Полный текст (1 108 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ونأخذ مثالاً من القرآن قوله تعالى (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) الفعل أقرض مصدره إقراضاً والفعل الثلاثي قرَض مصدره قرضاً. فجاء بالفعل الرباعي (يقرض) ولم يأت بمصدره إنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (قرضاً) . ولو رجعنا إلى معنى القرض في اللغة فهو يعني المال والإقراض إذن القرض في الآية تحتمل المعنيين، فلو كان القصد الإقراض لكان إعرابها مفعول مطلق، ولو كان المقصود المال لكان إعرابها مفعول به. والمعنى المُراد من الآية الكريمة (من ذا الذي يقرض الله إقراضاً حسناً أي خالص النية لله محتسباً الأجر من الله، ومالاً حسناً أي طيباً حلالاً) فهناك إذن إقراض حسن ومال حسن ولما قال تعالى قرضاً حسناً جمع بين الأمرين معاً إقراضاً حسناً ومالاً حلالاً طيباً.
مثال آخر في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة النساء (يريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيدا) : أضلّ يُضلّ مصدره الإضلال والضلال مصدر فعل ضلّ. وقد جاء في آية أخرى أيضاً (فقد ضلّ ضلالاً بعيدا) ، وقد جاء بالفعل من بناء ولم يأتي بمصدره وإنما جاء بمصدر الفعل الثلاثي (ضلّ) نسأل لماذا؟ لأن الشيطان يريد أن يبدأ مرحلة أن يضل الإنسان ولكن لا يريد أن يتابع وإنما يريد الإنسان أن يتم ويكمل المرحلة فيبتدع من وسائل الضلال ما لا يعلمه الشيطان. لو جاء في الآية إضلال لكان هذا كله من الشيطان وحده ولا يتابع فالشيطان يضع الإنسان على طريق الضلال ويذهب إلى مكان آخر أما إذا جاء بكلمة ضلال فهي تعني أن الشيطان فهو يبدأه ويكمله الإنسان فأراد سبحانه المعنيين أن الشيطان يبدأ بالضلال والإنسان يُكمل ما بدأه الشيطان ويبتدع من طرق الضلال ما يبتدع. إذن معنى الإضلال هو من الشيطان وحده أما الضلال فالشيطان يبدأ والإنسان يُكمل الطريق فالشيطان والإنسان مشتركين في عملية الضلال.
стр. 562
ومثال آخر في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلا) القياس أن يقال تبتّل تبتّلاً أنما في الآية جاء بالفعل ولم يأت بمصدره وإنما جاء بمصدر فعل آخر ليجمع بين أمرين. (صيغة تفعّل تفيد التدرج مثل تجرّع الماء أي جرعة جرعة وتحسّر فيها التدرج والتكلف) ومثلها تجسّس وتحسّس وكسر وكسّر أي جعله كسرة كسرة وقطع وقطّع تفيد التكثير لأن صيغة فعّل تفيد التكثير. فهو الآن في قوله تعالى (وتبتّل إليه تبتيلا) جمع بين المعنيين التدرج والتكلف والمبالغة والتكثير ووضعهما وضعاً تربوياً عجيباً يبدأ بالتدرج ثم ينتهي بالتكثير فالتبتّل هو الإنقطاع إلى الله في العبادة وقد علّمنا تعالى أن نبدأ بالتدرج في العبادة شيئاً فشيئاً ثم ندخل في التكثير ولا ندخل في العبادة الكثيرة مباشرة لأن التدرج في العبادة يؤدي إلى الكثرة فيها فيما بعد وهذه هي الطريقة التربوية للعبادة تبدأ بالتدرج وتحمل نفسك على العبادة شيئاً فشيئاً ثم تنتهي بالتكثير والكثرة في العبادة. والتدرج والتكلف جاء بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد (تبتّل) ثم جاء بالصيغة الإسمية الدالة على الثبوت (تبتيلا) فبدل أن يقول تبتّل إليه تبتّلاً وبتّل نفسك إليه تبتيلا وهذه صياغة فنية تربوية عجيبة وقد جمع في الآية عدة أمور بيانية في التعبير. والعرب قديماً كانوا يفهمون هذه البلاغة بالفطرة لكنهم عجزوا عن الإتيان بالصيغة التي جاء بها القرآن الكريم وهذا هو التحدي والإعجاز في القرآن.
стр. 563
مثال آخر قوله تعالى (مالك الملك) هو مالك من التملّك ومن المِلك (الملكية) والمُلك من الحكم. مع فرعون قال تعالى (أليس لي ملك مصر) بمعنى له الحكم وليس له المِلك. أما لله تعالى مالك الملك تعني أن الملك ملكه وهو يملكه ملكاً كما يملك المالك، فالمُلك هو مِلك الله تعالى يتصرف به تصرّف المالك لأنه ملكه وحده سبحانه فإذن جمع تعالى بين الملكية وبين الحكم. والمالك يتصرف في ملكه ما لا يتصرف فيه الملِك لأن الملِك له تصرف عام آخر أما المالك فله تصرف خاص. وقوله تعالى (مالك الملك) جمع الأمرين الملكية والتحكم كما نقرأ في سورة الفاتحة (ملك يوم الدين) في قراءة و (مالك يوم الدين) في قراءة أخرى.
(وأنبتها نباتاً حسناً) في الثناء على مريم قال تعالى وأنبتها نباتاً حسناً ولم يقل إنباتاً حسناً لأنه تعالى أراد أن يُثني عليها وعلى معدنها الكريم. يقال أنبت إنباتاً ومريم ﵍ أنبتها تعالى فنبتت نباتاً حسناً فطاوعت وقبلت أي أن لها فضل في هذا ولو قال تعالى إنباتاً لكان كله عملية لله وحده وليس لمريم أي فضل بمعنى أنه تعالى أنبتها كما يشاء هو لكن الله تعالى أراد أن يثني على مريم ويجعل لها فضلاً في هذا الإنبات فقال تعالى (وأنبتها نباتاً حسناً) أي أنه تعالى أنبتها فنبتت نباتاً حسناً وطاوعت أمر ربها وقبلت وكان من معدنها ما جعلها تنبت نباتاً حسناً. وقد أراد تعالى أن يجمع بين الأمرين أنه تعالى أنبتها كما يشاء وأراد من باب الثناء أن يجعل لها فضلاً في هذا من طيب معدنها وطواعيتها فقال (وأنبتها نباتاً حسناً) .
* من مواطن التوسع في المعنى: العدول من تعبير إلى تعبير:
стр. 564
هذا في القرآن الكريم كثير وهو ترك تعبير إلى تعبير آخر ويحتمل أكثر من وجه إعرابي وأكثر من معنى. كما في قوله تعالى (ولا تشركوا به شيئا) فما المقصود بـ (شيئا) ؟ هل هو شيء من الأشياء مما يُشرك الناس به من أوثان وغيرها وعنده يُعرب مفعول به أو لا تشركوا به شيئاً من الشرك لأن الشرك أنواع الشرك الأصغر والشرك الأكبر وتعرب حينها مفعول مطلق، فما المقصود؟ كلمة (شيئا) تحتمل المعنيين أي لا تشركوا بالله شيئاً من الأشياء ولا شيئاً من الشرك فنهانا سبحانه عن الشرك به شيئاً من الأشياء أو شيئاً من الشرك لأن هناك من أنواع الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل. والمفعول المطلق المصدر ينوب عنه أشياء كثيرة فقد تنوب عنه صفته والضمير والمصدر. (شيئاً) أحياناً الإسم العادي المادي نفسه مثال لما نقول طعنه سكيناً عند النحاة هو مفعول مطلق بمعنى طعنه بسكين فالمفعول المطلق (سكينا) ينوب عن المصدر وهو الآلة.
وكذلك قوله تعالى (ولا تظلمون فتيلا) الفتيل هو الخيط في شق النواة فهل المقصود شيئاً ماديا (مفعول به) أو شيئاً من الظلم وإن كان فتيلا؟ إذا أردنا المصدر تعرب مفعول مطلق بمعنى (ولا تظلمون شيئاً من الظلم وإن كان قليلاً) وهنا أراد تعالى الأمرين والمعنيين معاً بمعنى أنه لا يظلمنا لا قليلاً من الأشياء ولا شيئاً من الظلم وإن كان قليلا. ولو أراد تعالى التحديد والتخصيص بمعنى واحد لفعل كما في قوله تعالى (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) هنا حدد معنى واحداً أما عندما يريد أكثر من معنى ويريد التعميم يأتي بصيغة تحتمل عدة معاني وهذا ما يُسمى التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
стр. 565
مثال آخر قوله تعالى (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيرا) : ما المقصود ضحكاً قليلاً أو وقتاً قليلاً؟ أو بكاء كثيراً أو وقتاً كثيراً؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني أراد تعالى معنى المصدر والظرف في آن معاً هو أراد فليضحكوا ضحكاً قليلاً وقتاً قليلاً وليبكوا بكاء كثيراً وقتاً كثيراً ولو أراد معنى واحداً لحدد الظرف أو المصدر لكنه جمع بين الظرف والمصدرية في الآية الواحدة. والإعراب يختلف هنا لو أراد ضحكاً قليلاً تكون قليلاً مفعول مطلق ولو أراد وقتاً قليلاً لكانت ظرفاً وكذلك لو أراد بكاء كثيراً لكانت كثيراً مفعول مطلق ولو أراد وقتاً كثيراً لكانت ظرفاً إذن أراد تعالى أن يجمع بين الحدث القليل والزمن القليل (فليضحكوا قليلاً) والحدث الكثير والزمن الكثير (وليبكوا كثيراً) . ونلاحظ أنه في التقييد حكمة وفي التكثير حكمة أيضاً.
ومثال آخر قوله تعالى (بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا) هل المقصود قليل من الفقه أو قليل من المسائل والأمور. الآية تحتمل المعنيين قليل من الفقه وقليل من المسائل ومثل هذه الآية قوله تعالى (وبصدّهم عن سبيل الله كثيرا) هل المقصود كثير من الصدّ أو كثير من الخلق أو كثير من الوقت؟ الآية تحتمل كل هذه المعاني والسياق هو الذي يحدد كيف نتناول هذه الآيات وهو الذي يحدد المراد من الآية.
ومثال آخر قوله تعالى (وادعوه خوفاً وطمعا) يحتمل أن يكون مفعول لأجله أو حال بمعنى خائفين طامعين ويمكن أن يكون مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره ندعوه خائفين وندعوه ونحن نخاف خوفاً وندعوه من أجل الطمع أي ينبغي أن يكون الطمع دافع لنا، وفي حالة طمع (حال) ونحن نطمع طمعاً (مفعول مطلق) للطمع وطامعين وحال طمع فجمعها سبحانه في الآية (وادعوه خوفاً وطمعا) والتعابير كلها مرادة.
стр. 566
وقوله تعالى (إليه يصعد الكلِم الطيب والعمل الصالح يرفعه) : ما المقصود؟ تحتمل خياران الأول: العملَ الصالح والثاني العملُ الصالح. فلماذا اختار العملُ الصالح يرفعه؟ ولم يقل العملَ الصالح؟ نفهم الآية أولاً قوله تعالى (والعملُ الصالح يرفعه) جملة إسمية من الذي يرفع؟ هو مرفوع يرفعه الله تعالى؟ هل هو يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى؟ يحتمل المعنيين في هذا التعبير ويكون لدينا معنيين مقبولين: العمل الصالح هو الذي يرفع الكلم الطيب عند الله صاعداً إليه والله تعالى هو الذي يرفع العمل الصالح. ولو قال تعالى (والعملَ الصالح يرفعه) لا يمكن إلا أن يكون لها معنى واحداً هو أن الله تعالى يرفع العملَ الصالح) ولتحدد المعنى وهذا هو العدول من النصب إلى الرفع وهو عدول بياني لكسب معنيين وليس مصادفة أو اعتباطاً.
* من مواطن التوسع في المعنى أيضاً الحذف:
الحذف يؤدي إلى إطلاق معنى المعنى وتوسعه وهو قسمان: قسم لا يؤدي إلى توسع في المعنى ولا إلى إطلاق لأن المحذوف يتعين فيتقدّر ذلك المحذوف (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) المحذوف أنزل وكذلك قوله تعالى (والحافظين فروجهم والحافظات) المحذوف كلمة فروجهن، وقوله تعالى (والذاكرين الله كثيراً والذاكرات) وقوله تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) هذا الحذف هنا ليس فيه توسع ولا إطلاق في المعنى لأن المحذوف محدد ومعيّن.
стр. 567
وهناك قسم آخر من الحذف يؤدي إلى التوسع في المعنى وهذا يحتمل عدة تقديرات ٢ أو ٣ أو ٤ أو ٥ تقديرات قد يكون بعضها مراد وقد تكون كلها مرادة بقدر ما يحتمل السياق. وعلى سبيل المثال قوله تعالى (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴿٤٤﴾ ) قال تعالى على لسان أصحاب الجنة (ما وعدنا ربنا) بالتخصيص لهم ولم يقل (ما وعدكم ربكم) مع أصحاب النار وذلك لأن الكافرين لا ينكرون فقط ما وعدهم ربهم لكنهم ينكرون ما وعدهم وما وعد غيرهم وكل ما يتعلق بالبعث والحساب والقيامة فهم ينكرون ما يتعلق بهم وبغيرهم فالسؤال لم يكن عن ما وعدهم ربهم فقط ولكن السؤال عن الوعد بصورته العامة لذا قال تعالى (ما وعد ربكم) ولو قال ما وعدكم لكان جزءاً من المعنى المُراد وليس كله فأهل قريش كانوا يؤمنون بالله لكنهم ينكرون الساعة والبعث. إذن الحذف هنا أدى إلى توسع في المعنى لأنه شمل ما وعدهم ووعد غيرهم والوعد العام بالحساب والبعث.
مثال آخر قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين) (ما) تحتمل أمرين تحتمل أن تكون مصدرية بمعنى فاصدع بأمرنا وتحتمل أن تكون اسم موصول فلو قال تعالى (فاصدع بما تؤمر به) لكان اسماً موصولاً قطعاً. فما المقصود؟ تحتمل أن تكون فاصدع بأمرنا وتحتمل أنو تكون فاصدع بالذي تؤمر به والأمران مرادان في الآية أن يصدع بأمره ويصدع بما أمره به ولو ذكر أحد الأمرين لتحدد المعنى بشيء واحد أو بقسم من المعنى، وهذا الحذف هنا يدل على التوسع في المعنى.
стр. 568
ونظير ذلك قوله تعالى (أنسجد لما تأمرنا) تحتمل معنى أنسجد لما تأمرنا به وأنسجد لكل ما تأمرنا به ولأمرك، فالحذف هنا أطلق المعنى ووسّعه. ومثال ذلك أيضاً قوله تعالى في سورة الضحى (ألم يجدك يتيماً فآوى) احتملت المعاني آواك وآوى بك خلقاً كثيراً وآوى لك ولأجلك من آوى.
مثال آخر من الحذف وقد يكون الحذف للتوسع في المعنى يعطي أكثر من احتمالين كما في قوله تعالى (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق) هذه الآية غريبة في التوسع فيها لأن احتمالات الحذف فيه متعددة، محتمل أن يكون المحذوف حرف الباء (بأن يقولوا على الله) بمعنى ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب بهذا الأمر وهذا حذف قياسي. ومحتمل أن يكون المحذوف حرف في (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب في أن يقولوا على الله) ومحتمل أن يكون المحذوف حرف على (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب على أن لا يقولوا على الله) وهذا من باب التوافق والتعاهد سيكون أشدّ توافقنا وتعاهدنا على هذا فأصبح اشتراطاً عليه، ومحتمل أن يكون المحذوف حرف اللام (لئلا يقولوا على الله) وهنا للتعليل فيمكن أن تكون كل هذه المعاني مرادة وكلها مرادة لأنه لو أراد سبحانه معنى منها لذكر أي حرف وحدد المعنى. والتوسع في هذه الآية ليس بحذف حرف الجر فقط ولكن هناك توسع آخر هو في عدم الحذف أصلاً فيمكن أن لا يكون هناك حذف أصلاً، وهناك احتمال أن يكون هناك احتمال حذف فلو سألنا ما هو ميثاق الكتاب؟ الجواب: (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) وهذه الجملة قد تكون عطف بيان أو بدل وهناك احتمالان آخران (أن) يحتمل أن تكون مصدرية أو تفسيرية وكذلك هناك إحتمالان لـ (لا) تحتمل أن تكون نافية أو ناهية إذن هناك تسعة احتمالات في هذه الآية الواحدة إحتمال حذف حرف الجر (الباء، في، على، اللام) واحتمال عدم الحذف (عطف بيان أو بدل) واحتمال أن (تفسيرية أو مصدرية) واحتمال لا ناهية أو نافية، فهذه تسعة احتمالات لمعاني
стр. 569
في آن واحد وهذا توسع عجيب في هذه الآية الكريمة وقد تكون كل هذه المعاني مُرادة ولو أراد معنى محدداً لجاء بما يدل عليه.
مثال آخر قوله تعالى (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) هل المقصود (بأن أكون أول من أسلم) بحذف الباء أو (لأن أكون أول من أسلم) بحذف اللام وقد استعمل القرآن الكريم الحالتين في آيات أخرى ولو أراد اللام تخصيصاً ونصاً لقالها لكنه تعالى أراد المعنيين وهما مرادان والحذف في هذه الآية يدل على المعنيين معاً.
وكذلك قوله تعالى (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً ﴿١٢٧﴾ ) . نذكر أن القاعدة في كتب النحو أنه إذا أدى الحذف إلى التباس في المعنى فلا يصح الحذف، لا يجوز الحذف مع فعل رغب أبداً لأن الحذف يؤدي إلى التباس في المعنى فإما أن يقال رغب فيه بمعنى أحبّه أو يرغب عنه بمعنى تركه وانصرف عنه هذا في اللغة أما في هذا الآية فالله تعالى أراد المعنيين معاً أراد معنى ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن وغناهن وترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن وفقرهن وهكذا حذف الحرف ليدل على المعنيين ولو ذكر حرفاً لخصص المعنى وحدده، لكن المعنيين مرادين والحكم يتعلق بالأمرين معاً الذي يرغب في أن ينكحهن والذي يرغب عن أن ينكحهن.
* التضمين هو نوع آخر من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم:
стр. 570
التضمين في النحو هو إشراب لفظ معنى لفظ آخر فيأخذ حكمه. أو كلمة تؤدي مؤدّى كلمتين مثال: فعل يتعدّى بحرف وفعل يتعدّى بآخر والتضمين هو تعدية الفعل بحرف الفعل الثاني. مثال على ذلك قوله تعالى فعل سمع يتعدّى بنفسه في الأصل فنقول سمع الصوت وقوله تعالى (يومئذ يسمعون الصيحة بالحق) ، لكننا في الصلاة وبعد الرفع من الركوع نقول: سمع الله لمن حمد فعل سمع هنا عُدّي باللام لأن المقصود هو فعل استجاب فكأنما أخذنا اللام من فعل الإستجابة وعدّينا فعل سمع بهذه اللام لتعطي معنى الإستجابة وليس الإستماع فليس كل سماع إستجابة.
ومثل ذلك استخدام فعل نصر مع الحرف من كما في قوله تعالى (ونصرناه من القوم) في الأصل يقال (نصر على) لأن فعل نصر يتعدّى بـ (على) و (نجّى من) وفعل نجّى يتعدّى بـ (من) ، وقد استخدم القرآن هاتين الحالتين في مواطن كثيرة وفي آيات كثيرة (فانصرنا على القوم الكافرين) وقوله تعالى (فأنجاه الله من النار) . لكن في هذه الآية قال تعالى (ونصرناه من القوم) عدّى الفعل نصر بما يتعدّى به فعل نجّى أي بحرف (من) وذلك للدلالة على أن المعنى المطلوب هو معنى النصر والنجاة في آن معاً لأن الله تعالى نصره ونجّاه وعاقب القوم وحاسبهم وعذّبهم فجاء فعل نصر بمعنى نجّى فكسب معنى النصر والنجاة أما في حالة (فأنجاه الله من النار) جاء الفعل نجّى متعد بـ (من) لأن المعنى هو النجاة فقط ولا يمكن أن تعاقب النار ولا يُنتصر منها. إذن لقد عدّى فعل نصر بالحرف الذي عدّى فيه فعل نجّى وهذا يسمى التضمين وهو من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
стр. 571
مثال آخر قوله تعالى (عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً ﴿٦﴾ ) الأصل أن يقال يشرب منها. وهذه الآية فيها احتمالان: تحتمل أن يكون هناك تضمين بمعنى يرتوي بها (يشرب بمعنى يروى أو يشرب إلى أن يروى) وهذا هو الإحتمال الشائع عند المفسرين وقالوا هذا جزاء المقرّبين. لأنه لو أراد غير هذا المعنى لحدده كما قال في آية أخرى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً ﴿٥﴾ ) . في هذه الآية عدّى فعل يشرب بالباء ليحتمل معنى يرتوي وهناك إحتمال آخر أنهم نازلون بها كما يقال نزلنا في المكان وشربنا به فتصير إذن ظرفية. إذن تحتمل التعدية بالباء لفعل يشربون أن تكون بمعنى الشرب حتى الإرتواء ومعنى التمتع بلذّة النظر إلى العين والإستقرار عندها وهذه متعة أخرى.
كذلك قوله تعالى في سورة المطففين (الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) . في الأصل يقال اكتال من ولا يقال اكتال على. وقد عدّى فعل اكتال في هذه الآية بحرف على للدلالة على التسلط لأن هؤلاء المطففين لم يكتالوا من الناس بل تسلطوا عليهم بالإكتيال ولو كان الإكتيال طبيعياً لقال اكتالوا من الناس. (يقال كالوا الناس) كما في قوله تعالى (وإذا كالوهم أو وزنوهم) فعل كال وفعل وزن الأصل أن يتعدى بنفسه أو باللام وممكن الحذف يقال: كال له أو وزن له. فلماذا لم يقل كالوا لهم؟ اللام هنا تفيد الإستحقاق في أصل معناها في اللغة ثم تتشعب إلى معاني متعددة أخرى لكن هؤلاء المطففين لم يعطوا الناس حقوقهم فكيف يقول (كالوا لهم) فحذف لام الإستحقاق فقال كالوهم لأنهم ظلموا الناس ولو يعطوهم حقوقهم وعدّى الفعل اكتال بالحرف على للدلالة على الظلم والتسلط.
стр. 572
وكذلك قوله تعالى (فليحذر الذين يخافون عن أمره) لا يقال في الأصل خالف عن الأمر وإنما يقال خالف الأمر. فعل خالف يتعدّى بنفسه. لكن يخالفون عن جاءت بمعنى الإبتعاد عن الأمر أو العدول عن الأمر ولو كان قليلاً. والمعنى من الآية أنه ينبغي على الإنسان أن يحذر من مجرد الإبتعاد ولو في أمر واحد أو قليل فكيف بالمخالفة للأمر فهذا من باب أولى وهو أمر كبير عظيم هذا تحذير عظيم. فالله تعالى يحذرنا من الفتنة بمجرد الإبتعاد عن أمره ولو كان قليلاً فكيف المخالفة لأمره تعالى إذن صار المعنى يحتمل المخالفة والإبتعاد.
وكذلك قوله تعالى (من بعد أن أظفركم عليهم) يقال في الأصل ظفر به وليس ظفر على لكن تعدية الفعل أظفر بحرف على للدلالة على الإستعلاء. وكذلك قوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) عدّى فعل تأكلوا بالحرف إلى ليدلّ على معنى لا تجمعوها وتضموها إلى أموالكم آكلين لها بمعنى الإستحواذ والجمع.
* الإخبار بالعام عن الخاصّ:
стр. 573
هذا موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم. مثال على ذلك من القرآن قوله تعالى في سورة الأعراف (وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ﴿١٧٠﴾ ) القياس أن يقول إنا لا نضيع أجرهم لأن المبتدأ يحتاج إلى رابط قد يكون اسماً أو إشارة أو ضمير وقد يكون الخبر عاماً يدخل في ضمنه مبتدأ، لكنه قال أجر المصلحين وهذا للدلالة على أن هؤلاء المذكورين في الآية هم من المصلحين وأن الأجر لا يختص بهم وحدهم وإنما هو لكل مصلح فالأجر يشمل كل مصلح هؤلاء المذكورين في الآية وغيرهم من المصلحين فهذا أوسع وأعمّ. وكذلك قوله تعالى في سورة الكهف (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً ﴿٣٠﴾ ) لم يقل أجرهم فأفاد أمرين أن هؤلاء المذكورين هم من الذين أحسنوا العمل وأنه هنالك من أحسن عملاً غيرهم والله تعالى لا يضيع أجرهم جميعاً. وكذلك قوله تعالى في سورة البقرة (مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴿٩٨﴾ ) لم يقل عدو لهم وهذا يدل على أمرين أنه من كان عدواً لله فهو من الكافرين لكن الكافرين لا يختصون بهؤلاء فقط وقوله تعالى الكافرين دلالة على أن هؤلاء من الكافرين وهو يشملهم ويشمل غيرهم أيضاً. وكذلك قوله تعالى في سورة التوبة (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴿٩٦﴾ ) لم يقل لا يرضى عنهم ليشمل هؤلاء المذكورين في الآية الذين هم من الفاسقين وليشمل جميع الفاسقين سواء كانوا من هؤلاء أو من غيرهم وهذا من باب التوسع بالمعنى وهو من إخبار بالعام عن الخاص.
* العطف بين المتغايرين:
وهذا الموطن له مواطن عديدة منها وليست موطناً واحداً:
стр. 574
١. العطف على مقدّر غير مذكور في الكلام أو العطف على المعنى: حرف العطف والمعطوف موجود لكن المعطوف عليه غير مذكور وهو في القرآن كثير مثال قوله تعالى في سورة البقرة (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾ ) الآية فيها أفعال أمر (انظر إلى طعامك) و (انظر إلى حمارك) و (انظر إلى العظام) أما قوله تعالى (ولنجعلك آية للناس) فهي ليست فعل أمر وليست معطوفة على ما قبلها وإنما هي عِلّة واللام للتعليل. هي معطوفة لكن على ماذا؟ لو فتشنا في الآية كلها لا نجد المعطوف عليه وهذا إشارة إلى أن في هذا الموضع مطلوب هذا الأمر (لنجعلك آية للناس) لكن هنالك علل وأسباب أخرى غير مذكورة في هذه الآية وإنما اقتضى المقام هنا في الآية فقط ذكر هذه العِلّة (ولنجعلك آية للناس) فالله تعالى لم يُحيي عُزير ليجعله آية للناس فقط ولكن لأمور أخرى لم تذكر في الآية إذن قوله تعالى (ولنجعلك آية للناس) هي ليست العِلّة الوحيدة في إحيائه وإنما العِلل الأخرى لم تُذكر في الآية لدلالة التوسع في المعنى ولو أراد معنى واحداً لقال (ونجعلك آية للناس) بدون لام التعليل.
стр. 575
٢. وكذلك قوله تعالى الأنعام (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴿٧٥﴾ ) فالآية تفيد أن الله تعالى يُري إبراهيم ﵇ آيات أخرى إحداها أن يكون من الموقنين فالله تعالى يُعدّ إبراهيم ﵇ لأمور أخرى منها ليكون من الموقنين فجاء بواو العطف وجاء بالعِلّة (ليكون من الموقنين) في هذه الآية بحسب ما يقتضيه السياق.
٣. وكذلك قوله تعالى في سورة آل عمران (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ ) فالمداولة بين الناس كثيرة وفي هذه الآية ذكر جزءاً من عِلل المداولة وهي ليست الجانب الوحيد المقصود ولذلك جاء قوله تعالى (وليعلم الله الذين آمنوا) . ويمكن أن يذكر عللاً متعددة لكنه ذكر عِلّة واحدة حسب ما يقتضيه سياق الآيات في السورة. ومثل هذا قوله تعالى في سورة الزخرف (وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٦٣﴾ ) .
стр. 576
٤. وكذلك قوله تعالى في سورة المؤمنون (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ ) وهو يختلف عن قوله تعالى في سورة الزخرف (لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٣﴾ ) لأنه في الدنيا نزرع الفاكهة ليس للأكل فقط وإنما نصنع منها العصير ونجففها ونتداول بها ونتداوى بها وغيرها من الأمور والأغراض وإحداها هو الأكل أما في فاكهة الجنة فليس في الجنة تجارة والفاكهة لا تكون إلا للأكل فقط فلم يأتي بالواو مع كلمة تأكلون في فاكهة الجنة وجاء بالواو في فاكهة الدنيا.
* العطف على مغاير في الإعراب:
стр. 577
العطف على مغاير في الإعراب هو موطن آخر من مواطن التوسع في القرآن الكريم مثل أن يضاف منصوب يعطف عليه مرفوع أو فعل منصوب يضاف إليه مجزوم ولكل منهم حكمه وهذا لغرض التوسع في المعنى. وفي القرآن الكريم أمثلة عديدة على هذا النوع من التوسع في المعنى منها قوله تعالى في سورة المنافقون (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿١٠﴾ ) (أكن) عطف مجزوم على منصوب (فأصّدق) هذا يسمى في النحو عطف على المعنى والفاء في كلمة (فأصدق) تُسمّى فاء السببية في النحو التي تقع بعد الطلب (لأن لولا حرف تحضيض) فلو أسقطنا الفاء وأردنا الطلب نجزم على جواب الطلب (لولا أخرتني أصدّق) كما في قوله تعالى: (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) أما لما نجيء بالفاء ننصب. معناها إن تؤخرني أكن من الصالحين على تقدير شرط؛ أي جواب شرط مقدّر وفي هذه الآية أراد تعالى معنيين ولم يُرد السبب في المعطوف والمعطوف عليه وأراد تعالى أن يجمع بين السبب وبين الشرط. لو قال تعالى (فأصدّق وأكون) لكان عطف سبب على سبب لكنه أراد أن يجمع المعنيين السبب والشرط أي الإشتراط على النفس والإشتراط فيه توثيق فعطف مجزوم على منصوب لإرادة معنيين. لكن يبقى السؤال لماذا أراد المعنيين؟ لو نظرنا إلى الآية فقد جاء فيها أمرين الصدقة أن يكون من الصالحين وهما ليسا بدرجة واحدة فكون الإنسان من الصالحين أكبر وأعظم من الصدقة وهو الأعم وهو الذي يدخل الجنة ولأنهما ليسا بدرجة واحدة فكيف يفرّق بينهما؟ بعطف المجزوم على المنصوب فقال فأصدّق ثم اشترط على نفسه أن يكون من الصالحين. ولماذا قدّم الصدقة؟ لأن السياق في السورة هو في الصدقة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن
стр. 578
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩﴾ ) فقدّم الصدقة مراعاة لمقتضى السياق وجزم (أكن) مراعاة للأهمية.
ومن ذلك قوله تعالى في سورة التوبة (وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٣﴾ ) ورسولُهُ جاءت على غير إرادة إنّ أي مرفوعة وليست منصوبة وهي ليست معطوفة على ما قبلها (اللهَ) فجاءت كلمة (ورسوله) مرفوعة لأن براءة الرسول ﷺ ليست كبراءة الله تعالى وإنما هي تابعة لها فبراءة الله تعالى أولاً فلم يجعل براءة الله تعالى وبراءة الرسول ﷺ بمرتبة واحدة فجعل براءة الرسول أقل توكيداً من براءة الله تعالى ودونها وتبعاً لها.
وكذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة المائدة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٩﴾ ) برفع الصابئون لأنهم أبعد المذكورين عن الله وهم ليسوا من أهل الكتاب فجاءت مرفوعة على غير لإرادة إنّ وأقل توكيداً ويمكن الرجوع إلى صفحة لمسات بيانية في آي القرآن الكريم لقراءة ما جاء في هذه الآية مفصّلاً.
стр. 579
وكذلك قوله تعالى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾ ) وهذا يسمى القطع بمعنى أخص الصابرين وهذه كلها تخص التوسع في المعنى في العطف على مغاير حتى يفهمنا تعالى أن هذا ليس بمنزلة الأولى وقد يكون أقل منه أو أعلى منه.
* العطف على مغاير في المعنى:
стр. 580
موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو العطف على مغاير في المعنى مثل قوله تعالى في سورة يونس (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ﴿٧١﴾ ) لا يقال في اللغة أجمع للشركاء وإنما يستخدم فعل أجمع للأمور المعنوية أما فعل جمع فيستخدم للأمور المادية والمعنوية فالمقصود في الآية أجمعوا أمرهم وجمعوا شركاءهم لأن كما أسلفنا لا يكون فعل أجمع مع الشركاء أو الأمور المادية أما جمع فتأتي مع الأمرين. ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى (والذين تبوؤا الدار والإيمان) الإيمان لا يتبؤأ إنما يتبوأ الدار فهنا عطف على الدار لكن ليس بنفس المعنى فالمقدّر له عامل آخر. وتقول العرب: "شراب ألبان وتمر" والمقصود أن التمر للأكل واللبن للشراب، إذن يذكر أمر ويُعطف عليه أمر ويُفهم بأن هناك محذوفاً يقتضيه المعنى وهذا من مواطن التوسع في المعنى في القرآن الكريم.
* موطن آخر من مواطن التوسع في المعنى هو أن يكون هناك جُمل تحتمل في بنائها أكثر من دلالة وكلها مُرادة:
مثال قوله تعالى في سورة الملك (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿١٣﴾ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿١٤﴾ ) . ما المقصود بقوله تعالى (ألا يعلم من خلق) ؟ هل يقصد الخالق أم المخلوق؟ بمعنى ألا يعلم الخالق بعباده ويعلم ما يُسرّون وما يجهرون به (هنا تكون فاعل) ؟ ويحتمل أن يكون المعنى ألا يعلم الذين خلقهم؟ (وهنا تكون مفعول به) إذن (من خلق) تحتمل المعنيين الخالق والمخلوق.
стр. 581
ومن ذلك قوله تعالى في سورة الرعد (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴿٢٧﴾ ) من فاعل المشيئة؟ الله تعالى أم المخلوق؟ تحتمل أن يكون المعنى يضل من يشاء فيبقيه على ضلاله ويهدي من يشاء فييسر له طريق الهداية ويحتمل أن يكون المعنى من يشاء الله أن يضله ويهدي إليه من أناب تحتمل (من يشاء) المعنيين والله تعالى يقول للشيء إذا أراده كن فيكون.
وكذلك قوله تعالى في سورة غافر (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴿٣٥﴾ ) ما المقصود بقوله تعالى (على كل قلب) هل المقصود على قلب كل متكبر جبار (اي قلوب المتكبرين جميعا) أو على كل قلب المتكبر الجبار؟ لو أراد أحد هذين المعنيين لقال تعالى "على قلب كل متكبر جبار" وإنما قال (على كل قلب متكبر جبار) والمراد هنا معنيين أحدهما يطبع الله تعالى على كل القلب فلا يترك من القلب شيئاً ويطبع على قلوب كل المتكبرين الجبارين.
стр. 582
كذلك قوله تعالى في سورة فصلت (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٣٤﴾ ) الإستواء لابد أن يكون له طرفين فنقول لا يستوي فلان وفلان. ويمكن القول لا تستوي الحسنة والسيئة بحذف (لا) كما قال تعالى (وما يستوي الأعمى والبصير) فلماذا جاء بـ (لا) هنا؟ النحاة يقولون أن (لا) مزيدة للتوكيد لكن لها دلالة أخرى غير الزيادة في التوكيد فلو قال لا تستوي الحسنة والسيئة فالمعنى واحد واضح لكن زيادة (لا) تفيد أن الحسنات لا تستوي بين بعضها لأن بعض الحسنات أفضل وأعظم من بعض، وكذلك السيئات لا تستوي فيما بينها فهناك سيئات أعظم من سيئات وكذلك الحسنات لا تستوي مع السيئات وهكذا باستخدام (لا) في الآية أفادت هذه المعاني الثلاثة. وكذلك قوله تعالى (وما يستوي الأحياء ولا الأموات) تدل على معاني ثلاث هي أن الأحياء لا يستوون فيما بينهم والأموات لا يستوون فيما بينهم والأحياء والأموات لا يستوون أيضاً وهذه المعاني كلها مُرادة وكذلك قوله تعالى (ولا الظلمات ولا النور) .
الفهرس
أسرار البيان في التعبير القرآني........................................................ ١
تذكير الفعل أو تأنيثه مع الفاعل المؤنّث................................................. ٩
التقديم والتأخير في القرآن الكريم.......................................................١٥
أمثلة أخرى على التقديم والتأخير.......................................................٣٤
موضوع القطع في القرآن الكريم......................................................٤١
مقاصد الذكر والحذف في الحروف في القرآن الكريم....................................٤٣
الفاصلة القرآنية من حيث المعنى.......................................................٥١
موضوع التشابه والإختلاف في القرآن الكريم..........................................٥٤
التوسّع في المعنى في القرآن الكريم.....................................................٦١
стр. 583
الأسئلة والأجوبة المفيدة (١)
في
لطائف بعض الآيات القرآنية
للدكتور / فاضل صالح السامرائي
أستاذ النحو في جامعة الشارقة
١- سؤال: ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (هذا بلاغ للناس) سورة إبراهيم آية ٥٢ و (بلاغ) سورة الأحقاف آية ٣٥؟
كلمة (بلاغ) في سورة الأحقاف هي خبر لمبتدأ محذوف وتقديره: هذا بلاغ. ففي سورة الأحقاف سياق الآيات التي قبلها والمقام هو مقام إيجاز لذا اقتضى حذف المبتدأ فجاءت كلمة بلاغ ولم يخبرنا الله تعالى هنا الغرض من البلاغ، أما في سورة إبراهيم فإن الآيات التي سبقت الآية (هذا بلاغ للناس) فصّلت البلاغ والغرض منه من الآية (ولا تحسبن الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون) آية ٤٢.
٢- سؤال: (هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) سورة ثم الآية (فقالوا خصمان بغى بعضنا على بعض) وقوله تعالى (هذان خصمان اختصموا في ربهم) سورة، لماذا جاءت الخصم مرة مفردة ومرة مثنى وجمع؟
الخصم تأتي للمفرد والجمع (هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب) مثل كلمة بشر والفلك وضيف وطفل، وربما تأتي للتثنية (هذان خصمان اختصموا في ربهم) .يقول المفسرون هما فريقان كل فريق له جماعة فلمّا جاءا يختصمان جاء من كل فريق شخص واحد يمثّل الفريق والمتحدثان هما أصحاب المسألة (خصمان) . كما في قوله تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما) فكل طائفة لها جماعة عند الصلح يأتي من كل طائفة من يفاوض باسمها لكن إذا وقع القتال بينهما يقتتل كل الأفراد، فإذا اختصم الفريقين يقال اختصموا وإذا اختصم أفراد الفريقين يقال اختصموا. وكذلك في كلمة بشر (أبشراً منا واحده نتبعه) وقوله تعالى (بل أنتم بشر مما خلق) . وكلمة (طفل) قد تأتي للمفرد وجمع وقد يكون لها جمع في اللغة (الأطفال) وقد استعمل القرآن هاتين الكلمتين.
٣- سؤال: ما الفرق بين البأساء والضرّاء من حيث المعنى في القرآن الكريم؟
стр. 584
البأساء هي الشدّة عموماً ولكن أكثر ما تُستعمل في الأموال والأنفس. أما الضرّاء فتكون في الأبدان.
٤- سؤال: (إن ربك هو أعلم من يضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) سورة الأنعام والآية (إن ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله) سورة النحل، ما الفرق من الناحية البيانية بين (بمن ضلّ) و (من يُضلّ) ؟
من استفهامية وهي من باب التعليق ومعلّقة والجملة في محل نصب مفعول به لفعل مقدّر.
بمن: موصولة ومعناها هو أعلم بالذي ضلّ عن سبيله.
٥- ما الفرق بين كلمتي (عباد) و (عبيد) في القرآن؟
كلمة عباد تضاف إلى لفظ الجلالة فالذين يعبدون الله يضافون للفظ الجلالة فيزدادون تشريفاً فيقال عباد الله كما ورد في سورة الفرقان (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴿٦٣﴾ ) ، أما كلمة عبيد فهي تُطلق على عبيد الناس والله معاً وعادة تضاف إلى الناس، والعبيد تشمل الكل محسنهم ومسيئهم كما ورد في سورة ق (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴿٢٩﴾ ) . العبد يُجمع على عباد وتاعبد يُجمع على عبيد.
٦- ما اللمسة البيانية في استخدام كلمة (الله) و (الربّ) في الآيتين: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا) سورة النساء وقوله تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم) سورة النساء؟
стр. 585
لفظ الجلالة الله هو اللفظ العامّ لله تعالى ويُذكر هذا اللفظ دائماً في مقام التخويف الشديد وفي مقام التكليف والتهديد. أما كلمة الربّ فتأتي بصفة المالك والسيّد والمربي والهادي والمرشد والمعلم وتأتي عند ذكر فضل الله على الناس جميعاً مؤمنين وغير مؤمنين فهو سبحانه المتفضّل عليهم والذي أنشأهم وأوجدهم من عدم وأنعم عليهم. والخطاب في الآية الثانية للناس جميعاً وهو سبحانه يذكر النعمة عليهم بأن خلقهم والذين من قبلهم، ولذا جاءت كلمة (ربكم) بمعنى الربوبية. وعادة عندما تذكر الهداية في القرآن الكريم تأتي معها لفظ الربوبية (ربّ) .
٧- ما دلالة كلمة (لنريه) في سورة الإسراء؟
قد يحتمل المعنى أن الرسول ﷺ أُعطي الرؤية الإلهية وتعطلت الرؤية البشرية وربما يكون قد أعطاه رؤية قوية أكثر من قدرة البشر بدليل أنه رأى القافلة ورأى موسى وهو يصلي في قبره ورأى جبريل ﵇. والله أعلم.
٨- ما إعراب كلمة (الشُّحَ) في قوله تعالى (وأحضرت الأنفسُ الشُّحَ)
فعل أحضر يأخذ مفعولين وكلمة الشح هي مفعول به ثاني لفعل أحضر، والأنفس نائب فاعل والمعنى أحضرنا الأنفس الشُّحَّ، فكأنما المعنى أنه أحضر الشح للأنفس أو جيء بالشح وأُحضر للأنفس. (وعليه يكون الأنفس مفعول به أول والشح مفعول به ثاني) . وكأن الله تعالى أحضر الأنفس عندما خلقها خلق الشحّ وجعله فيها.
٩- في سورة يوسف الآية (ليسجنن وليكوناً من الصاغرين) جاءت لفظة (ليكوناً) بالتنوين لماذا؟
في (ليكوناً) هذه ليست تنوين وإنما هي نون التوكيد الخفيفة إذا وُقف عليها يوقف عليها بالألف ويجوز أن تُرسم بالتنوين. وفي كلمة (ليسجنن) هذه نون التوكيد الثقيلة وهي مؤكّدة أكثر من الخفيفة وقد دلّت في المعنى أن دخوله السجن آكد من كونه من الصاغرين.
стр. 586
١٠- ما إعراب كلمة (الوصية) في قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴿١٨٠﴾ ) سورة البقرة؟
الوصيةُ نائب فاعل
١١- لماذا الإستثناء في قوله تعالى في سورة هود: (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) ؟
قال تعالى في سورة هود (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴿١٠٦﴾ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴿١٠٧﴾ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ ﴿١٠٨﴾ ) أولاً السموات والأرض في هذه الآية هي غير السموات والأرض في الدنيا بدليل قوله تعالى (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات) . أما الإستثناء فلأن الخلود ليس له أمد، والحساب لم ينته بعد ولم يكن أهل الجنة في الجنة ولا أهل النار في النّار فاستثنى منهم من في الحساب. وقول آخر أن أهل النار قد يُخرج بهم إلى عذاب آخر أما أهل الجنة فهناك ما هو أكبر من الجنة ونعيمها وهو رضوان الله تعالى والنظر إلى وجهه الكريم والله أعلم. قسم يقولون أن الإستثناء هو في مدة المكث في الحشر (مدته خمسين ألف سنة) وقسم من قال هذا حتى يقضي الله تعالى بين الخلائق، وقسم قال هم من يخرجون من النار من عصاة المسلمين، وقسم قال الإستثناء من بقائهم في القبر وخروجهم من الدنيا، وقسم قال هو إستثناء من البقاء في الدنيا وهذه المعاني كلها قد تكون مرادة وتفيد أنهم خالدين فيها إلا المدة التي قضاها الله تعالى قبل أن يدخلوا الجنة أو قد تكون عامة لكن قضى الله تعالى أن يكونوا خالدين.
стр. 587
١٢- لماذا ذكر (شعيب) في سورة الشعراء بينما ذكر (أخوهم شعيب) في سورة هود؟
شعيب أُرسل إلى قومين هما قوم مدين وهو منهم فعندما ذهب إليهم قال تعالى (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴿٨٤﴾ ) وأصحاب الأيكة ولم يكن منهم وليسوا من أهله فلم يذكر معهم أخوهم شعيب لأنه ليس أخوهم (كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ﴿١٧٦﴾ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾ ) . وكذلك في القرآن الكريم لم يذكر في قصة عيسى ﵇ أنه خاطب قومه بـ (يا قوم) وإنما كان يخاطبهم بـ (بني إسرائيل) لأنه ليس له نسب فيهم أما في قصة موسى فالخطاب على لسان موسى جاء بـ (يا قوم) لأنه منهم.
١٣- ما اللمسة البيانية في استخدام (لا أقسم) في القسم في القرآن الكريم؟ (لا أقسم بيوم القيامة) (لا أقسم بهذا البلد) ؟
لم يرد في القرآن كله كلمة (أقسم) أبداً وإنما استخدم لفظ (لا أقسم) بمعنى أقسم و (لا) لتأكيد القسم. فقد يكون الشيء من الوضوح بمكان بحيث لا يحتاج لقسم وهذا تعظيم للشيء نفسه. وقد تعني (لا أقسم) أحياناً أكثر من القسم (زيادة في القسم) .
١٤- ما الفرق البياني بين قوله تعالى (ما منعك أن تسجد) سورة ص و (ما منعك ألا تسجد) سورة الأعراف؟
هناك قاعدة (لا) يمكن أن تُزاد إذا أُمن اللبس، وسُمّيت حرف صلة وغرضها التوكيد وليس النفي. ونلاحظ أن سياق الآيات مختلف في السورتين ففي سورة الأعراف الآيات التي سبقت هذه الآية كانت توبيخية لإبليس ومبنية على الشدة والغضب والمحاسبة الشديدة وجو السورة عموماً فيه سجود كثير.
١٥- ما دلالة تكرار الآية (فبأي آلآء ربكما تكذبان) في سورة الرحمن؟
стр. 588
تكرار الآيات قد يكون للتوكيد ففي ذكر النار من قوله تعالى (سنفرغ لكم أيها الثقلان) تكررت الآية ٧ مرات على عدد أبواب جهنم أما في الجنة (من دونهما جنتان) تكررت الآية ٨ مرات على عدد أبواب الجنة.
وفي نفس الآية لمن يوجّه الله تعالى خطابه في قوله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) ؟
نلاحظ أول آية في سورة الرحمن ابتدأت فيها هذه الآية ويقول المفسرون أن المقصود بهما الثقلان أي الإنس والجنّ. لكن السؤال لماذا جاءت أول مرة ولمن الخطاب هنا؟ يقول عامة المفسرون أنه ليس بالضرورة عندما تخاطب واحداً أو جماعة أن يسبقه كلام فمن الممكن مخاطبة جماعة لأول مرة بدون سابق خطاب (أين أنتم ذاهبون؟) ومع ذلك فقد ورد قبلها ما يدل على المخاطبين فقد قال تعالى (والأرض وضعها للأنام) والأنام من معانيها الثقلان أي الإنس والجنّ (وقسم من المفسرين يحصرونها بهذا المعنى) ومن معانيها: البشر، وقسم آخر يقول: أنها تعني كل المخلوقات على الأرض؛ لكن قطعاً من معانيها الثقلين مما يشمل الإنس والجنّ. والأمر الثاني هو أنه قبل الآية الأولى فيها خطاب المكلفين وهما الإنس والجن (أن لا تطغوا في الميزان* وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) والمكلفين هما الإنس والجنّ. وإذا أخذنا معنى الأنام المقصور على الثقلين انتهى الأمر وإذا أخذنا المعنى أنه المخلوقات جميعاً فالآيات تفيد التخصيص. ثم قال تعالى (الرحمن * علّم القرآن) والقرآن هو للإنس والجنّ. إذن من الممكن أن يخاطب تعالى الثقلين مباشرة دون أن يسبقه كلام وإنما في هذه الآيات سبقه كلام وأوامر ونواهي للثقلين والكتاب الذي أُنزل للإنس والجنّ إذن هو خطاب عادي للثقلين في قوله تعالى (فبأي آلآء ربكما تكذبان) .
стр. 589
يبقى سؤال آخر: جاء الخطاب في الآية للثقلين (بالمثنّى) وقال تعالى (وأقيموا الوزن) بالجمع لماذا؟ الخطاب للثقلين بالمثنى هو للفريقين عموماً وهما فريقان اثنان (فريق الإنس وفريق الجنّ) على غرار قوله تعالى (قالوا خصمان) وقوله (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وصيغة الجمع تدل على أن الخطاب هو لكل فرد من أفراد هذين الفريقين.
في بداية السورة قال تعالى (خلق الإنسان * علّمه البيان) الآية تدل على خلق الإنسان مع أن الأنام فيما بعد تدل على المخلوقات عامة وذلك لأن الإنسان هو الذي أُنزل عليه الكتاب أو القرآن وبيّنه للثقلين. وعلّمه البيان بمعنى ليبيّن عن نفسه والبيان هو القدرة على التعبير عمّا في النفس، والله أعلم.
١٦- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (ليس البِرَّ أن تولوا وجوهكم) سورة البقرة وقوله تعالى (ليس البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها) سورة البقرة؟
البرَّ بالفتحة في الآية الأولى هي خبر ليس و" أن تولوا " هو الاسم، أما في الآية الثانية فكلمة (البرُّ) بالضم هي اسم ليس.
١٧- ما الفرق بين كلمة (المخلَصين) بفتح اللام وكلمة (المخلِصين) بكسر اللام؟
المخلَصين بفتح اللام تعني من أخلصه الله لعبادته وطاعته، أما المخلِصين بكسر اللام فتعني من أخلص نفسه لعبادة الله وطاعته.
١٨- ما معنى قوله تعالى (وأُمرت أن أكون أول المسلمين) عن سيدنا محمد مع العلم أن الأنبياء قبله كانوا مسلمين؟
الإسلام هو دين الله وهو الدين من أول الأنبياء إلى يوم الدين وقد سبق في القرآن الكريم ذكر نوح وإبراهيم ولوط ومن اتبعهم بأنهم من المسلمين لكن دين الإسلام كإسلام أُطلق على ديننا وسيدنا محمد ﷺ هو أول من أسلم.
١٩- ما اللمسة البيانية في قوله تعالى في سورة الحجر (ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين) بتخفيف الباء في كلمة (ربما) ؟
стр. 590
هذه الآية فيها قراءتان متواتران صحيحتان نزل بهما الروح الأمين إحداهما مشددة (ربّما) والأخرى مخففة (ربما) فهي من الناحية اللغوية موجودة في اللغة ولا إشكال في هذا. أما من ناحية السر البياني فقد اختلفوا في (رُبّ) وقسم قالوا أنها تفيد التكثير (رُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) وقسم قال إنها تفيد التقليل وهذا معناها على العموم. ويكون التقليل أو التكثير بحسب المعنى. يبقى التخفيف وعدم التخفيف يوجد في اللغة حروف تخفف مثل (إنّ) وتخفف وتصبح (إن) وكذلك نون التوكيد الثقيلة تخفف إلى نون التوكيد الخفيفة مثل قوله تعالى (وليسجنن وليكوناً) في سورة يوسف فالنون في (ليسجنن) نون توكيد ثقيلة وفي (ليكوناً) هي نون توكيد مخففة. وقديماً كانت النون المخففة أخف من النون الثقيلة لأن تكرار النون بمثابة تكرار التوكيد مثل السين وسوف؛ السين مقتطعة من سوف وتفيد زمناً أقل.
(رب) في معناها أقل في التقليل والتكثير من (رُبّ) و (ربّما) أشد في معناها من ربما المخففة. وكلمة (ربما) تحتمل أن تكون قد قيلت في الدنيا عندما رأوا الغنائم في بدر وغيرها فقسم تمنى أن يكون مسلماً ليأخذ الغنائم وهنا جاءت بمعنى التمني. ويحتمل أن تكون قد قيلت في الآخرة عندما يُعطى المسلمون الأجور العظيمة فيتمنى الكافرون لو كانوا مسلمين وهنا تأكيد على تمنيهم لأنهم رأوا أجر المسلمين. وفي الدنيا هناك من يتمنى كثيراً أن يكون مسلماً ومنهم من يتمنى قليلاً أن يكون مسلماً عند رؤية الغنائم فكل منهم يتمنى حسب رغبته في الغنائم وحسب ما يرى من الغنائم، أما في الآخرة فهم يرغبون قطعاً رغبة قوية أن يكونوا مسلمين وهذان الإحتمالان التمني القليل والتمني الكثير لا يمكن أن يُعبّر عنهما إلا باستخدام القراءتين اللتين وردتا في الآية (ربّما المشددة) و (ربما المخففة) فشمل كل الإحتمالات في جميع المواقف في الدنيا وفي الآخرة.
стр. 591
(ربما) بدون شدّة تأتي للتخفيف وهو لغرض التخفيف في الحدث، لم تكن المودة قوية لتحملهم على الإسلام لذا قال تعالى (ربما) مخففة. فإذا أراد تشديد المودة جاء بلفظ (ربّما) مشددة، وإذا أراد تخفيف المودة جاء بلفظ (ربما) بدون شدّة.
٢٠- ما اللمسة البيانية في استعمال صيغة المضارع مرة وصيغة الماضي مرة أخرى في قوله تعالى (من كان يريد الآخرة) و (من أراد الآخرة) ؟
استعمال فعل المضارع مع الشرط يكون إذا كان مضمون أن يتكرر. أما استعمال فعل الماضي فالمضمون أن لا يتكرر أو لا ينبغي أن يتكرر. كما نلاحظ أيضاً في قوله تعالى (ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد) ينبغي تكرار الشكر لذا جاء بصيغة الفعل المضارع (يشكر) أما الكفر فيكون مرة واحدة وهو لا ينبغي أن يتكرر فجاء بصيغة الماضي في قوله (كفر) . كذلك في قوله تعالى (من قتل مؤمناً خطأ) المفروض أن القتل وقع خطأ والمفروض أن لا يتكرر أما في قوله تعالى (من يقتل مؤمناً متعمداً) هنا تكرار للفعل لأنه قتل عمد.
٢١- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) في سورة الإسراء وقوله تعالى (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق) في سورة الأنعام؟
стр. 592
في الآية الأولى في سورة الإسراء الأهل ليسوا فقراء أصلاً وعندهم ما يكفيهم ولا يخشون الفقر ولكنهم يخشون الفقر في المستقبل إذا أنجبوا بأن يأخذ المولود جزءاً من رزقهم ويصبح الرزق لا يكفيهم هم وأولادهم ويصبحوا فقراء فخاطبهم الله تعالى بقوله (نحن نرزقهم وإياكم) ليطمئنهم على رزقهم أولاً ثم رزق أولادهم ولهذا قدّم الله تعالى رزقهم على (إياكم) لأنه تعالى يرزق المولود غير رزق الأهل ولا يأخذ أحد من رزق الآخر. أما في الآية الثانية فهم فقراء في الأصل وهمّهم أن يبحثوا عن طعامهم أولاً ثم طعام من سيأتيهم من أولاد فالله تعالى يطمئن الأهل أنه سيرزقهم هم أولاً ثم يرزق أولادهم لأن الأهل لهم رزقهم والأولاد لهم رزقهم أيضاً
٢٢- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (من عزم الأمور) سورة لقمان وقوله تعالى (لمن عزم الأمور) في سورة الشورى؟
لو لاحظنا الآيات قبل هذه لوجدنا أن في سورة لقمان جاءت الآية (واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور) سورة لقمان آية ١٧، أما في الآية الأخرى في سورة الشورى (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور) آية ٤٣ وهنا ورد ذكر أمرين الصبر والغفران وهما أشدّ من الصبر وحده التي وردت في سورة لقمان فكانت الحاجة لتوكيد الأمر باستخدام لام التوكيد والقسم في كلمة (لمن) لأنه أشقّ على النفس. فالصبر قد يقدر عليه كثير من الناس لكن أن يصبر ويغفر هذا بالطبع لا يقدر عليه الكثيرون ويحتاج إلى مشقة أكبر لذا اقتضى توكيد الأمر بأنه من عزم الأمور مؤكداً بخلاف الصبر وحده الذي ورد في سورة لقمان.
٢٣- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (واصبر نفسك) وقوله تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) ؟
стр. 593
اصطبر جاءت في الصلاة لأنها مستمرة كل يوم وزيادة المبنى تفيد زيادة المعنى والصلاة كل يوم في أوقاتها وتأديتها حق، أدائها وإتمامها يحتاج إلى صبر كبير لذا جاءت كلمة (اصطبر) للدلالة على الزيادة في الصبر.
٢٤- ما اللمسة البيانية في استخدام صيغة المذكر مرة والمؤنث مرة أخرى في قوله تعالى (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا) سورة الأحزاب آية ٣١؟ ثم لماذا الخطاب مرة لجماعة الإناث ثم لجماعة الذكور؟
القاعدة النحوية هو أن الفعل يؤنّث ويذّكر فإذا كان الفعل مؤنثاً ووقع بين الفعل والفاعل فاصلاً ثم إن الخطاب الموجه لنساء النبي ﷺ في قوله (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) هذا خطاب خاص بهن فجاء بصيغة خطاب الإناث أما في الآية (يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) هذا الخطاب يشمل كل أهل بيت النبوة وفيهم الإناث والذكور لذا اقتضى أن يكون الخطاب بصيغة المذكر.
وكذلك نلاحظ الفرق بين سورة يوسف (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿٣٠﴾ ) وآية سورة الأحزاب، الجمع الذي ليس له مفرد من نوعه يمكن معاملته معاملة المذكر والمؤنث. والتذكير يدلّ على القلة (قال نسوة) والتأنيث يدل على الكثرة (قالت الأعراب آمنا) وهكذا في القرآن كله كما في قوله تعالى (جاءتهم رسلهم) المجتمعات أكثر من (جاءكم رسل منكم) .
٢٥- ما الحكم النحوي في استخدام (من) و (ما) ؟
(من) و (ما) يعامل لفظها الإفراد والتذكير ثم يؤتى بما يدلّ على المعنى. (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) نبدأ بالإفراد والتذكير (هذا هو القياس) (ومن يقنت منكن) .
стр. 594
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٧٤﴾ ) لما ومنه، لما ويشقق ومنه، لما ويهبط كلها فيها إفراد وتذكير. الأصل والأكثر في القرآن البدء بالإفراد والتذكير ثم يأتي ما يدل على المعنى.
٢٦- ما اللمسة البيانية في استعمال كلمة (اليم) في قصة سيدنا موسى مع فرعون؟
اليمّ كلمة عبرانية وقد وردت في القرآن الكريم ٨ مرات في قصة موسى وفرعون فقط لأن قوم موسى كانوا عبرانيين وكانوا يستعلون هذه الكلمة في لغتهم ولا يعرفون كلمة البحر ولهذا وردت كلمة اليمّ كما عرفوها في لغتهم آنذاك.
٢٧- لماذا جاءت كلمة سيّد في القرآن الكريم في سورة يوسف (وألفيا سيدها لدا الباب) ؟
أهل مصر كانوا يسمون الزوج سيداً وقد وردت هذه الكلمة مرة واحدة في سورة يوسف وفي القرآن كله لأنها كانت معروفة في لغتهم آنذاك.
٢٨- ما الفرق من الناحية البيانية بين كلمتي (واللآئي) و (اللآتي) في القرآن الكريم؟
لفظ اللآئي هي لفظة متخصصة وهي مشتقة من اللآء أو التعب وقد استخدم هذا اللفظ في الآيات التي تفيد التعب للنساء كما في الحيض في قوله تعالى: (واللآئي يئسن من المحيض) . أما لفظ (اللآتي) فهو لفظ عام.
٢٩- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى في سورة الأنعام (مشتبهاً وغير متشابه) وقوله تعالى (متشابهاً وغير متشابه) ؟
стр. 595
قوله تعالى (مشتبهاً وغير متشابه) تفيد لفت النظر إلى قدرة الله تعالى وهذا يفيد اللبس والإلتباس، أما في قوله تعالى (متشابهاً وغير متشابه) فهذا للتشابه وقد وردت الآيات في الإبل عامة ولا داعي للفت النظر إلى القدرة الإلهية هنا. فنفي التشابه ينفي الإشتباه من باب أولى، والتشابه قد يكون في جزئية معينة والإشتباه هو الإلتباس لشدة التشابه.
٣٠- ما الفرق بين هذه الكلمات؟
سِخرياً وسُخرياً: سِخرياً بكسر السين هي من الإستهزاء والسُخرية، أما سُخرياً بضم السين فهي من باب الإستغلال والتسخير.
يُقبل ويُتقبل: (يقبل) من الرسول ﷺ يقبل الصلاة والزكاة ومن العباد وهم في الدنيا، أما (يتقبل) فهو من الله تعالى يتقبل الأعمال أو لا وهذا في الآخرة.
كُرهاً وكَرهاً: (كُرهاً) بضم الكاف هو العمل مع المشقة أما (كَرهاً) بفتح الكاف فتفيد العمل بالإجبار من آخر.
طوعاً وطائعاً: (طوعاً) تعني تلقائياً من النفس و (طائعاً) تعني طائعاً لإرادة الله .
ضياء ونور: الضياء هو ضوء وحرارة مثل ضوء الشمس والسراج أما النور فهو ضوء بدون حرارة كنور القمر.
وعد وأوعد: (وعد) تأتي دائماً بالخير (وعد الله الذين آمنوا منكم) وأوعد تأتي بالشرّ.
قِسط وقَسط وقَسَط: (القِسط) بكسر القاف تعني العدل، و (القَسط) بفتح القاف تعني الظلم والقَسَط بفتح القاف والسين تعني الإنحراف.
٣١- ما الفرق بين قوله تعالى (رب اجعل هذا بلداً آمناً) سورة البقرة وقوله تعالى (رب اجعل هذا البلد آمناً) ؟
الآية الأولى هي دعاء سيدنا إبراهيم قبل أن تكون مكة بلداً فجاء بصيغة التنكير (بلداً) أما الآية الثانية فهي دعاء سيدنا إبراهيم بعد أن أصبحت مكة بلداً معروفاً فجاء بصيغة التعريف في قوله (البلد) .
٣٢- ما اللمسة البيانية في قوله تعالى (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة) وما دلالة سبعين في الآية؟
стр. 596
العدد المراد به حقيقة العدد في الأحكام كما في الكفارات (صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم) وكفارة اليمين (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) أو الإخبار عن الأمور التي وقعت (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً) (اختار موسى لقومه سبعين رجلا) وإما في مقام التكثير. ولقد اختلف المفسرون في حقيقة العدد ويبدو من النصوص أنه أراد حقيقة العدد لأنه ﷺ لما نزلت هذه الآية قال: " سمعت ربي رخّص لي فلأستغفرنّ لهم سبعين وسبعين وسبعين " ففهم من الآية أن الله رخّص له أن يستغفر أكثر من سبعين لعلّ الله تعالى يغفر لهم لكن نزلت آية أخرى نسخت هذه الآية (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لن يغفر الله لهم) فنفت هذه الآية ما فهمه الرسول ﷺ من الآية الأولى والله أعلم.
٣٣- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب) في سورة هود آية ٦٢ وقوله تعالى (وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه) في سورة إبراهيم آية ٩؟
في آية سورة هود الكلام في قصة صالح فجاء بلفظ (تدعونا) أما في سورة إبراهيم فالكلام عن مجموعة من الرسل لذا جاء قوله (تدعوننا) .
الذي يبدو أنه عندما يأتي (إننّا) هو آكد، (إنا) تأتي للتوكيد سواء كانت النون مشددة أو مخففة
نون التوكيد قد تأتي في أول الأسماء (إننا) وفي آخر الأفعال للتوكيد (ولتكوناً) (ليذهبنّ)
وعندما نقول (إننا) تحتمل معنيين: في مقام التفصيل (إننا) وفي مقام التوكيد (إننا) فلو قرأنا القصتين في السورتين لوجدنا أن قصة صالح فصّل تعالى فيها كثيراً فاقتضى التفصيل استخدام (إننا) وكذلك التكذيب في قوم صالح كان أشدّ فجاء التوكيد بلفظ (إننا) إذن القصة في قصة صالح أطول والتكذيب أشدّ في سورة هود، بينما الكلام في سورة إبراهيم موجز فاقتضى التوكيد في سورة هود بـ (إننا) ولم يقتضي التوكيد في سورة إبراهيم بـ (إنا) .
стр. 597
٣٤- ما اللمسة البيانية في إفراد اليمين وجمع الشمائل في سورة النحل في قوله تعالى (يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجّداً لله وهم داخرون) آية ٤٨؟
اليمين يُقصد بها جهة المشرق؛ والشمائل يقصد بها جهة المغرب. وقد قال المفسرون أن كل المشرق جهة اليمين أما في جهة الغرب تكثر الظلال خاصة بعد الزوال بخلاف جهة المشرق حتى اتجاهات الظلال تختلف فلذلك أصبحت شمائل، يتحول الظل ويتسع ويمتد. والأمر الآخر أن اليمين جهة مطلع النور أو الشمس والشمال جهة الظلمة والمغرب والله تعالى في القرآن كله أفرد النور وجمع الظلمات (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) (الله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) وهذا لأن النور له جهة واحدة ومصدر واحد سواء كان نور الهداية أو نور الشمس وهو يأتي من السماء، أما الظلمات فمصادرها كثيرة كالشيطان والنفس وأصدقاء السوء والوسوسة من الجِنّة والناس. إذن الظلمات مصادرها كثيرة والنور مصدره واحد، ولمّا كانت اليمين جهة مطلع النور أفردها ولما كانت الشمال الجهة الأخرى والتي تفيد الظلمات جمعها. وذكر المفسرون أمراً آخر في الآية (ما خلق الله من شيء) (شيء) مفرد ولما قال (سجّداً) قال (الشمائل) فقالوا أمر لفظي الجمع ناسب الجمع والإفراد ناسب الإفراد ولكني (والكلام للدكتور فاضل) لا أراه مناسباً تماماً.
وكلمة "يتفيأ" هي من الفيء والظلّ والفيء: هو بمعنى العودة (فاء فيء بمعنى عاد) .
الظلّ: هو ما نسخته الشمس والفيء هو ما نسخ الشمس.
٣٥- ما الفرق بين كلمتي (ألفينا) و (وجدنا) في الآيتين: (بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا) سورة البقرة آية ١٧٠ (وحسبنا ما وجدنا عليه آبائنا) ؟
стр. 598
(ألفى) في اللغة: تستعمل في الأمور المادية فقط وقسم من النحاة يقولون أنها لا تأتي في أفعال القلوب كما في قوله تعالى (إنهم ألفوا آباءهم ضالين) وقوله (ألفيا سيدها لدى الباب) . أما كلمة (وجدنا) فهي تأتي مع أفعال القلوب (لوجدوا الله تواباً رحيما) وقد تأتي أحياناً في الأشياء الحسّية. وعندما يذكر القرآن كلمة (ألفينا) يريد أن يذمّهم أكثر وينفي عنهم العقل كما في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ) سورة البقرة ﴿١٧٠﴾ ) ولو لاحظنا الآية التي سبقت هذه في سورة المائدة (مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ﴿١٠٣﴾ ) فالذي يُشرّع ليس عنده علم ولكن عنده عقل. وعندما يذكر كلمة (وجدنا) ينفي عنهم العلم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ سورة المائدة ﴿١٠٤﴾ ) وكذلك في سورة لقمان (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴿٢٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿٢١﴾ ) . وقد تنفي العلم عن أحدهم ولكنه يبقى عاقلاً لكن إذا نفى عنهم العقل
стр. 599
أصبحوا كالبهائم فكلمة ألفينا تأتي إذن في باب الذمّ.
٣٦- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (خالدين فيها) وقوله (خالدين فيها أبدا) ؟
هناك قاعدة في القرآن الكريم سواء في أهل الجنة أو في أهل النار: إذا كان المقام مقام تفصيل الجزاء أو في مقام الإحسان في الثواب أو الشدة في العقاب يذكر (أبداً) وإذا كان في مقام الإيجاز لا يذكرها.
في سورة النساء آية ٥٧ (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) هذه الآية فيها تفصيل للجزاء فذكر فيها (أبدا) ، أما الآية ١٣ من سورة النساء (تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ليس فيها تفصيل فلم يذكر فيها (أبدا) . كذلك في سورة البيّنة لم يذكر مع الكافرين (أبدا) لأنه لم يفصّل في عقابهم (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ) آية ٦، وذكرها مع المؤمنين لأنه فصّل الجزاء لهم (جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) آية ٨، فالتفصيل زيادة في الجزاء ويتسع في قوله (أبداً) فيضيف إكراماً إلى ما هم فيه من إكرام وكذلك في العذاب. وقد وردت (خالدين فيها أبداً) في أهل الجنة ٨ مرات في القرآن الكريم ووردت في أهل النار ٣ مرات وهذا من رحمته لأن رحمته سبقت غضبه. والخلود عند العرب تعني المكث الطويل وليس بالضرورة المكث الأبدي.
стр. 600
٣٧- ماذا تفيد الفاء في آية سورة مريم من الناحية البيانية؟
في سورة مريم الآيات (فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً ﴿٢٢﴾ فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً ﴿٢٣﴾ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴿٢٤﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴿٢٥﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ﴿٢٦﴾ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴿٢٧﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴿٢٨﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ﴿٢٩﴾ ) تكرر استخدام حرف الفاء وهي تفيد تعقيب كل شيء بحسبه أي تفيد تعقيب الأحداث التي وردت في السورة. إذا كان الحمل في موعده تستخدم الفاء وإذا تأخر الحمل نستخدم (ثمّ) للترتيب والتراخي في الزمن. فمريم ﵍ حملت عندما نفخ فيها ثم لم يكن هناك أي معوقات بعدها فانتبذت مكاناً قصياً وجاء الحمل بالمدة المقررة عُرفاً. كقوله تعالى (ثم أماته فأقبره) القبر يأتي عقب الموت مباشرة فاستخدم الفاء أما قوله تعالى (ثم إذا شاء أنشره) فالنشور والقيامة يأتي بعد القبر بمدة طويلة لذا استخدم (ثمّ) التي تفيد الترتيب والتراخي.
следующие страницы →