Полный текст (1 108 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
٣٣٠- ما اللمسة البيانية في زيادة هو في آية سورة الزخرف (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)) عن آية سورة مريم (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)) ؟
هو: احتمال أن يكون ضمير منفصل يفيد التوكيد والحصر. يبقى السياق في الزخرف جاء في مقام عبادة عيسى واتخاذه إلهاً (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)) فهو أنكر هذا (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) حصراً بينما في سورة مريم فالآية جاءت بعد الولادة وليست في مقام اتخاذ إله لا تزال المسألة طفل تحمله أمه في المهد. أما سورة الزخرف ففي مقام اتخاذ عيسى إلهاً فنفى الله تعالى على لسان عيسى ذلك وقال حصراً (إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) .
٣٣١- ما دلالة ما دلالة استعمال (ما) في قوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)) في سورة الحشر؟
توجد ظاهرة في آيات التسبيح في القرآن كله. إذا كرّر (ما) فالكلام بعدها يكون على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) فالكلام ليس على أهل الأرض وإنما على شيء آخر.
стр. 947
في سورة الحشر قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)) بتكرار (ما) وجاء بعدها (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (٢)) وهذا في الأرض. وكذلك في سورة الصفّ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)) وفي سورة الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)) وفي سورة التغابن (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)) .
стр. 948
بينما في آية أخرى في سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)) قال تعالى بعدها (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)) وليس الكلام هنا عن أهل الأرض وإنما هو عن الله تعالى. وكذلك في سورة النور (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)) .
هذه قاعدة عامة في القرآن والتعبير القرآني مقصود قصداً فنياً. وهذا في مقام التسبيح ولم أتحقق من هذه القاعدة في غير مقام.
٣٣٢- هل كل ما جاء عطف بيان يُعرب بدلاً؟
عطف البيان عو قريب من البدل نقول مثلاً: أقبل أخوك محمد، محمد يمكن أن تُعرب بدل أو عطف بيان. لكن هنالك مواطن ينفرد فيها عطف البيان عن البدل. وقسم من النحاة يذكرون الفروق بين عطف البيان والبدل ثم يقول أشهر النحاة بعد ذكر هذه الفروق:" لم يتبين لي فرق بين عطف البيان والبدل".
عطف البيان على أي حال قريب من البدل ويصح أن يُعرب بدل إلا في مواطن:
-...عطف البيان لا يمكن أن يكون فعل بينما البدل قد يكون فعلاً.
-...عطف البيان لا يمكن أن يكون مضمراً أو تابعاً لمضمر (ضميراً أو تابع لضمير) بينما البدل يصح أن يكون.
-...عطف البيان لا يمكن أن يكون جملة ولا تابع لجملة بينما البدل يمكن أن يكون كذلك.
وهناك مسألتين أساسيتين يركزون عليهما:
البدل على نيّة إحلاله محل الأول.
البدل على نية تكرار العامل أو على نية من جملة ثانية.
стр. 949
على سبيل المثال وحتى لا ندخل في النحو كثيراً نقول: يا غلام محمداً هذه جملة صحيحة الغلام اسمه محمد هذا لا يمكن أن يكون بدلاً لأنه لا يصح أن يحل محل الأول لأننا قلنا سابقاً أن البدل على نية إحلاله محل الأول ومحمد علم مفرد يكون مبني على الضمّ مثل (يا نوحُ) (يوسفُ أعرض عن هذا) ولا نقول يا محمداً.
وكذلك إذا قلنا: يا أيها الرجل غلام زيد. لا يمكن أن يكون بدل فلو حذفنا الرجل تصير الجملة يا أيها غلام زيد لا تصحّ.
مثال آخر: زيد أفض الناس الرجال والنساء. إذا حذفنا الناس لا تصح الجملة ولا يمكن أن تكون الناس بدل لأنه لا يصح قول: زيد أفضل الرجال والنساء. وإنما تُعرب عطف بيان.
وهناك مواطن أخرى عند غير الفرّاء مثال: أنا الضارب الرجل زيد. لا يمكن أن يكون الرجل بدل فلا يصح أن يقال أنا الضارب زيدٍ لأنه إذا عرّف الأول فيجب أن يعرّف الثاني.
فليس دائماً يمكن أن يُعرب عطف البيان والبدل أحدهما مكان الآخر وإنما هناك مواطن يذكرها النحاة لكننا نقول أن عطف البيان موجود في اللغة.
وفي قوله تعالى في سورة النور (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ) الكثير يعربون زيتونة عطف بيان. وعطف البيان مثل الصفة يجب أن يتفق مع ما قبله ولا يختلفا تنكيراً وتعريفاً أما في البدل فيجوز الاختلاف. وعطف البيان تابع من التوابع نقول عطف بيان والمعطوف عليه (ما قبله) .
العطف إما ذو بيان أو نسق والغرض الآن بيان ما سبق
وفي قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) قتال تُعرب بدل اشتمال ولا يجوز إعرابها عطف بيان لأنهما اختلفا تنكيراً وتعريفا وفُقِد الشرط.
ومع ذكر كل الفروق بين عطف البيان والبدل كما ذكرنا سابقاً يأتي أشهر النحاة فيقول أنه لم يتبين له الفرق بينهما وأنا في الحقيقة من هذا الرأي أيضاً.
стр. 950
٣٣٣- ما اللمسة البيانية في استعمال أو في قوله تعالى (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) الصافات) ولماذا لم تأتي الواو بدلاً عن أو؟
قيل في (أو) في هذه الآية أكثر من قول. (أو) بمعنى الواو في هذه الآية لم يقل بها إلا نحوي واحد. والأكثرون على أن (أو) هي بمعنى (بل) للإضراب أي (بل يزيدون) . مثال: سأرحل أو أقيم، أو نقول سأذهب إلى المقهى أو أبقى (بمعنى بل) هي كالبدر أو هي أجمل (بل هي أجمل) ويقول الشاعر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح
النحاة يقولون: اذهب إلى زيد أو دع فلا تبرح اليوم (بمعنى يُضرِب عن الحكم) ويقال: اذهب إليه وأخبره بما جرى أو اترك فلا تخبره (اضرب عن الحكم الأول) ، ويقال: مثل فلان في الشعر أو هو أفضل (لم تنفي الأول بل هو أفضل) .
وقسم من النحاة يرون أن (أو) هي على ما يحزر الرآئي إذا رآهم يقول مئة ألف أو يزيدون أي يقدّرهم تقديراً، أو حكاية لقول الناس إذا نظروهم ماذا يقولون؟
ولا يمكن أن تكون (أو) بمعنى الواو في هذه الآية لأنها ستدلّ على أنهم يبدأون في الزيادة (ويزيدون) وهذا غير مقصود.
(أو) إذن تكون إما بمعنى بل أو على ما يقول الناس إذا رأوهم وهذا أرجح من الواو لأن معنى الواو سيكون ضعيفاً.
٣٣٤- لماذا جاءت الآية (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) الطلاق) ولم تأتي على نسق قوله تعالى (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) الشرح) ؟
стр. 951
(سيجعل) هنا ذِكر حالة عسر كما في قوله تعالى (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ) ليس معه يسر الآن وإنما قُدِر عليه الرزق الآن وهو مُضيّق عليه واليسر سيكون فيما بعد (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)) فهذه حالة واقعة خاصة معيّنة والتوسعة ستكون فيما بعد. ولا يمكن أن تأتي محلها (إن مع العسر يسرا) فهذه حالة عامة هذه في سورة الشرح وفيها رأيان قسم يقول أنها خاصة بالرسول ﷺ لأن سورة الشرح والضحى خاصتان بالرسول ﷺ أن مع العسر الذي هو فيه سيكون معه يسر وقسم يقول هذه عامة بمعنى أن الله تعالى إذا قضى عُسراً قضى معه اليُسر حتى يغلبه، فالله تعالى قدّر أنه إذا قضى عُسراً قدّر معه يُسراً.
إذن الآية الأولى حالة خاصة ومسألة معينة ولا يصح معها (إن مع العسر يسرا) لأن الرزق مقدّر ومُضيّق عليه الآن والآية وعد بأن ييسر الله تعالى له فيما بعد.
٣٣٥- ما دلالة التقديم والتأخير في قوله تعالى (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (١) الحجر) و (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) النمل) وما وجه الاختلاف بينهما واللمسات البيانية فيهما؟
стр. 952
ما ذُكِر فيها الكتاب وحده كما في سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)) ولم يُذكر القرآن تتردد لفظة الكتاب في السورة أكثر من لفظة القرآن أو لا ترد أصلاً وما يرد فيه لفظ القرآن تتردد فيه لفظة القرآن في السورة أكثر من تردد لفظة الكتاب أو أن لفظة الكتاب لا ترد أصلاً. وإذا اجتمع اللفظان في آية يتردد ذكرهما بصورة متقابلة بحيث لا يزيد أحدهما عن الآخر إلا بلفظة واحدة في السورة كلها. ونأخذ بعض الأمثلة:
في سورة البقرة بدأت بلفظة الكتاب وترددت لفظة الكتاب ومشتقاتها سبعاً وأربعين مرة في السورة (٤٧) بينما ترددت لفظة القرآن ومشتقاتها مرة واحدة فقط في آية الصيام.
في سورة آل عمران بدأت بلفظة الكتاب وترددت لفظة الكتاب ثلاثاً وثلاثين مرة في السورة (٣٣) بينما لم ترد لفظة القرآن ولا مرة في السورة كلها.
هذا النسق لم يختلف في جميع السور التي تبدأ بالأحرف المقطعة وهي مقصودة وليست اعتباطية حتى في سورة طه بدأت بلفظة القرآن وترددت لفظة القرآن ثلاث مرات في السورة بينما ترددت لفظة الكتاب مرة واحدة في السورة إلا في سورة ص تردد الكتاب والقرآن مرة واحدة.
وفي الآيات في السؤال آية سورة الحجر (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (١)) (القرآن) ورد في السورة أربع مرات و (الكتاب) خمس مرات. وفي آية سورة النمل (طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)) تردد الكتاب مرتين والقرآن ثلاث مرات. وهذا السمت عام ما تردد يترددان معاً بحيث لا يزيد أحدهما عن الآخر بأكثر من لفظة واحدة وما ورد فيه الكتاب هي التي تجعل السمة في التعبير في السورة.
٣٣٦- ما دلالة المطهّرون في قوله تعالى (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)) في سورة الواقعة؟
стр. 953
الذي يبدو والله أعلم لأن هذه الآية فيها كلام كثير أن المطهّرون هم الملائكة لأنه لم ترد في القرآن كلمة المطهرين لغير الملائكة، والمُطهّر اسم مفعول وهي تعني مُطهّر من قِبَل الله تعالى. بالنسبة للمسلمين يقال لهم متطهرين أو مطّهّرين كما في قوله تعالى (اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) البقرة) و (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)) ومتطهرين أو مطّهّرين هي بفعل أنفسهم أي هم يطهرون أنفسهم.
لمّا وصف الله تعالى نساء الجنة وصفهم بقوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥) البقرة) فلم ترد إذن مطهّرون إلا للملائكة ولذلك هذا المعنى يقوّي القول أن المقصود في الآية الكتاب المكنون الذي هو في اللوح المحفوظ وليس القرآن الذي بين أيدينا لأكثر من سبب والله أعلم.
فمن حيث اللغة قوله تعالى (لا يمسُّه) بالضمّ: لا: نافية لأنها لو كانت ناهية تكون جازمة ويجب أن يكون الفعل بعدها إما يمسَّه بالفتح أو يمسسه بفك الإدغام كما يف قوله تعالى (لم يمسسني بشر) . الكفار قالوا أن هذا القرآن تتنزل به الشياطين فردّ الله تعالى عليهم في قوله (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) الشعراء) ثم جاءت هذه الآية (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)) رداً على هؤلاء أن القرآن لا يمكن للشياطين أن تصل إليه. وطالما أن الآية جاءت بالفعل يمسُّه مرفوعاً فهذا دليل على أن (لا) نافية. وقد يقال من ناحية الدلالة أنه يجوز في النحو ومن الناحية البلاغية أن يخرج النفي إلى النهي لكن (لا) في هذه الآية نافية في الإعراب قطعاً ولا يمكن أن تكون ناهية بدليل حركة الفعل بعدها.
стр. 954
وهذه الآية وأنا لست عالماً بالحديث لا تنص شرعياً على عدم جواز مس المصحف إلا بوضوء إلا إذا كان في الأحاديث ما ينصّ على ذلك هناك حديث عن عدم جواز مس المصحف للجُنُب. المطهّرون في الآية هم الملائكة لأنها ما وردت لغير الملائكة في القرآن كله والناس متطهرون وليسوا مطهّرين. وأنا أعتذر من الناحية الفقهية الشرعية لكني أتكلم من الناحية النحوية. إذا كان هناك نصٌّ يحكم فهو يحكم بدلالته لكن ليس بدلالة هذه الآية.
٣٣٧- ما دلالة كلمة (يستنقذوه) في قوله تعالى (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) الحج) ؟
يستنقذوه بمعنى ينقذوه وأحياناً هذا الفعل استفعل يأتي بمعنى الثلاثي لكن يُراد فيه المبالغة مثل استيأس بمعنى يأس لكن فيه الشدة والمبالغة في الفعل كما في قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) يوسف) أي بلغوا درجة أكثر من اليأس. استفعل لها عدة معاني من الطلب وأمور كثيرة ومنها أن يكون بمعنى الثلاثي لكن يُراد به المبالغة والشدة والكثرة.
وفي الآية يستنقذوه أي أنهم لو حاولوا جهدهم في انقاذه وبالغوا في الجهد لما استطاعوا انقاذه. يستنقذوه إذن تعني ينقذوه لكن فيها مبالغة.
٣٣٨- ما الفرق بين الآيتين (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ (١٥١) الانعام) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ (٣١) الاسراء) من الناحية البيانية؟
هاتان الآيتان تكلّم فيهما القدامى كثيراً في أكثر المراجع وحتى المحدثين ذكروها.
стр. 955
الآية الأولى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) الانعام) (من إملاق) : أي من الفقر الواقع بهم يقتلونهم بسبب الفقر الواقع عليهم فلما كانوا مفتقرين فهم محتاجون للرزق لعيلوا أنفسهم ثم أولادهم لذا بدأ تعالى برزقهم هم أولاً لأنهم محتاجون ثم رزق أولادهم.
أما الآية الثانية (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١) الاسراء) (خشية إملاق) : هم ليسوا محتاجين الآن لكنهم يخشون الفقر ويخشون أن تكون تكاليف الأولاد ستؤثر عليهم وتودي بهم إلى الفقر لكنهم ليسوا مفتقرين الآن فقال تعالى نحن نرزقهم لماذا تخافون إذن؟ فبدأ برزق الأولاد أولاً حتى يبين لهم أن الأولاد لن يشاركونهم في رزقهم وإنما رزقهم معهم.
٣٣٩- لماذا جاءت كلمة نار مرفوعة ونكرة في قوله تعالى (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) الانبياء) ولماذا جاءت برداً وسلاماً وليس سلاماً فقط؟
أولاً كلمة نار ليست نكرة (يا نار) في المصطلح الحديث تُسمّى نكرة مقصودة أي معيّنة أما النحاة فيقولون معرفة.
قاعدة: كل منادى مبني على الضمّ هو معرفة، والمنصوب قد يكون معرفة أو نكرة أو نكرة مقصودة أو نكرة غير مقصودة أو مضاف أو مضاف إلى معرفة.
والنكرة المقصودة ليست مصطلحاً نحوياً وهو مصطلح جديد لا يوجد في كتب النحو القديمة. نقول يا راكباً نكرة غير مقصودة. إذا قصدنا أحداً نقول له يا رجلُ ويا شرطيُ.
قاعدة سيبويه: إن كل اسم في النداء مرفوع معرفة وذلك أنه إذا قال يا رجلُ ويا فاسقُ كمعنى يا أيها الرجل ويا أيها الفاسق.
стр. 956
لا يمكن أن تكون الآية (يا ناراً) لأن الله تعالى يخاطب ناراً معينة وهي نار إبراهيم فهي معرفة والمعرفة هي ما دلّ على شيء معيّن. فلا بد أن تكون يا نارُ بالبناء على الضم وهي ليست نكرة وإنما معرفة ويسمونها الآن نكرة مقصودة.
أما قوله تعالى برداً وسلاماً: لو قال برداً وحدها قد يؤذي لأن من البرد ما يؤذي، ولم يقل سلاماً وحدها لأنه قد يشعر بالحرّ الذي يؤذي لكنه لا يتأذى فهي سلام. والله تعالى أراد أن يجمع الاثنين أراد أن لا يشعر ابراهيم ﵇ بالحرارة ولم يرد له أن يتضايق فهي برد وسلام فالبرد معه شيء من السلام والسلام معه شيء من البرد والله تعالى لم يُرد أن يشعر إبراهيم بالحرارة أو السخونة بحيث يتضايق فقد يعيش الإنسان في حرٍّ في بيته لكن لا يوجد سلام فيتضايق. لذا كان لا بد من الأمرين معاً البرد والسلام ولا يمكن أن يستغني عن واحدة منهما.
٣٤٠- ماذا عن ربط المستقبل بـ (غد) فقط في قوله تعالى (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) الكهف) ؟
стр. 957
سبب نزول الآية هو الذي يحدد. سُئل رسول الله ﷺ عن ثلاثة أسئلة من قبل الكفار منها عن أهل الكهف فقال الرسول ﷺ سأجيبكم غداً لأنه لم يكن لديه علم وجاء غد ولم يُجِب الرسول ﷺ ولم ينزل عليه الوحي مدة خمس عشرة ليلة فحصل إرجاف لأن الوحي يتنزّل بحكمة الله تعالى ثم نزلت الآية (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)) فهي مناسبة لأصل سبب النزول وهذا ينسحب لأنه أحياناً سبب النزول لا يتقيّد بشيء. مثلاً في مسألة (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) النور) ماذا إذا لم يردن تعففاً؟ الحادثة التي حصلت أن عبد الله بن أبيّ أراد إكراههن وهن يردن التحصّن فذكر المسألة كما هي واقعة ثم تأتي أمور أخرى تبيّن المسألة.
غداً في الآية موضع السؤال لا تعني بالضرورة الغد أي اليوم الذي يلي وإنما قد تفيد المستقبل وهي مناسبة لما وقم وما سيقع.
٣٤١- ما دلالة رفع (المقيمين) في قوله تعالى (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) النساء) ؟
стр. 958
هذا يُسمّى القطع والقطع يكون في الصفات أو العطف إذا كان من باب الصفات. القطع يكون للأمر المهم. ذكرنا في قوله تعالى (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ (٣) التوبة) عطف على اسم. فالقطع موجود في اللغة، في الصفات يكون القطع مع المرفوع للمنصوب ومع المنصوب للمرفوع ومع المجرور للمرفوع. والآية موضع السؤال هي من القطع يقطع من الصفات لأهمية المقطوع والمقطوع يكون مفعولاً به بمعنى أخُصُّ أو أمدح ويسمى مقطوع على المدح أو الذم. وفي الآية (المقيمين) مقطوعة وهي تعني أخص أو أمدح المقيمين الصلاة. وكأننا نسلّط الضوء على المقطوع فالكلمة التي نريد أن نركّز عليها أو نسلّط عليها الضوء نقطعها.
من باب الصفات ما دلّ على المدح أو الذم أو الترحّم ويكون الاضمار وجوباً.
أما المؤتون الزكاة فهي معطوفة على (الراسخون في العلم) .
أما لماذا جاءت المقيمين الصلاة بالقطع والمؤتون الزكاة معطوفة على الراسخون في العلم؟ إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عبادتان ظاهرتان في الآية وردتا بين عقيدة (والمؤمنون يؤمنون، والمؤمنون بالله واليوم والآخر) وإقامة الصلاة هي الأمثل والأولى فركّز عليها وقطع بالرفع مع المنصوب في الصفات.
стр. 959
ومن الأمثلة أيضاً على القطع قوله تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) البقرة) الصابرين منصوبة ركّز عليها وقطع ولم يقل الصابرون معطوفة على الموفون عطف على خبر لكنّ لأن الصابرين يكونون في الحرب والسلم وفي البأساء وهي عموم الشدة والاصابة في الأموال والضرّاء في البدن والدين كله صبر فقطع الصابرين لأهميتها.
٣٤٢- ما الفرق من الناحية البيانية بين قوله (شيئاً إمرا) و (شيئاً نُكرا) في سورة الكهف؟ ثم ما الفرق بين نُكر ونُكُر (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) القمر) ؟
стр. 960
الإمر هو الأمر المُنكر أو الكبير والنُكر فيها معنى الإنكار أيضاً لكنهم يرون أن النُكر أعظم وأبلغ من الإمر لأن قتل النفس البريئة بغير نفس هو أكبر من خلع لوح من السفينة لأن اللوح يمكن أن يُعاد فيؤتى بلوح سواء هو نفسه أو غيره (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)) لكن القتل لا يُعاد وقتل النفس البريئة بغير نفس أمر عظيم (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)) . الكثير قالوا أن النُكر أشد نكارة من الإمر ففرّق بينهما لأن قتل النفس أشد من خرق السفينة.
كلمة نُكر بتسكين الكاف هي من أوزان اسم المفعول لأن أوزان اسم المفعول ثمانية من جُملتها فُعل بضمّ الفاء وتسكين العين مثل سُؤل كما في قوله تعالى (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) طه) أي ما سألته وكلمة خُبث أي المخبوث. ما يدرسه الطلبة عادة أمرين: الأمر القياسي وهو ما يُصاغ من الثلاثي على زنة مفعول ومن غير الثلاثي زنة مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وفتح ما قبل الآخر. والأمر الآخر يأخذونه على وزن فعيل بمعنى مفعول كما يف قتيل أي مقتول وجريح بمعنى مجروح وأسير بمعنى مأسور ولكل من الأوزان دلالة خاصة به.
ومن أوزان اسم المفعول فُعلة مثل لُعنة أي يُلعن كثيراً أو سُبّة أي يُسبّ كثيراُ أو صُرعة أي يُصرع كثيراً وهذه بخلاف فُعَلة التي هي من أوزان المبالغة.
توجد أوزان عديدة لاسم المفعول يقال ناقة عُبر أسفار أي يُعبر عليها.
نُكر من أوزان اسم المفعول أي الفعل المنكر شديد النكارة.
стр. 961
قال تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) القمر) جاءت (نُكُر) بضم الكاف هنا ولا تصلح هنا مع الفاصلة أن تأتي نُكر وفي الحقيقة أن صيغة فُعُل غير صيغة فُعْل بتسكين العين ولكل منها دلالة خاصة. يقال باب فُتُح أي مفتّح لا يُغلق ويقال من وجد باباً مُغلقاً فإن هناك بابً فُتُحا هو باب الله. ويقال قارورة فُتُح أي ليس لها غطاء أصلاً.
صيغة فُعُل أبلغ من فُعْل لأن فيها توالي ضمّتان ونُكُر أبلغ وأشد في النكارة من نُكر بتسكين الكاف ولو لاحظنا ما ورد في الآيات التي فيها نُكر ونُكُر نجد أنه صحيح أن الفاصلة تقتضي كلاً من التعبيرين والعبارتين أو الوزنين لكن الدلالة تختلف.
في قوله تعالى (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) القمر) هذه في الآخرة وهي غير مألوفة والصوت الذي يدعوهم إلى الخروج غير مألوف فالأمر مُستغرب ولم يسمعوا به والدعور هائلة والأمر غير مألوف فيما سبق من حياتهم (خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)) ليس له نظير فجاء بـ (نُكُر) شديد النكارة ولم يقل نُكر بتسكين الكاف.
أما في قوله تعالى (قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)) في سورة الكهف لم يقل نُكُراً علماً أن الحديث في الآخرة أيضاً وهذا لسببين:
أولاً قال (أما من ظلم) ولم يقل من كفر وليس بالضرورة أن الظالم هو كافر كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافر.
стр. 962
والأمر الآخر أنه قال (فسوف نعذّبه) إذن سينال عذاباً في الدنيا فإذا كلن العذاب مُجزياً في الدنيا سقط عنه في الآخرة وإذا لم يكن مجزياً عُذب في الآخرة. وإذا قام على أحد الحدّ في الدنيا لا يُعذب في الآخرة. فهذا العذاب نكارته ليس بتلك الشدة التي في آية سورة
أما في قوله تعالى (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)) قتل النفس في الأرض كثير وليس مستغرباً كالأمر في آية سورة. فالقتل يحصل رغم استنكاره.
وفي قوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) الطلاق) هذا في الدنيا كالصيحة أو الخسف أو غيرها وليس في الآخرة وليست بنكارة ما في الآخرة.
واختلاف الصيغ كثير منها عسِر وعسير لكل منهما دلالة خاصة وطويل وطوال تقال مثلاً إذا كان شخصان كلاهما طويل لكن أحدهم أطول من الآخر فيقال له طوال إذا كان بالغ الطول.
٣٤٣ - ما اللمسة البيانية في قوله تعالى في سورة البقرة (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ولماذا جاءت صيغة الطعام مع النهر الذي فيه شراب؟
أولاً ما معنى طعِم؟ لها في اللغة دلالتان فتأتي بمعنى أكل أو ذاق نقول عديم الطعم أي المذاق.
ليس بالضرورة أن تكون طعِم بمعنى أكل لأنها كما قلنا تأتي بمعنى ذاق. وقوله تعالى (فمن لم يطعمه) لا تعني بالضرورة أنه أكل لكن لماذا اختار ومن لم يطعمه ولم يقل ومن لم يشربه؟
стр. 963
قال تعالى (فمن شرب منه فإنه مني) لأن الماء قد يُطعم إذا كان مع شيء يُمضغ: شيئ تمضغه تشرب ماءً فأصبح يُطعم الآن فهذا ممنوع لأنه لو قال لم يشربه جاز أن يطعمه مع شيء آخر يعني يأكلون شيئاً ويمضغون فيشربون الماء بهذا يكون انتفى الشرب لكن حصل الطعم فأراد تعالى أن ينفي هذه المسألة.
فمن شرب منه فليس مني: شراب فقط بدون طعام كما نشرب الماء.
لم يطعمه: لو قال لم يشربه جاز له أن يطعمه فأراد أن ينفي القليل وبالتالي ينفي الكثير.
إلا من اغترف غرفة بيده: هذه استثناها (غرفة بيده) ولو قال يطعمه لم تستثنى هذه يكون له ما يشاء. لكن ألا تدخل هذه في نطاق الطعام؟ إنه يطعم الماء ليتذوقه الآن تذوقه بهذا القدر ليس له الزيادة التي أباحها الله فيه ولو قال لم يطعمه اتّسع القدر يأكل مع الطعام.
стр. 964
الأسئلة والأجوبة المفيدة (٢)
أسئلة المشاهدين خلال حلقة ١٢/٢/٢٠٠٧م:
سؤال ١: ما دلالة (أو) في قوله تعالى (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) الصافات) ؟
النُحاة يقولون (أو) هنا بمعنى (بل) . على سبيل المثال أنت تنوي الذهاب إلى المقهى فتقول: سأذهب إلى المقهى ثم تغير رأيك فتقول أو أبقى في البيت، يعني أضربت عن الذهاب. والأمر الآخر يقولون هي بحسب ما يراه الرائي إذا رآهم الرائي يقول: هم مائة ألف، لا أكثر، يقول الرائي مائة ألف أو يزيدون. إذن (أو) إما أن تؤخذ على معنى (بل) أو أن القرآن يعبّر عن ما يراه الرائي.
سؤال ٢: ما معنى كفلين في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ (٢٨) الحديد) ؟
الكفل من معناه النصيب ويأتي بمعنى المِثل حسب السياق.
سؤال ٣: وردت كلمة (ابراهم) في سورة البقرة بدون ياء مع أنها وردت في باقي القرآن مرسومة بالياء (إبراهيم) فما دلالة ذلك؟
هذا يتعلق برسم القرآن وسبق أن أجيب على هذا الموضوع بتفصيل في حلقات سابقة مع الدكتور فاضل السامرائي ومع الدكتور حسام النعيمي.
سؤال ٤: ما دلالة إستخدام (قد) في قوله تعالى (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا (١٤٤) البقرة) علماً أنها تفيد التقليل؟
стр. 965
(قد) إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق وإذا دخلت على المضارع لها أكثر من معنى، منها التقليل (قد يصدق الكذوب) تقليل، لكن قد تأتي للتكثير والتحقيق مع دخولها على المضارع. لكن المشهور عند الطلبة أنها إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل وهذا جانب من جوانب معانيها. (قد) تكون للتقليل وقد تكون للتحقيق (قد يعلم ما أنتم عليه) تحقيقاً أو للتكثير ويضربون مثلاً قوله تعالى (قد نرى تقلب وجهك في السماء) أي كثيراً ما تنظر إلى السماء. (قد) إذا دخلت على المضارع ليست مقتصرة على التقليل لكن التقليل من معانيها. إذن (قد) إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق وإذا دخلت على المضارع يكون من معانيها التقليل.
سؤال ٥: قال تعالى (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) النحل) و (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ (٧٣) الحج) و (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) المؤمنون) كيف نفسر أحسن الخالقين؟ وهل هناك خالق غير الله؟
الخَلْق في اللغة لها معنيان: الخلق ابتداء أي إيجاد من العدم وهذا خاص بالله ، وخلق بمعنى تصوير الشيء (صوّره) وهذا يصح لأن يكون لغير الله تعالى. إذا كان الخلق بمعنى الإيجاد من العدم فهو لله تعالى. قال تعالى على لسان المسيح في القرآن (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (٤٩) آل عمران) أي أصوّر من الطين. وفي خطية الحجاج قال (ولا أخلق إلا فريق) . فالخلق له معنيين. (أحسن الخالقين) يصح أن تكون لأنها ليست خاصة بالإيجاد من العدم وإنما هو أحد المعاني والمعنى الآخر هو التصوير.
стр. 966
أسئلة المشاهدين خلال حلقة ١٥/٢/٢٠٠٧م:
سؤال ٦: ما دلالة استخدام المذكر أولاً ثم المؤنث في قوله تعالى (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) الأحزاب) ؟
الكثير في كلام العرب أن (من) و (ما) يُبدأ بلفظها ثم يؤتى بعدها بمعناها. (من) قد تكون لفظته مفرد مذكر والمعنى يختلف قد يكون مؤنث، أو قد يكون مثنى أو قد يكون جمع. (من) و (ما) لهما حكم واحد لها لفظ ولها معنى، اللفظ مفرد مذكر فيُبدأ في الأصل وهو الكثير يُبدأ النظر إلى لفظها وهو مفرد مذكر ثم يؤتى بمعناها بعد ذلك، قال تعالى (وَمَن يَقْنُتْ) مفرد مذكر ثم يأتي (مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا) . أولاً يبدأ باللفظ وهو المفرد المذكر أياً كان المعنى جمع، مؤنث، مثنى، هذا الغالب في كلام العرب أن يبدأ بالمفرد المذكر يعني لفظها ثم يؤتى بمعناها (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) البقرة) هذا هو الغالب في كلام العرب وفي القرآن الكريم، (مَن يَقُولُ) مفرد ما قال من يقولون، و (وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) جمع. ويبدأ كلام العرب والقرآن الغالب فيه أن يبدأ بالمفرد المذكر ثم بعد ذلك يذكر المعنى. (من) تستعمل للمذكر والمؤنث أصلاً والمفرد والمثنى والجمع (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ) ولم يقل من تقنت مع أنه يجوز لكن هذا الغالب في كلامهم. هذا الحكم العالب إلا لغرض بلاغي يخالف هذا الشيء مثل (وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ (٤٢) وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ (٤٣) يونس) وقد ذكرها الدكتور حسام النعيمي بالتفصيل (اضغط هنا) هذا هو السمت العام للتعبير. (يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) الأحزاب) مفرد مذكر هذه قاعدة وهذا هو الغالب وهذا كلام العرب لأن (من) و (ما) لها أمران: لها لفظ ولها معنى، اللفظ مفرد مذكر فيعامل اللفظ ثم بعد ذلك يعود على المعنى. نقول أنه من أراد أن يفهم القرآن فلا بد أن يفهم لغة العرب. (وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ
ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩) التوبة) جمع لم يقل سقط، هذا هو الغالب في كلام العرب.
إذن (من) و (ما) تعامل أولاً باللفظ وهو مفدر مذكر ثم بعد ذلك يبين المقصود والقرآن على لسان العرب (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (١٩٥) الشعراء) .
стр. 967
سؤال ٧: إجابة عن سؤال من الحلقة الأولى: ما دلالة إستخدام كلمة (نعمة) بالإفراد بدل الجمع في قوله تعالى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٨) النحل) ؟
المفرد له قد يكون يدل على الجنس أو على الواحد. مثلاً تقول: الحصان أسرع من الحمار، هل تعني به واحداً؟ أو الجنس عموماً؟ تعني كل الجنس، أنت لا تقصد حصاناً واحداً أو حماراً واحداً وإنما تعني كل الجنس. الأسد أقوى من الكلب، لا تعني به أسداً واحداً وإنما الجنس. إذن قد يؤتى بالواحد للدلالة على الجنس. فالنعمة قد يراد بها جنس النعمة والعرب أحياناً تأتي بالمفرد للتكثير والكسائي نقل لنا: أتينا فلان فكنا عنده في لحمة ونبيذا، يعني أكل كثيراً. إذن هي للجنس والجنس أكثر من الجمع أحياناً. نعمة أكثر من نِعَم وأنعم. مثال: نقول: لا رجل في الدار، لا رجلين في الدار، (لا رجل) نفيت كل الجنس أي لا واحد ولا اثنين ولا أكثر، لكن لما تقول لا رجلين في الدار فأنت تنفي العدد فقط يمكن أن يكون هناك واحد أو ثلاثة، لا رجال في الدار قد يكون هناك واحد أو اثنين. (لا رجل) تعني لا واحد ولا اثنين ولا أكثر. الجنس يجمع وهو أعم وأشمل. هذا احتمال. رب العالمين في القرآن يذكر الجنة ويذكر فيها الفاكهة يقول (فاكهة) ويذكر الدنيا ويقول (فواكه) فاكهة مفرد وفواكه جمع. فإذن إذا أريد الجنس يستعمل المفرد لأنه أعم وأشمل. النُحاة يضربون مثلاً نحن نعدّله نقول الرجل أقوى من المرأة الرجل لا يقصد به رجل بعينه وإنما الجنس.
стр. 968
الوجه الآخر أن النعمة الواحدة لا تُعدّ. لو جئت أن تعد نعمة الأكل إحصِ من خلق المادة الأولى وكيف كانت مزروعة؟ ومن زرعها ومن حصدها ومن طحنها وكم من الأيادي بعد الخلق الأول عملت بها إلى أن جاءت عندك؟ ثم لما هُيأت لك كيف تأكلها؟ بالأسنان والمعدة والعصارات الهاضمة، هذه نعم لا تحصى. الإحصاء هو العدّ. مفردات النعمة الواحدة لا تُعدّ ومن الصعب أن تعدها. نعمة البصر أخبرنا الرسول ﷺ لما بكى الرجل العابد فقال تعالى أدخلوه الجنة برحمتي قال بل بعملي قال تعالى برحمتي قال بل بعملي فقال تعالى زنوا له نعمة البصر فوضعوها في كفة وسائر أعمال الرجل في كفة فرجحت كفة نعمة البصر فقال الرجل لا بل برحمتك. كم في نعمة البصر من تهيئة النور واستقبالها والأعصاب وغيرها! إذن لا تحصى مفردات النعمة الواحدة فكيف بالنِعَم؟ (وإن تعدوا نعمة الله) تعدوا أي أن تحاولوا إحصاءها. موجودة في القرآن نعمة ونعِم وأنعم. أنعم جمع قلة من أفضل (من ٣ إلى ١٠) في اللغة فإذا صارت عشرة تدخل في الكثرة. قال تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (٣٦) التوبة) الشهور إثنا عشر وأربعة أشهر. لما تصير ١١ تدخل في الكثرة. في القرآن الكريم وردت نِعَم ونعمة وأنعم، نعمة وردت في الإفراد وقد يكون هذا الجنس والله أعلم إبراهيم ﵇ قال (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٢١) النحل) لأنه لا يمكن أن يشكر الإنسان نعم الله تعالى فأتى بجمع القلة. وقال تعالى (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (٢٠) لقمان) بالكثرة لأن النعم كثيرة الظاهرة والباطنة لكن لا يمكن أن نقول (شاكراً لنعمه) ، نحن نشكر الله تعالى ونحمد الله بما نستطيع كما ينبغي لجلال وجهه والله تعالى أثنى على إبراهيم (شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٢١) النحل) .
стр. 969
سؤال ٨: ذكرتم في الحلقة السابقة أنه عندما يذكر (السموات والأرض وما بينهما) لا بد أن يذكر ثلاث ملل لكن في سورة الفرقان ذكر (وما بينهما) (الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)) مع أنه لم يذكر الملل الثلاث؟
كان كلامنا في قوله تعالى (له ملك السموات والأرض وما بينهما) تحديداً وليس في خلق السموات والأرض وما بينهما. حيث ورد هذا التعبير (له ملك السموات والأرض وما بينهما) ذكرنا أمرين: إما أن يكون تعقيباً على ذكر ما لا يليق في الله تعالى من الصفات أو ذكر ثلاث ملل اليهود والنصارى والمسلمين وهي ثلاثة: السموات، الأرض، ما بينهما، هذا تناظر أدبي بياني. إذن ليس الموضوع خلق السموات والأرض وما بينهما وإنما فيما تكلمنا فيه (له ملك السموات والأرض وما بينهما) تحديداً.
سؤال ٩: ما دلالة (حيث) في قوله تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ (٢٧) الأعراف) ؟ هل تفيد الزمان أو المكان؟
стр. 970
(حيث) الأصل فيها أنها للمكان، قسم يقول قد تخرج إلى الزمان، لكن هي عند جمهور النُحاة هي للمكان. وهنا هي للمكان لأن السياق هو في تحذير بني آدم من الشيطان (يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (٢٧) الأعراف) من باب التحذير وهنا التحذير من عدو لا يُرى يكون أخوف أن يأتيك من مكان لا تراه يكون أخوف وأشدّ. وجاء بـ (إنّ) وبالهاء التي هي احتمال ضمير الشأن، إذن هذا أنسب شيء أن يقول (مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ) أي يأتيكم من مكان وأنتم لا تبصرونه وهو عدو لكم فكيف يكون إذا جاءك عدوك من مكان لا تراه؟! لذا هي قطعاً للمكان وهي أنسب مكان للتحذير. (حيث) قسم قال قد تأتي للزمان قليلاً.
سؤال ١٠: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ (٥٠) الكهف) هل (كان) هنا بمعنى صار كما في قوله تعالى (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (١٤) المزمل) ؟
стр. 971
(كان) تأتي لمعاني كثيرة طويلة وليست بالبساطة التي يأخذها الطلبة. قد تأتي للإنقطاع كأن تقول (كان نائماً، كان في البيت) أمر حصل وإنقطع. وقد تأتي بمعنى الوجود على الأصل أي هو هكذا (وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا (١٠٠) الإسراء) خُلِق هكذا، (إنه كان ظلوماً جهولا) (وكان الإنسان عجولا) هذا ليس انقطاعاً، لم يكن عجولاً ثم صار عجولاً، يقولون هو بمعنى الوجود على الأصل أي هكذا وُجِد. (كان من الجن) أي هكذا خُلِق على الأصل. وتأتي بمعنى الإستمرار في صفات الله تعالى (وكان الله سميعاً عليماً) (كان الله غفوراً رحيماً) هذه إستمرار ليس للمضي مضى وانقطع، وليس مثل (كان مسافراً فأتى) هذه إنقطاع. (كان الله غفوراً رحيماً) أي كان ولا يزال هذه تسمى كان الإستمرارية. وكان قد تأتي بمعنى صار (وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا) أي تحولت. في النحو هناك (كان) تامة و (كان) ناقصة. (كان من الجن) ناقصة تحتاج لإسم وخبر. حتى النُحاة في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الزمخشري - نحوي كبير - يقول: " (كان) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام وليس فيه دليل على عدمٍ سابق ولا على إنقطاع طارئ" يعني هي هكذا ليس فيها عدم مثل (وكان الله غفوراً رحيما) ليس كان هناك عدم أن الله ليس غفوراً رحيماً هو كذلك، لم يكن سابقاً على غير ذلك، كان الأمر منقطعاً ثم حصل، ما حدث هذا وإنما هو هكذا. وليس معنى هذا انتهى، أنه كان غفوراً رحيماً وانتهت مغفرته ورحمته. هكذا في الأول وفي الآخر ليس منقطعاً في الأول والآخر لم يكن حاصلاً ثم انقطع ولم يتغير.
стр. 972
(كان) بحد ذاتها عند النُحاة فيها كلام طويل: "ما كان ليفعل، ما كان له أن يفعل"، فيها استعمالات خاصة بقية الأفعال لا تشابهها. أما (كان) تأتي تامة (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) ربنا يقول له صِر فيصير. (وإن كان ذو عسرة) بمعنى إن وُجِد. (كان) التامة بمعنى وُجِد لا تحتاج لإسم أوخبر (وذو تمام) وإنما تحتاج لفاعل
فلا كان بانيها ولا كان ركبُها ولا كان بحرٌ ضمّها وحواها
إذا كان الشتاء فأدفئوني فإن الشيء يهدمه الشتاء
أتاني مصعبٌ وبنو أبيه فأين أحيد عنهم لا أحيد
أقادوا من دمي وتوعدوني وكنت ولا ينهنهني الوعيد
(كان) في البيت الثاني بمعنى حلّ و (كنت) في البيت الأخير بمعنى وُجِدت.
(إلا إبليس كان من الجن) هنا ليست بمعنى صار وإنما هو في أصل خلقته من الجنّ.
سؤال ١١: ما الفرق بين أنزلناه (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) يوسف) وجعلناه (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) الزخرف) ؟
стр. 973
في سورة يوسف ذكر ما يتعلق بالإنزال، قال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)) هذا إنزال، (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) أنزل هذا الخبر، أنزل هذه القصة لأنها كانت مجهولة عند العرب أصلاً لذلك رب العالمين عقّب عليها (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ (١٠٢) وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) ما كان معلوماً وقد أُثير سؤال (لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (٧)) وكان سؤال اليهود: ما الذي أحلّ بني إسرائيل مصر؟ هذا سؤالهم للرسول ﷺ وهذا إختبار وهم يعلمون أنه ﷺ أميّ ليس عنده علم بالتوراة فسألوه وهو في مكة لكن بعثوا من يسأله من باب التحدي "ما الذي أحلّ بني إسرائيل مصر؟ " فتنزل سورة كاملة للإجابة على التحدي فيبيّن لليهود أنه ﷺ يعلم دقائق الأمور وفصّلها أوفى مما في التوراة. ليس هذا فقط وإنما إختار عبارات إعجازية ليست في التوراة وحتى لو كان مطلعاً على التوراة وحفظها لكان ما ذكره في القرآن أوفى. التوراة لم تذكر العزيز أبداً وإنما تذكر رئيس الشُرَط أو تذكر إسمه. القرآن سماه العزيز ثم عرفنا مؤخراً أن هذه أدق ترجمة لما كان يُطلق على صاحب هذا المنصب في ذلك الوقت. كان يسمى "عزيز الإله شمس" إسم صاحب هذا المنصب مؤخراً عرفناه، ربنا لم يقل "عزيز إله شمس" لأن هذا يكون إقراراً بأن الشمس إله. فأدق ترجمة بما يتناسب مع العقيدة الإسلامية (العزيز) التوراة ليس فيها العزيز. من أعلَم هذا الرجل الأميّ بهذه التسمية؟ التوراة تذكر دائماً موسى وفرعون والقرآن لم يذكر فرعون مع قصة يوسف وإنما يذكر الملك مع يوسف ثم عرفنا فيما بعد (من حجر رشيد) وعرفنا أن الملوك في مصر
стр. 974
قسمان: قسم إذا كان من أصل مصري يسموه فرعون وإذا كان من الهكسوس يسموه ملك فهو ملك وليس فرعون والذي كان في زمن يوسف كان من الهكسوس فسمي ملك فهو الملك وليس فرعون. في زمن موسى ﵇ كان الملك مصرياً فسمي فرعون. القرآن يذكر في كل مكان لا يذكر (سيدها) بمعنى الزوج إلا في قصة يوسف قال (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ (٢٥)) بمعنى زوجها. ليس في القرآن (سيدها) بمعنى زوجها وعرفنا فيما بعد أن (سيدها) كان يستعملها الأقباط للرجال والبعول وقرأت في الكتب أن كلمة (سيدها) ليست عربية وإنما هي قبطية، إستعمالها للزوج لا تستعملها العرب وإنما هي من كلام الأقباط بمعنى بعل أو زوج. نحن عندنا ساد يسود، لكن (سيدها) بهذه الدلالة لا تستخدمها العرب وإنما تستخدم الزوج والبعل. قال تعالى في قصة يوسف (سيدها) ولم يقل في مكان آخر (سيدها) . الله تعالى تحداهم بمعلومات لم تكتشف إلا فيما بعد، ذكر القصة بكل دقائقها ثم ذكر أموراً، هذه أنزلناه.
стр. 975
(جعلناه) : لم يذكر أموراً تتعلق بالإنزال، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) الزخرف) (أُمّ الكتاب) أين؟ في السماء، (لدينا) أين؟ عند الله ، (لعلي حكيم) أين؟ في العلو، إذن هذا ليس إنزالاً. ما يتعلق بالإنزال لأنه يتكلم وهو في السماء، في العلوّ، في الارتفاع قبل النزول: (أمّ الكتاب) أي اللوح المحفوظ، (لدينا) أي عند الله، (لعلي حكيم) مرتفع فيه سمو، فكيف يقول إنزال؟. أما الآية الأخرى فإنزال (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣) يوسف) الوحي إنزال. (لدينا) ليست إنزالاً، أمّ الكتاب ليست إنزالاً فتحتاج لـ (جعلناه) وليس أنزلناه. نسأل: أيّ الأنسب أنه في مقام الإنزال يستعمل أنزلناه أو جعلناه؟ الأنسب أن يستعمل أنزلناه وفي مقام عدم الإنزال يستعمل (جعلناه) . نضع الإنزال مع الوحي والإنزال (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ما كنت تعلمها أنت وقومك) يعني أنزلها إليك، هذه لا علاقة لها بأم الكتاب ولدينا وكلها إنزال.
هل العرب كانت تفهم وضع كلمة في مكانها هكذا وتعلم أن كل كلمة عاشقة لمكانها؟ البلغاء يعلمون ويعرفون في مظانّ الكلام ما لا نعرفه نحن إلا فيما يتعلق بالأمور العلمية التي استجدت فيما بعد هذه لا يعلمونها لكن فيما عدا ذلك يعلمون من مرامي الكلام ما لا نعلمه نحن ولذلك عندما تحداهم بسورة والسورة قد تكون قصيرة جداً لم يأتوا بشيء، لم يتحداهم بآية لأن الآية قد تكون كلمة (ألم) و (مدهامتان) آية، لكن تحداهم بسورة أو بما هو مقدار السورة. كل تعبير في القرآن بمقدار (إنا أعطيناك الكوثر) فهو معجز. أقصر سورة الكوثر هذه معجزة لأنه تحداهم بها أو الإخلاص. فأي كلام في القرآن بمقدار هذ فهو معجز.
стр. 976
سؤال ١٢: ما السر في أن الله تعالى لم يقل في آية سورة آل عمران (وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) آل عمران) بدون (كانوا) كما قال في باقي القرآن (وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) البقرة) (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) الأعراف) (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) التوبة) ؟
لما يتكلم عن الحال يقول (أنفسهم يظلمون) الحال أي الوقت الحالي وليس الزمن الماضي ولما يتكلم عن الأقوام البائدة القديمة الماضية يقول (كانوا أنفسهم يظلمون) . قال تعالى (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) آل عمران) هذا حديث (مثل ما ينفقون) لم يتكلم عن أقوام ماضين وإنما وصف حالة موجودة. (إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) يونس) هذا ليس ماضياً وإنما حال واستقبال، هذه قاعدة عامة.
стр. 977
(أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) التوبة) يتحدث عن قديم. في العنكبوت (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠) العنكبوت) عندما يتكلم عن أمر ماضي يقول (كانوا أنفسهم يظلمون) في عموم القرآن. وعندما يتكلم عن أمر لا يتعلق بالماضي وإنما مطلق، حال، يقول (أنفسهم يظلمون) .
سؤال ١٣: ما الفرق بين الآيتين في سورة الأنعام (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)) و (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)) ؟
стр. 978
نقرأ الآيتين ونلاحظ السياق الذي هو يبين سبب الإختيار والسياق هو الأساس. الآيتان هما في سورة الأنعام، الآية الأولى (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)) الغرض تبيين قدرة الله تعالى (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إذن هي في بيان قدرة الله. الآية الأخرى (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١)) واضح أن الآية الأولى في سياق بيان قدرة الله والآية الثانية في سياق الأطعمة، بيان الأطعمة، ما حلله وما حرّمه. قال (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) هذا طعم، ما يتعلق بالمطعوم (كلوا من ثمره) في المطعوم وليس في بيان قدرة الله تعالى (وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) كل السياق في الأطعمة وما حلله بعضهم وما حرمه إفتراء عليه.
стр. 979
إذن الآية الأولى في بيان قدرة الله تعالى منذ بداية (إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)) (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)) أُنظر الفرق بين (انظروا إلى ثمره) و (كلوا من ثمره) النظر تدبر وتأمل و (كلوا) أكل.
ثم ننظر إلى التعقيب في الآيتين: (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) مسألة تدبر وفي الثانية (وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) كلوا ولا تسرفوا. إحداهما في المطعوم والأخرى في التدبر في قدرة الله تعالى.
متشابه ومشتبه: المشتبه هو المُلتبِس من شدة التشابه. عندنا إشتبه وتشابه، إشتبه مشتبهاً وتشابه متشابهاً. المشتبه هو الملتبس من شدة التشابه يلتبس على الرائي والأمور المشتبهة هي المشكلة. يقولون اشتبهت عليه القِبلة أي إلتبست. (التشابه) في أي معنى من المعاني، هذا متشابه مع هذا في هذه المسألة. أيهما الأدلّ على القدرة؟ أن الأمرين المختلفين يجعلهما متشابهين في أمر واحد أو مشتبهين؟ مشتبهين أدل على القدرة أنه يجعل أمرين مختلفين ملتبسان، يجعلهما من شدة التشابه كأنهما ملتبسان وهذا في أمر من الأمور. بعد أن عرفناها من حيث اللغة أين نضع متشابه وأين نضع مشتبه؟ مشتبه نضعها مع قدرة الله تعالى.
стр. 980
قد يُثار سؤال: لماذا قال في الآيتين (وغير متشابه) ؟ لِمَ لم يقل في الأولى وغير مشتبه؟ في الحالتين قال (وغير متشابه) . نفي الإشتباه لا ينفي التشابه، إذا نفيت الإلتباس قد يتشابهان في أمر ولكن غير مشتبه، إذا قلت هذا غير مشتبه يعني ليس متشابه أو قد يكون متشابهاً في شيء. إذا قلت هذا وهذا ليسا مشتبهين محتمل أن يكون فيهما تشابه لكن ليسا مشتبهين. إذن نفي الإشتباه لا ينفي التشابه. إذا قلت ليسا مشتبهين لكن قد يكونا متشابهين. نفي التشابه ينفي الإشتباه إذا قلت ليسا متشابهين ينفي الإشتباه. إذا قلت ليسا مشتبهين قد يكونا متشابهين.
مشتبه فِعلها إشتبه بمعنى إلتبس، هما مختلفان لكن من شدة التشابه إلتبسا عليك. متشابه قد يكون التشابه في أمر واحد أقول هذا يشبه هذا في الطول، في العرض، في اللون، إذن تشابها في أمر واحد، لكن إشتبها تكون في أمور كثيرة بحيث إلتبس عليك الأمر. مشتبه مثل التوأم التفريق بينهما صعب، وقد يتشابها أن كلاهما عيناه زرقاوان.
(وغير متشابه) : نفي الإشتباه إذا قلت هذان ليسا مشتبهين قد يكونا متشابهين في أمر من الأمور. نفي التشابه لا ينفي الإشتباه ولو نفيت التشابه فقد نفيت الإشتباه لأنه ليس هناك وجه تشابه لكن لو نفيت الإشتباه لا تنفي التشابه.
стр. 981
قال تعالى (وغير متشابه) لينفيها من أصلها لأنه لو قال غير مشتبه يبقى التشابه موجود. أراد أن ينفيها كلها حتى يفرق بينهما تفرقة كاملة ليس هناك وجه للشبه. ولو قال وغير مشتبه قد يكون بينهما تشابه في أمر آخر. فإذن قال (وغير متشابه) في الحالين حتى ينفيهما. في الأولى (مشتبهاً وغير متشابه) هذا نفي ولو قال وغير مشتبه قد يكون هناك تشابه وهو تعالى أراد أن يبين قدرته سبحانه. نفي الإشتباه لا ينفي التشابه وإنما نفي التشابه ينفي الإشتباه. ومشتبه أدلّ على القدرة فوضعها في بيان القدرة وطلب التأمل والتدبر (انظروا إلى ثمره) .أما الثانية في وضع المأكولات (مختلفاً أكله) (كلوا) إذن استعمل (متشابهاً وغير متشابه) .
سؤال ١٤: ما دلالة إستخدام كلمة (نور) في الآية (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ (٣٥) النور) ولم لم يستخدم ضياء مع أن الضياء أقوى وأعمّ؟
стр. 982
في اللغة هل الضياء نور؟ الضياء نور والضياء حالة من حالات النور، إشتداد النور، النور واسع يمتد إبتداء من نور الفجر ويمتد إلى أن يكون ضياءً. نقول نور الشمس ونقول ضياء الشمس (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا (٥) يونس) كلمة النور عامة والضياء حالة من حالات النور. النور أعمّ من الضياء والضياء ليس مغايراً للنور وإنما هو حالة من حالات النور وهو حالات الإشتداد. النور قد يكون مشتداً ويسمى ضياءً وقد يكون غير مشتد فيسمى نوراً. الضياء حالة من حالات النور (الشمس ضياء) يعني حالة مشتدة من حالات النور. نحن نتكلم في لسان العرب. النور نقول الآن مكتسب وغير مكتسب هذا أمر آخر. القمر أليس نوراً؟ والشمس أليست نوراً؟ كلاهما نور لكن الشمس أشد إذن هي الضياء. الضياء حالة من حالات النور والنور أعمّ يشمل الضياء وغير الضياء، هذا واحد وهناك حالات من النور نحن لا نعلمها، مثال: يذكر تعالى في القرآن الكريم (مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ (٥٤) الرحمن) قالوا هذه البطائن فما الظواهر؟ قالوا هي من النور الجامد. هذا النور الجامد هل نعرفه؟ هل رأيناه؟ إذن هذه حالة لا نعلمها. لما يقول الرسول ﷺ "المتحابون في الله على منابر من نور يوم القيامة" أي نور؟ كيف نجلس على منابر من نور؟ هذه حالة لا نعلمها. إذن النور أوسع من الضياء والضياء حالة جزئية من النور. إذن كيف نصف الله ؟ بحالة جزئية؟! لا وإنما نصفه بالنور. هناك حالات لا نعلمها من النور فكيف نصف الله تعالى بحاتلة جزئية؟ لا نصفه بالضياء، بحالة جزئية، لا يصح فالله تعالى مطلق ويوصف بالمطلق. الضياء حالة واحدة من النور وهناك نور لا نعلمه. إستخدام النور والضياء في القرآن هو بحسب السياق.
стр. 983
في القرآن أيضاً وصف تعالى التوراة مرة أنها ضياء ومرة أنها نور. نقرأ ما ورد ويتضح. وصف تعالى التوراة بالضياء في قوله (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) الأنبياء) إذن ضياء وذكراً للمتقين (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)) حالة خاصة من النور. (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء (٤٤) المائدة) أيها أعمّ؟ الذين هادوا أو المتقين؟ الذين هادوا أعمّ لأنها حالة من الحالات فناسب بين العموم والخصوص. المتقين جماعة مخصوصة فاستعمل الضياء وهم مضسئين أعلى من أولئك (لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ) حالة مخصوصة وهم أعلى المذكورين فالمناسب استخدام كلمة الضياء لأن النور أعمّ. (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ (٩١) الأنعام) الناس أعمّ من المتقين فاستخدم النور. إذن للعموم نضع النور (العموم) وفي الخصوص نضع الخصوص (الضياء) . لذا قالوا كل كلمة في القرآن عاشقة لمكانها ويجب أن نتأمل في السياق ليتضح لنا الأمر.
стр. 984
سؤال ١٥: في قصة نوح ﵇ في الآية (تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ (١٤) القمر) هل (كُفِر) وافقت السياق (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) أم لها معنى؟ ولماذا لم تأت (كَفَر) ؟
الذي كُفِر هو سيدنا نوح ﵇ (جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ) أي كُفِرت دعوته وأمره. (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)) تجري بأعيننا أي برعايتنا ولا يمكن أن تكون هذه الرعاية لمن كان كَفَر وكيف تجري بهم وهم غرقوا؟ الذي كُفِر تعود على سيدنا نوح ﵇ أي هي تجري جزاء لسيدنا نوح الذي دعا ربه أني مغلوب فانتصِر فحمله رب العزة على ذات ألواح ودسر وهي سفينة وهي تجري برعايته سبحانه جزاء لمن كان كُفِر. فلا يصح أن تكون جزاء لمن كان كَفَر. جزاء أي ثواباً لصبره على قومه ودعوته وهو دعا ربه أني مغلوب فانتصِر فربنا استجاب له وحمله.
سؤال ١٦: ما معنى قوله تعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) الملك) ؟
стр. 985
الزلفة أي القريب، الآية تتكلم عن يوم الحشر وهي في سورة الملك (قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)) هو يعدهم بالحشر وهم يسألون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)) ؟ (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)) لما رأوه قريباً منهم لأن الزلفى هي القُرب، يقال ذو زلفة أي قريب. أزلفت والزلف (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) الشعراء) أي قُرِّبت، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (٣) الزمر) أي الأصنام تقربهم إلى الله تعالى. فالزلفة هي القُرب. (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) رأوا يوم القيامة، يوم الحشر وكانوا من قبل يستبعدون هذا الحشر فلما رأوه زلفة سيئت وجوه (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ساءهم رؤيته (سيئت) فعل مبني للمجهول. (ساء) فعل يتعدّى نقول ساءتني رؤيته، إذن سيئت مبني للمجهول ووجوه نائب فاعل. لما رأوا الحشر قريباً منهم ساءت الوجوه رؤيتهم، أصلها ساء يوم القيامة وجوه الذين كفروا فقيل سيئت وجوه. سيئت يوم القيامة وجوه الذين كفروا، وبناها للمجهول لأن المعنى واضح والكلام على الحشر واستبعادهم وهو قريب أمامهم. أنتم تشاهدونه الآن وخرجوا وراءه والحشر أمامهم كما قيل (وأزلفت الجنة للمتقين) أزلفت للتقريب وليس بالضرورة أن يكون فيه شيء من الهدوء والسكينة. لم يقل فلما رأوه قريباً.
следующие страницы →