← Общие книги

Общие книги · id 8313

أزمات الشباب أسباب وحلول

محمد أحمد كنعان

Полный текст (85 стр.). Показаны 71–85 · переход к 76.

стр. 71

فطالما أن التدخين مضرّ بالصحة، بلا خلاف، فمن واجب الدول على الأقل: أن لا تروّج أجهزة الإعلام فيها، أمر بيعه وتعاطيه، وأن لا تغش الناس، وتغرّر بالشباب بهذه الأساليب المغرية، وهم في مقتبل العمر وريعان الشباب. ٥- الملاهي: نقصد بالملاهي: جميع وسائل اللهو، من سينما، ومسرح، وأغاني، وموسيقى، ورقص.. إلخ، ولا نريد تفصيل الأحكام الشرعية، المتعلقة بكل منها، لأن هذا الباب ليس لهذا الكتاب، وإنما أردنا من إثارة هذا الباب، أن ننبّه إلى الأضرار الكبيرة التي أصيب بها الناس، وعلى الأخص "الشباب"، من جرّاء هذه الملاهي. وهنا ينبغي أن نذكّر بأن الإسلام دين جدّ، وانضباط وعمل، وأن معيشة اللاهين العابثين ليست من أهلاق المسلمين، لأن المسلم يعرف قيمة الحياة، وقيمة عمره الذي كتبه الله له، فلا يضيّعه سدى، ولا يفنيه في اللهو والفجور.. لقد عمّ في عصرنا بلاء "الملاهي" فانتشرت "المسارح" و"السنمات"، تعرض على المشاهدين ما يسمى بـ "التمثيليات"، و"لمسرحيات" الفكاهية.. والمسليّة.. وعمّ أيضا "الغناء" و "الموسيقى"، من خلال أجهزة البثّ الإذاعي والتلفزيوني، بهدف إفراح الناس.. وإطرابهم.. وكثر في المجتمعات "الرّقص"، الشرقيّ منه والغربيّ.. وصار الراقصون والراقصات ينبارون فيه، ويعتبرونه "فنّا" من الفنون.. بل: "فنا" رفيعا. هكذا يقولون في هذه "الملاهي".. وهكذا يزعمون.. والله يعلم إنهم لكاذبون.. إننا نسأل هؤلاء الذين يروّجون هذه المفاسد: ما انتفعت الأمة من ملاهيكم هذه؟؟.. هل عزّزتم بها الأخلاق والشيم؟؟.. هل رفعتم مستوى الشعب الثقافي؟؟.. هل غرستم بها في نفوس الشباب فضيلة.. ولو واحدة؟؟.. ماذا فعلتم أيها الفنانون.. الفتانون.. المفتونون؟؟.. إنكم والله لم تقدموا برقصكم، وأغانيكم، وأفلامكم، وموسيقاكم، للأمة إلا البلاء والأذى، وإننا نتحداكم أن تأتوا بأغنية واحدة لكم، ليس فيها تهييج للشهوات.. أو إفساد للشباب والبنات..

стр. 72

هل خدمتم الأمة بتعشيق البنات بالأسمر.. والشباب بالسمراء..؟؟ هل خدمتم الأمة بعري الراقصة، واهتزازاتها، المثيرة للشهوات..؟؟.. أبهذا خدمتم الشعب؟؟.. أم بأفلامكم الخليعة البائخة.. التي لا تصوّر عالم البشر.. بل عالم البهائم..؟؟.. هل مات فيكم الإحساس، فلم تشفقوا على "الشباب" المتفجر نشاطا وقوة، وعلى "الشابات" المعتصمات بالحياء الضاغط على عواطفهنّ، فقدمتم لهم جميعا كل المشاهد، المثيرة لكوامن الشهوة عندهم؟؟.. إنكم يا أهل "الفن" تزعمون أنكم تعالجون قضايا "الحب"، ومتى كان علاج "الحب" بين الرجل والمرأة يتم على نحو ما تفعلون؟؟.. هل من الضروري: أن نعلم الرجل كيف يعشق زوجة أخيه..؟؟!. وأن نعلم المرأة كيف تعشق شقيق زوجها؟؟.. وأن نعلّم الشاب والشابة كيف يتبادلان عبارات الإعجاب؟؟ وأنتم تعلمون: أن الناس يعيشون معا، أهلا وأقارب، فكأنكم تقولون للناس: هكذا افعلوا.. وتزرعون في أفكارهم بذور الشك وسوء النية. هل من الضروري، هذا الذي أفسدتم به أخلاق شبابنا وبناتنا؟؟.. ومع ذلك تزعمون بكل وقاحة أنكم "فنانون".. وما أنتم والله إلا: "فتانون..".. "مفتونون..".. مأجورون.. لقد انساق السواد الأعظم من"الشباب"، مع هذه الموجة العاتية من "الملاهي"، فصار " الغناء" لهم عادة، يسمعون المطربين والمطربات، ليلا ونهارا، فطمس على قلوبهم، فنسوا ذكر الله ، وانصرفوا الى أبواب "المسارح والسينمات"، عوض " المساجد".. ومجالس العلم والدين.. وصار مثلهم الأعلى الذي به يعجبون، وله يقلدون: "مطرب" مشهور".. أو "مطربة" محبوبة.. فانخلعت قلوبهم للهو والغناء، وانشغلت بالموسيقى.. والرقص.. إلخ ...

стр. 73

نحن نعلم: أن هذه الموجة من المفاسد الفنية هذهن لم تنتشر كلّ هذا الإنتشارن لولا وجود الدعم والتأييد، من الدول والمؤسسات الرسمية، التي وضعت تحت تصرّف هؤلاء المفتونين، جميع وسائل الإعلام، ومنحتهم الأوسمة والمنح المالية الكبيرة، وبرّزتهم في المجتمع، حتى صار "المطرب" أو: "المطربة"، و "الفنان" و"الفنانة"، هو المثل الأعلى الذي يتطلع إليه النشء، وصاروا بدل أن يتمنوا أن يكونوا: علماء.. باحثين.. مخترعين.. إذا بهم يتمنون أن يكونوا.. فنانين.. ولقائل يقول: هل معنى قولك هذا أنك ضدّ الترفيه عن النفس، وضدّ "الفن"؟؟ نقول: ليس هذا الذي نكشف الستر عنه من المخازي ترفيها عن النفس، ولا هو بالفن.. بل هو حرق للنفس.. وإفساد لها.. وبعيد كل البعد عن معنى: " الفن".. إن "السعادة" ليست بلحس المبرد.. ولا بحكة الجربان.. ولا بتعليم الناس أسباب الفساد، ووسائل الإغراء والفتنة.. ولكنّ "السعادة" الحقيقية، هي سعادة القلب واطمئنانه.. واستقرار النفس وراحتها.. وأن ينام الإنسان مطمئنا.. ويستيقظ مطمئنا.. فهل هذا الفن المزعوم، يحقق للإنسان هذا الإطمئنان؟؟.. *** ملحق ١- أزمات الأطفال. ٢- أزمات الشيوخ. ٣- أزمات المرأة. ٤- أزمات المعوقين. هناك فئات أخرى في المجتمع لها أزماتها، وهي أزمات قاسية شديدة، أردنا أن نشير إليها بإيحاز، ومع أن كتابنا هذا ليس مخصصا للبحث في أزمات غير الشبابن وذلك لأن أزمات المجتمع مترابطة، يجمعها كلها كونها "مصائب"، أصابت الناس، فأضرّتهم وأذلتهم، كما أن أسبابها متشابهة، وكثيرا ما تكون واحدة، وبالتالي فإن علاجها وسبل الخروج منها واحدة أيضا.. وسنتناول في هذا "الملحق" "الأزمات" التالية: أولا: أزمات الأطفال الطفل أمانة في عنق الوالدين، يجب عليهما أن يحسنا تريته، وتعليمه، حتى يشبّ مسلما صالحا، ولكن الكثيرين من الآباء والأمهات، يهملون أطفالهم، ويفشلون في حمل مسؤوليتهم، وهذه نماذج من هؤلاء الناس:

стр. 74

أ) الأب السّكّير أو المقامر الذي أدمن على لعب القمار ، أو المراهنة على سباق الخيل، لا يهتم بأولاده، بل يحرمهم الطعام، والدواء، والكساء، والتعليم، ليقامر ويعاقر الخمر، بل إنّ منهم من يبيع أثاث بيته ويحرم منه أولاده، لإشباع رغبته الفاسدة هذه. ب) هناك آباء قساة القلوب، لا يرحمون أولادهم ، ولا يشفقون عليهم، فيضربونهم ضربا مبرّحا، لأتفه الأسباب، بحجة: أنهم يربّونهم.. ج) أطفال الناس البخلاء، هم ضحية بخل خانق ، من وليّ أمرهم، فالأب البخيل، يحرم أطفاله من أدنى مستويات العيش، فهم لا يشعرون لبخله، بسعادة.. ولا هناءة.. وهم يشتهون القمة.. وحبّة الفاكهة.. والثوب.. ولحذاء.. نقول هذا في الأطفال الذين لهم آباء.. فماذا عسى نقول في أولئك الأطفال "الأيتام".. أو أولئك الأطفال "اللقطاء"؟؟. إن " الأيتام" الفقراء، يعانون أكثر من أزمة، فهم بعد فقد الأب، وهو الوليّ والمنفق، لا يجدون في المجتمع الكفالة الصحيحة، بلا منّ ولا أذى، فلا دولة تهتم بيتيم، ولا سلطة تسأل عنه، بل ترك المسؤولون المسؤواية.. فضاع بسبب ذلك أصحاب الحقوق.. ومنهم "الأيتام".. ولا تكفي مؤسسات "الرعاية الإجتماعية" أو: "دور الأيتام"، لسدّ حاجة أيتام المجتمع، وكفايتهم ورعايتهم، فإن تلك المؤسسات لا تقوم فعلا بكفاية اليتيم الكفاية الكاملة، من تعليم لائق.. حتى أعلى مستويات التعليم.. مثلما يتعلم سائر الأولاد، مع العلم بأن في " الأيتام" نوابغ.. ولكنهم مهملون.. لأنهم: أيتام..

стр. 75

أما الأطفال "اللقطاء"، وهم الذين يلقون في الشوارع وعلى المزابل.. ولا يعرف أهلهم.. فإن حالهم أسوأ وأضيع.. فهؤلاء إذا توفرت لهم مؤسسة تؤويهم، فإنهم لا يحظون بتابعية الدلوة ـ أي: الجنسية ـ ولا يمنحون بطاقة الدولة ليعتبروا من رعاياها.. فيكبرون وهم معزولون في المجتمع.. يعاملون معاملة غير لائقة.. ويشعرون في أنفسهم بالحسرة والغربة.. مع أنهم لم يكتسبوا إثما بوجودهم في الدنيا.. وإنما الإثم على من ألقاهم على أرصفة الشوارع.. ثانيا: أزمات الشيوخ نعني بالشيوخ هنا: الناس الذين أدركهم الهرم والعجز والمرض، فقعد بهم ذلك عن القيام بحاجاتهم، ونشير أيضا إلى أن إكرام ذي الشيبة المسلم، هو: من إجلال الله ، كما جاء في حديث أبي داود عن أبي موسى الأشعري، ﵁، عن النبي ﷺ . وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين مطلقا.. وخصّص حالة "الكبر" فقال : ﴿إمّا يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفّ ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما* واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيرا﴾ . ومن أصعب أزمات هؤلاء الشيوخ: - أن لا يتوفر للأبوين منهم، ولد صالح يحسن إليهما، ويكرمهما، ويعتني بهما في أيام عجزهما وضعفهما. - أن لا يتوفر للعجز، وعلى الأخص: الفقراء منهم، من يؤويهم ويرعاهم ويهتم بهم.. نعم: هناك دور للعجزة، تقوم بهذه المهمة.. ولكنها لا تستطيع أن تؤوي كل العجزة.. لانعدام المقدرة المالية.. كما هو معلوم.. فيبقى كثير من العجزة مهملين، لا يجدون من البشر مساعدا.. إلا من رحمه الله تعالى بجار صالح.. أو مؤسسة بواسطة.. - عدم إستطاعة كثير من هؤلاء العجزة والشيوخ، تأمين الأدوية المطلوبة، لمعالجة أمراضهم المتكاثرة.. بل إن كثيرا منهم لا يجد ما يسدّ به رمقه.. ولا من يسأل.. ثالثا: أزمات المرأة

стр. 76

أزمات المرأة كثيرة جدا، بسبب تناقض مواقف الشعوب والديانات الأرضية منها، فالمرأة عند كثير من الأمم، ليس إنسانا كامل الإنسانية.. وهي عند بعضهم من توابع الحياة وأمتعتها، كالفرس والناقة.. وهي عند بعضهم: شيطان.. إلخ. فكان بديهيا بسبب هذه المواقف، والمعتقدات الفاسدة، أن تنشأ لدى المرأة أزمات كثيرة، وأن تعاني المرأة بسبب ذلك متاعب كبيرة. والغريب في أمر " المراة": أن أشدّ ما تعانيه وأسوأه، قد أتاها من قبل أولئك الزاعمين أنهم يدافعون عن حقوقها ويطالبون بتحريرها، وحريّتها.. وأمير هذا الركب: هم الغربيون والمستغربون.. فهؤلاء زعموا أن المرأة في الإسلام " مسجونة".. غير حرّة.. فرفعوا شعار تحريرها.. فأخرجوها من بيتها، ليبتزوا أنوثتها في: الشركات.. وعرض الأزياء.. والنوادي الليلية.. وجعلوها مشاعا للجميع.. إن أسوأ النساء حظا، وأتعسهن معيشة، هي المرأة الغربية.. والمرأة المسلمة التي غرّبوها.. وضحكوا عليها.. وخدعوها.. فأنزلوها الى العمل والوظيفة.. لتكون هي.. "العمل".. وهي.. "الوظيفة".. فحرموها بذلك من شرف المرأة: الأم.. والزوجة الكريمة.. والسيدة الفاضلة.. المربية.. الموجّهة.. التي قال فيها الشاعر: الأمّ مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيّب الأعراق لقد زوّروا الواقع عندما اتهموا الاسلام بأنه يسجن المرأة، وهم يعلمون أن الاسلام هو الدين الوحيد في العالم، الذي منح المرأة مكانتها، وأعاد إليها اعتبارها. لقد تجاهل أولئك المزوّرون: أن المرحلة التي ظهروا هم فيها، لم يكن الاسلام مطبقا في مجالات الحياة، فإذا كانت المرأة قد عانت شيئا من سوء المعاملة، فإن مردّ ذلك الى سوء تصرّف الناس وجهلهم، لا إلى أحكام الإسلام.. البعيدة عن التطبيق.. والمبعدة عن الحياة..

стр. 77

فبدلا من المتاجرة بالمرأة، كان عليهم أن يصلحوا الواقع.. وأن يطالبوا بتطبيق أحكام الاسلام كلها.. ليصلح المجتمع برجاله ونسائه.. لا ان يتهموا الاسلام بما لا يد له فيه، ويلقوا عليه مسؤولية عمل جناة.. فسقة.. ظلمة.. جاهلين.. رابعا: أزمات المعوّقين نعني بالمعوقين: أصحاب العاهات الجسدية، كالعمى، والشلل، فإن هؤلاء على اختلاف عاهاتهم، هم من أبناء هذا المجتمع، وجزء منه، وبإمكانهم أن يعطوا وينتجوا إذا توفّر لهم من يساعدهم على ذلك، فكلنا يعلم: أن عددا وفيرا من كبار العلماء والحفاظ، هم من العمي أو: المصابين بعاهة جسدية أخرى، ولم يمنعهم ذلك من تحصيل العلوم، والوصول الى مراتب العلماء الكبار. إن المجتمع المعاصر لا يهتم بهؤلاء، ولا يلقي لهم بالا.. اللهم إلا القلة منهم، الذين توفرت لهم مؤسسة إنسانية حضنتهم واهتمت بهم.. إننا لا ننكر وجود هذه المؤسسات، هنا وهنالك، بل نحن نقدّر جهودها الطيبة.. ولكننا نريد أن تقوم السلطة الحاكمة بواجبها نحو كل أولئك.. بحيث لا يبقى في المجتمع يتيم.. ولا عاجز.. ولا معوّق.. إلا وهو مرتاح.. مكفول.. مخدوم.. فلا يشكو.. ولا يئن.. *** من هو المسؤول ؟ ١- مسؤولية الحاكم. ٢- مسؤولية الوالدين. ٣- مسؤولية المدرسة والجامعة. ٤- مسؤولية الصديق. ٥- مسؤولية المجتمع. عندما تحل بالناس أزمة، أو: تنزل بهم نازلة، يتساءلون: من هو المسؤول؟.. وكذلك عندما يرتكب أحد جريمة، أو: يجني ذنبا، أو: يسيء معاملة غيره.. إن السؤال عن "المسؤول"، أمر بديهي لدى الناس، لأنهم يريدون أن يعرفوا: من هو المسبّب لما يحصل من أضرار، ومن هو الملكف برعاية مصالح الناس، أو: تربية الولد.. إلخ. وهذا حق من حقوقهم..

стр. 78

ونحن قد ذكرنا في هذا الكتاب "أزمات الشباب"، العامّة منها والخاصة، وأشرنا إلى مصادرها وأسبابها، وألحقنا ذلك بموجز عن أزمات: الأطفال، والشيوخ، والمرأة، والمعوّقين.. فكان مهمّا أن نطرح السؤال عينه، لنعرف: من هو المسؤول؟.. يختلف الناس في تعيين "المسؤول"، الذي يحمّلونه مسؤولية أمر جرى، ولا نريد تفصيل هذا الاختلاف، ولكننا سندخل في تحديد المسؤولية، على نحو ما فهمناه من النصوص الشرعية المباركة، بدءا من مسؤولية "الحاكم".. وذلك انطلاقا من معنى الحديث الشريف، الذي رواه البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهل بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راع ومسؤول عن رعيته". أولا: مسؤولية الحاكم "الحاكم" هو الراعي الأول للمسلمين، أن: الخليفة.. والامام.. وأمير المؤمنين.. في الاصطلاح الشرعي، ويعرف "الحاكم" في هذه الأيام بالملك.. أو الرئيس.. أو الأمير.. بحسب "النظام" الموجود.. تختلف نظرة الناس الى "الحاكم"، وبناء عليها تختلف أحكامهم على "الحاكم": أهو مقصّر في حمل المسؤولية، أم لا؟؟.. فأكثر الناس ينظر الى "الحاكم" على أنه: صاحب سلطة.. تقدّم له مظاهر التكريم والتبجيل.. يعطى الولاء المطلق.. يتصرّف بأموال الدولة بلا حساب.. لا يحق لأحد أن يسأله عن أعماله، ولا أن يناقشه في أقواله.. لأنه وليّ الأمر، الآمر الناهي.. مطلق الصلاحية.. إلخ. ثم بنى هؤلاء، على نظرتهم هذه: أن "الحاكم" هذا، يقوم بواجباته، طالما هو يستقبل الوفود ويودّع الزوّار.. ويراقب من أعلى.. ما يجري تحت.. وبالتالي فهو غير مسؤول عن " أزمات الشباب" ولا عن أزمات غيرهم من فئات الشعب، بل الحق على "الشباب"، والمسؤولية على "الشعب"..

стр. 79

أما نحن فنقول: إن نظرة هؤلاء الناس الى "الحاكم"، وسلطته.. وصلاحياته.. وأعماله.. مخطئة جدا.. بل "الحاكم" هو المسؤول الأول عن "الرعية"، كل الرعية.. ولعل الناس قد نسوا مسؤولية "الحاكم" الواسعة هذه لأنهم لم يعودوا يرون حاكما يحمل الطحين على ظهره للأرملة، كما فعل عمر بن الخطاب ﵁، فظنوا هذا النوع من التصرف، قد فعله أمير المؤمنين عمر، على سبيل التواضع فقط.. وأنه في الواقع غير مكلف بذلك ولا هو مسؤول عنه، وبالتالي فليس من مهمات "الحاكمين": أن يخدموا الشعب على هذا النحو.. بل ظنّوا: أن من واجبات "الشعب"، أن يحملوا هم "الطحين" الى قصور "الحاكمين".. إن هذا الظن في غير محله، فسيدنا عمر بن الخطاب ﵁، لم يحمل الطحين على ظهره، إلا لأنه يعلم: أن ذلك من مسؤولياته هو.. فلذلك عندما عرض عليه مرافقه، أن يحمل عنه الطحين، قال له:" أفأنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟؟ ".. إننا نقول هذا ونحن نعلم: أنه لن ينبري حاكم.. فيحمل طحينا.. ولا سكرا.. الى شعبه.. بل كلّ ما يرجوه الناس هو: أن يتركهم حاكموهم يعيشون.. نحن نقول هذا، لننطلق منه الى بيان مسؤولية "الحاكم" الكاملة، عن جميع " الأزمات" التي تصيب الناس.. وإلا.. فلماذا هو مسؤول؟؟.. إن من واجبات "الحاكم": أن يبحث هو عن سبيل الخير والرشاد، ويدلّ الناس عليها، ويدفعهم الى سلوكها.. وأن يرصد أبواب الفساد ومنافذه، فيقفلها.. ويمنع أحدا أن يفتحها.. إن من واجبات "الحاكم": أن يوجّه "الشباب" الى هدف رفيع، وأن يقود الشعب برسالة إيلامية واضحة، وأن لا يدع الناس ضحية الفراغ.. والضياع.. إن من واجبات "الحاكم": أن يفتح للشباب أبواب العلوم كافة، ويرفع مستواهم العلميّ، ويشجعهم على التحصيل.. والتأليف.. والاختراع.. إن من واجبات "الحاكم": أن يساعد الناس على معيشتهم، بأن يسهّل لهم سبل العمل، بالتجارة والزراعة والصناعة.. وأن يحصّن "الشباب" من المفاسد..

стр. 80

إن من واجبات "الحاكم": أن يسخّر إعلامه كله.. لتوجيه "الشباب" والناس عامة التوجيه السليم، وأن يغرس فيهم الأخلاق الفاضلة الحسنة، ويربيّهم التربية الصالحة. إن من واجبات "الحاكم": أن يكون هو إمام المسلمين في صلاتهم، وأول المواظبين على الفرائض.. وأحرص الناس على طاعة الله .. كما كان خلفاؤنا الصالحون.. إن من واجبات "الحاكم" أن يتلاك هو الفواحش، ويجتنب الخبائث، ويستأصل من المجتمع أسباب المنكرات، ويعمل على تحصين المجتمع بالخلق الحسن، ويمنع كل أسباب الفساد. إن من واجبات "الحاكم": أن لا يكون في الناس مظلوم.. أو مضطهد.. أو: مقهور.. أو يتيم مشرّد.. أو: عاجز.. أو: هرم.. لامعيل له.. فإذا لم تكن هذه الأمور من مهمات "الحاكم".. فما هي مهمته يا ترى؟ ... ثانيا: مسؤولية الوالدين "الوالدان" مسؤولان من دون شك عن أولادهما، وعلى الأخص الأب، الذي تقع على عاتقه مسؤولية إعالة أسرته، والإنفاق عليها، الى حد كفايتها جميع جاحاتها. وليس هذا هو غرضنا في موضوعنا هنا، بل إن غرضنا هو: بيان مسؤولية كل من الأبوين عن الأولاد، من حيث: التربية، والتوجيه، والإرشاد، والتعليم، وذلك عملا بما أمرنا الله تعالى به، ورسوله ﷺ . إن الله أمر المسلمين بأن يجنّبوا أنفسهم وأهليهم النار، فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾ . والنبي ﷺ ، أمر الأبوين: بتربية الأولاد على الإيمان والعمل الصالح، وبتعليمهم "الصلاة" وهم أبناء سبع سنين، وبضربهم عليها ضربا غير مبرّح وهم ابناء عشر، وبتعويدهم على ترك المحرّمات، وفعل الطاعات والآداب.

стр. 81

ولذلك: فإنه لا يجوز للأبوين أيضا أن يهملا هذه المسؤولية، ولو كان أولادهما في مدرسة تعلمهم أمور الدين، بل عليهما أن يثبتا من معرفة أولادهما أمور بأمور دينهم، لا أن يتركا الأمر على عواهنه.. ولا يجوز للأبوين أيضا: أن يتركا تتبع أحوال أولادهما، بل عليهما أن يسألا عمن يعاشرون من الرّفقة والأصحاب، وإلى أين يذهبون.. وأن يحذراهم دائما من معشر السوء.. وأن يراقبا ما يقرأون من كتب ومجلات.. وما يشاهدونه ويسمعونه من أفلام وتسجيلات.. وخصوصا في هذا الأيام، التي كثرت فيها أفلام الخلاعة والدعارة ـ الجنس ـ بواسطة ما يعرف بـ "الفيديو".. إن الأبوين مؤتمنان على أمانة غالية، هي: ولدهما.. فلذة كبدهما.. فليحسنا إليه.. وليقدّما إليه النصيحة والارشاد.. وليبذلا جهدهما من أجل تنشئته تنشئة صالحة، لتقرّ به عيونهما.. وإن هما جانبهما النجاح.. فلم يصلح حال ولدهما بعد بذل الجهد.. فقد وضعا عنهما المسؤولية.. وبرئا الى الله من سوء عمله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم. ثالثا: مسؤولية المدرسة والجامعة نعني بالمدرسة والجامعة: المعلم والأستاذ.. فهما لبّ المدرسة، إذ من دونهما لا فائدة للمدارس ولا للجامعات، و"المعلم" هو الحامل لأمانة "العلم"، الناقل لهذه الأمانة إلى الأجيال. إن مهمة "المعلم" ليست محصورة في تلقين "العلم" كما يلقن "الببغاء"، ليردده الطالب ويحفظه، بل: إن العلم نوران وهو هدى وضياء، وواجب " الأستاذ" إن يدلّ الطالبة على نور العلم وهداه.. وأن يرشدهم الى فضائله ومنافعه: الدنيوية والأخروية.. وأن يطبعهم بطابع شخصيته المسلمة الصحيحة، فيكون لهم القدوة الحسنة، والمثل الأفضل، في علمه.. وعمله.. وأخلاقه..

стр. 82

وكلامنا عن "العلم" لا ينحصر في: المعلم الرجل، بل يتناول المعلمة المرأة أيضا، التي صار لها في مجال التعليم أثر كبير، فهي مدعوّة الى إحسان تعليم الطالبات، لينشأن متعلمات مؤمنات صالحات.. وهي مأمورة بأن تكون قدوة للطالبات في حشمتها.. وأخلاقها.. ووقارها.. وتديّنها.. لا أن تكون مفسدة للبنات.. بتهتكها واستخفافها بالأخلاق والآداب.. إن هدفنا من كل هذا الكلام: أن لا تكون المدرسة مركز: "محو أمية"، يعلّم الطلبة القراءة والكتابة.. فحسب.. ومع الأسف: فإن كثيرا من المعاهد هي من هذا النوع.. إذ لا شيء فيها يطبّق مبادئ "التربية"، بل هناك "تعليم" فقط.. أي: "محو أميّة".. أما "التربية" فلا وجود لها في تلك المعاهد.. فينشأ الطالب فيها متعلما.. مثقفا.. يحمل أعلى الشهادات.. ولكنه: من دون تربية.. فهو منحلّ.. مائع.. لا مبالي بأمور الدين.. لا يعرف معنى: "الحياء" ولا "ألعيب".. ومن المؤسف أيضا: أن كثيرا ممن يقومون بالتعليم، ليسوا أهلا للتربية.. لأنهم أنفسهم بحاجة الى "تربية".. وعندما يكون "المعلم" بحاجة الى "تربية"، فكيف نتوقع من إنتاجه جيلا ذا تربية سليمة؟؟.. وهنا يجضرني بيت من الشعر قاله أحد العلماء، في بعض علماء عصره، الذين قصّروا في حمل المسؤولية: يا معشر العلماء يا ملح البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد؟ رابعا: تأثير الصديق آثرنا أن يكون عنوان هذا البند:" تأثير الصديق"، لأن "الصديق" لا يتميز عن صديقه بشيء، فهما يتبادلان التأثير، فأيهما كان أقوى شخصية أثر في صاحبه، وقاده الى حيث يريد.. ومرادنا بالصديق: هو الرفيق والصاحب، الذي يعاشره الإنسان، ويسهر معه.. ويرافقه.. ولهذا الصاحب تأثير كبير على صاحبه، فلذا قيل:" قل لي من تعاشر.. أقل لك: من أنت..".

стр. 83

وقد حذر النبي ﷺ من مصاحبة الأشرار، وبين أضرار ذلك، فروى أبو داود والترمذي، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ قال:" لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ"، وروى أبو والترمذي، عن أبي هريرة، ﵁: أن النبي ﷺ قال:" الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"، و"الخليل": هو الصديق القريب المحبوب، وفي هؤلاء يقول الله : ﴿الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾ ، أي: الأصحاب في الدنيا، المتفقون فيهاعلى معصية الله تعالى، يكونون يوم القيامة أعداء، يتبادلون اللوم والتعنيف، أما المتقون من الأصدقاء، الذين تلاقوا في الدنيا على محبة الله تعالى وطاعته، فليسوا في الاخرة كذلك، بل يزداد ودهم، وتقوى صداقتهم، ويشكرون الله على رحمته ورضوانه. فعلى كل شاب أو شابة، أن يحسن اختيار صديقه ورفيقه، فإن نفع الصديق كبير، كما أن ضرره خطير.. فمن صادق الصالحين اكتسب منهم وأخذ عنهم.. ومن عاشر الفاسقين المائعين.. أصيب بمرضهم.. والإصابة إذا وقعت، فهي خطيرة جدا.. وقلما شفي شاب طول عمره.. من عادة سيئة.. علمه إيّاها.. صديق.. خامسا: مسؤولية المجتمع نعني بالمجتمع: عموم الناس، أي: ما يعرف اليوم بالرأي العام، فالناس بمشاعرهم العامة، بإمكانهم أن يساعدوا على إصلاح الفاسد، وتقويم المعوّج، وإذا سلطوا ألسنتهم على إنسان قضوا عليه. ومن واجبات المجتمع: أن يكون يقظا حذرا، لئلا تتسرب إليه الأخلاق السيئة، والمفاسد والمنكرات، وأن يحارب كل انحراف عن جادّة الصواب والحق، وأن يحمي نشأة شبابه من المؤذيات، فيكون دائنافي موقف الحذر.. المدافع.. الحريص..

стр. 84

ومن ناحية أخرى: فإن على المجتمع أن يساعد المنحرفين على الاستقامة، إذا هم سلكوا سبيلها، وعلى التوبة إذا هم أعلنوها، وأن يغفر لهم، وينسى سوء أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا يكسبون﴾ ، وهذه مسألة مهمّة جدا، فإن الناس ـ مع الأسف ـ لا ينسون ذنوب سواهم، ولا يعرضون عنها، ولو تاب المذنب وأصلح عمله.. وهذا الموقف، يدفع بالكثيرين من هؤلاء التائبين: إما الى اليأس.. والانزواء.. وإما الى العودة الى حياة الاجرام والرذيلة ... إن المسلمين مسؤولون جميعا، بعضهم عن بعض، كلّ بحسب طاقته واستطاعته، لأنهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو اشتكى كله، والمؤمن لا يكمل إيمانه إلا إذا أحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه، وكره لأخيه ما يكرهه لنفسه، وما سوى ذلك فهي: الأنانية.. والأثرة.. وحبّ الذات، وعلى حساب الآخرين.. وليس ذلك من أخلاق المؤمنين. ما هو الحلّ ؟ بعد كل " أزمة"، وعند كل كارثة.. يتساءل الناس: ما هو الحلّ؟.. وهو أمر بديهي: أن يسأل الناس، عن المسؤول.. وعن الحل.. ونحن ذكرنا في الفصل السابق: من هو المسؤول.. على نحو ما جعل المسؤولية على عاتق الجميع.. فلا أحد غير مسؤول.. بدءا من "الحاكم".. وانتهاء بالمواطن الفرد.. فكلنا مسؤول.. وسوف نسأل عن هذه المسؤولية.. أما الحلّ لهذه الأزمات.. والمخرج من هذه الورطات.. فإنه بإيجاز: "الإسلام".. أجل: إنه الإسلام.. بتشريعاته واحكامه، وآدابه وأخلاقه.. وتكاليفه، وأوامره، ونواهيه.. إنه "الإسلام" وحده.. لا حلّ لمآسي البشرية في سواه.. ولا ملجأ لها إلا الى أحكامه الغرّاء.. وأنظمته المحكمة العظيمة.. هذا هو الجواب عن هذا السؤال بإيجاز.. أما الجوب بالتفصيل.. فتجده في كتابنا:" سبيل النهضة". خاتمة تمّ بعونه تعالى تبييض هذا الكتاب: "أزمات الشباب" في شهر محرّم عام ١٤١١هـ الموافق لشهر آب عام ١٩٩٠ م في مدينة "بيروت"

стр. 85

والحمد لله رب العالمين هذا الكتاب قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "يا قبيضة بن جابر إني أراك شابّ السّنّ، فسيح الصدر، بيّن اللسان. وإنّ الشابّ، يكون فيه تسعة أخلاق حسنة، وخلق سيء، فيفسد الخلق السيء الأخلاق الحسنة. فإياك وعثرات الشباب". رواه البيهقي والحاكم. إن هذا الكتاب يعالج عثرات الشباب؛ والله المستعان تم بحمد الله كتابة هذا الكتاب على الورد في يوم عرفة لعام ١٤٢٣ هجرية \ ١٠ شباط ٢٠٠٣ ميلادية