← Акыда

Акыда · id 8314

العواصم من القواصم ط دار الجيل

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (277 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يتقي الله في ذكر سيئاتهم, فلا يبالغ فيها ولا ينخدع بما افتراه المغرضون من أكاذيبها. نحن المسلمين لا نعتقد العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ ، وكل من ادعى العصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ فهو كاذب، فالإنسان إنسان، يصدر عنه ما يصدر عن الإنسان، فيكون منه الحق والخير، ويكون منه الباطل والشر، وقد يكون الحق والخير في إنسان بنطاق واسع فيعد من أهل الحق والخير، ولا يمنع هذا من أن تكون له هفوات، وقد يكون الباطل والشر في إنسان آخر بنطاق واسع، فيعد من أهل الباطل والشر، ولا يمنع هذا من أن تبدر منه بوادر صالحات في بعض الأوقات. يجب على من يتحدث عن أهل الحق والخير إذا علم لهم هفوات، أن لا يسيء ما غلب عليهم من الحق والخير, فلا يكفر ذلك كله من أجل تلك الهفوات، ويجب على من يتحدث عن أهل الباطل والشر إذا لهم بوادر صالحات، أن لا يوهم الناس أنهم من أهل الصالحات من أجل تلك الشوارد الشاذة من أعمالهم الصالحات. إن أحداث المائة الأولى من عصور الإسلام كانت من معجزات التاريخ، والعمل الذي عمله أهل المائة الأولى من ماضينا السعيد لم تعمل مثله أمة الرومان، ولا أمة اليونان قبلها، ولا أمة من أمم الأرض بعدها. أما أبو بكر وعمر، وسائر الخلفاء الأربعة الراشدين، وإخوانهم من العشرة المبشرين بالجنة، وطبقتهم من أصحاب رسول الله ﷺ ، خصوصًا الذين لازموه، وراقبوه وتمتعوا بجميل صحبته "من أنفق منهم من قبل الفتح وقاتل، والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا" فإنهم جميعا كانوا شموسًا طلعت في سماء الإنسانية مرة، ولا تطمع الإنسانية بأن يطلع في سماءها شموس من طرازهم مرة أخرى، إلا إذا عزم المسملون على أن يرجعوا إلى فطرة الإسلام، ويتأدبوا بأدبه من جديد، فيخلق الله منهم

стр. 37

خلقًا آخر يعيش للحق والخير، ويجاهد الباطل والشر، حتى تعرف الإنسانية طريقها الحقيقي إلى السعادة، وهذه الشموس من أصحاب رسول الله ﵌ تتفاوت أقدارها، وتتباين في أنواع فضائلها، إلا أنها كلها كانت من الفضائل في مرتقى درجاتها, وإذا بدأ المشتغلون بتاريخ الإسلام من أفاضل المسلمين في تمييز الأصيل عن الدخيل من سيرة هؤلاء الأفاضل العظماء، فإنهم ستأخذهم الدهشة لما اخترعه إخوان أبي لؤلؤة، وتلاميذه عبد الله بن سبأ، والمجوس الذين عجزوا عن مقاومة الإسلام وجهًا لوجه في قتال شريف، فادعوا الإسلام كذبًا، ودخلوا قلعته مع جنوده خلسة، وقاتلوهم بسلاح "التقية", بعد أن حولوا مدلولها إلى النفاق، فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وألصقوا بسيرة رجاله ما لم يكن فيها, ولا من سجية أهلها، وبهذا تحولت أعظم رسالات الله وأكملها إلى طريقة من الخمول والعطالة والجمود كان من حقها أن تقتل الإسلام والمسملين قتلًا، لولا قوة الحيوية الخارقة التي في الإسلام، وهي التي يرجى -إذا رجعنا إلينا، وجردناها من الطوارئ عليها، وخلصنا سيرة رجالها مما شيبت به، وسرنا في طريقهم مخلصين- أن نعود مسلمين من ذلك الطراز الأول كما كان في الواقع، لا كما أراد مبغضوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان أن يعرضوه على الناس. ونحن بتقديمنا هذه الحقائق من قلم الإمام ابن العربي، أو من النصوص الأصلية التي علقنا بها عليها، إنما أردنا عكس ما يريد المتعرضون لهذه البحوث من ترديد خلافات عفى عليها الزمن، والصحابة كانوا أسمى أخلاقًا, وأصدق إخلاصًا لله, وترفعا عن خسائس الدنيا من أن يختلفوا للدنيا، لكن كان في عصرهم من الأيدي الخبيثة التي عملت على إيجاد الخلاف وتوسيعه، مثل الأيدي الخبيثة التي جاءت فيما بعد فصورت الوقائع بغير صورتها، ولما كان أصحاب رسول الله ﵌ هم قدوتنا في ديننا، وهم حملة الكتاب الإلهي والسنة المحمدية إلى الذين حملوا عنهم أماناتها حتى وصلت إلينا، فإن من حق هذه الأمانات على أمثالنا أن ندرأ عن سيرة حفظتها الأولين كل ما ألصق بهم من إفك ظلمًا وعدوانًا؛ لتكون

стр. 38

صورتهم التي تعرض على أنظار الناس هي الصورة النقية الصادقة التي كانوا عليها، فتحس القدوة بهم, وتطمئن النفوس إلى الخير الذي ساقه الله للبشر على أيديهم، وقد اعتبر في التشريع الإسلامي أن الطعن فيهم طعن في الدين الذي هم رواته، وتشويه سيرتهم تشويه للأمانة التي حملوها, وتشكيك في جميع الأسس التي قام عليها كيان التشريع في هذه الملة الحنيفية السمحة، وأول نتائجه حرمان شباب الجيل، وكل جيل بعده، من القدوة الصالحة التي مَنَّ الله بها على المسلمين؛ ليتأسوا بها، ويواصلوا حمل أمانات الإسلام على آثارها، ولا يكون ذلك إلا إذا ألَمُّوا بحسناتهم، وعرفوا كريم سجاياهم، وأدركوا أن الذين شوهوا تلك الحسنات, وصوروا تلك السجايا بغير صورتها، إنما أرادوا أن يسيئوا إلى الإسلام نفسه بالإساءة إلى أهله الأولين، وقد آن لنا أن ننتبه من هذه الغفلة فنعرف لسلفنا أقدارهم؛ لنسير في حاضرنا على هدًى ونور من سيرتهم الصحيحة وسريرتهم النقية الطاهرة. وهذا الكتاب الذي ألفه عالم من كبار أئمة المسلمين؛ بيانًا لما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ من صفات الكمال, وإدحاضًا لما ألصق بهم وبأعوانهم من التابعين لهم بإحسان، يصلح على صغره لأن يكون صيحة من صيحات الحق, توقظ الشباب المسلم إلى هذه الدسيسة التي دسها عليهم أعداء الصحابة ومبغضوهم؛ ليتخذوها نموذجًا لأمثالها من الدسائس، فيتفرغ الموفقون إلى الخير منهم لدراسة حقيقة التاريخ الإسلامي واكتشاف الصفات النبيلة في رجاله، فيعلموا أن الله قد كافأهم عليها بالمعجزات التي تمت على أيديهم وأيدي أعوانهم في إحداث أعظم انقلاب عرفه تاريخ الإنسانية، ولو كان الصحابة والتابعون بالصورة التي صورهم بها أعداؤهم ومبغضوهم, لكان من غير المعقول أن تتم على أيديهم تلك الفتوح، وأن تستجيب لدعوتهم الأمم بالدخول في دين الله أفواجًا. والقاضي أبو بكر ابن العربي مؤلف "العواصم من القواصم" إمام من أئمة المسلمين، ويعتبره فقهاء مذهب الإمام مالك أحد أئمتهم المقتدى بأحكامهم، وهو من شيوخ القاضي عياض مؤلف كتاب "الشفا في التعريف بحقوق المصطفى"، ومن شيوخ ابن رشد العالم الفقيه والد أبي الوليد

стр. 39

الفيلسوف، ومن تلاميذه عشرات من هذه الطبقة كما سترى من ترجمته الآتية بعد**, وكتابه "العواصم من القواصم"، من خيرة كتبه، ألفه سنة ٥٣٦ هـ, وهو في دور النضج الكامل بعد أن امتلأت الأمصار بمؤلفاته وبتلاميذه الذين صاروا في عصرهم أئمة يهتدى بهم، وهذا الكتاب في جزئين متوسطي الحجم، ومبحث الصحابة الذي نقدمه لقرائنا هو أحد مباحث جزئه الثاني من صـ ٩٨ إلى صـ ١٩٣ من طبعة المطبعة الجزائرية الإسلامية في مدينة قسنطينة بالجزائر سنة ١٣٤٧, كان قد وقف على تلك الطبعة شيخ علماء الجزائر الأستاذ عبد الحميد بن باديس ﵀، ومما يؤسف له أن الأصل الذي اعتمد عليه في تلك الطبعة كان مكتوبًا بقلم ناسخ غير متمكن، فوقعت فيه تحريفات لفظية وإملائية حرصنا على ردها إلى أصلها، بل إن النسخة المخطوطة التي طبعت عليها طبعة الجزائر يظهر أن المجلِّد وضع بعض ورقاتها في غير موضعها، فأرجعناها إلى ما دل عليه السياق في القول، والترتيب في المسائل، وفيما عدا ذلك التزمنا الأمانة في عرض الكتاب إلى أقصى غاية، وعلقت على كل بحث منه بما يزيده وضوحًا، مقتبسًا ذلك من أوثق المراجع وأمهات الكتب الإسلامية المعتمدة، مبينًا في كل نص مأخذه بكل أمانة ووضوح. وأرجو أن يجزل ثواب الإمام ابن العربي على دفاعه هذا عن أصحاب رسول الله الذين حملوا معه ﵌ أعظم رسالات الله، وكانوا أصدق أعوانه على تبليغها في حياته وبعد أن اختاره الله إليه، بل كانوا سبب كياننا الإسلامي، ولهم ثواب انتمائنا إلى هذه الملة الحنيفية السمحة التي لا عيب لها غير تقصيرنا في التخلق بآدابها في أنفسنا، وتعميم سننها في بيوتنا ومجتمعنا وأسواقنا ومحاكمنا ودور حكمنا، وعسى أن يكون في قراء هذا الكتاب من يعاهد الله على أن يكون خير منا عملًا وأصح منا علمًا، وعلى الله قصد السبيل. محب الدين الخطيب*

стр. 40

مقدمة المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على محمد وآله [وسلم] قال صالح بن عبد الملك بن سعيد: قرأت على الإمام محمد بن أبي بكر بن العربي١ ﵁ قال: الحمد لله رب العالمين٢ اللهم صل على محمد وعلى آل محمد, كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم إنا [نستدعي من رضاك] المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، كما نستوهب منك الرحمة. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل كما علمتنا، وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا [تهدي] إليك، وافتح بيننا وبينك بابًا نَفِدُ منه عليك، لك مقاليد السموات والأرض وأنت على كل شيء قدير.

стр. 41

الباب الأول قاصمة الظهر وفاة النبي ﷺ ووقعها في نفوس الصحابة بعد أن استأثر الله بنبيه ﵌, وقد أكمل له ولنا دينه، وأتم عليه وعلينا نعمته، كما قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] ؛ وما من شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان؛ ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله خاصة، وذلك العمل الصالح والدار الآخرة، فهي دار الله الكاملة, قال أنس: "ما نفضنا أيدينا من تراب قبر سول الله ﵌ حتى أنكرنا قلوبنا"١. واضطربت الحال، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر، فكان موت النبي ﵌ "قاصمة الظهر" ومصيبة العمر: فأما علي فاستخفى٣ في بيته مع فاطمة٣.

стр. 42

سكوت عثمان وإهجار عمر وأما عثمان فسكت. وأما عمر فأهجر وقال: "ما مات رسول الله ﵌،

стр. 43

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 44

وإنما واعده الله كما واعد موسى١٧، وليرجعن رسول الله ﵌, فليقطعن أيدي ناس وأرجلهم"١٨.

стр. 45

حوار العباس وعلي في مرضه ﵌ وتعلق بآل العباس وعليّ بأمر أنفسهما في مرض النبي ﵌، فقال العباس لعلي: "إني أرى الموت في وجوه بني عبد المطلب, فتعال حتى نسأل رسول الله ﵌، فإن كان هذا الأمر فينا علمناه"١٩. وتعلق بأل العباس وعلي بميراثهما فيما تركه النبي ﵌ من فدك وبني النضير وخيبر٢٠. واضطرب أمر الأنصار يطلبون الأمر لأنفهسم، أو الشركة فيه مع المهاجرين٢١.

стр. 46

موقف جيش أسامة وانقطعت قلوب الجيش الذي كان قد برز مع أسامة بن زيد بالجرف٢٢

стр. 47

عاصمة تدارك الله الإسلام والأنام بأبي بكر فتدارك الله الإسلام والأنام -وانجابت الغمة انجياب الغمام، ونفذ وعد الله باستئثار رسول الله٣٢, وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب ما أصاب من الرزية الإسلام- بأبي بكر الصديق رضي الله عنه٢٤, وكان إذ مات النبي ﵌ غائبًا في ماله بالسُّنح٢٥، فجاء إلى منزل ابنته عائشة ﵂ -وفيه مات النبي ﵌ فكشف عن وجهه، وأكب عليه يقبله، وقال: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، طبت حيًّا وميتًا، والله لا يجمع الله عليك الموتتين، أما الموتة التي كتب عليك فقد متها" ثم خرج إلى المسجد -والناس فيه، وعمر يأتي بهجر من القول كما قدمنا- فرقى المنبر, فحمد الله وأثنى عليه, ثم قال: "أما بعد أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت", ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى

стр. 48

موقفه في سقيفة بني ساعدة عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] . فخرج الناس يتلونها في سكك المدينة، كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم٢٦. واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة يتشاورون، ولا يدرون ما يفعلون، "وبلغ ذلك المهاجرين" فقالوا: نرسل إليهم يأتوننا، فقال أبو بكر: بل نمشي إليهم، فسار إليهم المهاجرون، منهم أبي بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا الكلام, فقال بعض الأنصار: منا أمير ومنكم أمير٢٧, فقال أبو بكر كلامًا كثيرًا مصيبًا، يكثر ويصيب, منه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، أن رسول الله ﵌ قال: "الأئمة من قريش" ٢٨ وقال: "أوصيكم بالأنصار خيرًا: أن تقبلوا

стр. 49

خلافة الصديق واستخلاف عمر من محسنهم، وتتجاوزوا عن مسيئهم٢٩، إن الله سمانا "الصادقين"٣٠، وسماكم "المفلحين"٣١، وقد أمركم أن تكونا معنا حيثما كُنَّا، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] . إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك، وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق رضي الله عنه٣٢.

стр. 50

وقال أبو بكر لأسامة: "انفذ لأمر رسول الله ﵌". فقال عمر: "كيف ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك؟ فقال: لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشًا أنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم٣٣. وقال له عمر وغيره: "إذا منعكم العرب الزكاة فاصبر عليهم". فقال:

стр. 51

موقف الصديق من مانعي الزكاة "والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﵌ لقاتلتهم عليه، والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة"٣٤. قيل: ومع من تقاتلهم؟ قال: "وحدي، حتى تنفرد سالفتي"٣٥. وقدم الأمراء على الأجناد والعمال في البلاد مختارًا لهم، مرتئيًا فيهم، فكان ذلك من أسدِّ عمله، وأفضل [مقدمه] ٣٦.

стр. 52

حديث لا نورث ما تركناه صدقة وقال لفاطمة وعلى والعباس: إن رسول الله ﵌ قال: "لا نورث، ما تركنا صدقة". فذكر الصحابة ذلك ٣٨. =

стр. 53

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 54

حديث لا يدفن نبي إلا حيث يموت وقال: سمعته ﵌ يقول: "لا يدفن نبي إلا حيث يموت" ٣٥, وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم، والقدم في الدين،

стр. 55

جعل عمر الأمر شورى في اختيار الخليفة بعده ثم استحلف عمر، فظهرت بركة الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في الخليفتين٤٠ ثم جعلها عمر شورى، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الأمر حتى

стр. 56

خلافة عثمان ودعاة الفتنة ينظر، ويتحرى فيمن يقدم٤١ فقدم عثمان، فكان عند الظن به: ما خالف له عهدًا، ولا نكث عقدًا، ولا اقتحم مكروهًا، ولا خالف سنة٤٢.

стр. 57

سجايا عثمان ومكانته العالية في الإسلام

стр. 58

حديث أن عمر شهيد وعثمان شهيد وله الجنة على بلوى تصيبه وقد كان النبي ﵌ أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد٤٣، وبأن له الجنة على بلوى تصيبه٤٤. وهو زوجه رقيه ابنة رسول الله ﵌، وهو أول

стр. 59

وصف إجمالي لدعاة الفتنة الذين قاموا على عثمان مهاجر بعد إبراهيم الخليل ﵌، دخل به في باب "أول من....٤٥" وهو علم كبير جمعه الناس. ولما صحت إمامته قتل مظلومًا٤٦؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ما نصب حربًا٤٧ ولا جيش عسكرًا٤٨، ولا سعى إلى فتنة٤٩ ولا دعا إلى بيعة٥٠، ولا حاربه ولا نازعه من هو من أضرابه ولا أشكاله٥١،

стр. 60

ولا كان يرجوها لنفسه ولا خلاف انه ليس لأحد ان يفعل ذلك في غير عثمان فكيف بعثمان رضى الله عنه وقد سموا من قام عليه فوجدناهم أهل أغراض سوء حيل بينهم وبينها ٥٢فوعظوا وزجروا ٥٣ وأقاموا بحمص عند عبد الرحمن

стр. 61

ابن خالد بن الوليد٥٤ يؤنبهم ويؤدبهم، حتى تابوا ٥٥ فأرسل بهم إلى عثمان فتابوا٦، وخيرهم فاختاروا التفرق في البلاد، فأرسلهم، فلما سار كل ما اختار أنشأوا الفتنة، وألبوا الجماعة، وجاءوا إليه٥٧ بجملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره ووعظهم، وذكرهم، وورعهم عن دمه٨٥، وخرج طلحة يبكي ويورع الناس، وأرسل علي ولديه٥٩، وقال الناس لهم٦٠: أنك أرسلتم إلينا "أقبلوا إلى من غير سنة الله"٦١. فلما جئنا قعد هذا في بيته يعنون عليًّا -وخرجت أنت٦٢ تفيض عينيك، والله لا برحنا حتى نريق دمه. وهذا قهر عظيم، وافتئات الصحابة، وكذب في وجوههم، وبهت

стр. 62

لهم، ولو أراد عثمان لكان مستنصرًا بالصحابة، ولنصروه في لحظة٦٣. وإنما جاء القوم مستجيرين متظلمين٦٤، فوعظهم، فاستشاطوا، فأراد الصحابة [إليهم] *، فأوعز إليهم عثمان لا يقاتل أحد بسببه أبدًا. فاستسلم، وأسلموه برضاه. وهي مسألة من الفقه كبيرة: هل يجوز للرجل أن يستسلم، أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟ وإذا استسلم وحرم على أحد أن يدافع عنه بالقتل، هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ولا يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها. فلم يأتِ عثمان منكرًا لا في أول الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكرة, وكل ما سمعت من خبر باطل إياك أن تلتفت إليه٦٦.

стр. 63

الباب الثاني قاصمة المظالم والمناكير التي ادعوها على عثمان قالوا [مبعدين] ٦٧، متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته بمظالم ومناكير، منها: ١- ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه. ٢- ولابن مسعود حتى كسر أضلاعه، ومنعه عطاءه. ٣- وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف. ٤- وحمى الحمى. ٥- وأجلى أبا ذكر إلى الربذة. ٦- وأخرج من الشام أبا الدرداء. ٧- ورَدَّ الحكم بعد أن نفاه رسول الله ﵌. ٩- ١٢- وولَّى معاوية، "وعبد الله بن عامر بن كريز"٦٨، ومروان، وولَّى الوليد بن عقبة، وهو فاسق ليس من أهل الولاية.

стр. 64

١٣- وأعطى مروان خمس أفريقية. ١٤- * وكان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا٦٩. ١٥- وعلا على درجة رسول الله ﵌، وقد انحط عنها أبو بكر وعمر. ١٦- ولم يحضر بدرًا، وانهزم يوم أحد، وغاب عن بيعة الرضوان. ١٧- ولم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان "الذي أعطى السكين إلى أبي لؤلؤة، وحرضه على قتل عمر حتى قتله". ١٨- وكتب مع عبده على [جهله] كتابا إلى ابن أبي سرح في قتل من ذكر فيه٧٠.

стр. 65

عاصمة بيان بطلان هذه الدعاوى سندا ومتنا هذا كله باطل سندًا ومتنًا، أما قولهم: "جاء عثمان بمظالم ومناكير فباطل"٧١. ١-٢ وأما ضربه لعمار وابن مسعود ومنعه عطاءه فزور٧٢،

стр. 66

موقف عثمان من عبد الله بن مسعود وضربه لعمار إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبدًا٧٤.

стр. 67

وقد اعتذر عن ذلك العلماء بوجوه لا ينبغي أن تشتغل بها؛ لأنها مبنية على باطل٧٤، ولا يبنى حق على باطل، ولا تُذْهِب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك لا آخر له.

стр. 68

موقف عثمان من عمار بن ياسر ٣- وأما جمع القرآن، فتلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى، وإن كان وجدها كاملة، لكنه أظهره ورَدَّ الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها، وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه حسبما بينَّا في كتب القرآن وغيرها٧٥. روى الأئمة بأجمعهم٧٦ أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة٧٧، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: أن عمر أتاه فقال: إن القتل استحرَّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن

стр. 69

جمع القرآن حسنة عثمان العظمة وخصلته الكبرى يستحرَّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تجمع القرآن، قلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﵌؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر"، قال زيد: قال [لي] أبو بكر: أنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﵌، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما [كلفاني وأمراني] به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله وآله وسلم؟ قال عمر: "هذا والله خير"، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال٧٨، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع [أبي] خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوْلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، حتى قدم حذيفة بن اليمان على عثمان٧٩، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، [فأفزع] حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها.

стр. 70

وقعة اليمامة وستمائة حملة القرآن من الصحابة في تلك المعركة إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله ابن الزبى، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف٨٠.

стр. 71

ابن طاوس الشيعي يروي عن علي إجماع الصحابة على مصحف عثمان وقال عثمان للرهط القرشين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم" ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق. قال ابن شهاب٨١: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﵌ يقرأ بها، فالتمسانها فوجدناها مع خزيمة الأنصاري ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فألحقناها في سورتها في المصحف. وأما ما روى أنه أحرقها أو خرقها -بالحاء المهملة أو الخاء المعجمة، وكلاهما جائز- إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد٨٣ سلم في ذلك الصحابة كلهم٨٣

стр. 72

عبد الله بن مسعود ومصحفه إلا أنه روي عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: أما بعد فإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ، وإني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغلَّ مصحفه فليغلَّ، وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه، فلما لم يفعل ذلك له قال ما قال، فأكرهه عثمان على رفع مصحفه، ومحا رسومه، فلم تثبت له قراءة أبدًا، ونصر الله عثمان والحق بمحوها من الأرض٨٤. ٤- وأما أمر الحِمَى، فكان قديمًا٨٥، فيقال أن عثمان زاد فيه

стр. 73

أبو ذر ومسيره إلى الربذه لما زادت الرعية، واجتاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة؛ لزيادة الحاجة. ٥- وأما نفيه* أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل ٨٦، كان أبو ذر زاهدًا،

стр. 74

وكان يقرِّع عمال عثمان، ويتلو عليهم ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] ، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره من الصحابة [وهو الحق] *: إن ما أديت زكاته، فليس بكنز٨٧، فوقع بين أبي ذر ومعاوية كلام بالشام٨٨، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان: لو اعتزلت. معناه: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطًا وللعزلة مثلها، ومن كان على طريقة أبي ذر فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربذة زاهدًا فاضلًا، وترك جلة فضلاء، وكل على خير وبركة وفضل، وحال أبي ذر أفضل، ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليها لهلكوا٨٩، فسبحان مرتب المنازل.

стр. 75

ومن العجب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر، فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد، فأطلقهم عثمان؛ وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم٩٠. ووقع بين أبي ذر ومعاوية كلام، وكان أبو ذر يطلق من الكلام ما لم يكن يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد وأمور لا يحتملها
следующие страницы →