من حيوان، ومن ثم إلا حيوان، إلا أنه بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس، وظهر في الآخرة لكل الناس، فإنها الدار الحيوان، وكذلك الدنيا، إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد، ليظهر الاختصاص والمفاضلة بين عباد الله بما يدركونه١ من حقائق العالم فمن عم إدراكه، كان الحق أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك العموم، فلا تحجب بالتفاضل، وتقول: لا يصح كلام من يقول: إن الخلق هوية الحق، بعد ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشك أنت أنها [هي] الحق، ومدلولها المسمى بها وليس إلا الله٢".
الضال مهتد, والكافر مؤمن:
ثم قال: "نحن على الصراط المستقيم الذي الرب عليه، لكون نواصينا في يده، وتستحيل مفارقتنا إياه، فنحن معه بالتضمين، وهو معنا بالتصريح، فإنه قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحن معه بكونه آخذا بنواصينا فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه، فما أحد من العالم إلا على صراط مستقيم٣" ثم قال في فص حكمة وجودية في كلمة داودية ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وإن اتفقا، فنحن نعلم أنهما لو اختلفا [تقديرا] لنفذ حكم أحدهما فالنافذ الحكم هو الإله على الحقيقة، والذي لم ينفذ حكمه ليس بإله، ومن هنا تعلم أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم الله، وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى: شرعا؛ إذ لا ينفذ حكم إلا الله في نفس الأمر، لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة٤".
стр. 107
لن يعذب كافر عند الصوفية:
ثم قال: "ولما كان الأمر [في نفسه] على ما قررناه، لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها، فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شيء، وأنها سبقت الغضب الإلهي، والسابق متقدم، فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه المتقدم، فنالته الرحمة، إذا لم يكن غيرها سبق، فهذا معنى سبقت رحمته غضبه، لتحكم على من وصل [٢٧] إليها، فإنها في الغاية وقفت، والكل سالك إلى الغاية، فلا بد من الوصول إليها، فلا بد من الوصول إلى الرحمة، ومغادرة الغضب، فيكون الحكم لها في كل واصل إليها، بحسب ما يعطيه حال الواصل إليها.
فمن يك ذا فهم يشاهد ما قلنا ... وإن لم يكن فهم، فيأخذه عنا
فما ثم إلا ما ذكرناه، فاعتمد ... عليه، وكن في الحال فيه كما كنا
فمنه إليه ما تلونا عليكم ... ومنا إليكم ما وهبناكم منا١
وقال في فص حكمة نفسية في كلمة يونسية٢: "وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار، إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب، أن تكون بردا وسلاما على من فيها، وهذا نعيمهم، فنعيم أهل النار -بعد استيفاء الحقوق- نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه ﵇ تعذب برؤيتها، وبما تعود في علمه، وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان، وما علم مراد الله فيها، ومنها في حقه، فبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصورة اللونية في حقه، وهي نار في عيون الناس، فالشيء الواحد يتنوع في عيون الناظرين. هكذا هو التجلي الإلهي٣".
стр. 108
وقال في فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية: "وقد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرضا والغضب، وبالصفات، والرضا مزيل للغضب، والغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه، والاعتدال: أن يتساوى الرضا والغضب، فما غضب الغاضب على من غضب عليه، وهو عنه راض, فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه، وهو ميل، وإنما قلنا هذا لأجل من يرى أن أهل النار، لا يزال غضب الله عليهم دائما أبدا في زعمه، فمآلهم حكم الرضا من [الله] فصح المقصود، فإن كان -كما قلنا- مآل أهل النار إلى إزالة الآلام، وإن سكنوا النار، فذلك رضا، فزال الغضب لزوال الآلام، إذ عين الألم عين الغضب إن فهمت. فمن غضب، فقد تأذى, فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك، فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه، والحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علوا كبيرا عن هذه الصفة على هذا الحد، وإذا كان الحق هوية العالم، فما ظهرت الأحكام كلها إلا فيه ومنه، وهو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] حقيقة وكشفا١ ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ حجابا وسترا٢، فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم٣؛ لأنه على صورة
стр. 109
الرحمن أوجده الله تعالى، أي: ظهر وجوده تعالى بظهور العالم، كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية، فنحن صورته الظاهرة، وهويته روح هذه الصورة المدبرة لها، فما كان التدبير إلا فيه [كما لم يكن إلا منه] ، فهو: "الأول" بالمعنى، "والآخر" بالصورة، وهو "الظاهر" [٢٨] بتغير الأحكام والأحوال "والباطن" بالتدبير "وهو بكل شيء عليم" فهو على كل شيء شهيد.١
الحق عندهم سار في عناصر الطبيعة:
وقال في فص حكمة إبناسية في كلمة إلياسية: "وكان إلياس الذي هو إدريس، قد مثل له انفلاق الجبل٢ [المسمى] لبنان عن فرس من نار، فلما [رآه] ركب عليه، فسقطت٣ عنه الشهوة، فكان٤ عقلا بلا شهوة، فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأغراض النفسية، فكان الحق فيه٥ منزها، فكان على النصف من المعرفة بالله [فإن العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته بالله] عن التنزيه٦, لا على التشبيه، وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله، فنزه في موضع, وشبه في موضع، ورأى سريان الحق في الصور الطبيعية والعنصرية، وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها، وهذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله، وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها٧".
رد العراقي على وحدة الأديان
قال الإمام زين الدين العراقي في جواب السؤال المذكور قبل: "بتوحيد
стр. 110
إلياس ﵇ بعثت الرسل كلها، لأن الملل كلها، وما جاءت به الرسل لم يختلفوا في التوحيد والإقرار به، وقد نزه الله تعالى نفسه عن الشبه بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وليت شعري ما الفائدة لبعثة الرسل إذا كان من عبد شيئا من المخلوقات عابدا لله تعالى؟ وليت شعري ماذا يقول هذا القائل، في نبينا محمد ﷺ في نهيهم عن عبادة الأوثان وكسرها؟ هل يقول: كانوا بعبادتها مصيبين عابدين لله، وأنه ما حصل لنبينا محمد ﷺ اتساع، فأنكر عليهم، كما قال في حق هارون ﵇، ولا شك أن الرسل كلهم متفقون في التوحيد، وكأنه إنما سكت عن ذلك خيفة من السيوف المحمدية، فإن هذه المؤلفات التي كان يسرها إلى أصحابه، ويسرها أصحابه إلى أصحابهم، ولو كان حقا لأظهروه على رءوس الأشهاد" ا. هـ.
الشرائع أوهام عند الصوفية:
ثم قال ابن عربي: "فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية، وبه جاءت الشرائع المنزلة، فشبهت ونزهت: شبهت في التنزيه بالوهم، ونزهت في التشبيه بالعقل، فارتبط الكل بالكل، فلم يمكن أن يخلو١ تنزيه عن تشبيه، ولا تشبيه عن تنزيه، قال الله تعالى: ﴿ [لَيْسَ] كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فنزه وشبه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فشبه، وهي أعظم آية تنزيه نزلت، ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف، فهو أعلم العلماء بنفسه، وما عبر عن نفسه إلا بما ذكرناه٢.
ليس لله وجود عند الصوفية:
ثم قال في مثل ضربه للتشبيه في التنزيه، والتنزيه في التشبيه: "مثل من يرى الحق في النوم، ولا ينكر هذا، وأنه لا شك الحق عينه، فتتبعه لوازم تلك الصورة، وحقائقها التي تجلى فيها في النوم، ثم بعد ذلك يعبر٣ -أي
стр. 111
يجاز- عنها إلى أمر آخر، يقتضي التنزيه عقلا، فإن كان الذي يعبرها ذا كشف وإيمان، فلا يجوز عنها إلى تنزيه فقط، بل يعطيها [٢٩] حقها١ في التنزيه، ومما ظهرت فيه، فالله على التحقيق عبارة٢ لمن فهم الإشارة٣".
الداعي عين المجيب:
ثم قال: "ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال الله: ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] إذ لا يكون مجيبا إلا إذا كان من يدعوه٤ وإن كان عين الداعي عين المجيب، فلا خلاف في اختلاف الصور، فهما صورتان بلا شك٥، وتلك الصور كالأعضاء لزيد، فمعلوم أن زيدا حقيقة واحدة شخصية، وأن يده ليست صورة رجله، ولا رأسه ولا عينه، ولا حاجبه، فهو الكثير بالصور الواحد بالعين كالإنسان بالعين واحد بلا شك، ولا نشك أن عمرا ما هو زيد، ولا خالد، ولا جعفر، وأن أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودا، فهو وإن كان واحدا بالعين، فهو كثير بالصور والأشخاص، وقد علمت قطعا -إن كنت مؤمنا- أن الحق عينه يتجلى يوم القيامة في صورة، فيعرف، ثم يتحول في صورة، فينكر، ثم يتحول عنها في صورة، فيعرف، وهو هو المتجلى ليس
стр. 112
غيره في كل صورة. ومعلوم أن هذه الصورة ما هي تلك الصورة الأخرى، فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة، فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في الله عرفه، وأقر به، وإذا اتفق أن يرى فيها معتقد غيره أنكره، كما يرى في المرآة عين صورته وصورة غيره، فالمرآة عين واحدة، والصور كثيرة في عين الرائي، وليس في المرآة صورة منها جملة واحدة من كون المرآة لها أثر في الصور بوجه، وما لها أثر بوجه١".
ثم قال: "فإن كوشف على أن الطبيعة عين نفس الرحمن، فقد أوتي خيرا كثيرا٢".
قلت: وإلى هذا أومأ ابن الفارض بقوله:
ولا تحسبن الأمر عني خارجا ... فما ساد إلا داخل في عبودتي٣
ولولاي لم يوجد وجود، ولم يكن ... شهود، ولم تعهد عهود بذمة
وفي عالم التركيب في كل صورة ... ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينتي
وضربي لك الأمثال مني منة ... عليك بشأني مرة بعد مرة
تأمل مقامات السروجي٤ واعتبر ... بتلوينه، تحمل قبول مشورتي
وتدر٥ التباس النفس بالحس باطنا ... بمظهرها في كل شكل وصورة
وشاهد إذا استجليت نفسك ما ترى ... بغير مراء في المرائي٦ الصقيلة٧
стр. 113
أغيرك فيها لاح، أم أنت ناظر ... إليك بها عند انعكاس١ الأشعة؟
وأصغ لرجع الصوت عند انقطاعه ... إليك بأكناف القصور المشيدة
أهل كان من ناجاك ثم سواك، أم ... سمعت خطابا عن صداك المصوت
وقل لي: من ألقى إليك علومه ... وقد ركدت منك الحواس بغفلة
وما كنت تدري قبل يومك ما جرى ... بأمسك، أو ما سوف يجري بغدوة
فأصبحت ذا علم بأخبار من مضى ... [٣٠] وأسرار من يأتي مدلا بخبرة
أتحسب من جاراك في سنة الكرى ... سواك بأنواع العلوم الجليلة
وما هي إلا النفس عند اشتغالها ... بعالمها عن مظهر البشرية
تجلت لها٢ بالغيب في شكل عالم ... هداها إلى فهم المعاني الغريبة
ولا تك ممن طيشته دروسه ... بحيث استقلت عقله واستفزت
فثم وراء النقل علم يدق عن ... مدارك غايات العقول السليمة٣
стр. 114
تلقيته مني، وعني أخذته ... ونفسي كانت من عطائي ممدتي
ولا تك باللاهي عن اللهو جملة ... فهزل الملاهي جد نفس مجدة
الحق عين كل معلوم عند الصوفية:
ثم قال١ في فص حكمة إحسانية في كلمة لقمانية؛ بعد أن ذكر أن من حكمته الملفوظة، أنها إن تك مثال حبة من خردل الآية ... وأن من حكمته المسكوبة٢ عموم المؤتى إليه؛ لأنه لم يقل: يأتي بها الله إليك، أو إلى غيرك، قال: "فنبه لقمان بما تكلم به، وبما سكت عنه أن الحق عين كل معلوم، لأن المعلوم أعم [من الشيء٣] فهو أنكر النكرات، ثم تمم الحكمة، واستوفاها؛
стр. 115
لتكون النشأة كاملة فيها، فقال: "إن الله لطيف" فمن لطافته ولطفه، أنه في الشيء المسمى كذا المحدود بكذا، عين ذلك الشيء، حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ١ والاصطلاح، فيقال: هذا سماء, وأرض, وصخرة، وشجرة، وحيوان، وملك، ورزق، وطعام، والعين واحدة٢ من كل شيء.
стр. 116
وفيه كما تقول الأشاعرة١: أن العالم كله متماثل بالجوهر، فهو جوهر واحد٢ فهو عين قولنا: [العين واحدة] ثم قالت: ويختلف بالأعراض، وهو عين قولنا
стр. 117
ويختلف، ويتكثر بالصور والنسب حتى يتميز, فيقال: هذا ليس هذا من حيث صورته، أو عرضه، أو مزاجه كيف شئت، فقل: وهذا عين هذا من حيث جوهره، ولهذا تؤخذ عين الجوهر في حد كل صورة، أو مزاج، فنقول نحن: إنه ليس سوى الحق، ويظن المتكلم١ أن مسمى الجوهر الفرد -وإن كان حقا- ما هو عين الحق الذي يطلقه أهل الكشف والتجلي فهذا حكمة كونه: لطيفا٢، ثم نعت، فقال: خبيرا، أي: عالما عن اختبار٣، وهو قوله: ولنبلونكم حتى نعلم، وهذا هو علم الأذواق، فجعل الحق نفسه -مع عمله بما هو الآمر عليه- مستفيدا علما، ولا نقدر٤ على إنكار ما نص الحق عليه [في حق نفسه] ، ففرق تعالى بين علم الذوق والعلم المطلق، فعلم الذوق مقيد بالقوى وقد قال عن نفسه: إنه عين قوى عبده في قوله: كنت سمعه. وهو قوة من قوى العبد. وبصره, وهو قوة من قوى العبد ولسانه، وهو عضو من أعضاء العبد، ورجله، ويده، فما اقتصر في التعريف على القوى فحسب، حتى ذكر الأعضاء، وليس العبد بغير لهذه٥ الأعضاء والقوى، فعين مسمى العبد هو الحق، لا عين العبد هو السيد٦، فإن النسب متميزة لذاتها٧ وليس المنسوب إليه متميزا [٣١] فإنه ليس ثم سوى عينه في جميع النسب، فهو عين واحدة ذات نسب وإضافات وصفات، فمن تمام حكمة لقمان في تعليمه ابنه ما جاء به في٨
стр. 118
هذه الآية من١ هذين الاسمين الإلهيين٢".
وقال في فص حكمة إمامية في كلمة هارونية: "اعلم أن وجود هارون كان من حضرة الرحموت٣" ثم ذكر غضب موسى ﵇، وأخذه بلحيته، ثم قال: "وسبب ذلك عدم التثبت في النظر فيما كان في يديه من الألواح، التي ألقاها من يده، فلو نظر فيها نظرة تثبت لوجد فيها الهدى والرحمة، فالهدى بيان ما وقع من الأمر الذي أغضبه مما [هو] هارون بريء منه، والرحمة بأخيه٤، فكان لا يأخذ بلحيته بمرأى من قومه مع كبره، وأنه أسن منه٥".
تمجيد الصوفية لعبادة العجل:
ثم قال: "وكان موسى ﵇ أعلم بالأمر من هارون؛ لأنه علم ما عبده أصحاب العجل، لعلمه بأن الله قد قضى ألا نعبد إلا إياه، وما حكم الله بشيء إلا وقع، فكان عتب موسى أخاه هارون؛ لما وقع [الأمر] في٥ إنكاره وعدم اتساعه، فإن العارف من يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء٦".
стр. 119
بعض ما كفر به العراقي ابن عربي:
قال الشيخ زين الدين العراقي في جواب السؤال المذكور: "هذا الكلام كفر من قائله من وجوه:
أحدها: أنه نسب موسى ﵇ إلى رضاه بعبادة قومه للعجل.
الثاني: استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] على أنه قدر١ أن لا يعبد إلا هو، وأن عابد الصنم عابد له، الثالث: أن موسى
стр. 120
عليه السلام عتب على أخيه هارون ﵉ إنكاره لما وقع، وهذا كذب على موسى ﵇, وتكذيب لله فيما أخبر به عن موسى من غضبه لعبادتهم العجل، الرابع: أن العارف يرى الحق في كل شيء، بل يراه عين كل شيء، لجعل العجل عين الإله المعبود، فليعجب السامع لمثل هذه الجرأة التي تصدر ممن في قلبه مثال ذرة من إيمان".
آيات تشهد بكفر ابن عربي:
ثم ساق من الآيات١ التي كذب بها في هذه المقالة٢ قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا، أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٢، ٩٣] وقوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقوله: ﴿ [وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا] اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ٣﴾ [الأعراف: ١٤٨] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف:١٥٢] . وقوله:
стр. 121
﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩] .
شرك الصوفية أخبث الشرك:
ثم قال١: فجاء هذا المخالف لله، ولرسوله ولجميع المؤمنين، فصوب فعلهم، وصرح بأنهم من العارفين بقوله: إن العارف من يرى الحق في كل شيء, بل يراه عين كل شيء، ولا شك أن شرك قائل هذا أشد من شرك اليهود والنصارى فإن أولئك عبدوا عبدا من عباد الله المقربين، وهذا يرى أن عبادة العجل والصنم عين عبادة الله، بل يؤدي كلامه إلى أن يرى الحق عين الكلب والخنزير، وعين العذرة، وقد أخبرني بعد الصادقين من فضلاء أهل [٣٢] العلم أنه رأى شخصا ممن ينتحل هذه المقالة القبيحة بثغر الإسكندرية، وأن ذلك الشخص قال له: إن الله تعالى هو عين كل شيء، فمر بهما حمار، فقال٢: وهذا الحمار؟ فقال٣: وهذا الحمار؛ فروث الحمار من دبره، فقال٤: له: وهذا الروث؟ فقال٥: وهذا الروث، فنسأل الله السلامة والتوفيق٦.
стр. 122
تعليلهم لإنكار موسى على السامري:
قال ابن عربي: وكان موسى يربي هارون ﵉ تربية علم، وإن كان أصغر منه في السن، ولذلك لما قال له هارون ما قال، رجع إلى السامري، فقال له: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] يعني فيما صنعت من عدولك إلى صورة العجل على الاختصاص، وصنعك هذا الشبح من حلي القوم، حتى أخذت بقلوبهم من أجل أموالهم١، وليس للصور بقاء، فلا بد من ذهاب صورة العجل لو لم يستعجل موسى بحرقه، فغلبت عليه الغيرة، فحرقه، ثم نسف رماد تلك الصورة في اليم [نسفا] ، وقال له: انظر إلى إلهك، فسماه٢. إلها بطريق التنبيه، للتعليم؛ لما علم أنه٣ بعض المجالي الإلهية "لأحرقنه" فإن حيوانية الإنسان لها التصرف من حيوانية الحيوان، لكون الله سخرها للإنسان، ولا سيما وأصله ليس من حيوان، فكان أعظم في التسخير٤".
стр. 123
ثم قرر١ أمر التسخير، وأن منه ما هو بالمال، ومنه ما هو بالحال، وأن ما هو بالحال مثل تسخير الطفل لأبيه بالقيام في مصالحه، وتسخير الرعايا للملك بقيامه في مصالحهم, قال. "وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون [في ذلك] مليكهم، ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة، فالمرتبة حكمت عليه بذلك، فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مسخر. قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ [فِي] شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل، كما سلط موسى [عليه] حكمة من الله ظاهرة في الوجود؛ ليعيد في كل صورة٢، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك، فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد، إما عبادة تأله، وإما عبادة تسخير، فلا بد من ذلك لمن عقل، وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل: رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى، أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها.
الهوى رب الصوفية الأعظم:
وأعظم مجلى عبد فيه, وأعلاه الهوى، كما قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣] وهو أعظم معبود، فإنه لا يعبد شيء إلا بالله، ولا يعبد هو إلا بذاته٣" ثم قال: "والعارف المكمل من رأي كل معبود مجلى للحق يعبد
стр. 124
فيه، ولذلك سموه كلهم: إلها مع اسمه الخاص بحجر، أو شجر، أو حيوان، أو إنسان، أو ملك، أو كوكب١.
وحدة الأديان عند ابن الفارض:
قلت: وإلى هذا [٣٣] أشار ابن الفارض بقوله:
فبي مجلس الأذكار سمع مطالع ... ولي حانة الخمار عين طليعة٢
وما عقد الزنار٣ حكما سوى يدي ... وإن حل بالإقرار بي، فهي حلت
وإن نار بالتنزيل محراب مسجد ... فما بار بالإنجيل هيكل بيعة
وأسفار توراة الكليم لقومه ... يناجي بها الأحبار في كل ليلة
وإن خر للأحجار في البد عاكف ... فلا تعد بالإنكار بالعصبية
فما زاغت الأبصار من ٤ كل ملة ... وما زاغت الأفكار من ٥كل نحلة
وما احتار من للشمس عن غرة صبا٦ ... وإشراقها من نور إسفار غرني
وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في٧ ألف حجة
стр. 125
فما عبدوا غيري١، وإن كان قصدهم. ... سواي وإن لم يعقدوا عقد نيتي
رأوا ضوء ناري مرة، فتوهمو ... هـ نارا, فضلوا في الهدى بالأشعة
الإله الصوفي مجلى صور العالم:
وقال ٢ في فص حكمة علوية في كلمة موسوية: "وجود الحق كانت الكثرة له، وتعداد الأسماء أنه كذا، وكذا بما ظهر عنه من العالم الذي يطلب بنشأته حقائق الأسماء الإلهية، فثبت٣ به وبخالقه٤ أحدية الكثرة، وقد كان أحدي العين من حيث ذاته، كالجوهر الهيولاني٥، أحدي العين من حيث ذاته كثير بالصور الظاهرة فيه التي هو حامل لها بذاته، كذلك الحق بما ظهر منه من صور التجلي، فكان مجلى صور العالم مع الأحدية المعقولة٦".
حكم ابن عربي بإيمان فرعون ونجاته:
ثم ذكر أخذ فرعون لتابوت موسى ﵇، وأنه أراد قتله، وأن امرأته ﵂ قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فبه قرت عينها بالكمال الذي
стр. 126
حصل لها، كما قلنا١، قال: "وكان قرة عين لفرعون٢ بالإيمان الذي أعطاه الله عند الغرق، فقبضه طاهرا مطهرا، ليس فيه شيء من الخبث؛ لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئا من الآثام، والإسلام يجب ما قبله، وجعله آية على عنايته بمن شاء، حتى لا ييأس أحد من رحمة الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون٣.
стр. 127
رد هذه الفرية:
هذا نصه بحروفه مع العلم الضروري لكل من شم رائحة العلم من المسلمين وغيرهم أن فرعون ما نطق بالإيمان إلا عند رؤية البأس، وتصريح الله تعالى في غير آية من كتابه العزيز بأنه لا ينفع أحدا إيمانه عند ذلك١، وأن ذلك سنة الله التي قد خلت، ولن تجد لسنة الله تحويلا، وقوله في دعاء موسى ﵇ ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] مع قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] وقوله تعالى منكرا عليه٢: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣] , ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣] المنتج٣ قطعا أن فرعون من أصحاب النار. وأما السنة، فقد روى عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ ذكر الصلاة يوما, فقال: "من حافظ عليها كانت
стр. 128
له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة, ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان، وقارون، وأبي بن خلف" قال الحافظ المنذري: رواه أحمد بإسناد جيد والطبراني في الكبير والأوسط، وابن ماجه في صحيحه، وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية في الفتوى التي أجاب فيها الشيخ سيف الدين بن عبد المطلب بن بليان السعودي: "ويكفيك معرف بكفرهم -يعني ابن عربي وأتباعه- أن أخف أقوالهم: أن فرعون مات مؤمنا، وقد علم بالاضطرار عن دين أهل الملل المسلمين واليهود والنصارى أن فرعون من أكفر الخلق بالله.
سؤال فرعون وجواب موسى:
ثم قال ابن عربي: "وهنا سر كبير فإنه -أي: موسى ﵇ أجاب بالفعل لمن سألوه عن الحد الذاتي١- أي بقوله: وما رب العالمين، فجعل الحد
стр. 129
الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم، أو ما ظهر فيه من صور العالم، فكأنه قال في جواب قوله: وما رب العالمين. قال: الذي تظهر فيه صورة
стр. 130
العالمين من علو -وهو السماء- وسفل -وهو الأرض- إن كنتم موقنين١
فرعون عند الصوفية رب موسى وسيده:
ثم قال: "فلما جعل موسى المسئول عنه عين [صور] العالم٢ خاطبه فرعون بهذا اللسان -والقوم لا يشعرون- فقال [له] : ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] والسين في السجن من حروف الزوائد٣" أي: لأسترنك، فإنك أجبت بما أيدتني به، أن أقول لك مثل هذا القول. فإن قلت لي: فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي -والعين واحدة- فكيف فرقت؟ فيقول فرعون: إنما فرقت المراتب العين٤. ما تفرقت [العين] ، ولا انقسمت في ذاتها, ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل، وأنا أنت بالعين، وغيرك بالرتبة٥", ثم قال: "ولما كان فرعون في منصب التحكم
стр. 131
صاحب الوقت١، وأنه الخليفة بالسيف، وإن جار في العرف الناموسي, لذلك قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] أي: وإن كان الكل أربابا بنسبة ما، فأنا الأعلى منهم، بما أعطيته في الظاهر من التحكم فيكم، ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله، لم ينكروه، وأقروا له بذلك، فقالوا له: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢] فالدولة لك, فصح قوله: أنا ربكم الأعلى، وإن كان عين الحق، فالصورة لفرعون، فقطع الأيدي والأرجل [٣٥] وصلب بعين حق في صورة باطل٢، لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل [فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها، لأن الأعيان الثابتة اقتضتها، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت] ، إذ لا تبديل لكلمات الله، وليس كلمات الله سوى أعيان الموجودات٣، فينسب إليها القديم من حيث ثبوتها، وينسب إليها الحدوث من حيث وجودها وظهورها، كما تقول: حدث اليوم
стр. 132
عندنا إنسان، أو ضيف، ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل الحدوث١".
حكم من ينسب ربوبية إلى فرعون:
قال الشيخ زين الدين العراقي: "قوله في قول فرعون: أنا ربكم الأعلى: أنه صح قوله ذلك، مستدلا عليه بأن السحرة صدقوه. كذب وافتراء على السحرة، فلقد كذبوه، وخالفوه، ودعواه كاذبة، وبها أخذ الله فرعون وأهلكه، فقال تعالى حكاية عنه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٤، ٢٥] ثم قال: ولا شك أن من صح أنه قال هذا، واعتقده، مع وجود عقله، وهو غيره مكره، ولا مجبر الإجبار المجوز للكفر، فهو كافر ولا يقبل منه تأويلها على ما أراد، ولا كرامة، كما قدمنا ذكره، وهذا ما لا نعلم فيه خلافا بين العلماء بعلوم الشريعة المطهرة في مذاهب الأئمة الأربعة, وغيرهم من أهل الاجتهاد والصحيح. والله أعلم".
وهذا كما ترى مبطل لما يقوله بعضهم من الخرافات في تأويله ستر الكفر، وأن المراد به: فرعون النفس؛ لأنه نزل قوله على جل آيات القرآن جملة جملة، ومن المقطوع به أن الله تعالى ما أنزل هذه الآيات إلا في فرعون وموسى.
تحريم التأويل:
ولهذا قال الغزالي في الطامات من كتاب العلم من الإحياء -بعد تحريم التأويل بما لا تسبق الأفهام إليه- ما نصه: "وبعض هذه التأويلات يعلم بطلانه قطعا، كتنزيل فرعون على القلب، فإن فرعون شخص محسوس تواتر إلينا وجوده، ودعوة موسى ﵇ له، كأبي جهل، وأبي لهب، وغيرهما من الكفار
стр. 133
وليس من جنس الشياطين والملائكة، وما يدرك بالحس حتى يتطرق التأويل إلى ألفاظه١" ا. هـ.
رأي ولد العراقي في الفصوص والتائية:
وقال الإمام ولي الدين أحمد العراقي٢ ابن الشيخ زين الدين المذكور في المسألة الحادية والعشرين من فتاويه المكية ما نصه، "لا شك في اشتمال الفصوص المشهورة عنه على الكفر الصريح الذي لا شك فيه، وكذلك فتوحاته المكية، فإن صح صدور ذلك عنه، واستمر إلى وفاته، فهو كافر مخلد في النار بلا شك, وقد صح عندي عن الحافظ المزي٣ أنه نقل من خطه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] كلاما ينبو عنه السمع, ويقتضي الكفر، وبعض كلماته لا يمكن تأويلها٤،
стр. 134
والذي يمكن تأويله منها كيف يصار إليها مع مرجوجية التأويل، وأن الحكم إنما يترتب على الظاهر، وقد بلغني عن الشيخ علاء الدين القونوي -وأدركت أصحابه- أنه قال في مثل ذلك: إنما يؤول كلام المعصومين، وهو كما قال", [٣٦] ثم ذكر كلام الذهبي١ فيه، وساق الأسانيد إلى ابن [عبد] السلام٢ بما يأتي عنه من تكفيره، ثم قال: "وأما ابن الفارض، فالاتحاد في شعره، وأمرنا أن نحكم بالظاهر، وإنما نؤول كلام المعصومين، لكن علماء عصره من أهل الحديث رووا عنه في معاجمهم، ولم يترجموه لشيء من ذلك، فقال الحافظ زكي الدين عبد العظيم المنذري٣ في معجمه: الشافعي الأديب٤ سمع من
стр. 135
أبي القاسم ابن عساكر، وحدث: سمعت شيئا من شعره، وقال الحافظ رشيد الدين العطار في معجمه: الشيخ الفاضل الأديب كان حسن النظم متوقد الخاطر، وكان يسلك طريق التصوف، وينتحل مذهب الشافعي، وأقام في مكة مدة، وصحب جماعة من المشايخ.. وقال الحافظ أبو بكر بن مسدي١: برع في الأدب، فكان رقيق الطبع، عذب النبع، فصيح العبارة، دقيق الإشارة، سلس القيادة، نبيل الإصدار والإيراد، وتصرف فتصوف، فكان كالروض المفوف، وتخلق بالزي، وتزيا بالخلق، وجمع كرم النفس كل مفترق" انتهى كلام الشيخ ولي الدين. وما قاله هؤلاء الأئمة ليس فيه مناقضة لكلامه أولا في الحكم عليه بالاتحاد، فإنهم لم يقضوا على التائية ونحوها، وأما قوله: إن صح ذلك عنه، فهو على طريق من يعتبر في الكتب المشهورة إسنادا خاصا، وهي طريقة غير مرضية٢، والصحيح أنها لا تحتاج إلى ذلك، بل الشهرة كافية٣، والله الموفق.
رأي السكوتي:
وقال الإمام أبو علي ابن خليل السكوتي في كتابه: تحت العوام، فيما يتعلق
стр. 136
يعلم الكلام. بعد أن حذر من ابن عربي وأتباعه، فقال: "وليحترز من مواضع كثيرة من كلام ابن عربي الطائي في فصوصه وفتوحاته المكية، وغيرهما وليحترز أيضا من مواضع كثيرة من كلام ابن الفارض الشاعر وأمثاله، مما يشيرون بظاهره إلى القول بالحلول والاتحاد, لأنه باطل بالبراهين القطعية -ثم قال: وكل كلام وإطلاق يوهم الباطل، فهو باطل بالإجماع، فأحرى وأولى بطلانه إذا كان صريحا في الباطل، فإن قالوا: لم نقصد بكلامنا ورموزنا وإشاراتنا الاتحاد، والحلول، وإنما قصدنا أمرا آخر يفهم عنا، قلنا لهم: الله أعلم بما في الضمائر، وما يخفى في السرائر، وإنما اعترضنا نحن الألفاظ والإطلاقات التي تظهر فيها الإشارات إلى الإلحاد، والحلول، والاتحاد١" ا. هـ.
حكم من يؤول للصوفية كلامهم:
والفيصل في قطع التأويل من أصله أن محقق زمانه وصالحه علاء الدين محمد البخاري الحنفي ذكر عنده ابن عربي هذا، فقال قاضي المالكية إذ ذاك شمس
стр. 137
الدين محمد البساطي١: يمكن تأويل٢ كلامه. فقال له البخاري: كفرت. وسلم له أهل عصره ممن كان في مجلسه، ومن غيرهم، وما طعن أحد منهم فيه بكلمة واحدة، وقد كان منهم حافظ العصر قاضي الشافعية بها شهاب الدين أحمد بن [٣٧] حجر، وقاضي القضاة زين الدين عبد الرحمن التفهني، وقاضي القضاة محمود العيني الحنفي، والشيخ يحيى السيرامي الحنفي، وقاضي القضاة محب الدين أحمد بن نصر الله البغدادي الحنبلي، وزيد الدين أبو بكر القمني الشافعي، وبدر الدين محمد بن الأمانة الشافعي، وشهاب الدين أحمد بن تقي المالكي٣، وغيرهم من العلماء والرؤساء، وما خلص البساطي من ذلك إلا بالبراءة من اعتقاد الاتحاد، ومن طائفة الاتحادية، وتكفيره لمن يقول بقولهم.
стр. 138
أوهام الصوفية في الحكم بإيمان فرعون:
ثم قال ابن عربي: "وأما قوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] ، ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ ١ فلم يدل ذلك على أنه لا ينفعهم في الآخرة، بقوله في الاستثناء: إلا قوم يونس، فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه٢" ثم قال: "فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن بالنجاة، فكان كما تيقن، لكن على غير الصورة التي أراد، فنجاه الله من عذاب الآخرة في نفسه، ونجى بدنه، كما قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٢] لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه: احتجب، فظهر بالصورة المعهودة ميتا، ليعلم أنه هو] فقد عمته النجاة حسا ومعنى، ومن حقت عليه كلمة العذاب الأخروي٣ لا يؤمن، ولو جاءته كل آية ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: يذوقوا العذاب الأخروي٤، فخرج فرعون من هذا الصنف, هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن, ثم إنا نقول بعد ذلك: والأمر فيه إلى الله، لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه، وما لهم نص في ذلك يستندون إليه ٥" ا. هـ. وقد تقدم النص المنتج قطعا بديهة أنه من أهل النار. ثم قال: "ثم لعلم٦ أنه
стр. 139
ما يقبض الله أحدا إلا وهو مؤمن، أي: مصدقي بما جاءت به الأخبار الإلهية، أعني من المحتضرين، ولهذا يكره الموت الفجاءة، وقتل الغفلة١" ثم قال: "وأما حكمة التجلي والكلام في صورة النار، فلأنها كانت بغية موسى، فتجلى له في مطلوبه٢" ثم قال: كنار موسى، رآها٣ حين حاجته وهو الإله، ولكن ليس يدريه.
افتراء على الرسول, ﷺ :
وقال في فص حكمة فردية في كلمة٤ محمدية: "وإنما حبب إليه النساء, فحن إليهن؛ لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه٥، فأبان بذلك عن الأمر
стр. 140
في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشاة الإنسانية العنصرية: ونفخت فيه من روحي، ثم وصف نفسه بشدة الشوق إلى لقائه، فقال للمشتاقين: يا داود إني أشد شوقا إليهم١".
التثليث عند الصوفية:
ثم ذكر العبد المؤمن، وأنه لا يرى ربه إلا بعد الموت، فاشتاق الحق لوجود هذه النسبة، يعني رؤية المؤمن له تعالى بالموت، ثم قال: "فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه، فما اشتاق إلا إلى نفسه, ألا تراه خلقه على صورته؛ لأنه من روحه، ولما كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة [٣٨] في جسده٢ أخلاطا حدث عن نفخة اشتعال بما في جسده من الرطوبة، فكان روح الإنسان نارا, لأجل نشأته, ولهذا ما كلم الله تعالى موسى إلا في صورة النار [وجعل حاجته فيها، فلو كانت نشأته طبيعية، لكان روحه نارا] ، وكنى عنه بالنفخ يشير إلى أنه من نفس الرحمن٣، فإنه بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عينه [وباستعداد المنفوخ فيه كان الاشتغال نارا لا نورا] فبطن نفس الرحمن فيما كان
стр. 141
[به] الإنسان إنسانا، ثم اشتق له [منه] شخصا على صورته سماه: امرأة، فظهرت بصورته, فحن إليها حنين الشيء إلى نفسه، وحنت إليه حنين الشيء إلى وطنه, فحببت١ إليه النساء، فإن الله أحب من خلقه على صورته، وأسجد له ملائكته [النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم، وعلو نشأتهم الطبيعية] فمن هناك وقعت المناسبة، والصورة أعظم مناسبة، وأجلها وأكملها، فإنها زوج أي: شفعت وجود الحق، كما أن هناك المرأة شفعت بوجودها الرجل، فصيرته زوجا، فظهرت٢ الثلاثة: حق ورجل وامرأة٣. فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه، فحبب إليه ربه النساء، كما أحب الله من هو على صورته٤" انتهى وقد علم من هنا قطعا أنه يريد بالصورة في خلق آدم على صورته معناها المتعارف٥.
رب الصوفية امرأة:
ثم قال: "فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهودا في منفعل، وإذا شاهده في نفسه من حيث ظهور المرأة عنه شاهده في فاعل، وإذا شاهده في نفسه من [غير] استحضار صورة ما كان شهودا٦ في منفعل عن الحق بلا واسطة، فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل؛ لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل
стр. 142
منفعل١، ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة فلهذا أحب ﷺ النساء، لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجردا عن المواد أبدا٢، فإن الله بالذات غني عن العالمين، وإذا ٣ كان الأمر من هذا الوجه ممتنعا،
стр. 143
ولم تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود١ وأكمله [وأعظم الوصلة النكاح٢] وهو نظير التوجه الإلهي على من خلقه على صورته، ليخلفه، فيرى فيه نفسه، فسواه، وعدله، ونفخ فيه من روحه الذي هو نفسه، فظاهره خلق، وباطنه حق٣".
وهذا يدلك على أن الإله عنده كالكلي الطبيعي٤، لا وجود له إلا في ضمن جزئياته، والله الموفق.
ثم قال: "فمن أحب النساء على هذا الحد، فهو حب إلهي، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة نقصه علم هذه الشهوة، فكان صورة بلا روح عنده، وإن كانت تلك الصورة في نفس الأمر ذات روح، ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته، أو لأنثى حيث كانت لمجرد الالتذاذ، ولكن لا يدري: لمن؟! فجهل من نفسه ما يجهل الغير منه ما لم يسمه هو بلسانه حتى يعلم، كما قال بعضهم:
صح عند الناس أني عاشق ... غير أن لم يعرفوا عشقي لمن
كذلك هذا. أحب الالتذاذ، فأحب [٣٩] المحل الذي يكون فيه، وهو المرأة، ولكن غاب عنه روح المسألة، فلو علمها، لعلم بمن التذ، ومن التذ؟! ٥ وكان كاملا، وكما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله:
стр. 144
﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٨] نزل المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأه على صورته، مع كونه على صورته، فبتلك الدرجة التي تميز عنه بها كان غنيا عن العالمين، وفاعلا أولا، فإن الصورة فاعل ثان، فماله الأولية التي للحق، فتميزت الأعيان بالمراتب، فأعطى كل ذي حق حقه كل عارف، فلهذا كان حب النساء لمحمد ﷺ عن تحبب إلهي [وأن الله أعطى كل شيء خلقه، وهو عين حقه، فما أعطاه إلا باستحقاق استحقه بمسماه أي بذات ذلك المستحق] وإنما قدم النساء -أي: في قوله, ﷺ : "حبب إليّ من الدنيا" النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة"١..؛ لأنهن محل الانفعال كما تقدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة, وليست الطبيعة على الحقيقة إلا النفس الرحماني، فإن فيه انفتحت صورة العالم أعلاه وأسفله٢".
الأنوثة صفة الإله الصوفي:
ثم قال: إنه ﵊ غلب في هذا الخبر التأنيث على التذكير؛ لأنه قصد التهمم بالنساء فقال: ثلاث، ولم يقل: ثلاثة بالهاء الذي هو لعدد الذكران؛ إذ فيها ذكر الطيب, وهو منكر، وعادة العرب أن تغلب التذكير
стр. 145
[على التأنيث] ١, ثم قال: "ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث وأدرج بينهما المذكر، فبدأ٢ بالنساء، وحكم بالصلاة، وكلتاهما تأنيث، والطيب بينهما "كهو٣" في وجوده، فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنها وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين تأنيث ذات، وتأنيث حقيقي, كذلك النساء تأنيث حقيقي, والصلاة تأنيث غير حقيقي، والطيب مذكر بينهما, كآدم بين الذات الموجود هو عنها، وبين حواء الموجودة عنه، وإن شئت، قلت: القدرة، فمؤنثة أيضا، فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم، حتى عند أصحاب العلة الذين جعلوا الحق علة في وجود العالم، والعلة مؤنثة.
الإله الصوفي بين التقييد والإطلاق
ثم قال: "وثم مرتبة يعود الضمير على العبد المسبح فيها في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي: بحمد ذلك الشيء٥، فالضمير الذي في