← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8312

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 108 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إذا كان التعبير يحتمل تقدير أكثر من حرف يُحذف للتوسع في المعنى وعندما لا يحتمل إلا حرفاً بعينه فيكون في مقام التوكيد أو التوسع وشموله. (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ ) ذكرت اللام في كلمة (ليعلم) وحذفت في كلمة (يتّخذ) الآية الأولى نزلت بعد معركة أحد (ليعلم الله الذين آمنوا) غرض عام يشمل كل مؤمن ويشمل عموم المؤمنين في ثباتهم وسلوكهم أي ةما يتعلق به الجزاء ولا يختص به مجموعة من الناس فهو غرض عام إلى يوم القيامة والله عليم وهذا علم يتحقق فيه الجزاء. أما في قوله (ويتخذ منكم شهداء) ليست في سعة الغرض الأول فالشهداء أقل من عموم المؤمنين. وكذلك في قوله تعالى في سورة آل عمران: (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾ ) ذكرت في (ليمحص) ولم تذكر في (يمحق) . غرض عام سواء في المعركة (أحد) أو غيرها لمعرفة مقدار ثباتهم وإخلاصهم وهو أكثر اتساعاً وشمولاً من قوله تعالى (ويتخذ منكم شهداء) ويمحق الكافرين ليست بسعة (ليمحص الله) لم تخلو الأرض من الكافرين ولم يمحقهم جميعاً زوال الكافرين ومحقهم على وجه العموم ليست الحال وليست بمقدار الغرض الذي قبله. (ليعلم الله) غرض كبير متسع وكذلك قوله تعالى (ليمحص الله) إنما قوله تعالى (يتخذ منكم) و (يمحق الكافرين) فالغرض أقل اتساعاً لذا كان حذف الحرف (لام) . أما في قوله تعالى في الآية ١٥٤ من سورة آل عمران: (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هنا الغرضين بدرجة واحدة من الإتساع ولهذا وردت اللام في الحالتين. مثال آخر:

стр. 527

في آية الوضوء في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾ ) اللام وردت في الفعلين: (ليطهركم) (وليُتِمَّ) ، وفي سورة الفتح (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ﴿٢﴾ ) ذكر اللام في فعل (ليغفر) وحذف في (يُتمّ) و (يهديك) . والفرق بين الآيتين في سورة المائدة وسورة الفتح أن (ليتم نعمته) في آية الوضوء في سورة المائدة الكلام هنا في أصول الدين وتمامه وهذه الآية هي آية الوضوء والغُسل وهي عامة للمؤمنين وتشملهم إلى يوم القيامة والنعمة عامة واسعة وتشمل الكثير. أما في آية سورة الفتح (ويتم نعمته) فالخطاب هنا للرسول ﷺ وهي خاصة به وليست عامة للمؤمنين وهي ليست في أصول الدين. مثال آخر:

стр. 528

في سورة الأحزاب (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴿٧٢﴾ لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿٧٣﴾ ) ذكرت اللام مع فعل (ليُعذّب) وحذفت مع فعل (ويتوب) وقد قدّم تعالى عذاب المنافقين وأخّر التوبة للمؤمنين لأن سياق الآيات كان في المنافقين، أما في الآية (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴿٢٣﴾ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿٢٤﴾ ) ذكرت اللام مع فعل (ليجزي) وحذفت مع فعل (يعذّب) وهنا بدأ بالمؤمنين أولاً وذكر معهم اللام ثم ذكر المنافقين بدون لام بمعنى أنه قدّم جزاء المؤمنين وأخّر عذاب المنافقين، ولم يذكر المشيئة في الآية الأولى وذكرها في الآية الثانية وذكر احتمال التوبة في الثانية ولم تذكر في الأولى، وفي آخر السورة ذكر المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أما في الآية الثانية لم يذكر فيها إلا المؤمنين والمنافقين ولم يلحق معهم المنافقات والمؤمنات. وفي الآية الأولى لم يؤكّد المغفرة (وكان الله غفوراً رحيما) بينما أكدها في الثانية (إن الله كان غفوراً رحيما) والسبب في ذلك الأصل الأول في سياق الآيات والسياق هو أكبر وأهم القرائن. السياق في الآيات الأولى بدأ بتعذيب المنافقين والمنافقات وأخّر التوبة وهذا أصل السياق في الآيات (وإن لم ينته المنافقين) إلى أن ينتهي بهذه الآية

стр. 529

الأخيرة أي أن أصل السياق في الآيات على المنافقين وليس على المؤمنين لذا قدّم عذابهم وأكده ولم يذكر المؤمنين. أما في الآية الأخرى فنزلت حسب سياق الآيات في المؤمنين الصادقين (وصدقوا الله ورسوله) السياق مختلف تماماً نا وهو في المؤمنين لذا قدّمهم وأكرمهم وأخّر المنافقين ونزع اللام تماماً عكس الآية الأولى. وضع احتمال التوبة في الآية الثانية (ليجزي الله الصادقين بصدقهم) والكلام ليس للمؤمنين وإنما للصادقين منهم وسبب ذكر التعليق بالمشيئة في الآية الثانية ووضع احتمال التوبة لأن الآيات جاءت بعد وقعة الأحزاب لذا فتح مجال التوبة والدخول في الإيمان يفتح للمنافقين باب التوبة لذا جاءت (يعذّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) لأنهم ما زالوا في الدنيا أما الآية الأولى فهي في الآخرة (يوم تُقلّب وجوههم في النار) الكلام هنا في الآخرة ولم يكن هناك مجال للتوبة أو المشيئة ولم يفتح لهم باب الأمل في التوبة ولم يُعلقها بالمشيئة. في آية الدنيا (إن الله كان غفوراً رحيما) أكّد المغفرة ليفتح للمنافقين باب التوبة والدخول في الإسلام حتى يغفر الله للعبد كل ما تقدّم. أما في آية الآخرة فلم يؤكّد ذلك فقال تعالى (وكان الله غفوراً رحيما) بدون توكيد. وتوكيد المشيئة واحتمال التوبة يقتضي توكيد المغفرة. أما ذكر المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات والمؤمنين والمؤمنات ولم ترد في الآية الثانية وهذه في وقعة الأحزاب والوقعة هي للرجال لذا لم يرد ذكر النساء. أما العذاب في الآخرة فيطال الجميع ذكراناً وإناثاً فكلهم يطالهم العذاب أما الجزاء فيكون بخلاف ما ذُكر في وقعة الأحزاب عندما ذكر ما يخص الرجال (الصادقين بصدقهم) ولم يقل الصادقات ذلك لأن الموطن يقتضي ذلك. مثال آخر:

стр. 530

في سورة البقرة (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾ ) التبشير هنا يأتي بحرف الباء كما في قوله تعالى: (وبشرناه بإسحق) ، فعندما ذكر المؤمنين (بشّرهم أن لهم الجنة) ولم يقل (بأن لهم الجنة) أما في سورة النساء (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴿١٣٨﴾ ) . ففي هذه الآية أكّد بالباء في (بأنّ) لأنه أكّد وفصّل العقوبات وعذابات الكافرين والمنافقين في الآيات التي تسبقها فالسياق كله في تأكيد وتفصيل للعذاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ﴿١٣٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴿١٣٧﴾ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴿١٣٨﴾ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً ﴿١٣٩﴾ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي

стр. 531

جَهَنَّمَ جَمِيعاً ﴿١٤٠﴾ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴿١٤١﴾ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴿١٤٢﴾ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴿١٤٣﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً ﴿١٤٤﴾ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴿١٤٥﴾ ) والمنافقين في الدرك الأسفل من النار. أما في سورة البقرة فلم يأتي بأي تفصيل فهي آية موجزة والسياق في الآيات الكلام على المؤمنين لذا الإيجاز اقتضى الإيجاز في الحديث وعدم ذكر التوكيد بالباء. (أنّ لهم الجنة) الحذف في القرآن الكريم يتعلق بأمرين: أولاً: في مقام التفصيل والإيجاز كما في قوله تعالى في سورة البقرة (وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾ )

стр. 532

وفي سورة الأحزاب: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً ﴿٤٧﴾ ) . ذكرت الباء مع المؤمنين في حين حذفت في آية سورة البقرة. آية سورة البقرة هي آية مفردة في المؤمنين لم يسبقها أو يليها ما يتعلّق بالمؤمنين، أما آية سورة الأحزاب فسياقها في ذكر المؤمنين (يا أيها الذين آمنوا) إلى قوله تعالى (وبشر المؤمنين) فاقتضى السياق والتفضيل ذكر الباء في آية سورة الأحزاب. ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ ﴿٨٣﴾ ) ذكرت الباء مع (بالوالدين) وحذفت مع كلمة (ذي القربى) أما في سورة النساء (وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴿٣٦﴾ ) فقد ذكرت الباء مع الوالدين ومع ذي القربى. وذلك لأن السياق في سورة النساء والكلام عن القرابات من أول السورة إلى آخرها وليس فقط في الآية التي بين أيدينا. إذن ذكر الباء مع ذي القربى في هذه الآية من سورة النساء كان لمراعاة التفضيل والتوكيد. أما في آية سورة البقرة فليس السياق في القرابات فحذفت الباء في (ذي القربى) مراعاة للإيجاز. مثال آخر:

стр. 533

في سورة آل عمران (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿١٨٤﴾ ) حذف الباء مع كلمة (الزبر) وكلمة (الكتاب) أما في سورة فاطر (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿٢٥﴾ ) ذكر الباء مع كلمتي الزبر والكتاب. المقام في سورة فاطر مقام التوكيد والتفصيل بخلاف ما ورد في سورة آل عمران، والكلام في سورة فاطر للتوكيد والتفصيل في مقام الإنذار والدعوة والتبليغ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴿١٨﴾ ) إلى قوله تعالى (إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ﴿٢٣﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴿٢٤﴾ ) فالسياق إذن في الإنذار والدعوة والتبليغ ويستمر السياق في الكلام عن الذين يستجيبون والذين لا يستجيبون وأن هذه الكتب التي ذكرت في الآية هي كتب الإنذار (الزبر، الكتاب المبين، البينات) . أما في سورة آل عمران فالآية تعقيب على محادثة تاريخية معينة (الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىَ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿١٨٣﴾ ) فالمقام هنا مقام حادثة معينة وليس في سياق الآيات فاختلف الأمر هنا ولهذا حذفت الباء لأنه مناسب للإيجاز.

стр. 534

سورة فاطر فيها مقام التوكيد ومقام التفصيل: مقام التوكيد في سورة فاطر: (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿٢٥﴾ ) وجاء بصيغة الفعل المضارع في (يكذبوك) للدلالة على الإستمرارية وفيه التصديق والتكذيب مستمران (هو فعل شرط مضارع) أما في سورة آل عمران فقد جاء الفعل ماضياً (فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَآؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿١٨٤﴾ ) وهذه قاعدة في القرآن إذا كان فعل الشرط مضارعاً دلّ على استمرارية الحدث وإذا كان فعل الشرط ماضياً فهو يدلّ على الحدوث مرة واحدة. وذكر تاء التأنيث في سورة فاطر (وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴿٢٥﴾ ) يفيد التوكيد أيضاً أما في سورة آل عمران فجاءت الآية () والتذكير يدل على الكثرة كما في قوله تعالى (وقال نسوة في المدينة) فعل يدل على القلّة بصيغة التذكير. وكذلك قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا) دلالة على الكثرة فجاء الفعل مؤنثاً بتاء التأنيث. وعليه ففي سورة فاطر الآية (جاءتهم رسلهم) تدل على كثرة الرسل في سورة فاطر أما في سورة آل عمران فالتذكير يفيد أن الحادثة وقعت مرة واحدة. مقام التخصيص في سورة فاطر: في سورة آل عمران الفعل مبني للمجهول (كُذّب رسل) في حين في سورة فاطر ذكر الفاعل (كذب الذين من قبلهم) وقال تعالى في سورة فاطر (جاءتهم رسلهم) بذكر الفاعل الظاهر أما في سورة آل عمران فقال تعالى (جاءوا) بدون ذكر الفاعل الظاهر. إذن ذكر الباء مع كل معطوف في سورة فاطر وحذف الباء مع المعطوف في سورة آل عمران وكل ما سبق ذكره في سورة فاطر وآل عمران يقتضي ذكر الباء في آية سورة فاطر وحذفها في آية سورة آل عمران.

стр. 535

مثال آخر: قال تعالى في سورة يوسف: (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴿٨٥﴾ ) . من الناحية اللغوية معناها تالله لا تفتأ، إذا كان جواب القسم فعل مضارع لا بد أن يكون باللام مع النون (تالله لأكيدنّ) أو مع اللام إذا اقتضى حذف النون. لا بد في جواب القسم المثبّت أن تُذكر اللام سواء مع النون أو بدونها. وعندما لا تذكر اللام يدلّ على النفي. إذن لا يكون مثبتاً إلا بذكر اللام مع الفعل المضارع. فإذا قلنا (والله أذهب) معناها والله لا أذهب. إذا جاء جواب القسم فعلاً مضارعاً ولم يقترن باللام فهو نفي قطعاً. نعود إلى آية سورة يوسف (تالله تفتأ تذكر يوسف) ومعناها لا تفتأ، هي الآية الوحيدة التي وقعت في جواب القسم منفيّة ولم يذكر اللام معها، في عموم القرآن عندما يكون القسم منفياً يأتي باللام (وأقسموا بالله جهد أيمانهم..لا يبعث) . هناك خياران: ذكر اللام أو حذف اللام. فلماذا حذف اللام في آية سورة يوسف ولم يقل (تالله لا تفتأ) الذكر يفيد التوكيد والحذف في ما عُلم معناه هو أقلّ توكيداً. وفي الآية استخدم كلمة (حرضاً) ومعناها الذي يمرض مرضاً شديداً ويهلك. ومعنى الآية أن إخوة يوسف أقسموا أن أباهم سيظلّ يذكر ابنه يوسف حتى يهلك أو تفسد صحته. لكن هل هذا مقام توكيد؟ وهل يمكن أن يقسم أحد على هذا الأمر المستقبل؟ طبعاً هذا ليس بمقدورهم ولا يعلمون ماذا سيحدث فيما بعد لذا فالمقام ليس مقام توكيد أصلاً. القسم هنا غير واقع حقيقة وغير متيقن لذلك وجب حذف حرف النفي (لا) مع أنه معلوم بالدلالة.

стр. 536

إذن لماذا اختار (تفتأ) ؟ تفتأ من فعل فتأ بمعنى لا تزال ولا تبرح ولا تنفك ولا تفتأ وكلها تفيد الإستمرار والدوام. إذن لماذا اختار (تفتأ) مع العلم أن القرآن استخدم لا أبرح في مواقع كثيرة؟ برح من المغادرة ويوال من الإستمرارية أما تفتأ فهي تختلف بدلالة خاصة فهي تأتي بمعنى سكّن وبمعنى نسي وبمعنى أطفأ النار، وقد اختار تعالى كلمة (تفتأ) لأن المعنى المطلوب يحتمل كل معاني كلمة تفتأ: نار الحرقة لا تنطفيء في قلب يعقوب ﵇ ثم معنى لا تنسى مع مرور الزمن كما يحدث لأي مبتلى في مصيبة فالزمن يُنسي المصائب أي لا تنسى ذكر يوسف ولا تزال تذكره، وبمعنى سكّن أي أنت لن تسكن ولن تكف عن ذكره لذا اختار تعالى هذه الكلمة (تفتأ) دون أخواتها لأنها أنسب فعل يجمع المعاني الثلاثة المقصودة وإضافة إلى ذلك حذف حرف النفي الذي لا يدل على التوكيد فالكلام في الآية غير متيقن. مثال آخر: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾ ) سورة البقرة، حذف الفاء (لهم) (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٤﴾ ) سورة البقرة ذكر الفاء في كلمة (فلهم) الآية الأولى حذفت فيها الفاء (لهم أجرهم) والثانية ذكرت فيها الفاء (فلهم أجرهم) وقد ذكرت في الآية الثانية لأن السياق يقتضي الذكر. وذكر الفاء هنا يسمى تشبيه والتشبيه من أغراضه التوكيد (بالليل والنهار سراً وعلانية) فيها توكيد وتفصيل في الإنفاق ودلالة على الإخلاص فاقتضى السياق زيادة التوكيد لذا جاء بالفاء في مقام التوكيد والتفصيل.

стр. 537

الفاصلة القرآنية من حيث المعنى لا يراد بالفاصلة القرآنية مراعاة الحروف وإنما يراد المعنى قبل ذلك ويلتقي الحرف بالمشابهة اللفظية مع المعنى. وأحياناً لا يراعي القرآن الكريم الفاصلة بل قد تأتي مغايرة عن غيرها وهذا دليل على أن المقصود بالدرجة الأولى هو المعنى. في سورة طه مثلا: تأتي الآية (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴿٧٨﴾ ) مغايرة للفاصلة القرآنية في باقي آيات السورة (تزكى، يخشى، هدى) لأن المقصود الأول هو المعنى. وكذلك في سورة الأنبياء الآية (قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ ﴿٦٦﴾ ) مغايرة لباقي آيات السورة (يشهدون، ينطقون، تعقلون) وليس لها ارتباط بما قبلها وبعدها. ومثال آخر في سورة الإنشقاق الآية (إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ﴿١٤﴾ ) فلو قال (يحورا) لتغيّر المعنى وفي هذا دلالة على أن القرآن يراعي المعنى قبل مراعاة الناحية اللفظية.

стр. 538

في أول سورة الأحزاب (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴿٣﴾ مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ﴿٤﴾ ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ﴿٥﴾ ) جاءت كلمة (السبيل) في آخر الآية ٤ بينما جاء ما قبلها وبعدها بالألف، وفي أواخر سورة الأحزاب (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿٦٦﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿٦٧﴾ ) جاءت كلمة السبيلا بالألف، والكلام في هذه الآيات عن هؤلاء في النار ويمدون أصواتهم في النار و (الرسولا) بالألف هو صوت الباكي أما في أول السورة فبليس هناك عذاب فجاءت على حالها (السبيل) وليست السبيلا، تصور الحالة الطبيعية من اصطراخ فجاءت الألف تعبيراً عن حالهم وهم يصطرخون في النار في كلمة (الرسولا) في أواخر السورة. مثال آخر: (وتظنون بالله الظنونا) تسمى الألف في النحو (ألف الإطلاق) كلمة ظنون إذا انتهت بساكن يسمى مقيّد. الظنونا كثير ومتشعبة واختلفوا وتشابكوا فاختلفت الظنون ولذا جاءت بالإطلاق (الظنونا) وجب استخدام الألف لإطلاق الظنون. مثال آخر:

стр. 539

في سورة الحاقّة (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ ﴿١٩﴾ ) من الناحية اللغوية هناك قاعدة التي فيها ياء المتكلم يجوز فيها الفتح والسكون (كتابي وكتابيه) من سكّن الياء يقول (كتابي) ومن فتح الياء يقول (كتابيه) . الفاصلة القرآنية من حيث المعنى (ماليه، حسابيه، كتابيه، سلطانيه) لماذا جاءت الهاء؟ هذا الكلام يقال في يوم الحشر وهو يوم ثقيل كما أخبرنا ووصفه بيوم عسير وأنه عبوس قمطرير والناس في ذلك اليوم يبقون خمسين ألف سنة في هذه الشدة حتى يفزعون إلى الأنبياء. والهاء أشبه بالنهاة (المتعبين) تصور المشهد الذي هم فيه جميعاً من تعب وعناء فاختارها سبحانه لمراعاة الموقف الذي هم فيه كما اختار الألف في البكاء سابقاً. إذن استخدام حرف الهاء في فواصل هذه السورة يدل على التعب والعناء والألم والهاء مأخوذة من الآه. الفاصلة القرآنية من حيث المحور النفسي: قال تعالى (وأضل فرعون قومه وما هدى) سورة طه. قال النحاة أنها جاءت مراعاة للفاصلة، ولكن كان من الممكن قول (وما هداهم) لكن فرعون أضلّ قومه لأنه غيّبهم في البحر إذن هو أضلهم وما هداهم. (وما هداهم) تحتمل أن يكون قد هدى غيره قومه أما (ما هدى) ففيه إطلاق نفي الهداية بمعنى أنه لم يهدي قومه ولا غيرهم ولم يكن أبداً سبباً في هداية أحد. ولذا جاء اختيار الكلمة المناسبة للآية بدون مراعاة الفاصلة في باقي آيات السورة لأن المعنى أهم ويُقدّم على الفاصلة.

стр. 540

مثال آخر في سورة الضحى: (ما ودّعك ربك وما قلى) : نفى تعالى في هذه الآية شيئين: نفي التوديع وهو لا يكون إلا بين الأحباب والأصحاب، ونفى القلى الذي لا يكون إلا للمتباغضين. وقد يسأل البعض لم لم يقل تعالى (وما قلاك) كما قال (ما ودعك) والحقيقة أنه في الأمر المحبوب نفى الله تعالى بقوله (ما ودعك) باستخدام ضمير المخاطب لأنه الرسول ﷺ وفيه تكريم له بذكر حرف المخاطب أما في قوله (وما قلى) فلا يصح استخدام (قلى) بين المحبين وقد كرّم تعالى رسوله ﷺ عن أن يكون من المبغوضين فلم يقل (وما قلاك) حتى لا يكون الخطاب مباشرة للرسول ﷺ من ربه الذي يحبه ولا يقليه واستخدام فعل قلى لا يليق أن ينسب للرسول ﷺ . فجاء التكريم في هذه الآية من الله تعالى لرسوله في ذكر المفعول به بـ (ما ودعك) وتكريم بعدم ذكره بـ (ما قلى) فكرّمه بالذكر وبالحذف. كذلك في سورة المدثّر لا يمكن أن تكون الفاصلة منفصلة عن المعنى فلو اقتضى المعنى ترك الفاصلة تركها فالمعنى يأتي أولاً في عموم القرآن وتلتقي الفاصلة مع المعنى. وقد تكون الفاصلة والمعنى غير منتهي. ليست الفواصل هي دائماً تامة المعنى فقد تكون متعلقة بما قبلها أوما بعدها. كما في قوله تعالى في سورة العلق (أرأيت الذي ينهى * عبداً إذا صلّى) وقال تعالى في سورة الرحمن (مدهامّتان) الآيات ليست وحدات مستقلة المعنى قد تكون تامة وقد تكون متعلقة بما قبلها أو بعدها. في سورة طه الآية (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴿٧٠﴾ ) وفي سورة الشعراء الآية (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ﴿٤٨﴾ ) لماذا التقديم والتأخير وهل هو للفاصلة القرآنية؟

стр. 541

تكرر ذكر هارون كثيراً في سورة طه (أربع مرات) ، والخطاب موجه إلى موسى وهارون دائماً إذن القصة في سورة طه مبنية على الثنائية، وفي سورة طه أيضاً أدرك موسى الضعف البشري كما أدرك أبو البشر آدم ﵇ (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى ﴿٦٧﴾ ) ولم يذكر الخيفة لهارون أما في سورة الشعراء فقد ورد ذكر هارون مرتين فقط والخطاب في السورة كان موجهاً إلى موسى وحده في كل السورة فهي مبنية على الوحدة في الغالب وقد أورد تعالى في سورة الشعراء عناصر القوة في موسى ولم يذكر عناصر الضعف ولهذا السبب اختلف السياق واقتضى التقديم والتأخير كما جاء في آيات كل من السورتين. وهناك أمر آخر في سورة طه (طه) فيها حرف من حروف هارون وليس فيها حرف من حروف موسى (وكل سورة تبدأ بالطاء تحوي قصة موسى- ﵇) أما سورة الشعراء (طسم) ففيها حرفين من حروف موسى وليس فيها حرف من حروف هارون.

стр. 542

موضوع التشابه والإختلاف في القرآن الكريم قد يتغير في الآية كلمة من سياق إلى سياق ومن سورة إلى سورة. وردت قصة سيدنا موسى في سور متعددة في القرآن الكريم وبين قصة موسى ﵇ في سورة البقرة وقصته في سورة الأعراف تشابه واختلاف في الألفاظ كما هو حاصل في كلمتي (انفجرت) و (انبجست) . فقد يحصل اختلاف في التعبير أحياناً في مكان عن مكان أو في قصة عن قصة فلماذا الإختلاف؟ الحقيقة أنه ليس في القرآن الكريم اختلاف في القصة وإنما يختلف التعبير عن مشهد من مشاهد القصة بين سورة وسورة لأن كل سورة تأتي بجزئية من القصة نفسها تتناسب وسياق الآيات في السورة التي تذكر فيها. فالمشاهد ملها وقعت للقصة نفسها ولا تختلف في الفحوى والحقيقة. ولعل من أبرز الأمثلة على هذا التشابه والإختلاف ما جاء في سورتي البقرة والأعراف في قصة موسى ﵇ مع بني إسرائيل. سورة البقرة: (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ ) سورة الأعراف: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٠﴾ ) . فقد جاء في سورة البقرة (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ ) وجاء في سورة الأعراف (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿١٦٠﴾ ) .

стр. 543

والسؤال ماذا حدث فعلاً هل انفجرت أو انبجست؟ والجواب كلاهما وحسب ما يقوله المفسرون أن الماء انفجرت أولاً بالماء الكثير ثم قلّ الماء بمعاصيهم وفي سياق الآيات في سورة البقرة الذي يذكر الثناء والمدح والتفضّل على بني إسرائيل جاء بالكلمة التي تدل على الكثير فجاءت كلمة (انفجرت) أما في سورة الأعراف فالسياق في ذمّ بني إسرائيل فذكر معها الإنبجاس وهو أقلّ من الإنفجار وهذا أمرٌ مشاهد فالعيون والآبار لا تبقى على حالة واحدة فقد تجفّ العيون والآبار فذكر الإنفجار في موطن والإنبجاس في موطن آخر وكلا المشهدين حصل بالفعل. وبعضهم قال جاء بالفاء للترتيب والتعقيب في (فانفجرت) و (فانبجست) وهذه الفاء تُسمّى فاء الفصيحة وهناك عطف والعطف قد يكون أكثر من معطوف عليه. (فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنا) لم يقل (فضرب) كذلك في قوله تعالى (فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذّبوا) هل ذهبا أم لم يذهبا؟ ولم يفصّل في الآيات هل أبلغا أم لم يبلغا؟ وهذه الفاء إذن هي فاء الفصيحة التي تدلّ على أن هناك محذوف ولكن المعنى واضح فهي أوضحت معاني متعددة. وقد تكرر استخدام هذه الفاء في مواطن عديدة في القرآن الكريم منها في قوله تعالى في سورة الإسراء (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ﴿١٦﴾ ) وفي قصة سليمان في سورة النمل (اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾ قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ ) كان في القصة إيجاز وحذف لكن هذا لم يمنع وضوح المعنى فالمفروض أن الهدهد أخذ الكتاب وذهب به وألقاه عند بلقيس وانتظر لكن بعض هذه المشاهد حذف مع بقاء المعنى واضحاً.

стр. 544

نعود لاستعمال (انفجرت) و (انبجست) في سورتي البقرة والأعراف وإذا لاحظنا سياق الآيات في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٨﴾ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿٥٩﴾ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾ ) أما سياق الآيات في سورة الأعراف (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٦١﴾ ) يمكن ملاحظة ما يأتي: سورة الأعراف ... سورة البقرة

стр. 545

السياق في ذكر ذنوبهم ومعاصيهم والمقام مقام تقريع وتأنيب لبني إسرائيل (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴿١٣٨﴾ ) والفاء هنا تفيد المباشرة أي بمجرد أن أنجاهم الله تعالى من الغرق أتوا على قوم يعبدون الأصنام فسألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً مثل هؤلاء القوم. ... سياق الآيات والكلام هو في التكريم لبني إسرائيل فذكر أموراً كثيرة في مقام التفضيل والتكرّم والتفضّل (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿٤٩﴾ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿٥٠﴾ ) و (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ ) فموسى هو الذي استسقى لقومه (إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) ... قوم موسى استسقوه فأوحى إليه ربه بضرب الحجر (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ) وفيها تكريم لنبيّ الله موسى ﵇ واستجابة الله لدعائه. والإيحاء أن الضرب المباشر كان من الله تعالى. (كلوا من طيبات ما رزقناكم) لم يذكر الشرب فجاء باللفظ الذي يدل على الماء الأقلّ (انبجست) ... (كلوا واشربوا) والشرب يحتاج إلى ماء أكثر لذا انفجرت الماء من الحجر في السياق الذي يتطلب الماء الكثير

стр. 546

لم يرد ذكر الأكل بعد دخول القرية مباشرة وإنما أمرهم بالسكن أولاً (اسكنوا هذه القرية وكلوا) ... جعل الأكل عقب الدخول وهذا من مقام النعمة (ادخلوا هذه القرية فكلوا) الفاء تفيد الترتيب والتعقيب. لم يذكر رغداً لأنهم لا يستحقون رغد العيش مع ذكر معاصيهم. ... (رغداً) تذكير بالنعم وهم يستحقون رغد العيش كما يدلّ سياق الآيات. (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجداً) لم يبدأ بالسجود هنا لأن السجود من أقرب ما يكون العبد لربه وهم في السياق هنا مبعدين عن ربهم لمعاصيهم. ... (وادخلوا الباب سجّداً وقولوا حطة) بُديء به في مقام التكريم وتقديم السجود أمر مناسب للأمر بالصلاة الذي جاء في سياق السورة (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ ) والسجود هو من أشرف العبادات. (نغفر لكم خطيئاتكم) وخطيئات جمع قلّة وجاء هنا في مقام التأنيب وهو يتناسب مع مقام التأنيب والذّم في السورة. ... (نغفر لكم خطاياكم) الخطايا هم جمع كثرة وإذا غفر الخطايا فقد غفر الخطيئات قطعاً وهذا يتناسب مع مقام التكريم الذي جاء في السورة. (سنزيد المحسنين) لم ترد الواو هنا لأن المقام ليس فيه تكريم ونعم وتفضّل. ... (وسنزيد المحسنين) إضافة الواو هنا تدل على الإهتمام والتنويع ولذلك تأتي الواو في موطن التفضّل وذكر النعم. (الذين ظلموا منهم) هم بعض ممن جاء ذكرهم في أول الآيات ... (فبدّل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم) (فأرسلنا) أرسلنا في العقوبة أشدّ من أنزلنا، وقد تردد الإرسال في السورة ٣٠ مرة أما في البقرة فتكرر ١٧ مرة ... (فأنزلنا على الذين ظلموا) (بما كانوا يظلمون) والظلم أشدّ لأنه يتعلّق بالضير ... (بما كانوا يفسقون)

стр. 547

وقد ورد في القرآن الكريم مواضع أخرى عديدة جاء فيها التشابه بين قصتين مع اختلاف في اختيار الألفاظ بما يتناسب مع السياق والمهم أن نعلم أن كل المشاهد من القصة قد حصلت بالفعل ومثال على ذلك ما جاء في سورة البقرة (وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴿٨٠﴾ ) وسورة آل عمران (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿٢٤﴾ ) فنسأل هل قالوا أياماً معدودة أو أياماً معدودات؟ معدودات جمع قلّة وهي تفيد القلّة أما معدودة فهي جمع كثرة وهي أكثر من معدودات (والقاعدة العامة أنه إذا وصفنا الجمع غير العاقل بالمفرد فإنه يفيد الكثرة) ومثال ذلك (أنهار جارية) و (أنهار جاريات) الجارية أكثر من حيث العدد من الجاريات وأشجار مثمرة أكثر من مثمرات وجبال شاهقة أكثر من شاهقات. فماذا قالوا بالفعل؟ إنهم قالوا الإثنين معاً ففي سورة البقرة لمّا ذُكّروا بما فعلوه من آثام (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ ) قالوا معدودة فهم يحرّفون الكلم بعدما عقلوه وهناك أمور عديدة يعرفون بها ويذكرونها وقال تعالى يتوعدهم (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ﴿٧٩﴾ ) فجاء ردّهم (أياماً معدودة) ، أما في سورة آل عمران (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ

стр. 548

إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٢٣﴾ ) لم يكن هناك تذكير بالأفعال والتوعّد بالحساب فلما ذُكّروا بها قالوا أياماً معدودات لأن الآثام التي ذُكروا بها أقلّ. ومنهم من يقول أن قسماً قالوا (أياماً معدودة) والقسم الآخر قال (أياماً معدودات) . (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٧﴾ ) سورة النمل. (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٢٩﴾ ) سورة القصص. ومثال آخر على التشابه والإختلاف في القرآن الكريم ما جاء في سورتي النمل والقصص في قصة موسى ﵇ أيضاً ففي سورة النمل قال تعالى (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٧﴾ ) وفي سورة القصص قال تعالى (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿٢٩﴾ ) الخط البياني في السورتين متسع ولكن ندرسه من ناحية التشابه والإختلاف لأن بينهما اختلافات عدة.

стр. 549

أولاً في سورة النمل جاء بالسين في (سآتيكم) والسين تفيد التوكيد، أما في القصص فجاء بـ (لعلّي آتيكم) وهي للترجّي. فماذا قال موسى لأهله هل قال ترجّى أم قطع؟ هل قال أحدهما أم ماذا؟ الحقيقة أن هذا يحصل في حياتنا يقول أحدنا سآتي اليوم لعلي أستطيع بمعنى (أقطع ثم أترجّى) والمشهد نفسه هو الذي يفرض الترجي أو القطع. قد نقطع ثم يأتي أمور تحول دون ذلك فنقول لعلّي للترجي أو العكس لكن يبقى لماذا الإختيار أي اختيار الترجي في سورة والقطع في سورة أخرى؟ المقام كله في سورة النمل مبني على القطع والقوة والتمكين أما سورة القصص فهي مبنيّة على الخوف من قبل ولادة موسى. وقد قال تعالى في سورة النمل (أو آتيكم بشهاب قبس) وهذا في مقام القطع لأن الشهاب هو شعلة من النار والشهاب أنفع في الدفء والإستنارة، أما في القصص فقال تعالى (أو جذوة من النار) والجذوة ليس بالضرورة أن يكون فيها نار وهذا أنسب لجو وسياق السورة المبني على الخوف. وهناك اختلافات كثيرة أخرى بين السورتين، لكن المهم القول أن موسى ﵇ قال التعبيرين لكن اختيار كل تعبير في مكانه يناسب المقام والسياق التي ورد فيه التعبيرين. ونسأل هل قال موسى هذا الكلام حقاً أم الآيات هي عن رب العالمين؟ نقول أن القرآن هو ترجمة للأحداث والأقوال لكن مصوغ صياغة فنّية عالية وهو أدق ترجمة فنية للأحوال وكلها صحيحة مائة في المائة وبتعبيرات مناسبة للسياق. وقد نقرأ ترجمات من لغات أخرى في نفس الموضوع وكل ترجمة تختلف عن الأخرى بحسب الذي يترجم ولأن الفحوى واحد وهذه الترجمات ليست كلها بنفس النوعية والدقة والبلاغة. فعلى سبيل المثال بدل أن نقول لشخص ما أكبر منا سنّاً أنه فاجر نقول له مسرف فنختار الصيغة التي تليق بالمقام وبدل أن نقول متهور نقول مسرع وهكذا.

стр. 550

وكذلك نسأل هل قال برهانان أو تسع آيات؟ قال تعالى في سورة القصص (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴿٣٢﴾ ) أما في سورة النمل فقال تعالى (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ﴿١٢﴾ ) . والجواب أنه قال كلاهما لأن في سورة القصص الأمر لموسى بالذهاب إلى فرعون وملئه أي خاصة مجلسه وهنا ذهب بآيتين هما العصا التي تنقلب حية واليد التي تخرج بيضاء. أما في سورة النمل فالأمر إلى موسى بالذهاب إلى فرعون وقومه وهنا ذكر تسع آيات لأن الحشد أكثر وهو القوم احتاج ذكر أكثر الآيات فجاء ذكر تسع آيات. وأما سبب الإختيار فيعود للقصة ففي سورة القصص قلنا أنها مبنية على الخوف أما في سورة النمل فهي مبنية على القطع والقوّة. سورة الذاريات: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴿٢٥﴾ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾ ) . سورة الحجر: (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ ﴿٥١﴾ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ﴿٥٢﴾ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴿٥٣﴾ ) . فلماذا لم يرد السلام في الحجر ولم يستكمل القصة كما في سورة الذاريات؟ هذا ليس اختلافاً في القصة ولكن اختلاف في ذكر المشاهد للقصة.

стр. 551

في سورة الذاريات قال تعالى (هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين) ذكر المكرمين فذكر ما يقتضي الإكرام وردّ التحية والإكرام، أما في سورة الحجر لم يذكر التكريم فلم يحتاج المقام ذكر ردّ إبراهيم. فقد نقول ذهبنا إلى آل فلان وسلّمنا عليهم وبتنا عندهم ليلة ورجعنا ولم نقل ردّوا علينا السلام وطلبوا منا أن نبقى عندهم فوافقنا ونذكر كل التفاصيل التي حصلت. وقد نذكر في مقام آخر ذهبنا ورحّبوا بنا وأقسموا أن نبات عندهم وأصروا أن نُفطر عندهم (وفي هذا وصف دقيق حسب المقام ولم نقل سلّمنا عليهم لكن لم يؤثر على المعنى) وإلا كيف رحبوا بنا إذا لم نسلّم عليهم لكن المقام يُحدد ماذا نقول: هل نتحدث عن ضيافتهم أو عن سفرنا نحن؟ نعود إلى الآيات في سورة الذاريات فقد ذكر تعالى المكرمين وكل الأمور المتعلقة بالإكرام ومنها ردّ السلام والمجيء بالعجل وتقديمه لهم. وقد وصف الله تعالى نبيه إبراهيم أنه أوجس منهم خيفة (وهذا شعور في نفسه) أما في سورة الحجر فقال تعالى على لسان إبراهيم ﵇ (إنا منكم وجلون) أي خاطبهم مباشرة ولا نقول في مقام التكريم إني خائف منكم. فكل الأمور حصلت في القصة لكن الله تعالى اختار لكل سورة مشهداً وألفاظ وتعبيرات تناسب سياق الآيات والحالة التي ذكرت فيها فكل قصة في السورتين جاءت بالتعبير المناسب والحالة المناسبة. ونسأل لماذا يكون هذا في اللغة؟ البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال أو السياق. فلا يمكن مثلاً في مقام الفرح أن نأتي بقصيدة حزن كما قال الشاعر في وصف دار دخلها الخليفة لأول مرة (يا دار ما فعلت بك الأيام) وقد عابوا على هذا الشاعر مقولته هذه. فيجب أن نحدد أين المقصود توجيه الكلام؟ فهناك عدة أمور نريد التركيز عليها والقصة الواحدة لها عدة جوانب فأي الجوانب نريد أن نركّز عليها فنأتي بجزئياتها المناسبة لهذا الجانب أو غيره.

стр. 552

وقد حاول المستشرقون أن ينتقدوا القصة في القرآن الكريم فقالوا إنه في قصة موسى ﵇ وردت ١١ آية (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا) فقالوا أنه لو اجتمعت الإنس والجنّ فهم قادرون على أن يأتوا بمثل القرآن ولكنهم جهلوا أن القصة الواحدة في القرآن قد يُعبّر عنها بصور مختلفة لكن اختيار الصورة المعجزة هو اختيار القرآن الكريم وهناك شاعر أمثل من شاعر وقد يعبّرون جميعاً عن نفس المعنى ونفس المشهد. وقد يُصاغ المشهد الواحد بعدة تعبيرات ولكنها ليست كلها بنفس درجة البلاغة والفنّ. ففي قصة موسى ﵇ قد يكتب فيها الكثيرون ولكن ليست كل هذه الكتابات متماثلة من حيث البلاغة والفنّ. فالقرآن لا يمكن أن يدانيه أحد من ناحية البلاغة واللغة والفن وكل تعبير يمكن أن يؤدّى بتعبير آخر فالقرآن فيه معجز وكذلك تحدّى القرآن المشركين أن يأتوا بسورة واحدة ولو كانت قصيرة مثل الكوثر. فلا يمكن صياغة سورة مثل سور القرآن الكريم حتى لو كان المحتوى فالقرآن معجز في هذا وسورة الكوثر وهي من ثلاث آيات فقط فيها من البلاغة والإختيارات العجيبة في التعبير (كما في اللمسات البيانية في سورة الكوثر) . فالمسألة إذن ليست مسألة قال هذا أو ذاك ولكنها ترجمة لما قال موسى ﵇ فهو لمّا دعا ربّه دعاه بكلمات عرفها الله تعالى لأن موسى كان في لسانه عجمة (ولا يكاد يُبين) كما جاء على لسان فرعون والدليل قول موسى (هو أفصح مني لساناً) لما دعا ربه بأن يرسل معه هارون أخوه ولو قال هذا الدعاء شخص آخر لقاله بصيغة مختلفة، وهكذا صيغت العبارات في القرآن الكريم بكلام معجز وهي ترجمة دقيقة لما قاله موسى وإبراهيم ﵇ وغيره من الأنبياء، حتى النقاش بين الرسل وقومهم كما حصل بين موسى وفرعون هي ترجمات دقيقة فنية لما حصل.

стр. 553

التوسّع في المعنى في القرآن الكريم ما هو مفهوم التوسع في القرآن الكريم؟ التوسّع في المعنى هو أن يؤتى بتعبير يحتمل أكثر من معنى وتكون كل هذه المعاني مُرادة وهناك مواطن للتوسع في القرآن الكريم كما سبق شرحه في سورة البلد في معنى كلمة (حِلّ) وقلنا أنها تعني مستحل وحلال ومقيم أو حالّ وهذه المعاني كلها مرادة في الآية. وكذلك في قوله تعالى (فلا اقتحم العقبة) وقلنا أنّ (لا) محتمل أن تكون داخلة على المستقبل أو يراد بها الدعاء أو حرف الإستفهام محذوف أو غيرها. وللتوسع في القرآن الكريم أسباب ومواطن. مواطن التوسّع: * الألفاظ المشتركة: يوجد في القرآن الكريم ألفاظ تشترك في المعنى مثل كلمة (جائر) على سبيل المثال هل هي اسم فاعل من (جأر أو جار) ؟ وكذلك كلمة (سائل) هل هي من سأل أو سال؟ هناك كلمات إذن تحتمل أكثر من معنى كما في كلمة العين يذكر لها أكثر من معنى فهي تحتمل أن تكون الجاسوسة أو عين الماء أو أداة الإبصار. وكذلك تكثر في الحروف مثلاً (ما) هل هي استفهامية أو تعجبية أم ماذا؟ هل هي نافية؟ يمكن أن تقع في تعبيرات تحتمل عدة معاني في آن واحد فإذا أريدت كل هذه المعاني يدخل في باب التوسّع. نقول مثلاً: ما أغفلك عنّا؟ (ما) تحتمل أن تكون استفهامية أو تعجبية فإذا أردنا المعنيين صار توسّعاً. كذلك (إنّ) تكون نافية أو مشبّهة بليس أو ليست مشبّهة بليس كما في قوله تعالى (إن هو إلا رحمة للعالمين) وقوله تعالى (إن أنا إلا نذير) وقوله تعالى (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) وقد تكون (إنّ) شرطية كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وقد تكون (إنّ) مخففة من الثقيلة. وإذا قلنا: هو لا يكذب وإن أُكره على ذلك. قد نفهم أنها شرطية بمعنى لا يكذب حتى لو أُكره، وقد تكون نافية أي لا يكذب ولم يُكره على ذلك فلماذا يكذب؟ هذا هو التوسّع في المعنى بصورة مبسّطة.

стр. 554

وإذا أرنا التوسع في المعنى لا ضرورة عندها لوجود قرينة لأن القرينة هي التي تساعد على تحيد معنى واحد من المعاني المرادة دون غيره. إذن إذا أُريد التوسع لا يؤتى بالقرينة وإذا أردنا تحديد معنى من المعاني يؤتى بالقرينة التي تدل عليه. ونأخذ أمثلة من القرآن الكريم: قال تعالى في سورة القمر (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴿٥٤﴾ ) كلمة (نََهَر) لها دلالات مختلفة منها السَعة في الرزق والمعيشة وفي كل ما تقتضيه السعادة سعة فيه. ومن دلالاتها أيضاً الضياء لأتهم يقولون أن الجنة ليس فيها ليل ومن معاني النَهَر في اللغة أيضاً مجرى الماء. الآية في سورة القمر تحتمل كل هذه المعاني وهي كلها مرادة. ومن الملاحظ في القرآن كلّه أنه حيثما جمع الجنّات جمع الأنهار إلا في هذه الآية، فقد ورد في القرآن قوله تعالى (جنات تجري من تحتها الأنهار) وجود كلمة تجري هنا تدل على أن المعنى المطلوب هو مجرى الماء. وفي آية أخرى قال تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن) وجود (غير آسن) في الآية تفيد جريان الماء لأن الماء لا يأسن إلا إذا في حالة الركود وغير آسن قرينة الجريان. أما في آية سورة القمر جاءت كلمة (نهر) بدون قرينة (في جنات ونهر) وهي وردت في المتقين وهم المؤمنون وزيادة لذا جاء بالنهر وزيادة كما قال المفسرون. والمعنى المُراد في الآية أن المتقين في جنات ونهر بمعنى في ماء وضياء وسعة وقد ورد في الحديث الشريف (الجنة نور يتلألأ وريحانة تهتز قصر مشيد) وهم في سعة من العيش والرزق والمنازل وما تقتضيه السعادة السعة فيه وهذا من التوسّع في المعنى ولم يؤتى بأي قرينة تدل على معنى واحد فلم يذكر تجري أو غير آسن أو أي قرينة أخرى تحدد معنى واحد للنَهَر وإنما كل المعاني مُرادة.

стр. 555

في سورة يوسف قال تعالى على لسان إخوة يوسف مخاطبين أباهم يعقوب (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴿٨٥﴾ ) . استخدمت كلمة (تفتأ) هنا بمعنى لا يزال وهي من أخوات كان (ما انفك، ما برح، ما زال، ما فتيء) ما زال تدل على الإستمرار والدوام (نقول ما زال المطر نازلاً) لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة (تفت) ٩ دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام؟ ونستعرض معنى كلمة فتيء في اللغة: من معانيها (سكّن) بمعنى مستمر لأنه عندما لا يسكن فهو مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضاً نسي (فتئت الأمر أي نسيته) . إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكّن وأطفأ النار ونسي. وفاقد العزيز سكن بمجرد مرور الزمن فمن مات له ميت يسكن بعد فترة لكن الله تعالى أراد أن يعقوب لا ينسى ولا يكفّ بدليل قوله تعالى (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٨٤﴾ ) ، وفاقد العزيز كأنما هناك ناراً تحرق جنبيه ويقال (حرق قلبي) والنار التي بين جنبي يعقوب ﵇ لم تنطفئ مع مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب ﵇، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزّون بالصبر والسلوان. إذن تفتأ جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة. والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يوال) كثيراً في آيات عديدة (ولا تزال تطّلع على خائنة منهم) . ومن الغريب أن القياس أن يُقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعاً كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعاً. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب. وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ (لا) في جواب

стр. 556

القسم إلا في هذا الموطن في القرآن الكريم. فقد ورد قوله تعالى (فلا وربّك لا يؤمنون) لم تحذف الـ (لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ (لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكداً ولم يحصل أصلاً فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكداً عند إخوة يوسف. مثال آخر قوله تعالى في سورة التين (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾ ) ما المقصود بأحكم الحاكمين؟ تحتمل أن تكون من الحُكم أو من القضاء. وقد ورد في القرآن الكريم (ان احكم بينهم بما أنزل الله) تعني القضاء، وقوله تعالى (يقصّ الحقّ وهو خير الفاصلين) بمعنى الحُكم. فهي تحتمل أن تكون من القضاء أو من الحكمة وهي تحتمل أن تكون أقضى القضاة وتحتمل أن تكون أقضى الحكماء، وأحكم القضاة وأحكم الحكماء، فهي إذن جمعت أربع معاني في كل كلمة احتمالين في الحكمة والقضاء. وهذا كله محتمل وجائز وليس هناك قرينة تحدد معنى واحداً من هذه المعاني دون غيره إذن المراد كل هذه المعاني وهذا توسّع في المعنى في باب الألفاظ المشتركة.

стр. 557

* التوسّع في المعنى في الصيغ المشتركة: في العربية أحياناً الصيغة الواحدة يجتمع بها أكثر من معنى مثل صيغة فعيل على سبيل المثال فهي قد تكون للمبالغة مثل (سميع) أو صفة مشبّهة مثل (طويل أو قصير) أو اسم مفعول مثل (قتيل أو أسير) إذن هذه الصيغة تحتمل عدة معاني. ومعروف في اللغة أن اسم المفعول من غير الثلاثي يشترك فيه المصدر واسم المكان واسم الزمان واسم المفعول وأحياناً يشترك فيه اسم الفاعل. مثال كلمة مختار، هل هي اسم اعل؟ لا نعلم ما هي فقد تحتمل أن تكون مصدر بمعنى اختيار أو مكان الإختيار أو زمانه أو اسم فاعل أو اسم مفعول. فإذا قلنا (هذا مختارنا) يحتمل أن يكون هو الذي اخترناه أو اختيارنا أو زمان اختيارنا أو مكان اختيارنا. فالصيغة إذن تكون أحياناً مشتركة فإذا أردنا معاني الصيغ يكون توسع في المعنى وليس هناك قرينة. مثال من القرآن الكريم في سورة القيامة قوله تعالى (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ﴿١٢﴾ ) . ما المقصود بالمستقر؟ هل هو بمعنى إلى ربك الإستقرار أو إلى مشيئته الإستقرار أي لا يستقرون إلى غيره أو هو موضع الإستقرار وهو الجنة أو النار فالله وحده هو الذي يحكم بين العباد، أو هو زمان الإستقرار بمعنى يبقون ما يشاء الله في المحشر ثم يأمر الله تعالى بالقضاء بينهم؟ والمقصود من هذه الآية كل المعاني المحتملة فالإستقرار إليه ومكان وزمان الإستقرار إليه فإليه المستقر إذن هي جمعت ثلاثة معاني: المصدر واسم المكان واسم الزمان وهي كلها مرادة مطلوبة وليس هناك قرينة تصرف إلى أحد هذه المعاني فأصبحت إذن من باب التوسّع في المعنى.

стр. 558

مثال آخر: ما المقصود بكلمة (حكيم) في قوله تعالى في سورة يس (يس والقرآن الحكيم) وقوله تعالى (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) ؟ يحتمل أن تكون بمعنى محكم (اسم مفعول) كما في قوله تعالى (كتاب أُحكمت آياته) (ومنه آيات محكمات) فهو محكم، وقد يكون مبالغة في الحكم لأنه حاكم على غيره ومهيمن على غيره من الكتب والأحكام (مصدقاً لمل بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه) أو هو صفة مشبّهة من الحكمة فهو ينطق بالحكم ويأتي بها. كل هذه المعاني مُرادة ولم يأتي بقرينة تصرف إلى معنى من هذه المعاني وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى. مثال آخر قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمّة) . ما المقصود بكلمة (أمّة) ؟ في اللغة لها احتمالان والمشهور هو أنها الجيل من الناس ولها عنى آخر فهي على وزن فُعلة من أمّ يؤمّ. والفُعلة هكذا هي اسم مفعول له أوزان كثيرة نقول هو سُبّة إذا كان يُسبّ كثيراً أو صُرعة إذا كان يُصرع كثيراً ولُعنة الذي يُلعن كثيراً وضُحكة هو الذي يضحك منه الناس ويُهزأ به. وكذلك لدينا فُعَلَة وهي صيغة مبالغة مثل حُطَمَة وهي اسم فاعل فنقول هو صُرَعة أي الذي يَصرع كثيراً، وهُمَزة الذي يسخر من الناس وضُحَكة هو الذي يضحك من الناس، فما المقصود بأمة في هذه الآية؟ والمقصود أن إبراهيم ﵇ كان عنده من الخير ما عند أمّة أو جيل من الناس وهو أيضاً إمامهم وأمّة من معانيها إمام ومأموم وقد قال تعالى في آية أخرى (إني جاعلك للناس إماما) إذن أمّة في هذه الآية فيها احتمالين أن عنده من الخير ما عند جيل من الناس وهو يؤمّ الناس وإمام لهم ولو قال إمام لنصّ على معنى واحد دون الآخر لكن اختيار كلمة (أمّة) تدل أن المقصود والمُراد هو المعنيين لهذه الكلمة فصار هذا اتساعاً في المعنى.

стр. 559

مثال آخر قوله تعالى في سورة البقرة (ولا يُضارّ كاتب ولا شهيد) ونسأل كلمة (ضارّ) هل هي مبني للفاعل او المفعول؟ نقول هي تحتمل الإثنين ولو أراد التنصيص لفكّ الإدغام كما في قوله تعالى (ومن يشاقق الله ورسوله) وقوله (ومن يرتدد منكم عن دينه) بمعنى أنه لو أراد إسم الفاعل لقال (يُضارِر) ولو أراد إسم المفعول لقال (يُضارَر) . والله تعالى أراد الإثنين معاً ومعنى الآية أنه نهى الكاتب والشهيد أن يضُرّا غيرهما إما بكتم الشهادة أو الإمتناع عن الحضور لها أو تحريفها وأراد المعنى الآخر وهو نهى أن يقع الضرر على الكاتب والشهيد ممن يضغطون عليهم لتغيير الشهادة أو تبديلها أو الإمتناع عنها. إذن المطلوب منع الضرر من الكاتب والشهيد ومنعه عنهما أيضاً في نفس الآية وبدل أن يقول ولا يُضارَر ولا يُضارِر كاتب ولا شهيد جاء بالصيغة التي تحتمل المعنيين وهي كلمة (يُضارّ) .

стр. 560

ومثل المثل السابق قوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٣٣﴾ ) . هل هي مبنية للفاعل أو المفعول؟ من المحتمل أن تضر الزوجة زوجها بزلدها ومن المحتمل أن يضُر الزوج زوجته بولده فأراد تعالى المعنيين لكيلا يقع الضرر من أحدهما على الآخر فجاء بصيغة تدل على المعنيين وهذا من باب التوسع في المعنى. ولقد تفرّد القرآن الكريم باختيار التعبير الأعلى في المعنى المُراد وفي المكان الذي يقتضيه هذا المعنى ومن هنا إعجازه الذي تحدّى به العرب أهل اللغة والفصاحة فعجزوا عن الإتيان ولو بسورة واحدة من مثله. * التوسّع في المعنى في الجمع بين الألفاظ والصيغ المشتركة ذات الدلالات المختلفة: من مواطن التوسّع في القرآن الكريم الجمع بين الألفاظ والصيغ ذات الدلالات المختلفة. ونأخذ مثال من غير القرآن أولاً لو قلنا أعطيته عطاءً حسناً. فعل أعطى مصدره الإعطاء وليس العطاء كصيغة أفعل افعال مثل أكرم إكرام لو قلنا أعطيته إعطاءً لكان واضحاً لأن مصدر الفعل أعطى إعطاءً أما العطاء فهو اسم المصدر بمعنى الإعطاء أو المال والعطاء يحتمل معنيين إعطاء حسن ومال حسن أما قولنا أعطيته إعطاء لدلّ المعنى على المصدر فقط أي الإعطاء الحسن فقط.

стр. 561

ونأخذ مثالاً من القرآن قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) الفعل أقرض مصدره إقراضاً والفعل الثلاثي قرَض مصدره قرضاً. فجاء بالفعل الرباعي (يقرض) ولم يأت بمصدره إنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (قرضاً) . ولو رجعنا إلى معنى القرض في اللغة فهو يعني المال والإقراض إذن القرض في الآية تحتمل المعنيين، فلو كان القصد الإقراض لكان إعرابها مفعول مطلق، ولو كان المقصود المال لكان إعرابها مفعول به. والمعنى المُراد من الآية الكريمة (من ذا الذي يقرض الله إقراضاً حسناً أي خالص النية لله محتسباً الأجر من الله، ومالاً حسناً أي طيباً حلالاً) فهناك إذن إقراض حسن ومال حسن ولما قال تعالى قرضاً حسناً جمع بين الأمرين معاً إقراضاً حسناً ومالاً حلالاً طيباً. مثال آخر في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة النساء (يريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيدا) : أضلّ يُضلّ مصدره الإضلال والضلال مصدر فعل ضلّ. وقد جاء في آية أخرى أيضاً (فقد ضلّ ضلالاً بعيدا) ، وقد جاء بالفعل من بناء ولم يأتي بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (ضلّ) نسأل لماذا؟ لأن الشيطان يريد أن يبدأ مرحلة أن يضل الإنسان ولكن لا يريد أن يتابع وإنما يريد الإنسان أن يتم ويكمل المرحلة فيبتدع من وسائل الضلال ما لا يعلمه الشيطان. لو جاء في الآية إضلال لكان هذا كله من الشيطان وحده ولا يتابع فالشيطان يضع الإنسان على طريق الضلال ويذهب إلى مكان آخر أما إذا جاء بكلمة ضلال فهي تعني أن الشيطان فهو يبدأه ويكمله الإنسان فأراد سبحانه المعنيين أن الشيطان يبدأ بالضلال والإنسان يُكمل ما بدأه الشيطان ويبتدع من طرق الضلال ما يبتدع. إذن معنى الإضلال هو من الشيطان وحده أما الضلال فالشيطان يبدأ والإنسان يُكمل الطريق فالشيطان والإنسان مشتركين في عملية الضلال.

стр. 562

ومثال آخر في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلا) القياس أن يقال تبتّل تبتّلاً أنما في الآية جاء بالفعل ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر فعل آخر ليجمع بين أمرين. (صيغة تفعّل تفيد التدرج مثل تجرّع الماء أي جرعة جرعة وتحسّر فيها التدرج والتكلف) ومثلها تجسّس وتحسّس وكسر وكسّر أي جعله كسرة كسرة وقطع وقطّع تفيد التكثير لأن صيغة فعّل تفيد التكثير. فهو الآن في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلا) جمع بين المعنيين التدرج والتكلف والمبالغة والتكثير ووضعهما وضعاً تربوياً عجيباً يبدأ بالتدرج ثم ينتهي بالتكثير فالتبتّل هو الإنقطاع إلى الله في العبادة وقد علّمنا تعالى أن نبدأ بالتدرج في العبادة شيئاً فشيئاً ثم ندخل في التكثير ولا ندخل في العبادة الكثيرة مباشرة لأن التدرج في العبادة يؤدي إلى الكثرة فيها فيما بعد وهذه هي الطريقة التربوية للعبادة تبدأ بالتدرج وتحمل نفسك على العبادة شيئاً فشيئاً ثم تنتهي بالتكثير والكثرة في العبادة. والتدرج والتكلف جاء بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد (تبتّل) ثم جاء بالصيغة الإسمية الدالة على الثبوت (تبتيلا) فبدل أن يقول تبتّل إليه تبتّلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلا وهذه صياغة فنية تربوية عجيبة وقد جمع في الآية عدة أمور بيانية في التعبير. والعرب قديماً كانوا يفهمون هذه البلاغة بالفطرة لكنهم عجزوا عن الإتيان بالصيغة التي جاء بها القرآن الكريم وهذا هو التحدي والإعجاز في القرآن.

стр. 563

مثال آخر قوله تعالى (مالك الملك) هو مالك من التملّك ومن المِلك (الملكية) والمُلك من الحكم. مع فرعون قال تعالى (أليس لي ملك مصر) بمعنى له الحكم وليس له المِلك. أما لله تعالى مالك الملك تعني أن الملك ملكه وهو يملكه ملكاً كما يملك المالك، فالمُلك هو مِلك الله تعالى يتصرف به تصرّف المالك لأنه ملكه وحده سبحانه فإذن جمع تعالى بين الملكية وبين الحكم. والمالك يتصرف في ملكه ما لا يتصرف فيه الملِك لأن الملِك له تصرف عام آخر أما المالك فله تصرف خاص. وقوله تعالى (مالك الملك) جمع الأمرين الملكية والتحكم كما نقرأ في سورة الفاتحة (ملك يوم الدين) في قراءة و (مالك يوم الدين) في قراءة أخرى. (وأنبتها نباتاً حسناً) في الثناء على مريم قال تعالى وأنبتها نباتاً حسناً ولم يقل إنباتاً حسناً لأنه تعالى أراد أن يُثني عليها وعلى معدنها الكريم. يقال أنبت إنباتاً ومريم ﵍ أنبتها تعالى فنبتت نباتاً حسناً فطاوعت وقبلت أي أن لها فضل في هذا ولو قال تعالى إنباتاً لكان كله عملية لله وحده وليس لمريم أي فضل بمعنى أنه تعالى أنبتها كما يشاء هو لكن الله تعالى أراد أن يثني على مريم ويجعل لها فضلاً في هذا الإنبات فقال تعالى (وأنبتها نباتاً حسناً) أي أنه تعالى أنبتها فنبتت نباتاً حسناً وطاوعت أمر ربها وقبلت وكان من معدنها ما جعلها تنبت نباتاً حسناً. وقد أراد تعالى أن يجمع بين الأمرين أنه تعالى أنبتها كما يشاء وأراد من باب الثناء أن يجعل لها فضلاً في هذا من طيب معدنها وطواعيتها فقال (وأنبتها نباتاً حسناً) . * من مواطن التوسع في المعنى: العدول من تعبير إلى تعبير:

стр. 564

هذا في القرآن الكريم كثير وهو ترك تعبير إلى تعبير آخر ويحتمل أكثر من وجه إعرابي وأكثر من معنى. كما في قوله تعالى (ولا تشركوا به شيئا) فما المقصود بـ (شيئا) ؟ هل هو شيء من الأشياء مما يُشرك الناس به من أوثان وغيرها وعنده يُعرب مفعول به أو لا تشركوا به شيئاً من الشرك لأن الشرك أنواع الشرك الأصغر والشرك الأكبر وتعرب حينها مفعول مطلق، فما المقصود؟ كلمة (شيئا) تحتمل المعنيين أي لا تشركوا بالله شيئاً من الأشياء ولا شيئاً من الشرك فنهانا سبحانه عن الشرك به شيئاً من الأشياء أو شيئاً من الشرك لأن هناك من أنواع الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل. والمفعول المطلق المصدر ينوب عنه أشياء كثيرة فقد تنوب عنه صفته والضمير والمصدر. (شيئاً) أحياناً الإسم العادي المادي نفسه مثال لما نقول طعنه سكيناً عند النحاة هو مفعول مطلق بمعنى طعنه بسكين فالمفعول المطلق (سكينا) ينوب عن المصدر وهو الآلة. وكذلك قوله تعالى (ولا تظلمون فتيلا) الفتيل هو الخيط في شق النواة فهل المقصود شيئاً ماديا (مفعول به) أو شيئاً من الظلم وإن كان فتيلا؟ إذا أردنا المصدر تعرب مفعول مطلق بمعنى (ولا تظلمون شيئاً من الظلم وإن كان قليلاً) وهنا أراد تعالى الأمرين والمعنيين معاً بمعنى أنه لا يظلمنا لا قليلاً من الأشياء ولا شيئاً من الظلم وإن كان قليلا. ولو أراد تعالى التحديد والتخصيص بمعنى واحد لفعل كما في قوله تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) هنا حدد معنى واحداً أما عندما يريد أكثر من معنى ويريد التعميم يأتي بصيغة تحتمل عدة معاني وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى في القرآن الكريم.

стр. 565

مثال آخر قوله تعالى (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا) : ما المقصود ضحكاً قليلاً أو وقتاً قليلاً؟ أو بكاء كثيراً أو وقتاً كثيراً؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني أراد تعالى معنى المصدر والظرف في آن معاً هو أراد فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاء كثيراً وقتاً كثيراً ولو أراد معنى واحداً لحدد الظرف أو المصدر لكنه جمع بين الظرف والمصدرية في الآية الواحدة. والإعراب يختلف هنا لو أراد ضحكاً قليلاً تكون قليلاً مفعول مطلق ولو أراد وقتاً قليلاً لكانت ظرفاً وكذلك لو أراد بكاء كثيراً لكانت كثيراً مفعول مطلق ولو أراد وقتاً كثيراً لكانت ظرفاً إذن أراد تعالى أن يجمع بين الحدث القليل والزمن القليل (فليضحكوا قليلاً) والحدث الكثير والزمن الكثير (وليبكوا كثيراً) . ونلاحظ أنه في التقييد حكمة وفي التكثير حكمة أيضاً. ومثال آخر قوله تعالى (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) هل المقصود قليل من الفقه أو قليل من المسائل والأمور. الآية تحتمل المعنيين قليل من الفقه وقليل من المسائل ومثل هذه الآية قوله تعالى (وبصدّهم عن سبيل الله كثيرا) هل المقصود كثير من الصدّ أو كثير من الخلق أو كثير من الوقت؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني والسياق هو الذي يحدد كيف نتناول هذه الآيات وهو الذي يحدد المراد من الآية. ومثال آخر قوله تعالى (وادعوه خوفاً وطمعا) يحتمل أن يكون مفعول لأجله أو حال بمعنى خائفين طامعين ويمكن أن يكون مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره ندعوه خائفين وندعوه ونحن نخاف خوفاً وندعوه من أجل الطمع أي ينبغي أن يكون الطمع دافع لنا، وفي حالة طمع (حال) ونحن نطمع طمعاً (مفعول مطلق) للطمع وطامعين وحال طمع فجمعها سبحانه في الآية (وادعوه خوفاً وطمعا) والتعابير كلها مرادة.
следующие страницы →