← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 8312

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 108 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(فانبجست) في مقام التقريع قلّ الماء بمعاصيهم فناسب ذكر حالة قلّة الماء مع تقريعهم. ... (فانفجرت) جاءت هنا في مقام التكريم والتفضّل وهي دلالة على أن الماء بدأ بالإنفجار بالماء الشديد فجاء بحالة الكثرة مع التنعيم. ١٠٢- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله تعالى (فنفخنا فيها) وقوله (فنفخنا فيه) في قصة مريم ﵍؟ قال تعالى في سورة الأنبياء (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩١﴾ ) وقال في سورة التحريم (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴿١٢﴾ ) بين هاتين الآيتين أكثر من نقطة يجب الإلتفات إليها وهي كما يلي: ١. في سورة الأنبياء لم يذكر اسم مريم ﵍ بينما ذكره في سورة التحريم. والسبب في ذلك هو أنه أولاً في سورة الأنبياء كان السياق في ذكر الأنبياء (إبراهيم، لوط، موسى، وزكريا ويحيى) ثم قال (والتي أحصنت فرجها) ولم يُصرّح القرآن باسمها في سورة الأنبياء لأن السياق في ذكر الأنبياء وهي ليست نبيّة أما في سورة التحريم فذكر اسمها لأن السياق كان في ذكر النساء ومنهم (امرأة فرعون، امرأة لوط وامرأة نوح) فناسب ذكر اسمها حيث ذكر النساء. والتصريح بالاسم يكون أمدح إذا كان في المدح وأذمّ إذا كان في الذّم. ونلاحظ في سورة التحريم أنها من أعلى المذكورات في سياق النساء ولهذا ذكر اسمها من باب المدح. أما في سورة الأنبياء فهي أقلّ المذكورين في السورة منزلة أي الأنبياء فلم يذكر اسمها وهذا من باب المدح أيضاً.

стр. 667

٢. ذكر ابنها في سورة الأنبياء ولم يذكره في سورة التحريم. وهذا لأن سياق سورة الأنبياء في ذكر الأنبياء وابنها (عيسى ﵇) نبيّ أيضاً فناسب ذكره في السورة وكذلك لأن سورة الأنبياء ورد فيها ذكر ابني إبراهيم ويحيى بن زكريا فناسب ذكر ابنها أيضاً في الآية ولم يذكره في التحريم لأن السياق في ذكر النساء ولا يناسب أن يذكر اسم ابنها مع ذكر النساء. ٣. لم يذكر أنها من القانتين في الأنبياء وذكرها من القانتين في سورة التحريم. ونسأل لماذا لم تأتي (القانتات) بدل (القانتين) ؟ لأنه في القاعدة العامة عند العرب أنهم يغلّبون الذكور على الإناث وكذلك في القرآن الكريم عندما يذكر المؤمنون والمسلمون يغلّب الذكور إلا إذا احتاج السياق ذكر النساء ومخاطبتهن. وكذلك عندما يذكر جماعة الذكور يقصد بها العموم. وإضافة إلى التغليب وجماعة الذكور فهناك سبب آخر أنه ذكرها من القانتين وهو أن آباءها كانوا قانتين فهي إذن تنحدر من سلالة قانتين فكان هذا أمدح لها وكذلك أن الذين كملوا من الرجال كثير وأعلى أي هي مع الجماعة الذين هم أعلى فمدحها أيضاً بأنها من القانتين ومدحها بآبائها وجماعة الذكور والتغليب أيضاً. ونعود إلى الآيتين ونقول لماذا جاء لفظ (فيه) مرة و (فيها) مرة أخرى؟ فنقول أن الآية في سورة الأنبياء (فنفخنا فيها من روحنا) أعمّ وأمدح:

стр. 668

دليل أنها أعمّ: ونسأل أيهما أخصّ في التعبير (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها) سورة التحريم أو (والتي أحصنت فرجها) سورة الأنبياء. فنقول أن الأخصّ مريم ابنت عمران وقوله تعالى (ونفخنا فيها من روحنا) أعمّ من (نفخنا فيه) وأمدح. إذن مريم ابنت عمران أخصّ من التي أحصنت فرجها فذكر الأخصّ مع الأخصّ (فنفخنا فيه) وجعل العام مع العام (ونفخنا فيها) . وكذلك في قوله تعالى (وجعلناها وابنها) في سورة الأنبياء أعمّ فجاء بـ (فيها) ليجعل الأعمّ مع الأعمّ. وسياق الآيات في سورة الأنبياء تدل على الأعمّ. عرفنا الآن لماذا هي أعم ويبقى أن نعرف لماذا هي أمدح؟ أيهما أمدح الآية (وجعلناها وابنها آية) أو (صدّقت بكلمات ربها) ؟ الآية الأولى أمدح لأن أي كان ممكن أن يصدق بكلمات ربها لكن لا يكون أي كان آية، والأمر الثاني أن ذكرها مع الأنبياء في سورة الأنبياء لا شك أنه أمدح من ذكرها مع النساء في سورة التحريم فالآية في سورة الأنبياء إذن هي أمدح لها. ومن الملاحظ في قصة مريم ﵍ وعيسى ﵇ أن الله تعالى جاء بضمير التعظيم في قوله تعالى (فنفخنا فيها) أي عن طريق جبريل ﵇ وهذا الضمير للتعظيم يأتي دائماً مع ذكر قصة مريم وعيسى ﵉ أما في قصة آدم ﵇ يأتي الخطاب (فنفخت فيه من روحي) لأن الله تعالى قد نفخ في آدم الروح بعد خلقه مباشرة أما في مريم فالنفخ عن طريق جبريل ﵇. ١٠٣- ما هي الآية التي نزلت داخل الكعبة؟

стр. 669

(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ﴿٥٨﴾ ) هي الآية التي نزلت داخل الكعبة عندما دخل الرسول ﵇ يوم فتح مكة طلب من عثمان بن طلحة وكان حاجب الكعبة أن يعطيه مفتاح الكعبة فأبى وصعد إلى سطح الكعبة فأرسل الرسول ﷺ بلالاً ليحضره منه ففتح الكعبة وحطّم الأصنام ثم نزلت هذه الآية يأمر الله تعالى رسوله أن يردّ المفتاح إلى عثمان وما زال في بني شيبة إلى الآن. ١٠٤- ما إعراب كلمة (الكواكب) في قوله تعالى (بزينة الكواكب) ؟ الكواكب بدل. والبدل والمبدل منه لا يشترط تطابقهما تعريفاً وتنكيراً مثل قوله تعالى (لنسفعاً بالناصية ناصية كاذبة خاطئة) . ١٠٥- ما إعراب كلمة (حافظاً) في قوله تعالى (والله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين) ؟ هذه الآية والآية (سلامٌ قولاً من رب رحيم) وكذلك (كبرت كلمةً تخرج من أفواههم) فيها وجهين إعرابيين: إما أن تكون تمييز أو تكون حال لأن القاعدة النحوية تنص على أن اسم التفضيل إذا كان ما بعده ليس من جنسه يُنصب، مثال (أنت أكثرُ مالاً، هو أحسنُ شعراً) وإذا كان ما بعده من جنسه يُضاف. (يقال: أنت أفضلُ رجلٍ، أحسنُ دارٍ) . وفي الآية (والله خيرٌ حافظاً) في سورة يوسف تعني أن حفظة الله تعالى خير منكم بدليل قوله تعالى (ونرسل عليكم حفظة) فكأنه تعالى قارن بينهم (بين إخوة يوسف) وبين حفظة الله (والتمييز أقوى من الحال) لسبب أن الحال قيد لعاملها كأنه خير فقط في هذه الحال من حالة الحفظ أما في التمييز فهي أقوى. ولو قال "الله خيرُ حافظٍ" فهي تدلّ على أن الله هو الحافظ. سلامُ قولاً من رب رحيم: قولاً مفعول مطلق. كبُرت كلمةً: تمييز (الفاعل مفسّر بتمييز بمعنى كبرت الكلمة كلمة)

стр. 670

تبسّم ضاحكاً: حال مؤكدة (إسم فاعل) . ١٠٦- ما دلالة (من) في قوله تعالى (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٧٧﴾ ) ؟ يقول النحاة أن (نصرناه من) تعني نجّيناه من و (نصرناه على) تفيد الإستعلاء. ونسأل لماذا لم يستخدم سبحانه كلمة (نجّيناه من) بدل (نصرناه من) ؟ ونقول أن الفرق بين " نجيناه من " وَ "ونصرناه من " أن الأولى تتعلق بالناجي نفسه أما الثانية فهي تتعلق بالجانبين بمعنى أنه نجّى نوحاً وعاقب الآخرين فالنصرة هنا نجاة للناجي وعقاب لخصمه. وقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى في سورة هود (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴿٦٣﴾ ) و (وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴿٣٠﴾ ) وفي سورة العنكبوت (فأنجاه الله من النار) وقوله تعالى في سورة التحريم (ونجّني من فرعون وعمله) . ١٠٧- ما إعراب كلمة (القوم) و (مشارق) في الآية (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا) ؟

стр. 671

قال تعالى في سورة الأعراف: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ ﴿١٣٧﴾ ) . فعل (أورثنا) ينصب مفعولين وعليه فإن (القوم) مفعول به أوّل و (مشارقَ) مفعول به ثاني لفعل أورثنا. وهذا ينطبق أيضاً على قوله تعالى في سورة الأحزاب (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ﴿٢٧﴾ ) (أرضهم) مفعول به أول و (ديارهم) مفعول به ثاني. ١٠٨- لماذا جاءت كلمة (المقيمين) منصوبة في قوله تعالى (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً ﴿١٦٢﴾ ) ؟ الآية جاءت في سورة النساء وهذا ما يُعرف بالقطع في القرآن الكريم. والقطع يكون في النعوت وفي المتعاطفات. يُقطع مع المرفوع منصوب أو هذا منصوب فيأتي بصيغة مرفوعة أو منصوبة فنقول: مررت بزيدٍ العالمِ، العالمُ، العالمَ) وهذا يُسمى قطع في النعت. القطع في العطف يُقطع الأمر المهم في المدح وهي تدلّ على أن الأمر المقطوع هو أمدح أو أخصّ وفي الآية التي بين أيدينا (المقيمين الصلاة) هم أعلى المذكورين والصلاة هي أعلى العبادات. (والمقيمين الصلاة) معطوفة على مرفوع (لكن الراسخون في العلم) هي الأصل و (المقيمين الصلاة) نصب على رفع أما باقي المعطوفات فهي مرفوعة (والمؤتون الزكاة، والمؤمنون بالله، والمؤمنون) .

стр. 672

١٠٩- ما الفرق من الناحية البيانية بين استخدام (ما) و (من) في القرآن الكريم؟ ما: خاصة بالعقلاء. قال تعالى (لله ما في السموات وما في الأرض) (ما) هنا تدل على العقلاء من الملائكة والمكلّفين من أصحاب العقل. من: لذوات غير العاقل وصفات العقلاء. كما في قوله تعالى (ولله من في السموات ومن في الأرض) . ١١٠- ما الفرق بين الحال المؤكّدة والحال المؤسسة؟ الحال المؤكدة: هي التي يستفاد معناها من غيرها ومما قبلها وهي مؤكدة لصاحبها أو لمعنى الجملة كقوله تعالى (فتبسّم ضاحكاً من قولها) والتبسّم هو الضحك. وكأن نقول مثلاً: قدر مستطيعاً. الحال المؤسسة: هي التي لا يستفاد معناها من غيرها. ١١١- ما دلالة الفعل المضارع (يسعون) في قوله تعالى في سورة سبأ (وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿٣٨﴾ ) ؟ الفعل المضارع له أزمنة كثيرة فقد يكون للمضي (فلم تقتلون أنبياء الله) أو للحال أو الإستمرار أو الإستقبال. فهو إذن له زمن متّسع اتساعاً كبيراً. وهنا في الآية استعمل للمزاولة وليس بالضرورة ما كان في المستقبل فقط ولو قال "سعوا" لاحتمل أن يكون هذا الساعي تاب ولا يقام عليه هذا الأمر لكن الذي هو مستمر هو الذي يُقام عليه الأمر.

стр. 673

وقد ورد هذا الفعل (يسعون) بصيغة المضارع أيضاً في سورة المائدة (إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣﴾ ) والآية (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴿٦٤﴾ ) . ١١٢- ما اللمسة البيانية في اختيار كلمة (تفتأ) في سورة يوسف (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴿٨٥﴾ ) ؟

стр. 674

في سورة يوسف قال تعالى على لسان إخوة يوسف مخاطبين أباهم يعقوب (قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ﴿٨٥﴾ ) . استخدمت كلمة (تفتأ) هنا بمعنى لا يزال وهي من أخوات كان (ما انفك، ما برح، ما زال، ما فتيء) "ما زال" تدل على الإستمرار والدوام (نقول ما زال المطر نازلاً) لكن يبقى السؤال لماذا اختار تعالى كلمة (تفتأ) دون غيرها من أخواتها التي قد تعطي نفس المعنى من الإستمرار والدوام؟ ونستعرض معنى كلمة "فتيء" في اللغة: من معانيها (سكّن) بمعنى مستمر لأنه عندما لا يسكن فهو مستمر، ومعناها أطفأ النار (يقال فتيء النار) ومن معانيها أيضاً: نسي (فتئت الأمر أي نسيته) . إذن كلمة (فتأ) لها ثلاثة معاني سكّن وأطفأ النار ونسي. وفاقد العزيز سكن بمجرد مرور الزمن فمن مات له ميت يسكن بعد فترة لكن الله تعالى أراد أن يعقوب لا ينسى ولا يكفّ بدليل قوله تعالى (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴿٨٤﴾ ) ، وفاقد العزيز كأنما هناك ناراً تحرق جنبيه ويقال (حرق قلبي) والنار التي بين جنبي يعقوب ﵇ لم تنطفئ مع مرور الأيام ولم تزل النار ملتهبة مستعرة في قلب يعقوب ﵇، وهو لم ينسى وفاقد العزيز ينسى بعد فترة ولذا يدعو له المعزّون بالصبر والسلوان. إذن (تفتأ) جمعت كل هذه المعاني المرادة هنا في الآية ولا يؤدي أي لفظ آخر هذه المعاني مجتمعة غير هذه الكلمة. والقرآن الكريم لم يستعمل هذه الكلمة إلا في هذا الموضع في سورة يوسف واستعمل (يزال ولا يزال) كثيراً في آيات عديدة (ولا تزال تطّلع على خائنة منهم) . واستخدام كلمة (حرضاً) في الآية تدل على الذي يمرض مرضاً شديداً ويهلك.

стр. 675

ومن الغريب أن القياس أن يُقال (لا تفتأ) لأن استعمالها نفي أو شبه نفي. وهذه من مواطن النفي ولم تحذف الـ (لا) في جواب القسم إلا في هذا الموطن في القرآن الكريم فهذه هي الآية الوحيدة التي وقعت في جواب القسم منفية ولم يذكر معها اللام ففي عموم القرآن عندما يكون القسم منفياً يأتي باللام (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت) إذن من الناحية النحوية هناك خياران: إما ذكر اللام أو حذفها. فمن الناحية النحوية إذا كان جواب القسم فعل مضارع لا بد أن يكون باللام مع النون مثل (تالله لأكيدنّ أصنامكم) وإما مع اللام إذا اقتضى حذف النون. لا بد في جواب القسم المثبت أن تذكر اللام سواء مع النون أو بدونها. وعندما لا تذكر اللام فهذا يدل على النفي ولا يكون مثبتاً إلا بذكر اللام مع الفعل المضارع. إذا لم تأتي بـ (لا) فهو نفي قطعاً كقول الشاعر (فلا والله أشربها حياتي) بمعنى لا أشربها قطعاً. وقولنا (والله أذهب) يعني لا أذهب. فقد ورد قوله تعالى (فلا وربّك لا يؤمنون) لم تحذف الـ (لا) هنا ونسأل عن السبب؟ لماذا حذف الـ (لا) في الآية؟ لأن هذا القول قاله إخوة يوسف لكن هل هم أقسموا على أمر يعلمونه حق العلم؟ كلا هم أقسموا على أمر يتصورونه فالأمر إذن ليس مؤكداً ولم يحصل أصلاً فالذكر آكد من الحذف ولذا لم تذكر (لا) في جواب القسم ولقد جاء في الآية ما يفهم المعنى بدون الحاجة لذكر (لا) ولأن الذكر آكد من الحذف ولأن الأمر ليس مؤكداً عند إخوة يوسف. وهذا ما يُعرف بالتوسّع في المعنى في القرآن الكريم. ١١٣- ما اللمسة البيانية في تقديم الأكل على الشرب في سورة مريم (فكلي واشربي وقرّي عينا) ؟

стр. 676

نلاحظ الآية قبلها في سورة مريم (فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ﴿٢٤﴾ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴿٢٥﴾ فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ﴿٢٦﴾ ) . فقد وردت كلمة السري وهي تعني (السيّد) وجمعها سُراة أي السادة (ولا سُراة إذا جُهّالهم سادوا) ، وهي بمعنى أن الله تعالى قد جعلك تحتك سيّدا. أما التقديم والتأخير في الأكل والشرب فنلاحظ أنه في القرآن كله حيثما اجتمع الأكل والشرب قدّم تعالى الأكل على الشرب حتى في الجنّة (كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية) وقوله (كلوا واشربوا من رزق الله) وكذلك في آية سورة مريم (فكلي واشربي وقرّي عينا) والسبب في ذلك أن الحصول على الأكل أصعب من الحصول على الشرب. ١١٤- ما اللمسة البيانية في حذف (لا) (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ) وذكرها (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ) في سورة التوبة؟ لو نظرنا في الآيتين في سورة التوبة هناك تشابه واختلاف ففي الأولى ذكرت (لا) وزادت اللام في (ليعذّبهم) وذكر كلمة الحياة الدنيا في الآية الأولى وذكر الدنيا في الثانية (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٥٥﴾ ) و (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴿٨٥﴾ ) ونستعرض بالتفصيل الفرق بين الآيتين:

стр. 677

١. بدأ الآية الأولى بالفاء والثانية بالواو. لأن الآية الثانية معطوفة على ما قبلها فسياق الآيات السابقة يقتضي العطف أما الآية الأولى فالفاء للإستئناف وليس هناك عطف (قد تأتي الفاء للإستئناف أو التفريع) . ٢. (تعجبك أموالهم ولا أولادهم) في سياق الإنفاق أي إنفاق الأموال. (قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً) (وما منعهم أن تُقبل لهم) (ولا ينفقون إلا وهم كارهون) (فلا تعجبك أموالهم) (إنما الصدقات) فالكلام كله إذن في الإنفاق في الآيات التي قبلها وبعدها. أما الآية الثانية فسياق الآيات قبلها وبعدها في الجهاد وليس الإنفاق. فلمّا كان السياق في الأموال أضاف (لا) وفصل الأولاد والأموال للتوكيد. ٣. . (ليعذّبهم) زيادة اللام في الآية الأولى وهي زيادة التوكيد لأن السياق في الأموال والإنفاق وكما أكّد بـ (لا) أكدّ باللام بمعنى (إنما يريد الله أن يعذبهم) . فزيادة اللام قياسية للتوكيد (تؤكد معنى الإرادة) واللام تزاد قياساً وتُزاد سمعاً في المفعول به كما في قوله (والذين هم لربهم يرغبون) واللام زائدة في فعل الإرادة أن (أراد) فعل يتعدّى بنفسه فيؤتى باللام الزائدة للتوكيد، أو اللام للتعليل وهي على أي قول فهي للتوكيد (علّل الإرادة في الآية الأولى أو أكدّ الإرادة في الآية الأولى) . فلمّا كانوا متعلقين بالمال تعلّقاً شديداً أكّد باللام (ليعذبهم فيها) فكان التعذيب أشدّ. ذكر (الحياة الدنيا) في الآية الأولى و (الدنيا) في الآية الثانية: الآية الأولى في سياق الأموال والأموال عند الناس هي مبعث الرفاهية والحياة والسعادة والمال هو عصب الحياة، أما الآية الثانية فهي في الجهاد مظنّة مفارقة الحياة في القتال فاقتضى السياق ذكر (الحياة) في الآية الأولى وحذفها في الآية الثانية. ١١٥- ما الفرق بين (هُمَزة) و (همّاز) ؟

стр. 678

قال تعالى في سورة الهمزة (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ﴿١﴾ ) وقال تعالى في سورة القلم (هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ ) الفروق بين الآيتين في الصيغ فصيغة (همّاز) هي صيغة مبالغة على وزن فعّال تدل على الحرفة والصنعة والمداولة في الأصل مثل نجّار وحدّاد وخيّاط. وعندما نصف شخصاً ما بـ (كذّاب) فكأنما نقول أن صَنعَتُه الكذب. أما صيغة هُمَزة فهي مبالغة بالتاء وهناك أكثر من نوع للمبالغة بالتاء: ما أصله غير مبالغة وبالغ بالتاء مثل راوي – راوية (للمبالغة) وهي في الأصل صيغة مبالغة ونأتي بالتاء لزيادة المبالغة. ما أصله صيغة مبالغة ثم نأتي بالتاء لتأكيد المبالغة وزيادتها، مثل: (هُمزة) فأصلها (هُمَز) وهي من صيغ المبالغة مثل (حُطَم ـ لُكَع ـ غُدَر ـ فُسق) ، فنأتي بالتاء لزيادة المبالغة. ويقول أهل اللغة: ما بولغ بالتاء يدل على النهاية في الوصف أو الغاية في الوصف، فليس كل (نازل) يسمى (نازلة) ، ولا كل (قارع) يسمى (قارعة) حتى يكون مستطيرا عاما قاهرا كالجائحة، ومثلها القيامة والصاخة والطامة. فهذا التأنيث للمبالغة بل الغاية في المبالغة، وهذا ما تدل عليه كلمة (هُمَزة) إذن نحن أمام صيغتين للمبالغة إحداهما تدل على المزاولة، والأخرى على النهاية في الوصف ... ها هو الفرق بينهما والسؤال الآن بعد أن عرفنا الفرق بينهما: لماذا اختار وضع هذه هنا وهذه هناك؟

стр. 679

قال تعالى في سورة الهُمزة ("وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ. الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ. يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ. كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ. نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ. الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ. فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ ") وقال في سورة القلم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ. مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ. وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ. وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ. بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ. وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ. هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ. أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ. إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ)

стр. 680

استعمال (هُمزة) في آية سورة الهمزة لأنه ذكر النتيجة وتعرّض للعاقبة، نتيجة وغاية وعاقبة الكفار الويل وجاءت الآية (كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ ) والحُطمة هي بنفس صيغة (همزة) وهي صيغة مبالغة لذلك ناسب أن يذكر بلوغه النهاية في الاتصاف بهذه الصفة بالتاء تدل على النهاية في الحطم، وهي تفيد أن الجزاء من جنس العمل فكما أنه يبالغ في الهمز فسيكون مصيره مماثلا في الشدة فالذي يتعدّى على الناس في قوانين الدنيا في أنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة. ونلاحظ أيضا من السورة أن الخارج والمتعدي يحبس في النار وهكذا في قوانين الدنيا أيضا.

стр. 681

أما في سورة القلم استخدام صيغة (همّاز) لأن الكلام في التعامل مع الناس وكل سورة القلم تتكلم عن التعامل مع الناس. "وإنك لعلى خلق عظيم"، فهي تتناول السلوكيات ولا تذكر العاقبة إلا قليلا وهي التي وردت في قوله: "سَنَسمُه على الخرطوم" ولكنه لم يذكر شيئا آخر من عاقبة مرتكب هذا الفعل إنما ذكر صفاتهم فقط مثل (حلاف مهين هماز مشاء بنميم) وهذه الصفات لا تستوجب الطاعة ولم يأتي ذكر العاقبة في هذه السورة فهي كلها في التعامل. وجاء في السورة (أن كان ذا مال وبنين) ينبغي أن لا يُطاع ولو كان ذا مال وبنين فهو يمتنع بماله وبنيه والمال والبنون هما سبب الخضوع والإيضاح والإنقياد ولو كان صاحبهما ماكر لذا جاءت الآية (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴿١٣﴾ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿١٤﴾ ) . فالعربي صاحب عزة في عشيرته ببنيه ولكن المال والقوة هما سبب الخضوع والانقياد في الأفراد والشعوب مهما كانت حقيقة صاحب المال من أخلاق سوء وإثم واعتداء فإن لها القوة لما لها من مال وقوة وهذا مشاهد في واقعنا وهو سبب استعلاء الدول القوية صاحبة هذا المال وتلك القوة على الشعوب المستضعفة. فالملحوظ هنا أن سورة القلم لم تتطرق إلى نهايتهم بل اكتفت بالأمر بعدم طاعتهم، أما الهمزة فقد ذكرت نهايتهم بتفصيل. ١١٦- ما دلالة التكرار في قوله تعالى (أولى لك فأولى) (ثم أولى لك فأولى) في سورة القيامة؟ التكرار في القرآن الكريم جزء من الإعجاز. والآية فيها عطف على جزء من الآية بالفاء ثم عطف بـ (ثمّ) في الآية الثانية.

стр. 682

(أولى لك) عبارة تقال على جهة الزجر والتوعّد والتهديد، واشتقاقها من (الوَلي) وهو القرب فهو اسم تفضيل يفيد قرب وقوع الهلاك؛ (الويل) كلمة دعاء عليهم بأن يليهم المكروه. واختيار هذا الدعاء أنسب شيء هنا فهو دعاء عليهم وتهديد لهم بالويل القريب والشر الوشيك العاجل فهو مناسب لإيثارهم العاجلة وتقديمهم الفجور والشهوات وتأخيرهم الطاعات فكما عجلوا في المعاصي عجّل الله تعالى لهم الويل والثبور وهو مناسب لجو العجلة في السورة. جو السورة هو في إيثار العاجلة عن الآخرة (كلا بل تحبون العاجلة* وتذرون الآخرة) ومن حُبّ الشخص للعاجلة عجّل له الويل فاستعمل (أولى) . وكلمة (أولى) بعد الموت وفي النزع لأن العذاب يكون قريباً منه في هذه المرحلة. وفي قوله تعالى (أولى لك فأولى* ثم أولى لك فأولى) تكرار جزئي في الآية الواحدة وتكرار كلي للآية، فلماذا التكرار الجزئي؟

стр. 683

قال تعالى (فلا صدّق ولا صلّى ولكن كذّب وتولّى) كل واحدة لها أولى لك (أي لكل منها تهديد) لكن هل هذه الأمور كلها متساوية وفي منزلة واحدة؟ (لا صدّق) تعني أنه لم يؤمن بشيء، (لا صلّى) إذا لم يصدّق وفعل ما فعل من مظاهر الطاعة فلا ينفعه، أما إذا كان مؤمناً وتكاسل في الطاعات هذا تُرجى له التوبة والمغفرة ولا يخرج من المِلّة. إذن الأساس الأول هو التصديق فالأمران ليسا بمرتبة واحدة فجعل لكل واحد منها تهديداً. فعدم التصديق أكبر جرماً وضلالاً لأن صاحبه لم يؤمن أصلاً أما عدم الصلاة كما أسلفنا فهو أخفّ. فلذلك كانت قوة التهديد بمقابل قوة الوصف فقال مقابل (فلا صدّق) (أولى لك) فذكر (لك) ومقابل (ولا صلّى) قال (فأولى) بحذف (لك) إشارة إلى عظم الإيمان وأهميته وإشارة إلى أن الصفتين المذكورتين ليستا بدرجة واحدة في الضلال. وزيادة (لك) في قوله (أولى لك) للأهمية كما جاء في سورة الكهف (ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا) وفي الآية الأخرى (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا) . أما لماذا خصصت الصلاة بالذكر فلأن الصلاة هي أهم العبادات. لماذا تكرير الآية (أولى لك فأولى) ؟ قال تعالى في الآية (ولكن كذّب وتولّى) و (كذّب) معناها:لا صدّق (وتولى) من معناها عدم الصلاة. فكرر الأمران الأوليان بمعناهما وجاء (كذّب) مقابل (لا صدّق) و (تولّى) مقابل (لا صلّى) لذا كرر التهديد كما في الآية الأولى، وعدم التصديق أو التكذيب هو إنكار للإيمان من أساسه فهو لم يصدّق بالرسالة ولا ببقية أركان الإيمان. وقد ذكر تعالى عدم التصديق وأكده بالتكذيب وذكر عدم الصلاة وأكده بالتولي ولكلٍ تهديد ووعيد فكرره أربع مرات كل وعيد مقابل كل صفة.

стр. 684

وجاء بالفاء بين أجزاء الآية (أولى لك فأولى) وجاء بـ (ثمّ) بين الآيتين، و (ثمّ) ليست فقط للتراخي الزمني ولكنها تأتي للتوكيد أيضاً. فلا صدّق ولكن كذّب وكذّب أكثر من لا صدّق وتقتضي الإعلان والإشهار لذا هي أكثر من ولا صدّق. وتولّى هي في عموم الطاعات وهي أكثر من (ولا صلّى) لذا جاءت (ثمّ) للتراخي. أما استخدام الفاء في (فأولى) الأولى لأن ما بين العذابين الأوليين عذاب الدنيا وعذاب القبر قريب وكذلك في الآية الثانية لأن ما بين العذابين الآخرين قريب وهو بين يوم القيامة ودخول النار، الآية (أولى لك فأولى) قيلت في حالة الإحتضار يبدأ العذاب في النزع ثم في القبر وبينهما مسافة قريبة لذا جاء بالفاء لقربهما أما الثانية (ثم أولى لك فأولى) جاءت في الحشر والنار وجاء بالفاء بينهما لقربهما أي الحشر والنار أما استخدام (ثمّ) بين القبر والحشر دلالة على التراخي والفاصل الزمني البعيد بين كل منهما ولأن بين القبر والحشر آلاف السنين، واستخدام (ثم) يفيد عموم البعد والتباين وليس التراخي في الزمن فقط. فالتكرار للفظ (أولى) أربع مرات دلالة على أن الويل لك حياً والويل لك ميتاً والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل النار. ١١٧- ما اللمسة البيانية في قوله تعالى في سورة الجمعة (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿١١﴾ ) ؟

стр. 685

هذه الآية نزلت بينما كان الرسول ﷺ يخطب بعد صلاة الجمعة فجاءت العير بتجارة وكانت سنة شديدة فانفضّ الناس بسبب التجارة وليس بسبب اللهو لأنه كان هناك غلاء في الأسعار فعندما نودي أن القافلة وصلت انفضّ الناس عن الرسول ﷺ ولهذا قدّم التجارة في أول الآية (وإذا رأوا تجارة) . ثم في نهاية الآية قدّم تعالى اللهو على التجارة لأنه ليس كل الناس ينشغلون بالتجارة عن الصلاة فكثير ينشغلون باللهو وما عند الله تعالى خيرٌ من اللهو ومن التجارة لذا قدّم اللهو على التجارة. وقوله تعالى (والله خير الرازقين) لأن التجارة مظنّة الرزق فوضع التجارة بجانب قوله تعالى (والله خير الرازقين) فليس لائقاً ولا مناسباً أن يقول تعالى (والله خير الرازقين) بجانب اللهو وفي اللغة عادة تترقّى من الأدنى إلى الأعلى فذكر الأدنى (اللهو) ثم الأعلى (التجارة) . وهناك أمر آخر وهو تكرار (من) في قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) لأنه لو قال (من اللهو والتجارة) لأفاد أن الخيرية لا تكون إلا باجتماعهما أي اللهو والتجارة أما قوله تعالى (من اللهو ومن التجارة) فهي تفيد أن الخيرية من اللهو على جهة الإستقلال ومن التجارة على جهة الإستقلال أيضاً فإن اجتمعا زاد الأمر سوءاً. ١١٨- ما دلالة قوله تعالى (وعَبَدَ الطاغوت) في سورة المائدة؟ قال تعالى في سورة المائدة: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللهِ مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ ﴿٦٠﴾ ) (عبد الطاغوت) ليست معطوفة على القردة والخنازير وإنما هي فعل ماضي معطوفة على (وجعل منهم) فهي جملة معطوفة على جملة.

стр. 686

١١٩- ما الفرق بين (سنة) و (عام) في قوله تعالى في قصة نوح ﵇ (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) ؟ كلمة (سنة) في القرآن تدلّ عادة على الجدب والقحط ويقال: " أسنت الناس " إذا أصابهم قحط ويقال: " أصابتنا سَنَة " بمعنى جدب وقحط. أما كلمة (عام) فهي عادة تستعمل في الخير في الغالب. وفي قصة نوح ﵇ يقول المفسرون: أنه لبث في الدعوة ٩٥٠ سنة مع قومه بشدة وصعوبة وتكذيب له واستهزاء به أما الخمسين عاماً فهي ما كان بعد الطوفان حيث قضاها مع المؤمنين في راحة وطمأنينة وهدوء بعيداً عن الكافرين من قومه الذين أغرقهم الله بالطوفان. ١٢٠- وردت كلمة (إبراهيم) في القرآن كله بالياء إلا في سورة البقرة جاءت بدون الياء (إبراهم) فما دلالة ذلك؟ إبراهيم في القرآن الكريم وردت منقوطة بالياء في كل القرآن إلا في سورة البقرة وهذا من خط المصحف لأن كتبة المصحف كانوا كُثُر ولا يُقاس على خط المصحف. قاعدة: "خط المصحف لا يقاس عليه". وعلينا أن نعلم أنه حصل تطور في تاريخ الكتابة منذ زمن الرسول ﷺ فبدأت الكتابة العربية تستقر وتأخذ أشكالاً أخرى ولذلك نرى أكثر من رسم للكلمة مثال كلمة (لكيلا) يمكن كتابتها موصولة ويمكن كتابتها (لكي لا) ، كذلك كلمة (إذن) تكتب بالنون أو بالتنوين (إذاً) وكلمة (مئة) و (مائة) وغيرها وكلا الكتابات جائز عند العرب. والمصحف كتبه عدد كبير من الكتبة؛ والرسم الذي كتبوا به هو كتابتهم في أزمانهم فمرّة يرسم حرف العلة ومرة لا يرسم وأحياناً يكون الرسم لاختلاف القراءات فيوضع الرسم الذي يجمع القراءات المتواترة كما في سورة الفاتحة تكتب (ملك يوم الدين) بدون ألف لأنه ورد قراءة متواترة (ملك يوم الدين) وقراءة متواترة أخرى (مالك يوم الدين) وشروط القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لرسم المصحف.

стр. 687

وكلمة (إبراهيم) في سورة البقرة ورد فيها قرائتين متواترين إحداهما (إبراهم) بدون ياء والثانية (إبراهيم) بالياء فكتبت بالشكل الذي يحتمل القراءتين. ١٢١- ما دلالة كلمة (مودة) في آية سورة النساء؟ ولماذا لم يقل عداوة؟ في سورة النساء آية ٧٣ قال تعالى: (وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً ﴿٧٣﴾ ) ولو قرأنا الآية التي تسبق هذه الآية (وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيداً ﴿٧٢﴾ ) لانتفى السؤال أصلاً فالآية فيها (وإنّ منكم لمن ليبطئنّ) "إن منكم" تعني من بين المؤمنين سواء من كان ضعيف الإيمان أو غيره فهو إما يبطيء نفسه أو يبطيء غيره فهؤلاء المخاطبين هم من صفوف المؤمنين فلا يصح أن يكون بينهم عداوة وإنما مودة كما ذكرت الآية الكريمة. ١٢٢- ما هي أوجه البلاغة في قول النملة في سورة النمل مخاطبة قومها؟

стр. 688

قال تعالى في سورة النمل (حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٨﴾ ) فالنملة حذّرت ونادت ونصحت قومها وأنذرت وعممت وأكدّت وقصّرت وبالغت وغيره وكل هذا ليس مهماً فكل كلام يقال فيه أوجه بلاغية لكن المهم كيف عبّر عن ذلك. فالنملة بدأت مخاطبة قومها مخاطبة العقلاء وجاءت بلفظ (مساكنكم) ولم تقل بيوتكم أو جحوركم لأنهم في حالة حركة والحركة عكسها السكون فاختارت لفظ المساكن من السكون حتى يسكنوا فيها ولم تقل المساكن والجحور وإنما قالت (مساكنكم) أي أن لكل نملة مسكنها الخاص الذي تعلم مكانه ولم تقل ادخلن وإنما قالت ادخلوا، ثم أكدّت بالنداء بقولها (يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم) حرف النداء الدال على البعد حتى يسمعوا نداءها، وقالت (سليمان وجنوده) ولم تقل "جنود سليمان" حتى ترفع العذر عن سليمان، أيضاً فلو قالت "جنود سليمان" لكان سليمان غير عالم إذا كان قاصداً أو غير قاصد وجاءت بلفظ (سليمان) بدون أي لقب له كالنبي سليمان للدلالة على أنه مشهور بدون أن يوصف، ثم حثتهم على الإسراع في التنفيذ قبل أن تنالهم المصيبة، ونسبت الفعل لسليمان (لا يحطمنكم) وفعل يحطمنكم مقصود في الآية لأنه ثبت علمياً أن جسم النمل يتركب معظمه من كمية كبيرة من السليكون الذي يدخل في صناعة الزجاج والتحطيم هو أنسب الأوصاف للفعل الدالّ على التكسير والتهشيم والشدة. إذن ليس المهم جمع أوجه بلاغية في التعبير لكن المهم كيف التعبير عن هذه الأوجه وهذا ما يتفرّد به القرآن الكريم. ١٢٣- ما الفرق من الناحية البيانية في استخدام لفظة (رسول، رسولا) في قصة موسى وهارون؟

стр. 689

قال تعالى في سورة طه (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ﴿٤٧﴾ ) وفي سورة الشعراء (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦﴾ ) وفي سورة الزخرف قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٦﴾ ) المسألة تتعلق بالسياق ففي سورة طه السياق كله مبني على التثنية من قوله تعالى (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴿٤٢﴾ ) إلى قوله (قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴿٦٣﴾ ) الشعراء؛ السياق كله مبني على الإفراد من قوله تعالى (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴿١٨﴾ ) إلى قوله (قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ ﴿٣٤﴾ ) مع العلم أن أوائل السورة فيها تثنية من قوله تعالى (قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿١٥﴾ ) إلى قوله (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦﴾ ) . وكلمة (رسول) في اللغة تأتي مفرد وتأتي جمع مثل كلمة "بشر" (أبشراً منا واحداً نتّبعه) وقوله تعالى (بل أنتم بشر ممن خلق) وكلمة طفل (ثم يخرجكم طفلاً) وكلمة (ضيف) .

стр. 690

يقال في اللغة نحن رسول وإنا رسول فقوله تعالى (إنا رسول ربك) تأتي مع البيان ومع سنن العربية وليس فيها مخالفة للغة. وفي سورة الزخرف لم يأتي ذكر (هارون) في سياق السورة كلها أصلاً فقال تعالى (إني رسول رب العالمين) . وهذه الآيات الثلاثة لا تعارض فيها وإنما هي لقصة واحدة ذهب موسى وأخاه هارون إلى فرعون وفي كل سورة جاء بجزء من القصة بما يقتضيه السياق في السورة وهذه اللقطات إنما هي مشاهد متعددة يُعبّر عن كل مشهد حسب السياق وليس في الآيات الثلاثة ما يخالف العربية لأن كلمة (رسول) تأتي كما قلنا سابقاً مفرد وجمع. كذلك يستعمل القرآن الكريم كلمة (طفل) مرة و (أطفال) مرة حسب ما يقتضيه السياق ولا يخرج عن اللسان العربي وسنن العربية. ١٢٤- ما العلاقة بين الخوف من عدم القسط باليتامى والنكاح في آية سورة النساء؟ قال تعالى في سورة النساء (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ ﴿٣﴾ ) نزل الحكم في ولّي اليتيم الذي تعجبه المرأة مالها وجمالها فيبخسها حقها طمعاً بمالها فلا يعطيها مهرها الكافي، لذا جاءت الآية: إذا خفتم ألا تعولوا في إعطاء النساء اليتيمات حقهن فانكحوا غيرهن من النساء غير اليتيمات. وكان العرب يرغبون برعاية اليتيم واليتيمة فلما حذّرهم الله من عدم العدل في مال اليتيم خافوا من رعاية اليتيم فوردت الآية أن يقيموا العدل بين النساء ويخافوه كما يخافوا عدم العدل في اليتيم. ١٢٥- ما الفرق في ترتيب الأهل بين سورتي عبس وسورة المعارج؟

стр. 691

قال تعالى في سورة عبس (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ ) وقال في سورة المعارج (يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ ﴿١٣﴾ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ ﴿١٤﴾ ) . وهذا الترتيب في الأهل يتناسب مع سياق الآيات ففي سورة عبس المشهد هو مشهد الفرار يخلو المرء بنفسه ويفرّ المرء أولاً من الأبعد إلى الأقرب إلى قلبه يفرّ أولاً من أخيه ثم من أمه وأبيه ثم من صاحبته وبنيه الذين هم أقرب الناس إلى قلبه. أما في سورة المعارج فالمقام مقام عذاب وليس فرار فيرى المرء مشهد عذاب فوق ما تصوره ولا يقبل المساومة فيبدأ يفدي نفسه بالأقرب إلى قلبه ثم الأبعد لذا بدأ ببنيه أعز ما عنده ثم صاحبته وأخيه ثم فصيلته ثم من في الأرض جميعاً والملاحظ أنه في حالة الفداء هذه لم يذكر الأم والأب وهذا لأن الله تعالى أمر بإكرام الأب والأم ويمنع الإفتداء بالأم أو الأب من العذاب إكراماً لهما. ١٢٦- لماذا وردت كلمة (كلا) في الجزء الثاني من القرآن ولم ترد أبداً في الجزء الأول؟ كلمة (كلاّ) وردت في الجزء الثاني من القرآن الكريم ٣٣ مرة ولم ترد أبداً في الجزء الأول، وهي كلمة ردع وزجر وقد تكون جواباً من حيث الدلالة. وإذا نظرنا إلى سياق الآيات الأولى في القرآن الكريم نجد أن معظمها مدني ونزلت في الأحكام أما الجزء الثاني فمعظم سوره مكيّة وهي نزلت في أمور العقيدة والحساب والبعث لذا فسياق الجزء الأول لا يقتضي الزجر والأسئلة بينما الجزء الثاني يقتضي الزجر والردع والأسئلة. وفي قوله تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى) جاءت كلمة (كلا) هنا بمعنى حقاً. ١٢٧- ما دلالة كلمة (يهدّي) في سورة يونس؟

стр. 692

قال تعالى في سورة يونس (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴿٣٥﴾ ) من حيث التكوين اللغوي لكلمة (يهدّي) تعني يهتدي وحصل فيها إبدال معلوم التاء انقلبت دال مثل قوله (يخصّمون) في سورة يس وهي (يختصمون) وكلمة (ازّينت) وهي تزينت. يبقى السؤال لماذا جاءت (يهدّي) هي فيها تضعيف الدال بينما (يهتدي) ليس فيها تضعيف الدال والتضعيف يفيد المبالغة أي بالغ في عدم اهتداء هؤلاء. فلماذا بالغ هنا في الآية؟ هنا يتكلم عن الأصنام والأصنام ليست كالبشر لأنها غير قادرة على فعل شيء ولم يرد في القرآن نفي الهداية عن الأصنام إلا في هذه الآية. في كل القرآن ورد نفي الهداية عن البشر فجاء بلفظ يهتدي وتهتدي. وإذا فقد السمع والبصر مبالغة في عدم الهداية لذا المبالغة في عدم الهداية جاءت كلمة (يهدّي) فكيف تهتدي الأصنام؟ لذا اقتضى المبالغة. وتوجد قراءة متواترة (يهدي) . ١٢٨- ما دلالة استخدام (وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) في آية سورة المائدة؟ قال تعالى في سورة المائدة (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٣٨﴾ ) ولم يقل والله غفور رحيم لأنه تعالى لو قال "غفور رحيم" تدلّ على أنه لو غفر ورحِم ما قطع ولكنه تعالى عزّ فحَكَمَ فقَطَع. ١٢٩- ما حكمة تكرار قوله تعالى (ولا أنتم عابدون ما أعبد) في سورة الكافرون؟

стр. 693

قال تعالى في سورة الكافرون (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴿١﴾ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴿٢﴾ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٣﴾ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ﴿٤﴾ وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴿٥﴾ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴿٦﴾ ) . النفي في حقّ الرسول ﵊ ورد مرتين ونُفي في حالتين: الأولى نفى عن نفسه عبادة ما يعبد الكافرون بالجملة الإسمية والفعلية والفعل جاء بصيغة الماضي (ولا أنا عابد ما عبدتم) مرة والمضارع مرة أخرى (لا أعبد ما تعبدون) أما في حقّ الكافرين فجاء النفي في الجملة الإسمية فقط في قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) وهذا يدل على إصرار الرسول ﵊ وإيمانه بعقيدته أكبر وأثبت من إصرار الكافرين. وقد نفى الله تعالى عن الكافرين العبادة بالجملة الإسمية للدلالة على الثبوت ونفاها عن الرسول بالجملة الفعلية والإسمية دليل على إصراره على عبادة ربه على وجه الدوام وبالحدوث والثبوت وفي الحال والماضي. وجاءت الجملة الإسمية لأنه جاء إسمهم (قل يا أيها الكافرون) فجاء النفي بالجملة الإسمية لأنه جاء تعريفهم بالإسم (الكافرون) . ١٣٠- لماذا وردت كلمة (يهتدي) بالياء في سورة النمل وبدون ياء في سورة الروم؟

стр. 694

قال تعالى في سورة النمل (وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴿٨١﴾ ) بذكر الياء وقال في سورة الروم (وَمَا أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴿٥٣﴾ ) بحذف الياء، أولاً نقول أن خط المصحف لا يُقاس عليه لكن مع هذا فهناك أمور أُخرى هنا فلو لاحظنا لفظ (الهداية) في سورة النمل لوجدنا أنها تكررت ٩ مرات بينما وردت في سورة الروم مرتين فقط فلما زاد ذكر كلمة (الهداية) في سورة النمل زاد في مبنى الكلمة للدلالة على زيادة السمة التعبيرية والتكرار، وهناك أمر آخر أنه في سورة النمل ذكر قسماً من المهتدين (وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴿٧٧﴾ ) ثم حثّ تعالى الرسول ﷺ على المضي في سبيله (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴿٧٩﴾ ) أما في سورة الروم فالسياق ليس في الهداية أصلاً ولم يذكر قسماً من المهتدين بل الكلام عن المطر والأرض والرياح وغيرها، فعندما ذكر قسماً من المهتدين زاد الياء وعندما لم يكن هناك شيء في السياق يدل على الهداية حذف الياء. ونظير هذا قوله تعالى في سورة الأعراف (مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿١٧٨﴾ ) بالياء وقوله في سورة الإسراء (وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴿٩٧﴾ ) وفي سورة الكهف (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ

стр. 695

ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴿١٧﴾ ) بدون ذكر الياء ولو لاحظنا آيات السور لوجدنا أن لفظ (الهداية) تكرر في سورة الأعراف ١٧ مرة وفي سورة الإسراء ٨ مرات وفي سورة الكهف ٦ مرات. ١٣١- ما دلالة استعمال صيغة الفعل الماضي في أول سورة النحل؟ قال تعالى في بداية سورة النحل (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿١﴾ ) . الفعل الماضي في اللغة العربية ليس بالضرورة أن يكون لما قد حصل فقد يكون لما شارف الوقوع وقد يكون للمستقبل الذي سيقع بعد قرون كذكر أحداث يوم القيامة في القرآن (ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض) ، وأحياناً يُستعمل الفعل المضارع للماضي البعيد كقوله تعالى (فلم تقتلون أنبياء الله) . الزمن في اللغة العربية ليس بالبساطة التي نتصورها فالفعل الماضي له ١٦ زمناً في اللغة. فما المقصود بقوله تعالى (أتى أمر الله) ؟ هو ليس بالضرورة يوم القيامة فقد يكون النصر الذي أشرف على المجيء فلا تستعجلوه ولكنه تأكيد بأنه سيقع. يذكر الماضي للدلالة على التيقن من وقوعها كما يصف أحداث يوم القيامة (وحمّلت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) فالأحداث المستقبلية هي بدرجة تحققها مثل الأحداث التي حصلت هي بمنزلة ما مضى ليس في الفعل الماضي شك فهي بمنزلة ما مضى من الأحداث وهو حاصل وآتٍ آت قد يكون اقترب أو شارف على الوقوع وقد يحتمل أن يكون النصر وقد يحتمل القيامة. كما نقول قد قامت الصلاة في أذان الإقامة. ١٣٢- ما دلالة استعمال صيغة (مأتيا) في قوله تعالى في سورة مريم (إنه كان وعده مأتيا) ؟

стр. 696

قال تعالى في سورة مريم (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴿٦١﴾ ) . يُقصد بالوعد: جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بها؛ والجنّات تُؤتى ولا تأتي فالجنات يذهبون إليها فهي مأتية وليست آتية فالوعد هو الجنة والآية في السورة في سياق الجنة. ١٣٣-ما دلالة تقديم الشتاء على الصيف والجوع على الخوف في سورة قريش؟ قال تعالى في سورة قريش (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾ ) والمعروف أن حاجة الإنسان للطعام في الشتاء أكثر من الصيف والخوف في الصيف أكثر لأنه فيه يكثر قطّاع الطرق والزواحف لذا قدّم تعالى الشتاء على الصيف والجوع على الخوف وقال أيضاً (أطعمهم) ولم يقل أشبعهم لأن الإطعام أفضل من الإشباع. ولقد جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل للتركيز على الأمن في البيت الحرام بعد عام الفيل. ١٣٤- ما دلالة استخدام كلمة (يشعرون) في سورة يوسف؟ قال تعالى في سورة يوسف (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴿١٥﴾ ) باستخدام كلمة (يشعرون) وليس "يعلمون" لأنه أحياناً يعتري الإنسان شعور بشيء لكن ليس له علم به. وبالنسبة لإخوة يوسف لم ينتابهم الشعور بالقرابة أو المعرفة لذا نفى الله تعالى عنهم الشعور لأن نفي العلم لا ينفي الشعور أما نفي الشعور فينفي العلم وهم لم ينتابهم شعور مطلقاً. ١٣٥- ما دلالة كلمة (حُكماً) في سورة يوسف؟

стр. 697

قال تعالى في سورة يوسف (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٢٢﴾ ) الحكم يأتي بمعنى الحكمة وبمعنى القضاء وليس بالضرورة لمن أُوتي العلم أن يكون حكيماً أو قاضياً وقد يكون العكس لكن الله تعالى جمع ليوسف ﵇ الحكمة والعلم والقضاء. ١٣٦- ما الفرق بين استغفار يوسف لإخوته واستغفار يعقوب لأبنائه في سورة يوسف؟ قال الله تعالى على لسان يوسف ﵇ (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٩٢﴾ ) وقال على لسان يعقوب ﵇ (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٩٨﴾ ) ولو نظرنا في سياق الآيات وموقف إخوة يوسف معه لوجدنا أنهم قالوا (قَالُواْ تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴿٩١﴾ ) هم لم يسألوه المغفرة وإنما هو الذي دعا لهم بالمغفرة دون أن يسألوه حتى أنهم لم يذكروا الخطيئة التي ارتكبوها بحق يوسف كما فعلوا مع أبيهم (وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) وإنما جاءت (إن) مخففة. أما مع أبيهم قالوا (قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴿٩٧﴾ ) وجاءت (إنّا) مشددة ويعقوب ﵇ لم يستغفر لهم ولكن وعدهم بالإستغفار لأن فعلتهم مع يوسف لم تكن عاقبتها على يوسف كما كانت على أبيهم فيوسف ﵇ أصبح عزيز مصر وبيده الأمر والنهي أما تأثير فعلة إخوة يوسف على أبيهم فكان أعظم لأنه أُصيب بالعمى والأسى والحسرة على ولده ولا يزال قلب يعقوب ﵇ فيه أسى وفي نفسه شيء كثير من الحزن والأسى لذا أجّل الإستغفار في قوله (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٩٨﴾ ) أما يوسف ﵇ فقال لهم (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ

стр. 698

عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿٩٢﴾ ) لأنه استفاد من فعلة إخوته معه. ١٣٧- ما دلالة التذكير والتأنيث في كلمة (صواع) في سورة يوسف؟ قال تعالى في سورة يوسف (قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ ﴿٧٢﴾ ) و (فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴿٧٦﴾ ) فاستخدمت كلمة (صواع) مرة مذكرة ومرة مؤنثة. وبعض الكلمات تأتي مؤنثّة ومذكّرة فكلمة (العاقبة) مثلاً تُذكّر إذا استعملت للعذاب وتُؤنّث إذا استعملت للصيحة. في اللغة التأنيث هو للمجاز ويُسمى (مؤنث مجازي) . ١٣٨- ما دلالة كلمة (كريم) في قوله تعالى (وله أجر كريم) في سورة الحديد؟ قال تعالى في سورة الحديد (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ﴿١١﴾ ) الكلام في السياق عن القرض والأجر الكريم هو الأجر الحسن البالغ الحسن. وقد جاء في آية سابقة في السورة نفسها قوله تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾ ) وفي الآية طلبين هما: آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا وبما أن الدائرة اتسعت وكبُرت كبُر الأجر أيضاً.

стр. 699

أما في آية سورة البقرة (مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٤٥﴾ ) هنا لم يرد (أجر كريم) أو (كبير) لذا جاءت أضعافاً مضاعفة ففي آية سورة الحديد عوّض عن الأضعاف الكثيرة بـ (له أجر كريم) . ١٣٩- ما دلالة استخدام صيغة اسم الفاعل في كلمة (الكاذبين) و (المنافقين) في سورة العنكبوت؟ قال تعالى في سورة العنكبوت (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿٣﴾ ) و (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴿١١﴾ ) فجاءت (الذين صدقوا) و (الذين آمنوا) بصيغة الفعل وجاءت كلمة (الكاذبين) و (المنافقين) بصيغة اسم الفاعل. هناك قاعدة في اللغة: إن الإسم أقوى وأثبت وأدوم من الفعل. والآية نزلت في قوم قريبي عهد بالدين والتكاليف، (الذين صدقوا والكاذبين) الكاذبين هم الأصل أي الكفرة فهل صدقوا إيمانهم أم بقوا على حالهم؟ الكلام في عموم المنافقين الذي أحدث إيماناً. ١٤٠- ما دلالة استخدام كلمة (الكذب) معرّفة في سورة الصف وقد وردت نكرة في مواضع أخرى؟

стр. 700

قال تعالى في سورة الصفّ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٧﴾ ) . التعريف في النحو هو ما دلّ على شيء معيّن (إزالة الإشتراك عن الشيء) أما التنكير فهو عام. في الآيات القرآنية التي وردت كلمة (الكذب) فيها بالتعريف هي آيات خاصة بأمر معين أما التي وردت فيها كلمة (كذب) بالتنكير فهي تتعلق بأمر عام. مثال في استخدام كلمة (الكذب) بالتعريف في القرآن قوله تعالى في سورة آل عمران (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٣﴾ فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٩٤﴾ ) الكذب هنا متعلق بالمسألة في الآية أما في قوله تعالى في سورة الكهف (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ﴿١٥﴾ ) ليس هناك أمر خاص وإنما هو أمر عام لذا جاءت كلمة (كذب) بالتنكير. ١٤١- لماذا قدّم البصر على السمع في آية سورة الكهف وآية سورة سورة السجدة؟

стр. 701

قال تعالى في سورة الكهف (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴿٢٦﴾ ) وقال في سورة السجدة (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿١٢﴾ ) والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ لأن فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه، ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمن نسمعه يكون عادة أقرب ممن نراه، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين. أما لماذا قدّم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية. وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمين الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظنّ ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع. ١٤٢- ما الفرق بين استخدام كلمة (يُنصرون) في سورة البقرة وكلمة (يُنظرون) في سورة البقرة وآل عمران؟

стр. 702

قال تعالى في سورة البقرة (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٨٦﴾ ) وقال في سورة البقرة أيضاً (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴿١٦٢﴾ ) وفي سورة آل عمران (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٨٨﴾ ) لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية ٨٦ لوجدنا الآية (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨٤﴾ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾ ) فالآيات تتكلم عن القتال والحرب والمحارب يريد النصر لذا ناسب أن تختم الآية ٨٦ بكلمة (ينصرون) أما في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت نفس اللعنة واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد والمطرود كيف تنظر إليه؟ كلمة (يُنظرون) تحتمل معنيين: لا يُمهلون في الوقت ولا يُنظر إليهم نظر رحمة؛ فإذا أُبعد الإنسان عن ربه وطُرد من رحمة الله فكيف يُنظر إليه فهو خارج النظر فلما ذكر الآيتين في سورة البقرة وسورة آل عمران استوجب ذكر (يُنظرون) .

стр. 703

١٤٣- ما دلالة استخدام الضمير (هو) في آية سورة الحج (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٦٢﴾ ) وعدم استخدامه في آية سورة لقمان؟ قال تعالى في سورة الحج (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٦٢﴾ ) وفي سورة لقمان (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٣٠﴾ ) لو نظرنا في سياق سورة الحج نرى أنها تتكلم عن الصراع مع أهل الباطل من قوله تعالى (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿٥١﴾ ) إلى قوله (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾ ) ونتاج الصراع بين الحق والباطل الهجرة من الديار والقتل والموت وأنصار الباطل يسعون إلى إطفاء نور الله، أما السياق في سورة لقمان فهو غير ذلك أصلاً ليس فيه قتال أو إخراج من الأرض وإنما هو في معرض النقاش فقط. أهل الباطل في سورة الحج محاربون معاندون متكتمون لذا وجب التأكيد على الباطل حتى يبعدهم عنه فقال تعالى (هو الباطل) باستخدام ضمير الفصل لأنه آكد من عدمه وضمير الفصل من جملة معانيه التوكيد.

стр. 704

كما أنه ذكر تعالى في سورة الحج من يدعون من دون الله من المعبودات الباطلة (يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴿١٢﴾ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴿١٣﴾ ) (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿٣١﴾ ) (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴿٧١﴾ ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾ ) فالكلام مستمر على ما يدعون من دون الله فأراد تعالى أن يؤكد أن هذا هو الباطل. والأمر الآخر أن الضمير (هو) من الناحية اللفظية في سمة التعبير ورد في سورة الحج ١٣ مرة وفي لقمان ورد ٧ مرات فقط لأن السمة التعبيرية في السياق لها أثرها أيضاً فكأنما ورد في سورة الحج ضعف ما ورد في سورة لقمان. وضمير الفصل أصلاً ذكر في الحج ٨ مرات وفي لقمان ٣ مرات. إذن فمن كل النواحي السمة التعبيرية أو البلاغية أو غيرها ذكر (هو) في آية سورة الحج أكثر مما يقتضيه في سورة لقمان. ١٤٤- ما وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين قوله (فسوف تعلمون) في سورة الأنعام و (سوف تعلمون) في سورة هود؟

стр. 705

قال تعالى في سورة الأنعام (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿١٣٥﴾ ) وسورة الزمر (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ ) وقال في سورة هود (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿٩٣﴾ ) وعلينا أن نلاحظ القائل في كلا الآيتين ففي آية سورة الأنعام الله تعالى هو الذي أمر رسوله بالتبليغ؛ أمره أن يبلغ الناس كلام ربه وهذا تهديد لهم؛ فأصل التأديب من الله تعالى أما في آية سورة هود فهي جاءت في شعيب وليس فيها أمر تبليغ من الله تعالى فالتهديد إذن أقل في آية سورة هود ولهذا فقد جاء بالفاء في (فسوف تعلمون) في الآية التي فيها التهديد من الله للتوكيد ولما كان التهديد من شعيب حذف الفاء (سوف تعلمون) لأن التهديد أقل. وفي القرآن الكريم أمثلة أخرى على استخدام وحذف الفاء الدالة على التوكيد كما في قوله تعالى في سورة البقرة (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾ ) وفي آية أخرى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٤﴾ ) فالآية الثانية جاء فيها بالفاء لأن الذين ينفقون هم ينفقون ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية فهي تحتاج لتوكيد أكبر من الأولى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله.
следующие страницы →