← Акыда

Акыда · id 8317

مصرع التصوف = تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد

برهان الدين البقاعي

Полный текст (273 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وشفع وجودي في شهودي ظل في اتحادي وترا في تيقظ غفوتي١ ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري ... ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي وقد جاءني مني رسول. عليه ما ... عنت، عزيز بي، حريص لرأفة٢ ومن عهد عهدي قبل عصر عناصري ... إلى دار بعث قبل إنذار بعثة إليّ رسولا كنت مني مرسلا٣ ... وذاتي بآياتي عليّ استدلت

стр. 72

العبد عين الرب عند الصوفية: ثم قال في فص كلمه علية في كلمة إسماعيلية: "والعبد١ من كان عند ربه مرضيا، وما ثم إلا من هو مرضي عند ربه؛ لأنه الذي يبقي عليه ربوبيته، فهو عنده مرضي فهو سعيد": ثم قال؛ شعر: فأنت عبد, وأنت رب ... لمن له فيه أنت عبد وأنت رب، وأنت عبد ... لمن له في الخطاب عهد فكل عقد عليه شخص ... يحله من سواه عقد٢ فرضي الله عن عبيده، فهم مرضيون، ورضوا عنه، فهو مرضي، فتقابلت الحضرتان٣ تقابل الأمثال، والأمثال أضداد، لأن المثلين حقيقة لا يجتمعان, إذ لا يتميزان، وما ثم إلا متميز، فما ثم مثل٤، فما في الوجود مثل، فما في الوجود ضد، فإن الوجود حقيقة واحدة، والشيء لا يضاد نفسه.

стр. 73

فلم يبق إلا الحق، لم يبق كائن ... فما ثم موصول, ومن ثم بائن بذا جاء برهان العيان، فما أرى ... بعيني إلا عينه إذا أعاين١ النار عين الجنة عند الصوفية: ثم قال: "الثناء بصدق الوعد, لا بصدق الوعيد [والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثني عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] لم يقل: ووعيده٢، بل قال: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ٣﴾ مع أنه توعد على ذلك، فأثنى على إسماعيل ﵊ بأنه كان صادق الوعد. فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وما لوعيد الحق عين تعاين وإن دخلوا دار الشقاء، فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين نعيم جنان الخلد٤ فالأمر واحد ... وبينها٥ عند التجلي تباين يسمى عذابا من عذوبة لفظه ... وذاك لكالقشر، والقشر صائن٦

стр. 74

" مثل من تفسير ابن عربي للقرآن ": ثم قال في نص حكمة نورية في كلمة يوسفية, بعد أن قرر أن الشيء قد يرى في خلاف ما هو عليه لبعد، أو ظلام ونحوه: "فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي كان عنه ذلك الظل، فما حيث هو ظل له يعلم، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق، فلذلك نقول: إن [الحق] معلوم لنا من وجه, مجهول لنا من وجه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] أي: يكون فيه بالقوة. يقول: ما كان الحق ليتجلى للممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥] وهو اسمه النور [الذي قلنا، ويشهد له الحسن, فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦] . وإنما قبضه إليه؛ لأنه ظله، فمنه ظهر، وإليه يرجع الأمر كله، فهو هو لا غيره١. "وجود الحق عين وجود الخلق عند الصوفية " فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق

стр. 75

هو١ وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو٢ أعيان الممكنات، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول عنه [١٨] باختلاف الصور اسم العالم، أو اسم سوى الحق, فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق؛ لأنه الواحد الأحد، ومن حيث كثرة الصور هو العالم, فتفطن، وتحقق ما أوضحته لك، فإذا كان الأمر على ما ذكرته لك، فالعالم متوهم٣ ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال, أي: خيل إليك أنه أمر زائد قائم بنفسه، خارج عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر، ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل [عليه] الانفكاك عن ذلك الاتصال، لأنه يستحيل على٤ الشيء الانفكاك عن ذاته٥".. وهذا وما شاكله من قوله -كما تقدم في الفص النوحي- مشيرا إلى تصحيح قول الكفار في القرآن: إنه سحر لا حقيقة له، إشارة تكاد أن تكون صريحة، وإلى مثل هذا المحال لوح ابن الفارض، والأمر فيه أوضح مما في الفصوص: وها دحية وافى الأمين نبينا ... بصورته في بدء وحي النبوة أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا ... لمهدي الهدى في هيئة٦ بشرية؟ وفي علمه عن حاضريه مزية ... بماهية المرئي من غير مرية يرى ملكا يوحي إليه، وغيره ... يرى رجلا يرعى لديه بصحبة

стр. 76

ولي من أتم الرؤيتين إشارة ... تنزه عن دعوى الحلول١ عقيدتي وفي الذكر ذكر اللبس ليس بمنكر ... ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة يعني قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] هذا ما كان ظهر لي، ثم تبين أن المراد أقبح من هذا بقول شراح التائية، الفرغاني وغيره٢ وسيأتي نقله عنه آنفا. رد علاء الدين البخاري: قال الإمام علاء الدين البخاري: "ما ذكرتم في نفي ثبوت الأشياء معارض بالمثل؛ إذ لا خفاء أنه من أعيان الأكوان، غير أنه من الأعراض، فيكون ما ذكرتم أيضا خيالا وسرابا، لا حقيقة له، فلا يمكن به إثبات مذهبكم الباطل وإذا لم يبق في قوس المكابرة منزع، ولا لما لزمهم من شنيع المحالات والضلالات مدفع، التجئوا إلى دعوى الكشف على ما هو دأب قدماء الفلاسفة حين عجزوا عن إقامة البرهان، وأنت خبير بأن الكشف إنما يظهر الحقائق، لا أنه يهدم الشرائع، وينفي الحقاق٣، فإن ذلك زندقة، وقد غلط هؤلاء كغلط.

стр. 77

النصارى لما رأوا إشراق نور الله تعالى، وقد تلألأ في عيسى عليه السلام١، فقالوا: هو الإله، وهؤلاء لما رأوا الوجود فائضا من الحضرة الإلهية على الموجودات فلم يفرقوا بين الفيض٢ والمفيض، فقالوا: الوجود هو الله . اهـ رأي العضد والجرجاني: وقال الشريف الجرجاني٣ في شرح المواقف للعضد٤: "واعلم أن المخالف في هذين الأصلين -يعني عدم الاتحاد وعدم الحلول- طوائف ثلاث، الأولى:

стр. 78

النصارى" ثم ذكر مذاهبهم، ثم قال: "الثانية: النصيرية١ والإسحاقية٢ من غلاة الشيعة، قالوا: ظهور الروحاني بالجسماني لا ينكر، ففي طرف الشر، كالشياطين، فإنه [١٩] كثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الإنسان، ليعلمه الشر ويكلمه بلسانه، وفي طرف الخير -كالملائكة- فإن جبريل ﵇ كان يظهر بصورة دحية الكلبي [والأعرابي٣] ، فلا يمتنع [حينئذ٤] أن يظهر الله تعالى في صورة بعض الكاملين [وأولى الخلق بذلك أشرفهم وأكملهم، وهو العترة الطاهرة، وهو من يظهر فيه العلم التام، والقدرة التامة من الأئمة من تلك العترة، ولم يتحاشوا عن إطلاق الآلهة على أئمتهم، وهذه ضلالة بينة٥ الطائفة] الثالثة [بعض] المتصوفة، وكل منهم مختبط٦ بين الحلول والاتحاد" ثم قال العضد٧: "ورأيت من الصوفية الوجودية من ينكره، ويقول: لا حلول, ولا اتحاد، إذ ذاك يشعر بالغيرية، ونحن لا نقول بها، بل نقول: ليس في ذات الوجود غيره٨، وهذا العذر أشد قبحا وبطلانا من ذلك الجرم؛ إذ يلزم ذلك المخالطة التي لا يجترئ على القول بها عاقل، ولا مميز أدنى تمييز٩".

стр. 79

رأي السعد التفتازاني: ١ وهذا المعنى الأخير هو الذي أراده الشيخ سعد الدين التفتازاني، بالمذهب الثاني، من قوله في شرح المقاصد: "وههنا مذهبان آخران يوهمان الحلول والاتحاد وليسا منه في شيء. الأول: أن السالك إذا انتهى سلوكه إلى الله تعالى في الله يستغرق في بحر التوحيد والعرفان بحيث تطمحل ذاته في ذاته، وصفاته في صفاته ويغيب عن كل ما سواه، ولا يرى في الوجود إلا الله، وهو الذي يسمونه: الفناء في التوحيد، وإليه يشير الإلهي٢: "إن العبد لا يزال يتقرب إليّ حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به٣". وحينئذ ربما تصدر عنه عبارات تشعر بالحلول٤، أو بالاتحاد لقصور العبارة عن بيان تلك الحال، وبعد الكشف عنها بالمثال، ونحن على ساحل التمني نعترف٥ من بحر التوحيد بقدر الإمكان، ونعترف بأن طريق الفناء فيه العيان٦ دون البرهان، والله الموفق.

стр. 80

الثاني: أن الواجب هو الوجود المطلق١، وهو واحد لا كثرة فيه أصلا وإنما الكثرة بالإضافات, والتعينات التي هي بمنزلة الخيال والسراب، إذ الكل في الحقيقة واحد يتكرر على مظاهر، لا بطريق المخالطة، ويتكرر في النواظر، لا بطريق الانقسام، فلا حلول منا، ولا اتحاد؛ لعدم الاثنينية والغيرية، وكلامهم في

стр. 81

ذلك طويل خارج عن طريق العقل والشرع أشرنا في بحث الوجد إلى بطلانه، لكن من يضلل الله فما له من هاد" انتهى كلام الشيخ سعد الدين ﵀. زعم أن الحق يتلبس بصور الخلق: وقال سعيد الفرغاني -وهو من أكابر أتباعهم- في شرحه للتائية: "وتنزه١ تلك الإشارة عقيدتي عن رأي الحلول، فإنه لما جاز ووقع أن يكون لملك مخلوق قدرة التلبس بأي صورة شاء بلا معنى الحلول فيه، يصح أن يتلبس الحق تعالى بصورتي بفناء أنانيتي٢ بالكلية، وإن تعللت بعدم جواز تلبسه٣ بالصورة، وعللت بتنزيهه عن ذلك التلبس منعناك، ورددنا تعليلك بالكتاب والسنة". ثم قال في شرح البيت٤ الذي فيه استشهاده بالكتاب والسنة: "وفي الذكر٥، آي القرآن [٢٠] ذكر اللبس، أي: تلبس الحق بالصورة ليس بمردود بل هو ثابت مذكور معروف موضعه من القرآن، ولم أتجاوز في تقريري حكمي الكتاب والسنة. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٨] يعني من أن يكون منحصرا ظهوره حالتئذ وقبله وبعده في ذلك التلبس، وفي غيره من الصور، وغير ما، وقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]

стр. 82

الآية، وإذا جاز تلبسه بصورة الجماد١، فبصورة الإنسان أجمع وأولى عند فنائه عن تعينه وتشخصه. وأما السنة، فقوله ﷺ حكاية عنه تعالى: "كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله٢" وقوله أيضا: فإن الله تعالى قال

стр. 83

على لسان عبده: سمع الله لمن حمده. ثم حديث القيامة في الإتيان في الصورة١

стр. 84

ثم قال: فالحديث أولا وآخرا معلم أنه يتلبس بأي لباس صورة شاء مما يعرف، ومما ينكر من غير حلول، فكان ظهوره بصورتي أيضا جائزا من غير حلول، فصح بهذا دعوى اتحادي مع الحلول". أمر ابن الفارض باتباع شريعته ثم قال في شرح قوله: منحتك علما إن ترد كشفه، فرد ... سبيلي، واشرع في اتباع شريعتي قال: "يحتمل أن يكون إضافة الشريعة من الناظم إلى نفسه بلسان الجمع والترجمانية، ويريد بقوله: فرد سبيلي ما أريد به في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] وبقوله: شريعتي، شريعة النبي ﷺ " ثم قال: فمنبع صدا١ من شراب نقيعه ... لدي، فدعني من سراب بقيعة

стр. 85

صدا ماء للعرب يضرب المثل به لعذوبته، والنقيع: البئر الكثيرة الماء، يقول معللا البيت السابق الذي حاصله: أمره باتباع شريعته، والورود في سبيل هداه وطريقته، ونهى عن متابعة غيره ممن يدعي التحقيق في العلم والمعرفة الحقيقية نحو علماء الظاهر من الأصوليين والفلاسفة: أن المورد العذب الهنيء النافع عندي، ويختص بمشربي، وهو المفهوم المطابق من الكتاب والسنة، وإشاراتهما الغامضة بلا تأويل عقلي وتقليد، بل على ما هو الأمر عليه، فإن استطعت أن تخوض فيه، وتشرب منه، وإلا فدعني من سراب علوم علماء الظاهر١، وتأويلاتهم ومفهوماتهم التي ظاهرها لأجل الفصاحة، وتركيب الدلائل، تظهر وتغر السامع الغر٢، فيحسبها شيئا نافعا له، فإذا فتش عن حقيقتها لم يجد شيئا، ولا تحقيق، ولا معرفة فيها، ولا طائل تحتها، وكذلك دلائل الفلسفة في المسائل الإلهية، تغر، ولا تقر. ولا تذكر عندي مذاهبهم ومقالاتهم ودلائلهم، ولا تلتفت إلى ذلك تفز فوزا عظيما. هذا كلام الفرغاني الذي يثني ابن بنت ابن الفارض في مقدمة [٢١] الديوان عليه، وشهد له أنه على نفس جده٣، وهكذا يفعل في كل الأبيات مهما وجد شيئا من المتشابه في الكتاب أو السنة أجراه على ظاهره٤، وجعله حجتهم في

стр. 86

الاتحاد، واستحسان الأفعال القبيحة من المكلفين، فإن عجز -بكون الشرع نص على قباحتها- يقول: إن فيها حسنا وقبحا من بعض الوجوه, ولعل ذلك الوجه يقود أصحاب تلك المقالة إلى الخير، ويسعى كل السعي في إسقاط الإنكار على أحد في فعل من الأفعال. وكذا نقل البدر بن الأهدل عن شرحها للأبزاري وغيره، والله المستعان. تكذيب صريح للقرآن وقال في فص حكمة أحدية في كلمة هودية: ﴿ومَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] : فكل ماش [فعلى] صراط الرب المستقيم, فهم غير مغضوب عليهم من هذا الوجه، ولا ضالون، فكما كان الضلال عارضا، فكذلك الغضب الإلهي عارض، والمآل إلى الرحمة التي وسعت كل شيء١.

стр. 87

إفك على الله: ثم قال: "اعلم أن العلوم١ الإلهية الذوقية الحاصلة لأهل الله مختلفة باختلاف القوى الحاصلة منها مع كونها ترجع إلى عين واحدة؛ فإن الله تعالى يقول: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يسعى بها" فذكر أن هويته٢ [هي] عين الجوارح التي هي عين العبد، فالهوية واحدة، والجوارح مختلفة، ولكل جارحة علم من علوم الأذواق يخصها من عين واحدة، تختلف باختلاف الجوارح كالماء. حقيقة٣ واحدة مختلف٤ في الطعم باختلاف البقاع٥" قلت: وعلى هذا الضلال عول ابن الفارض، فقال: وجاء حديث في اتحادي٦ ثابت ... روايته في النقل غير ضعيفة مشيرا بحب الحق بعد تقرب ... إليه بنقل أو أداء فريضة وموضع تنبيه الإشارة ظاهر ... بكنت له سمعا كنور الظهيرة فكلي لكلي طالب متوجه ... وبعضي لبعضي جاذب بالأعنة ومني بدا لي ما علي لبسته ... وعني البوادي بي إلي أعيدت

стр. 88

وفيّ شهدت الساجدين لمظهري ... فحققت أني كنت آدم سجدتي١ تعانقت الأطراف٢ عندي وانطوى ... بساط السِّوى عدلا بحكم السوية

стр. 89

وليس ألست١ الأمس غيرا لمن غدا ... وجنحي غدا صبحي ويومي٢ ليلتي وسر بلى لله مرآة كشفها ... وإثبات معنى الجمع نفي المعية ٣ ظهور صفاتي عن أسامي جوارحي ... مجازا بها للحكم نفسي تسمت رقوم علوم في ستور هياكل ... على ما وراء الحس في النفس ورت

стр. 90

وأسماء ذاتي عن صفات جوانحي ... جوازا الأسرار بها الروح سرت مظاهر لي بدوت فيها, ولم أكن ... عليّ بخاف قبل موطن برزني [٢٢] ولما شعبت الصدع، والتامت فطو ... ر شمل بفرق الوصف غير مشتت١ تحققت أنا في الحقيقة واحد ... وأثبت صحو الجمع محو التشتت٢ وإني، وإن كنت ابن آدم صورة ... فلي فيه معنى شاهد بأبوتي تمجيد الصوفية للمجرمين: ثم قال في الفص الهودي أيضا: ﴿فَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهم الذين استحقوا المقام الذي ساقهم إليه بريح الدبور التي أهلكهم عن نفوسهم [بها] فهو يأخذ بنواصيهم، والريح تسوقهم -وهي عين الأهواء التي كانوا عليها- إلى جهنم،

стр. 91

وهي البعد١ الذي كانوا يتوهمونه، فلما ساقهم إلى ذلك الموطن حصلوا في عين القرب، فزال البعد، فزال مسمى جهنم في حقهم، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق؛ لأنهم مجرمون، فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنة، وإنما أخذوه بما استحقته حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها، وكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم٢، لأن نواصيهم كانت بيد من له هذه الصفة، فما مشوا بنفوسهم، وإنما مشوا بحكم الجبر إلى أن وصلوا إلى عين القرب٣ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ٤﴾ . [الواقعة: ٨٥] زعمهم أن هوية الحق عين أعضاء العبد وقواه ثم قال: "فلا قرب أقرب من أن تكون هويته عين أعضاء العبد وقواه٥، وليس العبد سوى هذه الأعضاء والقوى، فهو حق مشهود في خلق

стр. 92

متوهم، فالخلق معقول، والحق محسوس مشهود عند المؤمنين، وأهل الكشف والوجود١ وما عدا هذين الصنفين، فالحق عندهم معقول، والخلق مشهود، فهم بمنزلة الملح الأجاج، والطائفة الأولى بمنزل الماء العذب الفرات السائغ لشاربه، فالناس على قسمين: من الناس من يمشي على طريق يعرفها، ويعرف غايتها، فهي في حقه على صراط مستقيم، ومن الناس من يمشي على طريق يجهلها، ولا يعرف غايتها، وهي عين الطريق التي عرفها الصنف الآخر، فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة، وغير العارف يدعو إلى الله على التقليد والجهالة٢". تفسيرهم لما عذب الله به قوم هود ثم قال: "ألا ترى عادا قوم هود كيف قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] فظنوا خيرا بالله تعالى -وهو عند ظن عبده به- فأضرب لهم الحق عن هذا القول، فأخبرهم بما هو أتم وأعلى في القرب، فإنه إذا أمطرهم، فذلك حظ

стр. 93

الأرض, وسقى الحب، فما يصلون إلى نتيجة ذلك المطر١ إلا عن بعد٢، فقال لهم ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] . فجعل الريح إشارة إلى ما فيها من الراحة، فإن بهذه الريح أراحهم من هذه الهياكل المظلمة، والمسالك الوعرة، والسدف المدلهمة، وفي هذه الريح عذاب، أي: أمر يستعذبونه٣، إذا ذاقوه، إلا أنه يوجعهم لغرقه المألوف٤". انتهى ما قاله مكذبا لصريح الذكر الحكيم في قوم قال فيهم أصدق القائلين, سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون [٢٣] علوا كبيرا ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ [نوح: ٧] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الجن: ٧] ، ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ, وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٥٩, ٦٠] . ابن عربي يزعم أنه اجتمع بالأنبياء ثم ادعى في هذا الفص أنه رأى الأنبياء ﵈ في مشهد واحد سنة ست وثمانين وخمسمائة، وأنه ما كلمه منهم إلا هود، وقال: "رأيته٥ لطيف

стр. 94

المحاورة عارفا بالأمور كاشفا لها، ودليلي على كشفه لها قوله: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأي بشارة للخلق أعظم من هذه؟ ثم من امتنان الله علينا أن أوصل إلينا هذه المقالة عنه في القرآن. ظن الصوفية بالله سبحانه: ثم تممها الجامع للكل محمد ﷺ ، بما أخبر به عن الحق أن عين السمع والبصر واليد والرجل واللسان، أي: هو عين الحواس والقوى الروحانية أقرب من الحواس، فاكتفى بالأبعد المحدود عن الأقرب المجهول الحد١، فترجم الحق لنا عن نبيه هود مقالته لقومه بشرى لنا، وترجم رسول الله ﷺ [عن الله] مقالته بشرى، فكمل العمل في صدور الذين أوتوا العلم ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] فإنهم يسترونها -وإن عرفوها- حسدا منهم ونفاسة وظلما، وما رأينا قط من عند الله في حقه تعالى في آية أنزلها، أو إخبار عنه أوصله إلينا فيما يرجع إليه إلا بالتحديد، تنزيها كان أو غير تنزيه، أولها العماء الذي ما فوقه هواء، وما تحته هواء، فكان الحق فيه قبل أن يخلق الخلق، ثم ذكر أنه استوى على العرش، فهذا أيضا تحديد، ثم ذكر أنه ينزل إلى السماء الدنيا، فهذا تحديد، ثم ذكر أنه في السماء، وأنه في الأرض٢ وأنه

стр. 95

معناه١ أينما كنا؛ إلى أن أخبرنا أنه عيننا، ونحن محدودون, فما وصف نفسه إلا

стр. 96

بالحد. وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] حد أيضا، إن أخذنا الكاف زائدة لغير الصفة، ومن تميز عن المحدود فهو محدود بكونه ليس عين هذا المحدود، فالإطلاق عن التقييد تقييد، والمطلق مقيد بالإطلاق لمن فهم، وإن جعلنا الكاف للصفة فقد حددناه، وإن أخذنا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ١ على نفي المثل تحققنا٢ بالمفهوم وبالإخبار الصحيح أنه عين الأشياء والأشياء محدودة، وإن اختلفت حدودها فهو محدود بحد كل محدود، فما يحد شيء إلا وهو حد الحق، فهو الساري في مسمى المخلوقات والمبدعات، ولو لم يكن الأمر كذلك ما صح الوجود, فهو عين الوجود، فهو على كل [شيء] حفيظ, ولا يئوده حفظ شيء، فحفظه تعالى للأشياء كلها حفظه٣ لصورته، أن يكون الشيء غير صورته [٢٤] ولا يصح إلا هذا فهو الشاهد من الشاهد, والمشهود من المشهود، فالعالم صورته, وهو روح العالم المدبر له، فهو الإنسان الكبير٤" هذا لفظه هنا، وتقدم في الفص الآدمي: أن العالم يعبر عنه في اصطلاحهم بالإنسان الكبير، فراجعه تعرف صراحة كفر الخبيث؟ الكون هو رب الصوفية: ثم قاثم قال: "فقل في الكون ما شئت. إن شئت قلت: هو الخلق، وإن شئت [قلت] هو الحق، وإن شئت قلت: هو الحق الخلق، وإن شئت قلت:

стр. 97

لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه١, وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك، فقد بانت المطالب بتعيينك المراتب، ولولا التحديد ما أخبرت الرسل بتحول الحق في الصور، ولا وصفته بخلع الصور عن نفسه: فلا تنظر العين إلا إليه ... ولا يقع الحكم إلا عليه٢ ثم قال: "وبالجملة، فلا بد لكل شخص من عقيدة في ربه يرجع بها إليه, ويطلبه فيها [فإذا تجلى له الحق فيها عرفه، وأقر به، وإن تجلى له في غيرها أنكره وتعوذ منه، وأساء الأدب عليه في نفس الأمر، وهو عند نفسه أنه قد تأدب معه] فلا يعتقد معتقد إلها إلا بما جعل في نفسه، فالإله في الاعتقادات بالجعل فما رأوا إلا نفوسهم، وما جعلوا فيها. لم يقول الصوفية بوحدة الأديان: فإياك أن تتقيد بعقد مخصوص, وتكفر بما سواه، فيفوتك خير كثير، بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه. فكن في نفسك هيولي٣ لصور المعتقدات

стр. 98

كلها، فإن الله تعالى أوسع وأعظم [من] أن يحصره عقد دون عقد، فإنه يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ١ [البقرة: ١١٥] ". ثم قال: "فقد بان لك عن الله تعالى أنه في أينية٢ كله وجهة٣، وما ثم إلا الاعتقادات، فالكل مصيب، وكل مصيب مأجور، وكل مأجور سعيد، وكل سيعد مرضي عنه٤، وإن شقي زمانا ما في الدار الآخرة، فقد مرض، وتألم أهل العناية -مع علمنا بأنهم سعداء وأهل الحق- في الحياة الدنيا". الوحدة عند ابن الفارض وإلى هذه الجهالة والضلالة رمز ابن الفارض في هذه المقالة: فلا تك مفتونا بحسك معجبا ... بنفسك موقوفا على لبس غرة وفارق ضلال الفرق فالجمع٥ منتج ... هدى فرقة بالاتحاد تحدت وصرح بإطلاق الجمال، ولا تقل ... بتقييده ميلا لزخرف زينة فكل مليح حسنه من جمالها ... معار له، أو حسن كل مليحة

стр. 99

بها قيس لبنى هام، بل كل عاشق ... كمجنون ليلى، أو كثير عزة فكل صبا منهم إلى وصف لبسها ... لصورة حسن لاح في حسن صورة وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر ... فظنوا سواها، وهي فيها١ تجلت بدت باحتجاب، واختفت بمظاهر ... على صبغ التلوين في كل برزة٢ ففي النشأة الأولى تراءت لآدم ... بمظهر حوا قبل حكم الأمومة فهام بها كيما يصير بها أبا ... ويظهر بالزوجين حكم٣ النبوة وما برحت تبدو وتخفى لعلة ... على حسب الأوقات في كل حقبة وتظهر للعشاق في كل مظهر ... من اللبس في أشكال حسن بديعة ففي مرة لبنى، وأخرى بثينة ... [٢٥] وآونة تدعى بعزة عزت ولسن سواها، لا. ولا كن غيرها ... وما إن لها في حسنها من شريكة٤ كذاك بحكم الاتحاد بحسنها ... كمالي بدت في غيرها، وتزيت بدوت لها في كل صب متيم ... بأي بديع حسنه، وبأيت٥

стр. 100

وليسوا بغيري١ في الهوى لتقدم ... على لسبق في الليالي القديمة وما القوم غيري في هواها٢ وإنما ... ظهرت [لهم] للبس في كل هيئة ففي مرة قيسا، وأخرى كثيرا ... وآونة أبدو جميل بثينة تجليت فيهم ظاهرا واحتجبت با ... طنا بهم فاعجب لكشف بسترة أسام بها كنت المسمى حقيقة ... وكنت لي البادي بنفس تخفت وما زلت إياها، وإياي لم تزل ... ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت٣

стр. 101

وليس معي في الكون شيء سواي والـ ... ـمعية لم تخطر على ألمعيتي١ الكثرة عين الوحدة: ثم قال ابن عربي في فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية: "وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد، كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية، وإن اختلفت حقائقها وكثرت أنها عين واحدة, فهذه كثرة معقولة في واحد العين، فيكون في التجلي كثرة مشهودة في عين واحدة، كما أن الهيولي٢ تؤخذ٣ في حد كل صورة [وهي] مع كثرة الصور [واختلافها] ترجع٤ في الحقيقة إلى جوهر واحد، هو٥ هيولاها، فمن عرف نفسه بهذه المعرفة, فقد عرف ربه، فإنه على صورة خلقه بل هو عين هويته وحقيقته٦.

стр. 102

قلت: وإلى هذا المحال أشار ابن الفارض فقال: رجعت لأعمال العبادة عادة ... وأعددت أحوال الإرادة عدتي وعد جملة من أفعال البر في أبيات، ثم قال: ودققت فكري في الحلال تورعا ... وراعيت في إصلاح قوتي وقوتي متى حلت عن قولي: أنا هي أو أقل ... وحاشا لمثلي١ أنها فيّ حلت وهذا مثل ما يقال: خاب فلان وخسر، وكان مثل إبليس، إن كان منه كذا. فعل البعد عين فعل الرب عند الصوفية وقال ابن عربي في فص حكمة نبوية في [كلمة] عيسوية: فإنا أعبد حقا ... وإن الله مولانا وإنا عينه، فاعلم ... إذا ما قلت: إنسانا فلا تحجب بإنسان ... فقد أعطاك برهانا فكن حقا، وكن خلقا ... تكن بالله رحمانا٢ وقال في فص حكمة رحمانية في كلمة سليمانية: "والعمل مقسم على ثمانية

стр. 103

أعضاء من الإنسان، وقد أخبر الحق تعالى أنه هوية كل عضو منها١، فلم يكن العامل غير الحق، والصورة للعبد، والهوية مدرجة٢ فيه، أي: في اسمه، لا غير لأنه تعالى عين ما ظهر٣". ما الخلق ؟: ثم قال: "فنحن نتيجة رحمة الامتنان بالأسماء الإلهية، والنسب الربانية، ثم أوجبها على نفسه بظهورنا لنا، وأعلمنا أنه هويتنا، لنعلم أنه ما أوجبها على نفسه إلا٤ لنفسه، فما خرجت الرحمة عنه، فعلى من [٢٦] امتن، وما ثم إلا

стр. 104

هو؟ إلا أنه لا بد من حكم لسان التفصيل، لما ظهر من تفاضل الخلق في العلوم, حتى يقال: إن هذا أعلم من هذا مع أحدية العين١". زعمه أن التفاضل لا يستلزم التغاير: ثم قال: "فكل جزء من العالم، أي: هو قابل لحقائق متفرقات العالم كله، فلا يقدح قولنا: إن زيدا دون عمرو في العلم أن تكون هوية الحق عين زيد وعمرو، وتكون في عمرو أكمل [وأعلم منه في زيد] كما تفاضلت الأسماء الإلهية، وليست غير الحق، فهو تعالى -من حيث هو عالم- أعم في التعلق من حيث ما هو مريد وقادر، وهو هو ليس غيره٢، فلا تعلمه هنا يا ولي، وتجهله.

стр. 105

هنا، وتثبته هنا، وتنفيه هنا، إلا إن أثبته بالوجه الذي أثبت نفسه، ونفيته عن كذا بالوجه الذي نفى نفسه، كالآية الجامعة للنفي والإثبات في حقه حين قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فنفي ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فأثبت بصفة تعم كل سامع بصير

стр. 106

من حيوان، ومن ثم إلا حيوان، إلا أنه بطن في الدنيا عن إدراك بعض الناس، وظهر في الآخرة لكل الناس، فإنها الدار الحيوان، وكذلك الدنيا، إلا أن حياتها مستورة عن بعض العباد، ليظهر الاختصاص والمفاضلة بين عباد الله بما يدركونه١ من حقائق العالم فمن عم إدراكه، كان الحق أظهر في الحكم ممن ليس له ذلك العموم، فلا تحجب بالتفاضل، وتقول: لا يصح كلام من يقول: إن الخلق هوية الحق، بعد ما أريتك التفاضل في الأسماء الإلهية التي لا تشك أنت أنها [هي] الحق، ومدلولها المسمى بها وليس إلا الله٢". الضال مهتد, والكافر مؤمن: ثم قال: "نحن على الصراط المستقيم الذي الرب عليه، لكون نواصينا في يده، وتستحيل مفارقتنا إياه، فنحن معه بالتضمين، وهو معنا بالتصريح، فإنه قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ونحن معه بكونه آخذا بنواصينا فهو تعالى مع نفسه حيثما مشى بنا من صراطه، فما أحد من العالم إلا على صراط مستقيم٣" ثم قال في فص حكمة وجودية في كلمة داودية ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وإن اتفقا، فنحن نعلم أنهما لو اختلفا [تقديرا] لنفذ حكم أحدهما فالنافذ الحكم هو الإله على الحقيقة، والذي لم ينفذ حكمه ليس بإله، ومن هنا تعلم أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم الله، وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى: شرعا؛ إذ لا ينفذ حكم إلا الله في نفس الأمر، لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة٤".

стр. 107

لن يعذب كافر عند الصوفية: ثم قال: "ولما كان الأمر [في نفسه] على ما قررناه، لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها، فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شيء، وأنها سبقت الغضب الإلهي، والسابق متقدم، فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه المتقدم، فنالته الرحمة، إذا لم يكن غيرها سبق، فهذا معنى سبقت رحمته غضبه، لتحكم على من وصل [٢٧] إليها، فإنها في الغاية وقفت، والكل سالك إلى الغاية، فلا بد من الوصول إليها، فلا بد من الوصول إلى الرحمة، ومغادرة الغضب، فيكون الحكم لها في كل واصل إليها، بحسب ما يعطيه حال الواصل إليها. فمن يك ذا فهم يشاهد ما قلنا ... وإن لم يكن فهم، فيأخذه عنا فما ثم إلا ما ذكرناه، فاعتمد ... عليه، وكن في الحال فيه كما كنا فمنه إليه ما تلونا عليكم ... ومنا إليكم ما وهبناكم منا١ وقال في فص حكمة نفسية في كلمة يونسية٢: "وأما أهل النار فمآلهم إلى النعيم ولكن في النار، إذ لا بد لصورة النار بعد انتهاء مدة العقاب، أن تكون بردا وسلاما على من فيها، وهذا نعيمهم، فنعيم أهل النار -بعد استيفاء الحقوق- نعيم خليل الله حين ألقي في النار، فإنه ﵇ تعذب برؤيتها، وبما تعود في علمه، وتقرر من أنها صورة تؤلم من جاورها من الحيوان، وما علم مراد الله فيها، ومنها في حقه، فبعد وجود هذه الآلام وجد بردا وسلاما مع شهود الصورة اللونية في حقه، وهي نار في عيون الناس، فالشيء الواحد يتنوع في عيون الناظرين. هكذا هو التجلي الإلهي٣".

стр. 108

وقال في فص حكمة غيبية في كلمة أيوبية: "وقد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرضا والغضب، وبالصفات، والرضا مزيل للغضب، والغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه، والاعتدال: أن يتساوى الرضا والغضب، فما غضب الغاضب على من غضب عليه، وهو عنه راض, فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه، وهو ميل، وإنما قلنا هذا لأجل من يرى أن أهل النار، لا يزال غضب الله عليهم دائما أبدا في زعمه، فمآلهم حكم الرضا من [الله] فصح المقصود، فإن كان -كما قلنا- مآل أهل النار إلى إزالة الآلام، وإن سكنوا النار، فذلك رضا، فزال الغضب لزوال الآلام، إذ عين الألم عين الغضب إن فهمت. فمن غضب، فقد تأذى, فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك، فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه، والحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علوا كبيرا عن هذه الصفة على هذا الحد، وإذا كان الحق هوية العالم، فما ظهرت الأحكام كلها إلا فيه ومنه، وهو قوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] حقيقة وكشفا١ ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ حجابا وسترا٢، فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم٣؛ لأنه على صورة

стр. 109

الرحمن أوجده الله تعالى، أي: ظهر وجوده تعالى بظهور العالم، كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية، فنحن صورته الظاهرة، وهويته روح هذه الصورة المدبرة لها، فما كان التدبير إلا فيه [كما لم يكن إلا منه] ، فهو: "الأول" بالمعنى، "والآخر" بالصورة، وهو "الظاهر" [٢٨] بتغير الأحكام والأحوال "والباطن" بالتدبير "وهو بكل شيء عليم" فهو على كل شيء شهيد.١ الحق عندهم سار في عناصر الطبيعة: وقال في فص حكمة إبناسية في كلمة إلياسية: "وكان إلياس الذي هو إدريس، قد مثل له انفلاق الجبل٢ [المسمى] لبنان عن فرس من نار، فلما [رآه] ركب عليه، فسقطت٣ عنه الشهوة، فكان٤ عقلا بلا شهوة، فلم يبق له تعلق بما تتعلق به الأغراض النفسية، فكان الحق فيه٥ منزها، فكان على النصف من المعرفة بالله [فإن العقل إذا تجرد لنفسه من حيث أخذه العلوم عن نظره كانت معرفته بالله] عن التنزيه٦, لا على التشبيه، وإذا أعطاه الله المعرفة بالتجلي كملت معرفته بالله، فنزه في موضع, وشبه في موضع، ورأى سريان الحق في الصور الطبيعية والعنصرية، وما بقيت له صورة إلا ويرى عين الحق عينها، وهذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله، وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها٧". رد العراقي على وحدة الأديان قال الإمام زين الدين العراقي في جواب السؤال المذكور قبل: "بتوحيد

стр. 110

إلياس ﵇ بعثت الرسل كلها، لأن الملل كلها، وما جاءت به الرسل لم يختلفوا في التوحيد والإقرار به، وقد نزه الله تعالى نفسه عن الشبه بقوله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وليت شعري ما الفائدة لبعثة الرسل إذا كان من عبد شيئا من المخلوقات عابدا لله تعالى؟ وليت شعري ماذا يقول هذا القائل، في نبينا محمد ﷺ في نهيهم عن عبادة الأوثان وكسرها؟ هل يقول: كانوا بعبادتها مصيبين عابدين لله، وأنه ما حصل لنبينا محمد ﷺ اتساع، فأنكر عليهم، كما قال في حق هارون ﵇، ولا شك أن الرسل كلهم متفقون في التوحيد، وكأنه إنما سكت عن ذلك خيفة من السيوف المحمدية، فإن هذه المؤلفات التي كان يسرها إلى أصحابه، ويسرها أصحابه إلى أصحابهم، ولو كان حقا لأظهروه على رءوس الأشهاد" ا. هـ. الشرائع أوهام عند الصوفية: ثم قال ابن عربي: "فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية، وبه جاءت الشرائع المنزلة، فشبهت ونزهت: شبهت في التنزيه بالوهم، ونزهت في التشبيه بالعقل، فارتبط الكل بالكل، فلم يمكن أن يخلو١ تنزيه عن تشبيه، ولا تشبيه عن تنزيه، قال الله تعالى: ﴿ [لَيْسَ] كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فنزه وشبه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فشبه، وهي أعظم آية تنزيه نزلت، ومع ذلك لم تخل عن تشبيه بالكاف، فهو أعلم العلماء بنفسه، وما عبر عن نفسه إلا بما ذكرناه٢. ليس لله وجود عند الصوفية: ثم قال في مثل ضربه للتشبيه في التنزيه، والتنزيه في التشبيه: "مثل من يرى الحق في النوم، ولا ينكر هذا، وأنه لا شك الحق عينه، فتتبعه لوازم تلك الصورة، وحقائقها التي تجلى فيها في النوم، ثم بعد ذلك يعبر٣ -أي
следующие страницы →