← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8312

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 108 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بداية السورة (لا أقسم بهذا البلد - وأنت حلّ بهذا البلد - ووالد وما ولد - لقد خلقنا الإنسان في كبد -) المعنى العام أنه أقسم أو لم يقسم بهذا البلد في وقت حلول الرسول في البلد أنه خلق الإنسان في الشدائد لكن يبقى السؤال (وأنت حل) ما معنى حل؟ الرأي الأشهر أنه الحالّ والمقيم أي بمعنى وأنت حالٌ في البلد تبلّغ دعوة ربك وتلقى من الأذى ما تلقى. إذا كان هذا هو المعنى فلماذا لم تأتي كلمة (حالّ) بدل (حِلّ) ؟ لأن كلمة (حل) لها أكثر من دلالة ولا تقتصر على الدلالة المتبادرة للذهن: (حل) تأتي بمعنى اسم المفعول أي بمعنى (مُستحِل) (على صيغة وزن من أوزان أسماء المفعول مثل الطحي من طحيناً والذبح، ما يعدّ للذبح، والحِمل أي الذي يُحمل) . لأن صيغة فعل هي من جملة أوزان أسماء المفعول الذي له أكثر من ثمانية أوزان (فعل مثل سلب ونهب) . لا أقسم بهذا البلد وأنت مستحلٌ قتلك لا تراعى حرمتك في بلد آمن يأمن فيه الطير والوحش (إذا كانت لهذا المعنى فلا تكون نافية) . وتأتي (حِل) بمعنى حلال (حل، حلال، حلة) أي بمعنى حلال أن تقتل وتأسر من تشاء في ذلك البلد وذلك في يوم الفتح لأن أهل البلد جاءوا بما يستحلون به حرمتهم فرفعت الحرمة عنهم فأصبح حِلاً فتكون لا للنفي. وهذه المعاني كلها مادة وهو ما يسمى بالتوسع في المعنى. لا أقسم بهذا البلد وأنت حالٌ في هذا البلد تلاقي ما تلاقي وأنت مستحلٌ لا تُراعى حرمتك وأنت حلال بهذا البلد تقتل من تشاء وتأسر من تشاء في وقت من الأوقات (هذه كلها تشير إلى معاني كلمة حِل) ومرتبطة بمعاني (لقد خلقنا الإنسان في كبد) . ولو جاء باسم الفاعل (حال) لاقتصر على معنى واحد من هذه المعاني المتعددة لكن المطلوب كل هذه المعاني فجاءت كلمة (حِل) لمناسبتها لمقتضى المعنى.

стр. 387

قال تعالى في آية أخرى في القرآن (وهذا البلد الأمين) فما الحكمة في أن يرد القسم في سورة البلد (لا أقسم بهذا البلد) بدون استخدام كلمة الأمين؟ هذا لأن جو السورة كلها فيه ذكر للمكابدة والمشقة واستحلال الحرمات وما أصاب الرسول ﷺ في هذا البلد وليس في السورة مجال لذكر الأمن، فالرسول والصحابة ليسوا آمنين في هذا البلد والرسول ﷺ حلٌ يفعل ما يشاء يوم الفتح فارتفعت عن البلد صفة الأمن في هذه السورة، فجو السورة كلها من أولها إلى آخرها ليس فيه أمن وأمان حتى في نهاية السورة لم يذكر جزاء المؤمنين (أولئك أصحاب الميمنة) إنما اكتفى تعالى بذكر جزاء الكافرين (والذين كفروا بآيتنا هم أصحاب المشئمة عليهم نار مؤصدة) . لا يوجد أمن في البلد ولا الجو العام في السورة فيه أمن. ما اللمسة البيانية في تكرار كلمة (البلد) ؟ فلماذا لم ترد مثلاً: وأنت حلٌ به؟ لو لاحظنا كلام العرب لوجدنا أنهم يكررون في مواطن التحسّر أو التعظيم أو التهويل لأنه أبلغ كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و (الحاقة ما الحاقة وما أدراك ما الحاقة) هنا تأتي للتهويل. وكما في قوله تعالى (أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون، أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون، أفأمنوا مكر الله) هنا التكرار للتعظيم. وفي سورة البلد تكرار كلمة (البلد) هي في مقام التعظيم. ويذكر أيضاً سبب آخر للتكرار وهو أن البلد المقصود به مكّة وهو بلد حرام لا يسفك فيه دمٌ ولا يروّع فيه آمن ولكن الله تعالى أحلّ لرسوله ﷺ في يوم الفتح أن يفعل ما يشاء من قتل أو أسر فكأنما البلد صار غير البلد في يوم الفتح فأصبح له صفتان: حالة الحلّ وحالة الحرب وكأنه أصبح بلدين فكرّر سبحانه كلمة البلد لتكرار الوصف. - قوله (ووالد وما ولد -)

стр. 388

لهذا التعبير عدة دلالات: قسم قال المقصود به الإنسان (آدم وذريته) ، وقسم قال أن المقصود كلّ والد وما ولد من الأناسيّ والبهائم ولذا لم يقل ومن ولد وإنما قال وما ولد (المقصود به العموم وليس الخصوص ومن جملته آدم وذريته) وخصص بعد. أما ارتباطه بالمقسم عليه فهو أن جواب القسم (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد هو المشقة والشدّة، والولادة هي المكابدة والشدّة والمشقة فإذن ارتبطت بقوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد) ثم ارتبطت بآخر السورة (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن الوالد يحتاج في تربية ولده إلى صبر ومرحمة سواء كان من الأناسيّ أو البهائم ولولاهما لما استطاع تربية أبنائه. وهي مناسبة لجو السورة الذي كله يقوم على المكابدة والمشقة والصبر والمرحمة والإطار العام للسورة، وارتبط بما كان يلاقيه الرسول ﷺ من مكابدة ومشقة. - قوله (لقد خلقنا الإنسان في كبد -) ما هو ارتباط الجواب بالقسم وما هي دلالة كبد؟ الكبد له أكثر من دلالتين فهو يعني: الشدة والمشقة: يكابد مشاق الدنيا والآخرة ولم يقل خلقنا الإنسان مكابداً. (في كبد) تعني أنه مغمور في الشدائد والمشقات منذ قطع سرّته والمشاق تحيط به وهو منغمر فيها إلى أن يقتحم العقبة فأما أن ينجو أو أن يكون في النار. للقوة والصلابة والشدة: والكبدة هي القطعة من الأرض الصلبة يقال (أرض كبداء) لأن الذي خُلق للمشاقّ ينبغي أن يكون متحملاً للشدائد فهي من لوازم المعنى الأول. أما ارتباط الجواب بالقسم: السورة كلها مبنية على هذا الأمر أي الكبد وكل تعبير مبني على ذلك. لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد وقد ذكرنا عدة معاني لكلمة (حِل) فإذا كان المعنى الأول أي بمعنى (حالّ) فهو يلقى من قومه ما يلقاه من العنت فهو في كبد مم يلاقيه من المشقة وهو يلقاها بقوة وثبات وتحمّل.

стр. 389

وإذا كان بمعنى (مستحل) لا تراعى حرمته فهو دليل على أنه في كبد يُحارب من قومه ويحاولون قتله. وإذا كلن المقصود المعنى الثالث وهو (حلال في البلد) أي ضد الحرام فهو ﷺ يحلّ له أن يقتل ويأسر إذن فالكفار هم في كبد ومشقة وعنت أما المسلمون ففي قوة، وهكذا ارتبط الجواب بالقسم فمن كل ناحية وفي كل معنى من المعاني. وكذلك ارتباط (ووالد وما ولد) فالولادة مشقة وعنت وتحتاج إلى مثابرة وقوة للتربية، كما هي مرتبطة بما بعدها من اقتحام العقبة ومشاقّ الجوع في يوم ذي مسغبة. - قوله (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالاً لبدا - أيحسب أن لم يره أحد - ألم نجعل له عينين - ولساناً وشفتين - وهديناه النجدين -)

стр. 390

بعد قوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وذكرنا أن من معاني الكبد المشقة والشدّة والصلابة ثم قال تعالى (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) هذا الحسبان موجه لمن؟ قسم من المفسرين يقول هو موجّه للذي يستضعف المؤمنين (وأنت حلُ بهذا البلد) بمعنى يحلل دمك ويعذّب جماعتك، والذي يفتن المؤمنين ويعذبهم. وقسم من المفسرين قال أنه الخطاب ليس مقصوراً على هذا الجنس بالذات وإنما هو موجه للإنسان عموماً فالإنسان الذي خلقه الله تعالى مكابداً للشدائد ينبغي أن يكون قادراً على تحمل الشدائد فالذي خُلق صلباً شديداً مكابداً أيحسب أن لن يقدر عليه أحد وهذا الحسبان يكون في نفوس البشر لأن البشر يظنون أن لن يقدر عليهم أحد فيظلم بعضهم بعضا ويضرب بعضهم رقاب بعض. فالبشر يرون أن لن يقدر عليهم أحد والذين يستضعفون المؤمنين يظنون أن لن يقدر عليهم أحد. والله تعالى سبحانه ذكر في هذه الآية والآية التي بعدها أمرين عظيمين يعتصم بهما الإنسان ويعتقد أن لا أحد يتمكن منه وهذان الأمران هما المال والقوة يعتصم بهما الإنسان ويرى أنهما أداتا الضغط والتسلط على الآخرين. وقد جمع القرآن الكريم بين هذين الأمرين للدلالة على التسلط كما في قوله تعالى: (همّاز مشّاء بنميم* منّاع للخير معتد أثيم* عتلٌ بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال وبنين) سورة القلم آية ١١ – ١٤. فالشعوب المستعمرة يجتمع لها عادة هذين الأمرين كما جاء في قوله تعالى مخاطباً بني إسرائيل في سورة الإسراء (ثم رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا) آية ٦. - قوله (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد - يقول أهلكت مالاً لبدا -) هذا الخطاب موجّه للإنسان عموماً الذي خلقه الله تعالى لإصلاح الحياة.

стр. 391

أهلكت: تأتي بمعنى الإنفاق فما اللمسة البيانية في استخدام كلمة أهلكت بدل أنفقت؟ هذه هي الآية الوحيدة في القرآن كله التي استعمل فيها الإهلاك مع المال، عادة تأتي الإنفاق لكن اختيار كلمة أهلكت في هذه السورة مناسب لجو السورة ومناسب لما تقدمها ولما يعانيه الرسول ﷺ وأصحابه في لحظات الشدائد التي أدت إلى إهلاك بعضهم ومناسب للعقبة ومناسب ليوم ذي مسغبة لأن الذين لم يطعموا في ذلك اليوم أهلكوا ومناسب مع أصحاب المشئمة الذين أهلكوا ومناسب لكل إنفاق بغير وجه مناسب لأنه يعتبر إهلاكاً للمال وليس إنفاقاً في الخير. إذن جو السورة هكذا في إهلاك المال بغير وجهه وكل السورة مشقة وإهلاك (الكبد، سلوك النجدين، اقتحام العقبة، المشئمة والمسغبة) فكان استخدام كلمة إهلاك أنسب وأفضل كلمة تؤدي المعنى المطلوب الذي يقتضيه جو السورة وسياق الآيات فيها. كلمة لُبدا: لبد معناها الكثير المُجتمِِع. وفيها احتمالان: قد تكون مفرد صيغة مبالغة (صيغة فاعل) مثل هُمز وحُطم أو جمع (لُبدة) مثل نقطة نقط. ليس معناها الكثير فقط لكن الكثير المجتمِع وهي مناسبة لاجتماع الكفرة على الرسول ﷺ مثل قوله تعالى في سورة الجن (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لُبدا) وهو مناسب للإهلاك وجو الإجتماع في أكثر من موطن في جو السورة (ووالد وما ولد، العينين في آلة الإبصار، اللسان والشفتين في آلة النطق، النجدين، تفسير العقبة بجملة أمور منها اجتماع الذين آمنوا على التواصي بالحق والتواصي بالمرحمة، واجتماع الكفرة في النار وأوصاد النار عليهم) لو قال تعالى (كثيرا) لا يؤدي المعنى المطلوب لجو الإجتماع في السورة. الكثرة لا تنفي الإجتماع لذلك اختيار الإهلاك واللبد متناسب جداً من الناحية البلاغية والفنية لجو السورة. - قوله (أيحسب أن لم يره أحد)

стр. 392

يقول أهلكت مالاً لبدا هذا الذي يدّعي إهلاك المال أيحسب أن لم يره أحد أنه أنفق المال في أمور لا يحبّ أن يطّلع عليها الآخرين وقد تكون في أمور سرّية؟ قال لم يره أحد أي راقب الشخص لم يقل أيحسب أن لم يعلم به أحد لكنه قال يره لأن الرؤية أهمّ وأخصّ من العلم وهناك فرق بين العلم بالشيء ورؤيته. فالرؤية هي التي تدلّ على تفاصيل الأمور ومراقبتها لذا فالرؤية أخصّ. ويره هنا من المراقبة لأن الله تعالى يراقب ويعلم كل ما يقوم به المخلوقات. لماذا جاءت هنا (لم يره أحد) وسابقاً (لن يقدر عليه أحد) : ألم يره أحد في هذا الإنفاق والمفروض أن هذا الحسبان والإدّعاء أنه فعل ماضي (ماضي فيما فعل وما ادّعى أنه فعل) وتأتي الآية فيما بعد (أيحسب ألن يقدر عليه أحد) بعد استكمال الأمور أي في المستقبل بعد أن يغتّر بقوته واستكمال قوته أي تأتي مستقبلاً (أيحسب أن يعتصم بهذه الأمور وأيحسب أن هذه الأمور تنجيه) لذا جاء التعبير بالمضارع وهذا ما يقتضيه السياق. - قوله (ألم نجعل له عينين - ولساناً وشفتين -) أراد الله تعالى أن يدلل على قدرته وعلمه فقال تعالى: ألم يجعل الله للإنسان عينين ليبصر بهما، ألا يراه؟ هو سبحانه الذي أعطاه ليبصر ألا يراه؟! وهو سبحانه الذي هداه للطريق ألا يعلم ما يفعل؟! ونلاحظ تناسب الكلمات: جاءت كلمة عينين وهما أداة الرؤية مقابل قوله تعالى (أيحسب أن لم يره أحد) وجاءت كلمة لساناً وشفتين مقابل قوله تعالى (يقول أهلكت مالاً لبدا) واللسان والشفتين هما أداة النطق. فكأنما جعل الدليل على علمه وقدرته بما أعطاه للإنسان من وسائل ليستعملها. - قوله (وهديناه النجدين -)

стр. 393

النجد هو التعبير الوحيد المستعمل في القرآن فقد ورد في القرآن كلمة السبيل والصراط والنجد يعني الطريق المرتفع. وأغلب المفسرين يقولون لا يكون إلا قفاً وصلابة في الأرض في ارتفاع مثل الجبل. وأغلب المفسرين قالوا أنه يعني طريق الخير وطريق الشر. واختيار كلمة النجد مناسب تماماً لجو السورة فلم يقل هديناه السبيل لأن السبيل هو الطريق السهل الميسّر الواضح التي يكثر السير فيها، أما سلوك النجد ففيه مشقة وصعوبة ومناسب لجو السورة وما فيها من مشقة ومناسب للمكابدة في جو السورة. وسلوك النجد يحتاج إلى قوة وفيه شدّة وصعوبة ومناسب للكبد في السورة. إذن فالنجدين تتواءم مع السورة من حيث القوة والمشقة والمكابدة. ومن معاني النجد: الثدي. وما عليه عامة المفسرين وعن الرسول ﷺ (لا يكن نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير) وهذا الأقرب. إذا استخدمت الهداية مع النجدين فهي تكون بمعنى الدلالة على الطريقين طريق الخير وطريق الشرّ (تبصرة للطريق فقط) أي يرشده إلى الطريق، لأن الطريق قد تكون مودية إلى الجحيم. إذن هي تبصرة للطريق فقط (كتب عله أنه من تولاه فأنه يُضله ويهديه إلى عذاب السعير) . - قوله (فلا اقتحم العقبة - وما أدراك ما العقبة -)

стр. 394

نظرة عامّة على هذه الآيات: هذه الآية هي بعد قوله تعالى (وهديناه النجدين) والنجدين كما أسلفنا هو الطريق المرتفع في الأرض ثم قال بعدها (فلا اقتحم العقبة) والعقبة هي طريق في الجبل وعِر أو الجبل الطويل بعرض الطريق (طويل صعب شديد) هذا في العقبة أما الإقتحام فهو الدخول والمجاوزة بشدة ومشقّة (والقحمة هي الشدة والمهلكة) . فلو لاحظنا اختيار العقبة مع اقتحم وبعد النجدين لوجدنا أن النجد وهو الطريق المرتفع يؤدي إلى العقبة من حيث سلوك الطريق، والعقبة تقع عادة بعد النِجاد أو في المرتفعات من الأرض إذن وضع العقبة بعد النجدين ومع كلمة اقتحم هو وضع طبيعي حداً وهو من الناحية البلاغية البيانية الفنية ذروة البلاغة من حيث الإختيار. ثم إن الله تعالى فسّر العقبة بما يتبعها من آيات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكلمة اقتحم هي من أنسب الألفاظ لهذا الوصف لأن الإقتحام يتناسب مع العقبة والشّدة ولو قال اجتاز أو عبر مثلاً لما أعطى المعنى المطلوب واختيار كلمة اقتحم هو للدلالة على أن الأمر مخيف وشديد ومُهلك وليس سهلاً يسيراً وليس من العقبات التي تُجتاز بسهولة ويسر وإنما تحتاج إلى اقتحام وفيها شدة وصعوبة. فلو لاحظنا (فلا اقتحم العقبة) ومن قبلها (وهديناه النجدين) لوجدناها متناسبة ومرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وقد قلنا أن من معاني الكبد المشقة والقوة واقتحام العقبة فيه مشقة وتعب ويحتاج إلى قوة وفيها ارتباط بمعنيي الكِبِد (المشقة والقوة) . (لقد خلقنا الإنسان في كبد يتناسب مع ما سيأتي من آيات في تفصيل معنى العقبة من المشقات (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) .

стр. 395

لا: أية لا هذه وما حكمها؟ نظر المفسرون في (لا) هذه والمعروف في قواعد اللغة العربية أن (لا) إذا دخلت على الفعل الماضي ى تفيد النفي كما في الفعل المضارع. و (لا) لا تنفي الفعل الماضي إلا إذا كُررت مثل قوله تعالى (فلا صدّق ولا صلّى) ولا نقول في اللغة لا ذهب بمعنى لم يذهب ولإنما يقال ما ذهب للدلالة على نفي الفعل الماضي. إذن لا يصح ولا يجوز القول لا مع الفعل الماضي للنفي. لكن يبقى السؤال هل (لا) في هذه الآية نفي؟ قسم من المفسرين قال قد تفيد النفي واستشهدوا على ذلك ببعض ما ورد في أشعار العرب مع أنها على غير سنن العرب (وأيّ أمرٍ سيء لا فعل) ، ومنهم من قال إنها تفيد الدعاء وليس النفي، كما يقال: لا فضّ الله فاك أو يقال لا عافاك الله، لا ردّه الله سالماً وغيرها، وقد تكون للدعاء عليه بأن لا يقتحم العقبة فهذا الشخص الذي أنفق ماله في غير وجه خير دعا عليه بأن لا يقتحم العقبة إذن اعتبروها قسم من المفسرين على أنها للدعاء وليس للنفي. وقسم آخر رأوا أنها تفيد نفي الإستقبال: في العربية إذا كان الفعل الماشي يفيد الإستقبال يجوز استخدام (لا) ويجوز نفيه بـ (لا) كقولنا (والله لا فعلت ذلك أبداً) بمعنى لا افعله، فإذا كان الفعل للإستقبال يجوز أن تدخل عليه (لا) باعتبار الدلالة الزمنية (تالله لا عذّبتهم بعدها سقر) . فلا اقتحم العقبة تفيد إذن في هذه الحالة نفي الإستقبال بمعنى لا يقتحم العقبة في المستقبل. ومنهم من قال إنها استفهام وقد حذفت همزة الإستفهام (ألا اقتحم العقبة) وكأن هذا الإستفهام للتوبيخ على ما حصل وللحضّ على اقتحام العقبة. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة حذفت منها همزة الإستفهام (مثل قوله تعالى مرة في سورة الشعراء: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) وفي آية أخرى (إن لنا لأجراً) . وحذف حرف الإستفهام خاصة الهمزة كثير في الشعر والنثر عند العرب.

стр. 396

وخلاصة القول أن (لا) في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) قد جمعت كل هذه المعاني التي ذكرنا وفيها احتمالات النفي والدعاء والإستقبال والإستفهام وهذا ما يُسمّى في اللغة باب التوسّع في المعنى فكل المعاني مُرادة سواء كان للصنف أم للشخص الذي أهلك مالاً لُبدا لم يقتحم العقبة ولا يقتحمها في المستقبل ودعاء عليه بأن لا يقتحمها إلا إذا أصلح حاله وتوبيخ على أنه لا يقتحمها فقد جمعت كل هذه المعاني معاً ولو جاء بأي حرف آخر مثل (ما أو لم) لما أمكن جمع كل هذه المعاني وأي حرف آخر كان أُوّل إلى معنى النفي فقط ولكن (لا) جاءت بأربع أو خمس معاني كلها مقصودة. وما أدراك ما العقبة: لماذا التكرار في كلمة العقبة؟ التكرار في اللغة مشهور وله أغراض قد يكون منها التهويل والتعظيم والتحسّر والتفخيم والتحبيب. وفي هذه الآية جاء التكرار للتفخيم والتهويل والتعظيم لأمر العقبة وما سيفسرها فيما بعد وقد ورد التكرار كثيراً في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (القارعة ما القارعة) و (الحاقة ما الحاقة) .

стр. 397

ما الحكمة من استخدام صيغة الفعل الماضي في قوله (وما أدراك) وقد استخدم في القرآن صيغة الفعل المضارع كما في قوله تعالى (وما يديرك لعلّه يزّكى) وقوله (وما يدريك لعلّ الساعة) . في القرآن كلّه أسلوب محدد إذا استعمل (يجريك) بصيغة المضارع لا يفصّل بعدها ولا يجيب على السؤال ويبقيه مبهماً (وما يدريك لعلّه يزّكى) لم يأتي بعدها تفصيل أو إجابة وإنما بقي مبهماً، وإذا استعمل (أدراك) بصيغة الماضي يتبعها بالتفصيل كما في قوله تعالى (والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق* النجم الثاقب) وقوله (وما أدراك ما العقبة* فك رقبة* أو إطعام في يوم ذي مسغبة) نلاحظ التفصيل بالجواب بعد أدراك. والقرآن الكريم له خصوصيات في الإستعمال والتعبير يختصّ بها عن قواعد اللغة العربية تماماً كما اختصّ كلمة العيون (لعيون الماء) والأعين (لأداة الإبصار) في القرآن كله وكذلك الصوم (الإمتناع عن الكلام) والصيام (الإمتناع عن الطعام والشراب) . لماذا تكرر لفظ العقبة في هذه السورة؟ وقد ورد في سورة أخرى (فأمّه هاوية* وما أدراك ما هي* نار حامية) استخدم الضمير (هي) لمعنى الهاوية. هناك قاعدة في اللغة العربية أن الإسم الظاهر أقوى من الكناية أو الضمير ولذلك فإن الضمير لا يؤكدّ الظاهر. معنى ذلك أن الأمر في سورة البلد أقوى من التكرار بالضمير (هي) في سورة القارعة فالسياق والموطن أقوى ولذا جاء بتكرار الإسم الظاهر وليس بالضمير. في سورة القارعة فسّر الهاوية بنار حامية وفي سورة الهمزة (كلا لينبذنّ في الحطمة * وما أدراك ما الحطمة* نار الله الموقدة * التي تطّلع على الأفئدة* إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) هنا جاء بـ (نار الله) وفي القارعة (نار) فقط فوصف النار في سورة الهمزة غير الوصف في سورة القارعة لذا كرر كلمة (الحُطمة) كما في سورة البلد كرر كلمة (العقبة) فالسياق والموطن هو الذي يدعو إلى اختيار الظاهر على الضمير أو اختيار الضمير على الظاهر.

стр. 398

فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة* يتيماً ذا مقربة* أو مسكيناً ذا متربة* ما معنى فك رقبة؟ قال الله تعالى فيما سبق من الآيات (فلا اقتحم العقبة* وما أدراك ما العقبة) ثم بدأ يوضّح كيف تُقتحم العقبة فبدأ بقوله تعالى (فك رقبة) وهو تخليصها من الرِّق وغيره وليس المقصود بها تحرير الرقبة فقط (وقد ورد ذكرها في الكفارات بلفظ تحرير) وفي عصرنا الحالي ليس هناك رقيق ولا عتق رقاب بمعنى تحريرها من الرِّق. إذن فك رقبة تعني تخليصها من الرِّق كالغارم والمطلوب لأمر ما بمعنى التخليص من هذا الأمر، والفك لغة هو حلّ القيد والعتق يُسمى فك أيضاً. أما التحرير فهو خاص بالعتق أما الفكّ فهو أشمل لأي قيد وهذا مرتبط بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) وكل هؤلاء المقيدين هم في كبد. وفكّ الرقبة هي عقبة من عقبات المجتمع قديماً وحديثاً ومستقبلاً ويدخل فيها مثلاً رقبة الشعوب المستضعفة ونصرتهم وإغاثتهم وهذا يدخل في الرقبة وفي القيد، وهي دائمة مستمرة ما دامت البشرية فلا يمكن أن تأتي آية في القرآن ولا يكون لها تطبيق لكل زمان ومكان. حتى في المجتمع الواحد (الفرد للفرد والسلطة للشعب) يستذلّ الفرد غيره بشيء ما أو الحاكم يذل شعبه أو نحوه وهذه من العلاقات الكبيرة في المجتمعات ولذا بدأ بها وهي لا تختص بالعتق ولكنها تدخل فيها والفك مستمر لا ينقطع. أو إطعام في يوم ذي مسغبة. لماذا استخدام كلمة (مسغبة) بدل سغب مثلاً أو جوع أو مخمصة؟ أولاً هناك مسألتين لاستعمال كلمة مسغبة بدل السغب أو الجوع أولها: أن المسغبة تعني الجوع العام والجماعي وليس للفرد والسغب هو الجوع الفردي.

стр. 399

وثانياً أن المسغبة هي الجوع العام مع التعب والإرهاق ولهذا خصص باستعمال (مسغبة) أما الجوع فلا يرافقه بالضرورة التعب والإرهاق، أما المخمصة فهي الجوع الذي يرافقه ضمور البطن. وهذه عقبة من عقبات المجتمع إنه في يوم مجاعة مع التعب والإرهاق وهو اليوم الذي فيه الطعام عزيز وغير مبذول وهو دلالة على شدة الضيق والكرب كما قال بعض المفسرين، وهناك فرق بين الإنفاق في وقت الطعام فيه متوفر ويوم ذي مسغبة وهو ليس كأي يوم من الأيام. وهنا خصص القرآن في وصف العقبة واليوم واليتيم والمسكين فيما بعد. لماذا استخدام لفظ (إطعام) وليس طعام مثلاً أو أن تطعموا؟ من الناحية اللغوية من الممكن القول: أن تطعموا، إطعام أو طعام. الطعام تحتمل معنيين أولهما أن تكون بمعنى المصدر لفعل أطعم وهي تعني عملية الأكل نفسها (فلينظر الإنسان إلى طعامه) (ولا تحاضّون على طعام المسكين) وثانيها أن يكون هو الأكل نفسه. وكل آية ورد فيها لفظ (طعام) فيها احتمالين في المعنى (الطعام والإطعام) كما قال المفسرون وكلاهما مرادان في المعنى. لكن في هذه السورة ومن سياق الآيات نلاحظ أن المُراد هنا معنى (إطعام) لأن اليوم ذي مسغبة والمقصود الأكل لأن الجوع مع التعب يُسبب إطعام. أما عدم استخدام (أن تطعموا) لأن الفعل المضارع مع وجود إنّ يدل معناه على الحدوث مستقبلاً ولكن هذا المعنى لا يصح في الآية لأن المسغبة قائمة ويجب أن يكون الإطعام فوراً ولهذا استخدمت الصيغة الإسمية. - قوله (يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة*) مقربة: تعني القريب في النسب وفي الرحم وتجتمع فيه الصدقة وصلة الرحم فهو أولى وتختلف عن القرابة أو القُربى في اللغة. القرابة هي عامّة مثل القرابة في النسب، أما القُربى فقد تكون في النسب وفي الرحم كالأخ والأخت والمقربة هي بينهما وهي أعمّ.

стр. 400

ما اللمسة البيانية في استخدام (أو) بدل حرف العطف (الواو) ؟ إذا استخدم الواو فإنه يدلّ على أن اقتحام العقبة لا يتم إلا إذا اجتمعت كل هذه الأمور (إطعام اليتيم والمسكين وفك الرقبة) ولكن المقصود في الآيات أنه من فعل أحد هذه الأمور يقتحم العقبة وهو بحسب استطاعته فمن استطاع فك رقبة يكفيه ومن استطاع إطعام اليتيم أو المسكين يكفيه أيضاً وهذا من رحمة الله تعالى الواسعة بعباده. وهذا من باب التخيير فالإنسان يختار ما يستطيع بحسب إمكانياته وظروفه. يتيماً مفعول به للمصدر إطعام. ما فائدة تقديم فك رقبة على إطعام في يوم ذي مسغبة؟ أولاً المسكين ذو المتربة هو ليس أي مسكين أو المسكين بشكل عام. وفي الآيات: اليوم مخصص بأنه (ذو مسغبة) واليتيم مخصص (ذو مقربة) والمسكين خصص (ذا متربة) وقد فرّق المفسرون بين الفقير والمسكين وقالوا أن الفقير هو من انكسر فقار ظهره من الحاجة وهو الذي لا يملك قوت يومه أما المسكين فهو الذي لديه عمل أو رزق لكن لا يكفي حاجته واستدلوا بذلك على قوله تعالى في سورة الكهف في وصف أصحاب السفينة (وأما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) سمّاهم المساكين مع أنه كان لديهم سفينة وكانوا يعلمون في البحر لكن مدخولها لا يكفيهم. والمتربة: هو الفقر وهو من التراب بمعنى التصق بالتراب من فقره، إذن (مسكيناً ذا متربة) هو المسكين الفقير الذي لا مأوى له وهو مطروح على قارعة الطريق وهذا ليس من المساكين العاديين وإنما من خصوص المساكين وهذا صنف ما زلنا نراه في المجتمعات.

стр. 401

أما سبب التقديم (فك رقبة) أولاً فهو إشارة إلى عِظم الحرية في الإسلام إذا كان بمعنى الرِّق لأنه الأولى في الحياة التحرير بالنسبة للأفراد والشعوب في المجتمعات. وثانياً قد يكون الشخص مطلوب بدم أو بشيء آخر أو غارم فأولى شيء عنده أن تفك رقبته وقد يكون هو الأحوج إلى الإطعام والفك من غيره من الأيتام والمساكين لأنه إذا كان مطلوباً فإنه لن يكون قادراً على الخروج لطلب الطعام أو غيره فاليتيم ممكن أن يخرج للبحث عن الطعام وكذلك المسكين أما الغارم أو المطلوب فهو الأولى بذلك لذا جاء ذكره أولاً وهو أوّل ما يُفك وهو أسبق من اليتيم والمسكين. ثم اليتيم بعد فك الرقبة لأنه في اليوم ذي المسغبة واليتيم هو الصغير دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم، هذا الصغير اليتيم في مثل هذا اليوم ينبغي أن يُراعى ويُتفقد في هذا اليوم العصيب ذي مسغبة وماذا سيأكل في هذا اليوم. ثم يأتي المسكين وهو أكبر سنّاً من اليتيم ويمكن أن يفعل شيئاً للحصول على الطعام بعكس اليتيم إذن فهي مرتبة بحسب الحاجة في ذلك الوقت وهي مرتبة بحسب القلّة والكثرة من القلّة إلى الكثرة (المطلوبين والغارمين قليلون في المجتمعات أما إذا كانوا رقيقاً فهم لم يعودوا موجودين أصلاً) ثم الأيتام أكثر من الغارمين والمطلوبين لكنهم أقل من المساكين لأن هؤلاء اليتامى سيكبرون وتنتفي عنهم صفة اليتم، أما المساكين فهم الأكثر في المجتمعات.

стр. 402

ما علاقة الآيات بما قبلها؟ الآيات مرتبطة بقوله تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) فهؤلاء الغارمون والمطلوبون والمسترَقّون واليتامى والمساكين كلهم مكابدون وكذلك مرتبطة بقوله تعالى (أهلكت مالاً لُبدا) كان ينبغي له أن يُنفق على هؤلاء المساكين واليتامى والغارمين شيئاً من ماله الذي أهلكه في غير وجه حق، ومرتبطة بقوله (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) لأن فك الرقاب وإطعام المحتاجين من المرحمة وهؤلاء من أحوج الناس إلى الصبر أيضاً. ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة* عليهم نار مؤصدة* دلالة الآية: بعد أن ذكر تعالى الأصناف واقتحام العقبة ذكر (ثم كان من الذين آمنوا) لأن الشرط الأساسي هو الإيمان وجاء بـ (ثم) والمعروف في النحو أن (ثم) تفيد الترتيب والتراخي ولكن ليس دائماً فقد يكون من أشهر دلالاتها أنها لمجرد ترتيب الذكر أحياناً يؤخّر ما هو أولى مثال قوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد) قد تكون الترتيب للأخبار وليس للترتيب الزمني (تراخي رتبة الإيمان عمّا قبلها لأنه لا ينفع شيء بدون إيمان، فالإيمان أنفع من فك رقبة وهو الأول وكل ما ذُكر قبلاً لا تنفع في الآخرة إلاّ إذا كان مؤمناً. إذن الأساس أن يكون من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. في غالبية آي القرآن الكريم يأتي ذكر الذين آمنوا مقرونا بـ (عملوا الصالحات) أما في هذه الآية لم يذكر (عملوا الصالحات) وهذا لأنه قد ذكر الأعمال الصالحة فيما سبق من الآيات في السورة (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فذكر كل ما يتعلق بمكابدة المال وذكر العمل لذا كان معنى العمل واضح في الآيات. ما اللمسة البيانية في تكرار فعل (تواصوا) في الآية؟ هناك ثلاثة احتمالات لهذه الجملة:

стр. 403

وتواصوا بالصبر وبالمرحمة: بتكرار حرف الجر دون الفعل. وتواصوا بالصبر والمرحمة: بالعطف دون حرف جرّ. تواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة: بتكرار الفعل وهي أقوى التعبيرات لأن فيها توكيد لأهمية كل واحد من الصبر والمرحمة. فالتواصي بالصبر مهمٌ بذاته والتواصي بالمرحمة مهمٌ بذاته أيضاً وهذه السورة مبنية كلها على الصبر والمرحمة. والمرحمة هي ليست الرحمة فقط ولكنها عامة وهي أهم من الرحمة والسورة كلها مبنية على الصبر والمرحمة. الصبر: (وأنت حلٌ بهذا البلد) لما يلاقيه الرسول ﷺ من الأذى، (ووالد وما ولد) لأن تربية الأولاد تحتاج إلى صبر طويل، وكذلك سلوك النجدين يحتاج إلى صبر واقتحام العقبة والرقبة المسترقّة والغارم واليوم ذي المسغبة كله يحتاج إلى صبر طويل وكذلك اليتيم والمسكين والذين آمنوا يحتاجون إلى الصبر على الطاعات والصبر عن المعصية. كذلك المرحمة: (وأنت حلٌ بهذا البلد) بمعناها (حلّ) الأحرى أن يُعامل بالمرحمة وليس بالأذى وإذا كان بمعنى حلال فالرسول ﷺ قال يوم فتح مكة (اليوم يوم مرحمة) ، (ووالد وما ولد) والعلاقة بينهما علاقة رحمة وبر، (أهلكت مالاً لبدا) الذي أهلك المال يحتاج إلى رحمة، الرقبة المسترقّة واليوم ذي المسغبة واليتيم والمسكين والذين آمنوا ينبغي أن يتواصوا بالمرحمة (رحماء بينهم) فالسورة كلها مبنية على الصبر والمرحمة لذا ينبغي التواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة. ذكر التواصي بالصبر أولاً ثم التواصي بالمرحمة لأنه تعالى قدّم في السورة ما يحتاج إلى الصبر من المكابدة والمشقة واقتحام العقبة والنجدين وكلها يحتاج إلى صبر ثم إلى مرحمة (في إطعام اليتامى والمساكين) هذا والله أعلم. - قوله (أولئك أصحاب الميمنة* والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * علهم نار مؤصدة*)

стр. 404

ما المقصود بالميمنة والمشئمة؟ الميمنة احتمال أن تكون من اليُمن أي الخير والبركة، أو من اليمين أي الإتجاه اليمين أو من أصحاب اليمين الذين يُعطون صحائفهم بأيمانهم. إذن الميمنة لها ثلاثة دلالات: أصحاب جهة اليمين الذين يُؤتون صحائفهم بأيمانهم أصحاب اليُمن والخير والبركة لأنهم أفاضوا على أنفسهم (ليقتحموا العقبة) وعلى غيرهم (إطعام اليتامى والمساكين وفك الرقبة) . والمشئمة أيضاً تحتمل ثلاثة دلالات هي: أصحاب جهة الشمال (أصحاب النار الأشقياء) الذين يُؤتون صحائفهم بشمالهم من الشؤم وهو ضد اليُمن لأنهم كانوا أصحاب الشؤم على أنفسهم (أهلكت مالاً لبدا) وعلى غيرهم (الذين لا يقتحمون العقبة ولا يطعمون اليتامى والمساكين ولا يفكون القراب ويسترقّون الناس ويستحلون حرمة البلد الحرام والرسول ﷺ ) . إذن أصحاب الميمنة تختلف عن أصحاب اليمين لأنها أعمّ والميمنة جمعت عدة معاني وجاء في آخر الآيات ذكر اليُمن على غيرهم (فك رقبة، إطعام في يوم ذي مسغبة) فكان أولى أن يستخدم لفظ (الميمنة) بدل اليمين. ما اللمسة البيانية في استخدام (هم) مع أصحاب المشئمة دون أصحاب الميمنة في قوله تعالى: هم أصحاب المشئمة؟ قال (هم) مع الكفار أما أصحاب الميمنة لم يذكر معهم (هم) لأنه لو قال هم أصحاب الميمنة لكان أصحاب الميمنة حصراً على هؤلاء الذين ذكرهم في الآيات السابقة ولكن أصحاب الميمنة أكثر من هؤلاء. الذين يتواصون بالصبر ويتواصون بالمرحمة هؤلاء فقط أصحاب الميمنة وهذا غير صحيح لأن رأس الأمر الإيمان بالله وهؤلاء إذن من أصحاب الميمنة وليسوا أصحاب الميمنة حصراً فلا يصح القصر هنا أبداً بمعنى أن من عداهم ليسوا من أصحاب الميمنة. (عدم القصر هو السبيل الصحيح الذي لا يصح غيره هنا) . أما الذين كفروا هو أصحاب المشئمة حصراً. هنا القصر في أصحاب المشئمة هو السبيل الصحيح الذي لا يصح غيره. - قوله (عليهم نار مؤصدة*)

стр. 405

مؤصدة معناها مطبقة من أوصد الباب بمعنى لا ضوء ولا مخرج ولا فرج فيها. فلماذا قدم الجار والمجرور؟ تقديم الجار والمجرور هو للقصر بمعنى أنها مؤصدة عليهم حصراً أما إذا أخّر الجار والمجرور فقد يُفهم المعنى على أن النار المؤصدة ليست محصورة بالكفار ولكنها قد تكون مؤصدة على غيرهم أيضاً إذن الآيات متفقة مع بعضها النار على هؤلاء الذين كفروا وأصحاب المشئمة النار مؤصدة عليهم حصراً فالقصر هو الذي يؤدي المعنى المطلوب. ورد في بعض القراءات لفظ (موصدة) فأيهما أصح؟ كلتا القراءتين متواترتين وكلتاهما من القراءات السبع الصحيحة وليس للقارئ أن يُرجّح إنما له أن يختار فقد يختار موصدة أو مؤصدة؛ مؤصدة وموصدة لغتان الفعل الأصلي (أصد وآصد مؤصدة) والآخر (وصد وأوصد موصدة ومنها الوصيد) ، فمن كان لغته آصد اختار مؤصدة ومن كان لغته وصد اختار موصدة، وأنا شخصياً (والكلام للدكتور فاضل السامرائي) أختار لفظ (مؤصدة) بالهمزة لأنها مناسبة للحالة التي هم عليها فاليوم ثقيل وما هم فيه ثقيل حتى صوت الهمزة في (مؤصدة) وقعها ثقيل على السمع وهو أنسب مع جو المكابدة في السورة. في سورة الهمزة وصف تعالى بقوله (إنها عليهم مؤصدة* في عمد ممددة) وفي هذه السورة لم يعقّب على النار بشيء فما اللمسة البيانية في هذا؟ لو لاحظنا المذكورين في سورة الهمزة نلاحظ أنه تعالى قد توسّع في ذكر صفات المعذّب (ويل لكل همزة لمزة، الذي جمع مالاً وعدده، ... ) وكما توسّع في الصفات توسّع أيضاً في العذاب (في عمد ممددة) أما في سورة البلد فلم يتوسع في ذكر صفات المعذبين وإنما قال (والذين كفروا) هذا والله أعلم.

стр. 406

والأمر الآخر أنه في قوله تعالى (ويلٌ) بالرفع في أول السورة تدل على الهلاك التام الدائم ومناسب لقوله تعالى (في عمد ممددة) لأن ويل هي جملة إسمية (ويل: مبتدأ نكرة وخبره: لكل همزة لمزة، وويل فيها معنى الدعاء وإذا كان فيها معنى الدعاء يصح أن تبدأ الجملة الإسمية بها مثل قوله تعالى سلام عليكم) ومن المعروف أن الجملة الإسمية تدلّ على الثبوت فاقتضى هذا الثبوت ثبوت الهلاك ودوامه (عليهم نار مؤصدة* في عمد ممددة) لا تفتح فيها الأبواب. ولو قال ويلاً لما ناسب سياق الآيات معنى العذاب والتوسع فيه (ويلاً: هي مفعول مطلق لفعل محذوف معناه ألزمه الله ويلاً) . كما أن ويل: هو مصدر من المصادر التي أُميتت أفعالها ومثلها: ويح، ويب، ويس، بمعنى أهلك. أما ويلاً: مفعول مطلق تقديره أهلكه الله مثل قعد جلوساً أو ألزمه الله ويلاً (مفعول به) والمشهور عند النحاة المعنى: أهلكه الله إهلاكاً وهو مفعول مطلق. السؤال الآن أيهما أقوى في اللغة، ويل أو ويلاً؟ لا يمكن القول هنا أيهما أقوى لأن البلاغة في القرآن الكريم هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال فأحياناً يقتضي الحال استخدام الجملة الإسمية فستخدم للدلالة على الثبوت وفي أحيان أخرى يقتضي الحال إستخدام الجملة الفعلية فتستخدم.

стр. 407

الأمر الآخر في سورة الهمزة أن الله تعالى ذكر الكافر الذي يجمع المال ويعدده ويحفظه فكما حفظ الكافر المال وجمعه وحسب أنه يُخلده ولم بنفع به الآخرين أغلق الله تعالى عليه أبواب جهنم (في عمد ممددة) وناسب هذا الإستيثاق في حفظ المال الإستيثاق في الخلود في النار. أما في سورة البلد فلم يكن سياق الكلام على هذا النحو وإنما وصف الله تعالى أن الكافر أهلك المال (أهلكت مالاً لُبدا) . ثم إن في سورة الهمزة ذكر تعالى أن الكافر يحسب أن ماله أخلده وهذا الحسبان قابله الحسبان بحقيقة الخلود في النار بأن أغلق عليه الأبواب وجعل النار عليه في عمد ممددة. وكذلك في سورة الهمزة وصف الله تعالى الكافر أنه يتعدّى على الآخرين ويهمزهم ويلمزهم ويمنع خيره عنهم والذي يتعدى على الآخرين ينبغي أن يُحبس والحبس يغلق عليه الأبواب ويكون في عمد ممددة ولم يُذكر هذا في سورة البلد واكتفى بالوصف (الذين كفروا بآياتنا) ولم يذكر أنهم اعتدوا على الآخرين. والكفر درجات والعقوبة دركات بحسب ما يفعله الكافر فليس كل الكفّار في عذاب واحد وفي دركة واحدة بدليل قوله تعالى (في الدرك الأسفل من النار) . ثم إن المعذّبين في سورة الهمزة كفّار وزيادة فهم كافرون، يتعدون على الآخرين، يجمعون الأموال، يحسبون أن مالهم يخلّدهم وهذا كله لم يُذكر في سورة البلد ولهذا ناسب الإستيثاق في الحبس والجعل في عمد ممددة للكفار في سورة الهمزة. لماذا لم يُذكر جزاء المؤمنين في السورة كما ذكر جزاء الكفار؟ قال تعالى في السورة (لقد خلقنا الإنسان في كبد) والكبد كما قلنا سابقاً هو المشقة والمعاناة ولا يناسب جو السورة ذكر الجزاء وإنما ذكر الإشارة إلى المؤمنين أنهم أصحاب الميمنة. والسورة كلها في المشاقّ والمتاعب فلم يناسب ذكر الجزاء للمؤمنين مع كل ما في السورة من مشقة وتعب وسلوك النجدين واقتحام العقبة واليوم ذي مسغبة والكبد هذا والله أعلم. لمسات بيانية في سورة الضحى

стр. 408

والضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) ما هي دلالة القسم في قوله تعالى (والضحى) يذكر أهل التفسير أن الوحي أبطأ على رسول الله ﷺ أياماً فشق ذلك عليه وقيل له: إن ربك قلاك، فأنزل الله تعالى هذه السورة رداً على المشركين وإكراماً للرسول ﷺ ، فلماذا حزن الرسول الكريم وجزع لانقطاع الوحي مع ما يلقاه في سبيل الوحي من العنت والجهد؟ في الحقيقة انه اختبار من الله تعالى للرسول الكريم: هل هو حريص على الوحي وما فيه من مشقة أم انه سيرتاح من هذا الوحي الثقيل؟ وهذا فيه توجيه إلى الدعاة أنه عليهم أن يصبروا ويثبتوا في الدعوة مهما لاقوا من مشقة وعنت في سبيل الدعوة إلى الله. الضحى في اللغة: هو وقت ارتفاع الشمس بعد الشروق سجى في اللغة: لها ثلاث معاني، فهي بمعنى سكن، أو اشتد ظلامه أو غطى مثل تسجية الميت. أقسم الله تعالى بالضحى والليل إذا سجى انه ما ودع رسوله وما قلاه، والضحى هنا يمثل نور الوحي وإشراقه كما قال المفسرون، والليل يمثل انقطاع الوحي وسكونه والدنيا من غير نور الوحي ظلام ولذلك قدم سبحانه الضحى هنا لأنه ما سبق من نور الوحي وأخر الليل لما يمثل من انقطاع الوحي. وقال بعض المفسرين أن القسم يشير أن الانقطاع يمثل الاستجمام والسكون كما يرتاح الشخص المتعب في الليل ومن معاني سجى السكون وهو يمثل الراحة وهو نعمة. فالقسم هنا جاء لما تستدعيه الحالة التي هو فيها. ما اللمسة البيانية في كلمة (سجى) وليست في كلمتي غشي او يسر؟

стр. 409

كما في قوله (والليل إذا يغشى) (والليل إذا يسر) سبق القول أن من معاني سجى: سكن وهذا يمثل سكون الوحي وانقطاعه وهذا هو السكون، والانقطاع ظلمة وهذا المعنى الثاني لسجى فكلمة سجى جمعت المعاني كلها التي تدل على انقطاع الوحي وسكونه. أما كلمة يغشى أو يسر فهما تدلان على الحركة وهذا يناقض المعنى للقسم في هذه السورة. وعليه فان القسم (والضحى والليل إذا سجى) هو انسب قسم للحالة التي هو فيها من نور الوحي وانقطاعه وكل قسم في القرآن له علاقة بالمقسم به. ما الحكم البياني في استخدام كلمة (والضحى) بدل والفجر او النهار؟ الضحى هو وقت إشراق الشمس أما النهار فهو كل الوقت من أول النهار إلى آخره، والضحى يمثل وقت ابتداء حركة الناس يقابله الليل إذا سجى وهو وقت السكون والراحة. والفجر هو أول دخول وقت الفجر (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ولا يكون هناك ضوء بعد أو نور كوقت الضحى بعد شروق الشمس. - قوله (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) أين مفعول الفعل قلى؟ في هذه الآية الكريمة ذكر مفعول الفعل ودع وهو (الكاف في ودعك) وحذف مفعول الفعل قلى (ولم يقل قلاك) في اللغة عند العرب التوديع عادة يكون بين المتحابين والأصحاب فقط ويكون عند فراق الأشخاص. اختلف النحاة في سبب ذكر مفعول فعل التوديع وحذف مفعول فعل قلى منهم من قال لظهور المراد بمعنى أن الخطاب واضح من الآيات انه لرسول الله ﷺ ومنهم من قال إنها مراعاة لفواصل الآيات في السورة (الضحى، سجى، قلى، الأولى، ... ) لكن القرآن العظيم لا يفعل ذلك لفواصل الآيات وحدها على حساب المعنى أبداً ولا يتعارض المعنى مع الفاصلة والمقام في القرآن كله. فلماذا إذن هذا الحذف والذكر؟

стр. 410

الذكر من باب التكريم والحذف من باب التكريم أيضاً. لم يقل الله تعالى قلاك لرسوله الكريم حتى لا ينسب الجفاء للرسول ﷺ فلا يقال للذي نحب ونجل ما أهنتك ولا شتمتك إنما من باب أدب المخاطبة يقال ما أهنت وما شتمت فيحذف المفعول به إكراماً للشخص المخاطب وتقديرا لمنزلته وترفع عن ذكر ما يشينه ولو كان بالنفي. أما التوديع فالذكر فيه تكريم للمخاطب فيحسن ذكر المفعول مع أفعال التكريم وحذفه مع أفعال السوء ولو بالنفي. وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم. ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول من ربه مرتين مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى. فلماذا قال تعالى " ربك " ولم يقل " الله "؟ هنا تكريم آخر من الله تعالى لرسوله الكريم. فالرب هو المربي والموجه والقيم. وذكر الفاعل وهو الرب إكرام آخر فلم يقل لم تودع ولم تقلى. والرب هو القيم على الأمر فكيف يودعك وهو ربك لا يمكن أن يودع الرب عبده كما لا يمكن لرب البيت أن يودعه ويتركه ورب الشيء لا يودعه ولا يتركه وإنما يرعاه ويحرص عليه. واختيار كلمة الرب بدل كلمة الله لأن لفظ الجلالة الله كلمة عامة للناس جميعا ولكن كلمة الرب لها خصوصية وهذا يحمل التطمين للرسول الكريم من ربه الذي يرعاه ولا يمكن أن يودعه أو يتركه أبداً. - قوله (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى) اختلف المفسرون في معنى كلمة الآخرة فمنهم من قال: إنها ما هو غير الدنيا بمعنى الدار الآخرة. وقسم قال انها كل ما يستقبل من الحياة على العموم كما جاء في قوله تعالى (فإذا جاء وعد الآخرة ... ) الآخرة هنا ليست في القيامة

стр. 411

الآخرة في سورة الضحى جاءت مقابل الأولى ولم تأت مقابل الدنيا فلم يقل وللآخرة خير لك من الدنيا. ومعنى الآية أن ما يأتي خير لك أيها الرسول مما مضى؛ أي من الآن فصاعداً فيما يستقبل من عمرك هو خير لك من الأولى وأكد ذلك باللام في كلمة وللآخرة. وقد حصل هذا بالفعل فكل ما استقبل من حياته ﷺ خير له مما حصل. فلماذا لم يقل خير لك من الدنيا؟ لأنه لو قالها لما صحت إلا في الآخرة فكأنما حصر الخير في الآخرة فقط ونفى حصول الخير فيما يستقبل من حياته ﷺ وهذه الآية توكيد لما سبقها في قوله تعالى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. ولماذا قال تعالى (لك) ولم يقل وللآخرة خير من الأولى؟ هذه السورة وسورة الشرح هما خاصتان بالرسول ﷺ وهو المخاطب المباشر بهما ولو قال تعالى: "وللآخرة خير من الأولى" لما صح هذا القول لأنه سيكون عاماً للناس جميعاً وهذا ما لا يحصل وعندها ستفيد الإطلاق ولا يصح على عمومه لان بعض الناس آخرتهم شر لهم من أولاهم ولا يصح هذا الكلام على إطلاقه إنما لا بد من أن يخصص المعنى وهو للرسول الكريم ﷺ بالذات ولهذا قال تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) - قوله (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) ما هي علاقة هذه الآية بما سبقها من الآيات؟ سوف دالة على الاستقبال وقد سبق أن قال تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) وهي تدل أيضاً على الاستقبال وجاء أيضاً باللام في (ولسوف) وأكده بنفس التوكيد باللام في (وللآخرة) ولماذا لم يحدد العطاء بشيء ما وإنما قال ولسوف يعطيك ربك فترضى؟

стр. 412

لقد أطلق سبحانه العطاء ولم يحدده إنما شمل هذا العطاء كل شيء ولم يخصصه بشيء معين إكراماً للرسول الكريم ﷺ وتوسيعاً للعطاء وكذلك أطلق فعل الرضى كما أطلق العطاء فجعل العطاء عاماً وجعل الرضى عاماً وذكر المعطي أيضاً وهو الرب وعلينا أن نتخيل كيف يكون عطاء الرب؟ والعطاء على قدر المعطي وهذا كله فيه تكريم للرسول كذلك في إضافة ضمير الخطاب " الكاف " في (ربك) تكريم آخر للرسول ﷺ لماذا اختيار كلمة (فترضى) ؟ اختيار هذه الكلمة بالذات في غاية الأهمية؛ فالرضى هو من أجل النعم على الإنسان وهو أساس الاستقرار والطمأنينة وراحة البال فإن فقد الرضى حلت الهموم والشقاء ودواعي النكد على الإنسان. وان فقد في جانب من جوانب الحياة فقد استقراره بقدر ذلك الجانب ولذا جعل الله تعالى الرضى صفة أهل الجنة (فهو في عيشة راضية) (فارجعي إلى ربك راضية مرضية) . وعدم الرضى يؤدي إلى الضغط النفسي واليأس وقد يؤدي إلى الانتحار. والتعب مع الرضى راحة والراحة من دونه نكد وتعب، والفقر مع الرضى غنى والغنى من دونه فقر، والحرمان معه عطاء والعطاء من دونه حرمان. لذا فان اختيار الرضى هو اختيار نعمة من اجل النعم ولها دلالتها في الحياة عامة وليست خاصة بالرسول الكريم ﷺ فإذا رضي الإنسان ارتاح وهدأ باله وسكن وان لم يرض حل معه التعب والنكد والهموم والقلق مع كل ما أوتي من وسائل الراحة والاستقرار. لماذا قال يعطيك ولم يقل يؤتيك؟

стр. 413

الإيتاء يكون لأمور مادية وغيرها (الملك، الحكمة، الذكر) أما العطاء فهو خاص بالمادة. والإيتاء أوسع من العطاء واعم والعطاء مخصص للمال. والإيتاء قد يشمله النزع والعطاء لا يشمله النزع. (آتيناه آياتنا فانسلخ منها) (يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء) وقد لا يستوجب الإيتاء لشخص ما أن يتصرف بما أوتي، أما العطاء فلصاحبه حرية التصرف فيه بالوهب والمنح ولذا قال تعالى (إنا أعطيناك الكوثر) لأن الكوثر أصبح ملكاً للرسول ﷺ وكما قال الله تعالى لسيدنا سليمان ﵇ (هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) أي له الحق بالتصرف فيه كما يشاء. - قوله (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨)) هذه الآيات مرتبطة بالآيات السابقة (ما ودعك ربك وما قلى) (وللآخرة خير لك من الأولى) ومرتبطة أيضاً بالقسم في أول السورة (والضحى والليل إذا سجى) والآية (ألم يجدك يتيماً فآوى) تؤكد أن ربه لم يودعه ولم يقله وكذلك في (وجدك ضالاً فهدى) وهي كلها تصب في (وللآخرة خير لك من الأولى) فالإيواء خير من اليتم؛ والهداية خير من الضلالة؛ والاغناء خير من العيلة فكلها مرتبطة بالآية (ما ودعك ربك وما قلى) وتؤكد معناها. (وللآخرة خير لك من الأولى) فالله تعالى لم يترك رسوله ﷺ ليتمه أو لحاجته أو للضلال هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى هي مرتبطة بالقسم فقد اقسم الله تعالى بالضحى والليل وما سجى؛ واليتم ظلمة والإيواء هو النور وكذلك الضلال ظلمة والهدى نور (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليائهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) سورة البقرة، والحاجة والعيلة ظلمة أيضاً والغنى نور وبهجة.

стр. 414

في هذه الآيات بدأ بالظلمة ثم النور (اليتم ثم الايواء، الضلال ثم الهدى، العيلة ثم الغنى وهذا ليناسب ويتوافق مع قوله تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) والأولى هي الظلمة أما الآخرة فهي النور وهي خير له من الأولى. لماذا لم يقسم سبحانه بالليل إذا سجى أولاً ثم الضحى؟ الضحى هو نور الوحي وكان السكون بعد الوحي وكان القسم على اثر انقطاع الوحي فانقطاع الوحي هو الذي تأخر وليس العكس لذا جاء قسم الضحى أولاً ثم الليل. لماذا تكررت كلمة ربك في هذه السورة؟ الرب معناه انه هو المعلم والمربي والمرشد والقيم وكل آيات السورة مرتبطة بكلمة الرب (ألم يجدك يتيماً فآوى....) اليتيم يحتاج لمن يقوم بأمره ويرعاه ويعلمه ويوجهه ويصلح حاله وهذه من مهام الرب واليتيم يحتاج هذه الصفات في الرب أولاً ثم إن الضال يحتاج لمن يهديه والرب هو الهادي والعائل أيضاً يحتاج لمن يقوم على أمره ويصلحه ويرزقه فكلمة الرب تناسب كل هذه الأشياء وترتبط بها ارتباطاً أساسياً، وكثيراً ما ارتبطت الهداية في القرآن الكريم بكلمة الرب (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (يهديهم ربهم بإيمانهم) (الحمد لله رب العالمين....اهدنا الصراط المستقيم) لماذا حذف المفعول للأفعال: فآوى، فأغنى، فهدى مثلما حذف في فعل قلى؟

стр. 415

ذكر المفسرون هنا عدة آراء منها: أن الحذف هو لظهور المراد لأنه تعالى كان يخاطب الرسول ﷺ والمعنى واضح، وقسم قال إنها مراعاة لفواصل الآيات حتى لا يقال آواك وأغناك وهداك فتختلف عن فواصل باقي الآيات ولكن كما سبق آنفاً قلنا إن القرآن الكريم لا يراعي الفاصلة على حساب المعنى مطلقاً وهي قاعدة عامة في القرآن: المعنى أولاً ثم الفاصلة القرآنية ومثال ذلك الآية في سورة طه (إلهكم واله موسى فنسي) وكانت الفاصلة في باقي السورة مختلفة وعليه فان الحذف هنا جاء للإطلاق والدلالة على سعة الكرم. فآوى بمعنى فآواك وآوى لك وآوى بك وأغناك وأغنى لك وأغنى بك وهداك وهدى لك وهدى بك، فلو قال فوجدك عائلا فأغناك لكان الغنى محصوراً بالرسول ﷺ فقط لكن عندما أفاد الإطلاق دل ذلك على انه سبحانه أغنى رسوله وأغنى به وبتعليماته فيما خص الإنفاق وغيره خلقاً كثيراً وأغنى له خلقاً كثيراً وكذلك آوى الرسول ﷺ وآوى به خلقا كثيراً بتعاليمه الكثيرين وتعاليمه كانت تحض على رعاية اليتامى وحسن معاملتهم واللطف بهم وآوى لأجله الكثير من الناس لان من الناس من يؤوى اليتامى حبا برسول الله وطمعا في صحبة الرسول ﷺ في الجنة كما ورد في الحديث: أنا وكافل اليتيم كهاتين وأشار إلى إصبعيه. وكذلك بالنسبة للهداية فالله تعالى هدى رسوله الكريم وهدى به خلقاً كثيراً (وانك لتهدي إلى صراط مستقيم) وهدى له ولأجله من أراد ، إذن خلاصة القول أن الحذف هنا جاء لظهور المراد وفواصل الآيات وسعة الإطلاق كلها مجتمعة لا يتعارض احدها مع الآخر. وكذلك تناسب سعة الإطلاق هنا قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) . فالحذف هنا جاء للعموم والإطلاق في المعنى.

стр. 416

لماذا ترتيب الآيات على هذا النحو؟ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (٨) هذا هو الترتيب الطبيعي في الحياة. اليتم يقال لمن فقد والديه أو احدهما وهو دون سن البلوغ فإذا بلغ انتفت عنه صفة اليتم، وإذا بلغ دخل في سن التكليف الشرعي فهو يحتاج إلى الهداية ليتعلم كيف يسير في الحياة قبل أن يكون فقيراً أو غنياً وكيف يجمع المال الحلال لأن كل مال جمع من غير طريق الهداية هو سحت ثم تأتي العيلة وهي أمر آخر بعد البلوغ؛ من الناس من يكون فقيراً أو غنياً وعلى الاثنين أن يسيرا وفق التعاليم التي تعلماها بعد البلوغ مباشرة وهذا طبيعي ويمر به كل الخلق فهذا هو التسلسل الطبيعي في الحياة. لذا فقد بدأ سبحانه بالحالة الأولى (اليتم) ثم إذا بلغ تأتي الهداية في المرتبة الثانية، وثالثاً العائل والغني يجب أن يسيرا على الهداية. - قوله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١) القهر في اللغة: هو التسلط بما يؤذي ولا تقهره بمعنى لا تظلمه بتضييع حقه ولا تتسلط عليه أو لا تحتقره أو تغلب على ماله،كل هذه المعاني تدخل تحت كلمة القهر. السائل اختلف المفسرون فيها فقال بعضهم: هو سائل المال والمعروف والصدقة ومنهم من قال: انه سائل العلم والدين والمعرفة وقسم قال انه مطلق ويشمل المعنيين، فسواء كان السائل سائل مال وصدقة أو سائل علم ومعرفة يجب أن لا ينهر مهما كان سؤاله. لا يصح أن يزجز أو ينهر سائل المال أو سائل العلم والدين. إذا كان سائل مال أعطيناه أو رددناه بالحسنى وسائل العلم علينا أن نجيبه ونعلمه أمور الدين.

стр. 417

أما النعمة فقال بعض المفسرين إنها النبوة وتعاليمها وقال آخرون إنها كل ما أصاب الإنسان من خير سواء كان في الدنيا أو الآخرة. وقال آخرون إنها نعمة الدين (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) والواقع أن النعمة هنا أيضاً تشمل كل هذه المعاني فهي نعمة الدين يجب أن يتحدث بها ويبلغ عنها وهي نعمة الدنيا والله سبحانه يحب أن يرى اثر نعمته على عباده وان يتحدث الإنسان بنعم الله عليه وان يظهرها والنعمة عامة في الدنيا والدين وعلى الإنسان أن يحدث بهذه النعمة. (النعمة بفتح النون وردت في القرآن بمعنى العقوبات والسوء كما في قوله (ونعمة كانوا فيها فاكهين) (الكافرين أولي النعمة) لماذا اختيار كلمة (فحدث) ولم يقل (فأخبر) ؟ الإخبار لا يقتضي التكرار يكفي أن تقول الخبر مرة واحدة فيكون إخباراً أما التحديث فهو يقتضي التكرار والإشاعة أكثر من مرة، وفي سياق الآية يجب أن يتكرر الحديث عن الدعوة إلى الله مرات عديدة ولا يكفي قوله مرة واحدة. ولهذا سمى الله تعالى القرآن حديثا (فليأتوا بحديث مثله) . فمعنى (فحدث) في هذه الآية هو المداومة على التبليغ وتكرارها وليس الإخبار فقط فيمكن أن يتم الإخبار مرة واحدة وينتهي الأمر. وفي تسلسل الأحاديث في كتب السنة نلاحظ أنهم يقولون: حدثنا فلان عن فلان ويكررون ذلك مرة أو مرات عديدة حتى يصلوا إلى أخبرنا رسول الله ﷺ فالرسول الكريم يخبر بالحديث ثم يتناقله الصحابة فيما بينهم ويستمر تناقل الحديث حتى يعم وينتشر. لماذا جاء ترتيب الآيات على هذا النحو؟ (فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر، وأما بنعمة ربك فحدث) . أثار هذا الترتيب الكثير من الأسئلة عند المفسرين لماذا رتبت الآيات على هذه الصورة لأنه لا يرد بنفس تسلسل الآيات السابقة (الم يجدك يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى) .

стр. 418

لنستعرض الآيات واحدة واحدة: أما اليتيم فلا تقهر جاءت بنفس تسلسل الآية (ألم يجدك يتيما فآوى) نفس النسق. , أما السائل فلا تنهر كان من المفروض أن تأتي مقابلة للآية (ووجدك عائلا فأغنى) لكنها جاءت في مقابل الآية (ووجدك ضالاً فهدى) (وأما بنعمة ربك فحدث) ، كان يجب أن تقدم باعتبار النعمة دين ويجب أن تكون مقابل (ووجدك ضالاً فهدى) لكن الواقع أن ترتيب الآيات كما ورد في السورة هو الترتيب الأمثل، كيف؟ اليتيم ذكر أولا مقابل اليتيم، ثم ذكر (وأما السائل فلا تنهر) قلنا سابقا أن السائل يشمل سائل العلم والمال وهنا اخذ بعين الاعتبار السائل عن المال والسائل عن العلم فهي إذن تكون مقابل (ووجدك ضالاً فهدى) وأيضاً (ووجدك عائلا فأغنى) لان السائل عن المال يجب أن لا ينهر والسائل عن العلم يجب أن لا ينهر أيضاً وعليه فان الآية جاءت في المكان المناسب لتشمل الحالتين ومرتبطة بالاثنين تماما. (وأما بنعمة ربك فحدث) ، هي في انسب ترتيب لها فان كان المقصود بالنعمة كل ما أصاب الإنسان من خير في الدنيا فلا يمكن أن نتحدث عن النعمة إلا بعد وقوعها وليس قبل ذلك. والآيات السابقة تذكر نعم الله على الرسول فاقتضى السياق أن يكون التحدث بالنعمة آخراً أي بعد حدوث كل النعم على الرسول ﷺ . وإذا كان المقصود بالنعمة الدين، فيجب أن يكون التحديث في المرحلة الأخيرة لأن على الداعية أن يتحلى بالخلق الكريم وفيه إشارة أن الإنسان إذا أتاه سائل عليه أن يتصف بهذه الصفات قبل أن يبلغ الناس عن النعمة (الدين) فعليه أن لا يقهر يتيماً ولا ينهر سائلاً ولا يرد عائلاً وقد جاءت هذه الآية بعد إسباغ النعم وهو توجيه للدعاة قبل أن يتحدثوا أن يكونوا هينين لينين فقد قال تعالى (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) فعلى الداعية أن يتحلى بالخلق الحسن ولا ينهر سائلاً.

стр. 419

وكذلك جعل التحديث بالنعمة (وأما بنعمة ربك فحدث) جاءت بعد (وأما السائل فلا تنهر) لان كل داعية يتعرض لأسئلة محرجة أحيانا تكون لغاية الفهم وقد تكون لنوايا مختلفة فعليه أن يتسع صدره للسائل مهما كانت نية السائل أو قصده من السؤال وعلى الداعية أن لا يستثار وإلا فشل في دعوته وقد يكون هذا هو قصد السائل أصلاً من الدروس المستفادة من هذه السورة إضافة إلى ما سبق انه يحسن للإنسان تذكر أيام العسر والضيق لأنه مدعاة للشكر ومدعاة لمعاونة المبتلى أيضاً لذا يجب التذكير بالماضي وما يتقلب فيه المرء من نعم ليشكر الله تعالى عليها مهما كان في ماضيه من أذى أو حرج أو ضيق فلا بأس أن يتذكر أو يذكر به حتى يشكر الله تعالى على نعمه فيكون من الشاكرين لله تعالى. لمسات بيانية في سورة التين وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) ابتدأت السورة بالقسم بالتين والزيتون. والتين والزيتون قد يكون قصد بهما الشجران المعروفان، وقد ذكر المفسرون لاختيار هذين الشجرين للقسم بهما أسباباً عدة، فقد ذكروا أنه أقسم بنوعين من الشجر، نوع ثمره ليس فيه عجم ونوع فيه عجم، وأنه ورد في الأثر أن التين من شجر الجنة فقد روي أنه أُهدي لرسول الله ﷺ طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه:" كلوا فلو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت هذه لأن فاكهة الجنة بلا عجم". وقد ذكر أن آدم خصف من ورقه ليستر عورته حين انكشفت في الجنة. وأما الزيتون فإنه شجرة مباركة كما جاء في التنزيل العزيز. وقد ذكروا أموراً أخرى لا داعي لسردها هاهنا.

стр. 420

ولا ندري هل لبدء السورة بالقسم بالشجر الذي يذكر أن له أصلاً في الجنة أعني التين له علاقة بعدد آيات هذه السورة أو لا؟ فإن عدد آيات هذه السورة ثمانية وهن بعدد أبوبا الجنة. وقد يكون هذا القول خرصاً محضاً وأنا أميل إلى ذلك، ولكنا قد وجدنا شيئاً من أنواع هذه العلاقات في القرآن. فقد تكرر كما سبق أن ذكرنا قوله تعالى (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الرحمن) ، عند الكلام في وصف الجنة ثماني مرات بعدد أبواب الجنة، وحصل هذا مرتين في السورة، وتكرر في الوعيد سبع مرات بعدد أبواب جهنم (انظر ملاك التأويل) ابتداء من قوله (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ (٣١) الرحمن) . وقالوا إن سورة القدر ثلاثون كلمة بعدد أيام شهر رمضان وإن قوله (هي) في قوله تعالى (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) القدر) هي الكلمة السابعة والعشرون وهي إشارة إلى أن هذه الليلة هي الليلة السابعة والعشرون من رمضان. وعلى أي حال فإن كثيراً من هذه العلاقات ربما كانت موافقات والله أعلم. وقيل: إن المقصود بالتين والزيتون جبلان من الأرض المقدسة يقال لهما بالسريانة طور تينا وطور زيتا لأنهما منبتا التين والزيتون. (التفسير الكبير ٣٢/٩، روح المعاني ٣٠/١٧٤) . والعلاقة بين التين والزيتون وما بعدهما ليست ظاهرة على هذا إلا بتكلف. وقيل: " هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبياً مرسلاً من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار فالأول: محله التين والزيتون وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى بن مريم ﵇ والثاني: طور سنين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران ﵇، والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمناً، وهو الذي أرسل فيه محمداً ﷺ (تفسير ابن كثير ٤/٥٢٦) .

стр. 421

وجاء في (التبيان في أقسام القرآن) : " فأقسم سبحانه بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله، أصحاب الشرائع العظام والأمم الكثيرة. فالتين والزيتون المراد به نفس الشجرتين المعروفتين ومنبتهما وهو أرض بيته المقدس ... وهو مظهر عبد الله ورسوله وكلمته وروحه عيسى بن مريم. كما أن طور سنين مظهر عبده ورسوله وكليمه موسى، فإنه الجبل الذي كلمه عليه وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه. ثم أقسم بالبد الأمين وهو مكة مظهر خاتم أنبيائه ورسله سيد ولد آدم. وترقى في هذا القسم من الفاضل إلى الأفضل، فبدأ بموضع مظهر المسيح، ثم ثنّى بموضع مظهر الكليم، ثم ختمه بموضع مظهر عبده ورسوله وأكرم الخلق عليه. ونظير هذا بعينه في التوراة التي أنزلها الله على كليمه موسى: (جاء الله من طور سيناء وأشرق من ساعير وواستعلن من فاران) . فمجيئه من طور سيناء بعثته لموسى بن عمران، وبدأ به على حكم الترتيب الواقع، ثم ثنّى بنبوة المسيح، ثم ختمه بنبوة محمد ﷺ (التبيان ٣٥-٥٥) . وهذا هو الراجح فيما أرى لأن المناسبة بين هذه المحالّ المُقسم بها ظاهرة على هذا. ثم لننظر إلى ترتيب هذه الأشياء المقسم بها: فقد بدأ بالتين والزيتون. والزيتون أشرف وأفضل من التين فقد شهد الله له أنه شجرة مباركة قال تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)) وهي فاكهة من وجه وإدام من وجه وزيتها يُستعمل في إنارة المصابيح والسُرُج.

стр. 422

ثم أقسم بطور سنين وهو أفضل مما ذكر قبل، فإنه الجبل الذي كلم الرب عليه موسى وناجاه وأرسله إلى فرعون وقومه. ثم انظر من ناحية أخرى كيف وضع طور سنين بجوار الزيتون لا بجوار التين، وقد ورد ذكر الزيتون بجوار الطور في موطن آخر من التنزيل العزيز (في ظلال القرآن ٣٠/١٩٠) قال تعالى (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (٢٠)) وهذه الشجرة هي شجرة الزيتون بإجماع المفسرين. قال الواحدي: "والمفسرون كلهم يقولون إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون (فتح القدير ٣/٤٦٣، روح المعاني ١٨/٢٢-٢٣) " ثم أقسم بالبلد الأمين وهو مكة المكرمة: مكان مولد رسول الله ﷺ ومبعثه ومكان البيت الذي هو هدى للعالمين (روح المعاني ٣٠/١٧٣) . وهو أفضل البقاع عند الله وأحبها إليه كما جاء في الحديث الشريف، فتدرّج من الفاضل إلى الأفضل ومن الشريف إلى الأشرف. فأنت ترى أنه تدرج من التين إلى الزيتون إلى طور سنين إلى بلد الله الأمين، فختم بموطن الرسالة الخاتمة أشرف الرسالات. وقد وصف الله هذا البلد بصفة (الأمين) وهي صفة اختيرت هنا اختياراً مقصوداً لا يسدُّ مسدّها وصف آخر. فالأمين وصف يحتمل أن يكون من الأمانة، كما يحتمل أن يكون من الأمن. وكلا المعنيين مُراد. فمن حيث الأمانة وُصف بالأمين لأنه مكان أداء الأمانة وهي الرسالة والأمانة ينبغي أن تؤدى في مكان أمين. فالرسالة أمانة نزل بها الروح الأمين وهو جبريل، وأداها إلى الصادق الأمين وهو محمد، في البلد الأمين وهو مكة. فانظر كيف اختير الوصف ههنا أحسن اختيار وأنسبه. فالأمانة حملها رسول موصوف بالأمانة فأداها إلى شخص موصوف بالأمانة في بلد موصوف بالأمانة. جاء في (روح المعاني) : "وأمانته أن يحفظ من دَخَله كما يحفظ الأمين ما يُؤتمن عليه"

стр. 423

وأما من حيث الأمن فهو البلد الآمن قبل الإسلام وبعده، دعا له سيدنا ابراهيم ﵇ بالأمن قبل أن يكون بلداً وبعد أن صار بلداً فقال أولاً: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)) وقال فيما بعد: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)) فهو مدعو له بالأمن من أبي الأنبياء. وقد استجاب الله سبحانه هذه الدعوة قال تعالى ((فيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)) وقال: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)) . فـ (الأمين) على هذا (فعيل) للمبالغة بمعنى الآمن، ويحتمل أن تكون (الأمين) فعيلاً بمعنى فعول، مثل جريح بمعنى مجروح وأسير بمعنى مأسور أي المأمون، وذلك لأنه مأمون الغوائل (روح المعاني ٣٠/١٧٣، البحر المحيط ٨/٤٩٠، الكشاف ٣/٣٤٨)

стр. 424

جاء في روح المعاني: "الأمين فعيل بمعنى فاعل أي الآمن من أمُن الرجل بضمّ الميم أمانة فهو أمين.. وأمانته أن يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه.. وأما بمعنى مفعول أي: المأمون من (أمنه) أي: لم يَخَفه، ونسبته إلى البلد مجازية. والمأمون حقيقة الناس أي: لا تخاف غوائلهم فيه، أو الكلام على الحذف والإيصال أي: المأمون فيه من الغوائل (روح المعاني ٣٠/١٧٣) ". وجاء في البحر المحيط: "وأمين للمبالغة أي: آمن من فيه ومن دخله وما فيه من طير وحيوان، أو أمُن الرجل بضمّ الميم أمانة، فهو أمين كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه لأنه مأمون الغوائل (البحر المحيط ٨/٤٩٠، الكشاف ٣/٣٤٨) ". وقد تقول: ولم اختار لفظ (الأمين) على (الآمن) الذي تردد في مواطن أخرى من القرآن الكريم؟ قال تعالى (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) القصص) وقال (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) العنكبوت) والجواب: أنه باختياره لفظ (الأمين) جمع معنيي الأمن والأمانة، وجمع معنى اسم الفاعل واسم المفعول، وجمع الحقيقة والمجاز، فهو أمين وآمن ومأمون، وهذه المعاني كلها مُرادة مطلوبة.

стр. 425

ثم انظر إلى جواب القسم وهو قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) التين) كيف تناسب مع المُقسم به تناسباً لطيفاً ولاءمه ملاءمة بديعة. فإنه أقسم بالرسالات على بداية الإنسان ونهايته فقال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)) وهذه بدايته، ثم قال: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)) وهذه نهايته. "ثم لما كان الناس في إجابة هذه الدعوة فريقين منهم من أجاب ومنهم من أبى، ذكر حال الفريقين. فذكر حال الأكثرين وهو المردودون إلى أسفل سافلين (التبيان في أقسام القرآن ٥٥-٥٦) والآخرين وهم المؤمنون الذين لهم أجر غير ممنون. ولما كانت الرسالات إنما هي منهج للإنسان وشريعة له، كان الجواب يتعلق بالإنسان طبيعة ومنهجاً، فذكر طبيعة الإنسان في قوله (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) التين) وذكر المنهج في قوله: (إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)) . وفي هذه إشارة إلى أن المنهج لا بد أن يكون متلائماً مع الطبيعة البشرية غير متناقض لها وإلا فشل. فكان الجواب كما ترى أوفى جواب وأكمله وأنسب شيء لما قبله وما بعده. ثم انظر من ناحية أخرى إلى قوله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) التين) فإنه أسند الخلق إلى نفسه ولم يبنه للمجهول، وذلك أنه موطن بيان عظيم قدريه وحسن فعله وبديع صنعه فأسند ذلك غلى نفسه، وهذا في القرآن خط واضح، فإنه في مثل هذا المقام وفي مقام النعمة والتفضّل يسند الأمر إلى نفسه قال تعالى (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١) الأعراف) .
следующие страницы →