Полный текст (277 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ابن طاوس الشيعي يروي عن علي إجماع الصحابة على مصحف عثمان
وقال عثمان للرهط القرشين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم" ففعلوا.
حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق.
قال ابن شهاب٨١: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أنه سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﵌ يقرأ بها، فالتمسانها فوجدناها مع خزيمة الأنصاري ﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فألحقناها في سورتها في المصحف.
وأما ما روى أنه أحرقها أو خرقها -بالحاء المهملة أو الخاء المعجمة، وكلاهما جائز- إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد٨٣ سلم في ذلك الصحابة كلهم٨٣
الحواشي
(١) = الإمام ابن حزم في الفصل ٧٨: ٢: "أن الروافض ليسوا من المسلمين ... وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب والكفر"، قلت: وآخر من افتضح منهم بهذا الأمر وفضح به الشيعة جميعًا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي بكتابه الذي اقترفه في المشهد المنسوب لأمير المؤمنين علي في النجف سنة ١٢٩٢، وطبع في إيران سنة ١٢٩٨، وعندي نسخة منه، وأن من طبيعة التحزب والتعصب والتشيع أن يذهب بعقول أصحابه وأخلاقهم، ثم يذهب بحياتهم ودينهم، كما برهن على ذلك علم النفس الاجتماعي، وفي مقدمته الدكتور غوستاف لوبون. "خ".
٨١ فيما رواه عنه الإمام البخاري في صحيحه: ك ٥٦ ب ١٢ ج ٣، صـ ٢٠٥-٢٠٦، وك ٦٤ ب ١٧ ج٥، صـ ٣١، وك ٦٥ السورة ٩ب٢٠ والسورة ٣٣ب٣، وك ٦٦ ب٣، ٤، وك ٩٣ ب٩٧، وك ٩٧ ب٢٢ خ.
٨٢ في جميع النسخ "وقد"، فأصلحها الشيخ محب الدين الخطيب "فقد"، ولكنه لم ينص على ذلك "صفحة ٧١". "س".
٨٣ ولقد حاول بعض الناس أن يلوموا عثمان ﵁ على أمره بإحراق المصاحف، فقال لهم علي بن أبي طالب ﵁: "لو لم يصنعه
=стр. 72
عبد الله بن مسعود ومصحفه
إلا أنه روي عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة فقال: أما بعد فإن الله قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ ، وإني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغلَّ مصحفه فليغلَّ، وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه، فلما لم يفعل ذلك له قال ما قال، فأكرهه عثمان على رفع مصحفه، ومحا رسومه، فلم تثبت له قراءة أبدًا، ونصر الله عثمان والحق بمحوها من الأرض٨٤.
٤- وأما أمر الحِمَى، فكان قديمًا٨٥، فيقال أن عثمان زاد فيه
الحواشي
(١) = عثمان لصنعته أنا"، فجزى الله عثمان عن الأمة خير الجزاء، فقد أحسن وبرَّ فيما صنع، وكان له فضل في رد الناس إلى قراءة واحدة كفضل أبي بكر في جمع القرآن راجع الإتقان للسيوطي. "م".
٨٤ عبد الله بن مسعود من كبار علماء الصحابة ومن أجودهم قراءة لكتاب الله، وقد أثنى رسول الله ﵌ مرة على حسن تلاوة ابن مسعود للقرآن، فتسارع أبو بكر وعمر ليوصلا إليه البشرى بهذا الثناء النبوي، انظر مسند أحمد: ٢٥: ١-٢٦ الطبعة الأولى- رقم ١٧٥ الطبعة الثانية، إلا أن ابن مسعود كان يكتب ما يوحي من القرآن في مصحفه كلما بلغه نزول آيات منه، فهو يختلف في ترتيب هذه الآيات عما امتازت به مصاحف عثمان من الترتيب بحسب العرض الأخير على رسول الله ﵌ بقدر ما أدى إليه اجتهاد الصحابة المؤيد بإجماعهم، ويحتمل أن يكون ابن مسعود فاته في مصحفه بعض ما استقصاه زيد بن ثابت وزملاؤه من الآيات التي كانت عند آخرين من قراء الصحابة، زد على ذلك أن ابن مسعود كان تغلب عليه لهجة قومه من هذيل، والنبي ﵌ رخص لمثل ابن مسعود أن يقرأوا بلهجاتهم، ولكن ليس لابن مسعود أن يحمل الأمة في زمنه والأزمان بعده على لهجته الخاصة، فكان من الخير توحيد* الأمة على قراءة كتاب ربها باللهجة المضرية التي كان عليها رسول الله ﵌.
٨٥ كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيه استعوى كلبًا، فحمى لخيله وإبله وسوائمه مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلما جاء الإسلام نهى النبي ﵌: "لا حِمَى إلا لله ورسوله" رواه البخاري
=
_________
* قال ابن كثير في فضائل القرآن: "ادعى الطحاوي والباقلاني وابن عبد البر أن قراءة القرآن على سبع لغات كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة". "م".стр. 73
أبو ذر ومسيره إلى الربذه
لما زادت الرعية، واجتاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة؛ لزيادة الحاجة.
٥- وأما نفيه* أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل ٨٦، كان أبو ذر زاهدًا،
الحواشي
(١) من حديث الصعب بن جثامة في كتاب المساقاة: ك ٤٢ ب ١١، وكتاب الجهاد: ك ٥٦ ب ١٤٦ من صحيحه، ورواه الإمام أحمد في مسنده: ٧١: ٤ و٧٣ الطبعة الأولى، من حديث الصعب بن جثامة أيضًا، وقد حمى رسول الله ﵌ مكانًا يسمى "النقيع" وهو "نقيع الخضمات" كما في مسند الإمام أحمد: ٩١: ٢، ١٥٥، ١٥٧ الطبعة الأولى- رقم ٥٦٥٥ و ٦٤٣٨ و ٦٤٦٤ الطبعة الثانية من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﵌ حمى النقيع للخيل، قال حماد بن خالد راوي هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري: يا أبا عبد الرحمن خيله؟ قال: خيل المسلمين "أي المرصودة للجهاد، أو ما يملكه بيت المال". والنقيع هذا في المدينة على عشرين فرسخًا منها ومساحته ميل في ثمانية أميال كما في موطأ مالك برواية ابن وهب، ومعلوم أن الحال استمر في خلافة أبي بكر على ما كان عليه في زمن النبي ﵌؛ لأن أبا بكر لم يخرج عن شيء كان عليه الحال في زمن النبي ﵌، لا سيما وأن حاجة الجهاد إلى الخيل والإبل زادت عن قبل.
وفي زمن عمر اتسع الحمى، فشمل "سرف" "والربذة"، وكان لعمر عامل على الحمى هو مولى له يدعى هنيًّا، وفي كتاب الجهاد من صحيح البخاري: ك ٥٦ ب ١٨٠ من حديث زيد بن أسلم عن أبيه نص وصية أمير المؤمنين عمر لعامله هذا على الحمى بأن يمنع نعم الأثرياء كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وأن يتسامح مع رب الغنيمة ورب الصريمة؛ لئلا تهلك ماشيتهما.
وكما اتسع عمر في الحمى عما كان عليه في زمن النبي ﵌ وأبي بكر؛ لزيادة سوائم بيت المال في زمنه، اتسع عثمان بعد ذلك؛ لاتساع الدولة وازدياد الفتوح، فالذي أجازه النبي ﵌ لسوائم بيت المال، ومضى على مثله أبو بكر وعمر، يجوز مثله لبيت المال في زمن عثمان، ويكون الاعتراض عليه اعتراضًا على أمر داخل التشريع الإسلامي، ولما أجاب عثمان على مسألة الحمى عندما دافع عن نفسه على ملأ من الصحابة أعلن أن الذين يلون له الحمى اقتصروا فيه على صدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها وبين أحد تنازع، وأنهم ما منعوا ولا نحوا منها أحدًا. وذكر عن نفسه أنه قبل أن يلي الخلافة كان أكثر العرب بعيرًا وشاء، ثم أمسى وليس له غير بعيرين لحجه، وسأل من يعرف ذلك من الصحابة: أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم. "خ".
٨٦ وإنما اختار أبو ذر أن يعتزل في الربذة فوافقه عثمان على ذلك، كما سيأتي في صـ ٨٨، وأكرمه وجهزه بما فيه راحته. "خ".
* وفي نسخة "د": بعثه. "س".стр. 74
وكان يقرِّع عمال عثمان، ويتلو عليهم ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة:٣٤] ، ويراهم يتسعون في المراكب والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره من الصحابة [وهو الحق] *: إن ما أديت زكاته، فليس بكنز٨٧، فوقع بين أبي ذر ومعاوية كلام بالشام٨٨، فخرج إلى المدينة، فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطرق، فقال له عثمان: لو اعتزلت. معناه: إنك على مذهب لا يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطًا وللعزلة مثلها، ومن كان على طريقة أبي ذر فحاله يقتضي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة، فخرج إلى الربذة زاهدًا فاضلًا، وترك جلة فضلاء، وكل على خير وبركة وفضل، وحال أبي ذر أفضل، ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليها لهلكوا٨٩، فسبحان مرتب المنازل.
الحواشي
(١) * زيادة من نسخة "د"."س".
٨٧ انظر البيان الفقهي والتفصيل الشرعي لهذه المسألة في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية: ١٩٨:٣-١٩٩."خ".
٨٨ نقل الطبري: ٦٦:٥ وأكثر المصادر الإسلامية أنه لما ورد ابن السوداء "عبد الله بن سبأ" الشام لقى أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال الله، إلا إن كل شيء لله كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين، فأتاه أبو ذر فقال: ما يدعوك إلى أن تسمى مال المسلمين مال الله؟ قال معاوية: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله؟، والمال ماله؟، والخلق خلقه؟، والأمر أمره؟، قال أبو ذر: فلا تقله، قال معاوية: فإني لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين، وأتى ابن السوداء "عبد الله بن سبأ" أبا الدرداء، فقال له أبو الدرداء: من أنت أظنك والله يهوديًا، فأتى ابن سبأ عبد الله بن الصامت، فتعلق به ابن الصامت فأتى به معاوية فقال: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر."خ".
٨٩ الذي تحصل عندي من تتبع نصوص الشريعة في أمر المال، ومراقبتي لتطبيق هذه النصوص في سيرة السلف وعملهم بها، أن المسلم له في نفسه وذويه من المال الذي يملكه ما يكفيه ويكفيهم بالمعروف كأمثاله وأمثالهم من أهل العفة والقناعة والدين، وما زاد عن ذلك فعليه أولًا أن يؤدي زكاته الشرعية مباشرة بحسب اجتهاده إن لم يكن أداها للحكومة الإسلامية العاملة بأحكام الشرع. وبعد أداء زكاته يكون صاحب المال في امتحان من الله كيف
=стр. 75
ومن العجب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر، فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة بالمدينة حتى استشهد، فأطلقهم عثمان؛ وكان سجنهم لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم٩٠.
ووقع بين أبي ذر ومعاوية كلام، وكان أبو ذر يطلق من الكلام ما لم يكن يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من العامة أن تثور منهم فتنة، فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد وأمور لا يحتملها
الحواشي
(١) = يحسن التصرف فيه يما يرضى الله، ويزيد المسلمين قوة وسعادة وعزًّا، فإن كان تاجرًا فمن طريق التجارة، أو مزارعًا فمن طريق الزراعة، أو صاحب مصنع فمن طريق الصناعة، والإسلام في دور قيامه استفاد من ثروة أغنياء الصحابة عونًا ويسرًا وقوة، وتجارة التاجر المسلم إذا أغنت المسلمين عن متاجر أعدائهم تعتبر قوة لهم بقدر ما يصدق صاحبها في هذه النية، وكذلك مصنع الصانع المسلم، وزراعة الزارع المسلم، والنية في هذه الأمور أمرها عظيم، وميزانها العمل عندما تمس الحاجة إليه، وبالجملة فإن للمسلم أن يكون غنيًّا بلا تحديد، بشرط أن يكون ذلك من حلّه، وأن يكتفي منه بما يكفيه بالمعروف، محاولًا دائمًا أن يحرر نفسه من العبودية والانقياد للكماليات فضلًا عن توافِهِ الحضارة وسفاسفها، وبعد أن يؤدي زكاة ما يملك يعتبر ما زاد عن حاجته كالأمانة لله تحت يده، فيتصرف فيه بما يزيد المسلمين ثروة وقوة ويسرًا وعزًّا وسعادة، أما طريقة أبي ذرٍّ في أن لا يبين المسلم وعنده مال، فليست الآن من مصلحة المسلمين، وطريقة أغنياء المسلمين الآن -في أن يعيشوا لأنفسهم ومتعهم غير مبالين بعزة الإسلام وقوة دولته وحاجة أهله- فليست من الإسلام، والإسلام لا يعرف الذين لا يعرفونه."خ".
٩٠ في كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ١٣٩:٢ خبر مرسل رواه شعبة عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه "إبرهيم بن عبد الرحمن بن عوف" قال: قال عمر لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذرٍّ "ما هذا الحديث عن رسول الله ﵌"، قال: وأحسبه لم يدعهم أن يخرجوا من المدينة حتى مات، وقد نبه ابن حزم على أن هذا الخبر مرسل، ولا يجوز الاحتجاج به، وعلق عليه الشيخ أحمد شاكر بأن البيهقي وافق ابن حزم على أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف "المتوفى سنة ٦٦ أو ٦٥ عن ٧٥ سنة" لم يسمع من عمر، ولست أدري هل اعتمد ابن العربي في هذه الفقرة على هذا الخبر المرسل أم على خبر آخر لم نطلع عليه."خ".стр. 76
ما وقع بين أبي الدرداء ومعاوية
الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم، فكتب إليه عثمان -كما قدمنا- أن يقدم المدينة، فلما قدم اجتمع إليه الناس، فقال لعثمان: "أريد الربذة"٩١. فقال. افعل. فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلا ذلك؛ لطريقته٩٣.
٦- ووقع بين أبي الدرداء ومعاوية كلام، وكان أبو الدرداء زاهدًا فاضلًا قاضيًا لهم٩٣، فلما اشتد في الحق، وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها عزلوه٩٤، فخرج إلى المدينة.
الحواشي
(١) ٩١ ولقد ذهب ضحية فرية نفى عثمان أبا ذر الشيخ محمد أبو زهرة، فراح يقول في كتابه: المذاهب الإسلامية: ٤٢/١: "فشكا معاوية أبا ذر إلى عثمان، فأحضره إلى المدينة، ثم نفاه إلى الربذة"، هذا خلاف الحقيقة، وقد ثبت لنا ذلك فيما سبق. "م".
٩٢ ذكر القاضي أبو الوليد بن خلدون في: العبر "بقية ١٣٩: ٢"، أن أبا ذر استأذن عثمان في الخروج من المدينة وقال: "إن رسول الله ﵌ أمرني أن أخرج منها إذا بلغ البناء سلعا"* فأذن له، ونزل الربذة وبنى بها مسجدًا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين، وأجرى عليه رزقًا، وكان يتعاهد المدينة، وبين المدينة والربذة ثلاثة أميال، قال ياقوت: وكانت من أحسن منزل في طريق مكة.
٩٣ أي في دمشق. "خ".
٩٤ بل إن معاوية نفسه حاول السير على طريقة عمر، كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير في: البداية والنهاية: ١٣١: ٨ عن محمد بن سعد قال: حدثنا عارم، حدثنا حماد بن يزيد، عن معمر، عن الزهري "أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه، ثم أنه بعد عن ذلك". وقد يظن من لا نظر له في حياة الشعوب وسياستها أن الحاكم يستطيع أن يكون كما يريد أن يكون حيثما يكون، وهذا خطأ؛ فللبيئة من التأثير في الحاكم وفي نظام الحكم أكثر مما للحاكم ونظام الحكم** من التأثير على البيئة، وهذا من معاني قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾ . "خ".
_________
* إن هذا الكلام مبالغ فيه، وقد جاء الإسلام ليطور البيئات المنحرفة ويصلحها، لا ليتطور معها كالحرباء ... وإلا كان لا معنى لنزوله, وهذه حقيقة يجهلها الكثيرون. "م".
** قال أبو ذر: "والله ما سير عثمان أبا ذر! ولكن رسول الله قال: "وذكرت الحديث السابق" فلما بلغ البنيان سلعا خرج أبو ذر إلى الشام".
صححه الحاكم ووافقه الذهبي وبهذا الحديث تنهار الدعوى السابقة إلى الحضيض. "م".стр. 77
عثمان وأبو الدرداء رد الحكم
وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال، وأبو الدرداء وأبو ذر [براءة] * من عاب، وعثمان بريء أعظم براءة وأكثر نزاهة، فمن روى أنه نفى وروى سببًا فهو كله باطل.
٧- وأما رد الحكم فلم يصح٩٥.
وقال علماؤنا في جوابه: قد كان أذن له فيه رسول الله ﵌، وقال "أي عثمان"٩٦ لأبي بكر وعمر، فقالا له: إن كان معك شهيد رددناه، فلما ولي قضى بعلمه في رده، وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله ﵌ ولو كان أباه ولا لينقض حكمه٩٧.
الحواشي
(١) * كذا في جميع النسخ، وقد صححها الشيخ محب الدين هكذا "بريئان" ولم يشر إلى ذلك صفحة ٧٧. "م".
٩٥ أي لم يصح زعم البغاة على عثمان أن عثمان خالف في ذلك ما يقتضيه الشرع. "خ".
٩٦ كتبها الشيخ محب الدين، وليست في أي من النسخ؛ ولكنه أراد توضيح السياق. "م".
٩٧ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ١٩٦: ٢: وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه "أي في نفي النبي ﵌ الحكم"، وقالوا: ذهب باختياره، وقصة نفى الحكم ليست في الصحاح، ولا لها إسناد يعرف به أمرها، ثم قال: لم تكن الطلقاء تسكن بالمدينة، فإن كان طرده فإنما طرده من مكة لا من المدينة، ولو طرده من المدينة لكان يرسله إلى مكة.
وقد طعن كثير من أهل العلم في نفيه كما تقدم، وقالوا: هو ذهب باختياره.
وإذا كان النبي ﵌ قد عزر رجلًا بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيًّا طول الزمان، فإن هذا لا يُعرف في شيء من الذنوب، ولم تأت الشريعة بذنب يبقى صاحبه منفيًّا دائمًا، وقد كان عثمان شفع في عبد الله بن سعد ابن أبي سرح فقبل ﵌ شفاعته فيه وبايعه، فكيف لا يقبل شفاعته في الحكم، وقد رووا أن عثمان سأله أن يرده، فإذن له في ذلك، ونحن نعلم أن ذنبه دون ذنب عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقصة عبد الله ثابتة معروفة بالإسناد، وأما قصة الحكم فإنما ذكرت مرسلة، وقد ذكرها المؤرخون الذين يكثر الكذب فيما يروونه، فلم يكن هناك نقل ثابت يوجب القدح فيمن هو دون عثمان، والمعلوم من فضائل عثمان ومحبة النبي صلى الله عليه وآله
=стр. 78
عثمان وإتمام الصلاة في منى
٨- وأما ترك القصر: فاجتهاد، إذ سمع الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة٩٨ خوف الذريعة٩٩، مع أن جماعة من العلماء
الحواشي
(١) = وسلم له، وثنائه عليه، وتخصيصه بابنتيه، وشهادته له بالجنة، وإرساله إلى مكة، ومبايعته له عنه، وتقديم الصحابة له في الخلافة، وشهادة عمر وغيره له بأن رسول الله ﵌ مات وهو عنه راضٍ، وأمثاله ذلك مما يوجب العلم القطعي بأنه من كبار أولياء الله المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
فلا يدفع هذا بنقل لا يثبت إسناده، ولا يعرف كيف وقع، ويجعل لعثمان ذنب بأمر لا تعرف حقيقته ... إلخ، وانظر أيضًا: ٢٣٥: ٣-٢٣٦ من منهاج السنة، ونقل الإمام أبو محمد ابن حزم في كتاب "الإمامة والمفاضلة" المدرج في الجزء الرابع من كتابه "الفصل": صـ ١٥٤ قول من احتج لعثمان على من أنكروا ذلك عليه: ونفي رسول الله ﵌، ثم يكن حدًّا واجبًا، ولا شريعة على التأبيد، وإنما كان عقوبة على ذنب استحق به النفي والتوبة مبسوطة، فإذا تاب سقطت عنه تلك العقوبة بلا خوف من أحد من أهل الإسلام، وصارت الأرض كلها مباحة، ونقل مجتهد الزيدية السيد محمد بن إبراهيم الوزير اليمني "المتوفى سنة ٨٤٠" في كتابه "الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم: ١٤١: ١-١٤٢" قول الحاكم المحسن بن كرامة المعتزلي الشيعي في كتابه "سرح العيون" أن رسول الله ﵌ أذن في ذلك لعثمان.
قال ابن الوزير: "إن المعتزلة والشيعة من الزيدية يلزمهم قبول هذا الحديث، وترك الاعتراض على عثمان لذلك؛ لأن راوي الحديث عندهم من المشاهير بالثقة والعلم وصحة العقيدة، ثم بسط ابن الوزير الكلام على هذا الموضوع بحجج واستدلالات استغرقت ثلاث صفحات دفاعا عن أمير المؤمنين عثمان في رده الحكم، وهذه الحجج من أحد أئمة الزيدية ومجتهدين-بعد روايته ذلك الحديث عن الإمام المعتزلي المتشيع- لها دلالتها الخاصة، بعد الذي سمعته من إمامَيْ أهل السنة شيخ الإسلام ابن تيمية والقاضي ابن العربي، ومن إمام أهل الظاهر أبي محمد بن حزم. "خ".
٩٨ "ب"، "ج"، "ز" بدون هذه الكلمة، ولكنها وجدت في "د". "م".
٩٩ كان ذلك في منىً في موسم الحج سنة ٢٩، وقد عاتب عبد الرحمن بن عوف عثمان في إتمامه الصلاة وهم في منىً، فاعتذر له عثمان بأن بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قالوا في العام الماضي: إن الصلاة للمقيم، ركعتان، وهذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين، ثم قال عثمان لعبد الرحمن بن عوف: وقد اتخذت بمكة أهلًا "أي أنه صار في حكم المقيم، لا المسافر"، فرأيت أن أصلي أربعًا لخوف ما أخاف على الناس، ثم خرج عبد الرحمن بن عوف من
=стр. 79
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = عند عثمان فلقى عبد الله بن مسعود وخاطبه في ذلك فقال ابن مسعود: "الخلاف شر* قد بلغني أنه صلى أربعًا، فصليت بأصحابي أربعًا"، فقال عبد الرحمن بن عوف: "قد بلغني أنه صلى أربعًا فصليت بأصحابي ركعتين، وأما الآن فسوف يكون الذي تقول" يعني: نصلى معه أربعًا" الطبري: ٥٦: ٥-٥٧.
_________
* قد يعترض معترض، فيقول: كيف يقول ابن مسعود: الاختلاف شر، والحديث النبوي يقول: "اختلاف أمتي رحمة"، وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن هذا الحديث لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا، حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: "ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا".
وهذا بعيد عندي إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه ﵌، وهذا مما لا يليق بمسلم اعتقاده، ونقل المناوي عن السبكي أنه قال:
"وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع"، وأقره الشيخ زكريا الأنصاري في تعليقه على تفسير البيضاوي: ق٢/٩٢.
ثم إن معنى هذا الحديث مستنكر عند المحققين من العلماء، فقال العلامة ابن حزم في الإحكام في الأحكام: ٦٤/٥ بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث:
"وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطًا، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط"، وقال في مكان آخر: "باطل مكذوب".
وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرًا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الواقع بين المذاهب الأربعة ولا يحاولون أبدًا لرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة كما أمرهم بذلك أئمتهم ﵃، بل إن أولئك ليرون أن مذاهب هؤلاء الأئمة ﵃ إنما هي كشرائع متعددة، كما صرح المناوي في: فيض القدير: ٢٠٩/١، يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل، وقبول البعض الآخر الموافق له، وهذا ما لا يفعلون، وبذلك فقد نسبوا إلى الشريعة التناقض، وهو وحده دليل على أنه ليس من الله لو كانوا يتأملون قوله =стр. 80
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = تعالى في حق القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذن جعله شريعة متبعة، ورحمة منزلة؟
وبسبب هذا الحديث ونحوه ظل أكثر المسلمين بعد الأئمة الأربعة إلى اليوم مختلفين في كثير من المسائل الاعتقادية والعملية، ولو أنهم كانوا يرون أن الخلاف شر كما قال ابن مسعود وغيره ﵃ ودلت على ذلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الكثيرة لسعوا إلى الاتفاق، ولأمكنهم ذلك في أكثر هذه المسائل بما نصب الله تعالى عليها من الأدلة التي يعرف بها الصواب من الخطأ، والحق من الباطل، ثم عذر بعضهم بعضًا فيما قد يختلفون فيه، ولكن لماذا هذا السعي وهم يرون أن الاختلاف رحمة، وأن المذاهب على اختلافها كشرائع متعددة.
وإن شئت أن ترى أثر هذا الاختلاف والإصرار عليه، فانظر إلى كثير من المساجد، تجد فيها أربعة محاريب يصلي فيها أربعة من الأئمة، ولكل منهم جماعة ينتظرون الصلاة معه كأنهم أصحاب أديان مختلفة، وكيف لا، وعالمهم يقول: إن مذاهبهم كشرائع متعددة، يفعلون ذلك وهم يعلمون قوله ﵌: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" رواه مسلم وغيره، ولكنهم يستجيزون مخالفة هذا الحديث وغيره محافظة منهم على المذهب، كأن المذهب محترم عندهم ومحفوظ أكثر من أحاديثه ﵊.
وجملة القول أن الاختلاف مذموم في الشريعة، فالواجب محاولة التخلص منه ما أمكن؛ لأنه من أسباب ضعف الأمة كما قال تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ ، أما الرضا به وتسميته رحمة، فخلاف للآيات الكريمة المصرحة بذمه، ولا مستند إلا هذا الحديث الذي لا أصل له عن رسول الله ﵌.
وهنا وقد يرد سؤال وهو:
إن الصحابة قد اختلفوا وأفاضل الناس، أفيلحقهم الذم المذكور؟
وقد أجاب عنه ابن حزم رحمه الله تعالى، فقال: ٦٧/٥-٦٨:
كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله، ووجهته الحق، فالمخطيء منهم مأجور أجرًا واحدًا؛ لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطأهم لأنهم لم يستعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفى عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد المنصوص، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى وهو القرآن وكلام النبي ﵌ بعد بلوغ النص إليه وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان =стр. 81
قالوا: إن المسافر مخير بن القصر والإتمام١٠٠، واختلف في ذلك
الحواشي
(١) ١٠٠ ما أحسن كلام القاضي أبي بكر بأن ترك عثمان ﵁ للقصر في الصلاة في السفر "فاجتهاد" وفي الحديث: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر" وعثمان في هذه المرة قد أخطأ، نقول ذلك بصراحة، فإن الحق أحق أن يتبع، وهو مع ذلك مأجور على اجتهاده.
والدليل على خطئه من قول ابن عمر ﵄: "صحبت النبي ﵌، وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك" رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
قال الإمام الشوكاني: قوله: "وكان لا يزيد في السفر على ركعتين" فيه أن النبي ﵌ لازم القصر في السفر، ولم يصل فيه تمامًا.
وحديث عائشة المتفق عليه: "فرضت الصلاة ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر".
وفي هذين الحديثين دليل قوي على أن القصر للوجوب، لا للندب كما زعم بعضهم.
وإلى وجوب القصر في السفر ذهب علي وعمر وأكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار، وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، والحنفية، وقال حماد بن سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعا، وقال مالك: "يعيد ما دام في الوقت.
_________
= مقلدًا عامًّا للاختلاف داعيًا إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصدًا للفرقة، متحريًا في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ به، وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي ﵌، فهؤلاء هم المختلفون المذمومون، وطبقة أخرى وهم قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى إلى طلب ما وافق أهواءهم في قول كل قائل، فهم يأخذون ما كان رخصة في قول كل عالم، مقلدين له غير طالبين ما أوجبه النص عن الله وعن رسول الله ﵌.
ويشير في آخر كلامه إلى "التلفيق" المعروف عند الفقهاء، وهو أخذ قول العالم بدون دليل، وإنما اتباعًا للهوى أو الرخص، وقد اختلفوا في جوازه والحق تحريمه؛ لوجوه لا مجال الآن لبيانها، وتجويزه مستوحىً من هذا الحديث وعليه استند من قال: "من قلد عالمًا لقى الله سالما" وكل هذا من آثار الأحاديث الضعيفة، فكن على حذر منها إن كنت ترجو النجاة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَاْ بَنُوْنَ، إِلَّا مَنْ أَتَىْ اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيْمٍ﴾ ، "الأحاديث الضعيفة والموضوعة: ٧٠/١-٧٢"."م".стр. 82
الصحابة١٠١.
الحواشي
(١) = والقائلون بأن القصر للندب لا للوجوب لا حجة قاطعة لهم، والأحاديث التي يحتجون بها غير صحيحة، ومن أراد التحقق من ذلك فليراجع كتاب نيل الأوطار للشوكاني: ٢١٣/٣.
وقد أنكر جماعة من الصحابة على عثمان لما أتم بمنىً، وتأولوا له تأويلات، قال ابن القيم: أحسنها أنه كان قد تأهل بمنىً، والمسافر إذا أقام بموضع وتزوج فيه، أو كان له زوجة أتمَّ، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال: أيها الناس لما قدمت تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "إذا تزوج رجل ببلد فليصل به صلاة مقيم"، وقد أعلَّ البيهقي هذا الحديث بانقطاعه، وفي إسناده عكرمة بن إبراهيم وهو ضعيف كما قال البيهقي.
قال في الفتح: هذا حديث لا يصح؛ لأنه منقطع، وفي رواته من لا يُحتَجُّ به.
وكذلك لا يصح ما نسب إلى عثمان أنه إنما ترك القصر خشية من أن يظن بعض الأعراب أن الصلاة للمقيم ركعتين، راجع هامش صـ ٦٤.
وإذا صح أن عائشة ﵂ تأولت ما تأول عثمان ﵁ فكان يصلي في السفر أربعًا، فيصدق عليها ما سبق، وقلناه في عثمان ﵁ من أنها اجتهدت فأخطأت كما أخطأ الخليفة الراشد، والعصمة للأنبياء فقط."م".
١٠١ نقل محمد بن يحيى الأشعري المالكي المعروف بابن بكر: ٦٧٤-٧٤١ في كتابه "التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان" وهو من مخطوطات دار الكتب المصرية "برقم ٢٣ تاريخ" أنه روى عن جماعة من الصحابة إتمام الصلاة في السفر، منهم عائشة وسلمان وأربعة عشر من الصحابة، وفي أبواب التقصير من صحيح البخاري: ك ١٨ ب ٥-ج ٢، صـ ٣٦ حديث الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: "الصلاة أول ما فرضت ركعتان، فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر" قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم؟ قال: ثم تأولت ما تأول عثمان، وفي مسند أحمد: ٩٤:٤ عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجًّا قدمنا معه مكة، فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار الندوة، وكان عثمان حين أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا أربعًا، فإذا خرج إلى منىً وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرع من الحج وأقام بمنىً أتم الصلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلى بنا "أي معاوية" الظهر ركعتين نهض إليه مروان وعمر بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح مما عبته. قال لهما: وما ذاك؟ فقالا له: لم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة، "فذكرهما أنه صلاهما مع النبي ﵌ وأبي بكر وعمر".
قالا: فإن ابن عمك كان أتمها، "والظاهر أن معاوية رأى أن القصر رخصة، وأن المسافر على التخيير، فصلى العصر أربعًا"."خ".стр. 83
معاوية ومكانته في خلافة أبي بكر وعثمان
٩- وأما معاوية: فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها، وأقره عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق ﵁؛ لأنه ولي أخاه يزيد، واستخلفه يزيد، فأقره عمر لتعلقه بولاية أبي بكر لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأقره، فانظروا إلى هذه السلسلة ما أوثق عراها، [وأقدر سردها] ١٠٢، ولن يأتي مثلها بعدها أبدًا١٠٣.
الحواشي
(١) ١٠٢ سقطت من طبعة الشيخ محب الدين الخطيب، ولكنها موجودة في المخطوطات، وأثبتها الدكتور عمار طالبي. "س".
١٠٣ إنما بلغت دولة الإسلام في خلافة أبي بكر وعمر الذروة في العزة، وكانت مضرب الأمثال في الفلاح الإنساني وسعادة المجتمع؛ لأن أبا بكر وعمر كانا يكتشفان بنور الله كوامن السجايا في أهلها وعناصر الرجولة في الرجال، فيوليانهم القيادة، ويبوِّئانهم مقاعد السيادة، ويأتمنانهم على أمة محمد ﵌، وهما يعلمان أنهما مسئولان عن ذلك بين يدي الله ، وقد رأيت أن يزيد بن أبي سفيان وأخاه معاوية كانا من رجال دولة أبي بكر الصديق الذين اختارهم لحمل أعباء الأمة في حربها وسلمها، فأحسن بذلك كل الإحسان، ولما ولي يزيد قيادة أحد جيوشه خرج معه أبو بكر يشيعه ماشيًا. "الطبري ٣٠: ٤". ومعاوية مذكور في التاريخ بعد أخيه يزيد؛ لأنه أصغر منه سنًّا، لا لأنه أقل منه في استكمال صفات القيادة والسيادة، وقبل أن يكون معاوية من رجال الدولتين البكرية والعمرية كان أحد الذين استعملهم رسول الله ﵌ واستعان بهم، وكان يدعوه لذلك في بعض الأحيان -ومعاوية يأكل- ويلح في دعوته، ويرسل إليه المرة بعد المرة يستعجله في المجيء إليه، فالنبي ﵌ ولى معاوية شيئًا من عمله قبل أن يوليه أبو بكر وعمر، وولى يزيد بن أبي سفيان أيضًا كما في فتوح البلدان للبلاذري: "صـ ٤٨ طبع مصر سنة ١٣٥٠". والذين يضطغنون البغضاء والحقد لأصحاب رسول الله ﵌ ولاسيما بني أمية منهم لم يستطيعوا أن ينكروا أن النبي ﵌ استعمل معاوية في الكتابة له، فقالوا: إنه كان يكتب له، ولكنه لم يكن يكتب الوحي، وهم يقولون هذا بوحي أوحي إليهم من الشيطان، وليس في يدهم نص تاريخي أو دليل شرعي يرجعون إليه، فميزوا بين أمور لا حجة لهم في التمييز بينها، والنبي ﵌ لو كان يميز بين كتبته في أمور دون أمور لتواتر ذلك عنه، ولنقله الناقلون كما وقع فيما هو أقل من هذا شأنًا.
سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال: ما تقول في معاوية؟ فقلت له: ومن أنا حتى أُسأَل عن عظيم من عظماء هذه الأمة، وصاحب من خيرة أصحاب محمد ﵌؟ إنه مصباح من مصابيح
=стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) =
الإسلام، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها، فغلبت أنوارها على نوره. نقل الحافظ ابن كثير في: البداية والنهاية: ١٣٣: ٨ عن الليث بن سعد "وهو إمام مصر وعالمها ورئيسها المتوفى سنة ١٧٥" قال: حدثنا بكير، "وهو ابن عبد الله الأشج المدني المصري المتوفى سنة ١٢٧، قال عنه الإمام النسائي: ثقة ثبت" عن بسر بن سعيد المدني "المتوفى سنة ١٠٠ قال عنه ابن معين: ثقة. وقال عنه الليث بن سعد: كان من العباد المنقطعين، أهل الزهد في الدنيا والورع" أن سعد بن أبي وقاص "أحد العشرة المبشرين المبشرين بالجنة" قال: "ما رأيت أحدًا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب" يعني معاوية، وروى ابن كثير أيضًا: ١٣٥: ٨ عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني أحد الأئمة الأعلام الحفاظ "وكان ينسب إلى التشيع"، عن معمر بن راشد أبي عروة البصري ثم اليماني وكان أحد الأعلام، عن همام بن منبه الصنعاني وكان ثقة قال: سمعت ابن عباس يقول: "ما رأيت رجلًا أخلق بالملك من معاوية، وهل يكون الرجل أخلق بالملك إلا أن يكون عادلًا حكيمًا حليمًا، يحسن الدفاع عن ملكه، ويستعين الله في نشر دعوة الله في الممالك الأخرى، ويقوم بالأمانة في الأمة التي ائتمنه الله عليها؟ والذي يكون أخلق الناس بالملك، هل يلام عثمان على توليته؟ ويا عجبًا كيف يلام عثمان على توليته، وقد ولاه من قبله عمر، وتولى لأبي بكر من قبل عمر، وتولى بعض عمل رسول الله ﵌ قبل أن تصير الخلافة إلى أبي بكر وعمر وعثمان، إن المخ الذي يعبث به الشيطان فيسول له مثل هذه الوساوس لا شك أنه مخ فاسد، يفسد على الناس عقولهم ومنطقهم قبل أن يفسد عليهم دينهم وتاريخهم، فمن الواجب على محبي الحق والخير أن يتحاموا كل من يحمل في رأسه مثل هذا المخ كما يتحامون المجذوم، روى الإمام الترمذي عن أبي إدريس الخولاني من كبار علماء التابعين، وأعلم أهل الشام بعد أبي الدرداء أن عمر بن الخطاب لما عزل عمير بن سعد الأنصاري الأوسي عن حمص وولى معاوية، قال الناس: عزل عميرًا وولي معاوية، قال البغوي في معجم الصحابة: وكان عمير يقال له نسيج وحده، قال ابن سيرين: أن عمر كان يسميه بذلك؛ لإعجابه به. وكان عمير من الزهاد فقال عمير: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله ﵌ يقول: "اللهم اهد به"، ويروى أن الذي شهد هذه الشهادة لمعاوية أمير المؤمنين عمر، فإن كان هو الذي شهدها له، وروى دعاء رسول الله ﵌ لمعاوية بأن يهدي الله به، فذلك أمر عظيم؛ لعظم مكانة عمر، وإن كان الذي شهد بذلك عمير بن سعد الأنصاري مع أنه هو المعزول بمعاوية عن ولاية حمص، فإن ذلك لا يقل عظمة عما لو كانت الشهادة لمعاوية من عمر، وقد علمت أن عميرًا من أصحاب =стр. 85
تولية عثمان عبد الله بن عامر بن كريز
١٠- وأما عبد الله بن كريز؛ فولاه -كما قال- لأنه كريم العمات والخالات١٠٥.
الحواشي
(١) = رسول الله ﵌، وأنه من زهاد الأنصار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ١٨٩: ٣: وكانت سيرة معاوية مع رعيته من خيار سيرة الولاة، وكان رعيته يحبونه، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، ولم يتسع المقام هنا لأكثر من هذا، وسنكمل الصورة الحقيقية لمعاوية عند ذكر خلافته لتعلم إلى أي حد كنا مخدوعين بأكاذيب أعداء الصدر الأول للإسلام، هذا قطعة من حديث صحيح كما سنرى فيما بعد. "خ".
١٠٤ هو عبد الله بن عامر بن كريز، توفي سنة ٥٩هـ / ٦٧٨م على أصح الروايات "الذهبي: العبر: ٦٧/١". "س".
١٠٥ هو عبشمي الآباء، هاشمي الخؤولة، فإن أم أبيه أروى بنت كريز أمها البيضاء بنت عبد الملطلب بن هاشم عمة النبي ﵌.
ولما وُلِدَ أتي به إلى النبي ﵌ فقال لبني عبد شمس: "هذا أشبه بنا منه بكم" ثم تفل في فيه فازدرده، فقال ﵌: "أرجو أن يكون مسقيًّا *" فكان لا يعالج أرضًا إلا ظهر منها الماء. ونشأ سخيًّا كريمًا شجاعًا ميمون النقيبة كثير المناقب، افتتح خراسان كلها، وأطراف فارس، وسجستان، وكرمان حتى بلغ أعمال غزنة، وقضى على يزدجرد بن شهريار آخر ملوك الفرس، ويعتقد الإيرانيون أن سلسلة ملوكهم بدأت بآدمهم الذي يسمونه "جيومرت" فلم يزل ملك أولاده منتظمًا على سياق إلى أن كان القضاء الأخير عليه بسلطان الإسلام في خلافة أمير المؤمنين عثمان بجهاد هذا العبشمي الآباء الهاشمي الخؤولة عبد الله بن عامر بن كريز.
وهي حرقة في قلوب أهل النزعة المجوسية على الإسلام، وعلى عثمان وابن كريز، فهم يحقدون على هؤلاء ويحاربونهم إلى اليوم بسلاح الكذب، والبغض، والدسائس، وسيستمر ذلك إلى يوم القيامة، أما صادقو الإسلام ممن أنجبت إيران أيام كانت شافعية المذهب، ولما كان ينبغ منها علماء السنة المحمدية قبل ذلك، وفيهم كبار الأئمة والمحدثون والفقهاء، فقد نزهوا قلوبهم عن أن يكون فيها غل للذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم حتى فتح الله الأقطار على أيديهم، وهدى الأمم بسببهم، فهم يحبونهم ويجلونهم على أقدارهم، ونحن لا ندعى العصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله
=
_________
* روى ابن عبد البر -كما جاء في الإصابة لابن حجر- نحو هذين الحديثين.стр. 86
تولية عثمان الوليد بن عقبة وإلمامه بنشأة الوليد وجهاده
١١- وأما تولية الوليد بن عقبة [فلأن] الناس -على فساد النيات- أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات. فذكر [الأسفرائيون] ١٠٦ أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به، قال عثمان: ما وليته؛ لأنه أخي١٠٧، وإنما وليته؛ لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول الله ﵌ وتوأمة أبيه، وسيأتي بيانه إن شاء الله١٠٨.
الحواشي
(١) =وسلم، ونتوقع الخطأ من كل إنسان صحابيًّا كان أو من التابعين، أو الذين يتبعونهم بإحسان، ولكن الذين ملأوا الدنيا بالحسنات كأنها الجبال، فإن الذي يعمى عنها، ويدس أنفه في مرمى القاذورات ليستخرج منها ما يذم العظماء به، وإن لم يجد يختلق ويكذب، فإن من كرامة المسلم على نفسه أن يترفع عن الإصغاء لأمثال هؤلاء والانخداع لهم، ودع عنك فتوح عبد الله بن عامر بن كريز التي وصلت إلى أقصى المشارق، وتقويضه آخر أمل للإمبراطورية المجوسية، فإن حسناته الإنسانية أيضًا جديرة بالتسجيل.
قال ابن كثير في: البداية والنهاية: ٨٨: ٨ إنه أول من اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام، وأجرى إليها الماء المعين، وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ١٨٩: ٣-١٩٠: "إن له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر"، ومثل هؤلاء الرجال لو كانوا من سلف الإنجليز أو الفرنسيين لخلدوا عظمتهم في كتب الدراسة والثقافة والتهذيب، فتهافتت وزارات معارفنا على نقل ذلك إلى كتبنا المدرسية، ليؤمن جيلنا بعظمة أسلاف المستعمرين، أما عظمة أسلافنا نحن فقط سلط الشيطان عليها قلوبًا فاسدة تقبض بالسوء، وصدق أكاذيبها الأكثرون منَّا، فأمسينا كالأمة التي لا مجد لها، بينما هي نائمة على تراث من المجد لا تحلم الإنسانية بمثله. "م".
١١٦ وكتبها الشيخ محب الدين الخطيب "الافترائيون"، ولكنها ليست في أي من المخطوطات الثلاثة. "س".
١٠٧ هو أخوه لأمه أروى بنت كريز، وأمها البيضاء بنت عبد الملطب بن هاشم. "خ".
١٠٨ قد لا يظن من لا يعرف صدر هذه الأمة أن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة من عرض الطريق فولاه الكوفة، أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأنس بأحوال ذلك العصر وأهله فيعلمون أن دولة الإسلام الأولى من خلافة أبي بكر تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة، الرضي الخلقي، الصادق الإيمان فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة ١٢ "الطبري: ٧: ٤"، ثم وجهه مددًا إلى قائده عياض بن غنم الفهري "الطبري: ٢٢: ٤"، وفي سنة ١٣كانстр. 87
الولاية اجتهاد على ولي أقاربه
والولاية اجتهاد١٠٩، وقد عزل عمر سعد بن أبي وقاص، وقدم أقل
الحواشي
(١) = الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدًا على شرق الأردن "الطبري ٢٩: ٤-٣٠"، ثم رأينا الوليد في سنة ١٥ أميرًا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة "الطبري ١٥٥: ٤" يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلًا يؤتوا من خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ مسلمهم وكافرهم، وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية فكان -مع جهاده الحربي وعمله الإداري- داعيًا إلى الله يستعمل جميع أساليب الحكمة الموعظة الحسنة لحمل نصارى أياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب، وهربت منه إياد إلى الأناضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليد خليفته عمر على كتابة كتاب تهديد إلى قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية. وحاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبابها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:
إذا ما عصبت الرأس مني بمشوذ ... فغيّك مني تغلب ابنة وائل
وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب، فيفلت من يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم، وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان من خير ولاتها عدلًا ورفقًا وإحسانًا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة على ما سنذكره فيما بعد. "خ".
١٠٩ للمؤلف في أواخر هذا الكتاب فصل عنوانه "نكتة" أشار فيه إلى المعاني والحقائق التي يلاحظها ولي الأمر عند اجتهاده في تولية الولاة وعزلهم، وذلك لفقه عظيم ومعارف بديعة بينها أئمة الإسلام وعلماؤه في الفصول التي عقدوها للإمامة وسياسة الدولة في كتبهم المصنفة في أصول الدين، وقد زعم طاغية الشيعة ومدلسهم الحسن بن المطهر الحلي في كتابه "منهاج الكرامة" أن عثمان ولَّى أمور المسلمين من لا يصلح للولاية، فأجابه شيخ الإسلام ابن تيمية في: منهاج السنة: ١٧٣: ٣-١٧٦ أن عليًّا ﵁ ولَّى زياد بن أبي سفيان وولى الأشتر النخعي وولى محمد بن أبي بكر وأمثال هؤلاء، ولا يشك عاقل أن معاوية بن أبي سفيان كان خيرًا من هؤلاء كلهم، قال: ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان أنه ولى أقاربه من بني أمية، ومعلوم أن عليًّا ولى =стр. 88
كان النبي ﷺ أول من ولى بني أمية واستعان بهم
منه درجة١١٠.
الحواشي
(١) = أقاربه من قبل أبيه وأمه فولى عبد الله بن عباس على اليمن، وولى على مكة والطائف قثم بن العباس، وأما المدينة فقيل إنه ولى عليها سهل بن حنيف وقيل ثمامة ربيبة محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره، "لأنه تزوج أمه بعد وفاة أبي بكر وكان محمد صغيرًا".
ثم إن الإمامية تدعي أن عليًّا نص على أولاده في الخلافة -أو على ولده، وولده على ولده الآخر وهلم جرَّا- ومن المعلوم أن كان تولية الأقربين منكرًا، فتولية الخلافة العظمة أعظم من إمارة بعض الأعمال ... وإذا قال القائل: لعلي حجة فيما فعله، قيل له: وحجة عثمان فيما فعله أعظم، وإذا ادعى لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين، كان يدعى لعثمان الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول ... ثم قال: إن بني أمية كان رسول الله ﵌ يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يتهم بقرابة فيهم: أبو بكر وعمر، ولا تعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمال لرسول الله ﵌ أكثر من بني عبد شمس؛ لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي ﵌ في عزة الإسلام على أفضل الأرض: مكة عتاب بن أسيد ابن أبي العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج، وعلى صنعاء واليمن حتى مات رسول الله ﵌، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عرينة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا، ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء بن الحضرمي "حليف بني أمية" حتى توفي النبي ﵌.
فيقول عثمان: أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي ﵌ ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده ... فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي ﵌ أظهر عند كل عاقل من دعوى كون الخلافة في واحد معين من بني هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذلك صدق باتفاق أهل العلم بالنقل، "وانظر أيضًا منهاج السنة: ٢٣٦: ٣-٢٣٧". والذي يستعرض حياة عمال عثمان وجهادهم وفضائلهم يراهم في الذروة العليا من رجال الدولة، ولا يتردد في أنهم من بناة الأساس الأقوم في مجد الإسلام الإداري والعسكري، ولهم ثواب نتائجه في الفتوح وانتشار دعوة الإسلام بما يعده التاريخ من معجزاته الخارقة للعادات. "خ".
١١٠ كان ذلك سنة ٢١، والذين تولوا بعد سعد: عبد الله بن عبد الله =стр. 89
عدالة مروان وأنه من كبار الأمة عند الصحابة وفقهاء المسلمين
١٢- وأما قول [القائل] في مروان والوليد، فشديد عليهم، وحكمهم عليهما بالفسق فسق منهم.
مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، أما الصحابة فإن سهل بن سعد الساعدي روى عنه١١١. وأما التابعون فأصحابه في السن، وإن [كان] جازهم باسم الصحبة في أحد القولين١١٢، وأما قهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه، واعتبار [خلافه] ١١٣، والتفلت
الحواشي
(١) = ابن عتبان، "وفي زمانه كانت وقعة نهاوند" ثم زياد بن حنظلة، وألح في الاستعفاء فأعفي، وولي بعده عمار بن ياسر "الطبري ٢٤٦، وما قبلها". "خ".
١١١ وروايته عنه في صحيح البخاري وغيره. "خ".
١١٢ وفي طليعة من روى عنه من كبار التابعين زيد العابدين علي بن الحسين السبط، نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في: منهاج السنة: ١٢٣: ٢، والحافظ ابن حجر في الإصابة، وترى تفصيله في طبقات الشافعية الكبرى للتاج السبكي في ترجمة اللغوي الشهير أبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر صاحب تهذيب اللغة: "٢٨٢-٣٧٠"، وممن نص الحافظ ابن حجر على روايتهم عن مروان: سعيد بن المسيب رأس علماء التابعين، وإخوانهمن الفقهاء السبعة أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وعبيد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وأضرابهم كعراك بن مالك الغفاري المدني فقيه أهل دهلك وكان يصوم الدهر، وكعبد الله بن شداد بن الهاد أحد الرواة عن عمر وعلي ومعاذ: وإن رواية عروة بن الزبير عن مروان في مسند الإمام أحمد "الطبعة الأولى ٣٢١: ٤، ٣٢٣، ٣٢٦، ٣٢٨، ١٨٩: ٥"، ورواية عراك عن مروان نقلها إمام أهل مصر الليث بن سعد عن يزيد بن حبيبة في مسند أحمد: ٣٢٨: ٤ ورواية عبد الله بن شداد بن الهاد عن مروان في مسند أحمد: ٣١٧: ٦ و ٣٢٣، والذي يتأمل في الأحاديث المروية عن مروان يجد حملتها من الأئمة الثقات تتسلسل روايتهم عنه مدة جيلين وأكثر، وكلهم أعلى مرتبة في الإسلام من الذين يبردون الغل الذي في قلوبهم بالطعن في مروان، ومن هو خير من مروان. بل في رواة أحاديث مروان عبد الرزاق إمام أهل اليمن، وكانت فيه نزعة تشيع، وفي مسند أحمد: ٣١٢: ٦ حديث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أنه كان رسول مروان إلى أم المؤمنين أم سلمة في تحقيق بعض الأحكام الشرعية، وفي ٢٩٩: ٦ من مسند أحمد نموذج لعظيم عناية مروان بسنة رسول الله ﵌، بأقصى ما يمكن أن يصدر عن أئمة المسلمين وأمرائهم. "خ".
١١٣ في "ب"، "ج"، "ز": خلافته "س".стр. 90
سقوط كل ما استدلوا به على الوليد في آية ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾
إلى فتواه، والانقياد إلى روايته، وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم١١٤.
وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أنه الله سماه فاسقًا في قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] فإنها-في قولهم- نزلت فيه، أرسله النبي ﵌ إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله ﵌ إليهم خالد بن الوليد، فتثبت في أمرهم فبيَّن بطلان قوله، وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك١١٥، وقيل في علي، والوليد في قصة
الحواشي
(١) ١١٤ ومن غريب أمر هؤلاء البغاة والمفترين أنهم يحملون على مروان ويتهمونه بمختلف التهم، وهو منها براء، وقد وقع أسيرًا يوم الجمل في أيدي أصحاب علي ﵁، فلم يمسه أحد بسوء، لا بإذن علي، ولا بغير إذنه. "م".
١١٥ كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ويسميه الله فاسقًا، ثم تبقى له في نفس خليفتي رسول الله ﵌ أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ، وأوردنا الأمثلة عليها في هامش صـ ٩٨ عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عامًا قبل أن يوليه عثمان الكوفة، إن هذا التناقض -بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة، وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقًا- حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه، لا استبعادًا لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقًا، ولكن استبعادًا لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله بعد رسوله ﵌ من هو أقرب إلى الله منهما. وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .﴾ ، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة، أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحادث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة، وإن الذين لهم هوىً في تسويء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقامًا من الوليد قد ملأوا الدنيا أخبارًا مريبة ليس لها قيمة علمية، وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسماءهم، فمن غير الجائز شرعًا وتاريخًا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها، وهناك خبران موصولان =стр. 91
أخرى، وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله ﵌ فمسح على رؤوسهم وبرك عليهم، إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع [﵌] ١١٦ من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنة يرسل مصدقًا١١٧.
الحواشي
(١) = أحدهما عن أمة سلمة، زعم موسى بن عبيد الله أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة.
وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة، وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم، فلم يذكر في تهذيب التهذيب، ولا في تقريب التهذيب، ولا في خلاصة تهذيب الكمال، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني ميزان الاعتدال ولسان الميزان.
وذهبت إلى مجموعة أحاديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد فقرأتها واحدًا واحدًا، فلم أجد فيها هذا الخبر، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيها اسم مولى لها يدعى ثابت. زِدْ على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر -إن صح عنها، ولا سبيل إلى أن يصح عنها- أن الآية نزلت في الوليد، بل قالت -أي قيل على لسانها-: بعث رسول الله ﵌ رجلًا في صدقات بني المصطلق، والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس. والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه؛ لأن ابن سعد لما توفى ببغداد سنة ٢٣٠كان الطبري طفلًا في السادسة من، عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلده آمل في طبرستان لا إلى بغداد ولا لغيرها، وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلًا عن أن يعرفوا شيئًا من أحوالهم، فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها، مجاهد كان موضع ثقة أبي بكر وعمر، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله.
أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي في الفقرة التالية."خ".
١١٦ زيادة من عمل الشيخ محب الدين الخطيب؛ لتوضيح السياق، ولكنها ليست في أي من المخطوطات الثلاثة. "س".
١١٧ هذا الحديث عن سن الوليد بن عقبة يوم فتح مكة رواه الإمام أحمد في مسنده: ٣٢:٤ الطبعة الأولى عن شيخ له هو فياض بن محمد الرقي، عن جعفر بن برقان الرقي عن ثابت بن الحجاج الكلابي الرقي عن عبد الله الهمداني "وهو عبد الله بن مالك بن الحارث" عن الوليد بن عقبة، والظاهر أن الوليد بن عقبة تحدث بهذا الحديث عندما اعتزل الناس في السنين الأخيرة =стр. 92
وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق١١٨ رجل يتمثل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد ﵌؟!
الحواشي
(١) = من حياته واختيار الإقامة في قرية له من أعمال الرقة، فتسلسلت رواية الخبر في الرواة الرقيين، وأخذه الإمام أحمد عن شيخ له منهم، وعبد الله الهمداني ثقة، لكن التبس اسمه في غير هذه الرواية آخر يكنى أبا موسى واسمه مالك بن الحارث أي على اسم والد عبد الله الهمداني، وهو مجهول عند أهل الجرح والتعديل، وأما عبد الله الهمداني الذي ينتهي إليه الخبر في رواية الإمام أحمد فمعروف وموثوق به، وعلى روايته وأمثاله اعتمد القاضي ابن العربي في الحكم على سن الوليد بن عقبة، بأنه كان صبيًّا عند فتح مكة، وأن الذي نزلت فيه آية: ﴿إِنْ جَاءِكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ هو شخص آخر، ومن عجيب أمر الذين كان لهم هوىً في تشويه سمعة هذا الصحابي الشاب المجاهد الطيب النفس الحسن السيرة في الناس أهم حاولوا إدحاض حجة صغر سنه في ذلك الوقت بخبر آخر روي عن قدومه مع أخيه عمارة إلى المدينة في السنة السابعة للهجرة ليطلبا من النبي ﵌ رد أختهما أم كلثوم إلى مكة، وأصل هذا الخبر -إن صح- مقدم فيه اسم عمارة على اسم الوليد، وهذا مما يستأنس به في أن عمارة هو الأصل في هذه الرحلة وأن الوليد جاء في صحبته، وأي مانع يمنع قدوم الوليد صبيًّا بصحبة أخيه الكبير كما يقع مثل ذلك في كل زمان ومكان؟ فقول الوليد أنه كان في سنة الفتح صبيًّا ليس في خبر قدومه مع أخيه الكيبر إلى المدينة في السنة السابقة ما يمنعه أو يناقضه، فإذا تقرر عندك أن جميع الأخبار الواردة بشأن الوليد بن عقبة في سبب نزول الآية: ﴿إِنْ جَاءَكْمُ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ لا يجوز علميًّا أن ينبي عليها حكم شرعي أو تاريخي، وإذا أضفت إلى ذلك حديث مسند الإمام أحمد عن سن الوليد في سنة الفتح، يتبين لك بعد ذلك حكمة استعمال أبي بكر وعمر الوليد وثقتهما به واعتمادهما عليه مع أنه كان لا يزال في صدرشبابه."خ".
١١٨ قال محققو تفسير "زاد المسير في علم التفسير" للإمام بن الجوزي: ٤٩١/٧ طبعة المكتب الإسلامي الذي يديره الأخ الفاضل الأستاذ زهير الشاويش، وهو أحد المشتركين في التحقيق:
"ذكر الواحدي أن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكْمُ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوْا﴾ نزلت في الوليد بن عقبة" ... ذكر ذلك في أسباب النزول بغير سند، ورواه الطبري من حديث أم سلمة، وفي سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. ورواه أحمد في المسند من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي. قال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف: رواه ابن إسحاق، والطبراني من حديث =стр. 93
إقامة عمر الحد على صهره قدامة بن مظعون من رجال بدر
وأما حده في الخمر، فقد حد عمر قدامة بن مظعون على الخمر وهو أمير وعزله، [ثم قيل* له صالحه] ١١٩.
الحواشي
(١) = أم سلمة، وفيه موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، قال: ونحوه رواه أحمد والطبراني أيضًا من حديث الحارث بن ضرار الخزاعي، وأخرجه ابن مردويه من طريق عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش عن موسى بن المسيب عن سالم بن الجعد عن جابر ... ا. هـ. باختصار. مما سبق ندرك أنه لا مجال لقول المؤلف هنا برد الأحاديث القوية عند الاختلاف والاضطراب. "م".
لأهل العلم في مثل هذه المسألة مذاهب:
- النظر في الناسخ والمنسوخ.
- الجمع بينهما أن أمنك [تأويل مختلف الحديث] .
- النظر في المحكم والمتشابه، العام والخاص، المطلق والمقيد.
إلى غير ذلك من المذاهب، وهذا كله إن كان الحديث في نفسه صحيحًا. "س".
١١٩ قدامة بن مظعون الجمحي أحد السابقين الأولين، هاجر الهجرتين وشهدا بدرًا، وكان صهر أمير المؤمنين عمر على أخته، وقيل بل هو خال أم المؤمنين حفصة بنت عمر وأخيها عبيد الله، وفي إمارة قدامة على البحرين في خلافة عمر قدم الجارود سيد بني عبد القيس على عمر من البحرين وادعى أن قدامة شرب فسكر. فقال له عمر: من يشهد معك؟ قال: أبو هريرة.
فاستشهد أبا هريرة فقال: لم أره شرب، ولكني رأيته سكران يقيء، فقال له عمر: لقد تنطعت في الشهادة. واستقدم قدامة من البحرين، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب الله. فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد؟ فقال: شهيد. فقال عمر: قد أديت شهادتك. فصمت الجارود، ثم غدا على عمر فقال: أقم على هذا حد الله. فقال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك. فقال: يا عمر، ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوؤني ... ثم جيء بزوجة لقدامة فأقامت الشهادة على زوجها، وأراد عمر أن يقيم عليه الحد، فقال له الصحابة: لا نرى أن تحده ما دام مريضًا، ثم عاوده، فقالوا له كما قالوا من قبل. فقال عمر: لأن يلقى الله تحت السياط أحب إلى من ألقاه وهو في عنقي. وجلده. فغاضبه قدامة. وعند قفولها من الحج جيء به إلى عمر، فكلمه عمر واستغفر له، ومن حسن حظ قدامة بن مظعون أنه قرشي من بني جمح، ولو أنه كان قرشيًّا من بني عبد شمس لانطلقت ألسنة السوء بالبذاءة عليه واختراع الأكاذيب فيه ما دام في الدنيا كذب. "خ".
* في جميع النسخ هكذا، وأصلحه الشيخ محب الدين الخطيب: [وقيل إنه صالحه] ، ولم يشر ﵀ إلى ذلك. "س".стр. 94
وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة١٢٠.
وقد قيل لعثمان: إنك وليت الوليد لأنه أخوك لأمك أروى بنت كريز
الحواشي
(١) ١٢٠ هذا حق، ولكن في مثل ما تقدم عن قدامة بن مظعون، وفي مثل ما هو مشهور عند الناس عن أبي محجن الثقفي الشاعر الفارسي الذي كان له يوم أغر في حرب القادسية، أما الوليد بن عقبة المجاهد الفاتح العادل المظلوم الذي كان منه لأمته كل ما استطاعه من عمل طيب، ثم رأى بعينه كيف يبغي المبطلون على الصالحين وينفذ باطلهم فيهم، فاعتزل الناس بعد مقتل عثمان في ضيعة له منقطعة عن صخب المجتمع، وهي تبعد خمسة عشر ميلًا عن بلدة الرقة من أرض الجزيرة التي كان يجاهد فيها ويدعو نصاراها إلى الإسلام في خلافة عمر فقد آن لدسائس الكذابين فيه أن ينكشف عنها غوارها. ولا يضير هذا الرجل أن يتأخر انكشاف الحق فيه ثلاثة عشر قرنًا، فإن الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه. أراد الوليد بن عقبة -منذ ولي الكوفة لأمير المؤمنين عثمان- أن يكون الحاكم المثالي في العدل والنبل والسيرة الطيبة مع الناس، كما كان المحارب المثالي في جهاده وقيامه للإسلام بما يليق بالذائدين عن دعوته، الحاملين لرايته، الناشرين لرسالته، وقد لبث في إمارته على الكوفة خمس سنوات، وداره إلى اليوم الذي زايل فيه الكوفة ليس لها باب يحول بينه وبين الناس ممن يعرف أو لا يعرف، فكان يغشاها كل من شاء متى شاء من ليل أو نهار. ولم يكن بالوليد حاجة لأن يستتر عن الناس:
فالستر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وكان ينبغي أن يكون الناس كلهم محبين لأميرهم الطيب لأنه أقام لغربائهم دور الضيافة، وأدخل على الناس خيرًا حتى جعل يقسم المال للولائد والعبيد ورد على كل مملوك من فضل الأموال من كل شهر ما يتسعون به من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم. وبالفعل كانت جماهير الشعب متعلقة بحب هذا الأمير المثالي طول مدة حكمه. إلا أن فريقًا من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصيد الأذى له، ومن هؤلاء رجال يسمى أحدهم أبا زينب بن عوف الأزدي وآخر يسمى أبا مورع وثالث اسمه جندب أبو زهير قبضت السلطات على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلًا بجواره رجل من أصحاب رسول الله ﵌ على جيش خزاعة يوم فتح مكة، فجاء هو وابنه من المدينة إلى الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو الشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان، وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين، فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان =стр. 95
ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، قال: بل لأنه ابن عمة رسول الله صلى
الحواشي
(١) = بأن يكيدوا لهذا الأمير الطيب الرحيم، وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته، وكان بيته مفتوحًا دائما. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانيًّا في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جواسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانيًّا لابد أن يكون ممن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك، فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب، فلما فوجيء بهم نحى شيئا أدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا أذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم. وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر، ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب، وذهب بعض الذين كانوا عمالًا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء سيرتهم، فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة، وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه، فسأل عنه زوجتيه -وكانت في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر- فقالتا: إن آخر من بقى في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحلتيهما للوليد، فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكانا قد سافرا إلى توا إلى المدينة، وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر "وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر" فقال لهما عثمان: كيف رأيتما؟ قالا: كنا في غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقيء الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار.
هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة ٣٠ من تاريخ الطبري، وليس فيها -على تعدد مصادرها القديمة- شيء غير ذلك، وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلًا عن أن تكون =стр. 96
الله عليه وآله وسلم أم حكيم البيضاء جدة عثمان وجدة الوليد لأمهما أروى
الحواشي
(١) = اثنتين أو أربعًا، وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب. فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر "أحد أتباع علي" أنه كان مع علي عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل عنه هذا الخبر فسجله مسلم في صحيحه: كتاب الحدود ب ٨ ح ٣٨-ج ٥، صـ ١٢٦، بلفظ: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين، وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ. أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود. ولا كان في الكوفة في وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف، ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في صحيح مسلم، وارد في ثلاثة مواضع في مسند أحمد رويًا عن حضين، والذي سمعه من حضين في صحيح مسلم هو الذي سمعه منه في مسند أحمد بمواضعه الثلاثة، فالموضعان الأول والثاني: ج ١صـ ٨٢ و ١٤٠ الطبعة الأولى -ج٢ رقم ٢٦٤ و ١١٨٤ الطبعة الثانية ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلًا عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد، وأما في الموضع الثالث من مسند أحمد: ج ١ صـ ١٤٤-١٤٥ الطبعة الأولى ج ٢ رقم ١٢٢٩ فقد جاء فيه على لسان حضين "أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعًا" وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في صحيح مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف الله أعلم بسببه. وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين، وحضين ليس بشاهد، ولم يروِ عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه، وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه. وأزيدك علمًا بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد، فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة، ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعيث فيها فسادًا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة، وكان سبب تسييره إلى الشام. وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين والآخرين قبله إلى ضمير القارئ، يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله، وكان وضعه ثقة عند ثلاثة من أكمل خلفاء الإسلام =стр. 97
المذكورة أم حكيم توأمة عبد الله أبي رسول الله ﵌، و أي حرج على المرء أن يولي أخاه أو قريبه ١٢١، ١٢٢.؟.
الحواشي
(١) = أبي بكر وعمر وعثمان، وأن قرابة الوليد من عثمان التي يزعم الكذبة أنها سبب المحاباة منه لهم إنما كانت سبب التسامح من عثمان في عزلهم والقسوة عليهم لئلا يقال: أن له هوىً في ذوي قرابته. ورأينا الذين يتسلون بأعراض الناس يتفكهون بأبيات ستة منسوبة إلى ماجن خسيس النفس وردت في صـ ٨٥ من ديوانه، ولا تحملهم سليقة النقد على الشعور بما في هذه الأبيات من التضارب والتعارض، فأين مدحه فيها للوليد بقوله:
ورأوا شمائل ماجد أنف ... يعطى على الميسور والعسر
فنزعت مكذوبًا عليك ولم ... تردد إلى عوز ولا فقر
من بيقة الأبيات التي فيها:
نادى وقد تمت صلاتهم ... أزيدكم ثملًا وما يدري
فالذي يقول البيت الأخير لا يعقل أن يقول مع البيتين الأولين فيكون مادحًا وذامًّا في قطعة واحدة لا تزيد على ستة أبيات، وقد كانت لي مقالة مطولة عن "التخليط في الشعر" ضربت فيها الأمثلة على دس أبيات غريبة في قصائد من وزنها ورويها لغير ناظمها. وعلى كل حال فالشهود الذين شهدوا بين يدي عثمان لم يدعوا حكاية الصلاة، مع أنهم لم يكونوا ممن يخاف الله واليوم الآخر. والآن أقولها لوجه الله صريحة مدوية أن الوليد لو كان من رجال التاريخ الأوروبي كلويس التاسع الذي أسرناه في دار لقمان بالمنصورة لعدوه قديسًا؛ لأن لويس لم يحسن إلى فرنسا، كإحسان الوليد بن عقبة إلى أمته، ولم يفتح للنصرانية كفتح الوليد للإسلام، والعجب لأمة تسيء إلى أبطالها، وتشوه جمال تاريخها، وتهدم أمجادها كما يفعل الأشرار منا، ثم ينشر كيد هؤلاء الأشرار حتى يظن الأخيار أنه هو الحق."خ".
١٢١ وقد تقدم في هامش صـ ٩٨ أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب جعل الأمراء في مدة خلافته على أكثر أمصار حكمه من ذوي قرابته. وأن رسول الله ﵌ ولى رجال بني أمية وشبابهم. وكذلك فعل أبو بكر وعمر، فلم يفعل عثمان إلا الذي سبقه إليه النبي ﵌ وصاحباه. بل إن عثمان لما أقام الحد على أخيه لأمه فعل ما لا نظن أحدًا يفعله بشهادة الشهود المغرضين الذين لم يريدوا الله بشهادتهم. وإذا كان الشهود على الوليد من هذه الطبقة المغرضة، فقد شهد له بظهر الغيب قاضٍ من أعظم قضاة الإسلام في التاريخ علمًا وفضلًا وإنصافًا وهو الإمام عامر بن شراحبيل الشعبي. روى الطبري: ٦٠:٥ أن الشعبي سمع في أوائل بطولة مسلمة بن عبد الملك حفيدًا للوليد بن عقبة يتحدث عن جهاد مسلمة، فقالстр. 98
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الشعبي: "كيف لو أدركتم الوليد غزوة وإمارته؟ إن كان ليغزو فينتهي إلى كذا وكذا ... ما قصر، ولا انتقض عليه أحد. حتى عزل عن عمله وعلى الباب "أي الدربند، وراء بحر الخزر في روسيا، وكان من أمنع معاقل الدنيا". عبد الرحمن الباهلي "وهو من أعظم قواد الوليد". وإن كان مما زاد عثمان على يده "أي على يد الوليد" أن رد على كل مملوك بالكوفة من فضول الأموال ثلاثة في كل شهر يتسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم". فهذه ثلاثة في كل شهر يتسعون بها من غير أن ينقص مواليهم من أرزاقهم. فهذه الشهادة من الإمام الشعبي للوليد في جهاده الحربي الظافر، وفي إحسانه لرعيته في معايشهم، تفقأ عيون المبطلين، وتقر أعين الصالحين، وصدق أمير المؤمنين عثمان يوم طيب قلب أخيه المظلوم بقوله: "نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار". ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . إلخ.
١٢٢ ومما يؤسف له أن الشيخ محمد أبا زهرة الأستاذ في كلية الشريعة بجامعة القاهرة انساق مع من انساق في أن أسباب الثورة على عثمان ﵁:
"اشتهاره بحبه لقرابته، وليس في ذلك إثم ولا لوم، ولكنه ولائهم وقربئهم، وكان يستشيرهم في كثير من شئون الدولة، وفيهم من ليس أهل للثقة، وبمقدار الاكثار من استشارتهم لم يكثر من استشارة عليه الصحابة: كعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة وغيرهم" ... المذاهب الإسلامية صـ ٤٣.
نستدرك على عبارة الأستاذ أبي زهرة ما يلي:
أولا: ليس في تولية الأقارب إثم ولوم ما داموا أكفاء مخلصين، فقد ولى رسول الله ﵌ ابن عمه عليًّا بن أبي طالب على الأخماس باليمن والقضاء بها، كما ولى كثير من رجال بني أمية المناصب الهامة، وهم يمتنون إليه بالقرابة "راجع جوامع السيرة لابن حزم"، وكذلك فعل علي بن أبي طالب لما ولي الخلافة، فكان من ولاته عبد الله بن عباس، وقثم بن عباس، وثمامة بن عباس..
ثانيا: كنا نتمنى من الأستاذ أبي زهرة أن يذكر لنا مثالًا من أقرباء عثمان ﵁ الذين ليسوا أهلًا للثقة كما زعم، كما تقدم معنا.
ولعله يقصد بذلك مروان بن الحكم، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي قال عنه صـ ٤٤: "كان النبي ﵌ قد أباح دمه إذ ارتد بعد إيمان، وقد ولاه بعد عمرو بن العاص"....
أما مروان فقد تحدث عنه مؤلف العواصم ما فيه الكفاية ...
وأما عبد الله بن سعد فقد ذكر الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في منهاجстр. 99
ما فعله عثمان والذين قبله في خمس الخمس والإقطاع
١٣- وأما عطاؤه خمس إفريقية لواحد فلم يصح١٣٢، على أنه قد
الحواشي
(١) = السنة ١٩٦: "كان عثمان شفع في عبد الله بن سعد، فقبل ﵌ شفاعته فيه وبايعه".
وقد أبلى هذا الصحابي بلاءً حسنًا في محاربة الروم، ففتح بلاد النوبة وصالحه أهله على دفع الجزية، واشترك مع معاوية ﵁ في تأسيس الأسطول الإسلامي، وفي معركة "ذات الصواري" في حرب الروم حتى أتم النصر للمسلمين عليهم، وكان لأسطول ابن سعد الفضل في حماية سواحل مصر وأفريقية من غزو الروم، فرحمه الله وجزاه عن الإسلام خير الجزاء.
ثالثًا: وما قاله الأستاذ أبو زهرة من إكثار استشارته لأقربائه من بني أمية، وعدم الإكثار من استشارة كبار الصحابة، فكلام متهافت لا دليل له عليه، والأدلة على عكس ما يقول أكثر من أن تذكر، وهي مبنية بتفصيل في بطون كتب التاريخ ويعرفها حتى صغار الطلبة.
وقد كان عثمان ﵁ عالمًا بكل ذلك، فكيف يكون من الحزم أن يتقاتل المسلمون ويذهب منهم كثير من الضحايا، وهو عارف أنه مقتول لا محالة.
ومما أخذه الأستاذ أبو زهرة وغيره على عثمان ﵁ كما جاء في المصدر السابق. صـ ٤٦
"لم يكن ﵁ حازمًا مع الذين ثاروا عليه وهاجموا داره ... ولو أنه أخذ أولئك العصاة بالشدة ... لأدى ذلك إلى نجاته ... ولقد كان عظماء الصحابة على استعداد لنصرته، وكلما هموا بحمل السلاح ثبطهم ... وقد منعهم سيدنا عثمان؛ إيثارًا للعاقبة، ومنعًا للقتل والقتال بين المسلمين.
لقد غاب عن الأستاذ أبي زهرة أن عثمان ﵁ كان عالمًا بمصيره، فقد بشره رسول الله ﵌ بالجنة على بلوى تصيبه كما جاء في صحيح البخاري، كما بشره بالشهادة أيضًا، فعن أنس أن النبي ﵌ صعد أحدًا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله فقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" رواه البخاري.
إن الحزم كل الحزم كان ما فعله هذا الخليفة الراشد. "م".
١٢٣ والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه. جاء في حوادث سنة ٢٧ من تاريخ الطبري: "٤٩: ٥ مصر، ٢٨١٤: ١-٢٨١٥ طبع أوربا" أن عثمان لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف من مصر على تونس لفتحها قال له: "إن فتح الله عليك غدًا أفريقية، فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس من الغنيمة نفلًا"، فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر، وأوغلوا في أرض أفريقية =стр. 100
عثمان لم يضرب أحدا بالعصا
ذهب مالك وجماعة إلى الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وإن أعطاه لواحد جائز، وقد بينا ذلك في مواضعه١٣٤.
الحواشي
(١) = وفتحوها سهلها وجبلها، وقسم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم وأخذ خمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصرى، فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: "أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو ردٌّ"، قالوا: إنا نسخطه، فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرده فرده. ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح أفريقية.
١٢٤ أي في مؤلفاته الأخرى عند بسطه هذه المسألة من أحكام الفقه الإسلامي. قال الإمام عامر بن شراحيل الشعبي: "إنما القطائع على وجه النفل من خمس ما أفاء الله". قال: "وأقطع عمر طلحة وجرير بن عبد الله والربيل بن عمرو. وأقطع "أي عمر" أبا مفزر دار الفيل". وممن أقطعهم عمر بن الخطاب نافع أخو زياد وأبي بكرة لأمهما، وأقطعه أرضًا في البصرة لخيله وإبله مساحتها عشرة أجربة "انظر ترجمة نافع في الإصابة" قال القاضي أبو يوسف في كتاب الخراج: صـ ٦١: "وقد أقطع رسول الله ﵌ وتألف على الإسلام أقوامًا، وأقطع الخلفاء من بعده من رأوا أن في أقطاع صلاحًا "وضرب أبو يوسف الأمثلة على ذلك". وانظر باب القطائع في صـ ٧٧-٧٨ من كتاب الخراج ليحيى بن آدم القرشي طبع السلفية. وذكر الإمام الشعبي بعض الذين أقطعهم عثمان فقال: "وأقطع الزبير، وخباب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وابن هبار أزمان عثمان، فأين يكن عثمان أخطأ، فالذين قبلوا منه الخطأ أخطأوا، وهم الذين أخذنا عنهم ديننا" "الطبري: ١٤٨: ٤". واقطع علي بن أبي طالب كردوس بن هانيء الكردوسية، وأقطع سويدًا بن غفلة أرضًا لدى ذويه. فكيف ينكرون على عثمان ويسكتون على عمر وعلي. وللقاضي أبو يوسف كلام سديد في هذا الموضوع في كتاب الخراج صـ ٦٠-٦٣ طبعة السلفية سنة ١٣٥٢. وما زعمه الزاعمون من أن عثمان كان يود ذوي قرابته ويعطيهم، فمودته ذي قرابته من فضائله، وعلي أثنى على عثمان بأنه أوصل الصحابة للرحم، وعثمان أجاب عن موقفه هذا بقوله: "وقالوا: إني أحب أهل بيتي وأعطيهم. فأما حبي لهم فإنه لم يُملْ معهم على جور، بل أحمل الحقوق عليهم. وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي، ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي، ولا لأحد من الناس. وقد كنت أعطي العطية الكبيرة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﵌ وأبي بكر وعمر، وأنا يومئذ شحيح حريص. أفحين أتت علي أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي قال الملحدون ما قالوا" وقال الطبري ١٠٣: ٥: "وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه في بني أمية، =стр. 101
علو عثمان على منبر رسول الله ﷺ
١٤- وأما قولهم إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع أو عصى، وإنما هو باطل يحك، وزر ينثى١٢٥، فيالله وللنهي.
١٥- وأما علوه على درجة رسول الله ﵌، فما سمعته ممن فيه تقية. وإنما هي إشاعة منكر؛ ليروي ويذكر، فيتغير قلب من يتغير. قال علماؤنا: ولو صح ذلك فما في هذا ما يحل دمه، ولا يخلو أن يكون ذلك حقًّا، فلم تنكره الصحابة عليه إذ رأيت جوازه ابتداء أو لسبب اقتضى ذلك. وإن كان لم يكن فقد انقطع الكلام ١٢٨.
١٦- وأما انهزامه يوم حنينن وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر وبيعة
الحواشي
(١) = وجعل ولده كبعض من يعطي، فبدأ ببني أبي العاص فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف فأخذوا مائة ألف، وأعطى بني عثمان مثل ذلك، وقسم في بني العاص وبني العيص وفي بني حرب". بل تمادى شيخ الإسلام ابن تيمية مع أوسع الاحتمالات فذكر في منهاج السنة: "٣: ١٧٨-١٨٨" أن سهم ذوي القربى ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لقرابة الإمام كما قاله الحسن وأبو ثور، وأن النبي ﵌ كان يعطي أقاربه بحكم الولاية ... وقيل هو لمن ولي الأمر بعده.. قال: وبالجملة فعامة من تولى الأمر بعد عمر كان يخص بعض أقاربه إما بولاية أو بمال. ثم قال في: ٢٣٧: ٣: "أن ما فعله عثمان في المال له ثلاثة مآخذ: أحدهما أنه عامل عليه، والعامل يستحق مع الغنى. الثاني أن ذوي القربى هم ذوو قربى الإمام. الثالث أنهم "أي ذوو عثمان وقرابته" كانوا قبيلة كثيرة ليسوا مثل قبيلة أبي بكر وعمر، فكان يحتاج إلى إعطائهم وولايتهم أكثر من حاجة أبي بكر وعمر إلى تولية أقاربهما وإعطائهم. وهذا مما نقل عن عثمان الاحتجاج به". "خ".
١٢٥ نثى الخبر والحديث: أذاعه وأظهره. والنثا مثل الثناء، إلا أنه في الخير والشر، والثناء في الخير خاصة. "م".
١٢٨ كان مسجد رسول الله ﵌ ضيق المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر، وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ﵌ عندما زاد الصحابة أن اشترى من ماله مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وضعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب، ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها، فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى، وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجدد بناءه، فاتساع المسجد وازياد غاشيته وبعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه. "خ".стр. 102
تخلفه بالمدينة عن بدر لتمريض زوجته رقية بنت رسول الله ﵌
الرضوان، فقد بيَّن عبد الله بن عمر وجه الحكم في شأن البيعة وبدر وأحد، وأما يوم حنين فلم يبق إلا نفر يسير مع رسول الله ﵌، ولكن لم يجر في الأمر تفسير من بقى ممن مضى في الصحيح، وإنما هي أقوال، منها أنه ما بقي معه إلا العباس وابناه عبد الله وقثم، فناهيك بهذا الاختلاف، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد عفا الله عنه ورسوله، فلا يحل ذكر ما أسقطه الله ورسوله والمؤمنون، أخرج البخاري١٢٩: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر عن محاسن عمله وقال: لعل ذلك يسؤوك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله عن علي، فذكر من محاسن عمله، وقال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي ﵌، ثم قال: لعل ذلك يسؤوك؟ قال: أجل. قال: فأرغم الله بأنفك. انطلق فاجهد على جهدك. وقد تقدم في حديث: "بني الإسلام على خمس" زيادة فيه للبخاري في علي وعثمان١٣٠. وقد أخرج البخاري أيضًا١٣١ من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر، إني سائلك عن شيء فحدثني عنه، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعالَ أبين لك. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﵌ وكانت مريضة، فقال له رسول الله ﵌: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه" ١٣٢. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو
الحواشي
(١) ١٢٩ في كتاب فضائل الصحابة: ك ٦٢، ب ٩-ج ٤، صـ ٢٠٨ من حديث سعد بن عبيدة. "خ".
١٣٠ لعل المؤلف يشير إلى حديث ابن عمر في كتاب التفسير من صحيح البخاري: ك ٦٥ ب ٢ تفسير البقرة الحديث: ٣٠ ج ٥، صـ ١٥٧. "خ".
١٣١ في كتاب فضائل الصحابة: ك ٢٦، ب ٧، ج ٤، صـ ٢٠٣-٢٠٤. "خ".
١٣٢ وبعث النبي ﵌ ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة. قال أسامة بن زيد -فيما رواه الطبري: ٢٨٦: ٢: "فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله=стр. 103
لو لم يكن لعثمان من الشرف إلا بيعة الرضوان لكفاه
كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعث مكانه، فبعث رسول الله ﵌ عثمان١٣٣، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة١٣٤، فقال رسول الله ﵌ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده فقال: "هذه لعثمان" ١٣٥. ثم
الحواشي
(١) = ﵌ التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله ﵌ خلفني عليها مع عثمان"، ثم في ربيع الأول من السنة التالية لغزوة بدر تزوج عثمان أم كلثوم بنت رسول الله ﵌، وأدخلت عليه في جمادى الآخرة. "خ".
١٣٣ وقبل أن يبعث عثمان دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله ﵌، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش. ويوم تدون الدول الإسلامية تاريخ السفارات في الإسلام، سيكون اسم عثمان أول سفراء الإسلام في التاريخ. "خ".
١٢٤ لأن عثمان لما أدى رسالته في السفارة التي بعث لها احتبس أيامًا، فلم يعد إلى النبي ﵌ في الموعد الذي كان يقدر له أن يعود فيه، فوصل الخبر إلى النبي ﵌ بأن سفيره قتل، فدعا النبي ﵌ الصحابة إلى بيعة الرضوان، انتصارًا لعثمان، على نية أن يذهب بأصحابه إلى مكة، فيناجز المشركين لما بلغه عن قتلهم عثمان. فبيعة الرضوان كانت رمزًا من رموز الشرف لعثمان، وأي شرف أعظم من اجتماع قوى الإسلام بقيادة الرسول الأعظم للأخذ بثأر هذا الرجل الحبيب إلى المسلمين، والرفيع المنزلة عند سيد الأولين والآخرين. ثم لما علم النبي ﵌ -في اللحظة الأخيرة التي اجتمع فيها الصحابة لعقد البيعدة- أن عثمان حي، مضى في إتمام البيعة، على سنته ﵌ في أنه إذا بدا بخير يمضي في إكماله، ولو زال سببه، وحينئذ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله ﵌ نابت عن يده في عقد البيعة عنه، فبيعة الرضوان كانت انتصارًا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان فإن أشرف يد في الوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته ولو لم يكن لعثمان من الشرف في حياته كلها إلا هذاب لكفاه. "خ".
١٣٥ أخرج البخاري نحوه في صحيحه: ٢٩١/٧. "م".стр. 104
مؤاخذتهم عثمان بأنه لم يقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان
قال له ابن عمر: "اذهب بها الآن معك"١٣٣.
١٧- وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان، فإن
الحواشي
(١) ١٣٦ لو أن أمير المؤمنين عثمان كان من حواريي المسيح ﵇، وكانت له من سيدنا عيسى بن مريم مثل هذه المنقبة التي كرمه الله بها من نبي الرحمة محمد ﵌، لعبدته النصارى لأجلها، فالعجب لأمة يكون فيها جهلة يعيبون على عثمان -في زمانه- غيبته عن بيعة الرضوان، ويكون فيهم من يستشعر الشجاعة في نفسه عند الإقدام على سفك دم هذا الخليفة الرحيم لأمور هذا منها، ثم يحمل مثل هذا الجهل في دماغه رجل جاء يعبد الله بأداء فريضة الحج، فيواجه به جماعة الصحابة من قريش ورئيسهم عبد الله بن عمر، ثم تمس الحاجة إلى التعرض لبيان هذه الحقائق في عصر القاضي أبي بكر بن العربي، ثم يشعر أمثالنا في عصرنا بأن عثمان لا يزال من بعض أمته في موقف يحتاج فيه إلى إنصافه* ودفع قالة السوء عنه. حقا إننا أمة مسكينة ... ولأمر ما بلغ بنا الحال بين الأمم إلى ما كنا فيه، وإلى ما لا نزال غارقين فيه ﴿لَاْ يُغَيِّرُ اللهُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىْ يُغَيِّرُوْا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . " خ".
_________
* ونقول بهذه المناسبة: إن عهد الخليفة عثمان ﵁ ينبغي أن يسمى العصر الذهبي للإسلام على الرغم من تشويهه من قبل الحساد والمفترين والمضللين، رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين بما هو أهله، أجر ما جاهد وأنفق من قبل الفتح، ومن بعد الفتح، وحتى في زمن خلافته.
لقد تمت في عهد هذا الخليفة العظيم أمور تنظيمية، وكان من أجَلِّها جمعه الناس على مصحف واحد.
وزاد في عطاء الناس مئة مئة كما رأينا بل روي ما يدل على ما كان من كثرة الخير في زمنه، والتوسع في العطاء وتنويعه حيث رُوي عن الحسن البصري من علماء التابعين، قال: "شهدت منادي عثمان ينادي: أيها الناس اغدوا على أعطياتكم فيغدون، ويأخذونها وافية، ثم ينادي: أيها الناس اغدوا على أرزاقكم، فيغدون ويأخذونها وافية، حتى والله سمعته أذناي يقول: اغدوا على كسوتكم، فيأخذون الحلل، واغدوا على السمن والعسل: أرزاق دارة، وخير كثير وذات بين حسن. ما على الأرض مؤمن يخاف مؤمنًا، إلا يرده وينصره ويألفه. فلو صبر الأنصار على الأثرة، لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق ... "
واستمرت حركة الفتح في مختلف الميادين في زمنه، فتم في عهده فتح شمال أفريقية، وفتح الإسكندرية مرة ثانية بعدما كرَّ الروم عليها، وغزا بلاد النوبة، وأخذ الجزية من أهلها على يد قائده عبد الله بن سرح.стр. 105
ذلك باطل١٣٧. [وإن] كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في
الحواشي
(١) ١٣٧ بشهادة ابنه القماذبان، روى الطبري: "٣٤:٥-٤٤ مصر، و٢٨٠١:١ طبعة أوربا" عن سيف بن عمر بسنده إلى أبي منصور قال: سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه ... قال: "فلما ولي عثمان دعاني، فأمكنني منه "أي من عبيد الله بن عمر بن الخطاب"، ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك، وأنت أولى به منا، فاذهب فاقتله". فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم: إلى قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني، فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم". هذا كلام ابن الهرمزان، وإن كل منصف يعتقد، "ولعل ابن الهرمزان أيضًا كان يعتقد" أن دم أمير المؤمنين عمر في عنق الهرمزان، وأن أبا لؤلؤة لم يكن إلا آلة في يد هذا الفارسي، وأن موقف عثمان وإخوانه أصحاب رسول الله ﵌ من هذا الحادث لا نظير له في تاريخ العدالة الإنسانية."خ".
_________
= وفي خلافة عثمان أنشيء أول أسطول إسلامي، وأول من فكر في ذلك معاوية بن أبي سفيان، وكان واليًا على الشام، استعان بهذا الأسطول على غزو قبرص، وأخذ الجزية من أهلها.
ولقد اقتدى عبد الله بن سعد والي مصر بمعاوية، فأنشأ هو الآخر أسطول لحماية سواحل مصر وشمال إفريقية.
وارتاع الروم من تقدم العرب البحري فسيروا أسطولًا عظيمًا بلغ عدد مراكبه ٦٠٠ لعلهم يقضون به على القوة البحرية الإسلامية الناشئة التي أذهلتهم. وكان ذلك بقيادة الملك قسطنطين نفسه على ما رواه الطبري.
وقد قابلت أساطيل المسلمين هذه الحملة البحرية بحماسة وشجاعة واشتبكت معها في معركة "ذات الصواري" تم النصر فيها للمسلمين بعدما غطت القتلى من الطرفين سطح البحر، واحمرت مياهه بدمائهم.
وفي عهد الخليفة عثمان تم فتح أرمنية وأذربيجان كما تم فتح بقية بلاد فارس.
وقد عم الرخاء في عهد عثمان بسبب هذه الفتوحات، وكثر المال والرقيق بصورة لم يعرف لها مثيل من قبل.
وقد رثى أمير المؤمنين عثمان ﵁ كثير من الشعراء نذكر منهم ليلى الأخيلية في بعض أبيات لها قالت:
أبعد عثمان ترجو الخير أمته ... قد كان أفضل من يمشي على ساقِ
خليفة الله أعطاهم وخولهم ... ما كن من ذهب حلو وأوراق."م".стр. 106
أوله١٣٨. وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه١٣٩. وكان قتل عبيد الله له، وعثمان لم يَلِ بعد. ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقًّا، لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله١٤٠.
الحواشي
(١) ١٣٨ وقد تصرف عثمان في هذا الأمر بعد أن ذاكر الصحابة فيه، قال الطبري: ٤١:٥ جلس عثمان في جانب المسجد، ودعا عبيد الله، وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف من يده.. فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والأنصار: أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، فقال علي: أرى أن تقتله. فقال بعض المهاجرين: قتل عمر أمس، ويقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي."خ".
١٣٩ في تاريخ الطبري: ٤٢:٥ حديث سعيد بن المسيب أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال غداة طعن عمر: "مررت على أبي لؤلؤة عشى أمس، ومعه جفينة "وكان نصرانيًّا من أهل الحيرة ظئرًا لسعد ابن أبي وقاص" والهرمزان، وهم نهجى، فلما رهقتهم ثاروا، وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظ، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألفظ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه. وجاء بالخنجر الذي وصف عبد الرحمن بن أبي بكر. فسمع بذلك عبيد الله بن عمر. فأمسك حتى مات عمر، ثم اشتمل على السيف فأتى الهرمزان فقتله."خ".
١٤٠ وكذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس رأى جواز قتل علوج الفرس الذين في المدينة بلا استثناء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة: ٢٠٠:٣: وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر -وقال له عمر: كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة- فقال "أي ابن عباس": إن شئت أن نقتلهم، فقال عمر: "كذبت" أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟. قال ابن تيمية: فهذا ابن عباس -وهو أفقه من عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير- يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقًا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموه بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا ... وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان من المفسدين في الأرض المحاربين، فيجب قتله لذلك، ولو قدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن القاتل متأولًا ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة، صار ذلك شبهة تدرأ على القاتل "يعني عن عبيد الله بن عمر". قلت: وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية=стр. 107
تحقيق علمي عن الكتاب المنسوب لعثمان
وأيضًا فإن أحدًا لم يقم بطلبه، [فكيف] يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح؟.
١٨- وأما تعلقهم بأن الكتاب وجد مع غلامه -ولم يقل أحد قط أنه كان غلامه١٤١- إلى عبد الله بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه١٤٢
الحواشي
(١) = واحتملها من ماله الخاص*. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -بجميع ظروفه- وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان من الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم. "خ".
١٤١ وإنما قالوا أنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة. وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات من الرعاة، وإن صح أنه من رعاة إبل الصدقة فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائمًا بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤسائهم فضلًا عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه. ومع افتراض أنه من رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرض من أغراضهم، وقد ثبت أن الأشتر وحكيم بن جبلة تخلفا في المدينة عند رحيل الثوار عنها مقتنعين بأجوبة عثمان وحججه. وفي مدة تخلف الأشتر وحكيم بن جبلة تم تدبير الكتاب وحامله للتذرع بهما في تجديد الفتنة ورد الثوار، ولم يكن لأحد غير الأشتر وأصحابه مصلحة في تجديد الفتنة. وكم لها من حيل أكثر التواءًا من استئجار راعٍ يرعى في إبل الصدقة. بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق من نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودًا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزوِّر الكتب على لسان أزواج النبي ﷺ ، ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالًا على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلًا يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم ... فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبًا من أزواج النبي ﵌ في
_________
* وكما قتل عبيد الله بن عمر الهرمزان، قتل ابنة أبي لؤلؤة، وقتل أيضًا جفينة النصراني لاتهامه بذلك، فقال أعداء عثمان ﵁ إنه لم يقتص من عبيد الله بسبب ذلك.
والجواب أن ابنة أبي لؤلؤة كانت مجوسية، وجفينة كان نصرانيًّا، وقد قال النبي ﵊ كما جاء في البخاري: "لا يقتل مسلم بكافر"، وقد دفع عثمان ديتهما كما دفع دية الهرمزان بعد عفو ابنه عن عبيد الله كما رأينا في غير هذا المكان. "م".стр. 108
قول علي أن الخارجين على عثمان حساد طلاب دنيا
فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين علي [بذلك] ، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت١٤٣. وقد يكنز على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه١٤٤.
فقالوا: [تسلم] لنا مروان، فقال: لا أفعل، ولو سلمه لكان ظالمًا١٤٥، وأنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت
الحواشي
(١) = الشكوى من حكم عثمان، وتتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز، انظر كتاب الأستاذ المحقق الشيخ صادق عرجون عن عثمان بن عفان صـ ١٣٢-١٣٣. فتزوير الكتب في مأساة البغي على أمير المؤمنين عثمان كان من أسلحة البغاة، استعملوه من كل وجه وفي كل الأحوال. وقد تقدم المثال على ذلك، وسيأتي طرف منه فيما بعد.
١٤٢ وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة، ويعلم أنه خرج من مصر "الطبري ١٢٢: ٥" وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة. ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه. وسيأتي الكلام على ذلك كله فيما بعد. "خ".
١٤٣ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١٨٨: ٣: كل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله، ولا عرف منه قط أنه قتل أحدًا من هذا الضرب. وقد سعوا في قتله "أي في قتل أمير المؤمنين عثمان" ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعًا عن نفسه، فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم. "خ".
١٤٤ وقد حدث مثل ذلك في زمن عمر، كما رواه البلاذري في فتوح البلدان: صـ ٤٤٨ طبع سنة ١٣٥٠، والحافظ بن حجر في الإصابة: ٥٢٨: ٣ طبع سنة ١٣٢٨. "خ".
١٤٥ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ١٨٩: ٣: بل عثمان إن كان أمر بقتل محمد بن أبي بكر هو أولى بالطاعة ممن طلب قتل مروان؛ لأن عثمان إمام هدى وخليفة راشد يجب عليه سياسة رعيته، وقتل من لا يدفع شره إلا بقتله، وأما الذين طلبوا قتل مروان فقوم خوارج مفسدون في الأرض، ليس لهم قتل أحد ولا إقامة حد، وليس مروان أولى بالفتنة والشر من محمد ابن أبي بكر، ولا هو "أي ابن أبي بكر" أشهر بالعلم والدين منه "أي من مروان". بل أخرج أهل الصحاح عدة أحاديث عن مروان، وله قول مع أهل الفتيا، واختلف في صحبته. ومحمد بن أبي بكر ليس بهذه المنزلة عند الناس ... ومروان من أقران ابن الزبير ... إلخ. "خ".стр. 109
كان هو منفذه وآخذه ان كان له اخذه والممكن لمن يأخذه بالحق ومع سابقته وفصيلته ومكانته لم يثبت عليه ما يوجب خلعه فضلا عن قتله
وأمثل ما روى في قصته انه بالقضاء السابق تألب عليه قوم لأحفاداعتقدوها ممن طلب امرا فلم يصل اليه وحسد حسادة اظهر داءها وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين وإيثار العاجلة على الآجلة ١٤٦ وإذا نظرت اليهم ذلك صريح ذكرهم على دناءة قدرهم وبطلان أمرهم ١٤٧
كان الغافقي المصري أمير القوم ١٤٨ وكنانة بن بشر التجيبي ١٥٠
الحواشي
(١) ١٤٦ بمثل هذه الأوصاف وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في الخطبة التي خطبها على الغرائر في معسكره بالكوفة عندما كان الصحابي الفارس المجاهد القعقاع بن عمرو التميمي يسعى بإتمام المهمة التي جاءت عائشة وطلحة والزبير لإتمامها، فروى الطبري (٥: ١٩٤) أن عليا ذكر إنعام الله على الأمة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله ﷺ ، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه. وقال على مسمع من قتلة عثمان: «ثم حدث هذا الحادث الذي جره على الأمة أقوام طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاء الله عليه على الفضيلة، وأرادوا رد الأشياء على أدبارها» ثم ذكر أنه راحل غدا إلى البصرة ليجتمع بأم المؤمنين وأخويه طلحة والزبير وقال: «ألا ولا يرتحلن غدا أحد أعان على عثمان ﵁ بشيء في شيء من أمور الناس، وليغن السفهاء عني أنفسهم» .
١٤٧ أجملنا في هامش ص ٥٨ أوصاف البارزين ممن خرج على عثمان. أول من اكتشف سريرتهم، ونظر إلى وجوههم بنور الله فتشاءم منهم، رجل الإسلام المحدث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب صاحب الفراسة التي لا تخطئ. روى الطبري (٤: ٨٦) أن عمر لما استعرض الجيوش للجهاد سنة ١٤ مرت أمامه قبائل السكون اليمنية مع أول كندة يتقدمهم حصين بن نمير السكوني ومعاوية بن حديج أحد الصحابة الذين فتحوا مصر ثم كان أحد ولاتها، فاعترضهم عمر، فإذا فيهم فتية دلم سباط، فأعرض عنهم ثم أعرض ثم أعرض، حتى قيل له: ما لك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم. فكان منهم سودان بن حمران وخالد بن ملجم وكلاهما من البغاة على عثمان.
١٤٨ هو الغافقي بن حرب العكي من أبناء وجوه القبائل اليمنية التي نزلت مصر عند الفتح. فلما تظاهر ابن سبأ بالتشيع لعلي. ولم يجد مرتفعا =стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = لفساده في الحجاز ولا في الشام، اكتفى باصطناع بعض الأعوان في البصرة والكوفة، واختار الإقامة في الفسطاط، فكان الغافقي هذا من قنائصه، وقد استمالوه من ناحية تهافته على الرئاسة والجاه. وكان محمد بن أبي حذيفة ابن عتبة الأموي ربيب عثمان الآبق من نعمته هو اليد اليمنى لتنفيذ خطط السبأيين في مصر. والغافقي للتصدر والظهور. وفي شوال سنة ٣٥ أعوا عدتهم للزحف من مصر على المدينة بأربع فرق مجموع رجالها نحو ستمائة، وعلى كل فرقة رئيس ورئيسهم العام الغافقي هذا، وتظاهروا بأنهم يقصدون الحج، وفي المدينة تطورت حركاتهم حتى استفحل الأمر، ومنعوا عثمان من الصلاة بالناس في المسجد النبوي، فصار الغافقي هو الذي يصلي بالناس "الطبري: ١٠٧: ٥" ثم لما أقنعهم الشيطان بالجرأة على الجناية الكبرى كان الغافقي أحد المجترئين عليه وضربه بحديدة معه، وضرب* المصحف برجله، فاستدار "الطبري: ١٣٠: ٥" وبعد قتل عثمان بقيت المدينة خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب "الطبري: ١٥٥: ٥". "خ".
١٥٠ وهذا أيضًا كان من قنائص ابن سبأ في مصر. ولما أرسل عثمان عمارا** إلى مصر؛ ليكتشف له أمر الإشاعات وحقيقة الحال، استماله السبأبون, وكان كنانة بن بشر هذا واحدًا منهم "الطبري: ٩٩: ٥". وعندما جمعوا أوشاب القبائل للزحف على المدينة بحيلة الحج في شوال سنة ٣٥ انقسموا في مصر إلى أربع فرق على كل فرقة أمير، وكان كنانة بن بشر أميرًا على إحدى هذه الفرق "الطبري: ١٠٣: ٥" ثم كان في طليعة من اقتحم الدار على عثمان، وبيده شعلة من نار تنضج بالنفط، فدخل من دار عمرو بن حزم، ودخلت الشعل على أثره "الطبري: ١٢٣: ٥"، ووصل كنانة التجيبي إلى عثمان فأشعره مشقصًا "أي نصلًا طويلًا عريضًا" فانتضح الدم على آية ﴿فَسَيَكْفِيْكَهُمُ الله﴾ [الطبري: ١٢٦: ٥] وقطع يد نائلة زوجة عثمان، واتكأ بالسيف على صدر عثمان وقتله "الطبري: ١٣١: ٥"، قال محمد بن عمر الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد المدني، عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني المتوفى سنة ٤٣ قال: الذي قتل أمير المؤمنين عثمان هو كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي "الطبري: ١٣٢: ٥" وفيه يقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
_________
* في سند الخبر الغريب الموحش سيف الذي يكتب التاريخ، وهو متهم بالكذب كما جاء في الميزان واللسان. "م".
** قضية استمالة السبئيين لعمار، وصلاة الغافقي بالناس في المدينة في سندهما سيف بن عمر التيمي الجرمي: ضعيف جدًّا واتهم بالوضع والزندقة، كما جاء في التهذيب لابن حجر، وهكذا نرى قسمًا كبيرًا من تاريخنا من وضع الزنادقة، فهل من معتبر؟!. "م".следующие страницы →