← Общие книги

Общие книги · id 8313

أزمات الشباب أسباب وحلول

محمد أحمد كنعان

Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

إن شر "بلوغ دعوة الإسلام" الإنسان، ليكون مكلفا بالإيمان، هو قول عامّة العلماء، وقد خالف فيه من لا يعتدّ بخلافه، فمن لم يسمع بالإسلام مطلقا، ولم يصله خبر رسالة محمد ﷺ ، لم يكن مكلفا، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأمره الى الله، ولهذا كان واجبا على المسلمين أن يقوموا بتبليغ العالم كله رسالة الإسلام، ولا يجوز لنا أن نقاتل قوما لم تبلغهم دعوة الإسلام بأيّ وجه من الوجوه. فالمكلف بالإيمان هو: كلّ إنسان اجتمعت فيه هذه الشروط الأربعة، فإن آمن فقد اهتدى وفاز، وإن لم يؤمن فقد خاب وخسر خسرانا مبينا، و" الإيمان" هو بحد ذاته الشرط الأول لتكليف المسلم بالتكاليف الشرعية العملية كلها، كما سنبيّن، وهي المسألة التالية. *** ثانيا: شروط التكليف بالعبادات " العبادات" هي: الفرائض والواجبات الشرعية؛ التي أمر الله تعالى بها المؤمن، و" الشروط التكليف" بها تسمّى عند الفقهاء:" شروط الوجوب"، أي: الشروط التي يجب على المكلف فعل الأمر بتوفرها فيه. ففي " الصلا": يشترط لوجوبها على الإنسان، أن يكون: مسلما، بالغا، عاقلا، وأن تكون المرأة خالية عن حيض أو نفاس، فهي غير مكلفة بالصلاة أثناء ذلك، فلا قضاء عليها بعد حيضها. فتجب الصلاة وجوبا عينيا، على من توفرت فيه هذه الشروط، فيثاب على فعلها، ويعاقب على تركها، وعلى ترك غيرها من الفرائض أيضا. أما الكافر، فلا يطالب بالصلاة، ولا بغيرها من الفرائض في الدنيا، ولكنه سيعاقب على ترك الفرائض وفعل المحرمات، زيادة على العذاب جزاء كفره. وتجب " الزكاة" على: المسلم، الحرّ، مالك النصاب الشرعي بشروطه، فلا زكاة على "العبد" لانعدام الملكية، ولا يطالب بها الكافر في الدنيا، كما أشرنا، بل تؤخذ منه " الجزية" إن كان من أهلها، على نحو ما بيّنه الفقهاء.

стр. 37

ولم يشترط فريق من الفقهاء، البلوغ ولا العقل لوجوب " الزكاة"، فقالوا بوجوب "الزكاة" في مال الصبيّ والمجنون، يخرجها عنه وليّه. ويجب "الصيام" في شهر رمضان على: المسلم، البالغ، العاقل، الحر، المستطيع، على تفصيل في معنى الإستطاعة، مذكور في مواضعه، ليس هنا مجال بحثه. إن " التكليف" ليس شرطا للقيام بالواجبات فحسب، بل هو أيضا شرط لإقامة الحدودن ومعاقبة الجناة في حال وقوع عدوان على الدين، أو النفس، أو المال، أو العرض، أو العقل، فيشترط ـ مثلاـ لمعاقبة الجاني: أن يكون "مكلفا"، فلا يعاقب المجنون، ولا النائم، وكذلك الصبيّ قبل البلوغ. أما أمر الصبيّ دون البلوغ، بالصلاة والصيام وغيرهما، فليس لأنها واجبة عليه، بل ليتعلم أداءها، ويمارسها قبل سنّ الوجوب، فيألف العبادة ويحبها، فلا يتركها بعد البلوغ، وكذلك نهي الصبي عن فعل المحرّمات. وعلى كل حال: فإن أمر الصغير بالواجبات، ونهيه وزجره عن المحرّمات، واجب على وليّ أمره، بل هو من أهم واجبات الأبوين تجاه أولادهما، وهو عماد التربية الصالحة. ٣- طوارئ التكليف إن أهلية الإنسان قد تتعرّض لأمور طارئة، يفقد بسببها أهليته، لا يبقى مكلفا، وهذه الطوارئ تنقسم إلى قسمين هما: الطوارئ السماوية، والطوارئ المكتسبة، وإليك بيان ذلك: القسم الأول: الطوارئ السماوية يراد بالطوارئ السماوية، الأمور المعترضة على الأهلية، التي تصيب الإنسان المكلف، فيفقد بها أهليته، من دون أن يكون له فيها أيّ اختيار أو كسب، وأهمّ هذه الأمور ما يلي: ١- الجنون: عرّف علماء الأصول " الجنون" بأنه: " آفة باعثة للإنسان على أفعال تخالف مقتضى العقل، من غير ضعف في أعضاء المجنون". و" الجنون" قد يكون مطبقا، دائما مع الإنسان حتى الموت، وقد يكون متقطّعا، وقد يعرض مدة من الزمن، ثم يزول بالكليّة.

стр. 38

وفي مطلق الأحوال: فإن "الجنون" مناقض للتكليف، فلا مسؤولية على المجنون مطلقا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، كما ذكرنا في شروط التكليف بالإيمان. ٢- العته: " العته" بفتح العين والتاء هو: آفة توجب خللا في العقل، فيصير صاحبه مختلطا، يشبه بعض كلامه كلام العقلاء، وبعضه كلام المجانين، وكذلك جميع أفعاله، تكون على هذا النحو من الاختلاط، وسبب هذا الإختلاط: نقصان عقله. و" المعتوه" لا تجب عليه العبادات، ولا تثبت في حقه العقوبات، أما سائر تصرفاته، ففي أحكامها تفصيل ليس هنا موضع بسطه. ٣- النسيان: " النسيان" معروف، وقيل في تعريفه: إنه " أمر يعرض للعقل، فيصرفه عن تذكر مطلوب، أو: عن فعل أمر لازم"، وهو مغافر في حقوق الله تعالى، فلا يترتب على نسيان واجب من الواجبات الشرعية إثم، كمن نسي صلاة ثم ذكرها، فإن عليه أن يصليها حين يذكرها، ولا إثم عليه في هذا النسيان، لقوله ﷺ ، في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم، واللفظ للبخاري، عن أنس بن مالك، ﵁:" من نسي صلاة، فليصلّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك"، وعن إبراهيم النخعي قال:" من ترك صلاةواحدة عشرين سنة، لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة"، أي: لم يجب عليه سوى قضائها كما هي، صلاة واحدة ولو تركها من دون قضاء، عشرين سنة. أما في حقوق العباد، فلا يكون النسيان عذرا فيها، فمن أتلف مال إنسان ناسيا، ضمن له قيمته، ولكن لا إثم عليه، لما جاء في الحديث عن النبي ﷺ ، فيما رواه الطبراني عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ :" رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، أي: رفع عنهم الإثم، إن فعلوا محرما خطأ، أو: بالإكراه، وسيأتي تفصيل حكم " الإكراه" لاحقا، في "الطوارئ المكتسبة".

стр. 39

٤- النوم: "النوم" راحة للبدن، لقوله تعالى: ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ ، وهو من آيات الله تعالى، الذي خلق "النوم" وهو شبيه بالموت، ويسمّى: "الموتة الصغرى"، ليكون راحة لبدن الإنسان من عناء السعي والعمل، قال تعالى: ﴿ومن آياته منامكم بالليل﴾ . وقد عرّف علماء الأصول " النوم" بأنه:" عجز عن إستعمال القدرة لفترة عارضة"، فالإنسان النائم، لا يقدر على إستعمال حواسّه ليدرك المحسوسات، ولا يقدر أيضا على إستعمال نور العقل ليدرك المعقولات، ولا يقدر على أفعاله الإختيارية، كالقيام والقعود، والركوع والسجود. ويترتب على "النوم": تأخير الخطاب بأداء التكاليف، لوجود العجز، و"النوم" ينافي الإختيار أصلا، فلا عبرة بما يلفظه النائم من عبارات: الطلاق، والإسلام، والرّدّة، فمن طلّق زوجته وهو نائم، فلا يقع طلاقه، وإن أسلم كافر وهو نائم، فلا يعتبر إسلامه، وإن ارتدّ مسلم وهو نائم، فلا تعتبر ردّته، وقد جاء في الحديث الشريف الذي ذكرنا نصّه في "مرحلة الطفولة": أن القلم رفع عن النائم حتى يستيقظ. ويشبه "النوم" في كثير من أحكامه:" الإغماء" الذي هو: مرض يضعف القوى، ولا يزيل العقل، وهو أشد على القوى من النوم، لأن النائم إذا نبّه تنبّه، وليس كذلك المغمى عليه. ٥- الرّق: "الرّق" مشروع في الإسلام، ولا يكون إلا من سبايا القتال ضدّ الكفار، على نحو ما هو مفصّل في كتب الفقه، وقد شرع "الرّق" جزاء للكافر على كفره، لأن الكفار لما استنكفوا واستكبروا أن يكونوا عبيدا لله، فجازاهم الله تعالى بأن جعلهم عبيدا لعبيده. و"الرٌق": عجز حكمي، غير حقيقي، أي: إن الرقيق عاجز بحكم الشرع عن التصرفات، فهو مملوك ولا يملك، ولا تصح منه حجّة الإسلام، ولا تجب عليه صلاة الجمعة، وله أحكام أخرى مفصّلة في كتب الفقه.

стр. 40

ونؤكد هنا: أنه لا عبرة مطلقا بزعم من يزعم، أن " الرّق" في الإسلام، غير مشروع دائما، وأصحاب هذا الزعم، جاهلون بنصوص الآيات القرآنية، وبالأحاديث النبوية، وبأقوال الأئمة الفقهاء، الذين أجمعوا على أن "الرّق" مشروع ولا يزال، وسيظل مشروعا الى قيام الساعة، وإن لم توجد الدولة التي تجري أحكامه. أما الزعم بأن " الرق" ينافي كرامة الإنسان وحريّة الإنسان، فهو زعم مردود من وجهين: أحدهما: أن الكافر لا كرامة له أصلا، إذ كيف يكون كريما من أهانه الله تعالى القائل: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ ، والإنسان لا يكون كريما عزيزا إلا بالإيمان، وبغير ذلك فلا كرامة ولا عزة. وثانيهما: أن الذين يدّعون الغيرة على "حرية الإنسان"، و"حقوق الإنسان"، من الأمم الكافرة، وعلى الأخص الدول الغربية كافة، هم كاذبون في دعواهم، لأن تاريخهم حافل بالمخازي والإضطهاد ضد " الإنسان" وكرامة الإنسان، والعالم لم ينس بعد: كيف كان يذهب تجار الرقيق، من بلاد أمريكا وأوروبا الى القارة الأفريقية، ويخطفون النساء والأولاد، ليبيعوهم عبيدا في بلادهم، وهم أحرار أولاد أحرار، وفيهم مسلمون نصارى. ٦- المرض: "المرض" هو: " حالة تعرض للبدن، يزول بها اعتدال الطبيعة"، وهو سبب من أسباب العجز، فلذلك شرعت العبادات عليه بقدر مكنته، فيصلي المريض قاعدا أو مستلقيا، كما يستطيع، ويسقط عنه وجوب الصيام والحج، إن كان مرضه يعجزه عنهما، وهناك أحكام كثيرة تتعلق بهذا الموضوع، مبسوطة في كتب الفقه. ٧- الموت: "الموت" شيء مخلوق، مناقض للحياة، قال تعالى: ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير* الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ .

стр. 41

و"الموت" هادم لأساس التكليف، فينتهي به التكليف كله، ولا تكليف بعده مطلقا، بل هناك: حساب وجزاء.. فلذلك يطلب الإنسان الفاشل المقصّر أن يعود الى الدنيا، ليعمل صالحا كما قال : ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: ربّ أرجعون* لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون﴾ . *** القسم الثاني: الطوارئ المكتسبة "الطوارئ المكتسبة" هي: التي تكون بإختيار العبد وكسبه، وأهمّها ما يلي: ١- الجهل: "الجهل" كما عرّفه البعض هو:" إعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه" وهو ضدّ "العلم"، وإنما عدّ "الجهل" من العوارض المكتسبة، لأنه لما كان الإنسان قادرا على إزالته بتحصيل العلم، جعل كأنه اكتسبه. ولا شك في أن "الجهل" آفة خطيرة، لا يجني "الجاهل" منها سوى: البلاء والتخلف، وعمى القلب. وإن أسوأ أنواع الجهل وأضرّها هو: " جهل الكافر" بالله تعالى وصفاته وكماله، ووجوب الإيمان به ، فجهل الكافر باطل، ولا عذر له في كفره، لأنه مكابرة وجحود، بعد وضوح الدلائل على وحدانية الله تعالى، ورسالة الرسل، ولهذا سيعاقب في الآخرة بالعذاب الشديد الدائم أبدا، جزاء كفره وعناده، إذا مات على ذلك. و"الجهل" في أمور الدين، ليس عذرا للمسلم، مما هو معلوم من الدين بالضرورة، كأركان الإسلام، والجهاد.. فمن جحد أمرا من هذه الأمور، أو استباح واستحلّ محرّما لعينه، كالزنا وشرب الخمر، فهو كافر، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم. ولا عذر في "الجهل" إلا: لإنسان أسلم حديثا، حتى يمضي عليه وقت يمكنه فيه أن يتعلم أمور الدين، ولإنسان نشأ في بادية بعيدا عن الناس، فأمره كذلك، وما سوى ذلك فلا عذر بالجهل. ٢- الإكراه:

стр. 42

"الإكراه" هو:" حمل الإنسان على ما يكرهه، ول ايريد ذلك الإنسان مباشرته، لولا إكراهه عليه"، وقد اتعبر "الإكراه" من العوارض المكتسبة، لأنه واقع بالإختيار، من الغير على الغير، ولأن " المكره" هو أيضا، مخيّر من "المكره" بين أمرين، وبإمكانه أن يفعل أحدهما. ولا شك أن للإكراه تأثيرا على أهلية الإنسان "المكره" وقد استوفى العلماء بحث في هذا الموضوع، فقسّموا الأحكام المتعلقة بإجابة طلب "المكره"، أي: تنفيذ ما طلبه، إلى ثلاثة أقسام هي: القسم الأول ـ ما يكون العمل به فرضا: هناك حالات يجب على المكره، أن يفعل ما طلبه منه مكرهه ولو كان محرما، كأن يكرهه على أكل لحم الميتة أو شرب الخمر، وإلا فيؤذيه بما لا يطيق، ففي هذه الحالة يحب على المكره أن يلجأ الى الإجابة، فيأكل الميتة ويشرب الخمر، ولو صبر حتى مات عوقب عليه، لأنه كان قادرا على إنقاذ نفسه، فلم يفعل، بل ألقى بها في الهلاك، وإن أكل أو شرب فهو مثاب. القسم الثاني ـ ما يكون العمل به حراما: وهناك حالات أخرى لا يجوز إجابة طلب المكره، كأن يكون الإكراه على قتل النفس المعصومة، أو: على الزنا، فلا يجوز للمكره أن يقتل أو يزني، لأن فعل هذين الأمرين حرام، وفيه عدوان على الغير، بل عليه أن يصبر حتى يموت فيكون شهيدا، ولأن قتل المسلم، لا يحلّ لضرورة ما، كما أنه لا فضل لنفسه على نفس غيره، وكذلك "الزنا"، فهو محرّم لا يحلّ لأي ضرورة، فإن زنى ولو مكرها فهو آثم، وعليه حدّ الزنا، إذا توفّرت شروطه الشرعية. القسم الثالث ـ ما يكون العمل به جائزا:

стр. 43

وذلك كالإكراه على الكفر، بأي سبب كان، من أسباب الكفر، شرط أن يكون الإكراه ملجئا الى إجابته، فالمكره، هنا مخيّر، فإن شاء صبر وثبت، فإن قتل فهو شهيد، وإن شاء أجرى الكفر على لسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، إنقاذا لحياته، ولا مؤاخذة عليه، لقوله : ﴿من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾ . ٣- الهزل "الهزل" ضد " الجدّ"، وهو: ما يكون لعبا محضا من القول، وللعلماء في بيان أحكام "الهزل" تفصيل واسع بديع، ليس هنا موضع بسطه ولكن: يكفي أن نشير إلى أن "الهزل" يؤثر على بعض التصرفات فيبطلها، ولا يؤثر على البعض الآخر، فتصحّ مع "الهزل"، ومن أشهر هذه الأمور: ما ورد في الحديث الشريف، الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال:" ثلاث جدّهنّ جد، وهزلهنّ جدّ: النّكاح، والطلاق، والرّجعة" أي: مراجعة الزوجة بعد طلاق رجعي، فهذه التصرّفات صحيحة ومعتبرة، ولو كانت بالهزل فعلا. و"الهزل" في الرّدّة" كفر، أي: إذا تلفظ بألفاظ الكفر هزلا، يصير كافرا، وهذا أمر خطير يقع فيه كثير من الناس وهم جاهلون، وإليك بيانه: إن "الهزل" في التلفظ بألفاظ الكفر، أو بفعل ما هو كفر، كسجود لصنم، يعتبر ردّة وكفرا، ولو كان لا يعتقد بما يقول، لأن كفره، ليس يلفظ هزل به من غير إعتقاد، ولكنه كفر بعين الهزل"، لكونه استخفافا بالدين، وهو كفر، لقوله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون* لا تعتذروا اليوم قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ ، ولأن الهازل جادّ في نفس "الهزل"، مختار راض، فيكون هزله بذاته كفرا، سواء عليه أعتقد ما هزل به أم لم يعتقده.

стр. 44

ومن هذا القبيل: ما يعرف اليوم بـ "التمثيل" في المسرحيّات والأفلام ـ المسمّاة ـ دينية حيث يتقمّص الممثل شخصية أبي جهل وأبي لهب، ويطلق لسانه بالكفر.. والعياذ بالله تعالى.. زاعمين أن هذا "تمثيل".. وأيضا: هم يمثلون الفجور.. وشرب الخمور.. ويمارسون الدعارة أمام الناس.. كل ذلك بزعم:" التمثيل".. وبإسم الإسلام.. وهنا نسأل: هل "التمثيل" عذر شرعي، يبيح النطق بالكفر، وسب الرسول ﷺ ، والرقص العاري.. ومعانقة النساء.. وغير ذلك من المنكرات التي يرتكبونها؟؟.. إن الجواب معروف قطعا هو النفي مطلقا، ولكنّ هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ . لقد سبق في " الإكراه" بيان: أنه لا يجوز إجراء لفظ الكفر إلا للمكره، شرط أن يكون قلبه مطمئن بالإيمان،.. وما سوى ذلك فلا.. ونعوذ بالله من "الجهل".. و" آباء الجهل".. في كل زمان ومكان.. ٤- الخطأ: "الخطأ" لغة: ضد "الصواب"، وفي إصطلاح العلماء:" وقوع الشيء على خلاف ما أريد"، وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى، إذا حصل عن اجتهاد، فإن أخطأ "المجتهد" في الفتوى بعد إستفراغ جهده، لا يكون إثما، بل يستحق أجرا واحدا، لما جاء في الحديث الشريف، الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن عمرو بن العاص، ﵁: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر"، والمراد به: العالم المستجمع شروط الإجتهاد، لا الذي يحكم عن جهل، أو يخالف الحق الذي يعرفه.

стр. 45

ويصير " الخطأ" شبهة في العقوبة، فلا يأثم المخطئ، ولا يؤخذ بحدّ أو قصاص، كمن قتل إنسانا خطأ، لقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة وديّة مسلمة إلى أهله إلا أن يصّدّقوا﴾ ، وسبق في الكلام على "النسيان" ذكر الحديث الشريف:" رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه"، أي: رفع عنهم إثم المحرّم إذا فعلوه خطأ، أو نسيانا، أو إكراها، على نحو ما بيّناه في موضعه. ولكنّ " الخطأ" لا يكون عذرا في حقوق العباد، فإذا أتلف أحد مال آخر خطأ، وجب عليه الضمان، ووجبت الدية في القتل الخطأ كما ذكرنا. ٥- السكر: يقسّم الفقهاء أحكام "السكران" إلى قسمين: ١- إذا سكر بمباح: وذلك كشرب دواء مسكر كالبنج، أو: سكر من شرب الخمر مكرها، أو مضطرا، فحكم "السكران" هذا، حكم المغنى عليه، فلا يقع طلاقه، ولا تعتبر سائر تصرّفاته، وهذا مجمع عليه بين العلماء. ٢- إذا سكر بمحرّم: وذلك كشرب الخمر من غير إكراه ولا ضرورة، فإن جمهور الفقهاء يقولون بصحّة عبارته، في الطلاق والبيع والشراء، فيقع طلاقه على زوجته، ولكن لا تصحّ ردّته، فإذا ارتدّ السكران ولو سكر بمحظور، وتكلّم بكلمة الكفر، فلا يحكم بكفره، لأن الرّدّ عبارة عن تبدّل الإعتقاد، وهو غير معتقد لما يقول، بل هو لا يعي أساسا ما يقول، كالمغمى عليه. *** الشباب ١- أي "الشباب" نعني؟ ٢- دور "الشباب" في المجتمع. ١- أي الشباب نعني؟ ذكرنا في "مراحل حياة الإنسان"، أن مرحلة "الشباب" هي "مرحلة الأشدّ"، والتي تبدأ من سن البلوغ، على نحو ما بيّناه آنفا.

стр. 46

ونحن في كتابنا هذا، لا نريد أن نبحث في "مرحلة الأشدّ" كلها، بل سنركز الاهتمام على القسم الأول منها الذي يبدأ من سن " الخامسة عشرة"، حيث يكون الشاب والشابة في سن المراهقة، التي هي أخطر فترة في حياة الإنسان، وذلك لأن "الشاب" في هذه الفترة يكون إندفاعه قويا، ويتأثر سريعا بما يقرأ أو يسمع أو يشاهد، ولهذا كانت أزمات "الشباب" في هذه الفترة أكثر وأخطر. إننا نريد أن نرافق "الشاب" ـ ذكرا كان أو أنثى ـ منذ بداية بلوغه سنّ التكليف، متتبعين أحواله، مراقبين نموّه وتطوره، الجسدي والفكري والسلوكي، لنرشده وننصحه، لئلا يقع فريسة في أيدي الفاسدين، ولكي ينمو بفكره وجسده معا، نموا سليما صحيحا، يكون به إنسانا مثاليا، وفردا من أفراد المجتمع. ٢- دور الشباب في المجتمع إن "الشباب" هم: أساس المجتمع البشري، فإن صلحوا صلح المجتمعن وإن فسدوا كان المجتمع فاسدا، و"الشباب" غرس نما.. وأزهر.. وبدت تباشير ثماره.. وهم سيكونون القادة.. والحاكمون.. والضباط.. وكبار الموظفين.. والتجار، ورجال الأعمال.. والأساتذة والعلماء.. إلخ. فهلا أحسن توجيههم؟؟.. إن "الشباب" درر المجتمع، وجواهره الثمينة، وهم أكثر فئات المجتمع حبا للتضحية ولو بالنفس.. ولذلك كانت كلّ جيوش العالم من "الشباب"، وقامت "الثورات" بهم وعلى سواعدهم. وهم أكثر أتباع المرسلين عليهم الصلاة والسلام، كما قال الحافظ إبن كثير في تفسير آيات " أصحاب الكهف": ﴿فذكر تعالى أنهم ﴿فتية﴾ وهم:" الشباب"، وهم أقبل للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ، الذين عتو في دين الباطل، ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله شبابا، وأما المشايخ من قريش، فعامّتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل، وهكذا أخبر تعالى عن " أصحاب الكهف": أنهم كانوا فتية شبابا] ، فقال تعالى: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ .

стр. 47

و"الشباب" هم: ناقلوا التراث والأمجاد، من الآباء الى الأحفاد، وهم ذخر المجتمع وكنزه، فإذا أفلست الأمة من شبابها، فقدت وجودها وانهار كيانها، لذلك كان سيدنا محمد ﷺ يولي "الشباب" عنايته واهتمامه، فكان حريصا على استقرار نفوسهم بالزواج، لئلا يقعوا في الفواحش، فيفسدوا ويضيعوا وتتخطفهم المغريات والشهوات، روى الإمام مسلم، من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ :" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج، فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء"، و"الباءة": هي القدرة على تكاليف الزواج من مهر ونفقة، و"الوجاء" يعني به هنا: أن الصوم يكسر حدّة الشهوة. وقد بشّر النبي الكريم ﷺ "الشاب" الذي ينشأ في طاعة الله تعالى، بانه سيكون يوم القيامة آمنا في ظل عرشه الظليل، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال:" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله ، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقل: إني اخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه". ولا شك في أن " الشباب" هم المعنيّون أكثر من غيرهم، بعدد من هؤلاء الأصناف، وفي هذا اهتمام كبير بالشباب، وحرص شديد على دينهم وأخلاقهم، ودنياهم وآخراهم..

стр. 48

وما تولية رسول الله ﷺ ، للشابّ الفتى:" أسامة بن زيد"، ﵄، قيادة جيش فيه كبار الصحابة، إلا دليل على رغبته ﷺ في إعطاء "الشباب" حقهم، وعدم إهمال كفاءاتهم، وكان "أسامة"، ﵁ حينها، في العشرين من عمره، ولم يأبه النبي ﷺ باعتراض المنافقين، على توليته قيادة الجيش لصغر سنه، بل أكّد انه أهل للقيادة وكفء لها. وفي أيام حصار " الأحزاب" للمدينة، في السنة الرابعة للهجرة، خرج عمرو بن عبد ودّ، المعروف ببأسه وقوته، ودعا المسلمين الى المبارزة، فلم ينبر له أحد، ولم يأذن الرسول ﷺ ، إلا للشاب الفتى:" علي بن أبي طالب"، ﵁، بمبارزته، فبارزه وقتله. وما كتابنا هذا سوى قبسات من هدي الرسول المصطفى ﷺ ، نحاول بها أن نرشد شبابنا، وندلّهم على المنهج السليم، ونحذرهم من الإنحراف، والوقوع في حبائل الشياطين. *** أزمات الشباب ١- تقديم . ٢- الأزمات: عامة وخاصة. ١- تقديم تعتبر "أزمات الشباب" ـ ذكورا وإناثا ـ جزءا من أزمات المجتمع بجميع فئاته، ولكنها الأخطر والأضرّ من بين الأزمات كلها، لما للشباب من دور كبير في نهضة الأمة، كما ذكرنا في الفصل السابق. ولقد سبق أن بيّنا معنى: " الأزمة"، ولماذا اخترنا تسمية الكتاب بـ " أزمات الشباب"، وملخصه أن " الأزمة" هي: الشدة..ومعنى "الشدة" واسع، يشمل كل ما يضايق الإنسان، أو يضرّه أو يؤذيه، سواء أكان بفعله وكسبه هو، أم بفعل سواه وجنايته عليه. وإذا أراد أحد أن يعدّ " الأزمات"، ويحصي الضوائق والشدائد التي تحلّ بالناس، لما استطاع إحصاءها، لأنها ـ وللأسف ـ في عصرنا كثيرة جدا، وكذلك الأمر فيما لو أراد أحد تضنيفها وتبويبها، فإنه لن يصل إلى قرار واحد في هذا الموضوع، فيبقى الأمر بحسب النظرة.. والخبرة.. والإلهام ...

стр. 49

نقول هذا لنستبق به أي إعتراض، قد يدلي به معترض، على النتيجة التي توصّلنا إليها في تقسيم " الأزمات"، وفي تحديد أهمها وأخطرها على الشباب، كما سترى، فنحن لا نرى أن الطريقة التي سلكناها في هذا المجال هي الطريقة الوحيدة الفريدة، وأن ما سواها خطأ، بل إن عرضنا التالي للأزمات، ما هو إلا وسيلة، اعتمدناها على هذا النسق، لتبسيط المسائل، وتسهيل عرضها وبحثها وبيانها.. وفي مطلق الأحوال: فإن هذه هي وجهة نظرنا في هذا الشأن الخطير.. فإن كان لأحد غيرنا وجهة نظر أخرى فليدل بها، ليحصل التكامل والتعاون.. والله المستعان ... *** ٢- " الأزمات": عامّة، وخاصّة يمكن فرز " الأزمات" وقسمتها الى قسمين هما: " الأزمات العامة"، و" الأزمات الخاصة"، والفارق ما بين النوعين هو:" التسبب أو الكسب"، فما كان منها بكسب الإنسان على نفسه فهي:" أزمة خاصة"، كترك الصلاة، وشرب الخمور، فتارك الصلاة وشارب الخمر، هو الذي كسبت يداه هذا المنكر، وجنى به على نفسه، وسبّب لها الإثم واستحقاق العقاب. أما وقوع " الشباب" في " الضياع.." وتوجيههم التوجيه السيئ الفاسد، فذاك ليس من كسبهم في الأصل، بل هو من كسب سواهم من المسؤولين والمتسلطين على الأمة، وما الناس عامة و"الشباب" خاصة، سوى ضحية من ضحايا تلك التصرفات السيئة، لأولئك المتسلطين.. والجميع متضررون من هذه المصائب ـ كما هو مشاهد ـ فهي وأمثالها " أزمات عامة"، كما سنبين لاحقا.

стр. 50

ولا يفهمنّ أحد: أننا ننسب هذه "الأزمات" إلى جميع الشباب، وأننا نراهم جميعا متورطين فيها.. فهذا ليس مطابقا لمرادنا ولا للواقع.. فنحن نحسن الظنّ بالمسلمين عامّة، وبالأخص " الشباب" الذين نحبهم، ونحرص عليهم، ونريد لهم كل خير.. فهم إخواننا.. وأبناؤنا.. وحملة فكرنا وأمجادنا وتراثنا.. ولكنها "أزمات".. تحلّ بالمجتمع كالمرض الفتاك.. نحاول مع المصلحين.. مكافحتها وتحذير شبابنا منها، ليعوا الخطر ويجتنبوه.. ويصدّوه ويردّوه.. ويزيلوا أسبابه ومسبّبيه.. *** الأزمات العامة: أولا: الفراغ الفكري . ثانيا: تدني المستوى العلمي. ثالثا: الأزمات الإجتماعية: (أ) أزمة العمل. (ب) أزمة السّكن. (ج) أزمة الزواج. رابعا: التوجيه السيئ. الأزمات العامة بناء على المعنى الذي أشرنا إليه آنفا، في تحديد المراد بالأزمات العامة، فإن هذا النوع من " الأزمات" ينتج عن سوء تصرّف "الحاكمين"، أو إهمالهم لواجباتهم نحو الرعية، وأهم تلك الأزمات وأشدّها ضررا وسوءا في نظرنا هي التالية: أولا: الفراغ الفكري نعني بهذا العنوان: أنه.. لا هدف للشباب.. ولا رسالة.. ولا مسؤولية.. فإذا سئل أي شاب اليوم:" ما هو هدفك في الحياة؟!.." فبماذا سيجيب؟.. كلنا يعرف جوابه.. المألوف.. المعروف، إنه سيقول: هدفي: إكمال الدراسة الجامعية.. ثم.. وظيفة ... ثم زواج.. ثم عيشة هنيّة رغيدة.. وسيارة مرتبة.. إلخ. أصحيح: أن هذا هو هدف " الشاب" المسلم؟؟. أهذا هو الهدف السامي الذي لأجله خلق.. ولتحقيقه يسعى ويتعب..؟؟!.. إذن: فما هو الفارق ما بينه وبين الملحد.. والمشرك.. والفاجر..؟؟!!! ليس صحيحا كما يظنه الكثيرون من الشباب:" هدف".. فهم فهموا الأمور كما صوّروها لهم.. فهكذا علموهم في المدارس.. والمعاهد.. وهكذا لقنوهم عبر وسائل الإعلام.. فغرسوا في عقولهم: أن هدفهم الأخير.. والأعلى.. والأسمى.. هو: شهادة عالية.. أو: عليا.. ثم وظيفة.. محترمة.. براتب كبير.. إلخ.

стр. 51

إن "الوالد" منذ يدخل المدرسة في مرحلة الحضانة.. حتى يتخرّج من الجامعة ـ هذا إن أتيح له ذلك ـ ماذا يقال له؟؟ وفي أي شيء يطلب منه أن يفكّر؟..: يقال له: اهتمّ بنفسك ومستقبلك.. ولا تهتم بسواك.. فلا فائدة لك في ذلك.. أمّن لنفسك: الشهادة.. والوظيفة.. والراتب العالي.. والعروس.. والسيارة.. وعش حياتك.. ودع سواك.. يقال له: ماذا يعنيك أنت غير نفسك؟.. أمّا مصالح الأمة.. ودين الأمة.. وكرامة الأمة.. فليس ذلك شغلك.. يقال له: ذهبت أيام الفتوحات.. وحمل الإسلام الى العالمين.. فلست مسؤولا عن إيمان غيرك.. أو عدم إيمانه.. فاترك هذا الأمر للمشايخ.. وعلماء الدين.. يقال له: لست مسؤولا إلا بالدفاع عن وطنك.. وطنك هذا الصغير.. المسمى بـ "دولة.. كذا.."، فأنت لا تنتسب إلى غيره، فأنت: مصري.. نيجيري.. باكستاني.. تركي.. أرأيت؟؟.. فدافع عن "النظام".. لا عن سواه.. يقال له: المسلمون في العالم:" أمة واحدة".. وحّدهم " الدين".. وهم لا يزالون مسلمين.. وعدد دولهم تجاوزت الخمسين.. وكل "دولة.." تهتم برعاياها.. فلا تهتم أنت بغير أبناء وطنك الذي تجذّرت جذوره في أسفل الأرضين.. وشمخت الى الأعالي، من دون أن يقولوا له: من الذي رسم حدود تلك الدول؟.. ولماذا رسموها؟.. وما حكم الإسلام فيها؟.. يقال له: إن "اليهود"، قد احتلوا بلاد "فلسطين".. ونحن مع "أهل فلسطين".. إن صالحوا اليهود صالحنا معهم؛ وإن رفضوا الصلح وأرادوا الحرب.. فلن نحارب معهم.. فاترك "فلسطين" لأهلها.. وحافظ على بلدك..

стр. 52

يقال له: إن أجمل بلاد الدنيا: بلدك.. وإن أقدس بلاد الأرض: أرض بلدك.. وإن أعدل "الحاكمين" وأعظمعهم: هم حاكومك.. فحافظ على "وطنك.." المحدّد.. دون سواه.. وأعلن ولاءك المطلق لحاكمك.. دون سواه.. وإن شكوت من: الظلم.. والحرمان.. والكبت.. والإرهاب.. إلخ. فاعلم أيها المواطن: أن هذه الأمور التي تشكو منها، ما هي إلا إبر النّحل.. التي لا بد منها لمن يجني العسل..و" ضرب الحبيب زبيب".. كما قال المثل.. يقال له: أنت عندما ستدخل "الخدمة العسكرية"، أو تنتسبق الى "لجيش"، فأنت تقوم بواجب "وطني".. وواجب "قومي".. إذ أنت أولا: تحمي "النظام.." الذي لا مثيل له في الدنيت.. وثانيا.. وأخيرا.. أنت تخدم نفسك بخدمة "النظام..".. فاشكر ربك على هذه النعمة.. هذا بعض ما يحشون به أفكار "الشباب" في عصرنا.. فأين هو: "الهدف.."؟؟. وأين هي رسالة المسلم ومهمته؟؟.. وأين هو دور الأمة الإسلامية، التي جعلها الله شاهدة على الأمم كافة، بقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾ ، ومفهوم "الشهادة" هنا: هو الإشراف والتوجيه والإرشاد. أين هو هدف:" الجهاد في سبيل الله.." لنشر الإسلام وحمل هداه الى كل أنحاء العالم؟؟.. وهل يربّى "الشباب" في زماننا، كما ربّى رسول الله ﷺ أصحابه؟؟..

стр. 53

لقد كات التابعيّ الشاب:" قثم بن العباس بن عبد المطلب"، في مدينة "سمرقند" إحدى مدن جمهورية " أوزبكستان"، الواقعة حاليا تحت السلطة الشيوعية الروسية، وقبره فيها معروف، فما الذي أخرجه من "المدينة المنورة" في بلاد الحجاز.. ليموت في تلك البلاد البعيدة..؟؟.. إنه: "الهدف..".. إنه: نشر الإسلام.. إنه: الفتح.. فهو " شاب" لم يفهم الحياة تحصيل شهوات وتحقيق رغبات.. ولم يفهم " الإسلام" إلا: رسالة.. وهدى.. هكذا فهم المسلمون الإسلام.. وعلى هذا ربّوا شبابهم.. فتتالت أجيال من " الشباب"، كانوا حملة رسالة، وأصحاب " هدف".. ففتحوا البلاد شرقا وغربا، وأناروا الكون بنور الإسلام.. لقد كانت أمتنا قوية كريمة، عندما كان لها " هدف".. ولشبابها "غاية".. أما الآن فأوهموها بأن: لا هدف لنا.. وضيّعوا شبابنا.. وأطفأوا فيهم شعلة الحماس.. فصاروا على غير هدى يسيرون.. وإلى غير هدف يسعون.. بل وعكس " الهدف" المنشود يعملون.. وبإختصار نقول: شبابنا فارغ الفكر.. بلا رسالة ولا هدف.. إلا ما شغلوه به، ومن اهتمامه بنفسه، وبترتيب أمور معيشته، حتى انطبق عليهم قول الشاعر: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ثانيا: تدنّي المستوى العلمي "العلم نور"، و"النور" هدى وبصيرة ووعي، و"الجهل": ظلمات، وثمّة فرق كبير بين الأمرين، فهما لا يستويان مطلقا.. قال الله : ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ ، وقال تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير* ولا الظلمات ولا النور* ولا الظل ولا الحرور* وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ . وإن مستوى الوعي عند الإنسان، يتحدّد بمستواه العلمي، فكلما ازداد علما ازداد وعيا وفقها ومعرفة، لذلك أرشد الله تعالى رسوله محمدا ﷺ ، إلى طلب الزيادة في العلم فقال له: ﴿وقل ربّ زدني علما﴾ ، وهذا إرشاد للأمة كلها، وحثّ لها على تحصيل العلم، والاستزادة منه دائما.

стр. 54

و"الشباب" هم طلبة العلم في الغالب، فهم تلاميذ المعاهد والجامعات، وهم المتخرجون وحملة الشهادات، وهم حاملوا أمانة العلم، ومسؤولية تعليم الأجيال، فبمقدار علمهم يعلّمون، وعلى حسب مستواهم ومعرفتهم يدرّسون ويربّون، فكلما كان المستوى العلميّ لدى "الشباب" عاليا، كانت قدرتهم على الإعطاء أقوى وأكبر. لقد جزمنا من خلال عنوان هذا البند، بأن المستوى العلمي قد تدنّى وهبط، وهذا ما قد يستغربه الكثيرون، وربما اعتبروه غير صحيح.. مستندين في ذلك الى: وجود هذه الأعداد الكبيرة من المدارس والمعاهد والجامعات، على اختلاف اختصاصاتها العلمية، وإلى: الأفواج التي لا تكاد تحصى من الطلبة في بلاد المسلمين.. إن ردّنا على هؤلاء، لا ينطبق من معارضة في " أرقام عددية" للمعاهد والجامعات، أو: للطلبة والمتخرجين، فنحن لا نناقش في "الكم والعدد"، ولا ننكر وفرة دور التعليم، وكثرة المتعلمين، ولكننا بنينا حكمنا بتدنّي المستوى العلمي في عصرنا، على ما يسمّى بـ "النوعية.."، أي: على مستوى البرامج المقررة، والنتجية العلمية التي يحصل عليها الطالب في آخر المطاف، ونطرح بالتالي هذا السؤال: هل الشاب المتخرج بشهادة علمية ما، هو فعلا بالمستوى العلمي الصحيح لتلك الشهادة؟؟.. أي: هل حصّل ذلك الطالب علما يوازي مستوى الشهادة الورقية التي منحت له؟؟.. إننا لا ترى أن العلوم التي يحصّلها "الشباب"، هي بمستوى الشهادات التي تمنح لهم، ولا نرى أن " الشاب" المتخرج قد استوعب العلم الذي تخصص فيه، إلا ما ندر.. والنادر لا حكم له.. وهذه كارثة حلّت بالشباب، لا يد لهم فيها، ومكيدة دبّرت بحقهم، وهم لا يعلمون. نقول هذا، لا لنلقي اللوم والمسؤولية على " الشباب"، وإنما لنبين: أن " الشباب" هم الضحية، وأن الذين مسخوا.. البرامج.. والمقررات.. والمواد.. وساعات التدريس.. وسنوات التعليم.. لم يريدوا بالأمة من خلال شبابها إلا السوء والأذى.

стр. 55

فتحت شعار "التطوير" أو: "التحديث.."، مسخت المقررات، وطار العلم.. وحدث التجهيل المنظّم.. ضمن خطة خبيثة محكمة، أعدّها أعداؤنا ونفّذوها بدقة.. فصارت الدراسات عبارة عن "أخذ فكرة.." عن العلوم، لا أكثر ولا أقل، أي: مجرد تعرّف على العلوم المقررة، حتى العلوم الشرعية، لم تنج من أيدي العابثين، والقصد من ذلك كله: تخريج أفواج غير عالمة.. لا بعلوم الدين.. ولا بعلوم الدنيا.. ومعلوم كم الخطر كبير من مثل هؤلاء، على الأمة وأجيالها، وقد حذرنا النبي الكريم ﷺ من مثل هؤلاء، فيما رواه البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا". إننا نفتقد في " شبابنا" العلماء بحق في جميع العلوم، فأين علماء الدين؟؟.. وأين الأدباء والشعراء؟؟.. وأين الباحثون والمخترعون؟؟.. بل: وأين الضباط والعسكريون الأفذاذ؟؟. إننا نعجب كل العجب من واقعنا العلمي المتخلف.. وواقع الغرب العلمي المتقدم. ونحن المؤسسون للعلوم.. الروّاد في جميع المجالات والإختصاصات ... إننا نرى في بلاد العرب خاصة والمسلمين عامة، أن في طريق العلوم عوائق.. وحواجز.. بينما سبيل العلم في الغرب مفتوح على سعته.. ونرى "الامتحانات" أشبه بالألغاز.. لتعجيز الطالب. وتفشيله وإدخال اليأس من نفسه في قلبه.

стр. 56

وهنا نسأل: هل هكذا تعلم سلفنا وعلموا؟؟.. هل كانوا يعطون " الإجازة.." لأي " طالب"، كتب على أوراق "الإجابة" كلاما وافق السؤال، ولو من دون علم؟؟.. هل كانوا يلقنون الطلبة من كل علم مسائل منثورة، ومعلومات عامة متفرقة.. هل كانوا يمتحنون الطلبة بـ "المقروء.." من "المقرر.." فقط، وهو القليل من الكثير؟؟.. الجواب عن كل ذلك هو: لا.. لم يكن أمرهم كذلك، بل كان "العلم" يطلب من المهد الى اللحد.. وشعارهم: أعط العلم كلك ليعطيك بعضه. ومن طلب العلى سهر الليالي.. وكان الهدف الوحيد عندهم: طلب العلم لوجه الله تعتالى، وابتغاء رضوانه، فكان في علمهم كل البركة والخير، فنفعهم الله تعالى بعلمهم، ونفع لهم الأمة، وكانوا خير أمناء على حمل العلوم.. إلى الأجيال. لذلك ندعو الى تعديل جذري لأساسات التعليم، واعتماد مناهج ومقررات وافية، وإلى إعطاء الطلبة الوقت الكافي لدراستها وإتقانها، وإلى فتح أبواب العلوم على مصارعها أمام الطلبة، ومنحهم كل الرعاية والإهتمام، ليتخرّجوا "علماء" بكل معنى الكلمة. ثالثا: الأزمات الاجتماعية نعني بهذا العنوان ثلاث أزمات هي: أزمة العمل أزمة السكن أزمة الزواج. وذلك لأن "الشاب" ينشأ في "أسرة"، وأسرته تؤمن له "مصروفه".. و"مسكنه".. ويكون "عزبا".. لأنه لم يبلغ سنّ الزواج المألوفة، فهو في الغالب "طالب.." يتابع الدراسة، ولكنه فور تخرّجه، أو عندما يتوقف عن متابعة الدراسة، فإنه يتجه إلى البحث عن "عمل".. ليؤمن دخلا له.. ثم: منزلا.. ثم زوجة.. ليستقرّ ويعيش ... وهذا بديهي في كل إنسان، وأمر فطري، فطره الله عليه. لا شك في أن " الشباب"، وفي أول مواجهة لهم مع الواقع، يشعرون بوطأة " الأ. مة".. ويعرفون ما هي؟؟.. وما تحدثه في نفس الإنسان من حسرة وتعاسة، وتزداد حسرة الإنسان وتعاسته، إذا واجه "الأزمات" وحده، من دون أبوين يساعدانه. أو مسؤول يمدّ اليه يد العون ...

стр. 57

و"الشباب" في عصرنا يعانون من كل أنواع الأزمات، ومن جملتها " الأزمات الاجتماعية" التي ذكرنا أهمها وأخطرها، وهي: "العمل، والسكن، والزواج"، فمما لا شك فيه: أن الشاب في غالب الحال، لا يعرف ماذا يعمل.. وإن كان له اختصاص.. فلا يجد عملا.. إلا بعد جهد ووساطات، أما " الأجر".. أي الراتب والمعاش.. فهو أيضا همّ آخر، وأزمة أخرى، فغالبا ما يكون الأجر أو: الراتب دون حدّ الكفاية، بحيث لا يشعر هذا العامل أو الموظف، بالكفاية والسعادة في حياته أبدا، بل يظلّ أسير الحاجة، ليظل أسير صاحب العمل، أو: أسير الوظيفة، فهو يختار أهون الشرّين وأخف الضررين، لأنه إذا ترك العمل أو إستقال من تلك الوظيفة، فلن يجد عملا آخر، وإن وجد بعده عناء.. فلن يكون أجره وراتبه أعلى وأكبر.. أما "أزمة السكن".. فأمرها عجيب.. وكأن الدنيا ضاقت بأهلها وعلى أهلها.. ففي كل أنحاء العالم يوجد " أزمة سكن.."، مع وفرة الأموال والأرض في كثير من البلاد.. حتى بات الحصول على "مأوى.." ولو غرفة واحدة.. هدفا كبيرا.. وإن توفر للإنسان هذا الهدف.. فهو محظوظ.. أما " أزمة الزاج"، فهي مرتبطة بالأزمتين السابقتين، إذ لا زواج من دون عمل أو مسكن، ولكي ندرك خطر هذه الأزمة، فإن علينا أن نتذكر: كم الشاب وهو في مقتبل العمر يتمناه.. ويطلبه ويسعى إليه.. فهو حاجة شخصية دافعة.. ورغبة شديدة جعلها الله تعالى في الإنسان.. لبقاء النوع البشري، واستمرار التناسل الإنساني، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وهنا لا بد من التساؤل: ما هو سبب هذه الأزمات؟؟.. وما هو الحل والمخرج منها؟؟ وجوابنا عن ذلك بإختصار هو: أن الأزمات لا تكون إلا بسبب وجود خلل، ومعلوم أن الأنظكة المعمول بها في أكثر بلاد المسلمين في عصرنا، هي أنظمة وقوانين مستوردة من الخارج، فاشلة خاسرة، لا خير فيها للبشرية ولا فائدة، بل هي سبب كل الأزمات والمصائب التي تحل بالناس.

стр. 58

أما الحل: فهو بطرح جميع هذه المخلفات المستوردة من الأنظمة جانبا، ثم: بتطبيق احكام الإسلام كلها، في جميع مجالات الحياة، فعند ذلك يحسّ الناس بالسعادة، ويتوفر لهم الأمن، والإطمئنان، والسلام. ويكفي هنا أن نشير الى بعض ما يحظى به الناس من حكم الإسلام، وذلك بما كتبه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى إلى ولاته، قائلا لهم: [لا بد لكل مسلم من: مسكن يأوي إليه.. وخادم يكفيه مهنته.. وفرس يجاهد عليه عدوّه.. وأثاث في بيته.. فوفّروا ذلك كله.. ومن كان غارما فاقطوا عنه دينه..] . رابعا: التوجيه السيئ ينشأ الولد في أسرة، وفي مجتمع، وهو حين ولد، كان على الفطرة السليمة، صفحة بيضاء نقية، كله براءة وطهارة، في أقواله وتصرفاته كافة، حتى يتدخل في فكره وعقيدته وسلوكه متدخل، من أب، أو أم، أو: ولي لأمره، أو معلم، أو حاكم، أو صديق، فتزول تلك البراءة، في أكثر الأحوال، وتحلّ في الشباب عقيدة الأبوين، ويتأثر بأخلاق أستاذه، وتوجيه حاكميه المبثوثبواسطة وسائل الإعلام. إن "الشباب" في زماننا، واقعون تحت تأثير توجيه متعارض، متضارب، متناقض، ينتهي بهم الى الضياع والفراغ، فهم يقرأون في الكتب والمنشورات، ويسمعون ويشاهدون بأجهزة الإعلام، المرئية والمسموعة، جميع المتعارضات من الأفكار، فيطرح عليهم: عقائد الإيمان، وأقاويل الإلحاد والزندقة، من دون بتّ ولا فصل، وتلقى عليهم المعلومات مجترأة مبتورة، أو مشوهة مغشوشة. إنهم يسمعون عن "العدل" وعنه يقرأون.. لكنهم في الواقع لا يرونه، بل يرون: أن الحق دائما مع القوي.. مع زمرة الحاكمين.. وأعوان الحاكمين.. أما الضعيف.. والفقير.. ومن لا سند له.. فلا شيء له..

стр. 59

إنهم يقرأون ويسمعون عن " الآداب" العامة والخاصة، وعن " الأخلاق".. ولكنهم يفاجأون بما ينسف أسس الأخلاق والآداب، من مجلات وكتب "شهوانية" ـ جنسية ـ، وأفلام عربية.. نعم:"عربية".. مخزية كلها دعارة.. وسفالة ورذالة.. وحقارة.. ناهيك عن المسارح المليئة بالتهريج.. والمسخرة.. وهزء الناس بعضهم ببعض.. كل ذلك بإسم:" الفن".. وبئس "الفن".. فكيف سيستقيم شبابنا وشاباتنا في هذا الجو الموبوء؟؟!.. وكيف ستصلح أخلاقهم ... وهم في هذا الواقع يعيشون؟؟!.. إنهم يسمعون عن "الحرية".. حرية الوطن.. وحرية المواطن.. ولكنهم لا يرون من ذلك شيئا على أرض الواقع، لا يعانون من التسلط، والكبت، والحرمان، ويرون "الوطن" أسير قوى الشرق أو الغرب.. إن " الشباب" لا يجدون من يوجههم نحو الفضائل، ولا من يأخذ بأيديهم الى هدف سام، وغاية شريفة، ولا من يرشدهم الى سبيل الرشاد والخير، بل هم مبتلون بالتوجيه السيء، ومزاعم التربية والتعليم.. فهم كالضحية بين يدي الجزار.. إن " الشباب" غرس بستان أهمله أهله، وتركوه عرضة للطفيليات، من الحشرات والنباتات، فصارت كل غرسة منه، نهبا للطوارئ والعاديات، ولو أن أصحابه خدموه وحموه، واعتنوا به، لصار "جنة".. يجنون منها أشهى الثمرات وأطيب الفواكه.. فأين المربون؟؟.. *** الأزمات الخاصة القسم الأول: ترك الواجبات والطاعات. القسم الثاني: ارتكاب الفواحش وتعاطي الخبائث: ١) الزنا. ٢) الخمور. ٣) المخدرات. ٤) التدخين. ٥) الملاهي. الأزمات الخاصة أسلفنا في بداية هذا الفصل: أن " الأزمة الخاصة" هي: التي يطلبها الإنسان بإرادته هو وكسبه لها، فهو الذي يجنيها ويكسبها، مثل:" ترك الصلاة"..و" تعاطي المخدرات".. أما " الأزمات العامة" فهي التي لا يطلبها المجتمع، ولا يسعى إليها، بل تلقى عليه ويلزم بها، كما ذكرنا آنفا.

стр. 60

إن " الشباب" أكثر طبقات المجتمع تعرّضا للأزمات، بسبب توفر أسبابها فيهم، ففي "الشباب": كمال الصحة، وحدّة النشاط وهم أقل شغلا من غيرهم، وهذه الأمور هي مجلبة المفاسد والمتاعب، كما قال القائل: إن الشباب والفراغ، والجده مفسدة للمرء، أي مفسده فإذا كان الإنسلن: شابا، فارغا لا همّ عنده، ولا همّ له، نشيطا قوي الجسم، فقد استجمع أسباب الوقوع في المفسدة، إلا ما رحم ربي . لذلك جاء الإسلام بأحكام تملأ وقت الإنسان، وتصرفه عن التفكير في الفساد، وتحميه من إغراءات الهوى ووساوس الشيطان، كالصلاة.. وطلب العلم.. ودوام ذكر الله تعالى.. وصيام التطوع.. إلخ. واعتبر ذلك حصنا ودرعا، يحمي الإنسان المسلم من المفاسد كافة، كما قال في "الصلاة": ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ .. وقال سبحانه: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ . ولكي يظل " الشاب" في مأمن من الأخطار، فعليه: أن يبقى حذرا متنبها، واعيا فطنا، وأن يملأ فراغ وقته بالعمل الصالح، وأن يجتنب كل المثيرت والمهيجات، من مجلات وصور وأفلام وأغاني وأن يغضّ البصر ويحفظ الفرج. ومما يستحسن للشاب أن يفعله بالإضافة الى ما تقدم: أن لا يأوي الى فراشه الا عندما يغلبه النوم. وأن لا ينام على صوف، كجلد غنم، أو: ما اشتبه. وأن ينام على ذكر الله تعالى، بقراءة ما تيسر من السور القصار، والأوردة المأثورة. وأن ينهض من فراشه فور استيقاظه من النوم، من دون إبطاء. إن هذه الأمور عبارة عن دروع وإحتياطات، تجعل الشباب ـ إذا هم طبقوها ـ في مأمن من أخطار الأزمات، وأضرارها وعواقبها، ومن دونها لا يبقى للشباب حماية ولا وقاية، فتحل بهم الأزمات، ويقعون في المعاصي والسيئات. بعد هذا نعود الى بيان " الأزمات الخاصة"، والتي نرى: أنها تنحصر في قسمين إثنين هما: ترك الواجبات والطاعات، وفعل الفواحش والخبائث، فنقول: القسم الأول: ترك الواجبات والطاعات

стр. 61

مما لا شك فيه: أن العبادة رحمة للعبد، وعون على التصدي لكل سوء، وأنّ تركها خطر كبير، وكارثة شنيعة حلت به، وأزمة شديدة وقعت عليه. فالصلاة، عماد الدين، تركها " أزمة" من دون سك.. بل ومن أكبر الأزمات التي تحل بالمسلم، لأن من عرف مكانة الصلاة في الإسلام، وفضلها وعظيم ثوابها، وأنها أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله، وأنها حق الله تعالى على عبده الذي خلقه.. وسوّاه.. ورزقه.. وأنعم عليه لما لا يحصى من النعم.. وأنها مناعة للمسلم ضد الفساد، لأنها تنهى المصلي عن الفحشاء والمنكر، فإنه يدرك قيمة هذه العبادة، وأهميتها في حياته وآخرته، فلا يتركها من بلوغه سنّ التكليف، حتى ياتيه الموت، عملا بقوله تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾ . وبالمقابل: تظهر الأزمة الشديدة التي يقع فيها المسلم، إن هو ترك "الصلاة" عامدا، حيث يعرّض نفسه لغضب خالقه ، ولعقابه وعذابه، وسوء مصيره، وفي الوقت عينه، يجرّد نفسه من هذه الوقاية العظيمة، التي كانت تقيه الكثير من الفواحش والمنكرات، ويبقى عرضة للوقوع في كثير من الضلالات. و"الزكاة"، التي هي "قنطرة الإسلام"، ودرع المجتمع المالي، أليس تركها أزمة؟؟.. بل كارثة.. إن من أحاط علما بمكانة "الزكاة" في الإسلام، ودورها في إسعاد المجتمع ومساعدته، يعرف قيمة هذا اركن العظيم من أركان الإسلام، ويعرف أيضا: أن منعها عن مستحقيها وأصحابها، هو عدوان على حقوق الفقراء، وسائر المستحقين للزكاة، وبخل بحق الله تعالى وعباده، وأكل لذلك الحق بالباطل.

стр. 62

وعندما نتذكر: أن خليفة رسول الله ﷺ ، أبا بكر الصديق، ﵁، عندما أصرّ على مقاتلة الذين ارتدوا عن الإسلام، عقيب وفاة رسول الله ﷺ ، أصرّ على مقاتلة الذين تركوا الصلاة ومنعوا الزكاة، وأعلن ذلك قائلا: "والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة.."، ندرك كم كان رضوان الله عليه فقيها، وكم كان علما خبيرا. لقد كان الصّدّيق ﵁، يعلم: أن مجتمع الإسلام لا يقوم سليما، إلا بالصلاة والزكاة، وسائر أركان الإسلام، فلذلك أصرّ على قتال الجميع من دون هوادة، حتى أعاد الناس الى جادّة الصواب والحق، التي تركهم عليها سيدنا محمد ﷺ . أما "الصوم"، في شهر رمضان المبارك، ولمن شاء في غيره، فعبادة وطاعة، وقربة الى الله تعالى لا يعلم ثوابها إلا هو ، أفليس ترك الصيام في رمضان أزمة؟؟.. وألا يدلّ عدم الصيام من دون عذر مشروع، على ضعف نفس المفطر، وعلى حبّه لبطنه وشهوته؟؟!.. ألا يدلّ الإفطار في رمضان، على حيوانية بهيمية، تهبط بالإنسان المفطر هذا، إلى درك الحيوان الأعجم غير المكلف؟؟!.. إن إنسانا لا يصبر على تأخير وجبة طعام، من وقت الظهر حتى الغروب، ليس بإنسان.. لأن مزية الإنسان الأولى: أنه يتحكم هو بشهواته، لا أن تحكمه شهواته.. وأن يكون عقله سيّد هواه، لا أن يكون هواه أسير عقله.. وأن يؤثر الطاعة على المعصية، ورضاء الله تعالى على سخطه. و"الحج" ذاك الركن الجامع العظيم، الذي جعله الله تعالى للمسلمين نعمة ورحمة، والذي هو الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي يجتمع فيه المسلمون من كل بقاع الأرض، رغم ما فعله الأعداء بهم من تفريق.. وتمزيق.. وتفتيت. فترك "الحج": "أزمة".. و" أزمة" شديدة.. وخسارة كبيرة. . ولا نستطيع أن ننسى "الجهاد".. عنفوان الأمة الإسلامية.. وسبيل عزتها وكرامتها.. وباب المجاهدين الى "الجنة"..

стр. 63

إن " الجهاد" وسيلة من وسائل نشر الإسلام، وهداية العالم بنوره وهداه، عندما لا يكون أمامنا سبيل سواه، فإذا لم يكن تعطيل "الجهاد" أزمة.. فمتى تكون "الأزمة"؟.. وكيف؟؟.. وبأي شيء؟.. إن المسلمين لم يضعفوا إلا عندنا صرف "الشباب" عن "الجهاد"، وغمسوا في اللهو والشهوات.. فلقد بذل أعداؤنا قصارى جهودهم، ليقتلوا في شبابنا روح الجهاد، ومع الأسف.. فقد حققوا كثيرا مما أرادوا.. وإن قال قائل: كيف تقول هذا.. والشباب في كل بلاد الإسلام، مجندون للخدمة العسكرية في كل بلد؟؟. فإننا نقول لهذا السائل: هل ترى أنت أن هذه الجيوش المجنّدة، في بلاد الإسلام، هي للجهاد في سبيل الله؟؟!.. فإن كنت أنت ترى ذلك، فواأسفا عليك وعلى أمثالك.. إن ما ذكرناه في هذا القسم من " الأزمات الخاصة"، هو الأهم والأدهى والأمرّ.. وقد وقع الكثير من "الشباب" في " أزمة ترك الواجبات".. فتركوا الصلاة.. ومنع القادرون منهم الزكاة، وأفطروا في شهر رمضان، وتخلّف المستطيع منهم عن الحج.. أما الجهاد.. فلا تسل عنه.. بل ابحث عنه.. والمخرج لشبابنا من هذه الأزمات الخطيرة، لا يكون إلا بتوعيتهم، وحملهم على عبادة ربهم وخالقهم ، وإذكاء شعلة النور والإيمان في قلوبهم.. ونسأل الله تعالى أن يهدينا ويهديهم. القسم الثاني: إرتكاب الفواحش وتعاطي الخبائث لقد جمعنا في هذا العنوان بين: "الفواحش" و"الخبائث"، وذلك لأننا سنذكر في هذا القسم من " الأزمات الخاصة"، عددا من "الفواحش" الكبائر، وبعضا من "الخبائث"، التي لا تصل في خبثها الى حد "الفاحشة" الكبيرة، مع أننا نرى كلّ هذه الأمور " أزمات"، يتعاطاها كثير من الناس، والشباب منهم على الخصوص، فلذلك رتّبنا العنوان على هذا النحو، لنتمكّن من تحذير "الشباب" من تلك "الخبائث"، التي يحاول البعض التهوين من خطرها، والتقليل من آثار أضرارها وسوئها، ومن أهم " أزمات الشباب" في هذا المجال ما يلي:

стр. 64

١- الزنا: "الزنا": فاحشة، وكبيرة من كبائر الذنوب، بلا خلاف بين جميع الشرائع السماوية، فلم تبحه شريعة رسول، ولا حتى نظرية حكيم أو فيلسوف، إلا " الإباحيون"، وهؤلاء قوم ساقطون من عداد البشر، داخلون في تجمع البهائم.. فلا عبرة بهم، ولا قيمة لآرائهم.. إلا عند أشكالهم وأمثالهم.. ومبدأ طريق "الزنا"، يتسلسل من: النظرة المحرّمة.. كما قال الشاعر: نظرة.. فابتسامة.. فسلام.. فكلام.. فموعد.. فلقاء إن ما يدفع "الشاب" الى سلوك هذا الطريق، بدءا من النظرة.. وهلمّ جرا.. هو: تهييجه باتجاه المرأة، بالمهيّجات والمثيرات، من كتب.. وصور.. وأفلام.. وتوجيه سيئ.. كما ذكرنا في قسم " الأزمات العامة". فبسبب ذلك، ومع عدم وجود الوازع الديني، والرّادع الخلقي السليم، يميل " الشاب" مع هواه.. ولا يحسب حسابا للعواقب ولا للعقاب، فيغلبه شيطانه.. ويغريه.. فيقع في الفاحشة.. إن وقوع "الشاب" في "الزنا" أزمة خطيرة العواقب، لا يقلل من ضررها وخطرها إلا جاهل قصير النظر، أعمى البصيرة، غافل القلب، أما الإنسان الواعي البصير المستبصر، فإنه ينظر الى هذه تافاحشة نظرة عداوة وكره لها.. واشمئزاز منها.. ونفور عنها.. لأنه وإن كان ظاهرها متعة.. وقضاء شهوة.. فإن واقعها: سمّ دسّ في الدسم، وخزي وعار، وحسرة وندامة، ودناءة وحقارة، يترفع عنها المؤمن، وينأى بنفسه أن تتدنّس بها.. وصدق رسول الله تعالى القائل: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ . ومع ذلك، يحاول أهل الهوى، ودعاة الإباحيةن من الغربيين والمستغربين، أن يوهموا الناس، بأن العلاقة غير المشروعة، بين الرجل والمرأة، هي علاقة طبيعية، لا تستأهل هذا الإنكار، بل يرون أن تترك هذه العلاقة عل راحتها، ينشئها الرجل والمرأة متى شاءا، وأين أرادا.. فالأمر يعنيهما وحدهما، ولا يحق لأحد غيرهما، أن يتدخل في شؤونهما الخاصة..

стр. 65

ومن أجل تحقيق هدفهم هذا، المؤدي في النتيجة إلى إباحية كاملة في المجتمع، يشجّع أصحاب هذا الإتجاه، على كل ما يثير الشهوة، لدى الرجل والمرأة، فيشجعون الرجل على إبراز ما يثير شهوة المرأة، وعلى إستدراج المرأة بوسائل الإغراء كافة، لإيقاعها في شركه.. وبالمقابل: يشجعون المرأة على إبراز مفاتنها.. وإظهار أنوثتها.. واستدراج الرجل نحوها.. ولم يتوقف الأمر بهؤلاء عند هذا الحد، بل تجاوزه الى مستوى غريب.. عجيب.. هو: التعري الكامل المختلط، في النوادي، والمسابح، وأماكن اللهو.. وهم يقصدون بذلك كله، حمل الناس جميعا، رجالا ونساء، على تقليدهم.. وبالتالي على التجرد من إنسانيتهم.. وبشريتهم.. وتحويل حياتهم من حياة بشرية.. إلى عيشة بهيمية.. لقد ذكرنا هذا الاتجاه الشرير، لأنه أوسع باب للفتنة، يفتح على البشر، وعلى الشباب خاصة، وكم يعاني كثير من المسلمين.. ومن غير المسلمين أيضا، في بلاد الغرب، من تلك الإباحية التي لا تطاق ولا تحتمل.. إلا من استعصم.. واستعاذ بالله تعالى ولجأ إليه.. فبه سبحانه المستعان ... إن وقوع الكثير من "الشباب" في أزمة "الزنا"، ما هو إلا أثر من آثار هذه الموجة الإباحية، التي ظهرت في: أزياء النساء العاريات.. والاختلاط.. والخلط.. ورفع التكلّف بين الرجل والمرأة، وفي: المجلات الخلاعية، المنخلعة من كل خلق فاضل، وفي الأفلام الفاسدة المفسدة.. وفي مقدمتها: ما يسمّى بـ " الأفلام العربية".. التي دنّست شرف "العرب"..ونخوة "العرب".. وشهامة العرب".. فالعرب لم يكونوا هكذا: يمارسون الدعارة على رؤوس الأشهاد، وأمام أعين المشاهدين.. ويحثون الناس على تقليدهم.. ليتحرّروا من "التقاليد".. بل إن العرب حتى قبل الإسلام، كانوا مشهورين بالحرص على الأعراض، والشرف، وكانوا أهل مروءة ونخوة..

стр. 66

إن تخصيصنا "الشباب" بالقول هنا، لا يعني أن غيرهم من فئات المجتمع لا يزني، وأن "لزنا" محصور فيهم، فليس هذا هو قصدنا، ولكننا ونحن نبحث في " أزمات الشباب"، لا بدّ من ذكر ما يعانونه من تلك الأزمات، على وجه الخصوص، مع تسليمنا بأن في الشباب كثرة ساحقة، قد حفظها الله وأكرمها، فلم تتلوّث بفاحشة "الزنا"، ولم تقض وطرها بغير "الزواج" الذي شرعه الله . ٢- الخمور: إن "الخمور" ليست من الخبائث ولفواحش فحسب، بل هي:" أم الخبائث"، وهي محرّمة تحريما قطعيا لا خلاف فيه على الإطلاق، بل إنّ من لا يرى الخمر حراما، أو يحاول تفسير الآيات على هواه لإباحتها، فهو كافر.. والمسلمون هم وحدهم الذين يقاطعون الخمور مقاطعة تامة شاملة، لأن الله قد حرّم "الخمر" بعينها، وحرّم على المسلمين كل ما يتصل بها، من شرب، وإنتاج، وبيع، وشراء، وحمل، ونقل، وغير ذلك. وذلك عملا بأمر: "الاجتناب"، الوارد في قول الله : ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ ، و"الاجتناب" معناه: الابتعاد عن الشيء، وفد فصّل هذا المعنى الرسول الكريم، سيدنا محمد ﷺ ، فيما رواه عنه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبّان وغيرهم، عن عدد من الصحابة:" لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، ومبتاعها، وبائعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها". ومما هو معلوم شرعا: أن لشرب الخمر حدّا من الحدود، يعاقب به "الشارب"، وهو: جلده ثمانين جلدة، وهذا "الحد"، قد طبّق زمن رسول الله ﷺ ، واقيم على شارب الخمر من بعده أيضا، ولا يزال الحكم قائما، وإن عطّله الحاكمون..

стр. 67

أما في المجتمعات الأخرى، فإن الخمور تعتبر جزءا من حياتهم الاجتماعية، ومن أهم ضيافاتهم، وتوضع دائما في مقدمة ما يوضع على موائدهم، وهم يشربونها بشراهة ونهم.. ويسقونها نساءهم وأطفالهم.. ويزداد اهتمامهم بالخمور، في السهرات والحفلات، لأنهم إباحيوّن.. ماجنون، يحبون:"المرأة.. والكأس".. ومن المؤسف والمؤلم، كل الأسف وكل الألم، أن تنتشر "الخمور" في كثير من بلاد المسلمين، بموافقة السلطات الحاكمة وتشجيعها، بحجة تشجيع "السياحة".. واسترضاء " الأجانب".. فأدّى انتشارها في بلادنا إلى وقوع الكثيرين في الإدمان على شربها، ومنهم نسبة عالية من الشباب المراهقين، الذين استهوتهم الاعلانات.. وجذبتهم الاغراءات. إن "المسؤولين.." الذين يتوخون من نشر الخمور في المجتمع، استدرار أموال " الأجانب".. السكّيرين.. بحجة دعم "اقتصاد البلد.." ليسوا بالمسؤولين المدركين معنى المسؤولية، ولا أراهم إلا أفاعي، سلطهم أعداؤنا علينا، لتدميرنا من الداخل بشتّى الوسائل، ولتخريب أخلاق شبابنا، وإفسادهم وإغراقهم في الشهوات، لئلا يفكروا بالمثل العليا.. ولا بالقيم الإسلامية السامية.. إن "الشباب" ضحية مؤامؤة كبيرة، متعددة الوجوه والأشكال والأساليب، تنفّذها فئة متسلطة على مقدرات الأمة.. ومن أخطر وسائل هذه المؤامرة:"الخمور".. أيها الشاب: إذا أراد أعداؤكم أن يسكروكم.. بالخمور.. فأسكروهم أنتم بالصمود والوعي، وقولوا لهم: خاب فألكم.. فنحن لن نسعى بأنفسنا إلى دمار أنفسنا.. وردّدوا قول ابن الوردي رحمه الله تعالى: واترك الخمر إن كنت فتى كيف يسعى في جنون من عقل

стр. 68

وتذكروا أيها الشباب: أن أسلافنا من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي عنهم، ما صاروا بشرا حقا.. ولا شعروا بإنسانيتهم.. ولم يفتحوا الفتوح.. إلا بعد أن خرجوا من سكرات.. الخمور.. والجهل.. والعصبية.. فلا تعودوا أنتم الى تلك السكرات.. فتعودوا الى " الجاهلية".. ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ . ٣- المخدرات: تطلق "المخدرات" في عصرنا على أنواع معينة، مستخرجة من بعض المزروعات، وأهمها:"حشيش الكيف"، و"الأفيون"، و"الهيرويين"، و"الكوكايين"، وتعتبر "المخدرات" من أكبر المصائب التي حلت بالناس في عصرنا، فقد تفشى تعاطي هذه الخبائث، في طبقات المجتمع، تفشيا لم يسبق له مثيل، وتحاول جميع الدول، وبشتى الوسائل، مكافحة هذه الآفة، ومنع الناس عن تعاطيها.. إن الحكم الشرعي في "المخدرات" معروف، ألا إنه: التحريم المطلق لأي نوع منها، ولا عبرة بمحاولة البعض، التقليل من ضرر "المخدرات"، والتخفيف من حرمتها، ولا قيمة لزعمهم بكراهتها.. والأغرب: أن ثمة من يقول بإباحتها.. إن النصوص الشرعية، والقواعد العامة في الإسلام، متضافرة على وجوب صيانة: النفس، والعقل، والمال، والدين، والعرض، ولا شك في أن تعاطي المخدرات، عدوان عليها جميعا.. إن وباء تعاطي "المخدرات"، قد تفشى كما ذكرنا في أكثر طبقات المجتمع، وعلى الخصوص: في "الشباب"، فإن هذه العادة السيئة منتشرة في المدارس والجامعات، وعلى نطاق واسع، ينذر بخطر كبير على الأجيال، ومستقبل هذه الأجيال..

стр. 69

إن أزمة "المخدرات" لدى الشباب، قد نتجت عن الفراغ الفكري الذي يعانون منه، كما أشرنا آنفا، فالشباب الذين لا هدف لهم، ولا رسالة.. ولا قضية تشغل بالهم. وتملأ فراغهم.. سيبحثون في الغالب على وسائل غير مشروعة، تتلاءم مع الهوى، وتتوافق مع ميولهم وشهواتهم، ولا نستطيع أن نتجاهل وجود أولئك المتربّصين بنا.. المترصدّين لشبابنا.. فهم جاهزون لطرح البدائل.. ولن تكون بدائل خير ونفع، لا للشباب.. ولا للأمة.. فهم لن يطرحوا لنا الحلول المثلى.. ولن يدلّونا على سبيل الهدى والرشاد.. ولكنهم سيلقون بكل ثقلهم علينا.. لإغراقنا في الضساع.. وللإمعان في إفساد شبابنا.. وتدمير شخصيتهم ونفوسهم.. أليس كارثة كبيرة: أن نرى شبابنا في مقتبل العمر، طلبة جامعيين.. كالزهرات يتعاطون المخدرات؟؟!.. أليست مصيبة كبرى: أن نرى مراكز الجمارك، والأمن، في جميع الدول، مشغولة كل الشغل، في التفتيش عن "المخدرات".. أكثر من أي شيء آخر.. في حقائب المسافرين.. وأمتعتهم.. وسياراتهم.. وفي المعدة.. والأمعاء.. بل ويفتشون عنها في أدبار الرجال.. وفروج النساء..؟؟!!.. ألهذا الحد وهذا المستوى، يبلغ بنا الأمر، بحثا عن هذا "الغول.." الذي أرعب العالم؟؟!.. بينما خطره يزداد.. وضرره يستطير ويستثري.. إن علينا في مواجهة هذه الآفة، أن نحصّن المجتمع، ونوجّه "الشباب" التوجيه السليم، فنحن والحمد لله مسلمون.. وفي الإسلام علاج لكل داء.. وكيف نخاف من البلاء.. أيا كان.. طالما أننا مسلمون؟؟!.. ٤- التدخين: لا أريد هنا أن أناقش أقوال العلماء فيس "التدخين"، ولكنني سأكتفي بطرح سؤال واحد على أولئك الذين أباحوه.. ورخّصوا به.. هو: هل تعتبرون أيها الأفاضل، نبتة "التبغ والتنباك" هذه، من "الطيبات"؟؟.. لا أظن أن عاقلا يعتبر "التدخين" من "الطيبات"، بل: هو من "الخبائث"، وطالما أنها من "الخبائث"، فلا يهمني كثيرا الخوض في المسألة أكثر من ذلك..

стр. 70

وإن قال قائل: لماذا حكمت على "التدخين" بأنه: "خبائث"؟ وما هو الدليل؟.. قلنا: إن "التدخين" بإتفاق علماء الطب، سبب لأخطر الأمراض، ومنها:"السرطان".. وبعض أمراض الجهاز الهضمي والقلب. إن علماء الطب، وهم أصحاب الإختصاص، والمعتبر قولهم في هذا المجال، متفقون على أنه لا خير في التدخين مطلقا، وأنه لا ينجو مدخن من مرض.. بسببه.. فهل بعد هذا يبقى قول لقائل، أو زعم لزاعم بخلاف ذلك؟؟.. ثم: أليس "التدخين" من أسباب نتن الفم، كالثوم.. والبصل..؟؟.. والمدخن يؤذي الذين لا يدخنون برائحة فمه المنتنة.. ونحن نعلم من عملنا في "المحاكم الشرعية"، أن هناك حالات طلاق سببها: نتن رائحة الفم لدى أحد الزوجين، من جرّاء التدخين.. نعود بعد هذا إلى "الشاب"، ضحية " الأزمات" الأولى، فنقول: لقد تفشت عادة "التدخين" في "الشباب"، على نطاق واسع، وفي سن مبكرة جدا، وهذه أزمة خطيرة، وقع فيها "الشباب"، واستدرجوا إليها.. وبعد فوات الأوان.. حيث يكون "الشاب" قد أفسد جهازه التنفسيّ، وملأ رئتيه بالأوساخ والرواسب.. وأهم الأسباب التي تدفع الشاب الى التدخين: إغراء الأصحاب والأصدقاء.. الذين يدخنون.. إذ يعرضون عليه "السيجارة".. ويطلبون منه: أن ينفّخها.. في الهواء.. فلا يلبث أن يعتاد عليها، ثم يدمن على تدخينها.. ويساعد على ذلك " الإعلانات"، التي تبثها وتنشرها وسائل "الإعلام" عن "التدخين"، حيث يصوّرون "التدخين": متعة.. ونكهة.. وكأنه: شهد العسل.. أو: المنّ والسّلوى.. ومن المضحك المبكي: أن الدول التي تسمي نفسها "متحضرة".. تكتب على علب التدخين عبارة:" التدخين مضرّ بصحتك، ننصحك بعدم التدخين"، وأن بعض أجهزة الإعلام، تعرض "الدعاية.." للتدخين، ثم بعد ذلك، تظهر على الشاشة عبارة:" وزارة الصحة العامة تحذرك من التدخين.." أو: ما أشبه ذلك..

стр. 71

فطالما أن التدخين مضرّ بالصحة، بلا خلاف، فمن واجب الدول على الأقل: أن لا تروّج أجهزة الإعلام فيها، أمر بيعه وتعاطيه، وأن لا تغش الناس، وتغرّر بالشباب بهذه الأساليب المغرية، وهم في مقتبل العمر وريعان الشباب. ٥- الملاهي: نقصد بالملاهي: جميع وسائل اللهو، من سينما، ومسرح، وأغاني، وموسيقى، ورقص.. إلخ، ولا نريد تفصيل الأحكام الشرعية، المتعلقة بكل منها، لأن هذا الباب ليس لهذا الكتاب، وإنما أردنا من إثارة هذا الباب، أن ننبّه إلى الأضرار الكبيرة التي أصيب بها الناس، وعلى الأخص "الشباب"، من جرّاء هذه الملاهي. وهنا ينبغي أن نذكّر بأن الإسلام دين جدّ، وانضباط وعمل، وأن معيشة اللاهين العابثين ليست من أهلاق المسلمين، لأن المسلم يعرف قيمة الحياة، وقيمة عمره الذي كتبه الله له، فلا يضيّعه سدى، ولا يفنيه في اللهو والفجور.. لقد عمّ في عصرنا بلاء "الملاهي" فانتشرت "المسارح" و"السنمات"، تعرض على المشاهدين ما يسمى بـ "التمثيليات"، و"لمسرحيات" الفكاهية.. والمسليّة.. وعمّ أيضا "الغناء" و "الموسيقى"، من خلال أجهزة البثّ الإذاعي والتلفزيوني، بهدف إفراح الناس.. وإطرابهم.. وكثر في المجتمعات "الرّقص"، الشرقيّ منه والغربيّ.. وصار الراقصون والراقصات ينبارون فيه، ويعتبرونه "فنّا" من الفنون.. بل: "فنا" رفيعا. هكذا يقولون في هذه "الملاهي".. وهكذا يزعمون.. والله يعلم إنهم لكاذبون.. إننا نسأل هؤلاء الذين يروّجون هذه المفاسد: ما انتفعت الأمة من ملاهيكم هذه؟؟.. هل عزّزتم بها الأخلاق والشيم؟؟.. هل رفعتم مستوى الشعب الثقافي؟؟.. هل غرستم بها في نفوس الشباب فضيلة.. ولو واحدة؟؟.. ماذا فعلتم أيها الفنانون.. الفتانون.. المفتونون؟؟.. إنكم والله لم تقدموا برقصكم، وأغانيكم، وأفلامكم، وموسيقاكم، للأمة إلا البلاء والأذى، وإننا نتحداكم أن تأتوا بأغنية واحدة لكم، ليس فيها تهييج للشهوات.. أو إفساد للشباب والبنات..

стр. 72

هل خدمتم الأمة بتعشيق البنات بالأسمر.. والشباب بالسمراء..؟؟ هل خدمتم الأمة بعري الراقصة، واهتزازاتها، المثيرة للشهوات..؟؟.. أبهذا خدمتم الشعب؟؟.. أم بأفلامكم الخليعة البائخة.. التي لا تصوّر عالم البشر.. بل عالم البهائم..؟؟.. هل مات فيكم الإحساس، فلم تشفقوا على "الشباب" المتفجر نشاطا وقوة، وعلى "الشابات" المعتصمات بالحياء الضاغط على عواطفهنّ، فقدمتم لهم جميعا كل المشاهد، المثيرة لكوامن الشهوة عندهم؟؟.. إنكم يا أهل "الفن" تزعمون أنكم تعالجون قضايا "الحب"، ومتى كان علاج "الحب" بين الرجل والمرأة يتم على نحو ما تفعلون؟؟.. هل من الضروري: أن نعلم الرجل كيف يعشق زوجة أخيه..؟؟!. وأن نعلم المرأة كيف تعشق شقيق زوجها؟؟.. وأن نعلّم الشاب والشابة كيف يتبادلان عبارات الإعجاب؟؟ وأنتم تعلمون: أن الناس يعيشون معا، أهلا وأقارب، فكأنكم تقولون للناس: هكذا افعلوا.. وتزرعون في أفكارهم بذور الشك وسوء النية. هل من الضروري، هذا الذي أفسدتم به أخلاق شبابنا وبناتنا؟؟.. ومع ذلك تزعمون بكل وقاحة أنكم "فنانون".. وما أنتم والله إلا: "فتانون..".. "مفتونون..".. مأجورون.. لقد انساق السواد الأعظم من"الشباب"، مع هذه الموجة العاتية من "الملاهي"، فصار " الغناء" لهم عادة، يسمعون المطربين والمطربات، ليلا ونهارا، فطمس على قلوبهم، فنسوا ذكر الله ، وانصرفوا الى أبواب "المسارح والسينمات"، عوض " المساجد".. ومجالس العلم والدين.. وصار مثلهم الأعلى الذي به يعجبون، وله يقلدون: "مطرب" مشهور".. أو "مطربة" محبوبة.. فانخلعت قلوبهم للهو والغناء، وانشغلت بالموسيقى.. والرقص.. إلخ ...

стр. 73

نحن نعلم: أن هذه الموجة من المفاسد الفنية هذهن لم تنتشر كلّ هذا الإنتشارن لولا وجود الدعم والتأييد، من الدول والمؤسسات الرسمية، التي وضعت تحت تصرّف هؤلاء المفتونين، جميع وسائل الإعلام، ومنحتهم الأوسمة والمنح المالية الكبيرة، وبرّزتهم في المجتمع، حتى صار "المطرب" أو: "المطربة"، و "الفنان" و"الفنانة"، هو المثل الأعلى الذي يتطلع إليه النشء، وصاروا بدل أن يتمنوا أن يكونوا: علماء.. باحثين.. مخترعين.. إذا بهم يتمنون أن يكونوا.. فنانين.. ولقائل يقول: هل معنى قولك هذا أنك ضدّ الترفيه عن النفس، وضدّ "الفن"؟؟ نقول: ليس هذا الذي نكشف الستر عنه من المخازي ترفيها عن النفس، ولا هو بالفن.. بل هو حرق للنفس.. وإفساد لها.. وبعيد كل البعد عن معنى: " الفن".. إن "السعادة" ليست بلحس المبرد.. ولا بحكة الجربان.. ولا بتعليم الناس أسباب الفساد، ووسائل الإغراء والفتنة.. ولكنّ "السعادة" الحقيقية، هي سعادة القلب واطمئنانه.. واستقرار النفس وراحتها.. وأن ينام الإنسان مطمئنا.. ويستيقظ مطمئنا.. فهل هذا الفن المزعوم، يحقق للإنسان هذا الإطمئنان؟؟.. *** ملحق ١- أزمات الأطفال. ٢- أزمات الشيوخ. ٣- أزمات المرأة. ٤- أزمات المعوقين. هناك فئات أخرى في المجتمع لها أزماتها، وهي أزمات قاسية شديدة، أردنا أن نشير إليها بإيحاز، ومع أن كتابنا هذا ليس مخصصا للبحث في أزمات غير الشبابن وذلك لأن أزمات المجتمع مترابطة، يجمعها كلها كونها "مصائب"، أصابت الناس، فأضرّتهم وأذلتهم، كما أن أسبابها متشابهة، وكثيرا ما تكون واحدة، وبالتالي فإن علاجها وسبل الخروج منها واحدة أيضا.. وسنتناول في هذا "الملحق" "الأزمات" التالية: أولا: أزمات الأطفال الطفل أمانة في عنق الوالدين، يجب عليهما أن يحسنا تريته، وتعليمه، حتى يشبّ مسلما صالحا، ولكن الكثيرين من الآباء والأمهات، يهملون أطفالهم، ويفشلون في حمل مسؤوليتهم، وهذه نماذج من هؤلاء الناس:

стр. 74

أ) الأب السّكّير أو المقامر الذي أدمن على لعب القمار ، أو المراهنة على سباق الخيل، لا يهتم بأولاده، بل يحرمهم الطعام، والدواء، والكساء، والتعليم، ليقامر ويعاقر الخمر، بل إنّ منهم من يبيع أثاث بيته ويحرم منه أولاده، لإشباع رغبته الفاسدة هذه. ب) هناك آباء قساة القلوب، لا يرحمون أولادهم ، ولا يشفقون عليهم، فيضربونهم ضربا مبرّحا، لأتفه الأسباب، بحجة: أنهم يربّونهم.. ج) أطفال الناس البخلاء، هم ضحية بخل خانق ، من وليّ أمرهم، فالأب البخيل، يحرم أطفاله من أدنى مستويات العيش، فهم لا يشعرون لبخله، بسعادة.. ولا هناءة.. وهم يشتهون القمة.. وحبّة الفاكهة.. والثوب.. ولحذاء.. نقول هذا في الأطفال الذين لهم آباء.. فماذا عسى نقول في أولئك الأطفال "الأيتام".. أو أولئك الأطفال "اللقطاء"؟؟. إن " الأيتام" الفقراء، يعانون أكثر من أزمة، فهم بعد فقد الأب، وهو الوليّ والمنفق، لا يجدون في المجتمع الكفالة الصحيحة، بلا منّ ولا أذى، فلا دولة تهتم بيتيم، ولا سلطة تسأل عنه، بل ترك المسؤولون المسؤواية.. فضاع بسبب ذلك أصحاب الحقوق.. ومنهم "الأيتام".. ولا تكفي مؤسسات "الرعاية الإجتماعية" أو: "دور الأيتام"، لسدّ حاجة أيتام المجتمع، وكفايتهم ورعايتهم، فإن تلك المؤسسات لا تقوم فعلا بكفاية اليتيم الكفاية الكاملة، من تعليم لائق.. حتى أعلى مستويات التعليم.. مثلما يتعلم سائر الأولاد، مع العلم بأن في " الأيتام" نوابغ.. ولكنهم مهملون.. لأنهم: أيتام..

стр. 75

أما الأطفال "اللقطاء"، وهم الذين يلقون في الشوارع وعلى المزابل.. ولا يعرف أهلهم.. فإن حالهم أسوأ وأضيع.. فهؤلاء إذا توفرت لهم مؤسسة تؤويهم، فإنهم لا يحظون بتابعية الدلوة ـ أي: الجنسية ـ ولا يمنحون بطاقة الدولة ليعتبروا من رعاياها.. فيكبرون وهم معزولون في المجتمع.. يعاملون معاملة غير لائقة.. ويشعرون في أنفسهم بالحسرة والغربة.. مع أنهم لم يكتسبوا إثما بوجودهم في الدنيا.. وإنما الإثم على من ألقاهم على أرصفة الشوارع.. ثانيا: أزمات الشيوخ نعني بالشيوخ هنا: الناس الذين أدركهم الهرم والعجز والمرض، فقعد بهم ذلك عن القيام بحاجاتهم، ونشير أيضا إلى أن إكرام ذي الشيبة المسلم، هو: من إجلال الله ، كما جاء في حديث أبي داود عن أبي موسى الأشعري، ﵁، عن النبي ﷺ . وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين مطلقا.. وخصّص حالة "الكبر" فقال : ﴿إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرا﴾ . ومن أصعب أزمات هؤلاء الشيوخ: - أن لا يتوفر للأبوين منهم، ولد صالح يحسن إليهما، ويكرمهما، ويعتني بهما في أيام عجزهما وضعفهما. - أن لا يتوفر للعجز، وعلى الأخص: الفقراء منهم، من يؤويهم ويرعاهم ويهتم بهم.. نعم: هناك دور للعجزة، تقوم بهذه المهمة.. ولكنها لا تستطيع أن تؤوي كل العجزة.. لانعدام المقدرة المالية.. كما هو معلوم.. فيبقى كثير من العجزة مهملين، لا يجدون من البشر مساعدا.. إلا من رحمه الله تعالى بجار صالح.. أو مؤسسة بواسطة.. - عدم إستطاعة كثير من هؤلاء العجزة والشيوخ، تأمين الأدوية المطلوبة، لمعالجة أمراضهم المتكاثرة.. بل إن كثيرا منهم لا يجد ما يسدّ به رمقه.. ولا من يسأل.. ثالثا: أزمات المرأة
следующие страницы →