← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8312

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 108 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وعندما أوصى تعالى رسوله ﷺ أن يقوم الليل (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤) المزمل) هنا أخّر الليل كما يقتضي الترتيب النحوي فلماذا لم يأتي بمثل ما جاء في آية سورة الإنسان؟ هذا الأمر في سورة المزمل جاء في أوائل الرسالة ثم لمّا اشتد الأمر أصبح فيه مشقة ويحتاج إلى صبر كما في سورة الإنسان وهذا في مرحلة متقدمة من الرسالة. والقرآن يبدأ شيئاً فشيئاً وكلمة تبتّل يفيد التدرج في العبادة وتبتّل تبتيلا، وتبتيل مصدر الفعل بتّل وهو دلالة على التكثير مثل جرّح تجريح وتجرّع فأمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يبدأ بالتدرج وينتهي بالكثرة. - قوله (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) (٢٧) ما هي العاجلة؟ ولم قال ويذرون وراءهم مع أن اليوم أمامهم؟ العاجلة هي الدنيا كما هو معروف يعيشون فيها ويتعجّلون أمرها. ويذرون وراءهم لأنهم نبذوه وراءهم لو عناه أمرهم لجعلوه أمامهم لكنهم تركوه وراءهم هكذا يقول قسم. وفي استعمال العرب لكلمة وراءهم يذكرون أنها تأتي بمعنى أمامهم كما في قوله تعالى (من ورائه جهنم) بمعنى أمامهم، وقوله تعالى (وكان وراءهم ملك) الخرق كان بعد أن ركبوا في السفينة ولو تركوه وراءهم لكانوا نجوا منه. وراءهم تستعمل لمن كان طالباً لك وهو أمامك كما نقول باللغة العامية (وراءك امتحان) ليست بمعنى خلفك لكنه يطلبك. إذن العرب تستعمل وراءك بمعنى أمامك إذا كان يطلبه. فقوله تعالى (ويذرون وراءهم) بمعنى تركوه وهو يطلبهم وليسوا بفارّين منه. واللمسة البيانية في التعبير بـ " وراء " بمعنى أمام لأن كلمة " وراء " فيها معنى الطلب كما يطلب الغريم غريمه (لا مفر منه طالباً له) .

стр. 352

في سورة القيامة قال تعالى (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١) القيامة) فذكر العاجلة وذكر (وتذرون الآخرة) فلماذا قال في سورة الإنسان يوماً ثقيلاً وفي القيامة قال الآخرة؟ أولاً العاجلة هي نفسها في الآيتين بمعنى الدنيا. أما بالنسبة لاستعمال (يوماً ثقيلا) في سورة الإنسان فلأنه تكرر ذكر اليوم من بداية السورة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)) و (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)) و (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)) فالكلام في السورة عن اليوم الذي هو يوم القيامة وهو اليوم الثقيل ثم عندما ينصرف أهل الجنة إلى الجنة لا يكون ثقيلا،. أما الآخرة فهي أعمّ من اليوم. في سورة القيامة جاءت الآيات بالخطاب المباشر (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٢١) القيامة) أما في سورة الإنسان فجاءت الآيات باستعمال ضمير الغائب (ويذرون وراءهم) لأن المقام في سورة الإنسان لا يناسب الخطاب المباشر ولا يصح لأنه ذكر أن قسماً ممن ذُكروا في السورة لم يذروا الآخرة (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)) و (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)) وقد وقاهم الله شر ذلك اليوم (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)) فلا يصح إذن الخطاب فكيف يخاطبهم أجمعين وقسم منهم يفعل الخير حتى يقيهم الله شر ذلك اليوم فالخطاب لا يناسب. - قوله (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) (٢٨)

стр. 353

علاقة هذه الآية بما قبلها: قال تعالى في هذه الآية (نحن خلقناهم) وفي الآية السابقة قال تعالى (إنا نحن نزّلنا عليك القرآن تنزيلا) وهذا يدل على أن الذي خلقهم وشد أسرهم (نحن) هو الذي أنزل عليهم القرآن (نحن) فينبغي لهم أن يسمعوا لكلام خالقهم ويطيعوا تنزيله فكأن الآية التي سبقت هي مقدمة لهم بأن يسمعوا ما أُنزل على الرسول ﷺ . لماذا تقديم ضمير المتكلم (نحن) عن الفعل (خلقناهم) ؟ التقديم له أكثر من سبب وإن كان يجمعها الإهتمام لكن مداراته مختلفة. وهنا تقديم المعمول على العامل (نحن: مبتدأ) و (خلقناهم: خبر) وفي هذه الحالة الخبر جملة فعلية وهذا يفيد القصر في الغالب بمعنى لأنه لم تكن هناك جهة أخرى خلقت أو تشاركه سبحانه في الخلق فهو وحده سبحانه متفرّد بالخلق (بمعنى نحن خلقناهم حصراً) وكذلك قوله تعالى (إنا نحن نزلنا عليك القرآن) تفيد الحصر. فالذي خلقهم حصراً هو الذي نزّل القرآن حصراً فعليهم أن يطيعوه. أوجه التقديم: يجمع التقديم تحت عبارة: كأنما يقدمون الذي هم ببيانه وقد يقدّم الأفضل وقد يقدّم المفضول حسب السياق وقد يقدّم كلمة على أخرى في مكان ويؤخرها نفسها في مكان آخر ولكلٍ مقامه في البلاغة. وشددنا أسرهم: بمعنى أحكمنا خلقهم أي أحكمنا توصيل مفاصلهم وأحكمناها وثبتناها (أي إحكام الربط) . والأسر هي المفاصل والعظام وما إلى ذلك. فهو الذي أحكم خلقهم وشد أسرهم وقد قال تعالى في آية أخرى (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وهذا من تمام النعمة على الإنسان ومن تمام النعمة أن يطيعوه، فالخلق نعمة وشد الأسر نعمة وهو القادر أن يفعل ما يشاء (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) . سؤال: لماذا جاء قوله (وشددنا أسرهم) ؟ ألا يمكن أن يقال نحن خلقناهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم؟

стр. 354

نحن خلقناهم هذا أمر وشددنا أسرهم هذا أمر آخر بعد الخلق وهي نعمة أخرى بعد الخلق ولو لم يقلها لأغفلت نعمة من نعم الله تعالى. فهو تعالى جعلهم أقوياء وهذه نعمة وليس فقط الخلق هو النعمة. مثل قوله تعالى (هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) فهناك عدة أمور بعد الخلق ومن إتمام النعمة أن يشد أسرهم فيكونوا أقوياء وخلفاء في الأرض. استطراد: القرآن كثيراً ما يستعمل الفعل (شدّ) ومضاعفاته مثال قوله تعالى (واشدد به أزري) فهل للفعل شدّ دلالة خاصة في اللغة؟ شدّ في اللغة بمعنى ربط وأحكم وأوثق وشدّ. وشدّ مضعّف والتضعيف في الغالب فيه قوة وشدّ فعل ثلاثي ليس مزيداً لكن من الناحية الصوتية تجعل حرف في حرف فتعطيه قوة. سؤال: في أول السورة قال تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وفي هذه الآية قال تعالى (نحن خلقناهم) فلماذا التوكيد بـ (إن) في الأولى؟

стр. 355

في أول السورة أكّد بـ (إن) وهنا لم يؤكّد لأنه في أول السورة تحدث عن خلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئاً مذكورا وهي أصعب من الخلق من أب وأم ثم يضع فيه القابلية على التوالد (وهذه هي البداية) وهي أصعب مما بعدها (نحن خلقناهم) فهذه تأتي من سلسلة الآباء من الأبناء. هذا أمر والأمر الآخر كونه خلقهم أمر غير منازع فيه عند كفار قريش وكثير من الكفار لو سألتهم من خلقهم ليقولون الله. لكنهم ينازعون في أن الخلق لم يكن ثم كان بمعنى أنه ليس له بداية كما يقول الفلاسفة والدهريون وينسبون الخلق إلى سلسلة الوجود ليس له بداية فينكرون (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) . فالذي ينازع فيه الفلاسفة إذن هو كون هناك بداية للمخلوقات والخلق (سؤالهم هل هناك بداية؟) وعليه احتاج الأمر إلى توكيد في الآية أول السورة (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) . وهناك أمر آخر قوله تعالى (نبتليه) ذكر تعالى أن الخلق الأول للإبتلاء وهذا أيضاً أمر منازع فيه وكفّار قريش كانوا ينكرون هذا ويقولون هل خلق الله الإنسان ليبتليه ثم يحاسبه؟ (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) سبأ) وكثير من الناس ينكرون هذا الأمر أيضاً حتى لو اعتقدوا فعلاً أن الله هو خالقهم. ونلاحظ من كل ما ذكرنا أن الآية في أول السورة احتاجت إلى توكيد فجاء بـ (إن) في قوله تعالى (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج) وهو الخلق الأول والبداية وخُلق للإبتلاء وكلها تقتضي التوكيد بخلاف الآية الثانية (نحن خلقناهم وشددنا أسرهم) . - قوله (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا) .

стр. 356

جاء هنا بـ (إذا دون (إن) وكما سبق وذكرنا في حلقات سابقة أن استعمال (إذا) يكون للقطع لكثير الوقوع وللمتيقن وقوعه بخلاف (إن) التي تستعمل إذا كان هناك احتمال للوقوع أو المشكوك في وقوعه. واستعمال (إذا) هنا يدل على أن الله تعالى سيبدّل أمثالهم ويأتي بأناس مؤمنين مكانهم فالمشيئة حاصلة وقد تمّت. - قوله (هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) (٢٩) باختصار هذه الآية هي نظير قوله تعالى (إنا هديناه السبيل) فالتخيير هنا كالتخيير هناك. فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا مكان شاكراً ومن لم يفعل ذلك يكون كفورا. - قوله (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (٣٠) إن مشيئتكم واختياركم كان بمشيئة الله تعالى ولو لم يرد الله تعالى ذلك لما أعطى هذا الإختيار. - قوله (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) (٣١) ما دلالة هذه الآية وربما يكون هناك من لا يستحق رحمة الله تعالى؟ ذكر تعالى أمرين يرفعان هذا الإحتمال: الأمر الأول: أنه قال الله تعالى قبل هذه الآية (إن الله كان عليماً حكيما) يفعل ذلك لعلمٍ وحكمة ولا يفعل سبحانه إلا لحكمة. ومعناها أنه لا يُدخل في رحمته إلا من علم سبحانه أنه يستحق. والأمر الآخر: قال بعدها (والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليما) استثنى سبحانه من دخول رحمته الظالمين. فقوله تعالى يُدخل من يشاء في رحمته استثنى الظالمون ولا يُدخل سبحانه إلا من يستحق واقتضاه العلم والحِكمة.

стр. 357

سؤال: لماذا جاءت كلمة الظالمين منصوبة؟ هذا يسموه الإشتغال في باب النحو، وكلمة الظالمين مفعول به مقدّم لفعل إما أن يكون من نفس الفعل أو أن يكون بمعناه كأن نقول مثلاً زيداً سلّمت عليه بمعنى حييت زيداً سلّمت عليه لأن فعل سلّم لا ينصب مفعولاً به. وكذلك قوله تعالى السماء رفعها بمعنى رفع السماء رفعها. فإذا كان الفعل يصحّ أن يتسلّط على الأول يُقدّر نفسه وإذا كان لا يصحّ يقدّر ما هو قريب منه. فالنصب هنا من باب الإشتغال وله أغراض عديدة وربما نُفرد له حلقة خاصة لاحقاً. سؤال: يقول تعالى في أول السورة (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا) وفي هذه الآية قال تعالى (والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليما) فهل هذا يدل على أن العذاب الأول أشد من الثاني؟ في الآية الأولى قال تعالى (للكافرين) وهنا قال (للظالمين) وليس بالضرورة أن يكون الظالم كافراً، فكل كافر ظالم وليس بالضرورة أن يكون الظالم كافراً. قال الله تعالى (والكافرون هم الظالمون) إذن قطعاً لا بد أن يكون العذاب الأول أشدّ لأنه ذكر الكافرين صراحة وهنا عمّم صراحة فقال الظالمين فمنهم الكافر فيشمله الأول ومنهم من هو غير الكافر فيشمله العذاب الخاص به. والظلم في القرآن جاء في موضع الشرك (إن الشرك لظلمٌ عظيم) والظلم في القرآن قد يكون حتى في الأشياء الخفيفة كما قال الله تعالى (ربنا ظلمنا أنفسنا) و (رب إني ظلمت نفسي) فالظلم يأتي من أشياء قليلة وقد يصل إلى الشرك الأكبر. وكل مشرك ظالم لكن ليس كل ظالم كافر ولهذا اختلف العذاب حسب الدرجة. ارتباط خاتمة السورة ببدايتها:

стр. 358

بدأت السورة بالإنسان وهو لم يكن شيئاً مذكورا وانتهت بخاتمة هذا الإنسان ومصيره فبدأت ببدئه وخُتمت بخاتمته ومصيره فكأنها رحلة الإنسان ولهذا سُميّت سورة الإنسان. ويذكر الله تعالى في السورة كل ما يتعلق بالإنسان وهو في الحياة وهو يخاف من ربه ويخاف من اليوم الآخر وهذه هي رحلة الإنسان. إذن سورة الإنسان بدأ بالإنسان وقبل بدئه وانتهت بخاتمته ومصيره وكأنها تمثّل عمر الإنسان. وأمر آخر هو أنه تعالى في أول السورة ذكر الشاكر والكفور وفي خاتمتها ذكر المرحوم (يُدخل من يشاء في رحمته) والمعذُب (والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليما) . الخطوط التعبيرية في السورة: الواضح في هذه السورة أنها بُنيت على التثنية ووردت الأشياء فيها صنفين على سبيل المثال: * ذكر صنفين من الناس: الشاكر والكفور، وفي آخرها ذكر المرحوم والمعذّب. * ذكر صنفين من العذاب: القيود والسعير. * وذكر صنفين من القيود: السلاسل والأغلال. * وذكر صنفين من أصحاب الجنة: الأبرار وعباد الله السابقين. * وذكر نوعين من الشراب الممزوج: الممزوج بالكافور والممزوج بالزنجبيل. * وذكر نوعين من العبادات الظاهرة: الوفاء بالنذر والإطعام. * وذكر نوعين من العبادات القلبية: الخوف (نخاف من ربنا) والإخلاص (إنما نطعمكم لوجه الله) . * نفى المُطعمون عن أنفسهم أمرين: الجزاء (وهو المكافأة بالفعل) والشكور (الثناء باللسان) . * لقّاهم شيئين: النضرة (وتكون في الوجه) والسرور (في القلب) . * جزاهم الله تعالى بصبرهم شيئين: الجنة (للأكل) والحرير (للبس) . * ونفى عنهم رؤية شيئين: الشمس والزمهرير. * وذكر دنو شيئين منهم: الظلال والقطوف. * ذكر الطواف بشيئين: الآنية والأكواب. * ذكر الشُرب بصورتين: من الكأس ومن العين. * وذكر نوعين من الشرب من الكأس: شرب بساقي وشرب بدون ساقي. * ذكر نوعين من الثياب: سندس واستبرق. * ذكر نوعين من الزينة: لباس وأساور. * ذكر لهم شيئين: جزاء وسعيكم مشكورا.

стр. 359

* نهى عن إطاعة صنفين من الناس: الآثم والكفور. * طلب من الرسول ﷺ الصلاة والتسبيح في النهار والليل. * ذكر وقتين: بكرة وأصيلا. * ذكر عبادتين في الليل: السجود والتسبيح. * ذكر حياتين: الدنيا (العاجلة) والآخرة. * وذكر الحبّ والترك (يحبون ويذرون) . * ذكر أمرين من أمر الإنسان: الخلق وشدّ الأسر. * ذكر مشيئتين: مشيئة الله تعالى ومشيئة الإنسان (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، ويخل من يشاء في رحمته) . * ختم بصنفين من الناس: المرحوم (يُدخل من يشاء في رحمته) والمعذّب (والظالمين أعدّ لهم عذاباً أليما) . والسورة فيها خط آخر: أنه يذكر الأحداث المستقبلية بالفعل الماضي: (إنا أعتدنا للكافرين) (كان مزاجها) (كان شره مستطيرا) (فوقّاهم) (ولقّاهم) (وجزاهم) و (ذُللت) (كانت قواريرا) (قدّروها) (حُلّوا) (سقاهم) (كان لكم جزاء) (كان سعيكم) (أعدّ لهم) . هل للتعبير عن المستقبل بالفعل الماضي دلالة بيانية محددة في اللغة؟ العرب والقرآن يُعبّرون عن الأحداث الماضية بفعل مضارع وعن الأحداث المستقبلية بفعل ماضي. والتعبير عن الأحداث المستقبلية بالفعل الماضي دلالة على أن هذا الأمر واقع وهو بمنزلة ما مضى من الأفعال. فلا شك في وقوع حدث ماضي لأن الفعل الماضي لا شك في حدوثه فهذه الأحداث المستقبلية وإن كانت مستقبلة فهي بمنزلة ما مضى من الأفعال ولا شك بوقوعها. فكما أن الفعل الماضي حصل ووقع فهذه بدلالة ما وقع وحصل. كما في قوله تعالى (وسيق الذين كفروا) وكذلك قوله (ونادى أصحاب الأعراف) . فهذه الأحداث المستقبلية هي من التحقق بمنزلة ما مضى من الأفعال.

стр. 360

وبالمقابل له أكثر من غرض متى يستعمل الفعل الماضي في المضارع؟ قال تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء) حكاية الحال الفعل الماضي تضفي عليه الحركة والحيوية وتجعله كأنه معاصر خاصة في الأمور المهمة. وقال تعالى (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل) لم يقل قتلتم وهذا من باب التشنيع على الفعل فعندما تكون الأمور مهمة التي تحتاج إلى جعلها صورة معاصرة لأن الإنسان يتفاعل مع الصور الحيّة معه القريبة منه وهي ليست كالأحداث الماضية البعيدة عنه، فقد نسمع أحداث ماضية ولا نتفاعل معها لكننا بالتأكيد نتفاعل مع حادثة قتل أمامنا مثلاً. فالعرب عموماً إذا أرادوا حكاية الحال ليعبّروا عن الأحداث الماضية يجعلونها حيّة. ويقول النحاة إما ينقلك إلى الحدث أو ينقل الحدث إليك. وكلاهما تعبير عن الأفعال الماضية بالفعل المضارع ويدخل في زمن الفعل. وللفعل أزمان متعددة وللفعل الماضي وحده ١٦ زمن وما يُدرس في المدارس والجامعات هو زمن واحد أي الماضي فقط. فالتضاد من الخطوط التعبيرية في السورة فما فائدة التضادّ في اللغة؟ التضاد يُبرز المعنى ويوضحه. والشيء يُظهر حسنه الضدّ. لمسات بيانية في سورة الليل قوله: (والليل إذا يغشى - والنهار إذا تجلى - وما خلق الذكر والأنثى - إن سعيكم لشتى -) ما الحكم البياني في استخدام بالفعل المضارع (يغشى) مع الليل والفعل الماضي (تجلى) مع النهار؟ سورة الليل تبدأ بقوله تعالى (والليل إذا يغشى) هو سبحانه أقسم بالليل وقت غشيانه ونلاحظ أن المفعول لفعل يغشى محذوف فلم يقل سبحانه ماذا يغشى الليل، هل يغشى النهار أو الشمس لأنه سبحانه أراد أن يطلق المعنى ويجعله يحتوي كل المعاني المحتملة. (والنهار إذا تجلى) أي كشف وظهر.

стр. 361

واستعمال صيغة المضارع مع فعل يغشى هو لأن الليل يغشى شيئاً فشيئاً بالتدريج وهو ليس كالنهار الذي يتجلى دفعة واحدة بمجرد طلوع الشمس. أي أن عملية الغشيان تمتد ولذا احتاج الفعل لصيغة المضارع، أما النهار فيتجلى دفعة واحدة لذا وجب استخدام صيغة الماضي مع الفعل تجلى. والآيات هنا مشابهة لآيات سورة الشمس في قوله تعالى: (والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها) فصيغة الأفعال متعلقة بالتجلي والغشيان. - قوله (وما خلق الذكر والأنثى) ما حكم (ما) في هذه الآية؟ هناك احتمالان لمعنى (ما) : الأول أن (ما) اسم موصول بمعنى الذي. ويعتقد الكثيرون أن (ما) تستخدم لغير العاقل فيقولون (ما) لغير العاقل و (من) للعاقل ولكن الحقيقة أن ما تستعمل لذات غير العاقل كما في قوله: (يأكل مما تأكلون منه ويشر مما تشربون) ولصفات العقلاء كما في قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) (ونفس وما سواها) ويؤتى بها في التفخيم والتعظيم في صفات العقلاء، ولذلك قال تعالى (وما خلق الذكر والأنثى) ويعني به ذاته العلية. ويحتمل أن تكون مصدرية بمعنى (وخلق الذكر والأنثى) أي أنه سبحانه يقسم بخلق الذكر والأنثى وليس بالخالق، وعليه فإن (ما) تحتمل أمرين إما أن الله يقسم بذاته أو أنه يقسم بفعله الذي هو خلق الذكر والأنثى. فلو أراد تعالى أن ينص على أحد المعنيين لجاء بذلك ولقال سبحانه (والذي خلق الذكر والأنثى) وتأتي ما بمعنى اسم موصول كما سبق أو قال سبحانه (وخلق الذكر والأنثى) لتعطي معنى القسم بالفعل الذي هو خلق الذكر والأنثى، ولكن الصورة التي جاءت عليها الآية تفيد التوسع في المعنى فهي تفيد المعنيين السابقين معاً وكلاهما صحيح.

стр. 362

فيبقى مجال الترجيح في المجيء هنا بـ (ما) والاحتمال هو مقصود لإرادة أن يحتمل التعبير المعنيين الخلق والخالق، كلاهما مما يصح أن يقسم به خلقه والخالق وربنا سبحانه يقسم بخلقه ويقسم بذاته. ولو أردنا أن نرجح لقلنا أن القسم هنا القسم بالخالق والله أعلم. (وما خلق الذكر والأنثى) لم يقسم بالمخلوق وإنما اقسم بالمصدر (أي خالق الذكر والأنثى) أما الليل والنهار فهما مخلوقان فإذا أردنا المخلوق نؤل المصدر بالمفعول أحياناً فيصبح تأويل بعد تأويل أحياناً يطلق على المصدر ويطلق على الذات مثال: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) أحياناً يراد بالمصدر الذات. والخلق ليس مثل الليل والنهار. مثال: زرعت زرعاً في اللغة العربية زرعاً هي المصدر وأحياناً يضع العرب المصدر موضع الذات كقوله (نخرج به زرعاً تأكل منه أنعامهم) فالزرع هنا أصبح الذات وليس المصدر. سؤال: يقول السيد مصطفى ناصف في السياق اللغوي أن السياق هو الحقيقة الأولى والكلمة خارج السياق لا تفي بشيء وفائدة السياق اللغوي انه يحول معنى الكلمة من التعدد والاحتمال إلى التحديد والتعيين. فلماذا لم يحدد ربنا في هذه الآية معنى (ما) ولم يترك المعنى هكذا بدون تحديد؟ جواب: هناك مبدأ عام في اللغة العربية: الجمل في اللغة على نوعين: -ذات دلالة محددة معينة قطعية (أحل الله البيع وحرم الربا) .. -ذات دلالة احتمالية (اشتريت قدح ماء) هنا تدل الجملة على احد أمرين: إما أن أكون اشتريت القدح. وإما أن أكون اشتريت ماء بقدر قدح. . فإذا قلنا (اشتريت قدحاً ماءً) دلت الجملة على معنى واحد قطعي أني اشتريت الماء قطعاً ولا يحتمل أن تكون اشتريت القدح بتاتاً ... ومثال ذلك أيضاً لا النافية للجنس فهي قطعية كقولنا: لا رجل حاضر، فإذا قلنا: لا رجلاً حاضراً تحتمل الجملة إما نفي الجنس (الرجال) أو نفي الوحدة (ولا حتى رجل واحد حاضر)

стр. 363

وفي تحديدنا لهذه المعاني للجمل يجب مراعاة ما يريد المتكلم البليغ هل يريد الاحتمال أو القطع. فالذي يريد الاحتمال له غرض من إرادة الاحتمال والذي يريد القطع له غرض من إرادة القطع وهنا تتفاوت البلاغة فالمتكلم البليغ يختار الجملة التي تؤدي المعنى الذي يريده. فالسياق لا يمكن أن يؤدي إلى بيان المقصود لأن المقصود قد يكون هو الاحتمال بحد ذاته في القرآن يحذف حرف الجر وقد يكون هناك أربع احتمالات ومع هذا حذف الحرف لأن هذا ما أراده الله تعالى. قوله (وما خلق الذكر والأنثى -) ما المراد بالذكر والأنثى هنا؟ قسم من المفسرين قالوا إن الذكر هنا هو الجنس البشري وقسم آخر قال انه كل ذكر أو أنثى من المخلوقات جميعاً بلا تحديد وهذا الذي يبدو على الأرجح لأن سياق الآيات كلها في هذه السورة في العموم والله اعلم. قوله: (إن سعيكم لشتى -) ما علاقة القسم (والليل إذا يغشى ... ) بهذا الجواب؟ منذ بداية السورة أقسم الله تعالى بأشياء متضادة: يغشى، يتجلى، الذكر، الأنثى، الليل، النهار فجواب القسم شتى يعني متباين لأن سعينا متباين ومتضاد فمنا من يعمل للجنة ومنا من يعمل للنار فكما أن الأشياء متضادة فان أعمالنا مختلفة ومتباينة ومن هذا نلاحظ أنه سبحانه أقسم بهذه الأشياء على اختلاف السعي (إن سعيكم لشتى) واختلاف الأوقات (الليل والنهار) واختلاف الساعين (الذكر والأنثى) واختلاف الحالة (يغشى وتجلى) واختلاف مصير الساعين (فأما من أعطى ... وإما من بخل واستغنى) قوله: (والليل إذا يغشى - والنهار إذا تجلى - وما خلق الذكر والأنثى -)

стр. 364

لماذا هذا الترتيب؟ نلاحظ أن الله تعالى بدأ بالليل قبل النهار لأن الليل هو اسبق من النهار وجوداً وخلقاً لأن النهار جاء بعد خلق الأجرام وقبلها كانت الدنيا ظلام دامس والليل والنهار معاً اسبق من خلق الذكر والأنثى وخلق الذكر اسبق من خلق الأنثى (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) فجاء ترتيب الآيات بنفس ترتيب الخلق: الليل أولاً ثم النهار ثم الذكر ثم الأنثى وعلى نفس التسلسل. ما الحكم في عدم استخدام كلمة الزوجين في الآية (وما خلق الزوجين الذكر والأنثى) ؟ كما يأتي في معظم الآيات التي فيها الذكر والأنثى كقوله تعالى: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) (سورة القيامة) وقوله: (وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى) (سورة النجم) وإنما قال: (وما خلق الذكر والأنثى) بحذف الزوجين؟

стр. 365

إذا استعرضنا الآيات في سورة القيامة نرى أن الله فسر تطور الجنين من بداية (ألم يك نطفة) إلى قوله (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) فالآيات جاءت إذن مفصلة وكذلك في سورة النجم (وأنه هو اضحك وأبكى - إلى قوله - انه خلق الزوجين الذكر والأنثى) . لقد فصل سبحانه مراحل تطور الجنين في سورة القيامة وفصل القدرة الإلهية في سورة النجم أما في سورة الليل فإن الله تعالى أقسم بلا تفصيل هذا من ناحية ومن ناحية أخرى قوله تعالى (إن سعيكم لشتى) يقتضي عدم التفصيل وعدم ذكر الزوجين. لماذا؟ لأن كلمة الزوج في القرآن تعني المثيل كقوله تعالى (وآخر من شكله أزواج) وكلمة شتى تعني مفترق لذا لا يتناسب التماثل مع الافتراق فالزوج هو المثيل والنظير وفي الآية (إن سعيكم لشتى) تفيد التباعد فلا يصح ذكر الزوجين معها. الزوج قريب من زوجته مؤتلف معها (لتسكنوا إليها) وكلمة شتى في الآية هنا في سورة الليل تفيد الافتراق. فخلاصة القول إذن إن كلمة الزوجين لا تتناسب مع الآية (وما خلق الذكر والأنثى) من الناحية اللغوية ومن ناحية الزوج والزوجة لذا كان من الأنسب عدم ذكر كلمة الزوجين في الآية. هل يستوجب القسم في السورة هذا الجواب (إن سعيكم لشتى) ؟ المقصود في السورة ليس القسم على أمر ظاهر أو مشاهد مما يعلمه الناس ولكن القسم هو على أمر غير مشاهد ومتنازع فيه والله تعالى أوضح القسم (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى) هذا الأمر متنازع فيه وأكثر الخلق ينكرونه (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) عموم الخلق لا يعلمون (فأما من أعطى ... ) ويتنازعون فيه. والسعي هنا لا يدل على السعي في أمور الدنيا من التجارة والزراعة والصناعة وغيرها وأن السعي للآخرة. وكذلك قال تعالى (سعيكم) وكأنه يخاطب المكلفين فقط وليس عامة الناس ولذا أكد باللام أيضاً في (لشتى) ولم يقل إن السعي لشتى.

стр. 366

- قوله: (فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى -) لماذا لم يذكر المفعولين لفعل أعطى؟ إذا تدارسنا سورتي الليل والشمس لوجدنا أن القسم في سورة الليل وجواب القسم مطلق (والليل إذا يغشى - والنهار إذا تجلى - وما خلق الذكر والأنثى -) كلها مطلقة فلم يقل ماذا يغشى الليل ولم يحدد الذكر والأنثى من البشر وكذلك جواب القسم في سورة الليل (إن سعيكم لشتى) مطلق أيضاً وكذلك (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) أطلق العطاء والاتقاء والحسنى. أما في سورة الشمس (والشمس وضحاها - والقمر إذا تلاها - والنهار إذا جلاها - والليل إذا يغشاها - والسماء وما بناها - والأرض وما طحاها - ونفس وما سواها - فألهمها فجورها وتقواها - قد افلح من زكاها - وقد خاب من دساها - كذبت ثمود بطغواها -..) في هذه الآيات تحديد واضح فقد قال تعالى يغشاها وجلاها وكذلك حدد في (ونفس وما سواها) خصص بنفوس المكلفين من بني البشر وكذلك في (كذبت ثمود بطغواها) محددة ومخصصة لقوم ثمود. فكأنما سورة الليل مبنية كلها على العموم والإطلاق في كل آياتها. وقد أقسم الله تعالى بثلاثة أشياء (الليل والنهار وخلق الذكر والأنثى) وذكر ثلاث صفات في المعطي (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وثلاث صفات فيمن بخل (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) في الآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) لم يذكر المفعولين المعطى والعطية والمراد بهذا إطلاق العطاء فلم يذكر المعطى أو العطية لأنه أراد المعطي والمقصود إطلاق العطاء سواء يعطي العطاء من ماله أو نفسه فقد يعطي الطاعة والمال ونفسه كما نقول يعطي ويمنع لا نخصصه بنوع من العطاء ولا بصنف من العطاء. وقد يرد في القرآن الكريم مواضع فيها ذكر مفعول واحد المراد تحديده وحذف مفعول يراد إطلاقه كقوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) و (إنا أعطيناك الكوثر) أما في سورة الليل فحذف المفعولين دليل على العموم والإطلاق.

стр. 367

فعل أعطى هو فعل متعدي ولازم فهل نقول على هذا الفعل أن السلوك الخاص به في الجملة سلوك لازم أي فعل متعدي أم حذف مفعول؟ قسم يقول أنه هذا حذف وقسم يقول عدم ذكر. حذف عندما يقتضي التعبير الذكر، مثل جملة الصفة لا بد أن يكون فيها ضمير يعود على الموصوف (يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار) ويمكن أن نحذف كما في قوله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا) هذا حذف. العائد للذكر فإذا حذف نقول محذوف كقوله: (ذرني ومن خلقت وحيدا) حذف الهاء في (خلقته) . فيما عدى الذكر تنزيل المتعدي منزلة اللازم: لا يحتاج إلى مفعول (إن في ذلك لآيات لقوم يعلمون) أو لقوم يفقهون، يسمعون، لا يحتاج هنا إلى مفعول ولا يريد أن يقيد العلم بشيء. وفي قوله: (لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك من الله شيئاً) أراد أصل المسألة فلم يرد أن يقيد السمع أو البصر بشيء معين أما في (ولا يغني عنك من الله شيئاً) فيها ذكر وإطلاق، وهل المعنى لا يغني عنك إغناءً أو شيئاً من الأشياء؟ كل واحدة لها معنى وليست الأولى كالثانية. كذلك الفعل (اتقى) . معنى اتقى هو احترز وحذر. والفعل اتقى هنا يراد به الإطلاق أيضاً ولم يقيده سبحانه بشيء فقد يقول (اتقوا النار أو اتقوا يوماً) ولكن هنا جاء الفعل مطلقاً. فأما من أعطى واتقى تدل على أنه اتقى البخل.

стр. 368

الحسنى: اسم تفضيل وهو بمعنى تأنيث الأحسن كما نقول (العليا – الأعلى، الدنيا – الأدنى) والحسنى هو وصف مطلق لم يذكر له موصوف معين. وصدق بالحسنى معناها أنه صدق بكل ما ينبغي التصديق به قسم يقول إنها الجنة وقسم يقول الحياة الحسنى وآخر الكلمة الحسنى (لا إله إلا الله) أو العاقبة الحسنى في الآخرة وقسم يقول إنها العقيدة الحسنى ولكنها في الحقيقية تشمل كل هذه المعاني عامة، فكما حذف مفعولي أعطى واتقى للإطلاق أطلق الحسنى بكل معانيها بحذف المفعول وحذف الموصوف. ولو أراد سبحانه أن يعين الموصوف لذكره وحدد الفعل كما في قوله (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ولكنه أطلق لتتناسب مع باقي الآيات في السورة، فإذا أراد أن يطلق حذف. لماذا الترتيب على النحو التالي: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره للحسنى) ؟ هناك أكثر من سبب لذلك فقد قال قسم من المفسرين أن التقديم في سبب النزول لأن هذه الآيات نزلت في شخص فعل هذه الأفعال بهذا التسلسل وقالت جماعة أنها نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ وأخرى قالت إنها نزلت في علي بن أبي طالب ﵁. وترتيب العطاء ثم الاتقاء لأنه سبحانه بدأ بالأخص ثم ما هو أعم ثم ما هو أعم. كل معط في سبيل الله متقي ولكن ليس كل متق معطي فالمعطي إذن أخص من المتقي. وكل متق مصدق بالحسنى لكن ليس كل مصدق بالحسنى متق لذا فالمتقي أخص من المصدق بالحسنى وعلى هذا كان الترقي من الأخص إلى الأعم. إن سعيكم لشتى والسعي هو العمل وأقرب شيء للسعي هو العطاء. أما الإتقاء ففيه جانب سعي وجانب ترك كترك المحرمات وعلى هذا نلاحظ أن الآيات رتبت بحيث قربها من السعي أي بتسلسل العطاء ثم الاتقاء ثم التصديق وهو الأقل والأبعد عن السعي. - قوله (وما خلق الذكر والأنثى - إن سعيكم لشتى -)

стр. 369

المجتمع يتكون من الذكر والأنثى وأهم شيء يقدمه الإنسان للمجتمع هو العطاء؛ فهو إذن الدعامة الأولى لبناء المجتمع فعلى الإنسان أن يكون معطياً لا آخذاً وهذا يعني التآزر والتكافل ثم يلي ذلك الإتقاء وهو أن يحذر من الإساءة إلى الآخرين كما يحذر أن يضع نفسه في موضع الإساءة (أي يقي نفسه ويحفظ مجتمعه الذي هو فيه) لذا يأتي الإتقاء بعد العطاء. أما التصديق بالحسنى فهي من صفات المجتمع المؤمن وهي من الصفات الفردية فالمصدق بالحسنى لا يفرط في حقوق الآخرين. وعلى هذا الأساس قدم الله تعالى ما هو أنسب للمجتمع عامة: العطاء ثم الإتقاء ثم التصديق بالحسنى. - قوله (فأما من أعطى واتقى - وصدق بالحسنى - فسنيسره لليسرى -) ما معنى (فسنيسره لليسرى) ؟ اليسرى في اللغة: هي تأنيث الأيسر مضاد الأعسر أو الأشق، يقال الأمر اليسير والأمر العسير، فاليسرى هو اسم تفضيل من الدرجة الثالثة أي أعلى درجات التفضيل. الحكم النحوي لليسرى: إذا كان اسم التفضيل مجرداً من (أل) أو الإضافة أو مضاف إلى نكرة يصح التذكير (استخدام صيغة المذكر) فيقال أفضل رجل وأفضل امرأة، أما إذا أضيف الاسم إلى معرفة جاز فيه المطابقة وعدم المطابقة، فإذا عرف بـ (أل) وجبت المطابقة إلا إذا لم يسمع أو لم يرد عند العرب. يقال: النار الكبرى. استخدام كلمة اليسرى جاء بالدرجة العليا من التفضيل من ناحية ونلاحظ انه ذكر الصفة ولم يذكر الموصوف ولو أراد أن يقيد أو يحدد أمراً محدداً لذكر وقال مثلاً الخلة اليسرى أو العاقبة اليسرى أو غيره تماما كما جاء في الاستخدام المطلق لكلمة الحسنى في الآية السابقة كما ورد ذكرها آنفاً. واليسرى يطلق على كل ما هو الأيسر سواء من أعمال الدنيا أو الآخرة، واليسرى تدور حول ثلاث محاور:

стр. 370

الأول: أن ييسر على غيره أمورهم ويسعى في حاجتهم ويعينهم ويغيثهم ويعطيهم بمعنى يسر الله لخير غيره. والمحور الثاني أنه تتيسر أموره كلها فتكون سهلة وميسرة عليه فيما يريد من أي ضيق وحالة تصيبه مصداقاً لقوله تعالى: (يجعل له من أمره يسرا) ، والمحور الثالث هو الآخرة بمعنى أن الله تعالى ييسره لدخول الجنة بيسر وسهولة وهذه عاقبة المحورين الأولين. إذن هي ثلاثة محاور تندرج تحت (فسنيسره لليسرى) وهذا مفهوم الآية. ورد في القرآن (ونيسرك لليسرى) وهنا جاءت الآية (فسنيسرك لليسرى) لماذا هذا الاختلاف؟ السين في اللغة تفيد الاستقبال عند النحاة بالإجماع، وكثير منهم يذهب إلى أن السين تفيد التوكيد (يعني الاستقبال مع التوكيد) السين وسوف يفيدان التوكيد والاختلاف بينهما هو أيهما ابعد زمنا لكن الاثنين يفيدان الاستقبال مع التوكيد وقد بدأ بهذا الرأي الزمخشري، فالسين إذن هي للاستقبال المؤكد. في الآية الكريمة (ونيسرك لليسرى) هي خطاب للرسول الكريم ﷺ والرسول أموره كلها ميسرة دائماً في الحال وفي المستقبل لذا قال تعالى: ونيسرك لليسرى. أما في الآية (فسنيسرك لليسرى) فهي جاءت بعد الآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) بمعنى أن التيسير لليسرى في هذه الآية مرتبط بالعطاء والإتقاء والتصديق بالحسنى، فإذا أعطينا واتقينا وصدقنا بالحسنى عندها سييسرنا الله لليسرى. ما ارتباط (فسنيسرك لليسرى) بما قبلها؟

стр. 371

كما قلنا سابقاً التيسير لليسرى جاء على ثلاث محاور وقد قال تعالى: (فإما من أعطى) مرتبط بالمعنى الأول لأن الذي يعطي ييسر على الآخرين فأعانهم، الإعطاء هنا ينطبق على القسم المحور الأول من محاور التيسير. (واتقى) قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا) اتقى هنا تأتي مرتبطة بالمحور الثاني من محاور التيسير أي أن الله تعالى ييسر له أموره كلها. (وصدق بالحسنى) مرتبط بالمحور الثالث لليسرى لأن الله تعالى يجعل له العاقبة الحسنى ويدخله الدار الحسنى (للذين استجابوا لربهم الحسنى) فمن يصدق بالحسنى سيدخل الجنة بيسر وسهولة، فالآية مرتبطة بكل متعلقات (فسنيسره لليسرى) . - قوله (فأما من بخل واستغنى - وكذب بالحسنى - فسنيسره للعسرى -) . تقابل هذه الصفات ما قبلها في الآية التي سبقت. وقد أورد الله تعالى أمرين: الشيء ونقيضه فقال سبحانه: فأما من أعطى مقابلها فأما من بخل، واتقى مقابلها واستغنى، وكذب بالحسنى مقابل وصدق بالحسنى. والسورة كلها قائمة على التقابل: الليل والنهار، يغشى وتجلى، الذكر والأنثى.. استغنى مقابل اتقى لأن المستغني لا يحذر شيئاً ولا يحترس والاستغناء مدعاة للطغيان كما في قوله تعالى: (إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى) والذي يطغى لا يحذر لأنه لو كان يحذر لما طغى أصلاً والمتقي يحذر ويحترس أما الطاغية فلا يحذر والطغيان مدعاة التعسير على الآخرين. كذب بالحسنى جاءت مقابل صدق بالحسنى، وكذلك جاءت (فسنيسره للعسرى) مقابل (فسنيسره لليسرى) ولم يقل نعسره للعسرى لأنها تفيد الثناء على عكس المقصود بالآية أنه يعسر الأمور على غيره وعلى نفسه وفي الآخرة يعسر عليه دخول الجنة.

стр. 372

وفي العسرى كما في اليسرى لم يذكر موصوفاً فتركها مطلقة وأعسر العسرى هي النار أعاذنا الله منها جميعا. والسورة بكاملها تفيد الإطلاق (يغشى ولم يحدد ماذا يغشى، تجلى ولم يحدد ماذا تجلى، الذكر والأنثى ولم يحدد أهما للبشر فقط أو لسائر المخلوقات، سعيكم لشتى ولم يحدد من عمل صالحاً مثلاً إنما السعي على إطلاقه) فخط السورة إذن هو خط الإطلاق والعموم من أولها إلى آخرها. كما أنه لم يحدد الحسنى كذلك لم يحدد اليسرى ولم يحدد العسرى وحتى (من أعطى واتقى) لم يحدد العطاء والاتقاء. - قوله (وما يغني عنه ماله إذا تردى -) لماذا جاءت هذه الآية عقب الآية السابقة: (فإما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) ولم تأت آية مثلها عقب الآية: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) ؟

стр. 373

في الآية ذكر الله تعالى أن الذي بخل، بخل بماله واستغنى من الغنى فلما بخل ذكر (ما يغني عنه ماله) و (ما يغني عنه ماله) وضع المفسرون لها احتمالين: الأول أن تكون نافية والثاني أن تكون استفهامية ومن باب التقريع والتوبيخ. ويسمى هذا في اللغة من باب الاتساع في المعنى، فلو أراد تعالى بالآية معنى الاستفهام لقال تعالى: (ماذا يغني عنه ماله) ولو أراد النفي لقال تعالى: (لم يغني عنه ماله) وإنما جاء بلفظ يتسع للمعنيين وهو يريدهما معا فكأنما يريد القول ماذا يغني عنه ماله ولم يغني عنه ماله، أي يريد الاستفهام للتوبيخ والتقريع والنفي أيضاً ولهذا يضع جملة فيها اتساع في المعنى وهذا الأسلوب يتكرر في القرآن فقد يستعمل ألفاظاً تحتمل معاني عدة قد تصل إلى أربع أو خمس معاني للفظ الواحد وهذا من البلاغة التامة حتى لا تتكرر الآية بمعنى مختلف في كل مرة وإنما يؤتى بها بلفظ معين يتسع لكل المعاني المقصودة. وهذا لا يعني تناقضاً أو عدم تحديد في القرآن كما قد يتبادر إلى أذهان المستشرقين لأن الله تعالى عندما يريد التقييد يأتي بحرف أو كلمة محددة تفيد المعنى المراد كما في قوله سبحانه: (اذكروا الله ذكراً كثيرا) فقد حدد هنا الذكر الكثير وفي موضع آخر (واذكروا الله كثيراً) لم يرد التقييد ولم يحدد إنما أطلق المعنى.

стр. 374

فالقاعدة أن ننظر ماذا يريد المتكلم البليغ، هل يريد التحديد فهو يحدد. في الآية الكريمة: (ولا تشركوا به شيئا) سورة النساء، آية ٣٦، فيها إطلاق والآية: (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) فيها تخصيص. في الآية الأولى لا ندري ما المقصود بـ (شيئا) هل شيئا من الأشياء التي يشرك بها كالأصنام أو الأشخاص أو غيره أو المقصود شيئا من الشرك (شرك أعلى أو شرك أصغر) ولو أراد أن يخصص لقال كما في الآية (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) سورة الكهف، آية ١١٠، أحدا هنا لا تحتمل غير معناها لأنها محددة. لذا فإن الآية (ولا تشركوا به شيئا) تحتمل المعنيين والمراد منها أن لا نشرك بالله شيئا من الشرك أو شيئا من الأشياء كالأصنام والبشر وهذا يسمى اتساع في المعنى. مثال آخر في الآية: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) سورة النساء، آية ١٦٠، هل المعنى خلقا كثيرا أو صدا كثيرا أو زمنا كثيرا؟ إنها كل هذه المعاني الصد الكثير والخلق الكثير والوقت الكثير ولو أراد سبحانه أحد هذه المعاني فقط لجاء بلفظ يدل على المعنى المطلوب ولحدد وخصص. ما الحكم البياني في استخدام (إذا) بدلا عن (إن) : (وما يغني عنه ماله إن تردى) بدل (وما يغني عنه ماله إذا تردى) ؟ إذا في كلام العرب تستعمل: · للمقطوع بحصوله كما في الآية: (إذا حضر أحدكم الموت) ولا بد أن يحضر الموت، (فإذا انسلخ الأشهر الحرم) ولا بد للأشهر الحرم من أن تنسلخ، وقوله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت) ولا بد للشمس من أن تطلع وكقوله: (فإذا قضيت الصلاة) ولا بد للصلاة أن تنقضي. · وللكثير الحصول كما في قوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلاة..) و (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) تفيد الحدوث الكثير.

стр. 375

وإذا جاءت (إذا) و (إن) في نفس الآية تدل (إذا) على الكثير و (إن) على الأقل كما في قوله تعالى: (وإن تعجب فعجب قولهم ءإذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد.) سورة الرعد، آية ٥، والآية: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا) سورة المائدة، آية ٦، فإقامة الصلاة أكثر حدوثا من الجنابة لذا استعملت (إذا) مع إقامة الصلاة و (إن) مع الجنب. والآية: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن ما على المحصنات من العذاب) سورة النساء، آية ٢٥. فالمحصنات أكثر من اللواتي يأتين بفاحشة مبينة. (إذا) وردت في القرآن الكريم في ٣٦٢ موقعاً ولم تأت في موقع غير محتمل البتة فإما أن تأتي بأمر مجزوم بوقوعه كما في الآيات التي تصف الآخرة كقوله: (إذا الشمس كورت، وإذا النجوم انكدرت ... ) وقوله: (إذا السماء انفطرت، وإذا الكواكب انتثرت..) لأن كل آيات الآخرة مقطوع بحصولها، او كثير الحصول كما ورد سابقاً. (إن) تستعمل لما قد يقع ولما هو محتمل أو مشكوك فيه أو نادر أو مستحيل كما في قوله: (أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) الموقف هنا افتراضي، وقوله: (وإن يروا كسفا من السماء ساقطا..) لم يقع ولكنه احتمال. وقوله تعالى: (انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه..) افتراضي واحتمال وقوعه. والتردي حاصل والتردي إما أن يكون من الموت أو الهلاك، أو تردى في قبره، أو في نار جهنم فماذا يغني عنه ماله عندها؟ وهذه ليست افتراضاً وإنما حصولها مؤكد وهي أمر حاصل في كل لحظة ولهذا السبب جاء بلفظ (إذا) بدل (إن) لأن (إذا) مؤكد حصولها) و (إن) مشكوك فيها أو محتمل حدوثها. وهذه إهابة بالشخص أن لا يبخل أو يطغى أو يكذب بالحسنى، إذن لا مفر منه فلماذا يبخل ويعسر على الآخرين ويطغى ويكذب بالحسنى؟ - قوله (إن علينا للهدى - وإن لنا للآخرة والأولى -) .

стр. 376

ما هو المعنى العام للآيات وارتباطها بما سبقها وما تلاها من الآيات؟ قوله: (إن علينا للهدى -) . هذا التعبير (إن علينا للهدى) يحتمل معنيين: الأول علينا أن نبين طريق الهدى بمعنى أن الله تعالى يتكفل ببيان طريق الهدى، والثاني أن الهدى يوصل صاحبه إلى الله. طريق الهدى في النتيجة يوصل إلى الله (إن ربي على صراط مستقيم) (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) من أراد أن يبتغي مرضاة ربه يسلك هذا الطريق ومثلها قوله تعالى (وعلى الله قصد السبيل) والقصد هو استقامة الطريق. فمعنى الآية علينا أن نبين الطريق المستقيم والطريق المستقيم يوصل إلى الله تعالى. ما الحكم البياني في التقديم والتأخير في الآية (إن علينا للهدى) بدل القول إن الهدى علينا؟ التقديم في هذه الآية يفيد القصر. إن معرفة وتقديم الخبر يفيد القصر. طريق الهدى يبينه الله تعالى فقط وليس هناك معه جهة أخرى، أي أن الهدى يعود إلينا (أي الله تعالى) حصراً وأي هدى من غير طريق الله فهو غير مقبول ومرفوض ولا يوصل إلى الله . فالجهة التي تبين طريق الهدى هو الله تعالى حصراً. وقول: إن الهدى علينا يتضمن المعنى السابق لكنه لا ينفي كون جهة أخرى توصل إلى الهدى ولكن الله تعالى حصر الهدى به جل وعلا. ما الحكم البياني في استخدام التوكيد بـ (إن) وبـ (اللام) ؟

стр. 377

التوكيد يكون بحسب الحاجة وبحسب إنكار المخاطب للأمر. إذا كان المخاطب يقبل الأمر لا يوجد داعي للتوكيد لكن أكثر الناس يرفضون هذا الأمر لقوله تعالى: (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين) (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وهذا الشيء ينازع فيه كثير من الناس في زمن الرسول أو الآن ويرفضون الفكرة وينسبون الهدى لأنفسهم وأنهم هم الذين يبينونه وينازعون فيه لذا وجب التوكيد، لذا المسألة تحتاج إلى توكيد بالمعنيين: الهدى علينا حصراً والمعنى الآخر: طريق الهدى هو الطريق الذي يوصل إلى الله. ولو جاءت الآية (إن الهدى لعلينا) هذا يؤكد المعنى الثاني ويؤدي إلى فوات معنى الحصر الأول. في عموم القرآن هناك ارتباط بين الآيات وما يسبقها أو يليها، (إن علينا للهدى) مرتبطة بما قبلها (إن سعيكم لشتى) لأنه لو ابتغى الناس الهدى عند الله لما تشتت سعيهم ومرتبطة بالآية (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) لأنها من الهدى الذي ييسره الله تعالى. - قوله (وإن لنا للآخرة والأولى -) . وهذه الآية مرتبطة أيضاً بما قبلها (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) لأن الذي يعطي ويتقي يريد الآخرة فقال الله تعالى (إن لنا للآخرة) والذي يبخل يريد الدنيا فقال تعالى (والأولى) فالآخرة والأولى لله وحده فيجب أن نتبع هدى الله تعالى في الأولى والآخرة. ومرتبطة كذلك بالآية (فسنيسره لليسرى) (فسنيسره للعسرى) لأن التيسير والتعسير إما أن يكونا في الدنيا أو في الآخرة ولله الآخرة والأولى. إذن علينا أن نتبع ما أراد الله منا. ما الحكم البياني في تقديم الآخرة على الأولى؟

стр. 378

التقديم والتأخير في القرآن عموماً مرتبط بسياق الآيات فأحياناً يقدم المفضول على الأفضل وقد يقدم المتأخر على المتقدم. ولو نظرنا في سياق الآيات في هذه السورة لوجدنا أن الله تعالى قدم الآخرة لتقدم طالبها (فأما من أعطى واتقى وصدق الحسنى) وأخّر الأولى لتأخر طالبها (فأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) . في سورة القصص وردت الآية: (فله الحمد في الأولى والآخرة) أي تقدم ذكر الأولى على الآخرة وفي سورة الليل تقدم ذكر الآخرة على الأولى فما الفرق بين الآيتين؟ في سورة القصص سياق الآيات (٧٠ – ٧٣) هو في نعم الدنيا من الآية: (وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم واليه ترجعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيع ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) فالسياق كله في الدنيا وما أودع الله تعالى من النعم في الأولى. فلذا ناسب تقديم الأولى على الآخرة في سورة القصص. وقال تعالى: (وله الحمد) أيضاً الذي يدل على أن النعم يجب أن تقابل بالحمد والشكر والاختيار ناسب السياق للآيات وهو تذكير للإنسان بنعم الله تعالى في الدنيا، أما في سورة الليل فقال تعالى (إن لنا للآخرة والأولى) لم يذكر الحمد وقدم الآخرة كما سبق وفصلنا.

стр. 379

والتوكيد بـ (اللام) في كلمة (للآخرة) فيه اختلاف مع آية سورة النجم (فلله الآخرة والأولى) فما الحكم البياني في هذا التوكيد في سورة الليل؟ التوكيد في سورة الليل جاء مناسباً لسياق الآيات، فسياق الآيات في سورة الليل جاء كله في الأموال وامتلاكها والتصرف فيها (فأما من أعطى) والمعطي لا بد أن يكون مالكاً لما يعطيه، (وأما من بخل واستغنى) والبخيل هو أيضاً مالك للمال لأنه لو لن يكن يملكه فبم يبخل؟ وكذلك الذي استغنى وهو من الغنى ثم ذكر المال (وما يغني عنه ماله إذا تردى) و (الذي يؤتي ماله يتزكى) فالسورة كلها في ذكر الأموال وتملكها والتصرف فيها فلذا ناسب التوكيد باللام هنا لأن الآخرة والأولى من الملك لله حصراً. أما في سورة النجم فسياق الآيات ليس في المال ولا في التملك أصلاً فلم يؤكد باللام. في الآية جاءت كلمة (الأولى) مقابل (الآخرة) ولم ترد مثلاً كلمة (الدنيا) مقابل (الآخرة) ما الحكم في استخدام الأولى بدل الدنيا؟ الحقيقة أولاً وللعلم لم يرد في القرآن الكريم كله ولا مرة واحدة لفظ الدنيا مع الآخرة إنما ورد دائماً كلمتي الأولى والآخرة. ولهذا أسبابه البيانية: الأولى أعم من الدنيا في الاستعمال القرآني وفي اللغة أيضاً. القرآن يستعمل الدنيا لما يحيا فيه الإنسان ويعيش كقوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة) و (اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) و (متاع الدنيا قليل) ، أما الأولى فتستعمل عامة لما يعلمه الإنسان وما لا يعلمه من أمر السموات والأرض فكلها الأولى. فالأولى إذن أوسع من الدنيا. ولما أراد الله تعالى أن يذكر سعة الملك في سورة الليل ناسب أن يأتي بكلمة الأولى التي هي أعم وأوسع.

стр. 380

الثاني أن كلمة الدنيا نفسها هي مؤنث الأدنى ومن معانيها الأقرب والأخس والدون والأقل كما في قوله تعالى (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فلما أراد الله تعالى أن يذكر في سورة الليل سعة ملكه وعظمته لم يناسب ذكر كلمة الدنيا التي قد تحتمل في معانيها (الدون أو الأقل) . إذن كلمة الدنيا لا تناسب هنا من حيث الدلالة اللغوية واشتقاقها ومن حيث السياق أيضاً. - قوله (فأنذرتكم ناراً تلظى - لا يصلاها إلا الأشقى - الذي كذب وتولى -) . هذه الآيات مرتبطة بقوله تعالى (إن علينا للهدى* وإن لنا للآخرة والأولى) لأن هذا من الهدى، أنذرنا هو من الهدى الذي ينبه الله تعالى منه (إن علينا للهدى) وهذا في الآخرة فهي مرتبطة بـ (وإنا لنا للآخرة) . وفي سورة الليل ذكر الله تعالى الإنذار ولم يذكر التبشير ولذلك اقتصر على ذكر النار ولم يذكر الجنة لأن ذكرها تبشير وليس هنا مقام التبشير. كما ذكر للأشقى صفتين: التكذيب والتولي، (الذي كذب وتولى) كذب: بمعنى كذب بكل مفردات الإيمان، وتولى بمعنى أدبر عن الطاعات واشتغل بالمعاصي. فجاءت كذب مقابل (وصدق بالحسنى) وتولى وقابل (أعطى واتقى) لأن عدم العطاء من التولي. وهذه الآية (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) توكيد للآية السابقة (وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى) وهي أعم منها أيضاً لأن التولي أعم من البخل والاستغناء فالتولي لا يقتصر على البخل والاستغناء إنما هو تولي عن كل الطاعات وإدبار عنها عموماً. وكذّب أعم من (كذّب بالحسنى) لأنه كذّب بالحسنى وبغير الحسنى. إذن لما عمّ السوء وانتشر أصبحت العاقبة أشد من الأولى ولما كان هذا أعم كانت العاقبة أسوأ لأن الأول بخل واستغنى وكذب بالحسنى وهذا كذب عموما وتولي عام لذا كان يجب أن تكون العقوبة أسوأ، أولاً وصفه بالأشقى وذكر أن له ناراً تلظى أما في الآيات السابقة اكتفى بـ (فسنيسره للعسرى) وهذه العاقبة أخف.

стр. 381

ما الحكمة في الإتيان بفعل (فأنذرتكم) بصيغة الماضي وقد ورد هذا الفعل بصيغة المضارع في آيات أخرى في القرآن؟: جاء الفعل بصيغة المضارع لأن الله تعالى أنذرهم هنا بشيء واحد ألا وهو ناراً تلظى بمعنى شيء واحد وانتهى، كما في قوله أيضاً (فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) و (إنا أنذرناكم عذاباً قريبا) . أما في قوله تعالى (إنما أنذركم بالوحي) فالإنذار هنا مستمر طالما الوحي مستمر بالنزول ولا ينتهي لذا جاءت صيغة الفعل المضارع. ما الحكم البلاغي في مجيء الآية (فأنذرتكم ناراً تلظى) بدون توكيد على خلاف ما جاء في سورة النبأ (إنا أنذرناكم عذاباً قريبا) . سورة النبأ فيها توكيد لأن الإنذار في سورة النبأ متسع ومتكرر من أول السورة إلى أوسطها إلى آخرها (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) (إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآبا، ... جزاء وفاقا..فذوقوا..) (إنا أنذرناكم عذاباً قريبا) فهو إنذار متسع طويل وفيه بسط ومتصل ومكرر فهو أدعى للتوكيد من سورة الليل. أما في سورة الليل فلم يرد الإنذار إلا في آية واحدة لذا لا تحتاج إلى توكيد. - قوله (وسيجنبها الأتقى - الذي يؤتي ماله يتزكى -) . لماذا لم ترد الآية على نفس سياق ما قبلها (ولا يجنبها إلا الأتقى) لا تصح لأن في هذا جلالة على أنه لن يجنبها إلا الأتقى بمعنى أن المتقون لن يجنبوها وفي هذا ظلم للمتقين وحاشا لله أن يكون هذا. وهذا من رحمة الله تعالى بعباده لأن معنى الآية أن الله تعالى يجنب الأتقى وغير الأتقى أيضاً فرحمته سبقت غضبه. في العذاب حصر (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) وفي الرحمة أطلق سبحانه هو الرحيم. إجمالاً في هذه الآية والتي قبلها ذكر مقابل الأشقى الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى. فالصفة العليا (الأتقى) الذي يؤتي ماله (الوصف الأعلى للإنفاق ولم يقل من ماله إنما قال ماله ولم يقل المال) والتزكي (أعلى درجات التصديق) .

стр. 382

في السيئة بدأ من الخاص إلى العموم (أما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى) وفي الحسنة ترقى من الأفضل إلى الأفضل (الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى) أعطى مقابل يؤتي ماله، واتقى مقابل الأتقى وصدق بالحسنى مقابل يتزكى لأن صدق بالحسنى هي أعلى الدرجات لأن فيها الإخلاص. سيجنبها: استخدم الفعل بصيغة المبني للمجهول فلماذا لم يستخدم الفعل (سيتجنبها) ؟ الآية فيه تحذير وإنذار عظيم إلى الناس لأن الأتقى لا يتجنبها بنفسه وإنما الأمر يعود إلى خالق الخلق وخالق النار، فالله تعالى هو الذي يجنب عباده النار ولا أحد يستطيع أن يتجنبها بنفسه أبداً. ونظير هذه الآية ما جاء في قوله تعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) سورة مريم. لا يستطيع الناس أن ينجوا بأنفسهم من النار ولو كان أحدهم الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى إنما ألمر يعود لخالق الناس وخالق النار سبحانه.

стр. 383

جاء في كثير من الآيات في القرآن الكريم قوله تعالى (ينجي الله) (ننجي الذين اتقوا) فما الحكمة في الآية هنا (سيجنبها الأتقى) ؟ هناك فرق بين التجنيب والتنجية. التنجية قد تكون بعد الوقوع في الشيء ومعاناته كما في قوله (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) بمعنى أنهم ذاقوا العذاب ثم نجاهم الله تعالى فكانت النجاة بعد الوقوع في المكروه. وكذلك قوله تعالى (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا) بعدما وقعوا في النار ينجي الله تعالى الذين اتقوا. وكذلك في قصة سيدنا يونس ﵇ (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) سورة الأنبياء، آية ٨٨، كان قد وقع في الكرب ثم نجاه الله تعالى منه. إذن النجاة تقع بعد الوقوع (ننجي الذين اتقوا) . أما التجنيب فهي التنحية بمعنى أنه لا يقع في المكروه أصلاً (سيجنبها الأتقى) والأتقى في المرتبة الأعلى فهو لا يقع في التجربة أصلاً. إذن مع اتقوا يستعمل القرآن لفظ (التنجية) ومع الأتقى يستعمل (التجنيب) . - قوله (وما لأحد عنده من نعمة تجزى - إلاّ ابتغاء وجه ربه الأعلى - ولسوف يرضى -) . عندما يؤتي ماله ليس لأحد فضل عليه يؤديه له وإنما يفعله لوجه الله تعالى وعمله غير مشوب بشائبة فهو لا يرد معروفاً لأحد وإنما ابتغاء وجه الله من غير توقع رد جميل وإنما هو خالص لوحه الله وهذا هو منتهى الإخلاص. ليس لأحد فضل فيجازيه عليه وإنما يفعله خالصاً لوجه الله تعالى.

стр. 384

ولسوف يرضى: فيها احتمالين أن تكون للشخص الذي يرضى بثوابه في الآخرة (الأتقى الذي أعطى ماله) أو هو الذي يبتغي وجه ربه الأعلى إذن سيرضى الله عنه، وهي الحالتين معاً سيرضى بثوابه فيما أعج الله تعالى له من كرامة ورضوان الله أعلى شيء (ورضوان من الله أكبر) أكبر من الجنات. وقالوا في الأثر: تحتاجون لعلمائكم في الجنة كما كنتم تحتاجون إليهم في الدنيا قالوا كيف يا رسول الله قال يطلع الله على أهل الجنة فيقول سلوني سلوني ولا يعرفون ما يسألونه فيذهبون إلى علمائهم فيقولون ماذا نسأل ربنا فقالوا اسألوه رضوانه وهو أعلى شيء. الخطوط التعبيرية في السورة: خط العموم، خط المقابلة، خط التفضيل. خط العموم: السورة كلها في العموم من قوله تعالى (والليل إذا يغشى) لم يذكر تعالى ناذا يغشى و (النهار إذا تجلى) (وما خلق الذكر والأنثى) ، (إن سعيكم لشتى) (فأما من أعطى) أطلق العطاء وأطلق جهة العطاء وأطلق اتقى ماذا اتقى. النار، غير النار، (صدق بالحسنى) ما هي الحسنى؟ (فسنيسره لليسرى) ما هي اليسرى؟ لمسات بيانية في سورة البلد - قوله (لا أقسم بهذا البلد - وأنت حلّ بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد -) . إطلالة عامة على السورة: لو نظرنا في السورة وعلاقتها بما قبلها أي (سورة الفجر) ، قال تعالى في سورة الفجر (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعّمه فيقول ربي أكرمن) ذكر الإنسان الغني والفقير، الذي قدر عليه رزقه والذي أغناه. وفي سورة البلد ذكر الذي أهلك المال والفقير. ثم إن ربنا تعالى وصف الإنسان في سورة الفجر بقوله: (كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين) وفي سورة البلد وصّانا تعالى بالرحمة بهذين الضعيفين بقوله: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة أو مسكيناً ذا متربة) .

стр. 385

والأمر الآخر أن هناك ترابط بين السورتين بدليل: قال تعالى في سورة الفجر: (وتأكلون التراث أكلاً لمّاً) ، وقال في سورة البلد: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة) فكما تأكل يجب أن تطعم. في سورة البلد على العموم استوفت كل عناصر البلاغ والإرسال: موطن الرسالة (لا أقسم بهذا البلد) والرسول (وأنت حل بهذا البلد) والمرسل إليه وهو الإنسان (ووالد وما ولد) والرسالة وهي الإيمان والعمل الصالح (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) وأصناف الخلق بالنسبة للإستجابة للرسالة (أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة) . - قوله (لا أقسم بهذا البلد) ما دلالة (لا) في القسم؟ أولاً لم يرد في القرآن كلّه (أقسم بـ) أبداً، كل القسم في القرآن ورد باستخدام (لا) كقوله تعالى: (لا أقسم بمواقع النجوم) (ولا أقسم بالخنّس) (فلا وربّك لا يؤمنون) وهكذا في القرآن كله. فما هي (لا) ؟ اختلف النحاة في دلالة (لا) : كلام عام من (لا أقسم عموماً) يقولون (لا) زائدة لتوكيد القسم بمعنى (أقسم) مثال قولنا: والله لا أفعل معناها لا أفعل، ولو قلنا: لا والله لا أفعل معناها لا أفعل، لا يختلف المعنى والقسم دلالة واحدة. وقسم يقولون هي للنفي (أي نفي القسم) والغرض منه أن الأمر لا يحتاج للقسم لوضوحه فلا داعي للقسم، وقسم قال أنها تنفي لغرض الإهتمام كأن تقول لا أوصيك بفلان (بمعنى لا أحتاج لأن أوصيك) . وفي السورة (لا أقسم بهذا البلد) تدور (لا) في كل هذه الأمور على أنها توكيد للقسم بمعنى (أقسم بهذا البلد) ، إذن الغرض للتوكيد لأن الأمر فيه عناية واهتمام. - قوله (وأنت حل بهذا البلد -) ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (حِلّ) عوضاً عن كلمة حالّ أو مقيم؟

стр. 386

بداية السورة (لا أقسم بهذا البلد - وأنت حلّ بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد -) المعنى العام أنه أقسم أو لم يقسم بهذا البلد في وقت حلول الرسول في البلد أنه خلق الإنسان في الشدائد لكن يبقى السؤال (وأنت حل) ما معنى حل؟ الرأي الأشهر أنه الحالّ والمقيم أي بمعنى وأنت حالٌ في البلد تبلّغ دعوة ربك وتلقى من الأذى ما تلقى. إذا كان هذا هو المعنى فلماذا لم تأتي كلمة (حالّ) بدل (حِلّ) ؟ لأن كلمة (حل) لها أكثر من دلالة ولا تقتصر على الدلالة المتبادرة للذهن: (حل) تأتي بمعنى اسم المفعول أي بمعنى (مُستحِل) (على صيغة وزن من أوزان أسماء المفعول مثل الطحي من طحيناً والذبح، ما يعدّ للذبح، والحِمل أي الذي يُحمل) . لأن صيغة فعل هي من جملة أوزان أسماء المفعول الذي له أكثر من ثمانية أوزان (فعل مثل سلب ونهب) . لا أقسم بهذا البلد وأنت مستحلٌ قتلك لا تراعى حرمتك في بلد آمن يأمن فيه الطير والوحش (إذا كانت لهذا المعنى فلا تكون نافية) . وتأتي (حِل) بمعنى حلال (حل، حلال، حلة) أي بمعنى حلال أن تقتل وتأسر من تشاء في ذلك البلد وذلك في يوم الفتح لأن أهل البلد جاءوا بما يستحلون به حرمتهم فرفعت الحرمة عنهم فأصبح حِلاً فتكون لا للنفي. وهذه المعاني كلها مادة وهو ما يسمى بالتوسع في المعنى. لا أقسم بهذا البلد وأنت حالٌ في هذا البلد تلاقي ما تلاقي وأنت مستحلٌ لا تُراعى حرمتك وأنت حلال بهذا البلد تقتل من تشاء وتأسر من تشاء في وقت من الأوقات (هذه كلها تشير إلى معاني كلمة حِل) ومرتبطة بمعاني (لقد خلقنا الإنسان في كبد) . ولو جاء باسم الفاعل (حال) لاقتصر على معنى واحد من هذه المعاني المتعددة لكن المطلوب كل هذه المعاني فجاءت كلمة (حِل) لمناسبتها لمقتضى المعنى.

стр. 387

قال تعالى في آية أخرى في القرآن (وهذا البلد الأمين) فما الحكمة في أن يرد القسم في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد) بدون استخدام كلمة الأمين؟ هذا لأن جو السورة كلها فيه ذكر للمكابدة والمشقة واستحلال الحرمات وما أصاب الرسول ﷺ في هذا البلد وليس في السورة مجال لذكر الأمن، فالرسول والصحابة ليسوا آمنين في هذا البلد والرسول ﷺ حلٌ يفعل ما يشاء يوم الفتح فارتفعت عن البلد صفة الأمن في هذه السورة، فجو السورة كلها من أولها إلى آخرها ليس فيه أمن وأمان حتى في نهاية السورة لم يذكر جزاء المؤمنين (أولئك أصحاب الميمنة) إنما اكتفى تعالى بذكر جزاء الكافرين (والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة) . لا يوجد أمن في البلد ولا الجو العام في السورة فيه أمن. ما اللمسة البيانية في تكرار كلمة (البلد) ؟ فلماذا لم ترد مثلاً: وأنت حلٌ به؟ لو لاحظنا كلام العرب لوجدنا أنهم يكررون في مواطن التحسّر أو التعظيم أو التهويل لأنه أبلغ كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و (الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة) هنا تأتي للتهويل. وكما في قوله تعالى (أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله) هنا التكرار للتعظيم. وفي سورة البلد تكرار كلمة (البلد) هي في مقام التعظيم. ويذكر أيضاً سبب آخر للتكرار وهو أن البلد المقصود به مكّة وهو بلد حرام لا يسفك فيه دمٌ ولا يروّع فيه آمن ولكن الله تعالى أحلّ لرسوله ﷺ في يوم الفتح أن يفعل ما يشاء من قتل أو أسر فكأنما البلد صار غير البلد في يوم الفتح فأصبح له صفتان: حالة الحلّ وحالة الحرب وكأنه أصبح بلدين فكرّر سبحانه كلمة البلد لتكرار الوصف. - قوله (ووالد وما ولد -)

стр. 388

لهذا التعبير عدة دلالات: قسم قال المقصود به الإنسان (آدم وذريته) ، وقسم قال أن المقصود كلّ والد وما ولد من الأناسيّ والبهائم ولذا لم يقل ومن ولد وإنما قال وما ولد (المقصود به العموم وليس الخصوص ومن جملته آدم وذريته) وخصص بعد. أما ارتباطه بالمقسم عليه فهو أن جواب القسم (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد هو المشقة والشدّة، والولادة هي المكابدة والشدّة والمشقة فإذن ارتبطت بقوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ثم ارتبطت بآخر السورة (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن الوالد يحتاج في تربية ولده إلى صبر ومرحمة سواء كان من الأناسيّ أو البهائم ولولاهما لما استطاع تربية أبنائه. وهي مناسبة لجو السورة الذي كله يقوم على المكابدة والمشقة والصبر والمرحمة والإطار العام للسورة، وارتبط بما كان يلاقيه الرسول ﷺ من مكابدة ومشقة. - قوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد -) ما هو ارتباط الجواب بالقسم وما هي دلالة كبد؟ الكبد له أكثر من دلالتين فهو يعني: الشدة والمشقة: يكابد مشاق الدنيا والآخرة ولم يقل خلقنا الإنسان مكابداً. (في كبد) تعني أنه مغمور في الشدائد والمشقات منذ قطع سرّته والمشاق تحيط به وهو منغمر فيها إلى أن يقتحم العقبة فأما أن ينجو أو أن يكون في النار. للقوة والصلابة والشدة: والكبدة هي القطعة من الأرض الصلبة يقال (أرض كبداء) لأن الذي خُلق للمشاقّ ينبغي أن يكون متحملاً للشدائد فهي من لوازم المعنى الأول. أما ارتباط الجواب بالقسم: السورة كلها مبنية على هذا الأمر أي الكبد وكل تعبير مبني على ذلك. لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد وقد ذكرنا عدة معاني لكلمة (حِل) فإذا كان المعنى الأول أي بمعنى (حالّ) فهو يلقى من قومه ما يلقاه من العنت فهو في كبد مم يلاقيه من المشقة وهو يلقاها بقوة وثبات وتحمّل.

стр. 389

وإذا كان بمعنى (مستحل) لا تراعى حرمته فهو دليل على أنه في كبد يُحارب من قومه ويحاولون قتله. وإذا كلن المقصود المعنى الثالث وهو (حلال في البلد) أي ضد الحرام فهو ﷺ يحلّ له أن يقتل ويأسر إذن فالكفار هم في كبد ومشقة وعنت أما المسلمون ففي قوة، وهكذا ارتبط الجواب بالقسم فمن كل ناحية وفي كل معنى من المعاني. وكذلك ارتباط (ووالد وما ولد) فالولادة مشقة وعنت وتحتاج إلى مثابرة وقوة للتربية، كما هي مرتبطة بما بعدها من اقتحام العقبة ومشاقّ الجوع في يوم ذي مسغبة. - قوله (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالاً لبدا - أيحسب أن لم يره أحد - ألم نجعل له عينين - ولساناً وشفتين - وهديناه النجدين -)

стр. 390

بعد قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وذكرنا أن من معاني الكبد المشقة والشدّة والصلابة ثم قال تعالى (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) هذا الحسبان موجه لمن؟ قسم من المفسرين يقول هو موجّه للذي يستضعف المؤمنين (وأنت حلُ بهذا البلد) بمعنى يحلل دمك ويعذّب جماعتك، والذي يفتن المؤمنين ويعذبهم. وقسم من المفسرين قال أنه الخطاب ليس مقصوراً على هذا الجنس بالذات وإنما هو موجه للإنسان عموماً فالإنسان الذي خلقه الله تعالى مكابداً للشدائد ينبغي أن يكون قادراً على تحمل الشدائد فالذي خُلق صلباً شديداً مكابداً أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وهذا الحسبان يكون في نفوس البشر لأن البشر يظنون أن لن يقدر عليهم أحد فيظلم بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض. فالبشر يرون أن لن يقدر عليهم أحد والذين يستضعفون المؤمنين يظنون أن لن يقدر عليهم أحد. والله تعالى سبحانه ذكر في هذه الآية والآية التي بعدها أمرين عظيمين يعتصم بهما الإنسان ويعتقد أن لا أحد يتمكن منه وهذان الأمران هما المال والقوة يعتصم بهما الإنسان ويرى أنهما أداتا الضغط والتسلط على الآخرين. وقد جمع القرآن الكريم بين هذين الأمرين للدلالة على التسلط كما في قوله تعالى: (همّاز مشّاء بنميم* منّاع للخير معتد أثيم* عتلٌ بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال وبنين) سورة القلم آية ١١ – ١٤. فالشعوب المستعمرة يجتمع لها عادة هذين الأمرين كما جاء في قوله تعالى مخاطباً بني إسرائيل في سورة الإسراء (ثم رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) آية ٦. - قوله (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالاً لبدا -) هذا الخطاب موجّه للإنسان عموماً الذي خلقه الله تعالى لإصلاح الحياة.
следующие страницы →