Полный текст (1 108 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
سلاسل وأغلالاً وسعيرا: هنا العذاب بالسلاسل والأغلال والسعير فلماذا ذكر هذا النوع من العذاب؟ السعير هي جهنم للكافر عموماً لماذا ذكر السلاسل والأغلال؟ ذكر تعالى أنه أطلق الحرية للإنسان (إما شاكراً وإما كفورا) والإختيار في الدنيا وهداه السبيل فلم يسلكها ولهذا قيّده الله تعالى في الآخرة لأنه ليس له أن يختار في الآخرة فكما أساء الإختيار في الدنيا قيّده بالسلاسل (والحريى عكس القيد) والسلاسل تُقيّد حركة الأرجل والأغلال تقيّد حركة الأعناق والأيدي كما في قوله تعالى في سورة المائدة آية ٦٤ (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ) قيّد حركته على كل حال بمقابل الحرية المطلقة التي كانت له في الدنيا.
- قوله (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ﴿٥﴾ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً) ﴿٦﴾
ورد في القرآن جمع الأبرار والبررة ونلاحظ أن القرآن الكريم يستعمل الأبرار للناس المكلّفين ويستعمل البررة للملائكة ولم يستعملها للناس أبداً (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾ عبس) لماذا؟ الأبرار هي من الصيغ المستخدمة لجموع القَلّة والناس قليل منهم الأبرار (قلة نسبية) مصداقاً لقوله تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿١٠٣﴾ يوسف) فاستعمل القَلّة النسبية بينما الملائكة كلهم أبرار فاستعمل معهم الجمع الذي يدل على الكثرة (بررة) .
стр. 317
ثم قال تعالى (يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) والكأس هي الزجاجة التي فيها شراب فإذا كانت فارغة تُسمّى زجاجة. وفي الآية ذكر تعالى صنفين من هؤلاء (الأبرار) الذين يشربون من كأس ممزوجة بالكافور وقسم آخر هم (عباد الله) في قوله تعالى (عيناً يشرب بها عباد الله) والمقصود بعباد الله هنا المقرّبون حسب بعض المفسرين وكلمة عبد الله هي أرفع وسام يصف الله تعالى به عبده فلمّا وصف تعالى رسوله ﷺ في أعلى مقام قال (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴿١﴾ الإسراء) وقال في نوح ﵇ (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً ﴿٣﴾ الإسراء) وهناك عبودية إختيارية وعبودية قسرية وهذه هنا عبودية اختيارية. إذن هناك نوعين من المكلّفين وهم أولهم الأبرار وهم يشربون من كأس كان مزاجها كافورا، وثانيهم المقرّبون الذين يشربون من العين خالصة.
стр. 318
في قوله تعالى (يشربون من) عدّى الفعل بـ (من) وفي المقرّبين عدّى الفعل بالباء (عيناً يشرب بها عباد الله) وهذا يدل على أن جزاء المقربين أعلى من جزاء الأبرار ويقولون أن حسنات الأبرار سيئات المقرّبين، فكيف دلّ على ذلك؟ هناك جملة أمور تدل على ما ذكرنا: أولاً بالنسبة للأبرار يُؤتى بكأس يشربون منها أما المقرّبون يشربون بها وهي تفيد الإلصاق بمعنى أقام بالعين وشري بها فإذن صار التلذذ بالنظر وبالشراب، ثانياً الأبرار يشربون من كأس ممزوجة بالكافور وليست خالصة (يشربون من كأس كان مزاجها كافورا) وهي تُمزج بقدر أعمالهم في الدنيا أما المقرّبون فيشربون من العين صرفة خالصة ليست ممتزجة، ثالثاً عدّى الفعل بالباء تدل على تضمين معنى روي به (يشرب به) بمعنى يرتوي به على خلاف الشرب الذي لا يدل على الإرتواء فالتعدية بالباء تدل على نزول في المكان والشرب الخالص والإرتواء منها.، ورابعاً قال تعالى في عباد الله يفجرونها تفجيرا بمعنى يُجرونها حيث شاءوا ويقال في الآية أنه معهم قضبان من ذهب في أيديهم يجرونها حيث شاءوا وهذا يدل على أنه ليس فيها عناء ولكنها تتم بسهولة. وهناك فرق بين جزاء الأبرار وجزاء المقرّبين.
- قوله (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً) ﴿٨﴾
стр. 319
بدأ تعالى الآية بذكر الوفاء بالنذر لأن الوفاء بالنذر واجب ثم جاء بعده ذكر الوفاء بالواجب فكأنه ذكر النيّة المقابلة لعموم العمل فكل عمل تقترن به النية الخالصة لله فكأن قوله تعالى (يوفون بالنذر) هو العمل ز (يخافون يوماً) هو النية، وينبغي أن تكون النية مقابلة للعمل. وقوله تعالى (كان شرّه مستطيرا) بمعنى فاشياً منتشراً ويقال عن يوم القيامة كان شره مستطيرا بمعنى انتشر شرّه حتى ملأ السموات والأرض فلا يبقى ملك مقرّب ولا نبي مُرسل إلا جثا على ركبتيه. وفي اللغة استطار الشيئ أي تفشّى الشيئ وبلغ أقصى مدى.
стр. 320
وبعدها قال تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا) . وهنا يأتي السؤال على ماذا يعود الضمير في كلمة (حبّه) ؟ ذكر فيه أكثر من حالة وإن كان أظهرها على حبه يعني على حب الطعام مع حاجتهم إليه وهذا من باب الإيثار يطعمون الطعام مع أنهم محتاجون إليه مصداقاً لقوله تعالى (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿٩٢﴾ آل عمران) ، ويحتمل أيضاً أن يعود على حب الإطعام فيعود على المصدر (الإطعام) كقوله تعالى (اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، المائدة آية ٨) هو هنا تعود على العدل وهؤلاء يطعمون الطعام بطيب نفس وبدون مَنّة ولا تكدير، ويحتمل أيضاً أن يكون يعود الضمير على حب الله بمعنى ابتغاء وجهه كما تذكر الآية في نفس السورة (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً ﴿٩﴾ ) . فالضمير إذن يعود على الطعام من باب الإيثار وعلى الإطعام من باب الإحسان وعلى حب الله وهو من باب الإخلاص. وقد قال قسم من المفسرين أن أعلى هذه الإحتمالات أن يكون من باب الإيثار، وهو في الحقيقة يجمع المعاني كلها. ويأتي سؤال هنا لماذا ذكر الله تعالى كلمة الطعام (ويطعمون الطعام) ولم يقل (ويطعمون) ؟ ذكر الطعام حتى يصحّ عودة الضمير عليه ولو حذف الطعام لما عاد الضمير عليه وهو أعلى الأوجه كما قلنا سابقاً وهو الإيثار، فذِكر كلمة الطعام أفاد ثلاثة معاني ولو حذف لأفاد المعنى لكن الضمير لن يعود على الطعام وهو الإيثار (ويطعمون الطعام على حبه) .
ثك ذكر ثلاثة أصناف من البشر بالترتيب التالي (مسكيناً ويتيماً وأسيرا) فتقديم المسكين على اليتيم واليتيم على الأسير يفيد جملة أمور:
стр. 321
التقديم بحسب الرتبة وحسب الحاجة: وتقديم المسكين لأن المسكين محتاج على الدوام وهو من المذكورين في باب الزكاة واليتيم قد لا يكون محتاجاً وقد يكون غني لكن المسكين يكون إطعامه على الوجوب والتطوع، أما الأسير قد يكون كافراً والكافر لا يدخل في باب الوجوب على أفراد المسلمين إنما يدخل في باب الوجوب على الحاكم أو ولي الأمر. وبدأ بالواجب (الوفاء بالنذر) وكذلك بدأ بمن هو أولى وهو المسكين أولاُ ثم اليتيم ثم الأسير.
التقديم بحسب الكثرة: فالمساكين هم أكثر من اليتامى لأن اليتم يزول بالبلوغ أما المسكين فيبقى مسكيناً كذلك اليتامى أكثر من الأسرى لأن هؤلاء الأسرى لا يكونون إلا في وقت الحرب وهم أقل من اليتامى والمساكين وهذا ملحظ آخر للتقديم وهو تقديم الأكثر ثم الأقل.
وقد يكون للتقديم مسوّغ آخر وهو بحسب القدرة على التصرف: فالمسكين له الأهلية الكاملة على التصرف أما اليتيم فأهليته ناقصة حتى يبلغ أما الأسير فلا يمكن أن يتصرف حتى يأمر فيه صاحب الأمر.
وهناك عدة أمور تسوّغ التقديم بهذه الصورة وعندما ذكر الأسرى كان مناسباً لما ذكره في عذاب الكافرين (سلاسل وأغلالاً وسعيرا) لأن الأسرى يقيّدون بالأغلال والسلاسل.
ونأتي لسؤال آخر لماذا استعمل كلمة (ويطعمون) ولم يستعمل (ويتصدقون) ؟ والجواب حتى لا يخُصّ ذلك الصدقات أو يخصّ من تجب عليهم الصدقات أو تجب لهم الصدقات وليس كل المسلمين تجب عليهم الصدقة أو تجب لهم الصدقة لكن أراد عموم فعل الخير سواء كان الفاعل غنياً أو فقيراً وساء كان المُطعَم تجب عليه أو لا ويشمل المتصدَق عليهم وغير المتصدَق عليهم. وكلمة تطعمون تدل على فعل الخير العام وهذا المعنى لم تكن لتدل عليه كلمة يتصدقون.
- قوله (إنمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً) ﴿٩﴾
стр. 322
تتناول الآية الكريمة أمرين في إطعامهم الطعام وقد مرّ في الآية السابقة أنهم يطعمون الطعام مع حاجتهم إليه (على حبّه) وهذا أشهر الأوجه وأعلاها كما ذكرنا سابقاً، وأنهم مخلصون لله في إطعامهم في هذه الآية. وقوله تعالى (على حبّه) تدل على الإيثار وهنا في هذه الآية تدل على الإخلاص في قوله تعالى (لوجه الله) وهذا أعلى أنواع الإطعام أن يجتمع فيه الإيثار والإخلاص.
قال تعالى (إنما) ولم يقل مثلاً نحن نطعمكم فلماذا؟ إنما تفيد القصر والحصر في اللغة يعني تخصيص الإطعام لهذا الأمر (الغاية هي لوجه الله ولا يطعمون إلا لوجه الله) أي لا يبتغون شيئاً آخر وهذا هو أعلى أنواع الإخلاص. ولو قال نحن نطعمكم سيؤدي هذا إلى أمرين ويفيد أنهم يطعمون لوجه الله ولا ينفي إطعامهم لغير وجه الله بخلاف المعنى المقصود من الآية والتي هو قصر الإطعام لوجه الله تعالى فقط وهذا يفيد أن الأعمال كلها حصراً يجب أن تكون ابتغاء وجه الله تعالى.
ويقول بعض أهل اللغة أن القول (نحن نطعمكم) هي حصر بالتقديم (تقديم نحن على نطعمكم) نقول نعم ولكن هذا حصر بالفاعل وليس حصر بالفعل وهذا يُغيّر المعنى المقصود (يعني نحن لا غيرنا نطعمكم) وهذا معنى غير مطلوب في الآية ولا يصح لأن هناك غيرهم من يُطعم إما استخدام (إنما) في الآية فهي تفيد التخصيص الفعل (لا الفاعل) لوجه الله تعالى.
стр. 323
ثم قال تعالى في الآية (لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً) أي لا نريد مكافأة على الإطعام بالعمل (لأن الجزاء هو المكافأة على العمل) ولا نريد شكراً باللسان. نلاحظ قوله تعالى (إنما نطعمكم) ولم يقل بعدها (قالوا لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) أو يقولون، لكنه لم يذكر فعل القول حتى يشمل لسان الحال فهم لم يقولوا ذلك بلسانهم ولكن قالوه بلسان حالهم وقد يكون أبلغ. ومن المفسرين من يقول أنهم لم ينطقوا بهذا القول ليشمل لسان الحال ولسان النطق. وهذا من باب الإخلاص أيضاً أنهم قالوه بلسان حالهم.
ثم أن الآية بقوله تعالى (لا نريد منكم) ولم يستخدم مثلاً (لا نريد جزاء ولا شكورا) وهذا لتدلّ على أنهم يريدون الجزاء والشكر من رب العالمين فهم لم ينفوا إرادة الجزاء والشكر وإنما أرادوه من رب العالمين فقط لا من الناس الذين يطعمونهم، ولا يصح أصلاً أن نقول لا نريد جزاء ولا شكورا بشكل مطلق.
ثم نلاحظ أنه قدّم الجزاء على الشكر وهذا لأن الجزاء بالفعل أهم من الشكر باللسان فالناس في الدنيا يهمهم الجزاء وليس الشكر باللسان فقط فالمطلوب الأول في العمل هو الجزاء لذا بدأ به سبحانه أما الشكر فهو ثناء باللسان ولا يُعدّ جزاء العمل.
وكذلك نلاحظ تكرار (لا) في قوله (لا نريد منكم جزاء ولا شكورا) ولم يقل (لا نريد منكم جزاء وشكورا) وهذا دليل على أنهم لا يريدون أي واحد من الجزاء أو الشكر على وجه الإجتماع أو على وجه الإفتراق حتى لا يُفهم أنهم قد يريدون أحدهم.
ثم نلاحظ أيضاً أنه قال لا نريد ولم يقل لا نطلب لأن الإنسان قد يريد ولا يطلب فنفي الإرادة أبلغ وأعمّ من نفي الطلب فهو إذن ينفي الطلب وزيادة (الإرادة) .
стр. 324
ثم نلاحظ استعمال كلمة (شكورا) وليس (شكرا) الشكور تحتمل الجمع والإفراد في اللغة وهي تعني تعدد الشكر والشكر في اللغة يُجمع على الشكور ويحتمل أن يكون مفرداً مثل القعود والجلوس، وقد استعمل القرآن كلمتي الفسق والفسوق لكن لكل منها دلالته فجاءت كلمة الفسق مع الأطعمة والذبائح أما كلمة الفسوق فجاءت عامة لتدل على الخروج عن الطاعة. والجمع يدل على الكثرة أي لا نريد الشكر وإن تعدد وتكرر الإطعام باعتبار الجمع. وقد استعمل القرآن الكريم كلمة الشكور في الحالتين وإذا أردنا الشكور مصدراً فهو أبلغ من الشكر واستعمال المصادر في القرآن عجيب والذي يُقوي هذه الوجهة استعمال الشكور لما هو أكثر من الشكر. ولقد استعملت كلمة الشكور في القرآن مرتين في هذه الآية وفي آية سورة الفرقان (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴿٦٢﴾ ) فقط واستعمل الشكر مرة واحدة في قصة آل داوود (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿١٣﴾ سبأ) ومن ملاحظة الآيات التي وردت فيها كلمتي الشكور والشكر نرى أن استعمال الشكر جاء في الآية التي خاطب بها تعالى آل داوود وهو قلّة بالنسبة لعموم المؤمنين المخاطبين في سورة الفرقان أو في هذه السورة التي فيها الإطعام مستمر إلى يوم القيامة والشكر أيضاً سيمتد إلى يوم القيامة ما دام هناك مطعِمين ومطعَمين. إذن هو متعلقات الشكر في هاتين الآيتين أكثر من متعلقات الشكر في قصة آل داوود. وفي سورة الفرقان قال تعالى (لمن أراد أن يذّكّر أو أراد شكورا) وكلمة (يذّكّر) فيها تضعيفين فالذي يبالغ في التذكر هو مبالغ في الشكر فيبدو والله أعلم أن استعمال الشكور أبلغ من استعمال الشكر في آية سورة الإنسان.
стр. 325
- قوله (إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) ﴿١٠﴾
هذه جملة مستأنفة تفيد التعليل. وهي تعطي السبب لماذا يطعمون الطعام ولا يريدون الجزاء ولا الشكور لأنهم يخافون من ربهم يوماً عبوساً قمطريرا. وقد وصف اليوم بالعبوس على المجاز لأن اليوم لا يوصف بالعبوس مثل العرب تصف الليل بالقاتم (مجاز عقلي) ومحتمل لإرادة الشمول والعموم فهو عبوس هو وأهله ومن فيه وما فيه هو وأهله لليوم ومن فيه. وعبوس صيغة مبالغة وقمطرير أي شديد العبوس وهي صيغة مبالغة تدلّ على الشّدة.
قال إنا نخاف من ربنا ومن قبل قال لوجه الله ولا فرق بين استعمال لفظي الرب والله (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴿٦٤﴾ ) فالله هو الرب سبحانه. وإذا استعرضنا الآيات السابقة نجد أنه تعالى قد ذكر عبادتين ظاهرتين هما الوفاء بالنذر والإطعام، وعبادتين قلبيتين هما الخوف من اليوم الآخر والإخلاص لوجه الله، ونفى عنهم شيئين هما الجزاء والشكور، وذكر صنفين ممن يطعَمون هما صنف مسالم (اليتيم والمسكين) وصنف محارب (الأسير) ، وذكر صنفين من المسالمين هما المسكين واليتيم، وأحدهما بالغ والآخر قاصر.
- قوله (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴿١١﴾ وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) ﴿١٢﴾
стр. 326
لما ذكر أنهم يخافون ذلك اليوم قال ربنا وقاهم شر ذلك اليوم ولقاهم بدل العبوس النضرة وكلاهما في الوجه وبدل الخوف والسرور ومحلهما القلب، قابل العبوس بالنضرة وهما في الوجه وقابل الخوف بالسرور وهما في القلب. مقابل الخوف الأمن ولكنه قابل بين الخوف والسرور والعبوس والنضرة. السرور هو الأمن وزيادة وقد يكون الإنسان في أمن لكنه بلا سرور ثم نلاحظ أنه أيضاً مقابل الخوف قال السرور وليس الأمن ومقابل العبوس قال النضرة ولا تقابل العبوس لأن الوجه قد يكون غير عابس لكنه غير نضر. وهذا زيادة لأنه تعالى قال (من جاء بالحسنة فله خير منها) ولم يقابلها بمثلها بل بخير منها. فالسرور مقابل الحزن وليس مقابل الخوف، فالخوف عادة يكون قبل أن يقع الشيء فإذا وقع حزن الإنسان كما في قوله تعالى (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) فأصبح في حزن لذا ذكر العاقبة السرور. وقال أيضاً في الآية السابقة (يخافون يوماً) وقال في هذه الآية (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) ولم يقل يخافون شر اليوم وإنما جاءت الآية (يخافون يوماً) أما في هذه الآية فذكر تعالى (فوقاهم شر ذلك اليوم) وهذا يعني أنهم هم خافوا اليوم بما فيه من شرور ومصاعب وحساب وهو يوم عسير ومن شرور ذلك اليوم أنه (يجعل الولدان شيبا) لكنه تعالى وقاهم شر ذلك اليوم فقط ولم يقيهم اليوم ومشهد ذلك اليوم وفي هذا إنذار وتخويف كبيران فكل إنسان سيشاهد ذلك اليوم بما فيه وحسبه أن يقيه الله تعالى شر ذلك اليوم. إذن الله تعالى يقيهم شر اليوم ولا يقيهم مشد ذلك اليوم الذي سيشهده كل الناس أجمعين.
والفاء في قوله (فوقاهم) تفيد السببية في أغلب معانيها ولو كانت عاطفة أو يُنصب بعدها الفعل وهي تعني بسبب ما فعلوه في الدنيا وقاهم الله شر ذلك اليوم.
- قوله (وجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) ﴿١٢﴾
стр. 327
في الآية السابقة قال تعالى (ولقّاهم) وفي هذه الآية قال (وجزاهم) لأن اللقاء يكون قبل الجزاء أي قبل أن يدخلوا الجنة وبعد اللقاء أدخلهم الجنة فصار الجزاء. (اللقاء أولاً ثم يأتي الجزاء بعده) جزاهم الله تعالى بعد اللقاء جنة وحريرا وقال تعالى (بما صبروا) و (ما) هنا تحتمل معنيين: إما أن تكون ما مصدرية بمعنى جزاهم بصبرهم وتحتمل أن تكون إسم موصول والعائد محذوف بمعنى جزاهم بالذي صبروا عليه، من الطاعات والإيثار، وحذف العائد ليشمل المعنيين ولو ذكر العائد لتخصص بمعنى واحد وهذا من باب التوسع في المعنى، إذن جزاهم للصبر ولما صبروا عليه. وجمع أمرين وهما الجنة والحرير والجنّة كما في اللغة هي البستان وفي الآخرة هي إسم لدار السعادة وفيها جنتان كما قلنا في لقاء سابق عن قوله تعالى في سورة الرحمن (ولمن خاف مقام ربه جنتان) (راجع لمسات بيانية في آي القرآن الكريم) وقلنا أنه قد يكون للمتقي أكثؤ من جنّة ولهذا يجمع القرآن جنة على جنات كما ورد في الآيات (جنات عدن) و (جنات الفردوس) وهذه الجنات كلها في الجنة. وجزاهم جنة والجنة للأكل وجزاهم الحرير وهو للبس وهم أطعموا الطعام فقط لوجه الله فجزاهم الله تعالى أكثر مما فعلوا مصداقاً لقوله تعالى (من جاء بالحسنة فله خير منها) وفي هذه الآية زاد الحرير على الجنة وهذا يدل على كرم الله تعالى.
- قوله (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً) ﴿١٣﴾
стр. 328
قد يسأل البعض عن تكرار فيها في الآية (متكئين فيها) ثم (لا يرون فيها) ألا يكفي أن تُذكر مرة واحدة؟ فنقول لو حذف (لا) الثانية ولو قال مثل ما ذهب الظنّ إليه باستخدام (لا) مرة واحدة لوقع لبس ولكا أوهم أنه فقط عند الإتكاء لا يرون شمساً ولا زمهريرا وأنهم لو غادروا المكان لرأوا الشمس والزمهرير ولكن هذا المعنى غير مطلوب لأن المقصود بالآية أنه سواء عند الإتكاء أو عندما يغادروا المكان لا يرون شمساً لولا زمهريرا في كلتا الحالتين. فالتكرار إذن أفاد معنى آخر ولذا اقتضى تكرار (فيها) . والشمس هي دليل النور والزمهرير في اللغة: هو البرد الشديد وقد قيل في لغة العرب أيضاً أنه هو القمر فإذا أخذنا في الإعتبار المعنى الأول للزمهرير تكون الآية بمعنى لا يرون فيها لا شمس ولا قمر وإذا أخذنا المعنى الآخر للزمهرير وهو البرد الشديد تكون الآية بمعنى لا يرون فيها دفءً ولا برداً والدفء يأتي من الشمس والزمهرير من البرد فنفى البرد والحرّ ونفى القمر في آن واحد، ولهذا اختار كلمة الزمهرير لأنها تجمع بين هذين المعنيين. ولو استعمل القمر بدل الزمهرير لأفاد معنى واحداً فقط.
- قوله (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً) ﴿١٤﴾
стр. 329
جمع تعالى لهم بين دنو الظلال وتذليل القطوف التي تفيد الدنو أيضاً وهذه القطوف لا يردها بُعد ولا شد وبهذا جمع إضافة إلى الدنو أنها ميسّرة وليس هناك ما يمنع من رد اليد عنها. فلماذا قال دانية باستخدام الصيغة الإسمية وذللت بالصيغة الفعلية؟ الظلال ثابتة مستقرة فجاء بالصيغة الإسمية التي تدلّ على الثبوت أما القطوف فهي متجددة سواء كانت في جنّة أهرى أو في نفس الجنة وهي تتجدد كلما أكلوا منها أو قطفوا منها ولذا جاء بالصيغة الفعلية التي تدلّ على التجدد. وقد قيل فيها معنى آخر فقد جاء في الآية (وجزاهم جنة وحريرا) قسم من المفسرين ذهب إلى أن المعنى وجنّة دانية عليهم ظلالها بمعنى لهم جنتان كما قلنا سابقاً (ولمن خاف مقام ربه جنتان) الأولى فيها جنة وحرير والثانية دانية عليهم ظلالها.
- قوله (وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴿١٥﴾ قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً) ﴿١٦﴾
بعدما ذكر الفاكهة ذكر الشراب بعدها وأنه يُطاف عليهم بها وذِكر المشروب بعد الطعام هو الجاري عليه في القرآن كله فحيث اجتمع الطعام والشراب في الدنيا أو الآخرة قدّم الطعام على الشراب (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) (وهو الذي يطعمني ويسقين) وغيرها. وذكر الطعام قبل الشراب لأن الطعام أهمّ.
ثم قال تعالى (قوارير من فضة) والمعلوم أن القوارير تكون من زجاج فكيف جمع بين القوارير التي هي من زجاج وبين الفضة؟ ونقول أن الفضة هي فضة في صفاء القوارير وشفافيتها وهذه هي فضة الجنّة العجيبة. وقوله تعالى (وقدّروها تقديرا) فيها معنيين الأول على مقدار حاجتهم لا أكثر ولا أقلّ والثاني على ما تشتهيه أنفسهم كيف تكون هيئة القوارير وشكلها أي قدّروها على ما يرغبه الشخص من هيئة وشكل. يأتون بما هو أحبّ لنفسهم والشراب نفسه مقدّر في شكل الإناء وترتيبه وفيما يُقدّم فيه.
стр. 330
وذكر في الآية فضة وأكواب من فضة وفي آية سورة الزخرف قال تعالى (يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٧١﴾ ) باستعمال ذهب وليس فضة فلماذا الإختلاف بين الإستعمال للفضة في آية سورة الإنسان والذهب في آية سورة الزخرف؟
إذا استعرضنا الآيات في سورة الزخرف (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴿٧٠﴾ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٧١﴾ وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٧٢﴾ لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٣﴾ ) لو لاحظنا الآيات في سورة الإنسان والزخرف نلاحظ أنه:
في سورة الزخرف ذكر أنهم المتقون (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴿٦٧﴾ ) ثم أضافهم إلى نفسه تعالى وهذا أشرف فخاطبهم (يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ﴿٦٨﴾ ) ثم طمأنهم من الخوف مخاطباً إياهم مباشرة (لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ) وهذه مرتبة أعلى مما جاء في آيات في سورة الإنسان حيث جاء فيها (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً ﴿١١﴾ )
стр. 331
وجاء في الزخرف أنهم جمعوا بين الإيمان والإسلام (الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ﴿٦٩﴾ ) والإيمان هو التصديق بالقلب والإسلام هو الإنقياد في العمل كما تذكر الآيات في القرآن (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وأحياناً يُقصد بالمؤمن المسلم. أما ما ورد في آيات سورة الإنسان فهي جزء من صفات المتقين التي جاءت في الزخرف لأن فيها العمل فقط (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴿٨﴾ ) والإيمان يدخل فيه عموم العمل الصالح.
في الزخرف ناداهم الله تعالى مخاطباً إياهم مباشرة (ادخلوا الجنة) أما في الإنسان فجاء قوله تعالى (وجزاهم بما صبروا) وما جاء في الزخرف هو أعلى مكانة ولم يكتف بهذا بل إنه تعالى في الزخرف أدخلهم هم وأزواجهم (أنتم وأزواجكم) وهذا لم يرد في سورة الإنسان وهذا يدل على زيادة الإكرام في سورة الزخرف.
وقال في الزخرف (تُحبرون) وفي الإنسان (نضرة وسرورا) والحبور أعمّ وهو يشمل السعادة والسرور والبهاء والجمال والنعمة والإكرام المبالغ فيه وسِعة العيش أما ما في سورة الإنسان فهو جزء مما ذُكر في سورة الزخرف. ففي الزخرف إذن شمل ما جاء في سورة الإنسان وزيادة.
وقال تعالى أيضاً في سورة الزخرف (وفيها ما تشتهيه الأنفس) ولم يذكر ذلك في سورة الإنسان ثم قال (فيها خالدون) ولم ترد في سورة الإنسان وكلها تدل على الزيادات في النعيم.
ثم ذكر في سورة الزخرف (فيها فاكهة كثيرة) ولم يذكرها في سورة الإنسان لذا ناسب أن يأتي بصحاف من ذهب في الأولى وقوارير من فضة في الثانية.
стр. 332
والأمر الآخر أنه في سورة الزخرف لم يذكر الفضة أبداً وجو السورة شاع فيها ذكر الذهب والتنعّم والزخرف ففيها جاء قوله تعالى (وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ ) فإذا كان هذا للذين كفروا بالرحمن في الدنيا فكيف يكون جزاء المتقين في الآخرة أقل مما كان للكافر في الدنيا (سقف من فضة وعليها معارج) ؟ وسقف الفضة والمعارج هي أكثر من قوارير من فضة فكأنها تدل على أن الجنة جزاؤها أقل من الدنيا فلا يسمح جو السورة في الزخرف باستخدام قوارير من فضة فيها لأنه لا يناسب أن يعطي الله تعالى الكافر في الدنيا أكثر مما يعطي المتقين في الجنة. إذن ينبغي أن يكون للمتقين في الآخرة جزاء أعظم لذا جاء بصحاف الذهب جزاء المتقين في سورة الزخرف.
وفي سورة الزخرف ذكر تعالى أيضاً أن فرعون استكبر في نفسه وثم استخفّ بموسى ﵇ كما في قوله تعالى على لسان فرعون مخاطباً قومه (فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴿٥٣﴾ ) فكيف يناسب ذكر الفضة في السورة إذا كان فرعون المتكبر العالي في الأرض يستعمل الذهب؟ فالأفضل أن جاء تعالى بالفضة والذهب كل في مكانها الذي ناسب جو السورة ووضع كل تعبير في مكانه يناسب سياق الآيات في كلتا السورتين.
- قوله (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا) (١٨)
стр. 333
قبل هذه الآية قال تعالى (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ (١٥)) فلمّا ذكر تعالى أنه يُطاف عليهم بالآنية والأكواب ناسب أن يقول يُسقون وليس يشربون أما في الآية الأولى فلم يذكر الآنية أو الطائفين لذا جاء قوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)) وذكر الطائفين فيما بعد. ولفظ السلسبيل يوحي بالسلاسة وسهولة المسار هذا ما يقابل طعام الكفار الذي قال فيه تعالى (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) المزّمل) والذي يظهر أن الشراب المذكور في قوله تعالى (ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا) أعلى من الذي ورد في الآية السابقة ومن تسلسل الآيات فإن الشراب يُحمل إليهم ويُسقونه ثم أنه تعالى وصف آنية الشراب الذي يطاف عليهم بها (من فضة) ووصف الطائفين (لؤلؤاً منثورا) وهذه الأمور لم تُذكر في الآية الأولى. إذن فقد استوفى عناصر الطواف كلها: الطائفين (ولدان) والمطوف عليهم (الأبرار) والمطوف به (الشراب والآنية) ولم يبق شيء لم يُذكر منها.
- قوله (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) (٢٠)
стр. 334
ونلاحظ أنه تعالى قال بعدها هذه الآية وولدان جمع ولد وهم صغار السّن. فبعد وصف الآنية من الفضة ووصف السقاة وصفهم باللؤلؤ المنثور لأنهم سراع في الخدمة ومنثورين في كل مكان في حين لما أخبرنا تعالى عن الحور العين (وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) الواقعة) وصفهم بأنهم لؤلؤ مكنون أي في أماكنهم مستورين مُصانين غير منثورين في كل مكان. وفي سورة الطور وصف تعالى الغلمان باللؤلؤ المكنون (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)) فما السبب في ذلك؟ أولاً الوصف باللؤلؤ المكنون له جانبان: جانب الصون والحفظ باعتباره محفوظ في الصدف، وجانب آخر جانب الصفاء لأن اللؤلؤ أصفى وأنقى وأبيض ما يكون وهو في الصدف فإذا خرج من الصدف تغير لونه وقد يصبح أسود اللون خارج الصدف. فعندما يُقال مكنون يكون المقصود هذان الجانبان. لكن يبقى السؤال لماذا جاء في سورة الطور لؤلؤ مكنون للغلمان؟ الفرق بين الآيتين أنه في آية سورة الإنسان قال تعالى (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)) لم يذكر (لهم) وإنما ذكر الولدان الذين يأتون بالأشياء كما يأمر الله تعالى أما في آية سورة الطور (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)) ذكر (لهم) بمعنى خاصّين بهم وليسوا عامّين كالذين ورد ذكرهم في آية سورة الإنسان، فأصبحوا مكنونين لأنهم أصبحوا في الأسرة والعائلة متخصصين في خدمتها. أي عائلة؟ إذا نظرنا إلى الآيات التي سبقت الآية المذكورة في الطور نجد قوله تعالى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)) فالكلام عن الأسرة وهذه الأسرة أصبح لها
стр. 335
خصائص كذلك قوله تعالى (ويطوف عليهم غلمان لهم) أي خاص بهم كأنهم لؤلؤ مكنون وسياق الآيات في سورة الطور فيه خصوصية شديدة للمؤمنين.
وقال تعالى (إذا رأيتهم) وإذا كما نعلم في اللغة تدل على التحقيق والتيقّن وهي ليست من باب الإفتراض ولهذا لم يأت بـ (إن) أو (لو) لأن إذا كما قلنا تستخدم لتيقّن الحدث أو للدلالة على الحدث الكثير الوقوع ولهذا جاءت كل الآيات التي تتحدث عن أحداث يوم القيامة باستخدام (إذا) لأنها محققة الحصول وكذلك قوله تعالى في آية الوضوء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)) فجاء بـ (إذا) في القيام إلى الصلاة وهذا أمر متكرر الوقوع أما في حالة الجنب أو المرض جاء بـ (إن) لأنه أقل الحدوث. وكذلك استخدام إذا في قوله تعالى (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) النور) لأن الأطفال لا بد وأن يبلغوا الحلم فهذا أمر متيقن الحصول. أما (إن) فهي تستخدم للأمر الإفتراضي كما في قوله تعالى (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض) (وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً) و (إن كان للرحمن ولد) ليس موجوداُ أصلاً وإنما هو
стр. 336
افتراض وبعيد الحصول. أما (لو) فتستخدم للتمني ولما هو أبعد (لو أنفقت ما في الأرض جميعا) وتأني في الأشياء المستحيلة وما هو أبعد من (إن) أصلاً.
وقوله تعالى (إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثورا) تدل على تحقق الرؤية. وكذلك قوله (وإذا رأيت ثم رأيت) بمعنى إذا رأيت حيث وقفت هناك رؤية. ورأيت هنا وإن كان فعلاً متعدياً لكنه ليس بالضرورة ذكر المفعولين للفعل المتعدي وإنما يؤتى بالذي يناسب قصد المتكلم فأحياناً يستعمل الفعل المتعدي استعمال اللازم أو يتعدى الفعل بمفعول به واحد وقد لا يؤتى بالمفعولين والأمثلة في القرآن كثيرة منها قوله تعالى (فأما من أعطى واتقى) لم يذكر لمن أعطى وما أعطى، أو يأتي بمفعول به واحد كما في قوله تعالى (حتى يُعطوا الجزية عن يد) لم يذكر لمن يعطوها، وقوله (ولسوف يعطيك ربك فترضى) لم يذكر ماذا يعطيه، وقد يُذكر المفعولين كما في قوله تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) . وهذ الإطلاق كم في قوله (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا) وذكر المفعولين أو أحدهما أو عدم ذكرهما يكون بحسب ما يريد المتكلم.
وقوله تعالى (وإذا رأيت) بمعنى مطلق الرؤية ليس هناك شيء محدد أو مكان محدد أينما وقعت الرؤية وهذا من دلالة القدرة والنعيم الذي في الجنة لعباد الله المؤمنين.
وقوله تعالى (إذا رأيتهم حسبتهم) قد يتساءل البعض أن كلمة حسبتهم بمعنى ظنّ وأن هناك تشابه في المعنى أو يحتملان دلالة قريبة كما في كلمتي النظر والرؤية. فنقول أن النظر قد لا يكون معه رؤية بمعنى تنظر إلى المكان سواء رأيته أم لم تره. والرؤية تفيد تحقق المرئي (وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون) لذا استخدم تعالى الفعل رأى هنا في الآية لتفيد تحقيق الرؤية.
- قوله (عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) (٢١)
стр. 337
يقول المفسرون أن عاليهم تعني فوقهم لكنها في الحقيقة لا تعني فوقهم لأن الفوقية لا تقتضي الملامسة فقد يكون الشيء ملامساً وقد لا يكون إذا كان فوقهم كما في قوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) الملك) وكذلك قوله (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤ النساء)) وقوله تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) ق) فوقهم هنا تُعرف بالظرف المُبهم الذي ليس له حدود مثل كلمة يمين لا حدود لها كل ما على يميني يمين. وعليه فإن كلمة عاليهم تفيد الملامسة وتعني يلبسونها.
وقوله تعالى (وحُلّوا فيها أساور من فضة) هي مقابل ما ذكره للكافرين (سلاسل وأغلالاً وسعيرا) وهنا نسأل لماذا ذكر تعالى أساور من فضة هنا في سورة الإنسان بينما ذكر في مواضع أخرى في القرآن أساور من ذهب (أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١) الكهف) ومرة أساور من ذهب ولؤلؤ (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) فاطر) قسم من المفسرين قال أنها تدل على المعاقبة أو الجمع أي مرة يلبسون ذهب ومرة فضة ومرة يجمعون بينها.
стр. 338
فلماذا جاءت ذكر أساور فضة في سورة الإنسان بينما جاءت من ذهب ولؤلؤا في سورة فاطر؟ يجب أن يكون هناك سبب لاختيار كل منها في السورة المناسبة وإذا نظرنا في سياق الآيات في سورة فاطر من قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥))
* ففي سورة فاطر قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)) وفي سورة الإنسان قال (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴿٨﴾ ) والأكيد أن الإنفاق سراً وعلانية هو أعم وأشمل من إطعام الطعام على حبه المسكين واليتيم والأسير.
стр. 339
* ثم إن يتلون الكتاب ويقيمون الصلاة هي أرفع وأعلى من الوفاء بالنذر لأن النذر أصلاً مكروه شرعاً وفي الحديث: "النذر صدقة البخيل" فالأمور التي ورد ذكرها في فاطر هي أعم وأرفع وأعلى مما ورد في سورة الإنسان فتلاوة القرآن أوسع من إقامة الصلاة ولهذا قدّم التلاوة على الصلاة والإنفاق لأن الصلاة لا تصح إلا بتلاوة القرآن والتلاوة تكون في الصلاة وفي غير الصلاة.
* ثم إن التلاوة والصلاة جاءت بصيغة المضارع بينما جاء الإنفاق بصيغة الماضي لتكرر التلاوة والصلاة أكثر من الإنفاق. فالوصف في سورة فاطر أعلى مما جاء في سورة الإنسان هذا أمر
* والأمر الآخر أنه تعالى في سورة فاطر ذكر (يوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) بينما قال في سورة الإنسان (إن هذا كان لكم جزاء) ففي سورة فاطر توفية وزيادة وهما أعلى من الجزاء لذا ذكر اللؤلؤ وهو الزيادة، وكذلك في فاطر قال تعالى (إنه غفور شكور) وفي الإنسان (وكان سعيكم مشكورا) فزاد المغفرة على الشكر في سورة فاطر.
* ثم ذكر في سورة فاطر (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا) بإسناد الفعلين إلى نفسه تعالى وهذا في مقام التكريم ثم ذكر الإصطفاء بالذات وهو من باب التكريم أيضاً. اصطفاهم هذا تكريم والتكريم الآخر هو الإسناد في قوله (أورثناهم) .
* قسّم تعالى المصطفين إلى قسمين (مقتصد) و (سابق بالخيرات) ذكر السابقين وهم أعلى المكلفين فلا يناسب معهم أن يذكر الأساور من فضة لأنها قد تدل على أن الفضة للسابقين مع أنه يجب أن يتميزوا لأنهم أعلة المكلّفين ولهذا جاء بأساور من ذهب لؤلؤا ليتناسب مع المذكورين.
* قوله تعالى في فاطر (ويزيدهم من فضله) (وذلك هو الفضل الكبير) يناسب الزيادة أيضاً لأن هذا الفضل يقتضي الزيادة
стр. 340
* ذكر المغفرة والشكر مرتين (إنه غفور شكور) و (إن ربنا لغفور شكور) . من الناحية البلاغية، لمّا ذكر تعالى (يتلون كتاب الله) قال (إنه غفور شكور) بجون اللام ولمّا ذكر الظالم لنفسه والمقتصد ذكر أنهم يخلون الجنّات ذكر اللام في قوله (إن ربنا لغفور شكور) لأنه هؤلاء محتاجون للمغفرة أكثر ولولا المغفرة لما دخلوا الجنة وهؤلاء أحوج إلى المغفرة من الأولين لذا أكد باللام (إن ربنا لغفور شكور) فالتأكيد جاء بحسب الحاجة إلى المغفرة.
* قال تعالى في سورة الإنسان (حُلّوا أساور من فضة) وفي فاطر (يحلون فيها من أساور من ذهب) فيها تكريم لأن (من) تفترض الكثرة لأنهم أعلى من المذكورين في سورة الإنسان لأنه عندما نقول لأحد مثلاً إلبس هذه الثياب أو البس من هذه الثياب بالتأكيد الثانية أوسع لأن له أن يختار من بين الثياب ما يشاء. ثم قال تعالى (حُلوا) بصيغة الماضي وفي سورة فاطر (يحلّون) بصيغة المضارع وفي الآيتين الفعل مبني للمجهول لكن في سورة الإنسان الإخبار بما هو حاصل أما في سورة فاطر فالإخبار بشيء لم يحدث بعد وفيه إخبارهم أنهم سيدخلون الجنة (يدخلون الجنة) لذا جاءت يُحلّون.
* يبقى السؤال لماذا قال في سورة الإنسان (يُطاف عليهم ويُسقون ويطوف عليهم) بصيغة المضارع مع أنه قال (جزاهم وحّلوا) بصيغة الماضي وهذا للدلالة على تجدد الطواف والإستمرار فيه فهو لا ينقطع ولا يناسب أن يقول تعالى (طيف عليهم) لذا جاء بصيغة المضارع في الطواف والسقيا. وكذلك يلبسون ويحلون لأن التحلية هي من الحلي والتزيّن.
- قوله (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) .
طهور هي صيغة مبالغة على وزن فعول بمعنى الطاهر والمطهِّر والمبالغة فيهما والعرب استعملت كلمة طهور للشيئين وطهور مشتقة بالأصل من الفعل الثلاثي طهُر.
стр. 341
الطاهر ليس بالضرورة مطهِّر فكثير من السوائل طاهرة لكنها ليست بالضرورة مطهِّرة. واستعمال طهور هنا مناسب لسياق الآيات وتشتمل المعاني كلها الطاهر والمطهر والمبالغة فيهما. والصيغ لها فروق بيانية فيما بينها مثل غفّار وغفور كلتاهما صيغة مبالغة وكذلك همّاز وهُمزة كلتاهما صيغة مبالغة لكنها ليست متساوية في الدلالة. والعرب كانت تتحدث هذه اللغة فاللسان عربي أصلاً لكن الناس يختلفون فيه فيكون بعضهم أبلغ من بعض ويختلفون في اختيار الكلمات والسياق والبلاغة وتنتهي قمة الإعجاز في القرآن الكريم.
فلماذا استخدم كلمة (طهور) في الآية؟ ذكر تعالى في الآيات السابقة من السورة (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)) و (وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧)) و (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) ذكر لنا تعالى ثلاثة أنواع من الشراب كل منها أعلى من الذي سبقها أولاً ذكر أنهم يشربون من كأس (كافورا) ثم في الثانية ذكر أنهم يُسقون كأساً (زنجبيلا) هنا الفعل مبني للمجهول وذكر الساقي (ولدان مخلدون) والآنية التي يُسقون فيها (آنية من فضة) ثم الثالثة ذكر تعالى أنه سقاهم ربهم وهذه أعلى الدرجات لم يقل يُسقون ولا يشربون وإنما سقاهم ربهم فهذا الشراب هو أفضل من السابقين لأنه أسنده تعالى إلى الربّ وهذه الآيات دلّت على أن الشراب أنواع مختلفة.
стр. 342
شراباً طهورا كلمة موجزة تحوي معاني كثيرة بينما وصف في الآيات السابقة ما يشربون فيه من آنية وصفاً دقيقاً ولم يذكر في هذا الوصف إلا (شراباً طهورا) وهذا يدل على أن الشيء عندما يكون فوق الوصف لا يذكر شيئاً ولا تستطيع اللغة ولا الوصف أن يعبروا عن هذا الأمر العظيم، كما ورد في سورة الرحمن (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤)) وصف البطائن ولم يصف الظاهر ونقول إذا كانت البطائن من استبرق فكيف يكون الظاهر؟ لا يُتصور الظاهر ولهذا لم يُذكر لأنه ما من لغة أو وصف يمكن أن يعبر عما يوجد هناك من نعيم وسعادة مصداقاً لقوله تعالى (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) السجدة) . وكذلك عندما يصف لنا تعالى شجرة الزقوم (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) الصافات) لم يراها أحد ولم ترد على ذهن الإنسان وكما أن في الجنة أمور لا يعلمها أحد كذلك في النار.
- قوله (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (٢٢)
لماذا تقديم (لكم) على جزاء في الآية؟ قبل التقديم لما ذكر تعالى أن هؤلاء لا يريدون جزاء ولا شكورا (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)) جزاهم ربنا أحسن الجزاء وشكر لهم لذا قدّم (لكم) على جزاء فصار جزاء بالفعل وشكر باللسان.
стр. 343
كان يمكن القول (هذا كان جزاء لكم) لكن التقديم أفاد أن الجزاء مختص لكم لأن الجزاء في الآخرة مختص لكل واحد وإذا لاحظنا في القرآن كله قدّم الجار والمجرور للإختصاص لأنه اختصاص به وتعريض للآخرين من أهل النار (قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) الفرقان) و (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (٣٧) سبأ) و (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)) إنما في الدنيا فليس بالضرورة التقديم وقد جاء في سورة القمر مثلاً (وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)) لمن يأتي التقديم هنا لأن الآية ليس فيها اختصاص والذي كُفر هو نوح ﵇ لكن السفينة لم تحمله وحده وإنما كان معه من آمن معه والجزاء لهم أيضاً لذا أطلق ولم يُخصص فكما كان الجزاء لنوح ﵇ كان للمؤمنين.
- قوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) (٢٣)
стр. 344
لماذا جاء في الآية ثلاثة توكيدات بينما جاء في أول السورة توكيد واحد في قوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)) ؟ في الآية (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا (٢٣)) ذكر تعالى ثلاثة أمور ذكر المنزِّل (الله تعالى) وذكر المنزِّل (القرآن) والمنزِّل عليه (الرسول) وأكّد ثلاثة توكيدات (إنّا، نحن، والضمير المتصل في نزّلنا (نا) والسبب أن في الآية أول السورة أمر الخلق لم يُختلف فيه ذلك الإختلاف أي كون الله تعالى هو الخالق فهذا أمر لم ينكره كفار قريش بدليل قوله تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) لقمان) و (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) الزمر) لكن مسألة التنزيل هي التي اختلفوا فيها وأنكروها أشد الإنكار فالتوكيد إذن يعتمد على شدة إنكار الشخص للأمر ولهذا يحتاج للتوكيد أكثر في حالة الإنكار الشديد لأن قريش لم يكونوا يُقرّون بأن الله تعالى نزّل القرآن وهذا يختلف تماماً عن قضية الخلق التي لم يكونوا ينكرونها أصلاً. والأمر الآخر أن التنزيل هو أهم من الخلق لأن الغاية من الخلق العبادة والغاية من التنزيل هو تنزيل كتاب العبادة التي يردها الله تعالى فالتنزيل هو القصد الأول في الخلق فهو أولى بالتوكيد. والتوكيد جاء كما يقتضيه السياق والمقام من جهة الأهمية والإختلاف والتنازع فيه.
стр. 345
وهذا التأكيد يذكرنا بسورة يس (قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)) وقد أكّد في هذه الآية مرتين مع أنه في الآية التي سبقت (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)) أكدّ مرة واحدة لأن الله تعالى أرسل لهم في البداية رسولين فكذبوهما ثم عزز بثالث فأنكروا إنكاراً أكبر لذا جاء التوكيد في الآية الثانية واقتضى أن يؤكد أكثر فصار التوكيد بالقسم لأن (ربنا يعلم) قسم في لغة العرب فلما ازداد الإنكار ازداد التوكيد.
(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) في هذه الآية ذكر تعالى (عليك) وفي آية سورة الحجر قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)) فما دلالة (عليك) في آية سورة الإنسان؟
لو نلاحظ ما جاء بعد هذه الآية لوجدنا أن الكلام موجه إلى الرسول ﷺ بالأوامر والنواهي (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦)) وهناك أمور تتعلق بالرسول المخاطب لذا استخدم (عليك) . أما في آية سورة الحجر فلم يرد في الآيات التي سبقت أو تلت ما يتعلق بالرسول ﷺ لكن الكلام متعلق بالقرآن (كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)) وكل الكلام عن الذكر وليس عن الرسول.
لماذا جاء ذكر كلمة (القرآن) في آية سورة الإنسان وكلمة (الذكر) في آية سورة الحجر؟
стр. 346
إسم الكتاب المنزّل على الرسول ﷺ هو (القرآن) ولم يرد في سورة الإنسان له ذكر إلا في هذا الموضع وهذه الآية (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) ، أما في سورة الحجر فقد ورد ذكر القرآن والذكر والآية في سورة الحجر (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)) ثم قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)) فلمّا سماه كفار قريش ذكراً ردّ عليهم الله تعالى بكلمة (الذكر) ولهذا فهي أنسب للآية التي قبلها من استعمال كلمة القرآن رغم أنها وردت في سورة الحجر كثيراً.
- قوله (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) (٢٤)
الآية التي قبلها قال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) ثم أمره بالصبر بعد ذكر تنزيل القرآن لأن التنزيل يستدعي الصبر لما فيه من قول ثقيل وأمور وتكاليف تستدعي الصبر (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) المزمّل) و (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢) طه) ويحتاج أيضاً لصبر على الأذى لأنه سيؤذى بسببه لذا كان من المناسب بعدما ذكر تنزيل القرآن أن يذكر الصبر لأنه أمر يستدعي الصبر فقال تعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) .
стр. 347
دلالة كلمة (حكم) : في اللغة قد يكون الحكم بمعنى الحكمة (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) الشعراء) وقوله تعالى (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) مريم) أي الحكمة. وقد تأتي بمعنى القضاء أو الفصل (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨) غافر) وهنا أمره بالصبر لهما معاً أي أن يصبر لحكمة أرادها الله تعالى ولحكم الله وقضائه لأن قضاءه له حكمة بمعنى اصبر لحكم الله وقضائه لحكمة أرادها الله تعالى وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى.
(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) ما دلالة استخدام كلمة آثم وكفور؟
الآثم: هو الذي يرتكب الإثم والإثم قد يكون ظاهراً وباطناً بدليل قوله تعالى (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) الأنعام) أو من أعمال القلب أو أفعال الجوارح.
أما الكفور: فهو المبالغ في الكفر وفيه دلالتان: الأولى نقيض الإيمان والثانية نقيض الشكر لذا قال تعالى في أول السورة (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)) والكفور المبالغ في الكفر بمعنى نقيض الإيمان هو الذي استعمل في القرآن (وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦) الحج) و (وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) الزخرف) والمبالغ في جحد النعمة والكفر قد يكون باطناً أو جحود باللسان. وكل كفور آثم وليس كل آثم كفور. ولو قال كافر لنهى عن صنف واحد وليس عن الصنفين الذين تدلان علهما كلمة كفور.
ما دلالة استعمال (أو) ولم يأتي بواو العطف مثلاً؟
стр. 348
لو جاء بالواو لجاز له أن يُطيع أحدهما إنما استعمال (أو) دلّت على الأمر بأن لا يطيع واحداً منهما على سبيل الجمع أو الإفراد. والآثم هو اسم فاعل والأثيم صفة مبالغة وفي هذه الآية أراد تعالى أن لا يطيع الآثم سواء بالغ في الإثم أو لم يبالغ فلو قال أثيم مثلاً لكان فُهِم أن النهي فقط عن إطاعة الأثيم ويحق له أن يطيع الآثم وأما استخدام كلمة أثيم فهي تدل على النهي عن إطاعة الآثم وهو أقل الدرجات فمن باب أولى أن لا نطيع الأثيم.
في سورة القلم قال تعالى (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)) باستخدام الأثيم لأنه لو لاحظنا ما ورد في السورة لوجدنا أن الله تعالى ذكر فيها كل صفات المبالغة (حلاّف، همّاز، مشّاء، مهين، منّاع للخير) (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)) فجو السورة جو مبالغة والأمر الآخر أن الذي يفعل كل هذه الأمور الذي سبقت ألا يكون أثيماً؟ بالطبع هو أثيم وليس آثم بل إن فعل كل واحدة من هذه الأفعال يجعله أثيماً وليس آثماً فكيف لو اجتمعت كل هذه الصفات في المعتدي فلا بد أن يكون أثيماً.
- قوله (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) (٢٦)
стр. 349
علاقة الآية بما قبلها: أمر الله تعالى الرسول ﷺ بالذكر والتسبيح بعد الأمر بالصبر (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) والنهي عن طاعة الآثم والكفور (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) أمره بالإكثار من الذكر. وفي القرآن نلاحظ أن الله تعالى يأمر بالإكثار من التسبيح والذكر في المواطن التي تحتاج إلى صبر وفي الأزمات (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) الحجر) وأمره بالتسبيح في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) الأنفال) ومداومة التسبيح تفرّج الكروب كما جاء في قصة يونس وهو في بطن الحوت (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) الصافات) فالذي نجّى يونس من بطن الحوت هو مداومته على التسبيح (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)) والتسبيح وذكر الله هي أزكى الأعمال وأرفعها عند المليك. فهو ترتيب منطقي جداً بعدما تضيق الصدور والقلوب نذكر اسم ربنا.
- قوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا) (٢٦)
стр. 350
لماذا قدّم الجار والمجرور على الفعل؟ لأن التهجد شاق على النفس فقدّم الليل بما يقابل الشدة (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)) قدّم ما هو متعلق على الفعل، (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) السجدة) (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩) الإسراء) أمور ثقيلة وأجرها عظيم لذا قدّم (من الليل) على الفعل (فاسجد له) . كما أن الترتيب يفيد علو منزلة السجود وتقديم الجارّ والمجرور سوّغ إدخال الفاء في قوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ) ودلالة الفاء هنا أنها تفيد التأكيد على أي حال. وقد قال النحاة أن الفاء قد تكون إما جواب شرط مقدّر يعني مهما كان الأمر فاسجد له وهي دعوة للسجود مهما كان الأمر وقسم آخر يقول أن الفاء زائدة للتوكيد وفي كلتا الحالتين يكون التوكيد للسجود والدلالة على أهميته وعظمته وجاءت الواو قبلها أيضاً (ومن الليل فاسجد له) ولا يصح أن نقول (واسجد له من الليل) لأنها تفوت أهمية السجود (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) قريش) وقوله تعالى (وربّك فكبّر) فلا يصح التقديم بدون الفاء. أفاد التقديم الدلالة على أهمية السجود ومنزلته ويفيد الإهتمام لأن أصل التقديم يفيد الإهتمام وهو الذي يُسوّغ إدخال الفاء في كل أحوالها تدل على عظم منزلة السجود.
стр. 351
وعندما أوصى تعالى رسوله ﷺ أن يقوم الليل (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤) المزمل) هنا أخّر الليل كما يقتضي الترتيب النحوي فلماذا لم يأتي بمثل ما جاء في آية سورة الإنسان؟
هذا الأمر في سورة المزمل جاء في أوائل الرسالة ثم لمّا اشتد الأمر أصبح فيه مشقة ويحتاج إلى صبر كما في سورة الإنسان وهذا في مرحلة متقدمة من الرسالة. والقرآن يبدأ شيئاً فشيئاً وكلمة تبتّل يفيد التدرج في العبادة وتبتّل تبتيلا، وتبتيل مصدر الفعل بتّل وهو دلالة على التكثير مثل جرّح تجريح وتجرّع فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يبدأ بالتدرج وينتهي بالكثرة.
- قوله (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) (٢٧)
ما هي العاجلة؟ ولم قال ويذرون وراءهم مع أن اليوم أمامهم؟
العاجلة هي الدنيا كما هو معروف يعيشون فيها ويتعجّلون أمرها. ويذرون وراءهم لأنهم نبذوه وراءهم لو عناه أمرهم لجعلوه أمامهم لكنهم تركوه وراءهم هكذا يقول قسم. وفي استعمال العرب لكلمة وراءهم يذكرون أنها تأتي بمعنى أمامهم كما في قوله تعالى (من ورائه جهنم) بمعنى أمامهم، وقوله تعالى (وكان وراءهم ملك) الخرق كان بعد أن ركبوا في السفينة ولو تركوه وراءهم لكانوا نجوا منه. وراءهم تستعمل لمن كان طالباً لك وهو أمامك كما نقول باللغة العامية (وراءك امتحان) ليست بمعنى خلفك لكنه يطلبك. إذن العرب تستعمل وراءك بمعنى أمامك إذا كان يطلبه.
فقوله تعالى (ويذرون وراءهم) بمعنى تركوه وهو يطلبهم وليسوا بفارّين منه. واللمسة البيانية في التعبير بـ " وراء " بمعنى أمام لأن كلمة " وراء " فيها معنى الطلب كما يطلب الغريم غريمه (لا مفر منه طالباً له) .
стр. 352
في سورة القيامة قال تعالى (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١) القيامة) فذكر العاجلة وذكر (وتذرون الآخرة) فلماذا قال في سورة الإنسان يوماً ثقيلاً وفي القيامة قال الآخرة؟
أولاً العاجلة هي نفسها في الآيتين بمعنى الدنيا. أما بالنسبة لاستعمال (يوماً ثقيلا) في سورة الإنسان فلأنه تكرر ذكر اليوم من بداية السورة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)) و (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)) و (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)) فالكلام في السورة عن اليوم الذي هو يوم القيامة وهو اليوم الثقيل ثم عندما ينصرف أهل الجنة إلى الجنة لا يكون ثقيلا،. أما الآخرة فهي أعمّ من اليوم.
في سورة القيامة جاءت الآيات بالخطاب المباشر (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١) القيامة) أما في سورة الإنسان فجاءت الآيات باستعمال ضمير الغائب (ويذرون وراءهم) لأن المقام في سورة الإنسان لا يناسب الخطاب المباشر ولا يصح لأنه ذكر أن قسماً ممن ذُكروا في السورة لم يذروا الآخرة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)) و (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)) وقد وقاهم الله شر ذلك اليوم (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)) فلا يصح إذن الخطاب فكيف يخاطبهم أجمعين وقسم منهم يفعل الخير حتى يقيهم الله شر ذلك اليوم فالخطاب لا يناسب.
- قوله (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) (٢٨)
стр. 353
علاقة هذه الآية بما قبلها: قال تعالى في هذه الآية (نحن خلقناهم) وفي الآية السابقة قال تعالى (إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا) وهذا يدل على أن الذي خلقهم وشد أسرهم (نحن) هو الذي أنزل عليهم القرآن (نحن) فينبغي لهم أن يسمعوا لكلام خالقهم ويطيعوا تنزيله فكأن الآية التي سبقت هي مقدمة لهم بأن يسمعوا ما أُنزل على الرسول ﷺ .
لماذا تقديم ضمير المتكلم (نحن) عن الفعل (خلقناهم) ؟ التقديم له أكثر من سبب وإن كان يجمعها الإهتمام لكن مداراته مختلفة. وهنا تقديم المعمول على العامل (نحن: مبتدأ) و (خلقناهم: خبر) وفي هذه الحالة الخبر جملة فعلية وهذا يفيد القصر في الغالب بمعنى لأنه لم تكن هناك جهة أخرى خلقت أو تشاركه سبحانه في الخلق فهو وحده سبحانه متفرّد بالخلق (بمعنى نحن خلقناهم حصراً) وكذلك قوله تعالى (إنا نحن نزلنا عليك القرآن) تفيد الحصر. فالذي خلقهم حصراً هو الذي نزّل القرآن حصراً فعليهم أن يطيعوه.
أوجه التقديم: يجمع التقديم تحت عبارة: كأنما يقدمون الذي هم ببيانه
وقد يقدّم الأفضل وقد يقدّم المفضول حسب السياق وقد يقدّم كلمة على أخرى في مكان ويؤخرها نفسها في مكان آخر ولكلٍ مقامه في البلاغة.
وشددنا أسرهم: بمعنى أحكمنا خلقهم أي أحكمنا توصيل مفاصلهم وأحكمناها وثبتناها (أي إحكام الربط) . والأسر هي المفاصل والعظام وما إلى ذلك. فهو الذي أحكم خلقهم وشد أسرهم وقد قال تعالى في آية أخرى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وهذا من تمام النعمة على الإنسان ومن تمام النعمة أن يطيعوه، فالخلق نعمة وشد الأسر نعمة وهو القادر أن يفعل ما يشاء (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) .
سؤال: لماذا جاء قوله (وشددنا أسرهم) ؟ ألا يمكن أن يقال نحن خلقناهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم؟
стр. 354
نحن خلقناهم هذا أمر وشددنا أسرهم هذا أمر آخر بعد الخلق وهي نعمة أخرى بعد الخلق ولو لم يقلها لأغفلت نعمة من نعم الله تعالى. فهو تعالى جعلهم أقوياء وهذه نعمة وليس فقط الخلق هو النعمة. مثل قوله تعالى (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) فهناك عدة أمور بعد الخلق ومن إتمام النعمة أن يشد أسرهم فيكونوا أقوياء وخلفاء في الأرض.
استطراد: القرآن كثيراً ما يستعمل الفعل (شدّ) ومضاعفاته مثال قوله تعالى (واشدد به أزري) فهل للفعل شدّ دلالة خاصة في اللغة؟
شدّ في اللغة بمعنى ربط وأحكم وأوثق وشدّ. وشدّ مضعّف والتضعيف في الغالب فيه قوة وشدّ فعل ثلاثي ليس مزيداً لكن من الناحية الصوتية تجعل حرف في حرف فتعطيه قوة.
سؤال: في أول السورة قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وفي هذه الآية قال تعالى (نحن خلقناهم) فلماذا التوكيد بـ (إن) في الأولى؟
стр. 355
في أول السورة أكّد بـ (إن) وهنا لم يؤكّد لأنه في أول السورة تحدث عن خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكورا وهي أصعب من الخلق من أب وأم ثم يضع فيه القابلية على التوالد (وهذه هي البداية) وهي أصعب مما بعدها (نحن خلقناهم) فهذه تأتي من سلسلة الآباء من الأبناء. هذا أمر والأمر الآخر كونه خلقهم أمر غير منازع فيه عند كفار قريش وكثير من الكفار لو سألتهم من خلقهم ليقولون الله. لكنهم ينازعون في أن الخلق لم يكن ثم كان بمعنى أنه ليس له بداية كما يقول الفلاسفة والدهريون وينسبون الخلق إلى سلسلة الوجود ليس له بداية فينكرون (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) . فالذي ينازع فيه الفلاسفة إذن هو كون هناك بداية للمخلوقات والخلق (سؤالهم هل هناك بداية؟) وعليه احتاج الأمر إلى توكيد في الآية أول السورة (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) . وهناك أمر آخر قوله تعالى (نبتليه) ذكر تعالى أن الخلق الأول للإبتلاء وهذا أيضاً أمر منازع فيه وكفّار قريش كانوا ينكرون هذا ويقولون هل خلق الله الإنسان ليبتليه ثم يحاسبه؟ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) سبأ) وكثير من الناس ينكرون هذا الأمر أيضاً حتى لو اعتقدوا فعلاً أن الله هو خالقهم. ونلاحظ من كل ما ذكرنا أن الآية في أول السورة احتاجت إلى توكيد فجاء بـ (إن) في قوله تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وهو الخلق الأول والبداية وخُلق للإبتلاء وكلها تقتضي التوكيد بخلاف الآية الثانية (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) .
- قوله (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) .
следующие страницы →