Полный текст (85 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
أزمات الشباب
أسباب وحلول
تأليف القاضي الشيخ محمد أحمد كنعان
دار البشائر الاسلامية
بيروت لبنان
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعين به، ونستغفره ونتوب اليه من جميع ذنوبنا، ونعوذ به تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تنجينا من عذاب أليم ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ .
وأشهد أن محمد عبده ورسوله، ورحمته الى العالمين، جاء بالهدى ودين الحق، بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، فبلّغ الرسالة وأدّى الأمانة، ونصح لأمته في حاضرها ومستقبلها، وجاهد في الله حق جهاده، فمن أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ وغوى.
أما بعد:
ففي قول الله : ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ ، بيان واضح لمسؤولية الإنسان عن نفسه أولا، ثم عن أهله وأقاربه، وهي مسؤولية لا تتعلق بأمور الدنيا ومعايشها، بل تتعلق بأمور الدين، وعاقبة الانسان في الاخرة، حيث تجد كل نفس عملها، من خير أو شر، وتلقى جزاؤها الأوفى، إما في جنة عالية.. وإما في نار حامية..
стр. 3
إن الله تعالى يأمر المؤمنين بان يقوا أنفسهم وأهليهم عذاب النار، ومعلوم: أن وسيلة الوقاية من النار، ليست بتجهيز الملابس والأقنعة الواقية من حرّها ولهبها.. ولا بإعداد وسائل إطفاء الحرائق.. بل تحصّل هذه "الوقاية" بأمرين هما: " صلاح العقيدة"، بان تكون عقيدة صحيحة، بمطابقتها لما جاء به رسولنا الأمين محمد ﷺ ، و" صلاح العمل"، بان تكون الأعمال صالحة، بموافقتها لشريعته الغرّاء، ومن دون ذلك، فلن يكون للإنسان منجاة من العذاب، ولن يكون له ملجأ أو مفرّ من العقاب يوم القيامة، إلا ما يختصّ به ربنا بعض عباده المؤمنين العصاة، من العفو والغفران.
والمستفاد من معنى هذه الأية: إن الإنسان لا يجوز له أن يتلهى بأي شيء من أمور " الدنيا"، عما فيه مصلحته ومصلحة أهله في "الدين"، فيهمل واجباته، ويتخلى عن مسؤولياته، وأنه لا يجوز له أن يلهو عن طاعة الله، برغبات نفسه وشهواتها، أو: يلهو بأمواله وأولاده عن ذكر الله سبحانه وعبادته، باعتبارهم زينة الحياة الدنيا كما قال تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ ، لأن الله تعالى نهى عن ذلك وحذّر منه في قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون﴾ .
إن نطاق "الوقاية" التي أمرنا الله تعالى بها، لا ينحصر في مجال مصلحة النفس والأهل، بل يتعدى هذا النطاق، ليشمل المجتمع كله، عملا بالقاعدة الشرعية الواردة في الحديث الشريف: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".
فالمجتمع مترابط بشبكة متكاملة من المسؤولية بدءا من مسؤولية الإنسان عن نفسه، وانتهاء بمسؤولية الراعي عن الرعية، تكفل له في حال وفاء المسؤولية حقها، أن يكون مجتمعا سعيدا ... صالحا ...
стр. 4
كما أن "الوقاية" المطلوبة للنفس وللغير، لا تختص بمرحلة معينة من مراحل حياة الإنسان، دون سواها من المراحل، بل هي واجبة في جميع مراحل الحياة البشرية، ولجميع طبقات المجتمع، من "الطفولة".. حتى:" الموت"..
وقد اهتمّ فقهاؤنا رحمهم الله تعالى في مؤلفاتهم، ببيان واجبات "المسؤول" في كل مرحلة من هذه المراحل، فوضّحوا الأحكام المتعلقة بواجب الأبوين نحو ولدهما، من حين ولادته، حتى يموتا عنه، أو يموت هو عنهما، وفصّلوا أيضا واجبات المعلمين والمرشدين، في تعليم النشء وتربية الشباب، وبينوا كذلك واجبات المجتمع، في التكافل والتضامن، لحمياة المسنين، والعجزة، والمعوّقين، الذين لا معيل لهم، وحدّدوا أيضا واجبات الحاكمين جميعا، ـ أي:" المسؤولين" أيا كانت وظائفهم ـ تجاه الشعب كله: أطفالا وشبابا.. كهولا وشيوخا.. رجالا ونساء..
ومما لا شك فيه: أن "مرحلة الشباب" من حياة الانسان، هي المرحلة الأخطر والأدق، باعتبارها بداية التكليف الشرعي، ونشوة العمر وجدّته، ولهذا اهتم المصلحون بالشباب، لرعاية شؤونهم، وتوجيه سلوكهم، وتقويم إنحرافهم، ووقاية أخلاقهم، ليغيشوا حياة سعيدة مستقرّة، ويكونوا سعداء صالحين.
ولا شك أيضا في: أن الشباب في عصرنا، مهملون مضيّعون.. مغشوشون مضللون.. تتخطفهم العقائد الفاشلة.. وتتجاذبهم التيارات الفاسدة.. لا موجّه يوجههم نحو هدف شريف.. ولا قائد لهم يقودهم صوب غاية حميدة.. ولا حاكم يعطيهم جهده واهتمامه، وعطفه وحنانه.. فلذلك: هم في ضياع.. وفراغ.. وصراع.. لا تمتدّ لنجدتهم يد.. ولا يوضع لمأساتهم حد.. ولا تعالج أزماتهم بالجدّ.
تجاه هذا الواقع السيئ لشبابنا.. رأيت من واجبي نحوهم، وهم أبنائي وإخوتي، أن أساعدهم بالنصيحة والرأي، وأعاونهم بالمشورة والتوجيه، فأبيّن لهم أخطر ما يعانون من أزمات ومتاعب، وأعرّفهم على أسبابها.. ومصادرها.. والمسؤول عنها.. وطرق حلها، والخروج منها، والتغلب عليها..
стр. 5
هذا: مع العلم بأن الشباب ليسوا وحدهم الذين يعانون من " الأزمات"، بل إن أزماتهم جزء وبعض من أزمات المجتمع كله، والأزمات في مجتمعنا كثيرة.. ويا للأسف.. والعلاج قليل..
وربما قد يسأل سائل: لماذا ركزتم على "الشباب" من بين طبقات المجتمع ؟؟.. ولماذا لا يصب الاهتمام على مرحلة "الطفولة والصبا"، باعتبارها المرحلة التأسيسية الخطيرة في حياة الإنسان؟..
وعن هذا السؤال نجيب: بأننا لا ننكر أهمية مرحلة "الطفولة" في حياة الإنسان، فهي ولا شك المرحلة الأهم، باعتبارها مرحلة الغرس والزرع والتلقين، و "الطفل" يكون فيها كالعجينة اللينة في يد العجّان.. يشكلها فتتشكل، ويعركها فتنعرك.. بلا معاندة ولا معارضة.. فهو يصدّق كل ما يسمع.. ويلقّن العقائد والأفكار والعادات.. فيقبل.. إنه يثق بوالديه ثقة مطلقة.. إذ هو يراهما الصدق كله.. والشجاعة والشهامة والأمانة.. فلا يخطر على باله أنهما قد يلقنانه الضلال، أو يعلمانه الفسوق والعصيان.. أو يكذبان عليه ويغشّانه.. فلذلك هو يأخذ عنهما ويقلدهما من دون تردد، وبلا تحفّظ.. فلو أنهما عوّداه عبادة الخنزير.. لعبده.. ولا عجب في ذلك.. فقد جاء في الحديث الشريف، فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متعددة، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :" من يولد يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه.. أو ينصّرانه.. كما تنتجون البهيمة، هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها؟ "، والجدعاء هي مقطوعة الأذن.
стр. 6
فالطفل حين يبلغ سن التكليف، يأخذ.. ويتلقى.. ويقلد.. ويصدٌق أي شيء.. ولو من الخرافات والأساطير.. فهو إن نشأ مؤمنا، فإيمانه بإيمان أبويه، أو أحدهما، المعزز لفطرته السليمة، وإن نشأ كافرا، فكفره من كفر أبويه اللذين علماه الكفر، وربيّاه عليه، ولكنه لا يبني شيئا من ذلك على قناعة شخصية، ولا على برهان أو دليل مستقل، وهو في هذه المرحلة، غير مطالب بذلك، حتى يصبح مكلفا.
والطفل بسسب واقعه هذا، ليس مسؤولا عن أعماله وتصرفاته، ولا هو مؤاخذ بها، حتى يبلغ سن التكليف، فعندها يصبح مؤاخذا، يثاب ويعاقب، فقد روي الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما، عن عدد من الصحابة، رضوان الله عليهمن عن النبي ﷺ : أن القلم قد رفع عن ثلاثة هم: المجنون حتى يبرأ، والنائم حتى يستيقط، والصبي حتى يحتلم.
إن عدم المؤاخذة الشرعية على الطفل في هذه المرحلة، لا يعني أنّ الإنحراف الذي يتعوّده في العقيدة والسلوك لا يضرّه، ولا يؤثّر عليه في المراحل التالية من حياته.. بل إن تلك الإنحرافات، ستنتقل مع الطفل الى مرحلة الشباب، التي هي أولى مراحل التكليف الشرعي، فيصير فيها مكلفا مسؤولا عن أعماله وأقواله، ومؤاخذا بها، فيثاب على الطاعة، ويحمل وزر المعصية.. وعندها سيعاني الشاب من نتائج أخطاء الأبوين والموجهين، الذين أشرفوا عليه في مرحلة "الطفولة"، وسيكون نجاحه أو فشله مرتبطا برغبته وقدرته على ترك ذلك السوء الذي ورّثوه إيّاه..
стр. 7
ومع ذلك: فنحن لم نركّز في كتابنا هذا على مرحلة "الطفولة"، لأنه لا سلطة لنا على فكر الطفل بحال، فهو واقع بالكلية تحت إشراف وليّ أمره.. يفعل به ما يشاء.. فهو لا يحسن القراءة والفهم.. لنكتب له ونحرّك مداركه.. فل١لك رصدنا له الطريق في المرحلة التالية من حياته.. "مرحلة الشباب".. حيث يكون قادرا على الفهم.. متهيئا ومستعدا لمناقشة الأمور.. فكتبنا للشاب هذا الكتاب، لنساعده على التخلص من شوائب الطفولة.. وعلى الخروج من " أزمات الشباب".. آملين في أن يكون هذا الكتاب بإذن الله ، مرشدا للشباب في حياتهم، ودليلا لهم الى الحق والصواب، وأن يكونوا من أولئك الشباب الناشئين في عبادة الله تعالى وعلى طاعته، الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله.. الحديث.
اسم الكتاب
أزمات؟
مشاكل؟
مشكلات؟
استقر الرأي أخيرا، على تسمية هذا الكتاب بـ "أزمات الشباب"، بعد أن تردد في الخاطر تسميته بـ " مشاكل الشباب"، وذلك لأن البعض يعتبر كلمة:" مشاكل" خطأ لغويا، صوابها " مشكلات"، ولكي أحسم هذا الأمر عدت الى قواميس اللغة فوجدت التالي:
[" المشكل" هو: الداخل في أشكاله، أي: أمثاله وأشباهه، جمعه:" مشكلات"، وكل مختلط " مشكل" و "الشكلة": الحمرة تختلط بالبياض، وهذا شيء أشكل، ومنه قيل للأمر المشتبه: مشكل، وأشكل عليّ الأمر: إذا اختلط] (انتهى من القواميس) .
أما كلمة " مشاكل"، فلم ترد في أي من القواميس الأمهات التي رجعت إليها، ولم يذكرها إلا صاحب "تاج العروس" حيث قال: [وهو يفك المشاكل، أي: الأمور الملتبسة] ولم يذكر غير ذلك.
стр. 8
وهذا المعنى اللغوي، هو الذي استعمله علماء "أصول الفقه"، في باب:"المشكل"، حيث عرّفوه بأنه "الداخل في أشكاله" أي: الذي أشكل على السامع طريق الوصول الى معناه، لدقة المعنى في نفسه لا بعارض، فلا يعرف إلا بدليل يتميّز به، وأطلقوا "المشكلة" على الكلمة التي أشكل المعنى المراد بها، ومثلوا على ذلك بكلمة: " أنّى" في قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ ، فكلمة: "أنّى" مشكلة، تجيء تارة بمعنى:" من أين"، وتارة بمعنى:" كيف"، فاشتبه ههنا المعنى المراد، فإن كان بمعنى: " أين"، يكون المعنى:" من أي مكان شئتم" قبلا أو: دبرا، فتحلّ اللواطة من إمرأته على هذا المعنى، وإن كان بمعنى: "كيف"، يكون المعنى:" بأي كيفية شئتم" قائما أو قاعدا أو مضطجعا، فيدلّ على تعميم الأحوال دون المحال، فإذا تأملنا في لفظ "الحرث" من قوله تعالى: ﴿فأتوا حرثكم﴾ ، علمنا أن كلمة:" أنّى" هنا بمعنى:" كيف"، لأن الدبر ليس موضع الحرث، بل هو موضع الفرث، فتكون اللواطة من امرأته حراما، لكن حرمتها ظنيّة فلا يكفر مستحلها. (عن كتب الأصول بتصرف) .
стр. 9
فيتضح مما تقدّم: أن كلا من: " المشكل"، و"المشكلة" و"المشاكل" و"المشكلات"، هي مفردات وجموع، تدلّ على المختلط الملتبس من الأشياء، ولا تدل على ما نعنيه في هذا الكتاب، وهو الإنحرافات والمخالفات التي يرتكبها الإنسان، وإنّ استعمالنا ـ كغيرنا ـ هذه الكلمات بالمعنى المذكور، هو من باب التوسّع في تحميل اللغة معاني لا تحتملها في الأصل، ولا أرى لهذا التحميل مبرّرا، فلذلك عدلت عن تسمية الكتاب بأي إسم مشتق من "شكل"، وآثرت أن أسميّه بـ " أزمات الشباب"، وذلك لأن من معاني "الأزمة" في اللغة: " الشدّة"، يقال: تأزم القوم: إذا أصابتهم أزمة، وتألموا لأزمة الزمان، ومعنى "الأزمة" الذي هو: " الشدّة" عام يدخل فيه: المصائب، والمعاصي، والضلالات.. إلخ، لأن من ارتكب معصية، أو حلّت به بليّة أو مصيبة، فقد وقع من " شدة"، و" الشدائد" كثيرة.. والله المستعان.
مراحل حياة الإنسان
١- مرحلة: "الجنانة".
٢- مرحلة: "الطفولة والصبا".
٣- مرحلة: "الأشد" وهي: مرحلة الشباب.
٤- مرحلة: "الشيخوخة".
٥- النهاية: "الموت".
لقد شاء الله ﵎ أن يجعل في الأرض خليفة، فخلق "آدم" ﵇ من تراب، ثم خلق منه زوجه " حواء" ﵍، ومنهما بدأ التناسل البشري، كما قال : ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا﴾ .
وقد بيّن الله ﵎ في كتابه العزيز: أنه خلق الأنسان على أطوار ومراحل، متتابعة متلاحقة متكاملة، كما قال مخاطبا الكافرين خطاب توبيخ: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا* وقد خلقكم أطوارا﴾ ، والمراد بالأطوار: مراحل خلق الإنسان في رحم أمه، ومراحل نشأته وحياته، وكذلك مراحل خلق أبي البشرية "آدم" ﵇.
стр. 10
فالله خلق "آدم": من "تراب"، ثم من "طين"، ثم من "حمإ مسنون" أي: طين لزج متغيّر الرائحة، ثم من طين يابس، هو "الصلصال"، يسمع منه صوت إذا نقر عليه كالفخّار، ثم نفخ فيه الروح، فصار إنسانا حيّا، عاقلان ناطقا، مستوي القامة، جميل الهيئة، كامل الخلقة، ثم علّمه الله تعالى الأسماء كلها. وبعد ذلك خلق تعالى من "آدم" زوجه "حواء"، ليسكن إليها، وليكون منهما تناسل البشرية بطريق الزواج.
فبدأ التناسل البشري، مع أول ولد من أولاد "آدم"، عن طريق الحمل والولادة، في أطوار ومراحل، تدلّ على عظمة الله تعالى، الذي خلق الإنسان وسائر الأكوان، كما قال : ﴿ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم* الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ .
***
١- مرحلة الجنانة
ذكر الله هذه المرحلة بالإجمال والتفصيل، في كتابه العزيز، فقال تعالى: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشاكم من الأرض وإذ أنتم أجنّة في بطون أمهاتكم﴾ ، ثم فصّل الله مراحل نمو "الجنين" في بطن أمه، مرحلة مرحلة، وطورا طورا، وذلك في عدد كبير من الآيات القرآنية، منها قوله تعالى في سورة "المؤمنون": ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين* ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ .
стр. 11
وكذلك السنّة النبوية الشريفة، فقد جاء فيها، عن رسولنا الأمين محمد ﷺ أحاديث كثيرة، في أطوار نمو الجنين البشري، ومتى ينفخ فيه الروح، ومن أجمعها: ما رواه الشيخان، عن عبد الله بن مسعود، ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق:" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقيّ أو سعيد.." الحديث.
٢- مرحلة "الطفولة والصبا "
مرحلة " الصبا" هي فترة "الطفولة"، فالمولود يسمى "طفلا"، و"صبيا" أو "صبية"، منذ الولادة حتى البلوغ، لقوله تعالى: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم﴾ .
وهذه المرحلة لا تكليف فيها على الإنسان، لما جاء في الحديث الشريف، الذي رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من طرق، عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وعائشة، ﵃، مرفوعا الى النبي ﷺ :" رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم"، أي: لا يعاقب الصبي على ارتكابه محرما، ولا تدوّن عليه سيئة، حتى يبلغ فيصير مكلفا.
ولكن: من واجبات الوالدين والمربين، ان يؤدّبوا الصبيّ والصبية، إذا فعلا ما يخالف الشرع وآدابه، ويزجروهما عن فعل القبيح، ويعوّدوهما على الطاعات والواجبات، وترك المنهيات، طبقا لما أمر به النبي ﷺ في الحديث الشريف، الذي رواه أبو داود والترمذي، ولفظه لأبي داود:" مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع"، والمراد: الضرب باليد ضربا غير مبرّح ولا مؤذ.
стр. 12
ومما لا شك فيه: أن هذه المرحلة هي مرحلة التأسيس، والتأثير والغرس، في شخصية الولد، في جميع المجالات، والإسلام قد أمر أولي الأمر عن الصغار، بإحسان توجيههم وتربيتهم وتعليمهم، فقام المسلمون بالمهمة خير قيام، حتى صار "المسلم" مثلا يحتذى به في الأخلاق والمعاملة، واعتنوا بالعلم وبتلقين الصغار العلوم على أنواعها، في سن مبكّرة، حيث درج الكثيرون على تحفيظ الأولاد القرآن الكريم من سن الخامسة، فلا يصل الولد الى العاشرة من عمره، حتى يكون قد حفظ القرآن عن ظهر قلب، وقد كان هذا سابقا، ولا يزال حتى الآن في بلاد المسلمين، وإن كان على نطاق غير واسع، فنبع في المسلمين جهابذة العلماء، في مختلف الفنون.
***
٣- مرحلة " الأشد "
جاء ذكر هذه المرحلة في مواضع من القرآن العظيم، منها قوله في سورة "الأحقاف"، عن الإنسان البارّ بوالديه: ﴿حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة قال ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي من ذريّتي إني تبت إليك وإني من المسلمين﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه﴾ .
و" الأشد" في اللغة: "القوة، ومبلغ الرجل الحنكة والمعرفة"، وقال الأزهري: " الأشد" في كتاب الله على ثلاثة معان يقرب إختلافها:
١- فأمّا قوله تعالى في قصة "يوسف" ﵇: ﴿ولما بلغ أشدّه آتيناه حكما وعلما﴾ ، فمعناه: الإدراك والبلوغ، وحينئذ راودته امرأة العزيز عن نفسه، وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه﴾ .
٢- وأما قوله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿ولما بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكما وعلما﴾ ، فإنه قرن بلوغ " الأشد" بالإستواء، وهو: أن يجتمع أمره وقوّته، ويكتهل وينتهي شبابه.
стр. 13
٣- وأما قوله تعالى في سورة " الأحقاف": ﴿حتى إذا بلغ أشدّه وبلغ أربعين سنة﴾ ، فهو أقصى نهاية بلوغ الأشد وعند تمامها بعث الله تعالى محمدا ﷺ نبيا، وقد اجتمعت حنكته وتمام عقله (انتهى قول الأزهري) .
أما مبدأ هذه المرحلة ونهايتها، ففي ذلك أقوال، أهمّها: أن " الأشد" يبدأ ببلوغ الإنسان رشيدا، و"الرشد" هو: أن يبلغ عاقلا مأمونا على نفسه، حسن التصرّف، وحدّد بعضهم سنّ الرشد بثماني عشرة سنة، وبعضهم بسبعة عشر سنة، وقال الجوهري في "الصّحاح": " الأشد" ما بين ثماني عشرة الى ثلاثين سنة.
وخلاصة القول الذي يهمنا هنا: أن مرحلة "الأشد" هي: مرحلة النضج والعقل وحسن التصرّف، وهي "مرحلة الشباب" التي هي موضوع هذا الكتاب.
***
٤- مرحلة " الشيخوخة "
"الشيخوخة" هي المرحلة الأخيرة من مراحل حياة الإنسان، وقد إختلف العلماء في تحديد أولها، فاعتبرها بعضهم من سنّ الخمسين، وبعضهم قال غير ذلك، ولكن: لا خلاف على أنها آخر المراحل، وأن أحوال الإنسان فيها متفاوتة، فآخرها عجز، وهرم، وضعف، وخرف، كما وصفها الله بقوله: ﴿ونقرّ في الأرحام ما نشاء الى أجل مسمّى ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدّكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يردّ الى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ .
***
٥- النهاية: "الموت"
"الموت" هو نهاية كل نفس، كما قال ، ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ، وقال كعب بن زهير في قصيدته "بانت سعاد":
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته......يوما على آلة حدباء منقول
ونحن لم نختم مراحل حياة الإنسان بذكر هذه النهاية، إلا لنذكّر أنفسنا والمسلمين جميعا بهذه النهاية، وبوجوب الإستعداد لها، والعمل لما بعدها، فإنّ ما بعدها خطير وخطير، فهناك: إما جنّة أبدا.. وإما نار أبدا.. هناك: لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا تحاسب نفس إلا عنها، ﴿ولا يسأل حميم حميما﴾ ، ﴿يوم يفرّ المرء من أخيه* وأمه وأبيه* وصاحبته وبنيه* لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ .
стр. 14
من هو الإنسان ؟
١- جانب "الحيوانية" في الإنسان .
٢- جانب "العقل" في الإنسان.
٣- الرابط ما بين الجانبين.
٤- الغرائز والشهوات.
٥- المادة والروح.
٦- الغيب والشهادة.
٧- "التفكير" هو: عمل العقل.
٨- العقل والهوى.
من هو الإنسان؟
الإنسان مخلوق مميز، أكرمه الله تعالى بالعقل، وشرّفه بأصله "آدم " ﵇، الذي خلقه من سلالة من طين.. ثم خلق ذريته من ماء مهين، وسخّر له الأشياء، ليعيش على الأرض ويستعمرها، كما قال : ﴿وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الليل والنهار* وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار* وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفّار﴾ . فكان من بني آدم: مؤمن وكافر. وصالح وفاجر.. وظالم وعادل.. وشينال كل إنسان جزاء ما كسبت يداه: إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر.
إن قصدنا من هذا السؤال:"من هو الإنسان؟ " ليس الكلام في خصائص الإنسان، ومراحل تكوينه، بل مرادنا أن نتوقف عند التعريف المنطقي لـ "الإنسان"، لأنه تعريف يشرح الشخصية الإنسانية ويفرز خصائصها، ويحدّد حقيقة كل جانب من جوانبها، فيسهل بالتالي معرفة مستويات الناس المختلفة المتفاوتة، ويسهل أيضا معرفة أسباب فلاح المفلحين، وخسران الخاسرين، وهذا هو هدفنا من هذا الكتاب.
فأزمات الشباب ليست سوى نتيجة لفشل، أو: تقصير، أو: تغرير يقع فيه الشباب، أو بعبارة أخرى: فإن الأزمات نتيجة سوء تصرّف يصدر عن الإنسان، بحقّ نفسه، أو بحق الآخرين..
لقد عرف علماء المنطق "الإنسان" بأنه:" حيوان ناطق"، وذلك للدلالة على "المفرد" من الناس، وتمييزه عن غيره من الحيوان، المشارك له في جزء من التعريف، كما سنرى لاحقا وإليك بيان ذلك.
١- جانب الحيوانية في الإنسان
стр. 15
"الحيوان": صيغة، مثل: "الغليان"، و"الميدان"، وهي تعني الحركة الحيّة كقوله تعالى في وصف الآخرة: ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ ، أي: لهي الحياة الكاملة السالمة من المنغّصات، ولا تكون الحيوانية في الكائن الحيّ، إلا إذا دبّت فيه "الروح"، فالروح جزء لا غنى عنه في هذا الجانب، من كل كائن حيّ، ومن هنا ندرك: أن الذين يصنّفون "الروح" في الجانب الاخر للإنسان، فيقولون: "الإنسان: مادة وروح"، ويعنون بالمادة: الجسد، وبالروح: العقل والفكر، وما يتعلق بهما، هم مخطئون في هذا التصنيف، لأن المادة لا تعتبر شيئا مهما من دون "الروح"، فأجرام جسد الإنسان وغير من الأحياء، وخلاياه كلها، لا تشكّل من دون الروح جانبا يذكر، لذلك لا يصح التصنيف المتبع للجسم البشري والشخص الإنساني، بأنه:" مادة وروح"، بل الصحيح أن يقال:" إنه حيوان وعقل" كما سنبيّن لاحقا في كلامنا عن "المادة والروح" في البند الخامس.
стр. 16
إن جانب "الحيوانية" في الإنسان، يشمل جميع الشهوات والميولات والرغبات، التي خلقها الله تعالى فيه، ومن أهمها وأخطرها: شهوتا "البطن" و "الفرج"، وما يتعلق بهما، فشهوة"البطن" تتعلق بالمأكل والمشرب، وبالسعي الى كسب ما يمكّن الإنسان منهما من وسائل وأسباب، وشهوة "الفرج" تتعلق بالزواج، وما يترتّب عليه من إنجاب الذريّة، والإنسان مأمور بسلوك السبل المشروعة، وهو يسعى للحصول على هذه الشهوات، ولا يجوز له أن يسلك المسالك المحرمة لتحقيق رغبة من رغائبه، وإن فعل فهو آثم، تماما مثلما يؤجر ويثاب على سلوك السبل الشرعية، وقد أشار النبي ﷺ الى هذا المعنى فيما روه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ :" من يضمن لي ما بين لحييه، وما بين رجليه، أضمن له الجنة" أي: اللسان والفرج. وليس هذا غريبا، فإن المتأمل يدرك: أن مآل كل سعي الإنسان، ينتهي إلى إشباع شهوتي بطنه وفرجه.
إذن: فجانب "الحيوانية" في الإنسان هو عبارة عما يلي: جسد حيّ من لحم ودم وعصب وعظم، يحتاج الى: المأكل، والمشرب، والمنكح، والملبس، والمسكن.. إلخ. وشهواته هذه تجوع بعد شبع، وتشبع بعد جوع، وهكذا دواليك، وهو يطلب هذه المطالب الفطرية، ويسعى ويتعب من اجل الحصول عليها إشباعا لرغائبه وشهواته، فهو والحالة هذه، يتفق مع أي كائن حيّ آخر، يشاركه الشّبه في التكوين، فالإنسان من هذا الجانب: "حيوان"، و"الحصان" كذلك "حيوان".
стр. 17
ولو أن الإنسان كان بلا عقل، لكان بهيمة بهماء، ودابّة عجماء، وهذا الجانب هو نقطة الضعف في الإنسان كما وصفه الله بقوله: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ ، فهو ضعيف في قوته الجسدية، وضعيف في مواجهة الصعوبات والمغريات، وعلى الأخص: إغراء المال ... ، والجاه ... ، والمرأة ... ، فالإنسان في مواجهة هذه الإغراءات أضعف ما يكون، لأنها شهوات حلوة، مزيّنة، مغرية فاتنة، كما وصفها الله تعالى بقوله: ﴿زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث﴾ .
لذلك كان على المسلم أن يستعين بالله تعالى في مواجهة كل المغريات، وأن يكون حذرا في تعامله وتعاطيه وتصرّفاته مع الناس، لئلا يغريه الشيطان، فتزلّ قدمه على الصراط، ويقع في الزلل؛ ولكي يتمكّن الإنسان من الإحتفاظ بتوازنه، فقد أكرمه الله بالجانب الآخر، وهو: جانب "العقل" الذي اختصه به من بين سائر "الحيوان"..
***
٢- جانب العقل في الإنسان
стр. 18
لقد عبّر علماء المنطق عن هذا الجانب بوصف:"ناطق"، فقالوا:" الإنسان حيوان ناطق"، لأن "النطق" خصوصية إنسانية من بين سائر "الحيوان"، وهي خصوصية ظاهرة محسوسة.. ولا تصدر إلا عن كائن عاقل، فكان تعريف الإنسان بها، أدق من تعريفه بالعقل، لخفاء أمره لولا النطق، فالإنسان لو لم يكن ناطقا، لما أمكن إثبات كونه عاقلا، ولو فعل ما فعل من دقائق الأعمال، وغرائب الصناعة والحركات والأصوات، فإن لكل الحيوانات الأخرى أعمالا غريبة، يبلغ بعضها حدّ العجز عن إدراك أسراره، كالنحل والنمل، في إتقان بيوتها، وجني رزقها، مما أدهش العقول، وخيّر الألباب، وهي بلا شك حيوانات لا عقل عندها ولا نطق، فلو أنّ الإنسان كان مثلها لا يتكلم، لما أمكن معرفة أنه عاقل، لانعدام النطق المعبّر عنه كما ذكرنا، وأما ما جاء في القرآن الكريم، من نسبة القول الى "النملة"، وتعليم "سليمان" ﵇ منطق الطير، في قوله تعالى: ﴿فلما أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون* فتبسّم من قولها..﴾ ، وقوله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير﴾ ، فلا يعني:"النطق" بعقل، المماثل لنطق الإنسان، بل هو قول ألهمه الله تعالى للحيوان، هو عبارة عن أصوات معيّنة علمه الله إياها، تصدر عنه بالغريزة لا بالعقل، لذلك لا يخطئ الحيوان في أصواته أبدا.. بل هي أصوات يصدرها على نسق معيّن، يدركها أبناء جنسه من الحيوان بغرائزهم، أما الإنسان فليس أمره كذلك، بل إنه يفكّر قبل أن ينطق، ويتكلم بالصدق وبالكذب، وبالخطأ وبالصواب، وبالحق والباطل، ويتصرّف بلسانه ولغته كما يشاء.. لأنه عاقل.. والدليل على كونه عاقلا: أنه " ناطق".
***
٣- الربط ما بين الجانبين
стр. 19
إن تقسيم شخصية الإنسان على نحو ما تقدّم، لا يعدو أن يكون تقسيما نظريّا، أما من حيث الواقع، فالإنسان لا يكون إنسانا إلا بجانبيه: الحيواني ـ الجسدي ـ والعقلي، مع التأكيد على تقدّم الجانب العقلي في الإنسان على الجانب الحيواني، في الفضل والمرتبة، وعلى أن "العقل" هو الذي يعطي " الإنسان" المعنى الصحيح لإنسانيته.
والإسلام بتكاليفه وأحكامه، خاطب " الإنسان".. كل الإنسان.. من دون فصل أو تقسيم.. معتبرا إياه شيئا واحدا، فلم يخاطب فيه جانبا دون الآخر ولم يعامله على أنه جسم حيّ متحرّك كسائر الحيوان.. ولا على أنه لطيف مجرد كالملائكة.. بل وجّه إليه الخطاب بالتكليف، باعتباره إنسان متكاملا، وخاطبه بالترغيب والترهيب، اختبارا لحوّاسه ومواهبه وعقله، وأخبره بأنه إن أحسن فلنفسه، وإن أساء فعليها، وبأن المؤمن سيدخل الجنّة بجسده وعقله وروحه، وكلّ حواسّه، وأنّ الكافر سيدخل النار كذلك.
وقد وبّخ الله تعالى الكافرين، بأنهم شرّ من دبّ على وجه الأرض، لأنهم كفروا، وجرّدوا أنفسهم من نعمة الإنتفاع بالعقل، فقال : ﴿إنّ شرّ الدوابّ عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون﴾ .
стр. 20
كما بيّن : أن سبب وقوع أهل النار في الضلال، هو تعطيلهم لحواسّهم التي هي روافد العقل، حتى صاروا وكأنهم لا أسماع لهم، ولا أبصار ولا قلوب، بل صاروا أجسادا حيّة متحرّكة، كالأنعام، فاستمع أيها المؤمن الى ما قاله الله تعالى في هذا المعنى، وتأمّل واعتبر.. وقل: الحمد لله على نعمة الإيمان.. قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجنّ والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضلّ أولئك هم الغافلون﴾ ، وقال جلّ وعلا: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا﴾ ، ويقول سبحانه مخاطبا رسوله الأمين محمدا ﷺ ، مبيّنا حال الكافرين الغافلين، الذين يستمعون إليه، ولا يسمعون، وينظرون إليه ولا يبصرون: ﴿ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصمّ ولو كانوا لا يعقلون* ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون* إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكنّ الناس أنفسهم يظلمون﴾ .
***
٤- الغرائز والشهوات
شاع على ألسنة كثير من المتعلمين، وفي كتاباتهم، إطلاق "الغريزة" على "الشهوة" في الإنسان، وهذا خطأ فادح، بل إن من هؤلاء من أطلق على " الفطرة السليمة" المعروفة بـ "التديّن" وصف " الغريزة"، فسمّوها:" غريزة التديّن"، ووجه الخطأ في ذلك، واضح في المعنى اللغوي لكل واحدة من هاتين الكلمتين؛ فمن العودة الى قواميس اللغة العربية يتبيّن ما يلي:
[" الغريزة": الطبيعة، وجمعها: " غرائز"، و"الشهوة" هي: إشتياق النفس إلى الشيء، وجمعها "الشهوات"، وهي الاسم من فعل:" شهي الشيء، واشتهاه"، إذا أحبّه ورغب فيه] .
فواضح من تعريف "الشهوة" هذا، أنها اشتياق الى الشيء، وحبّ له، ورغبة فيه، وذلك لا يكون إلا من عاقل، أي: إنسان، بخلاف "الغريزة"، فهي طبيعة في البهائم، أي: جبلة جبلوا عليها، لا عقل يحرّكها، ولا إدراك يوجّهها.
стр. 21
فالبهائم لا تشتهي.. وليس فيها "شهوة".. لانعدام العقل، فهي لا تستعرض اللذائذ والأطايب كما يفعل الإنسان، فتثور لديها الرغبة فيها والميل إليها، بل هي لا تتحرّك إلا إذا أحسّت بوجود مأكلها أو مشربها أ, نزوها، فعند ذلك تنقضّ وتقبل، من دون تروّ ولا تمهّل، وعلى سبيل المثال، فإن الفحل من البهائم، ينزو على الأنثى نزوا بلا رويّة، فيقال:" نزا الفحل"، ولا يقال ذلك في الإنسان إذا جامع زوجته، لأن "المجامعة" بين البشر، هي غير "الضراب" بين البهائم.
وبالعودة الى آيات القرآن العظيم، نجد إستعمال "الشهوة"، وسائر إشتقاقات هذه الكلمة، في الكلام عن الإنسان فقط، ولم يرد ذكر "الغريزة" ولا مرة واحدة في القرآن الكريم، لأنه خطاب للبشر، بل جاء تشبيه الكافرين بالدواب والأنعام، كما ذكرنا في العنوان السابق.
أما الإنسان فقد خلق الله تعالى فيه "الشهوة"، وخلق له "الشهوات"، قال تعالى: ﴿زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث﴾ ، فهذه كلها "شهوات"، وقال تعالى عن قول لوط ﵇ لقومه: ﴿إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء﴾ ، فسمّى تلك الفاحشة:" شهوة" ولم يقل:"غريزة". وحذّر الله تعالى الذين يتّبعون "الشهوات" من سوء العاقبة، فقال تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّا﴾ .
وكذلك في الاخرة حيث ينال المؤمنون في الجنة ما يشتهون، كما قال تعالى: ﴿وفيها تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين﴾ .
стр. 22
وملخّص القول: أن "الشهوة"، من خصائص الإنسان، وهي قد تكون مباحة، وقد تكون محرّمة يأثم بها فاعلها، ومن "الشهوات" ما يؤجر عليها المرء، كشهوة الجماع بالزواج،، وتحرّي الكسب الحلال، وقد جاء ذلك في الحديث الشريف، فيما رواه الإمام مسلم من حديث أبي ذر الغفاري، ﵁، وفيه قوله ﷺ :" وفي بضع أحدكم صدقة" أي: في جماعه زوجته، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال:" أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر".
أما "الغريزة" فهي من البهائم خاصة، فلا تطلق "الغريزة" على شيء من خصائص الإنسان، فلا يقال:" غريزة حبّ البقاء"، ولا "غريزة التديّن"، بل هما فطرتان، فطر الله عليهما الإنسان، فهو يحبّ الحياة بالفطرة العاقلة التي فطره الله عليها، لا بالغريزة العجماء العمياء البهماء، والإنسان ميّال بفطرته الى الإيمان، إلا إذا انحرف به والداه فنشّآه على خلاف الفطرة، قال الله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون﴾ ، ومعنى قوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ أي: لا تبدلوا خلق الله تعالى، ولا تغيّروا في المولود فطرته التي فطره الله عليها، لأن كثيرا من الوالدين، يغيّران هذه الفطرة، ويبدّلانها، بعقائد الكفر والضلالن كما جاء في الحديث الشريف الذي تقدّم نصّه في المقدمة.
فهي إذن: "الفطرة.." لا "الغريزة"، فيقال: "فطرة التديّن" و"فطرة حبّ الحياة والبقاء".. إلخ.
***
٥- المادة والروح
стр. 23
درج الكثيرون على تعريف "الإنسان" بأنه: "مادة وروح"، من دون تحديد لمرادهم بكل منهما، حتى شاع هذا التقسيم، وصار متداولا مألوفا، ولقد كنت ممن يذكر ذلك بالتقليد للآخرين، ولكن: عندما فكّرت في " الإنسان"، وما أودعه الله فيه من آيات، أدركت كم نحن بحاجة الى إعادة نظر، في كثير من المصطلحات والكلمات لتي نستعملها، ومنها كلمتا:"المادة والروح".
إن لكل من:"المادة" و"الروح"، إستعمالات ومعاني متعددة، فللمادة في المفهوم "الماركسي" الشيوعي مفهوم خاص ملخصه: [أن الإنسان والكون، "مادة" تتطور بنفسها ذاتيا، من دون خالق، وأنّ تطوّر المادة هذا، هو الذي انبثق عنه وجود الكائنات..] .
فالمادة في المفهوم الماركسي، ليست جانبا من شخصية الإنسان، بل هي أساس وجوده، ولا يخفى: أن "الشيوعية" تنكر وجود الله الخالق ، لأنها عقيدة إلحاد وكفر.
وهناك مذهب أو مفهوم آخر للمادة، فحواه: أن "المادة" في الإنسان عبارة عن "الجسد"، يقابله جانب "الروح"، فهؤلاء يرون: أن جسد الإنسان هو "المادة".
وهناك من يرى "المادة" معبّرة عن الجانب الدنيوي في الإنسان، أي: "الجسد" وشهواته ورغائبه، ويرى بالمقابل: أن "الروح" تعبّر عن الجانب المعنوي العقليّ فيه، فقسّموا الإنسان على هذا الأساس، فقالوا: " الإنسان مادة وروح".
وأيضا لا ينبغي أن نغفل التعريف "الكنسي" لللإنسان، فإن له تأثيرا كبيرا على المفاهيم التي أشرنا إليها، فالإنسان في المفهوم "الكنسيّ" يتكوّن من ثلاثة عناصر هي:"الروح والنفس والجسد"، ومستند النصارى في هذا التعريف لللإنسان هو قول "بولس" بهذا المعنى الوارد في رسالته الأولى الى "أهل تسالونيقي"، فـ "الجسد" عنده، هو: الجزء المادي في تكوين الإنسان، و"النفس" هي: عنصر الحياة الحيوانية، وفيها يشترك الإنسان مع الحيوان وعليها يتوقف الفهم والحركة والإحساس، و"الروح" هي: العقل.
стр. 24
و"النصارى" أيضا يطلقون "الروح" على "الله"، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا، فيقولون:" الله روح أبديّ سرمديّ"، ومفهومهم للروح بهذا المعنى، هو الذي ينتسب كهنتهم إليه، فيسمّون أنفسهم:"رؤساء روحيّين"، فالرئيس الروحيّ عندهم هو: كل "كاهن" أعطي صفة كهنوتية، وبالمقابل، فهم يطلقون على غيرهم وصف:"العلمانيين"، أي: غير "الروحيّين اللاهوتيين".
بعد هذا الإستعراض لمفهوم "المادة والروح"، نرى أن الذين قسّموا شخصية "الإنسان" إلى" "مادة" و"روح" مخطئون، وذلك لأسباب التالية:
أولا: عدم وضوح المراد حصرا بكل من: "المادة" و"الروح"، ومعلوم أن التسمية بشيء لا تصحّ، إلا إذا كانت وافية بالتعريف، مفيدة للمعنى المقصود، فالذين أطلقوا هذين اللفظين على الإنسان، لم يحدّدوا المراد بكل منهما، فلا يزول الإشكال.
ثانيا: إن "المادة" في الإنسان لا تنفصل عن "الروح"، لأن الجسد البشريّ من دون روح، هو جماد كالحجر، ومعلوم أن ما يميّز الجسم البشريّ عن سائر الجمادات، إنما هو "الحياة" المستقرّة فيه، أي: "الجانب الحيواني" الذي ذكرناه سابقا.
ثالثا: إن الذين أطلقوا "الروح" على "العقل" مخطئون، لأن "الروح" غير "العقل"، فهما مخلوقان متغايران، والعقل لا يعمل إلا بالروح، فالروح هي المحرّك لكل من "الجسد والعقل"، فكيف تكون "الروح" في جانب، وما تعمل هي فيه في جانب آخر؟ ...
فظهر واضحا: أن تقسيم " الإنسان" الى "مادة وروح"، تقسيم غير صحيح، ولا ينطبق على الواقع، وأن التفصيل الصحيح لشخصية الإنسان هو أنه: "حيوان ناطق"، أي: عاقل، كما بيّناه سابقا، وإذا أردنا أن نجاري ما شاع في تعريف الإنسان فنقول: الإنسان مادة وعقل".
***
٦- الغيب والشهادة:
كما أن في الإنسان جانبين هما: "جانب الحيوانية" وما فيه من حوّاس وأعضاء، و"جانب العقل" وما ينتج عنه من فهم وعلم ومعرفة، فإن الموجودات كلها تنقسم أيضا الى قسمين هما:
стр. 25
١- "عالم الغيب"، وهو: ما لا يدرك بالحوّاس، ويعرف هذا القسم بـ "عالم ما وراء المادة".
٢- و"عالم الشهادة" أي: عالم المحسوسات الذي تدرك بالحوّاس، ولا يلزم لإدراكها "عقل".
ولكي يتمكّن الإنسان من التعرّف على هذين العالمين، والتصديق بهما، فقد خلقه الله تعالى جامعا للحوّاس وللعقل معا، ليدرك بحوّاسه المحسوسات، ويصدّق بعقله بالغيب ويؤمن به.
وقد أشار القرآن العظيم الى هذه المعادلة بوضوح، في قوله : ﴿ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم* الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم سوّاه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون﴾ .
فبعد أن ذكر الله تعالى علمه المطلق الشامل بالغيب والشهادة، بيّن خلق الإنسان من أوّل أمر تكوينه، حتى نفخ الروح فيه، وهذا هو "جانب الحيوانية" في الإنسان، ثم عقّب بالإشارة الى الجانب الآخر، فذكر أهم الحوّاس المساعدة للعقل وهما: السمع والبصر، لأن العقل يفكّر بما يسمع وبما يرى، فيقدّر ويحكم، وهو "الفؤاد" أي: "القلب" هو مقرّ الوعي، ومستقرّ الإيمان أو الكفر..
إن العقل " جهاز".. يعمل في المحسوسات عن طريق الحوّاس، التي تزوّده بالمعلومات اللازمة للحكم، ووجوده في إدراك المحسوسات عينها، ليس لازما، فإن غير العقلاء من البشر، وكذلك البهائم، تتعرّف على المحسوسات، فتأكل ما ينفعها، وتترك ما يضرّها، وتبتعد عما يؤذيها، من دون حاجة الى عقل تميّز به تلك الأشياء.
стр. 26
نعم: إن "لعقل" يعمل في المحسوسات، أي: في المادة باعتبارها من آيات الله تعالى، لاستخلاص البراهين القاطعة على وجود الخالق ووحدانيته، والتصديق بما جاء على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام من الوحي، ومعلوم أن الإنسان مكلّف ومأمور بأعمال فكره في الموجودات، لمعرفة الموجد الخالق معرفة صحيحة، والآيات في كتاب الله تعالى في هذا المعنى كثيرة جدا، كقوله : ﴿إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾ ، وقوله جلّ وعلا: ﴿وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين إثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون* وفي الأرض قطع متجاورات وجنّات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضّل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ .
أما "عالم الغيب" فلا عمل للحوّاس منه على الإطلاق، لأن الحوّاس غير صالحة لإدراك المحسوس، ومن طلب معرفة شيء من الغيب بحوّاسه، فهو جاهل مغفّل، مثله كمثل من يحاول إمساك الهواء أو النور بيده، والمؤسف حقا وجود هذه النوعية في المجتمع، فأحدهم لا يؤمن بالله تعالى لأنه لم يره.. وآخر ينكر الآخرة لأنه لم ير أحدا رجع بعد موته فأخبر بها.. وهكذا..
ولو سألهم سائل: أين عقولكم يا هؤلاء؟؟.. لسكتوا.. وبهتوا.. ولكنّنا نحن نعرف: أين هي عقولهم؟.. إنها في شهوات بطونهم وفروجهم..، فأحدهم قزّم عقله ومسخه، وجعله في بطنه وفرجه.. فلذلك هو لا يعقل.. ولا يفقه.. ولا يعلم.. ولا يتذكّر.. ولا يتفكّر.. بل كل همّه: "بطنه".. أكلا وشرابا.. و"فرجه" فحشاء وبغاء.. فهل مثل هذا.. أهل لأن يعرف الله؟..
стр. 27
إنّ الغيب كله محجوب عن حوّاس الخلق، ولا يعلم أحد من الخلق شيئا من "الغيب"، إلا بإعلام الله وإخباره، وهذا الإعلام لا يكون إلا للرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿عالم الغبل فلا يظهر على غيبه أحد* إلا من ارتضى من رسول﴾ . ودور "العقل" في هذا المجال هو: التفكير.. ثم: الحكم الصحيح.. أي: الإيمان والتصديق، مثل: إيماننا بالله تعالى، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، بكل ما فيه من: بعث.. وحشر.. وحساب ... وجنّة.. ونار.. وغير ذلك، والقدر خيره وشرّه، فقد آمنّا بذلك وأمثاله، بعقولنا التي وهبنا الله إياها، تصديقا للخبر الصادق الذي جاءنا، على لسان رسولنا الأمين محمد ﷺ .
***
٧- " التفكير" هو: عمل العقل
إن "التفكير".. هو العمل البديهي للعقل، إذ لا فائدة من وجود عقل من غير تفكير، لأن العقل المشلول، ليس بعقل، بل هو جهاز معطّل، وجوده كعدمه.
فإذا فكّر "العاقل" في أمر ما..فسينتج عن تفكيره هذا: " تقدير.."، وهذا التقدير: قد يكون صوابا، وقد يكون خطأ، فيترتّب على ذلك:"حكم.." على ذلك الأمر، قد يكون صوابا، وقد يكون خطأ، تبعا للتقدير، وهذه العملية الفكرية هي التي سميّناها:"عمل العقل"..
وهذا التسلسل في عملية التفكير، ليس من عندنا، بل هو ما وجدناه صريحا في كتاب الله ، فخذ هذا العرض القرآني الرائع، لعمل العقل الذي أشرنا إليه وقل: سبحان الله العظيم:
سئل أحد من العتاة الكفرة من العرب في "مكة"، عن القرآن الكريم" فأجاب.. ولكنّ الله تعالى لم يذكر جوابه فحسب، بل بيّن لنا بالتسلسل، كيف فكّر ذلك الرجل؟.. وكيف قدّر؟ وكيف حكم؟.. فاستمع الى قول الله الحكيم في سورة المدّثّر".
١- ﴿إنّه فكّر وقدّر﴾ ، فهذا: تفكير.. ثم: تقدير..
٢- ﴿فقتل كيف قدّر* ثم قتل فقدّر﴾ ، هذا توبيخ له على سوء التفكير، وفساد التقدير.
стр. 28
٣- ﴿ثم نظر* ثم عبس وبسر* ثم أدبر واستكبر﴾ ، وهذا بيان حال المتكبّر، إذا جوبه بالحق.. فإنه يرفضه ويعرض عنه.
٤- قم بعد هذا، حكم ذلك الكافر على القرآن فقال: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر* إن هذا إلا قول البشر﴾ .
٥- فكانت عاقبته: وعيدا من الله تعالى له بالعذاب: ﴿سأصليه سقر﴾ .
ومّمن فعل مثل ذلك التفكير الفاسد:"النمرود"، صاحب العقلية "النمرودية"، التي صارت مثلا لكل متجبّر معاند، حتى درج على ألسنة العوامّ قولهم لمن هذه صفاته:" لا تتنمرد.." وبلا "نمردة"..
لقد أخبرنا الله تعالى، كيف واجه "النمرود" الحق والحقيقة، وحاجّ إبراهيم ﵊ في الله تعالى، كما قال سبحانه: ألم ترى الى الذي حاجّ إبراهيم في ربّه أن أتاه الملك، إذا قال إبراهيم: ربّي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ .
وبالمقابل: فهناك كثير من الناس، أحسنوا التفكير والتقدير، فأصابوا.. وقد أخبر الله تعالى عن مشاهيرهم في الأمم السابقة، ليكونوا أسوة حسنة للعقلاء من الناس، في كلّ زمان ومكان، ونكتفي هنا بذكر مثلين من هؤلاء الصالحين، الذين فكّروا وتفكّروا، وقدّروا، وحكموا، فأحسنوا التفكر والتقدير والحكم، هما:
١- مؤمن آل فرعون:
جاءت قصة "مؤمن آل فرعون" مفصّلة، في سورة "غافر"، التي سميّت أيضا:"سورة المؤمن" إشارة له، وهو رجل من آل فرعون وخاصّته، آمن بما جاء به موسى ﵇، بلا خوف من فرعون ولا وجل، وقد جادل قومه وحاورهم، محاولا إفهامهم وإقناعهم، فلم يفهموا ولم يعقلوا، وهذا أهمّ ما قاله هذا المؤمن لقومه:
١- ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربيّ الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟﴾ .
٢- ﴿يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض، فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا﴾ .
стр. 29
٣- ﴿يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب* مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد﴾ .
٤- ﴿يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد* يوم تولّون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد﴾ .
٥- ﴿يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد* يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ .
٦- ﴿ويا قوم مالي أدعوكم الى النجاة وتدعونني الى النار* تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم الى العزيز الغفّارْ.
٧- ثم ختم نداءاته لقومه قائلا لهم: ﴿فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري الى الله إنّ الله بصير بالعباد﴾ .
٨- فكانت عاقبة هذا الرجل: النجاة، وكانت عاقبة آل فرعون: الخسران، كما قال الله تعالى: ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾ .
٢- الرجل الساعي من أقصى المدينة:
جاءت قصة هذا الرجل في سورة "يس"، في خبر "القرية" التي جاءها المرسلون، فكّذب أهلها المرسلين، وهدّدوهم بالرجم والتعذيب، فعلم ذلك الرجل المؤمن بالأمر، فأسرع من أقصى المدينة، ناصحا ومذكّرا، فقتلوه، فاستمع وتدبّر ما قاله هذا الرجل العاقل المفكر، يقول تعالى: ﴿وجاء من أقصى المديمة رجل يسعى قال: يا قوم اتبعوا المرسلين* اتبعوا من لا يسألكم عليه أجرا وهم مهتدون* ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون* أأتخذ من دونه آلهة؟! إن يردن الرحمن بضرّ لا تغن عنّي شفاعتهم شيئا ولا ينقذون* إني إذا لفي ضلال مبين* إني آمنت بربكم فاسمعون﴾ ، فقالت له الملائكة: ﴿ادخل الجنة، قال: يا ليت قوم يعلمون* بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ .
٨- العقل والهوى
стр. 30
"العقل والهوى" قوّتان تتصارعان في الإنسان، الأولى منهما وهي: "العقل" بما يمثل من وعي وفهم، والثانية وهي:" الهوى"، أي:" حبّ الشهوات"، بما يمثل من عجلة وتهوّر واغترار، ومن المهم جدا للإنسان أن يفرّق بين:" فكر العقل"، و"هوى النفس"، لئلا يظنّ هواه عقلا، فيضلّ ويهلك.
وما أكثر الذين يتبعون أهواءهم وهم يحسبون أنها عقولهم، وهؤلاء هم جميع المفتونين والزنادقة، الذين انجرفوا مع الهوى، فروّجوا الفتن والضلالات بين المسلمين، وهم يحسبون أنهم يعملون عملا حسنا، كما قال : ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا؟ * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا* أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ .
لذلك حذّرنا الله تعالى من اتباع الهوى، مبيّنا أنه ضلال، فقال : ﴿ومن أضلّ ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟﴾ ، وقال سبحانه: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنّ﴾ .
فإذا سوّلت لك نفسك أمرا، فانتبه، وإذا ثار في نفسك رأي، فاحذر، واعلم: أن "الهوى" كثيرا ما يخالف الشرع، وأنّك لا تكون مؤمنا حقا، إلا إذا كان هواك تبعا لما جاء به الرسول الأمين محمد ﷺ ، دون سواه من البشر.
واعلم: أن "العقل" السليم، لا يتعارض مع الشرع أبدا، فإن خطر على بالك، أن شيئا من الشرع لم يقبله عقلك، فاعلم أن ذاك الشرع فيك، ليس عقلك، بل هو هواك، فاحذر الضلال باتباعه، والزم جانب الشرع، فثمّة النجاة..
стр. 31
ومهما كان الحال، فإن "العقل" و"الهوى" يجب أن يكونا طوعا لحكم الشرع، ولا يجوز إخضاع الأحكام الشرعية لموازين العقول، ومقاييس الأهواء، بل على المسلم أن يسمع حكم الله تعالى ويطيع، من دون شكّ ولا تردد، كما قال الله تعالى: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلّموا تسليما﴾ ، والله المستعان، وهو الموفق والهادي.
***
" التكليف" وطوارئه
١- تقديم .
٢- من هو "المكلف "
أولا: شروط التكليف بالإيمان.
ثانيا: شروط التكليف بالعبادات.
٣- طوارئ التكليف:
القسم الأول: الطوارئ السماوية:
[الجنون، والعته، والنسيان، النوم، والرقّ، والمرض، والموت] .
القسم الثاني: الطوارئ المكتسبة:
[الجهل، الإكراه، والهزل، والخطأ، والسّكر] .
١- تقديم
أشرنا سابقا، الى أن بداية "مرحلة الشباب"، هي بداية "مرحلة التكليف"، إذا توفّرت شروطه، حيث يصير الإنسان من أهل الخطاب بالأمر والنهي، ومسؤولا عن أعماله، خيرها وشرّها، في الدنيا والآخرة.. فيثاب ويعاقب، ويسأل ويحاسب.
وقد وجدنا من المفيد: أن نتوسّع في بحث موضوع "التكليف" هذا، فنبيّن من هو المكلف شرعا؛ وما هي أهمّ الأمور المعترضة على " أهلية الإنسان"، التي تؤدي إلى أسقاط التكليف عنه.
إن كلامنا في هذا الشأن، سيكون طبقا لما ذكره علماء " أصول الفقه"، ليس " الأطباء"، لأننا لا نبحث في هذا الكتاب عن أمراض الجسد، ولا عن تعريفاتها الطبية، ولا عن الأدوية والعقاقير التي تعالج بها، بل إننا نبحث في الناحية التكليفية للإنسان، وشروطها، ومسؤوليات المكلف، وما له وما عليه، ونبحث أيضا في المعترضات التي يسقط بسببها التكليف عن الإنسان، إما كليا، وإما جزئيا.
إننا لم نتطرّق في مواضيع هذا الكتاب كلها، إلى الناحية الطبية أو النفسية المعروفة، التي تكلم فيها علماء الطب والتشريح والتفس، ونحن فعلنا ذلك قصدا، لأن هذه الناحية ليست مقصودة هنا.
стр. 32
لقد ذكرنا مراحل حياة الإنسان، من أولها الى آخرها، طبقا لما جاء في النصوص الشريفة، من الكتاب والسنة، وهذا ما سنفعله هنا في كلامنا عن: "التكليف".. و"المكلف"..و"طوارئ التكليف"، إذ لا يهمنا أن نعرف ـ مثلا ـ: ما هو "الجنون" في عرف أطباء الأمراض العقلية والعصبية، ولا أنواع الجنون، ومراتبه، وعوراضه.. فهذا كله لا يغنينا في كتابنا هذا، لأن هذه المواضيع، تندرج في إطار الكتابة العلمية الطبية المحضة، وذلك لا ينفع سوى الأطباء، والدارسين للطب، وزد على ذلك: أنه ليس من اختصاصنا أصلا.
إن ما يعنينا هو: أثر تلك الطوارئ على أهلية "المكلف" من الناحية الشرعية البحتة، لأن المكلف هو المعرّض لأن تصدر عنه " أزمة".. أو أن تحلّ به "أزمة".. وهو الذي يسأل عن حلول "الأزمات".. ويسأل عما يصدر عنه من أسبابها.
ولا ينبغي أن ننسى: أن سلسلتنا هذه، هي سلسلة فكرية إصلاحية، توخّينا في كتابتها، توعية المسلمين عامة، والشباب منهم خاصة، بواقعهم العامّ والخاصّ.. وإرشادهم الى السبل الصحيحة لإصلاح: النفوس.. والسلوك.. والتعامل.. في جميع المجالات والميادين، فلا يعنينا إلا ما يساعد على تحقيق هذه الغاية، ولا تتحقق هذه الغاية، إلا عن طريق الإسلام.. عقيدة.. ومنهاجا.. وبالله المستعان على كل حال.
وإن سأل سائل عن بيان فائدة هذه الأمور في هذا الكتاب، وهو كتاب فكريّ بحت، فإننا نجيبه بالقول:
إن ما ذكرناه عن مراحل حياة الإنسان، وما سنذكره من أمور الأهلية والتكليف، في هذا الفصل، ليس مفيدا فحسب، بل هو مهمّ جدا في موضوع الكتاب، لما أشرنا إليه آنفا، وللأسباب التالية:
أولا: لأننا نبحث في هذا الكتاب في: "أزمات الشباب"، ومعلوم أن " الأزمة" لا تكون ولا تنشأ إلا إذا كان صاحبها مكلفا، فلا أزمة إلا من مكلّف، والشابّ غير المكلف لا أزمة منه بل هو خال تماما عن كلّ مسؤولية، فكان مهمّا أن نبحث في " الأهلية" وشروطها ومسقطاتها.
стр. 33
ثانيا: أردنا أن نوسّع نظرة الشباب إلى أنفسهم، وإلى شخصيتهم، وقواهم وطاقاتهم كافة، وأن نلفت نظرهم، ونثير انتباههم الى تلك النّعم الكبرى، التي منّ الله تعالى بها عليهم، ليعرفوا قدرها ومكانتها وقيمتها، فيشكروا الله عليها، وليعرف الإنسان أنه لم يخلق عبثا، ولا ليعيش حياته عابثا، بل هو إنسان مكلّف مسؤول.
ثالثا: أردنا أن نحثّ الشباب على صون عقولهم، وأسماعهم، وأبصارهم، وسائر حواسّهم، وعدم الإضرار بها أو إتلافها، بأي نوع من أنواع الأذى والتلف، كالخمور.. والمخدرات.. لأنها نعم كبرى لا تقدّر بثمن، ولا يعادلها شيء من أمور الدنيا.
رابعا: أردنا أيضا أن يتذكّر الناس دقة التشريع الإسلامي، وشموله، وسموّه، وروعته، ليزداد المؤمن إيمانا، وليباهي بدينه كلّ الأمم والشعوب، وليدرك زيف كل القوانين الموضوعة.. والأنظمة المزخرفة المصنوعة.. التي سرعان ما يتخاطاها الزمن.. ويصيبها الوهن.. وتسبّب الفتن.. وتغرق الناس في البلايا والمحن..
٢- من هو "المكلف"؟
لقد كلّف الله الإنسان بتكاليف شرعية، هي عبارة عن:" أوامر ونواهي"، أعلاها " الإيمان"، وجعل هذه التكاليف، ضمن قدرة العبد واستطاعته، فلذلك رفع الله تعالى عن الأمة الحرج فقال تعالى: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ ، و"الحرج": في اللغة هو "المكان الضيّق، كثير الشجر"، أي: لم يكلفكم بما يشقّ عليكم، ويخرج عن طاقتكم، كما قال : ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ .
ومع وجود اليسر في التشريع والتكاليف، فإن الشرع الحنيف، قد تضمّن رخصا واستثناءات في حالات معيّنة، راعى فيها قدرة المكلف إذا طرأ عليه عذر، كمرض أو سفر، فقد أباح للمسافر الإفطار في رمضان، ورخّص للمريض بعدم الصيام فيه. وذلك لكيلا يكون للمكلف حجة أو ذريعة، يحاول أن يبرّر بها تقصيره في واجباته، ومخالفته لأحكام الشرع الشريف.
стр. 34
إنّ "التكليف" في الإسلام على مرتبتين، تتقدم إحداهما الأخرى، والأولى شرطا من شروط المرتبة الثانية وهما: التكليف بالإيمان أولا، ثم تكليف المسلم بالتكاليف الشرعية الأخرى، ولكل من هاتين المرتبتين شروط، وإليك بيانها:
أولا: شروط التكليف بالإيمان:
نعني بـ " الإيمان": الإيمان الصحيح الحق، الذي أمر الله تعالى به عباده على ألسنة رسه، وذلك بأن يؤمن الإنسان المكلف: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرّه، وبكلّ عوالم الغيب، التي أخبر الله تعالى عنها، على لسان رسوله محمد ﷺ .. إلى غير ذلك من الأمور التي بيّنّاها في كتابنا:" سبيل النهضة".
والمكلف شرع بالإيمان، هو: من توفرت فيه الشروط الأربعة التالية، فإن لم يؤمن كان كافرا:
الشرط الأول ـ البلوغ:
"البالغ هو: الإنسان الذي تجاوز مرحلة "الصبا"، ومن علامات البلوغ عند الصبيّ: نزول المني منه باحتلام أو غيره، أو إحباله زوجته، وعند الصبيّة: أن ترى دم الحيض، أو أن تحبل، فإذا ظهر أيّ من هذه العلامات، فقد بلغ صاحبها، وصار في سن التكليف، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاءن ولكنهم اختلفوا في السّن التي يعتبر الإنسان عند بلوغها بالغا حكما إذا لم تظهر فيه أمارة من أمارات البلوغ التي ذكرناها، فذهب جمهور الفقهاء الى أنّ سنّ البلوغ هي: تمام الخامسة عشرة من العمر.
الشرط الثاني ـ العقل:
لا شك في أن "العقل" من النّعم الكبرى، التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان، فلذلك اعتبره الشرع الشريف " مناط التكليف"، فلم يكلف إلا عاقل، والعاقل المكلف بالإيمان هو: الإنسان، السالم من الجنون المطبق، أي: الدائم الذي لا أفاقة منه أبدا.
стр. 35
أما إذا عقل المجنون، أو بلغ مستجمعا شروط التكليف الأخرى، ثم جنّ، ولم يكن مؤمنا، فقد وجب عليه الإيمان في فترة عقله، فإن لم يؤمن في تلك الفترة، ثم جنّ من جديد فمات، فإنه يدخل النار باعتباره كافرا، ومثله في الحكم: الكافر العاقل إذا جنّ ومات مجنونا، فإنه يدخل النار أيضا، لأنه لم يؤمن حين عقله، ولأن جنونه هذا بمثابة موته، أي: كأنه مات ساعة جنّ، فلذلك هو في النار.
أما المجنون المسلم، أو: الذي ولد من أبوين كافرين، ثم جنّ قبل البلوغ، فإنه يدخل الجنّة، لانعدام التكليف أصلا.
الشرط الثالث ـ سلامة الحواسّ:
المراد بالحواسّ: الحواسّ الخمس التي هي: "السمع، والبصر، واللمس، والشمّ، والذوق" وليس المطلوب شرعا للتكليف، سلامة كل هذه الحواسّ، بل المطلوب سلامة إحدى حاستيّ:" السمع والبصر" فقط، ولا عبرة ببقيّة الحواسّ، لقصور فائدتها وأهميتها في الإنسان.
فإذا كان الإنسان سليم السمع، أي: سميعا، أو سليم البصر، أي: بصيرا، فقد توفّر في شرط من شروط التكليف بالإيمان، وذلك لأن تأثر العقل بالسمع والبصر، أشدّ من تأثره بالحواسّ الأخرى، إذا أنّ كلا من هاتين الحاستين، يتخطّى النطاق القريب من الإنسان، الى مجال أوسع، فالبصر يمتد.. والسمع يلتقط ويسترق.. من دون ملامسة، وها نحن نرى ونسمع عبر الأثير، من أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة، ما يحدث في أقصى الأرض، وهذا لا يمكن تحصيله بغير السمع والبصر من الحواسّ، وقد أشار الله تعالى الى أهمية هاتين الحاسّتين في مواضع في كتابه العزيز، حيث قرن بينهما، وخصّهما بالذكر من بن سائر الحواس، كقوله سبحانه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ ، ولهذا كانت سلامة إحدى هاتين الحاستين، كافية لتزويد العقل بما يكفيه من الدلائل، لمعرفة الله تعالى، والإيمان به .
الشرط الرابع ـ بلوغ الدعوة:
стр. 36
إن شر "بلوغ دعوة الإسلام" الإنسان، ليكون مكلفا بالإيمان، هو قول عامّة العلماء، وقد خالف فيه من لا يعتدّ بخلافه، فمن لم يسمع بالإسلام مطلقا، ولم يصله خبر رسالة محمد ﷺ ، لم يكن مكلفا، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمره الى الله، ولهذا كان واجبا على المسلمين أن يقوموا بتبليغ العالم كله رسالة الإسلام، ولا يجوز لنا أن نقاتل قوما لم تبلغهم دعوة الإسلام بأيّ وجه من الوجوه.
فالمكلف بالإيمان هو: كلّ إنسان اجتمعت فيه هذه الشروط الأربعة، فإن آمن فقد اهتدى وفاز، وإن لم يؤمن فقد خاب وخسر خسرانا مبينا، و" الإيمان" هو بحد ذاته الشرط الأول لتكليف المسلم بالتكاليف الشرعية العملية كلها، كما سنبيّن، وهي المسألة التالية.
***
ثانيا: شروط التكليف بالعبادات
" العبادات" هي: الفرائض والواجبات الشرعية؛ التي أمر الله تعالى بها المؤمن، و" الشروط التكليف" بها تسمّى عند الفقهاء:" شروط الوجوب"، أي: الشروط التي يجب على المكلف فعل الأمر بتوفرها فيه. ففي " الصلا": يشترط لوجوبها على الإنسان، أن يكون: مسلما، بالغا، عاقلا، وأن تكون المرأة خالية عن حيض أو نفاس، فهي غير مكلفة بالصلاة أثناء ذلك، فلا قضاء عليها بعد حيضها.
فتجب الصلاة وجوبا عينيا، على من توفرت فيه هذه الشروط، فيثاب على فعلها، ويعاقب على تركها، وعلى ترك غيرها من الفرائض أيضا.
أما الكافر، فلا يطالب بالصلاة، ولا بغيرها من الفرائض في الدنيا، ولكنه سيعاقب على ترك الفرائض وفعل المحرمات، زيادة على العذاب جزاء كفره.
وتجب " الزكاة" على: المسلم، الحرّ، مالك النصاب الشرعي بشروطه، فلا زكاة على "العبد" لانعدام الملكية، ولا يطالب بها الكافر في الدنيا، كما أشرنا، بل تؤخذ منه " الجزية" إن كان من
أهلها، على نحو ما بيّنه الفقهاء.
стр. 37
ولم يشترط فريق من الفقهاء، البلوغ ولا العقل لوجوب " الزكاة"، فقالوا بوجوب "الزكاة" في مال الصبيّ والمجنون، يخرجها عنه وليّه.
ويجب "الصيام" في شهر رمضان على: المسلم، البالغ، العاقل، الحر، المستطيع، على تفصيل في معنى الإستطاعة، مذكور في مواضعه، ليس هنا مجال بحثه.
إن " التكليف" ليس شرطا للقيام بالواجبات فحسب، بل هو أيضا شرط لإقامة الحدودن ومعاقبة الجناة في حال وقوع عدوان على الدين، أو النفس، أو المال، أو العرض، أو العقل، فيشترط ـ مثلاـ لمعاقبة الجاني: أن يكون "مكلفا"، فلا يعاقب المجنون، ولا النائم، وكذلك الصبيّ قبل البلوغ.
أما أمر الصبيّ دون البلوغ، بالصلاة والصيام وغيرهما، فليس لأنها واجبة عليه، بل ليتعلم أداءها، ويمارسها قبل سنّ الوجوب، فيألف العبادة ويحبها، فلا يتركها بعد البلوغ، وكذلك نهي الصبي عن فعل المحرّمات.
وعلى كل حال: فإن أمر الصغير بالواجبات، ونهيه وزجره عن المحرّمات، واجب على وليّ أمره، بل هو من أهم واجبات الأبوين تجاه أولادهما، وهو عماد التربية الصالحة.
٣- طوارئ التكليف
إن أهلية الإنسان قد تتعرّض لأمور طارئة، يفقد بسببها أهليته، لا يبقى مكلفا، وهذه الطوارئ تنقسم إلى قسمين هما: الطوارئ السماوية، والطوارئ المكتسبة، وإليك بيان ذلك:
القسم الأول: الطوارئ السماوية
يراد بالطوارئ السماوية، الأمور المعترضة على الأهلية، التي تصيب الإنسان المكلف، فيفقد بها أهليته، من دون أن يكون له فيها أيّ اختيار أو كسب، وأهمّ هذه الأمور ما يلي:
١- الجنون:
عرّف علماء الأصول " الجنون" بأنه: " آفة باعثة للإنسان على أفعال تخالف مقتضى العقل، من غير ضعف في أعضاء المجنون".
و" الجنون" قد يكون مطبقا، دائما مع الإنسان حتى الموت، وقد يكون متقطّعا، وقد يعرض مدة من الزمن، ثم يزول بالكليّة.
стр. 38
وفي مطلق الأحوال: فإن "الجنون" مناقض للتكليف، فلا مسؤولية على المجنون مطلقا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما ذكرنا في شروط التكليف بالإيمان.
٢- العته:
" العته" بفتح العين والتاء هو: آفة توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلطا، يشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذلك جميع أفعاله، تكون على هذا النحو من الاختلاط، وسبب هذا الإختلاط: نقصان عقله.
و" المعتوه" لا تجب عليه العبادات، ولا تثبت في حقه العقوبات، أما سائر تصرفاته، ففي أحكامها تفصيل ليس هنا موضع بسطه.
٣- النسيان:
" النسيان" معروف، وقيل في تعريفه: إنه " أمر يعرض للعقل، فيصرفه عن تذكر مطلوب، أو: عن فعل أمر لازم"، وهو مغافر في حقوق الله تعالى، فلا يترتب على نسيان واجب من الواجبات الشرعية إثم، كمن نسي صلاة ثم ذكرها، فإن عليه أن يصليها حين يذكرها، ولا إثم عليه في هذا النسيان، لقوله ﷺ ، في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك، ﵁:" من نسي صلاة، فليصلّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"، وعن إبراهيم النخعي قال:" من ترك صلاةواحدة عشرين سنة، لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة"، أي: لم يجب عليه سوى قضائها كما هي، صلاة واحدة ولو تركها من دون قضاء، عشرين سنة.
أما في حقوق العباد، فلا يكون النسيان عذرا فيها، فمن أتلف مال إنسان ناسيا، ضمن له قيمته، ولكن لا إثم عليه، لما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، فيما رواه الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ :" رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، أي: رفع عنهم الإثم، إن فعلوا محرما خطأ، أو: بالإكراه، وسيأتي تفصيل حكم " الإكراه" لاحقا، في "الطوارئ المكتسبة".
стр. 39
٤- النوم:
"النوم" راحة للبدن، لقوله تعالى: ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ ، وهو من آيات الله تعالى، الذي خلق "النوم" وهو شبيه بالموت، ويسمّى: "الموتة الصغرى"، ليكون راحة لبدن الإنسان من عناء السعي والعمل، قال تعالى: ﴿ومن آياته منامكم بالليل﴾ .
وقد عرّف علماء الأصول " النوم" بأنه:" عجز عن إستعمال القدرة لفترة عارضة"، فالإنسان النائم، لا يقدر على إستعمال حواسّه ليدرك المحسوسات، ولا يقدر أيضا على إستعمال نور العقل ليدرك المعقولات، ولا يقدر على أفعاله الإختيارية، كالقيام والقعود، والركوع والسجود.
ويترتب على "النوم": تأخير الخطاب بأداء التكاليف، لوجود العجز، و"النوم" ينافي الإختيار أصلا، فلا عبرة بما يلفظه النائم من عبارات: الطلاق، والإسلام، والرّدّة، فمن طلّق زوجته وهو نائم، فلا يقع طلاقه، وإن أسلم كافر وهو نائم، فلا يعتبر إسلامه، وإن ارتدّ مسلم وهو نائم، فلا تعتبر ردّته، وقد جاء في الحديث الشريف الذي ذكرنا نصّه في "مرحلة الطفولة": أن القلم رفع عن النائم حتى يستيقظ.
ويشبه "النوم" في كثير من أحكامه:" الإغماء" الذي هو: مرض يضعف القوى، ولا يزيل العقل، وهو أشد على القوى من النوم، لأن النائم إذا نبّه تنبّه، وليس كذلك المغمى عليه.
٥- الرّق:
"الرّق" مشروع في الإسلام، ولا يكون إلا من سبايا القتال ضدّ الكفار، على نحو ما هو مفصّل في كتب الفقه، وقد شرع "الرّق" جزاء للكافر على كفره، لأن الكفار لما استنكفوا واستكبروا أن يكونوا عبيدا لله، فجازاهم الله تعالى بأن جعلهم عبيدا لعبيده.
و"الرٌق": عجز حكمي، غير حقيقي، أي: إن الرقيق عاجز بحكم الشرع عن التصرفات، فهو مملوك ولا يملك، ولا تصح منه حجّة الإسلام، ولا تجب عليه صلاة الجمعة، وله أحكام أخرى مفصّلة في كتب الفقه.
стр. 40
ونؤكد هنا: أنه لا عبرة مطلقا بزعم من يزعم، أن " الرّق" في الإسلام، غير مشروع دائما، وأصحاب هذا الزعم، جاهلون بنصوص الآيات القرآنية، وبالأحاديث النبوية، وبأقوال الأئمة الفقهاء، الذين أجمعوا على أن "الرّق" مشروع ولا يزال، وسيظل مشروعا الى قيام الساعة، وإن لم توجد الدولة التي تجري أحكامه.
أما الزعم بأن " الرق" ينافي كرامة الإنسان وحريّة الإنسان، فهو زعم مردود من وجهين:
أحدهما: أن الكافر لا كرامة له أصلا، إذ كيف يكون كريما من أهانه الله تعالى القائل: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ ، والإنسان لا يكون كريما عزيزا إلا بالإيمان، وبغير ذلك فلا كرامة ولا عزة.
وثانيهما: أن الذين يدّعون الغيرة على "حرية الإنسان"، و"حقوق الإنسان"، من الأمم الكافرة، وعلى الأخص الدول الغربية كافة، هم كاذبون في دعواهم، لأن تاريخهم حافل بالمخازي والإضطهاد ضد " الإنسان" وكرامة الإنسان، والعالم لم ينس بعد: كيف كان يذهب تجار الرقيق، من بلاد أمريكا وأوروبا الى القارة الأفريقية، ويخطفون النساء والأولاد، ليبيعوهم عبيدا في بلادهم، وهم أحرار أولاد أحرار، وفيهم مسلمون نصارى.
٦- المرض:
"المرض" هو: " حالة تعرض للبدن، يزول بها اعتدال الطبيعة"، وهو سبب من أسباب العجز، فلذلك شرعت العبادات عليه بقدر مكنته، فيصلي المريض قاعدا أو مستلقيا، كما يستطيع، ويسقط عنه وجوب الصيام والحج، إن كان مرضه يعجزه عنهما، وهناك أحكام كثيرة تتعلق بهذا الموضوع، مبسوطة في كتب الفقه.
٧- الموت:
"الموت" شيء مخلوق، مناقض للحياة، قال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ .
следующие страницы →