Полный текст (1 108 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
قال تعالى في سورة الكهف (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴿٢٦﴾ ) وقال في سورة السجدة (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ﴿١٢﴾ ) والمعلوم أن الأكثر في القرآن تقديم السمع على البصر لأن السمع أهم من البصر في التكليف والتبليغ لأن فاقد البصر الذي يسمع يمكن تبليغه أما فاقد السمع فيصعب تبليغه، ثم إن مدى السمع أقل من مدى البصر فمن نسمعه يكون عادة أقرب ممن نراه، بالإضافة إلى أن السمع ينشأ في الإنسان قبل البصر في التكوين. أما لماذا قدّم البصر على السمع في الآيتين المذكورتين فالسبب يعود إلى أنه في آية سورة الكهف الكلام عن أصحاب الكهف الذين فروا من قومهم لئلا يراهم أحد ولجأوا إلى ظلمة الكهف لكيلا يراهم أحد لكن الله تعالى يراهم في تقلبهم في ظلمة الكهف وكذلك طلبوا من صاحبهم أن يتلطف حتى لا يراه القوم إذن مسألة البصر هنا أهم من السمع فاقتضى تقديم البصر على السمع في الآية.
وكذلك في آية سورة السجدة، الكلام عن المجرمين الذين كانوا في الدنيا يسمعون عن القيامة وأحوالها ولا يبصرون لكن ما يسمعوه كان يدخل في مجال الشك والظنّ ولو تيقنوا لآمنوا أما في الآخرة فقد أبصروا ما كانوا يسمعون عنه لأنهم أصبحوا في مجال اليقين وهو ميدان البصر (عين اليقين) والآخرة ميدان الرؤية وليس ميدان السمع وكما يقال ليس الخبر كالمعاينة. فعندما رأوا في الآخرة ما كانوا يسمعونه ويشكون فيه تغير الحال ولذا اقتضى تقديم البصر على السمع.
١٤٢- ما الفرق بين استخدام كلمة (يُنصرون) في سورة البقرة وكلمة (يُنظرون) في سورة البقرة وآل عمران؟
стр. 702
قال تعالى في سورة البقرة (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٨٦﴾ ) وقال في سورة البقرة أيضاً (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴿١٦٢﴾ ) وفي سورة آل عمران (خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٨٨﴾ )
لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية ٨٦ لوجدنا الآية (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٨٤﴾ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٨٥﴾ ) فالآيات تتكلم عن القتال والحرب والمحارب يريد النصر لذا ناسب أن تختم الآية ٨٦ بكلمة (ينصرون) أما في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت نفس اللعنة واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد والمطرود كيف تنظر إليه؟ كلمة (يُنظرون) تحتمل معنيين: لا يُمهلون في الوقت ولا يُنظر إليهم نظر رحمة؛ فإذا أُبعد الإنسان عن ربه وطُرد من رحمة الله فكيف يُنظر إليه فهو خارج النظر فلما ذكر الآيتين في سورة البقرة وسورة آل عمران استوجب ذكر (يُنظرون) .
стр. 703
١٤٣- ما دلالة استخدام الضمير (هو) في آية سورة الحج (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٦٢﴾ ) وعدم استخدامه في آية سورة لقمان؟
قال تعالى في سورة الحج (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٦٢﴾ ) وفي سورة لقمان (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿٣٠﴾ )
لو نظرنا في سياق سورة الحج نرى أنها تتكلم عن الصراع مع أهل الباطل من قوله تعالى (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴿٥١﴾ ) إلى قوله (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴿٥٨﴾ ) ونتاج الصراع بين الحق والباطل الهجرة من الديار والقتل والموت وأنصار الباطل يسعون إلى إطفاء نور الله، أما السياق في سورة لقمان فهو غير ذلك أصلاً ليس فيه قتال أو إخراج من الأرض وإنما هو في معرض النقاش فقط. أهل الباطل في سورة الحج محاربون معاندون متكتمون لذا وجب التأكيد على الباطل حتى يبعدهم عنه فقال تعالى (هو الباطل) باستخدام ضمير الفصل لأنه آكد من عدمه وضمير الفصل من جملة معانيه التوكيد.
стр. 704
كما أنه ذكر تعالى في سورة الحج من يدعون من دون الله من المعبودات الباطلة (يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴿١٢﴾ يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ﴿١٣﴾ ) (حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿٣١﴾ ) (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ﴿٧١﴾ ) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴿٧٣﴾ ) فالكلام مستمر على ما يدعون من دون الله فأراد تعالى أن يؤكد أن هذا هو الباطل.
والأمر الآخر أن الضمير (هو) من الناحية اللفظية في سمة التعبير ورد في سورة الحج ١٣ مرة وفي لقمان ورد ٧ مرات فقط لأن السمة التعبيرية في السياق لها أثرها أيضاً فكأنما ورد في سورة الحج ضعف ما ورد في سورة لقمان. وضمير الفصل أصلاً ذكر في الحج ٨ مرات وفي لقمان ٣ مرات. إذن فمن كل النواحي السمة التعبيرية أو البلاغية أو غيرها ذكر (هو) في آية سورة الحج أكثر مما يقتضيه في سورة لقمان.
١٤٤- ما وجه الإختلاف من الناحية البيانية بين قوله (فسوف تعلمون) في سورة الأنعام و (سوف تعلمون) في سورة هود؟
стр. 705
قال تعالى في سورة الأنعام (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿١٣٥﴾ ) وسورة الزمر (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ ) وقال في سورة هود (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿٩٣﴾ ) وعلينا أن نلاحظ القائل في كلا الآيتين ففي آية سورة الأنعام الله تعالى هو الذي أمر رسوله بالتبليغ؛ أمره أن يبلغ الناس كلام ربه وهذا تهديد لهم؛ فأصل التأديب من الله تعالى أما في آية سورة هود فهي جاءت في شعيب وليس فيها أمر تبليغ من الله تعالى فالتهديد إذن أقل في آية سورة هود ولهذا فقد جاء بالفاء في (فسوف تعلمون) في الآية التي فيها التهديد من الله للتوكيد ولما كان التهديد من شعيب حذف الفاء (سوف تعلمون) لأن التهديد أقل.
وفي القرآن الكريم أمثلة أخرى على استخدام وحذف الفاء الدالة على التوكيد كما في قوله تعالى في سورة البقرة (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٦٢﴾ ) وفي آية أخرى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٤﴾ ) فالآية الثانية جاء فيها بالفاء لأن الذين ينفقون هم ينفقون ليلاً ونهاراً وسراً وعلانية فهي تحتاج لتوكيد أكبر من الأولى الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله.
стр. 706
وكذلك قوله تعالى في سورة آل عمران (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ﴿٩١﴾ ) وقوله في سورة آل عمران أيضاً (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْراً لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ ﴿٩٠﴾ ) فالآية الأولى تتحدث عن قوم ماتوا وانتهوا ولن يقبل منهم توبة بعد الموت أما الآية الثانية فهي تتحدث عن قوم كفروا ولم يموتوا ومجال التوبة ما زال مفتوحاً أمامهم. الفاء هنا تقع في جواب اسم الموصول لشبهه بالشرط فجاءت الفاء زيادة للتوكيد.
وكذلك قوله تعالى في سورة البروج (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴿١٠﴾ ) وقوله في سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٧﴾ ) .
١٤٥- لماذا قدّم تعالى الخبيثات على الخبيثين في سورة النور؟
стр. 707
قال تعالى في سورة النور (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴿٢٦﴾ ) وإذا نظرنا إلى السياق في السورة وجدنا أن الكلام في السورة عن النساء ورميهن بالإثم والقذف ورمي الأزواج لأزواجهم (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿٤﴾ ) (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿١١﴾ ) وقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٢٣﴾ ) وقد جاء في بداية السورة (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ ) بتقديم الزانية على الزاني لأن الفِعلة تأتي من النساء أولاً ثم إن بعض النساء تحترف هذه المهنة ولا يحترفها رجل.
١٤٦- ما دلالة اللام في قوله (لجعلناه حطاماً) في سورة الواقعة وحذفها في (جعلناه أجاجاً) وفي النار (جعلناها تذكرة) ؟
стр. 708
قال تعالى في سورة الواقعة (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ﴿٦٣﴾ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴿٦٤﴾ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿٦٥﴾ ) والآية تتحدث عن الزرع أما الآية الثانية (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴿٦٨﴾ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ﴿٦٩﴾ لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾ ) فهي تتحدث عن الماء والآيتان فيهما تهديد الأولى: أنه تعالى لو شاء يجعل الزرع حطاماً فلا يمكن أن يكون طعاماً أو يستفاد منه وهذه عقوبة أشد من جعل الماء أجاج لأن الماء الأجاج يمكن أن يُحوّل إلى ماء عذب والتهديد لم يأت في الآية بغور الماء كلياً كما في تهديد جعل الزرع حطاماً فكانت العقوبة في الزرع أشد من العقوبة في الماء فجاء باللام لتأكيد التهديد في آية الزرع وحذفها من آية التهديد بالماء وهذه اللام تُسمى (لام المؤكدة) . أما في النار فلم يذكر تحذيراً أو تهديداً وإنما ذكر حالتها فقط (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴿٧١﴾ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِؤُونَ ﴿٧٢﴾ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ ﴿٧٣﴾ ) لم يقل "لو نشاء لذهبنا بها" لأن الناس يمكن أن يعيشوا بلا نار لكن لا يمكنهم أن يعيشوا بلا طعام أو ماء.
١٤٧- ما دلالة قوله تعالى في سورة يس (فعززنا بثالث) ولماذا لم يشير إلى إرسال ثلاثة رسل معاً؟
стр. 709
قال تعالى في سورة يس (إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ﴿١٤﴾ ) والآية تشير أن الله تعالى أرسل رسولين أول مرة فكذبهما القوم فقوّاهما تعالى برسول ثالث ولم يرسل الثلاثة معاً من أول مرة. أما دلالة استخدام (عزّزنا) بدل (عزّزناهما) تفيد أن التعزيز ليس للرسل أنفسهم وإنما التعزيز يكون للدعوة التي يدعو الرسل لها وليس للرسولين بنفسيهما.
١٤٨- ما الفرق بين قوله تعالى (وواعدنا موسى أربعين ليلة) وقوله (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر) ؟
стр. 710
قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٥١﴾ ) وقال في سورة الأعراف (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ ) آية فيها إجمال وآية فيها تفصيل لكن لماذا الإجمال في موضع والتفصيل في موضع آخر؟ لو عدنا إلى سياق سورة البقرة نجد أنه ورد فيها هذه الآية فقط في هذا المجال بينما في المشهد نفسه في سورة الأعراف فيه تفصيل كبير من قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ﴿١٤٢﴾ ) إلى قوله (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ ﴿١٤٥﴾ ) الكلام طويل والقصة والأحداث في المواعدة مفصلة أكثر في الأعراف ولم تذكر في البقرة لأن المسألة في البقرة فيها إيجاز فناسب التفصيل في سورة الأعراف والإيجاز في سورة البقرة لذا جاء في الأعراف أن موسى ﵇ صام ثلاثين يوماً ثم أفطر فقال تعالى صم فصام عشرة أيام أخرى أما في سورة البقرة فجاءت على سبيل الإجمال (أربعين يوماً) .
١٤٩- ما دلالة الحروف المقطعة في أوائل بعض السور في القرآن الكريم؟
стр. 711
القدماء انتبهوا أن السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة بُنيت على ذلك الحرف فمثلاً سورة ق تتكرر فيها الكلمات التي فيها حرف القاف مثل (قول، رقيب، القرآن، تنقص، ألقينا، باسقات، الخلق) وكذلك سورة ص تكثر فيها الكلمات التي فيها حرف الصاد مثل (مناص، اصبروا، أصحاب، صيحة، فصل، الخصم) حتى أنهم جعلوا إحصائية في (ألر) وقالوا أنها تكررت فيها الكلمات التي فيها (ألر) ٢٢٠ كلمة هذا قول القدامى. وقال الزمخشري: لو نظرنا في عدد الحروف (١٤) حرفاً تمثّل نصف حروف المعجم وجاءت في ٢٩ سورة وهي عدد حروف المعجم وأخذت من المهموسة نصفها ومن الشديدة نصفها ومن المطبقة نصفها ومن المستعلية نصفها ومن القلقلة نصفها ومن الرخوة نصفها ومن المستقرّة نصفها ومن المنقحة نصفها وهكذا.
وقسم قال أنه تشتمل على أنصاف الأحرف مثلاً كل سورة بدأت بـ (ألم) تذكر بدء الخلق (حرف الألف) ووسط الخلق (حرف اللام) ونهاية الخلق (حرف الميم) . وقسم قالوا أن كل السور التي تبدأ بحرف (ط) تبدأ بقصة موسى أولاً. وهناك من جعل منها معادلة رياضية فقال أن كل سورة فيها (ألم) نسبة الحروف ألف إلى لام تساوي نسبة الحروف لام إلى ميم.
وقسم يجمع الحروف في جمل وقسم أجروها على الطوائف فجعلوا من الأحرف الأربعة عشر جملاً متعددة وقسم جعلها رموزاً لأمور ستقع مثلما قالوا في (حم عسق) في تفسير ابن كثير إشارة إلى أمور في أحد من آل بيت الرسول ﷺ وقسم كانوا يجمعون على حساب الجمل فيجعلون الألف واحد.
والذي عليه الكثيرين أن القرآن مؤلف من أجناس هذه الأحرف التي تتحدثون بها وجاء بكلام معجز من جنس كلامهم فأتوا بمثله إن استطعتم. والسلف كانوا يوكلون معاني هذه الأحرف لله تعالى.
١٥٠- ما دلالة كلمة (لنعلم) في آية سورة الكهف (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴿١٢﴾ ) ؟
стр. 712
يتساءل السائل لماذا جاءت كلمة (لنعلم) مع أن الله تعالى يعلم كل شيئاً مسبقاً؟ قال تعالى في سورة الكهف (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴿١٢﴾ ) والعلم قسمان: قسم يتعلق به الجزاء وقسم يعلمه الله ابتداء لا يتعلق بالجزاء. ما يفعله الإنسان هو من علم الله لكن حتى ما فعله الإنسان يتعلق به الجزاء وهناك علم آخر سابق والله يعلم في القدر كل شيء وهو العلم الذي قضاه الله تعالى وما يفعله الإنسان وما يعلمه هو تصديق لعلم الله هذا. وقوله تعالى (لنعلم أي الحزبين) يعني لنعلم أي منهم يعلم الحقيقة لأن هناك ثلاثة أقوال كل قسم قال شيئاً فمن الذي يعلم الحقيقة؟ الله تعالى؛ هذا العلم الذي يقوله بعد الوقوع لأنه علِم ذلك قبل الوقوع. إذن هناك علمان:
١- علم سابق قديم الذي سجّل فيه الله تعالى القدر
٢- وعلم لاحق يحقق هذا العلم وهو الذي يتعلق به الجزاء.
١٥١- ما المقصود بكلمة (أهل) في قوله تعالى (إنما يريد الله أن يذهب عنكم الرجز أهل البيت) ؟
قال تعالى في سورة الأحزاب (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴿٣٣﴾ ) يستعمل القرآن الكريم كلمة (أهل) للأزواج وهذه الآية ليست الوحيدة في القرآن التي وردت فيها كلمة (أهل) . فقد جاء في قوله تعالى (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) في قصة إبراهيم ﵇، وفي قصة امرأة العزيز (قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً) وفي قصة موسى ﵇ (وسار بأهله) . إذن (أهل) هي الأزواج كما وصفها القرآن وفي اللغة أيضاً.
стр. 713
١٥٢- لماذا جاء ذكر إبليس مع الملائكة عندما أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم مع العلم أن إبليس ليس من جنس الملائكة؟
الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم في آية سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ ) وأمر إبليس على وجه الخصوص في آية سورة الأعراف (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴿١٢﴾ ) فليس بالضرورة أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود مع الملائكة لكنه تعالى أمر الملائكة بالسجود كما في آية سورة البقرة وأمر إبليس وحده بالسجود لآدم أمراً خاصاً به في آية أخرى (آية سورة الأعراف) .
١٥٣- ما دلالة استخدام صفة المذكر في قوله تعالى في سورة يوسف (وقال نسوة في المدينة) ؟
تذكير الفعل يستعمل مع جمع التكسير ليفيد القِلّة كما جاء في الآية في سورة يوسف (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴿٣٠﴾ ) لأن النسوة كانوا قِلّة وهذا بخلاف تأنيث الفعل فإنه يفيد الكثرة كما قال تعالى في آية أخرى في سورة الحجرات (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا) (قالت) تفيد الكثرة هنا لأن الأعراب كثرة وفيهم قبائل متعددة فتاء التأنيث في الفعل تفيد التكثير، وفي القرآن الكريم أمثلة متعددة على التذكير والتأنيث في الأفعال بما يفيد القلة والكثرة.
١٥٤- ما الفرق بين قوله تعالى في سورة يوسف (ذلك من أنباء الغيب) وفي سورة هود (تلك من أنباء الغيب) ؟
стр. 714
كلمة (القَصص) مذكر مثل كلمة (عدد) وكلمة (قَصص) مذكر وهي ليست جمع قصة وإنما (القَصص) هنا بمعنى السرد أي بمعنى اسم المفعول أي المقصوص. وقد جاء في سورة يوسف قوله تعالى في أول السورة (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾ ) وهي قصة واحدة هي قصة يوسف ﵇ فجاءت الآية باستخدام (ذلك) (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴿١٠٢﴾ ) ، أما في سورة هود فقد جاء فيها مجموعة من قَصص الأنبياء فاقتضى أن تأتي الآية باستخدام (تلك) (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٩﴾ ) .
١٥٥- ما دلالة تركيبة (ألم تر) في قوله تعالى في سورة الفيل (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) ؟
(ألم تر) فيها دلالتان لغويتان: فقد تكون استفهام عن الرؤية القلبية أو البصرية بمعنى: ألم تر فلان؟ رؤية بصرية أو قلبية لكن عندما نقول: "ألم تر إلى " أو " ألم تر كيف " تكون بمعنى التعجيب كما جاء في قوله تعالى في سورة الفرقان (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ﴿٤٥﴾ ) بمعنى ألم ينته علمك إلى ذلك؟ ألم تعلم؟ لأن (ألم تر كيف) و (ألم تر إلى) لها دلالة أخرى غير الدلالة التي نسأل فيها ألم تر فلان؟.
١٥٦- ما دلالة الواو في قوله تعالى (وويل للكافرين من عذاب شديد) ؟
قال تعالى في سورة إبراهيم (اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴿٢﴾ ) الواو هنا ليست للعطف وإنما هي إستئنافية.
стр. 715
١٥٧- ما دلالة استخدام صيغة المبالغة في قوله تعالى (وما ربك بظلاّم للعبيد) علماً أن صيغ المبالغة لا تنفي الحدث؟
يتساءل السائل عن أن الآية تنفي أن يكون الله تعالى ظلاّماً فهل هذا النفي يشمل أن يكون ظالماً حاشاه سبحانه؟. الحقيقة أنه لو أن أي شخص ظلم مجموعة من الناس حتى لو كان الظلم بسيطاً يكون ظلاّماً وليس ظالماً فإذا كثر المظلومون أصبح ظلاّماً أما إذا ظلم شخصاً واحداً مرة فيكون ظالماً والملاحظ في الآية أن الله تعالى قال (وما ربك بظلاّم للعبيد) أي جاء بصيغة الجمع في كلمة (العبيد) والعبيد جمع كثرة أصلاً كما قال في آية أخرى (علاّم الغيوب) باستخدام (الغيوب) وهي جمع كثرة. إذن عندما يجمع الصفة ويبالغ بها أي يستخدم صيغة المبالغة كما في الآيتين وإذا أفرد يفرد الصيغة كما قال تعالى (عالم الغيب) ولم يقل عالم الغيوب. وهناك رأي آخر أن هذا هو النسب أي أنه ليس بذي ظلم كما يقال في اللغة (لبّان) للنسب لأن صيغة فعّال تأتي للنسب. وإذا أخذنا الرأيين نجد أنهما يقتضيان استخدام صيغة المبالغة في ظلاّم.
وقد قلت سابقاً حول استخدام صيغة المبالغة (علاّم الغيوب) : أن (علاّم) تأتي لتفيد الكثرة مع كلمة (الغيوب) التي هي جمع ولم يقل تعالى (عالم) مع (الغيوب) ، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى (خالق بشراً) خالق لبشر واحد (تفيد الحدوث بالمخلوق) ولم يقل (خلاّق) إلا عندما اقتضى المبالغة في السموات والأرض (بلى وهو الخلاّق العليم) . فصفاته سبحانه كلها مطلقة وتدل على الثبوت مثل غافر الذنب، قابل التوب.
١٥٨- لماذا حُدد المكان ولم يُحدد الزمان في الآية الأخيرة من سورة لقمان؟
стр. 716
قال تعالى في آخر سورة لقمان (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿٣٤﴾ ) وإذا نظرنا إلى سياق الآيات نجد أن الإنتقال من أرض إلى أرض والإنتقال في الفلك هو السياق ثم بعدها قال تعالى ماذا غشيهم (موج) في قوله (وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴿٣٢﴾ ) فلما نجاهم إلى البر أي أن كل سياق الآيات تفيد الإنتقال من مكان إلى مكان لذا ناسب ذكر المكان في الآية وجاءت بأي أرض تموت هل في البحر أم في الأرض.
١٥٩- ما دلالة (لا) في آية سورة النمل (لا يحطمنكم سليمان وجنوده) ؟
(لا) هنا من باب النهي وليس النفي مثل قوله تعالى (لا تغرنّكم الحياة الدنيا) على رأي أكثر المفسرين بمعنى لا تتعرضوا لأن يحطمكم سليمان وجنوده. وهذا على خلاف ما جاء في قوله تعالى (لا تخاف دركاً ولا تخشى) حيث أن (لا) هنا للنفي. حتى في آية سورة النمل يمكن أن تكون (لا) للنفي أيضاً والله أعلم.
١٦٠- ما الفرق بين النصيب والكفل من حيث المعنى ودلالة استخدامهما في القرآن؟
стр. 717
قال تعالى في سورة النساء (مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً ﴿٨٥﴾ ) من معاني الكفل في اللغة النصيب المساوي ومنها المِثل. أما النصيب فهو مطلق وليس له شيء محدد. وفي القرآن الكريم استخدمت كلمة (كفل) عند ذكر السيئة (له كفل منها) لأن السيئات تُجزى بقدرها بدليل قوله تعالى (ومن عمل سيئة فلا يُجزى إلا مثلها) ، أما الحسنة فتضاعف لذا جاءت كلمة (نصيب) مع الحسنات لأن الحسنة لها نصيب أكثر من السيئات.
١٦١- ما دلالة استخدام (ما) أو حذفها في قوله تعالى (حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم) وقوله (حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها) ؟
قال تعالى في سورة فصلت (حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾ ) وهذا من غرائب الأمور أن يشهد السمع والبصر والجلود على الناس ولذا اقتضى استخدام (ما) للتوكيد، أما في سورة الزمر فقد جاءت الآية (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧١﴾ ) وهنا الأمر عادي إذا جاءوا فُتحت الأبواب. د
١٦٢- لماذا جاءت كلمة (ينفعونكم) مقيّدة و (يضرون) مطلقة في قوله تعالى (أو ينفعونكم أو يضرون) ؟
قال تعالى في سورة الشعراء (أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴿٧٣﴾ ) النفع يريده الإنسان لنفسه أما الضرّ فلا يريده الإنسان لنفسه إنما يُريده لعدوّه أو أنه يخشى أن يُلحق به الضرر وعلى هذا فالنفع موقع تقييد والضر موضع إطلاق.
стр. 718
١٦٣-لماذا جمعت كلمة (المرافق) في آية الوضوء وجاءت (الكعبين) بالتثنية؟
قال تعالى في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٦﴾ ) ، المرافق: جمع وهما مرفقان ولا إشكال فيها فكل يد لها مرفق واحد أما كل رجل فلها كعبين ولو قال تعالى (الكعوب) لما دلّ ذلك على وجوب غسل الكعبين فلو غسلوا كعباً واحداً لكفاهم لكن الله تعالى أراد أن يغسل كل واحد من المخاطبين إلى الكعبين.
١٦٤- ما دلالة استخدام صيغة الماضي في قوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا) ؟
(كان) في اللغة قد تكون للماضي أو للماضي المستمر وقد تأتي للإستقبال وفي كل صيغة تفيد معنى خاصاً:.
* (كان) لها أزمنة مؤكدة بمعنى (ما يزال) . وهذه تكون في صفات الله تعالى كقوله تعالى (كان الله غفوراً رحيما) بمعنى أن كونه هو غفور رحيم. وكذلك في صفات الشيطان (إن كيد الشيطان كان ضعيفا) .
* وتأتي بمعنى (الحالة) كقوله تعالى (كنتم خير أمة أُخرجت للناس) وقوله كما في الآية موضع السؤال (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا) .
* وقد تكون للمستقبل كقوله تعالى (وكنتم أزواجاً ثلاثة) وقوله (فكانت هباء منثورا) هذا في المستقبل يوم القيامة.
стр. 719
* وقد تكون بمعنى (صارت في المستقبل) كقوله تعالى (وسُيّرت الجبال فكانت سرابا)
* وقد تكون بمعنى ينبغي.
١٦٥- كيف يُحدد تذكير الأعداد أو تأنيثها؟
تذكير الأعداد وتأنيثها أقدم من اللغة العربية وهي من اللغة الساميّة. وبشكل عام إذا كانت الأعداد بين ١ و٢ يطابق (واحد، إثنان) وإذا كان العدد بين ٣ إلى ١٠ يُخالف (ثلاثة، أربعة، خمسة، عشرة) وهذه في الأصل أسماء بلا معدود.
في العربية الأصل التذكير والتأنيث هو الذي له علاقة وليس للتذكير علاقة. (واحد - إثنان) مذكر ويقال رجل واحد ورجلان اثنان، أما (ثلاثة – أربعة..) هي الأصل فتأتي مع الأصل وهو المذكر فنقول ثلاثة رجال وأربعة رجال.
١٦٦- ما الفرق من الناحية البيانية بين فعل (أنزل) و (نزّل) وبين (أُنزل إليك) و (أُنزل عليك) ؟
(أنزل) على صيغة أفعل و (نزّل) على صيغة فعّل وهي تفيد التكثير كقوله تعالى (تفجُر لنا من الأرض ينبوعا) وقوله (فتفجّر الأنهار) استعمل صيغة (تفجر) للينبوع والصيغة التي تفيد التكثير (تُفجِّر) للأنهار لأنها أكثر. كما أن فعّل تفيد التدرج كما جاء في سورة آل عمران (نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل، آية ٢) وقوله تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل) وقوله تعالى (والكتاب الذي نزّل على رسوله) هنا التنزيل كان منجمّاً وصيغة (نزّل) تفيد الإهتمام، أما في قوله تعالى (وأنزل التوراة والإنجيل) جاء الفعل (أنزل) لأنه نزل جملة واحدة.
وعلى هذا النحو الفرق بين فعل (وصّى) الذي يستخدم للأمور المعنوية وفعل (أوصى) للأمور المادية.
ثم إن استخدام (أنزل إليك) أو (أنزل عليك) لها دلالتها أيضاً. (نزله إليك) لم تستعمل إلاّ للعاقل كما جاءت في القرآن للتعبير عن الرسول (نُزّل إليكم) ، أما (عليك) فتستعمل للعاقل وغير العاقل كما في قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) وقوله تعالى (نزّله على قلبك) .
стр. 720
وفي العقوبات لم يستعمل إلا (على) ولم تأتي (إلى) مع العقوبات.
١٦٧- لماذا استخدمت كلمة (إبليس) مع آدم ولم تستخدم كلمة الشيطان؟
قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ ) وفي سورة الأعراف (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴿١١﴾ ) إبليس هو أبو الشياطين كما إن آدم أبو البشر وبداية الصراع كان بين أبو البشر وأبو الشياطين، والشيطان يُطلق على كل من كان كافراً من الجن أي على الفرد الكافر من الجنّ.
١٦٨- على ماذا تعود الضمائر في آية رقم ٩ من سورة الفتح؟
قال تعالى في سورة الفتح (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴿٨﴾ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴿٩﴾ ) الإيمان جاء مستغرقاً بالله ورسوله (لتؤمنوا بالله ورسوله) ثم جاء العطف (وتعزروه وتوقّروه) وهذا للرسول ثم (تسبحوه بكرة وأصيلا) يعود الضمير على الله فلماذا هذه الصيغة؟ والجواب أن المفسرين رجّحوا أن " تعزّروه وتوقّروه " تأتي بمعنى التعظيم والضمير فيهما يعود على الله تعالى والضمائر في الآية كلها عائدة على الله تعالى. وهناك قسم من المفسرين قالوا أن الضمير في (تعزّروه وتوقّروه) تعود على الرسول وباقي الضمائر كل منها عائد على ما يخصّها.
١٦٩- ما دلالة كلمة (ويكأنّه) في سورة القصص؟
стр. 721
قال تعالى في خواتيم سورة القصص (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿٨٢﴾ ) . وي: اسم فعل مضارع بمعنى (أعجب) ، كأن: للتشبيه. وقد وردت في سورة القصص مرتين في قصة قارون عندما خسف به الله تعالى الأرض فقال القوم هذه الكلمة وكأنهم لا يتصورون هذه الخاتمة فتعجبوا لمصير قارون فجاءت كلمة (وي) التي تدل على المبالغة في التعجب وهي من أسماء الأفعال التي فيها مبالغة وتعجّب إضافة إلى المبالغة، فالأمر الذي كان غائباً عن ذهنهم وجدوه أمامهم فقالوا عجباً لهذا الأمر.
١٧٠-لماذا استعمل القرآن كلمة (سيق) للكافرين وللمؤمنين في سورة الزمر؟
стр. 722
قال تعالى في سورة الزمر (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧١﴾ ) و (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿٧٣﴾ ) ليس غريباً أن يُؤتى بفعل يشمل الجميع فكل النفوس تُساق بدون استثناء كما في قوله تعالى (وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴿٢١﴾ سورة ق) لكن المهم أين يُساق كل مجموعة والجهة التي تساق إليها. إذن كلهم يساقون لكن المهم جهة السوق فهؤلاء يُساق بهم إلى الجنة وهؤلاء يُساق بهم إلى النار تماماً كما يستعمل القرآن كلمة (ادخلوا) فهي تقال للجميع لكن المهم أين سيدخلوا الجنة أو النار، وكلمة (خلق) أيضاً عامة للجميع وكذلك كلمة (الحشر) . فليس المهم لفعل وإنما متعلّق الفعل.
١٧١- ما دلالة الواو في قوله تعالى (والنجوم مسخّرات بأمره) في سورة النحل؟
قال تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٢﴾ ) الواو إما عطف جملة على جملة وإما إستئنافية.
١٧٢- ما دلالة كلمة (منسأته) في آية سورة سبأ؟
стр. 723
قال تعالى في سورة سبأ (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴿١٤﴾ ) ، والمنسأة: هي العصى، (نسأ) في اللغة لها دلالتين: نسأ البعير إذا جرّه وساقه، والمنسأة: هي عصى عظيمة تُزجر بها الإبل لتسوقها و (نسأ) بمعنى أخّر الشيء (النسيء) . فلماذا إذن استعمل كلمة (منسأة) ولم يستعمل كلمة (عصى) ؟ قلنا أن (المنسأة) لها معنيين وهما: سوق الإبل والتأخير؛ وفي قصة سليمان هذه العصى كانت تسوق الجنّ إلى العمل مع أن سليمان كان ميتاً إلى أن سقطت العصى وسقط سليمان (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ) فكما أن الراعي يسوق الإبل لتسير فهذه المنسأة كانت تسوق الجنّ. والمنسأة كأنها مدّت حكم سليمان فهي أخّرت حكمه إلى أن سقط. فاستعمالها في قصة سليمان أفاد المعنيين واستعمالها من الجهتين اللغويتين في غاية البيان من جهة السوق ومن جهة التأخير.
أما في قصة موسى فاستعمل كلمة العصى (قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ﴿١٨﴾ ) ليهشّ بها على غنمه وبها رحمة بالحيوان وعكس الأولى ولا يناسب استخدام كلمة منسأة.
١٧٣- ما دلالة ذكر (الجبال) مع السموات والأرض في آية الأمانة في سورة الأحزاب مع أن الجبال من الأرض؟
стр. 724
قال تعالى في أواخر سورة الأحزاب (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴿٧٢﴾ ) ، من حيث الحكم النحوي هذا ما يُسمّى عطف الخاص على العام كما في قوله تعالى (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴿٢٣٨﴾ سورة البقرة) والصلاة الوسطى مشمولة في الصلوات لكن لأهميتها وعظمة شأنها ذكرت وحدها، وقوله تعالى (مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴿٩٨﴾ سورة البقرة) وجبريل من الملائكة وذكره يفيد رفعة منزلته عند الله، وكذلك قوله تعالى (فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴿٦٨﴾ سورة الرحمن) والنخل والرمان من الفاكهة وهي فاكهة أهل الجنة. فمن حيث التكييف اللغوي جائز لكن لماذا يؤتى بها؟
ذكر تعالى (الجبال) لأنه أعظم مخلوقات الأرض هذا أمر.
والأمر الآخر: أن الأمانة ثقيلة وذكر الجبال مناسب للأمانة. ثم من قال أن الأرض خاصة بالجبال فقط فكل الأجرام فيها جبال والأمر الآخر أن الجبال هي رواسي الأرض (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴿١٠﴾ سورة لقمان) فوظيفة الجبال أن تثبّت الأرض كيلا تميد وكذلك المؤمنون (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ﴿٢٧﴾ سورة إبراهيم) تزول الجبال ولا تزول الأمانة لأنه في الآخرة تثبت المؤمنين على الصراط فهي أرسى من الجبال.
стр. 725
١٧٤- أين جواب الشرط في الآية (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ سورة البقرة) ؟
فإما يأتينكم: هي (إنّ وما جمعتا معاً) (إنّ) شرطية وما الزائدة بين أداة الشرط وفعل الشرط؛ وجملة (فمن تبع هداي) هي جواب إنّ والفاء رابطة لجواب إنّ وجملة (فلا خوف عليهم) فهي جواب لـ (من تبع هداي) .
١٧٥- ما الفرق بين استعمال (يشاقّ) و (يشاقق) ؟
حيث ورد ذكر الرسول ﷺ يُفكّ الإدغام (يشاقق) كما في قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١٣﴾ الأنفال) وقوله تعالى (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً ﴿١١٥﴾ النساء) وحيث أُفرِد الله تعالى تستخدم (يشاقّ) كما في قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٤﴾ الحشر) .
١٧٦- ما الفرق بين قصة ضيف إبراهيم في سورتي الذاريات والحجر؟
стр. 726
قال تعالى في سورة الذاريات (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ﴿٢٤﴾ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ﴿٢٥﴾ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴿٢٦﴾ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ﴿٢٧﴾ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴿٢٨﴾ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴿٢٩﴾ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿٣٠﴾ ) وقال تعالى في سورة الحجر (وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْراَهِيمَ ﴿٥١﴾ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ ﴿٥٢﴾ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ ﴿٥٣﴾ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ﴿٥٤﴾ قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ﴿٥٥﴾ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ ﴿٥٦﴾ ) .
في سورة الذاريات جاء وصف ضيف إبراهيم ﵇ بالمكرمين وهذا له معنى في سياق الآيات في السورة وعدم ذكر صفة الضيف في آية الحجر يُبنى عليه المعنى. وإذا استعرضنا سياق الآيات في السورتين يتبيّن لنا لماذا وردت الصفة في سورة ولم ترد في الأخرى
سورة الحجر
سورة الذاريات
لم يذكر ردّ التحية ولم يرد الإكرام هنا (فَقَالُواْ سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ)
سلام ورد التحية وردّ التحية من الإكرام (فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ)
لم يرد في سورة الحجر أي مظهر من مظاهر الإكرام كما ورد في سورة الذاريات إن من حيث عدم ردّ التحية أو تحضير الطعام أو دعوتهم إليه وغيرها.
стр. 727
ثم إن ضيف إبراهيم قالوا (سلاماً) أي حيّوه بجملة فعلية وهو حيّاهم بجملة إسمية والجملة الإسمية أقوى لغوياً وأثبت للمعنى وأبلغ إذن فسيدنا إبراهيم ردّ التحية بخير منها وهذا من مظاهر الإكرام أيضاً.
قال (قوم منكرون) ولم يقل إنكم قوم منكرون لكن عندما رآهم قال قوم غرباء بشكل عام ولم يوجّه الخطاب لهم مباشرة وهذا من باب التكريم، وهذا يختلف عما جاء في قصة لوط عندما قال (إنكم قوم منكرون) لمّا جاءه الرسل لأنه كان في حالة أزمة.
(فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ) والعجل السمين من مظاهر الإكرام وراغ معناها أنه ذهب بخفية ولم يرد أن يظهر أنه ذهب وهذا من إكرام الضيف.
(فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) وهذا أيضاً من باب الإكرام أن قرّب لهم الطعام وقال ألا تأكلون.
(قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ) ظهر عليه الخوف هنا وعمّ الخوف أهل البيت جميعاً.
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لم يرد إبراهيم أن يطلعهم على خوفه وهذا من مظاهر التكريم ولم يقل هنا أوجس في نفسه كما جاء في قصة موسى لأن الخوف قد يظهر وقد لا يظهر وفي قصة موسى لم يُرد أن يُظهر خوفه لأنه في مواجهة فرعون وقومه.
(قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) واجههم بالخوف وأجهروا بالبشرى فكما قال لهم إنا منكم وجلون قالوا له إنا نبشرك بغلام عليم، واعترف إبراهيم أنه يشك فيهم مما بلغه من الخوف فقال (قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ)
(وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ) لم يعترض إبراهيم هنا لأن الإعتراض ليس من مقام الإكرام فلم يشك في قولهم ولا اعترض عليهم
لم يذكر امرأة إبراهيم لأن الخوف هنا كان طاغياً على البيت كله وأهله ولهذا لم تظهر امرأته لمواجهتهم.
стр. 728
(فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) لم تكن خائفة أو وجلة إنما خرجت لمواجهتهم.
١٧٧- ما دلالة تقديم وتأخير (في سبيل الله) في آية سورة التوبة وسورة الأنفال؟
قال تعالى في سورة التوبة (الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿٢٠﴾ ) وقال تعالى في سورة الأنفال (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٧٢﴾ )
الخط العام: إذا كان المقام في جمع وحفظ الأموال يبدأ بالتضحية به وإذا كان السياق في القتال وليس في الأموال يقدّم (في سبيل الله) على الأموال.
سورة التوبة كلها في الجهاد وليست في الأموال فسياق الآيات كلها عن الجهاد والقتال وليس المال لذا اقتضى تقديم (في سبيل الله) على الأموال والأنفس.
أما في سورة الأنفال قدّم الأموال على (في سبيل الله) لأنه تقدّم ذكر المال والفداء في الأسرى وعاتبهم الله تعالى على أخذ المال إذن السياق كله في المعاتبة على أخذ المال من الأسرى.
١٧٨- ما دلالة تقديم وتأخير (اللهو) على (اللعب) في آية سورة العنكبوت؟
стр. 729
كل الآيات في القرآن جاء اللعب مقدّماً على اللهو إلا في هذه الآية من سورة العنكبوت (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٦٤﴾ ) . ولو لاحظنا الآية التي سبقت هذه الآية في نفس السورة (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٦٢﴾ ) فالرزق ليس مدعاة اللعب وإنما مدعاة اللهو كما في قوله تعالى في سورة المنافقون (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٩﴾ ) ففي الآية نهي من الله تعالى للمؤمنين عن الالتهاء بجمع الأموال. والعباد عموماً يلتهون بالمال سواء كانوا ممن بسط الله تعالى لهم الرزق أو ممن قُدر عليهم رزقهم، وعليه تقدّم ذكر اللهو على اللعب في آية سورة العنكبوت دون باقي السور.
١٧٩- ما دلالة تقديم وتأخير كلمة (شهيداً) في آية سورة العنكبوت وآية سورة الإسراء؟
قال تعالى في سورة العنكبوت (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٥٢﴾ ) وقال في سورة الإسراء (قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً ﴿٩٦﴾ )
في آية سورة الإسراء ختم تعالى الآية بذكر صفاته (خبيراً بصيرا) لذا اقتضى أن يُقدّم صفته (شهيداً) على (بيني وبينكم) ، أما في آية سورة العنكبوت فقد ختمت الآية بصفات البشر (أولئك هم الخاسرون) لذا اقتضى تقديم ما يتعلّق بالبشر (بيني وبينكم) على (شهيدا) .
стр. 730
١٨٠- ما الفرق بين قوله تعالى (من بعد موتها) في سورة العنكبوت مع أنه ورد في القرآن كله (بعد موتها) ؟
قال تعالى في سورة العنكبوت (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٦٣﴾ ) وفي القرآن كله وردت (بعد موتها) بدون (من) كما في سورة البقرة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾ ) وسورة النحل (وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٥﴾ ) وسورة فاطر (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴿٩﴾ ) .
وآية سورة العنكبوت هي الموطن الوحيد الذي وردت فيه (من بعد موتها) ، واستعمال (بعد موتها) فقط يحتمل البعدية القريبة والبعيدة، أما (من بعد موتها) فهي تدلّ على أنها بعد الموت مباشرة أي تحتمل البعدية القريبة فقط دون البعيدة. وإذا استعرضنا الآيات في سورة العنكبوت قبل الآية نجد أن الإحياء كله مباشرة بعد موتها وبدون مهلة ومجرّد العقل كان سيهديهم إلى أن الله تعالى هو القادر على إحياء الأرض من بعد موتها.
١٨١- ما دلالة كلمة (مثلهنّ) في قوله تعالى (ومن الأرض مثلهنّ) في سورة الطلاق؟
стр. 731
قال تعالى في سورة الطلاق (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴿١٢﴾ ) والمثلية هنا ليس بالعدد إنما لها أمور كثيرة لا نعرفها نحن. كما قال تعالى (وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنّة حيث نشاء) وقوله تعالى (يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسموات) .
١٨٢- ما دلالة تقديم السجود على الركوع في الخطاب لمريم؟
الأحكام تُذكر عموماً للإناث والذكور إلا إذا كان الحكم خاصاً بالنساء مثل قوله تعالى مخاطباً مريم في سورة آل عمران (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ ) وفي تأخير الركوع هنا دلالة مع أنه يأتي قبل السجود في الصلاة وهذا لأنه تعالى جاء بالكثرة قبل القِلّة لأن في كل ركعة سجدتين وركوع واحد لذا قدّم السجود على الركوع في الآية، وفي الأحكام على المرأة الإقتداء بالرجال مع التخفّي.
١٨٣- ما دلالة كلمة (يرضوه) في قوله تعالى (الله ورسوله أحق أن يرضوه) في سورة التوبة؟
قال تعالى في سورة التوبة (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ ﴿٦٢﴾ إرضاء الله تعالى ورسوله أمر واحد لا اختلاف بينهما ومثل ذلك قوله تعالى (من أطاع الرسول فقد أطاع الله) لذا جاءت كلمة (يرضوه) بضمير الغائب المفرد وليس يرضوهما.
١٨٤- ما دلالة آيات متشابهات في القرآن الكريم؟
стр. 732
قال تعالى في سورة آل عمران (هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ ﴿٧﴾ . هذه الآيات لا يعلمها إلا الله تعالى وقد تكون متعلقة بالله تعالى أو القدر أو أمور أخرى لسنا مكلّفين بها ولا نعلمها. أما الآيات المحكمات فهي التي تكون متعلقة بالبشر فعلينا إتّباع المحكمات والإيمان بالمتشابهات.
١٨٥- قال تعالى (وخُضتم كالذي خاضوا) فلماذا استخدمت صيغة المفرد والجمع؟
قال تعالى في سورة التوبة (كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٩﴾ ) ، ومعناها خضتم كخوضهم. وقد استخدمت صيغة الجمع (خضتم) والمفرد (كالذي) والجمع ثانية (خاضوا) والرأي السائد أن المعنى: خضتم كالذي خاضوه أي بالشيء الذي خاضوا فيه، و (الذي) عادت على الأمر المفرد وليس على خاضوا.
١٨٦- ما الفرق بين قوله تعالى (ولا يُنزفون) في سورة الواقعة وقوله (ولا هم عنها ينزفون) في سورة الصافات؟
стр. 733
قال تعالى في سورة الواقعة (لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ ﴿١٩﴾ ) وفي سورة الصافات (لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ ﴿٤٧﴾ ) . وكلمة (يُنزفون) من أنزف لها معنيين: أنزف يُنزف بمعنى سكِر وبمعنى نفذ شرابه وانقطع، ويقال أنزف القوم إذا نفذ شرابهم وهو فعل لازم غير متعدي. ويُنزف فعل متعدي معناه سكِر وذهب عقله من السكر.
إذا استعرضنا الآيات في السورتين لوجدنا ما يلي:
سورة الصافات ... سورة الواقعة
وردت في عباد الله الآخِرين وهم أقلّ درجة من السابقين. ... وردت يُنزفون في السابقين وشرح أحوال السابقين وجزاؤهم ونعيمهم في الجنّة. وفي الجنة صنفين من أصناف المؤمنين السابقون وهم قِلّة وفي درجات عليا
(أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون) لا يوجد تخيير هنا ... ذكر (وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون) في الآية تخيير وزيادة لحم طير
(وهم مكرمون في جنات النعيم) ... (أولئك المقربون في جنات النعيم) التقريب هو الإكرام وزيادة
(على سرر متقابلين) لم يذكر إلا التقابل فقط ... (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين) التنعّم هنا أكثر: موضونة، إتّكاء، تقابل
(يُطاف عليهم) الفاعل مبني للمجهول ولم يُحدد ... (يطوف عليهم ولدان مخلدون) تحديد الولدان المخلدون
(كأس من معين) كأس واحد فقط ... (بأكواب وأباريق وكأس من معين) زيادة وتنويع في الأواني لتنوع الأشربة
(لا فيها غول ولا هم يُنزفون) الغول إما للإفساد والإهلاك وإما اغتيال العقول، لا تهلك الجسم ولا تفسده ولا تسكره. ونفي الغول لا ينفي الصداع. وإذا كان المقصود بالغول إفساد العقول فالغول وينزفون بمعنى واحد لكن الأول يكون صفة المشروب والثانية صفة الشارب ... (لا يصدّعون عنها ولا يُنزفون) لا يصيبهم صداع ونفي الصداع نفي لما هو أكبر وهو الغول. والآية تدل على أن خمر الجنة لا تُسكر ولا ينقطع الشراب فالتكريم هنا أعلى من سورة الصافات.
стр. 734
(وعندهم قاصرات الطرف عين) صفة واحدة من صفات حور الجنة (بيض مكنون) . ... (حور عين كأنهم لؤلؤ مكنون) ذكر صنفين والوصف هنا جاء أعلى
لم يرد شيء عن نفي سماع اللغو ... (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيما إلا قيلاً سلاماً سلاما) نفي لسماع أي لغو ولم ترد في الصافات
(ينزفون) مبنية للمجهول فناسب أن يقال (يُطاف عليهم) مبنية للمجهول. ... (يطوف عليهم) بما أن يُنزفون مبنية للمعلوم ناسب أن يقال (يطوف عليهم) مبنية للمعلوم أيضاً
ففي سورة الواقعة إذن دلّ السياق على الإكرام وزيادة والسُرر وزيادة والكأس وزيادة والعين وزيادة ونفى السُكر وزيادة ونفى اللغو وزيادة.
١٨٧- ما دلالة تكرار كلمة (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) في سورة النساء وعدم ذكرها مع (أولي الأمر) ؟
قال تعالى في سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿٥٩﴾ ) لم يقل تعالى (وأطيعوا أولي الأمر منكم) لأن طاعة أولي الأمر تبعية وليست مستقلة وإنما هي تابعة لطاعة الله وطاعة الرسول ﷺ فأولي الأمر ليس لهم طاعة مستقلة ولكن طاعتهم تبعية بحسب طاعتهم لله ولرسوله ﷺ . كما أن طاعة أولي الأمر ليست بنفس منزلة طاعة الله ورسوله ومن المحتمل التنازع بين أولي الأمر.
وهناك سؤال آخر في هذه الآية وهو لماذا يرد في القرآن أحياناً (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وأحياناً أخرى يرد (وأطيعوا الله والرسول) ؟
стр. 735
في القرآن قاعدة عامة: وهي أنه إذا لم يتكرر لفظ الطاعة فالسياق يكون لله وحده في آيات السورة ولم يجري ذكر الرسول ﷺ في السياق أو أي إشارة إليه كما جاء في سورة آل عمران (وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٣٢﴾ ) . والأمر الآخر أنه إذا لم تكرر لفظ الطاعة فيكون قطعياً قد ذُكر فيه الرسول في السياق كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿٥٩﴾ النساء) و (وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ﴿٩٢﴾ المائدة) و (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١﴾ ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ﴿٢٠﴾ الأنفال) و (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿٥٤﴾ النور) و (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴿٣٣﴾ محمد) و (أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ
стр. 736
وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿١٣﴾ المجادلة) و (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿١٢﴾ التغابن) وهذا ما جرى عليه القرآن كله كقاعدة عامة.
١٨٨- ما دلالة الهاء في كلمة (اقتده) في آية سورة الأنعام؟
قال تعالى في سورة الأنعام (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴿٩٠﴾ ) والهاء في (اقتده) تسمى "هاء السكتة" وهي جائزة وكان يمكن القول اقتدي لكن جاء بهاء السكتة وهي علامة الوقف وهذا يدل على أنه أمر يجب أن يقف عند هداهم فلا يتعدّاه ولا يسأل عن هدى غيره ولذا قدّم تعالى (فبهداهم) لتفيد الحصر؛ وقد ذكر تعالى عن الأنبياء كإبراهيم ونوح وغيرهم كما في الآيات (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿٨٣﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٨٤﴾ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿٨٥﴾ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٨٦﴾ ) ثم قال (فبهداهم اقتده) أي اسكت هنا ولا تسأل عن هدى غيرهم واقتد بهداهم فقط وكفّ عند هذا الحد بمعنى قف هنا.
١٨٩- ما دلالة كلمة (ملتهم) في سورة البقرة (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) ولماذا لم ترد كلمة "ملتيهما" مثلاً؟
стр. 737
قال تعالى في سورة البقرة (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴿١٢٠﴾ ) ولو قال تعالى "ملتيهم" لكان المعنى لن ترضى عنك اليهود حتى تتبع ملتيهما ولن ترضى عنك النصارى حتى تتبع ملتيهما وهذا لا يصح لأن اليهود يريدون أن يتّبع ملتهم فقط وكذلك النصارى.
وهناك سؤال آخر أنه لماذا جاء بـ (لا) في قوله (اليهود ولا النصارى) ؟ لأنه لو لم يأت بها لدلّ المعنى على أنه لن يرضى عنك الجميع حتى تتّبع ملّتهم وهذا لا يصح.
١٩٠- ما دلالة (قوامين بالقسط) في آية سورة النساء و (قوّامين لله) في آية سورة المائدة؟
стр. 738
قال تعالى في سورة النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ﴿١٣٥﴾ ) وقال تعالى في سورة المائدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴿٨﴾ ) ولو أخذنا سياق الآيات في سورة النساء نلاحظ أن السورة كلها في الأمر بالعدل والقسط وإيتاء كل ذي حق حقه (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴿٢﴾ ) (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴿٤﴾ ) فلذلك اقتضى السياق تقديم (قوّامين بالقسط) .
стр. 739
أما في سورة المائدة فسياق الآيات في حقوق الله تعالى وفي الولاء والبراء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢﴾ ) (وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿٧﴾ ) لذا اقتضى قول (قوّامين لله) لأن السياق في القيام لله تعالى وفي حقوق الله تعالى.
١٩١- ما دلالة استخدام الفعل الماضي والمضارع في آية سورة فاطر (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴿٢٩﴾ ) ؟
стр. 740
قال تعالى في سورة فاطر (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴿٢٩﴾ ) . (يتلون) فعل مضارع و (أقاموا) فعل ماضي والفعل المضارع يدل على الحال والتجدد والإستقبال والماضي مضى؛ وفي الآية ذكر تعالى أكثر ما يتجدد أولاً لأن تلاوة القرآن أكثر من الصلاة وإقامة الصلاة لا تكون إلا بقراءة القرآن وقراءة القرآن تكون في كل وقت وإقامة الصلاة هي أكثر من الإنفاق إذن فالأفعال مرتّبة في الآية بحسب الكثرة وبحسب الإستمرار فبدأ بالأكثر والأكثر استمراراً ثم بما دونها كثرة (الصلاة) ثم الأقل (الإنفاق) .
وفعل (أقاموا) هو فعل ماضي لكن بعد إسم الموصول يكون له زمنان فقد يكون له زمن ماضي مثل قوله تعالى (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) وقد يحتمل معنى الماضي والإستقبال مثل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴿١٥٩﴾ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٠﴾ سورة البقرة) هذه الأفعال الماضية في الآية (تابوا وأصلحوا وبيّنوا) تدل على احتمال الإستقبال لأنها جاءت بعد الكتمان (إن الذين يكتمون) . أصلاً زمن الفعل الماضي بعد الإسم الموصول يحتمل المىضي ويحتمل الإستقبال. وهناك أمور قطعية وهناك أمور تبقى مشتركة. أما (كان) فلها أزمنة خاصة بها فهي تفيد الإستمرارية وتأتي أصلاً للإستقبال كما في وصف الآيات للآخرة (وفتحت السماء فكانت أبوابا) وفي الحديث عن الله تعالى (وكان الله غفوراً رحيما) فهي تدل على كونه غفور رحيم وهذا كونه سبحانه.
следующие страницы →