت فقط. لو لم يقل ليلاً لما فهمنا أنه تم في جزء من الليل. استطراد من المقدم: هل نقول المعراج أو العروج؟ المعراج هو الآلة والعروج هو المصدر، هو الحدث. نقول الإسراء والمعراج.

стр. 1054

سؤال: في سورة الإسراء عبّر عن الوعدين بفعل جاء (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً (٥)) و (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا (٧)) مع أن وعد أولاهما جاء ووعد الآخرة لم يأت بعد؟ هل الآخرة في الآية يقصد بها يوم القيامة؟ لم لم يقل أخراهما كما قال أولاهما؟ كلا لا تحتمل لأن الآخرة لها معاني كثيرة.

стр. 1055

من يقول أن الأول جاء بالماضي والأخر بالمستقبل؟ نبدأ الآية من أولها: قال تعالى (وقضينا) ربنا تعالى هكذا قدّر وهكذا قضى وقرّر. إذن هذه الأمور كلها بعد القضاء والتقدير. قيضنا أي قدّرنا. وقضينا إلى بني إسرائيل لتفسدن في الأرض مرتين هذا كله مستقبل، يتكلم عن أمر سيقع في المستقبل (لتفسدنّ) نون التوكيد تحوّل المضارع إلى استقبال، تخصصه للإستقبال. القضاء هو ماضي قدر الله تعالى في الأزل في علمه أن سيكون ذلك. ماذا قدّر؟ قدّر أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين (فإذا جاء وعد أولاهما) إذن هذا المجيء مستقبل بالنسبة للقضاء والتقدير الذي كتبه ربنا وهو ماضي وهذه الأمور ستقع تحقيقاً لما قضى ربنا. فإذن قضينا أي الذي قدّره ربنا تعالى وحكمه وقرّره ثم تأتي الأمور مستقبلية تصدق ما قضى به ربنا فلما قال (فإذا جاء وعد أولاهما) (فإذا جاء وعد الآخرة) كلها مستقبل بالنسبة للقضاء والتقدير فإذن ليس هنالك إشكال، هذا أمر. والأمر الآخر أنه يأتي بعد (إذا) ماضي ومستقبل صحيح أن (إذا) ظرف لما يستقبل من الزمان وقد تكون للماضي كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ (٩٠) يونس) هذا ماضي، (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ (٩٠) الكهف) هذا ماضي، (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا (١١) الجمعة) نزلت هذه الآية بعد الحادثة.
следующие страницы →