← Акыда

Акыда · id 8317

مصرع التصوف = تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد

برهان الدين البقاعي

Полный текст (273 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

حتى لقد عاينه خلقه ... كلحظة١ الحاجب بالحاجب فقالا: هذا شعر الزنادقة٢، فقال: هذا شعر الحسين بن منصور الحلاج، فلعنا الحلاج، ورجعا عنه" ا. هـ. رأي الذهبي: وممن صرح بكفره، وأحسن في بيان أمره حافظ عصره شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، فقال في كتابه تاريخ الإسلام بعد خط الحافظ سيف الدين ابن المجد علي الحريري المتصوف: "فكيف لو رأى الشيخ كلام ابن عربي الذي هو محض الكفر والزندقة، لقال: هذا الدجال المنتظر، ولكن كان ابن العربي٣ منقطعا عن الناس، إنما يجتمع به آحاد الاتحادية٤، ولا يصرح بأمره لكل أحد، ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته، ولهذا تمادى أمره، فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه [الأمة] دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه الفصوص، وقد خط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية عن التاج [٥٢] البارنباري أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن عربي: كان يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا، وحكى عنه ابن تيمية أنه قال لما اجتمع٥ بابن عربي، رأيت شيخا نجسا يكذب بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي أرسله الله٦".

стр. 177

رأي ابن تيمية وغيره من العلماء: وقال الإمام أبو العباس أحمد ابن تيمية في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: "وقد صنف بعضهم -أي: أهل الاتحاد- كتبا وقصائد على مذهبه، مثل قصيدة ابن الفارض المسماة بنظم السلوك، يقول فيها -وذكر منها عدة أبيات١- ثم قال: إلى مثل هذا الكلام -أي: الدال على الاتحاد-، ولهذا كان عند الموت ينشد٢: إن كان منزلتي في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفرت روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه، تبين له بطلان ما كان يظنه٣" وقال في إفتائه الذي استفتاه فيه الشيخ سيف الدين عبد اللطيف بن بلبان السعودي، بعد أن حكى جملة من أقوال ابن عربي صريحة في الكفر: "فإن صاحب هذا الكتاب المذكور الذي هو فصوص الحكم, وأمثاله مثل صاحبه القونوي٤ -يعني صدر الدين- والتلمساني وابن سبعين، والششتري وابن الفارض وأتباعهم، مذهبهم الذي هم عليه أن الوجود واحد، ويسمون أهل وحدة الوجود, ويدعون التحقيق والعرفان، وهم يجعلون وجود

стр. 178

الخالق عين وجود المخلوقات، فكل ما تتصف به المخلوقات من حسن وقبح ومدح وذم إنما المتصف به عندهم عين الخالق١، وليس للخالق عندهم وجود مباين لوجود المخلوقات منفصل عنها، بل عندهم ما ثم غير أصلا للخالق ولا سواه فعباد الأصنام لم يعبدوا غيره عندهم؛ لأنه ما عندهم له غير وأما العلامة ابن دقيق العيد، فذكر أنه سمع عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن عربي: شيخ سوء كذاب" وممن حط عليه، وحذر منه الشيخ القدوة إبراهيم الرقي٢, ثم ذكر جماعة ممن تقدم ذكرهم في إفتائهم بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر، وقد ذكر ابن أبي حجلة أيضا عن غير هؤلاء ممن كفر هذه الطائفة من علماء المسلمين وذكر في كلام كل منهم في إبطال هذا المذهب ما لا لبس فيه، وفيما ذكرته مقنع، وذكر الحافظ تقي الدين الفاسي٣ في كتابه فيه: "ممن كفره الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الحضري ابن خلدون قاضي المالكية بمصر، وقال في فتوى ذكرها٤ فيه، وفي أضرابه، فيتعين على ولي الأمر إحراق هذه الكتب دفعا للمفسدة العامة.

стр. 179

ومما ذكره الفاسي أيضا من مكفريه: الإمامان رضي الدين أبو بكر بن محمد بن صالح [٥٣] الجبلي المعروف: بابن الخياط١ الشافعي مدرس المعينية بتعز، ومفتي تلك النواحي، والقاضي شهاب الدين أحمد بن علي الناشري٢ الشافعي مفتي زبيد، وفاضل اليمن شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر المقري٣ الشافعي، قال: "وبين من حال ابن عربي ما لم يبينه غيره" وقال: وأما من أثنى على ابن عربي، فلفضله وزهده، وإيثاره، واجتهاده٤ في العبادة، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات، لاشتغالهم عنها بالعبادات. وقال الفاسي أيضا: "وبعض المثنين عليه يعرفون ما في كلامه من المنكرات، ولكنهم يزعمون أن

стр. 180

لها تأويلات، وحملهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته، فثناؤهم على ابن عربي مطروح لتزكيتهم معتقدهم". رأي علاء الدين البخاري: وممن كفر أهل هذا المذهب شيخ مشايخنا نادرة زمانه علاء الدين محمد بن محمد البخاري الحنفي، وصنف فيهم رسالة سماها: "فاضحة الملحدين، وناصحة الموحدين" وبين أن وحدتهم الوحدة التي قرر أصلها بعض الفلاسفة, إلا التي يسميها أهل الله: الفناء١، ونقل عن القاضي عضد الدين تكفيرهم، فإنه قال في وصفه لابن عربي: "يحكى عنه أنه كان كذابا حشاشا كأوغاد الأوباش" فقد صح عن صاحب كتاب المواقف عضد الملة والدين، أعلى الله درجته في عليين، أنه لما سئل عن كتاب الفتوحات لصاحب الفصوص حين وصل هنالك قال: "أفتطمعون من مغربي يابس المزاج بحر٢ مكة، ويأكل الحشيش شيئا غير ذلك؟ وقد تبعه -أي ابن عربي- في ذلك ابن الفارض حيث يقول: أمرني النبي ﷺ بتسمية التائية: نظم السلوك! إذ لا يخفى على العاقل أن ذلك من الخيالات المتناقضة الحاصلة من الحشيش؛ إذ عندهم أن وجود الكائنات هو الله تعالى، فإذن الكل هو الله، لا غير، فلا نبي, ولا رسول، ولا مرسل إليه، ولا خفاء في امتناع النوم على الواجب، وفي امتناع افتقار الواجب إلى أن يأمره النبي بشيء في المنام، لكن لما كان لكل ساقطة لاقطة، ترى طائفة من الجهال ذلت أعناقهم لها، خاضعين أفرادا وأزواجا،

стр. 181

وشرذمة من الضلال يدخلون في فسوق الكفر بعد الإيمان، زمرا وأفواجا مع أنهم يرون أنه اتخذ آيات الله، وما أنذروا به هزوا، وأشرك جميع الممكنات -حتى الخبائث والقاذورات- بمن لم يكن له كفوا أحد". تحقيق معنى الكافر والملحد والزنديق والمنافق: وقال في آخر رسالته: "إنهم يسمون كفرة وملاحدة وزنادقة، وذلك أن الكافر اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان من غير اعتراف بنبوة النبي ﷺ خص باسم المنافق، دون الزنديق، لأن الله تعالى لم يسم الذين نافقوا [٥٤] في عهد رسول الله ﷺ زنادقة، فدروز ١ الشام -على ما تشهد به كتبهم الملعونة- إنما يظهرون الإيمان، ولا يعترفون بنبوة النبي ﵊، فهم مباحيون منافقون، لا زنادقة على ما يتوهم ذلك؛ لعدم التفرقة بين المنافق والزنديق، وإن طرأ كفره بعد الإيمان خص باسم المرتد؛ لرجوعه عن الإيمان، وإن قال بإلهين أو أكثر خص باسم المشرك؛ لإثباته الشريك في الألوهية، وإن كان متدينا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خص باسم الكتابي، كاليهودي والنصراني، وإن كان يقول بقدم الدهر، واستناد الحوادث، خص باسم الدهري، وإن كان لا يثبت الصانع خص باسم المعطل، وإن كان مع اعترافه بنبوة النبي ﷺ ، وإظهار شعائر الإسلام، يتبطن عقائد هي كفر بالاتفاق خص باسم الزنديق، وهو في الأصل منسوب

стр. 182

إلى زند١ اسم كتاب أظهره مزدك٢ في أيام قباذ، وزعم أنه تأويل كتاب المجوسي الذي جاء به زرادشت٣ الذي يزعم أنه نبيهم، وإن كان مع تبطن تلك العقائد الباطلة يستحل الفروج، وسائر المحرمات بتأويلات فاسدة، كما يزعم الباطنة والوجودية٤ خص باسم الملحد. والزنديق في عرف الشرع: اسم لما عرفت٥، لا لكل من صدر عنه فعل، أو قول يوجب الكفر على ما هو

стр. 183

متعارف أهل عصرنا، وقد يتوهم بناء على عدم الشعور بمعنى الحلول والاتحاد، أن الوجودية حلولية، أو اتحادية، وليس كذلك؛ إذ الحلول والاتحاد إنما يكون بين موجودين متغايرين في الأصل، والوجودية يجعلون الله تعالى عين وجود الممكنات، فلا مغايرة بينهما، ولا اثنينية، فلا يتصور ههنا الاتحاد والحلول،

стр. 184

بلا زندقة أخرى أنجس منهما باطلة ببديهة العقل؛ إذ القائلون بها يجعلون الله تعالى أمرا اعتباريا لا وجود له في الخارج". بعض مصطلحات الصوفية: وقال١: "إن الملاحدة عبروا عن ضلالتهم بعبارات العارفين بالله٢، يتسترون بها في زندقتهم، فينبغي الحذر من ذلك، فأرادوا بالفناء نفي حقائق الأشياء، وجعلوها خيالا وسرابا على ما هو مذهب السوفسطائية٣، وبالبقاء ملاحظة الوجود المطلق، وبالوحدة المطلقة كون ما سوى الوجود من الأشياء خيالا وسرابا، وكون وجود جميع الأشياء -حتى وجود الخبائث والقاذورات٤- إلها، وذلك

стр. 185

غير ما أراده العارفون، فإنهم أرادوا بها معاني يصدقها الشرع١ وهم مصرحون بأن كل حقيقة يردها الشرع فهي زندقة، وأنه لس في أسرار المعرفة شيء يناقض ظاهر الشرع، بل باطن الشريعة يتم بظاهره، وسره يكمل صريحه [٥٥] ولهذا إذا انكشفت على أهل الحقيقة أسرار الأمور على ما هي عليه٢، نظروا إلى الألفاظ الواردة في الشرع، فما وافق ما شاهدوه قرروه، وما خالف أولوه بما يطابق الشرع، كالآيات المتشابهة٣، ولا يستبعد وقوع المتشابه في الكشف ابتلاء

стр. 186

لقلوب العارفين١، كما أن وقوع المتشابه في الشرع ابتلاء لقلوب الراسخين, فأراد بالبقاء التخلق بالأخلاق الإلهية، والتنصل عن كدورات الصفات البشرية والفناء عندهم عبارة عن اطمحلال الكائنات في نظرهم مع وجودها، وعن الغيبة عن نسبة أفعالهم إليهم، وكذا الوحدة المطلقة عبارة عن مشاهدة الله -لا غير- من بين الموجودات لاطمحلالها مع تحققها ووجودها عند ظهور أنوار التجليات، كاطمحلال الكواكب مع وجودها عند ظهور نور الشمس في النهار، فإن كان العارف في هذه الحال يرى نفسه، فذلك هو الفناء في التوحيد, وهو مرتبة الخواص، وهو مشوب بكدورة وقصور، وإن غاب مع ذلك عن مشاهدة نفسه

стр. 187

وعن أحواله الظاهرة والباطنة وعن ذلك الفناء -بحيث لا يشاهد شيئا غير الله١ كما لا يشاهد في النهار من الكواكب غير الشمس- فذلك هو فناء الفناء في التوحيد، وهو درجة خواص الخواص، فيصير لهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [النمل: ٨٨] ذوقا وحالا، كما أن حظ غيرهم من المؤمنين منه يكون علما وإيمانا، فالذوق نيل عين تلك الحال بالحصول الاتصافي، والعلم معرفة ذلك بالبرهان، ومأخذه القياس بأن ينظر إلى اطمحلال تلك الكواكب عند إشراق الشمس، فيقاس به اطمحلال وجود الكائنات عند إشراق أنوار التجليات، والإيمان قبوله بالتسامع والإذعان له، ولا يخالف هذا قولهم: إن الطريق إلى المعلوم بالكشف، إنما هو العيان دون البرهان؛ لأن المراد منا إقامة البرهان، على تحقق الكشف، لا على إثبات المعلوم، فقد عرفت أن معنى الوحدة المطلقة عند العارفين٢ بعيد عما يريد به الكفرة الوجودية من الفلاسفة، ومن تبعهم ممن يدعي الإسلام؛ ليتمكن من هدمه عند الضعفاء.

стр. 188

أسطورة الكشف: ويروجون تلك السفسطة بإحالتها إلى الكشف، ويتفيهقون بأن مرتبة

стр. 189

الكشف وراء طور العقل، وأنت خبير بأن مرتبة الكشف نيل ما ليس له العقل ينال، لا نيل ما هو ببديهة العقل محال، وذلك أن الله تعالى خلق العباد وبين لهم سبيل الرشاد، وزينهم بالعقل نورا يهتدون به إلى معرفته، وحجة توصلهم إلى محجته بالاستدلال على وجود الصانع بالمصنوعات١، والنظر فيما يجوز ويستحيل [٥٦] عليه من الأفعال والصفات، وأن إرسال الرسل من أفعاله الجائزة، وأنه قادر على تعريف صدقهم بالمعجزة، وعند ذلك ينتهي بصرف العقل٢ لعدم استقلاله بمعرفة المعاد، وبما يحصل السعادة والشقاوة هنالك للعباد، وإنما يستقل بمعرفة الله تعالى٣، وصدق الرسول، ثم يعزل نفسه، ويتلقى من النبي ﷺ ما يقول، في أحكام الدنيا والآخرة بالقبول٤، إذ لا ينطق

стр. 190

بما يحيل العقل بالبديهة والبرهان، لامتناع ثبوت ما تحكم حجة الله عليه بالبطلان فلا مجال في مورد الشرع، ولا في طور الولاية والكشف لما يحكم العقل عليه بأنه محال، بل يجب أن يكون كل منهما في حيز الإمكان والاحتمال، غير أن الشرع يرد بما لا يدركه العقل بالاستقلال، وبالكشف يظهر ما ليس له العقل ينال١ لأن الطريق إليه الكشف والعيان؛ دون بديهة العقل والبرهان، لكن إذا عرض عليه لا يحكم عليه بالبطلان، لكونه في حيز الإمكان، ولا ينبغي متوهم أن ما يتستر به الوجودية من دعوى الكشف من قبيل ما ليس له العقل ينال، بل هو مستحيل وللعقل في إبطاله تمكن ومجال؛ إذ الطريق إليه التصور ثم التصديق بالبطلان، وذلك وظيفة العقل بالبديهة أو البرهان، وأما الأمور الممكنة الكسبية، فيجعلها العقل في حظيرة الإمكان، ولا يحكم عليها بالبطلان ثم إن ما يناله الكشف، ولا يناله العقل الممكن الذي الطريق إليه العيان٢، دون البرهان، لا المحال الممتنع الوجود في الأعيان؛ إذ الكشف لا يجعل الممتنع متصفا بالإمكان موجودا في الأعيان؛ لأن قلب الحقائق بين الامتناع والبطلان فلو تخايل حصول المحال بالكشف ككون الوجود المطلق واحدا شخصيا، وموجودا خارجيا، وكون الواحد الشخصي منبسطا في المظاهر، متكررا عليها

стр. 191

بلا مخالطته، متكثرا مع النواظر بلا انقسام، فذلك شعوذة الخيال، وخديعة الشيطان وقال بعد ذلك: "إنهم صرحوا بأن التكثر في الموجودات ليس بتكثر وجوداتها، بل تكثر الإضافات والتعينات" ثم قال: "فقالوا: معنى قولنا: الواجب موجود، أنه١ وجود، ومعنى قولنا: الإنسان، أو الفرس موجود، أنه ذو وجود، بمعنى أن له نسبة إلى الوجود، لا أنه متصف بالوجود، على ما هو معنى الوجود لغة وعرفا وشرعا، احترازا عن شفاعة التصريح بكون الواجب صفة الممكن، وأنت خبير بأن جواز الإطلاق فرع صحة الاشتقاق، ولو سلم فما ذكروا في بيان معناه في الواجب والممكن ليس معناه، لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا ومنشأ الغلط فيما يكشفه الشرع بما يقصر عنه العقل، وما يدعيه هؤلاء مما يحيله [٥٧] عدم التفرقة بين ما أحاله العقل كهذه المذكورات، وبين ما لا يناله العقل كاطمحلال وجود الكائنات عند سطوع أنوار التجليات، وإنما ينال ذلك بجذبة الإلهية٢، أو رياضة في متابعة الحضرة النبوية في الوظائف العلمية والعملية

стр. 192

والنيل هو الحصول الاتصافي، والعلم هو الحصول الإدراكي، ثم إن كلا مما لا يدركه العقل بالاستقلال، وما ليس له العقل ينال، لما كان مستوقفا على الإعلام والإرشاد من رب العالمين، بعث الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ لبيان الأول، وهو علم الشريعة صريحا، والإشارة إلى الثاني، وهو علم الحقيقة رمزا وتلويحا١, كما يلوح من القرآن المجيد ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] إلى درجة الفناء في الفناء في التوحيد".

стр. 193

انتهى ما نقلته من رسالة الشيخ علاء الدين البخاري، لكني تصرفت فيه بالتقديم والتأخير، وقد وضح بذلك محالهم، وتبين به ضلالهم١ والله الموفق. عود إلى من كفروا ابن عربي: وعن الحافظ تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي المكي في كتابه: تحذير النبيه والغبي من الافتتان بابن عربي، أنه قال, وقد سئل عنه وعن شيء من كلامه:

стр. 194

شيخنا العلامة أبو عبد الله محمد بن عرفة الورغمي التونسي عالم إفريقية، فقال ما معناه: إن من نسب إليه هذا الكلام لا يشك مسلم منصف في فسقه وضلاله وزندقته" ا. هـ. ومنهم شيخنا العلامة إمام القراء شمس الدين محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي نزيل بلاد الروم ثم العجم، قال: "ومما يجب عل ملوك الإسلام، ومن قدر على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر] أن يعدموا الكتب المخالفة لظاهر الشرع المطهر من كتب المذكور١ وغيره، ولا يتلفت إلى قول من قال: هذا الكلام المخالف للظاهر ينبغي أن يؤول، فإنه٢ غلط من قائله. إنما يؤول كلام المعصوم، ولو فتح باب تأويل كل كلام ظاهره الكفر، لم يكن في الأرض كافر" ومنهم العلامة نادرة زمانة علما وعملا بدر الدين حسين بن عبد الرحمن الأهدل٣ اليمني الحسيني نسبا وبلدا، وصنف في ابن عربي وابن الفارض كتابا كبيرا ٤ نافعا جدا، وذكر فيه أنه كان في اليمن شخص من أكابر أتباعه، يقال له الكرماني، حصلت به في اليمن فتن كبيرة، وحصل بينه وبين ابن المقري خطوب، وصنف في الرد على ابن المقري كتابا قال فيه عن نفسه، وأهل مذهبه ما لفظه: "إنا حيث قلنا: المخلوق، فمرادنا الخالق، وحيث قلنا: الحجر، فمرادنا الله" ا. هـ.

стр. 195

من مكر الصوفية: من مكر هذه الطائفة، كما شرعه لهم شيخهم١ من أن الدعوة إلى الله مكر أن يخيلوا٢ كل من ظنوا أنه مال عنهم بأنه يصاب في نفسه، أو ماله٣، ويقولون: ما تكلم أحد فيهم إلا أصيب، ويباهتون [٥٨] بأشياء هي كذب ظاهر. ولا عليهم -وأكثر الناس صبيان العقول، مرضى الأفكار، تجد أحدهم إذا سمع هذا نفر منك نفر النعام الشارد، ثم يكون أحسنهم خلالا الذي يقول: التسليم أسلم!! ولا يتأمل أن الشك في الكفر بعد البيان كفر، وهو مع كونه٤ كذبا بمن أنكر عليهم من أكابر العلماء الذي لا يحصون كثرة، وماتوا على أحسن الأحوال- تشبه باليهود في قولهم في الإسلام لما مات أبو أمامة أسعد

стр. 196

ابن زرارة١ الأنصاري ﵁ فإنههم شرعوا يقولون تخييلا لبعض الضعفاء: لو كان نبيا ما مات صاحبه. فكان النبي ﷺ [يقول] : "بئس الميت أبو أمامة ليهود، يقولون: كذا, والله ما أملك لنفسي ولا لصاحبي شيئا٢" وتسنن٣ بالكفرة في قولهم ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ [هُمْ] أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٧٧] ، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا، وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا، قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٣-٧٥] ونحو ذلك من الآيات، ومتى مال الإنسان نحو تخييلهم، كان كمن قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ [وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ] ﴾ [السجدة: ١١] . من آيات ثبات الإيمان في القلب مع أن الكتاب والسنة ناطقان بأن علامة صحة الإسلام في القلب المصائب٤ قال الله تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ١، ٢] الآيتين، وقال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ،

стр. 197

وَزُلْزِلُوا﴾ [يوسف: ٢١٤] الآية. إلى غير ذلك من آيات الكتاب الناطق بالصواب. وقال شخص للنبي: "إني أحبك، قال: فأعد للبلاء تجفافا١" وقال ﷺ : "من يرد الله به خيرا يصب منه٢"، " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل "، "يبتلى المرء على قدر دينه٣" إلى أمثال ذلك, وهو كثير جدا, وأعجب من ذلك أن البيعة على الإسلام كانت -ليلة العقبة- على الصبر على المصائب، فإن العباس بن نضلة٤ ﵁ قال لقومه قبل المبايعة يثبتهم على البيعة: "إن كنتم ترون أنه إذا نهكت٥ أموالكم مصيبة، وأشرافكم فتلا أسلمتوه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: الجنة، قالوا: أبسط يدك، فبسط يده, فبايعوه٦" على هذا فكانت

стр. 198

المبايعة، وعلى السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره١. ولقد شرع لنا [٥٩] رسول الله ﷺ سنن الهدى، وتركنا على بيضاء نقية، ليلها كنهارها٢، ولم يتغير دينه بعده، ولم يتبدل, ولم يزدد إلا شدة. وأخبرنا ﷺ أن الدين بدأ غريبا، وأنه سيعود كما بدأ، وقال: "فياطوبى للغرباء"٣ فلا يهتم الإنسان بقلة الموافق، فإن الله معه، ومن كان الله معه، كان كثيرا, ولا بكثرة المخالف المشاقق، فإنهم أعداء الله، فليس معهم ومن لم يكن الله معه، كان قليلا ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ، وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٦، ٣٧] . هوان الدين عند الأكثرية: ومما ينبغي أن يكون نصب العين معيارا يعرف به هوان الدين عند أكثر الناس، وهو أن أحدهم لو كان مشرفا على الموت من الجوع، ووجد

стр. 199

طعاما شهيا، فقال له أحد: إنه مسموم لم يقر به بعد ذلك، ثم لا يبالي بقول هؤلاء العلماء١ الذين هم القدوة في الدين٢ أن كلام هؤلاء الاتحادية سم حاسم للدين من أصله، ذابح للإيمان بسيفه ونصله، فإنا لله، وإنا إليه راجعون. من هم الأولياء ؟: هذه نبذة من ذم أهل الحق له٣، وهم الأولياء حقيقة، لما شاع لهم من الأنوار التي ملأت الأقطار بمصنفاتهم التي أحيوا بها الدين، وأيدوا سنة سيد المرسلين، فقد قال الشيخ محيي الدين النووي٤ في مقدمة شرح المهذب "فصل في النهي الأكيد, والوعيد الشديد لمن يؤذي، أو يبغض الفقهاء، والمتفقهين". وروى الخطيب البغدادي٥ عن الشافعي وأبي حنيفة ﵄ أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء٦ أولياء الله، فليس لله ولي" وعن ابن عباس رضي الله

стр. 200

عنهما١: "من آذى فقيها, فقد آذى رسول الله ﷺ ، ومن آذى رسول الله ﷺ ، فقد آذى الله " ا. هـ. ومن نابذ كلامهم، فقد عاداهم. وقال النبي ﷺ : "قال الله: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ٢ " ومن رد أقوالهم٣ لأجل توهم أن من حكموا بكفره ولي لشهرة باطلة، وكلام مزوق يراد به الإضلال والغرور، فمن كمن ٤ أصابه داء، فوصف له الأطباء العارفون دواء، فقال له عامي: لا تسمع منهم وخذ هذا فقد قال لي فلان وفلان, وعد جماعة مثله: أنه نافع، فاعتمد على مجرب، ولا تعتمد على طبيب. وأمثال هذا من الخرافات، فقبل كلامه، لكونه قريب الطبع من طبعه، فأعطاه سما، فتحساه، فهلك إلى لعنة الله، فإنه لا عبرة بشهرة أصلا إلا شهرة كانت بين أهل العلم [٦٠] الموثوق بهم، لأن الاستفاضة والشهرة من العامة، لا يوثق بها، وقد يكون أصلها التلبيس، وأما التواتر فلا يفيد العلم، إذا لم ينتبه إلى معلوم محسوس، وأما من مدحه، فهو أحد رجلين كما مضى عن الفاسي وغيره: رجل بلغه زهده وانقطاعه عن الناس، ولم يبلغه ما في كلامه من المصائب فالجرح٥ مقدم على ثنائه، أو رجل كان يعتقده في الباطن، فهو يناضل

стр. 201

من نفسه، فلا عبرة به١ رأي ابن أيوب في الحلاج وابن عربي: وحدثني الفاضل جمال الدين عبد الله بن الشيخ القدوة زاهد زمانه، والمشار إليه بالصلاح والمعارف والورع، وحفظ اللسان في أوانه بدمشق الشيخ علي بن أيوب٢: أن أباه -الشيخ عليا المذكور- كان يجلس في الجامع مطرقا يقيم إحدى رجليه هيئة المستوفز، ويضع ذقنه على ركبته، فلا يكلم لهيئته، فإذا رفع رأسه، علم أنه أذن في الكلام، فسأله من أراد عما شاء، ففعل ذلك يوما، فلما رفع رأسه، سأله شخص عن ابن عربي هذا، فأطرق زمانا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: إنه كفر كفرا، ما وافق فيه كفر ملة من الملل، بل خرق بكفره إجماع الملل٣، وزاد عليهم. قال الشيخ جمال الدين: فحكيت ذلك لبعض من يشار إليه بالعلم والميل إلى ابن عربي، فقال: والله لو سمع ابن عربي هذا الكلام لقال: ما عرفني أحد غير هذا الرجل. قال: وسئل والدي أيضا عن الحلاج، فقال: لا شك أن الحجاج قتل من العلماء خلائق يتعسر حصرهم، وشتت شملهم

стр. 202

وأبادهم، وقتل سعيد بن جبير ١، وأهل الأرض محتاجون إلى علمه، وخلعه العلماء وخرجوا عليه، وقاتلوه، ومع هذا كله لم يقل أحد منهم، إنه كافر، بل قالوا: إنه من عصاة المسلمين، لا تحل امرأته لذلك. والحلاج ما تعرض لأحد من أهل العلم بأذى في دنياه، وأجمع جميع أهل زمانه منهم على كفره واستباحة دمه، فلو كان العلماء يقولون بالهوى، لقالوا في الحجاج الذي ما ترك نوعا من الأذى حتى رماهم به، فثبت أنهم لا يقولون بالهوى، فوجب على الناس اتباعهم ٢ وقبول كلامهم" وهذا غاية في البيان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الضابط المتقن المتفنن أستاذ المفسرين نادرة المحدثين، برهان دين العالمين، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ابن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي، نزيل القاهرة المحروسة: فرغت من مسودة هذا الكتاب بحمد الهادي للصواب في شوال سنة أربع وستين وثمانمائة. والحمد لله وحده. وفرغ من نسخ هذه النسخة المباركة في وقت العصر من يوم الأربعاء من شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة.

стр. 203

تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد

стр. 204

المقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه نستعين الحمد لله الهاد لأركان الجبابرة الشداد، القامع لأهل الإلحاد، بسيوف السنة الحداد، وأشهد أن لا إله إلا الله المفضل ١ الهاد وأشهد أن سيدنا محمدا عبده [ورسوله ٢] الداعي لسائر العباد، إلى سبيل الرشاد، صلى الله عليه، وعلى آله الخيرة الأمجاد، وصحابته الأبطال الأنجاد، وسلم تسليما يغلب التعداد، ويبقى على مر الآباد. وبعد: فهذه رسالة سميتها: " تحذير العباد من أهل العناد، ببدعة الاتحاد أنفذتها الى العباد في جميع البلاد، الراغبين في الاستعداد ليوم المعاد، بموالاة أهل الوداد، وملاواة ٣ الأشقياء الأضداد، الضالين بنحلة الاتحاد، أرجو أن تكون ضامنة للإسعاد يوم التناد، فقلت: اعلموا أيها الإخوان الذين هم على البر أعوان، حفظكم الله ورعاكم، وصانكم من كل سوء، وحماكم؛ أنه لا يقوم على الأمر بالمعروف [والنهي عن المنكر ٤] إلا من جعل نفسه هدفا للحتوف ٥ وتجرع من مر الكلام ما هو أمر من السهام، فإن الناهي عن المنكر، يعاني الهوان الأكبر، بمعاداة كل شيطان من الإنس والجان، يقوم عليه الجيلان، ويرشقه بسهام الأذى القبيلان، شياطين الإنس ظاهرا بالمقال والفعال، وشياطين [الجن ٦] باطنا بما يوحون إليهم من الضلال.

стр. 205

آيات سلى الله بها نبيه: ولصعوبة المقام، وما فيه من الأخطار والآلام، سلى الله نبيه ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩] وقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١١-١١٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ، أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ [٦٣] زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١-١٢٣] إلى غير ذلك من الآيات والدلالات الواضحات، ففي الأنبياء الذين هم أشرف الخلق عليهم أفضل الصلاة والسلام مسلاة لأتباعهم، واعتبار بأحوالهم، واعتصام، وما أتى أحد قط أحدا١ بمخالفة هواه إلا ساءه٢ وأذاه إلا من عصم الله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ

стр. 206

رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وهؤلاء الذين اتسموا بسمة الاتحاد، وقد ألفهم الطغام١ من الأنام؛ لما غرروهم به من إظهار التصوف، ليأخذوهم من المأمن، وما دروا أن الصوفية أشد الناس تحذيرا منهم، وتنفيرا للعباد عنهم. الرأي في سلف الصوفية: فإن المحققين منهم والمحققين٢ بنوا طريقهم على الاقتداء بالكتاب والسنة٣، كما نقل القاضي عياض في أوائل القسم الثاني من الشفاء فيما يجب من حقوق المصطفى ﷺ عن الحسن٤ ﵀ أنه قال: "إن أقواما قالوا: يا رسول٥ الله، إنا نحب الله، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وعنه أنه قال: "عمل قليل في سنة خير من عمل كثير من بدعة" وعن أبي عثمان الحيري٦ أنه قال: "من أمر على نفسه السنة قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة"، وقال سهل بن عبد الله التستري٧: "أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي ﷺ في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع

стр. 207

الأعمال١" وفي كتب القوم كالرسالة والعوارف٢ من ذلك شيء كثير, والشهادة على من قال: الحقيقة خلاف الشريعة بالزندقة٣، وأن الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى أثر الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٤، قاله الجنيد٥، وقال أبو عثمان الحيري: خلاف السنة في الظاهر علامة رياء في الباطن، وقال النوري٦: من ادعى حالا يخرجه من حد العلم الشرعي، فلا تقربن منه، وقال الخراز: كل باطن يخالفه ظاهر، فهو باطل، وقال القشيري: حكم الوقت فيما ليس لله فيه أمر، إذ التضييع لما أمرت به والإحالة على التقدير، وعدم المبالاة بما يحصل من التقصير؛ خروج عن الدين٧، وقال السهروردي في قوم تسموا

стр. 208

بالملامتية١: "إنهم -في غرور- يزعمون أن الارتسام بالشريعة رتبة العوام، وهذا عين الإلحاد، وكل حقيقة ردتها الشريعة فهي زندقة٢" وكذا قال الشيخ [٦٤] عبد القادر الكيلاني، وقال القشيري: "من كان سكره بحظ مشوبا كان صحوه بحظ [صحيح٣] مصحوبا، ومن كان محقا في حاله، كان محفوظا في سكره، والعبد٤ في [حال٥] سكره يشاهد الحال، وفي حال صحوه يشاهد٦ العلم، إلا أنه في حال سكره محفوظ، لا بتكلفه، وفي حال صحوه متحفظ بتصرفه، ومن شرط الولي أن يكون محفوظا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما": وإنما نقلت هذه النبذة الماضية من الشفاء٧، ليعلم أن طريق

стр. 209

الفقهاء، هي طريق الصوفية١، هذا ما بنى عليه الصوفية أمرهم، وأما هؤلاء الذين تشبهوا بهم، ونبه العلماء -حتى الصوفية- على أنهم ليسوا منهم، ودلسوا على الناس، ولبسوا أحوالهم، ليقطعوا الطريق على أهل الله، وهم يظهرون أنهم منهم. منابذة الصوفية للعقل والشرع: فأول ما بنوا عليه أمرهم ترك العقل٢ الذي بنى الله أمر هذا الوجود على حكمه بشرط استناده إلى النقل الذي أنزل به كتبه: وأرسل به رسله عليهم الصلاة والسلام، لئلا يزل العقل بما يغلبه من الفتور والشهوات والحظوظ، وجعل العقل حاكما٣ لا يعزل بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات في ملة من الملل وضموا إلى ذلك٤ الداهية الدهياء، وهي ترك ما عطر الله ورسوله ﷺ الكون بمدحه، وملأ الوجود بذكر مناقبه وفضائله، وهو العلم والشرع

стр. 210

وحذروا من اتباع شيء من ذلك غاية التحذير, فكانوا كالأنعام، بل هم أضل سبيلا، وذلك بيّن جدا في فصوص ابن عربي, ونظم تائية ابن الفارض اللذين قصد بهما هدم الشريعة، وكل منهما١ ثابت عمن نسب إليه عند أهله ثبوتا رافعا للريب والتائية متصلة بابن الفارض بالآحاد والتواتر. موقف العلماء من ابن عربي وابن الفارض: وقد كفرهما العلماء بسبب ما نقل من حالهما، وما صدق ذلك من كلامهما. أما ابن عربي، فالمتكلمون فيه كثير جدا, وكان له علم كثير في فنون كثيرة، وله خداع كبير غر به خلقا، فأثنى عليه لأجل ذلك ناس من المؤرخين٢ ممن

стр. 211

خفي عليهم أمره، أطبق العلماء على تكفيره وصار أمرا إجماعيا، وأما ابن الفارض فأمره أسهل، وذلك أنه لم يوجد لأحد من أهل عصره الخبيرين بحاله ثناء عليه بعدالة، ولا ولاية، ولا ظهر عنه علم من العلوم الدينية، ولا مدح النبي ﷺ بقصيدة واحد ة على كثرة شعره، فدل ذلك على سوء طويته، ونقل القدح فيه نقلا قطعيا عن محبيه ومبغضيه، فقد قال شراح تائية التابعون لطريقته والمنتقدون عليه من أهل السنة: إن أهل زمانه كلهم من أهل الشريعة، وأرباب الطريقة رموه بالفسق والإباحة والزندقة [٦٥] على الإجمال. المكفرون لابن الفارض: وأما التفصيل والتعيين فقد رماه بالزندقة بشهادة الكتب الموثوق بها نحو من أربعين عالما، هم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا، فمن أهل عصره سلطان العلماء عز الدين [ابن] عبد السلام الشافعي، والحافظ الفقيه الأصول تقي الدين ابن الصلاح الشافعي، والإمام الفقيه المحدث الصوفي قطب الدين القسطلاني الشافعي، والإمام نجم الدين أحمد بن حمدان الحنبلي١ وشرح التائية، وبين

стр. 212

عواره فيها بيتا بيتا, وأبو علي عمر بن خليل السكوني المالكي، والشيخ جمال الدين بن الحاجب المالكي. وممن يليهم قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الصوفي الشافعي، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي، والشرف عيسى الزواوي المالكي، والسعد الحارثي الحنبلي، والإمام أبو حيان الشافعي، وأبو أمامة ابن النقاش الشافعي، والحافظ شمس الدين الموصلي الشافعي، وشيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي، وشيخ الفقهاء الزين١ الكتناني الشافعي، والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي. وممن يليهم الكمال جعفر الأدفوي٢ الشافعي -ونقل ذم التائية عن العلماء- والبرهان إبراهيم السفاقسي المالكي، والشهاب أحمد بن أبي جحلة الحنفي، والحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي، والحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي. وممن يليهم العلامة شمس الدين محمد العيزري٣ الشافعي، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي، وعلامة زمانه علاء الدين محمد البخاري الحنفي الصوفي, وكفر بعض من قال بحضرته: إن ذلك يؤول٤ وما أنكر عليه أحد ممن كان حاضره من العلماء تكفيره له، ولا غيرهم من أهل زمانه من مذهب من المذاهب، وما وسع المكفر إلى البراءة من الاتحادية، ومذهبهم. وممن يليهم قاضي القضاة ولي الدين العراقي، وقاضي القضاة حافظ عصره.

стр. 213

شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي، وعلامة اليمن بدر الدين حسين ابن الأهدل الشريف الشافعي الصوفي، كما شهد بهذا النقل عنهم نحو عشرين كتابا من مصنفاتهم، ومصنفات غيرهم من العلماء، وهي شرح التائية لابن حمدان، وديباجة ديوان ابن الفارض، ولحن العوام لابن خليل، وتفسير أبي حيان البحر والنهر والفرقان لابن تيمية١، وقصيدة السفاقسي التي يقول فيها: وكالششتري القونوي ابن فارض ... فلا برد الله ثراهم، ولا أسقى والقونوي الذي ذكره صدر الدين [٦٦] صاحب ابن عربي، وكتاب ابن أبي حجلة، والميزان ولسانه لابن حجر، والتاريخ لابن كثير بخطه، وناصحة الموحدين للعلاء البخاري، والفتاوي المكية للعراقي، وتاريخ العيني وشرح التائية للبساطي، وكشف الغطاء لابن الأهدل. فهذه ستة عشر كتابا وقصيدة شهدت بكفره من بضع وعشرين عالما، هم أعيان كل عصر. موقف شيوخ المذاهب من ابن الفارض: وممن كفره قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي، وقاضي القضاة محقق زمانه شمس الدين القاياتي، ونادرة وقته عز الدين بن عبد السلام القدسي الشافعي والعلامة علاء الدين القلقشندي الشافعي، والشيخ يحيى العجيسي المالكي والعلامة

стр. 214

شمس الدين البلاطنيسي الشافعي شيخ الشاميين في وقته، وشيخ الإسلام عبد الأول السمرقندي الحنفي ابن صاحب الهداية، والعلامة الصوفي كمال الدين ابن إمام الكاملية الشافعي، والعلامة شهاب الدين بن قر الشافعي, والعلامة أبو القاسم النويري المالكي، كما شهد بذلك الثقات من أصحابهم. فهؤلاء أعيان العلماء في عصر ابن الفارض، وفي كل عصر أتى بعده طبقة بعد طبقة إلى وقتنا هذا؛ وقد اجتمع فيهم أهل المذاهب الأربعة التي هي عمدة الإسلام١، فشهادة هؤلاء العلماء الموثوق بهم حجة على من قال بكفره، أما من لم ندركه فبشهادة الكتب الموثوق بصحة نسبتها إلى قائليها. وأما من أدركناه فبشهادة الكتب في بعضهم، وشهادة الثقاة في باقيهم٢، هذا إلى ما شهدت به شروح التائية كما يأتي. تواتر نسبة ابن الفارض إلى الكفر: فقد صارت نسبة العلماء له إلى الكفر متواترة تواترا معنويا. وقد علم بهذا عذر من كفره، لو لم يكن له سند غير هذا، فكيف وقد تأيد هذا بما في كلامه وكلام ابن عربي من الطامات التي منها منابذة العقل والشرع كما مضى؟

стр. 215

الضلال عند الصوفية خير من الهدى: أما ما في الفصوص من ذلك، فقد قال في الفص النوحي في أثناء تحريفه لسورة نوح ﵇، التحريف الذي يكفر الإنسان بأدنى شيء فيه١: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] أي: حيروهم في تعداد الواحد ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ المصطفين الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة ﴿إِلَّا ضَلالًا﴾ إلا حيرة، فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب، فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه, صاحب خيال إليه غايته, وله "من" و"إلى" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له، فيلزمه "من" ولا غاية له, فيحكم عليه "إلى" فله الوجود الأتم، وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم" وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو؛ لأنه ما عدم من البداية، فيدعى إلى الغاية، ادعوا إلى الله، فهذا [٦٧] عين المكر٢. رب ابن الفارض أنثى: وأما ما في التائية من ذلك فقال فيها مخاطبا لله تعالى -كما أجمع عليه شراحه- بضمير المؤنث من أولها إلى آخرها وهي نحو سبعمائة٣ بيت، ولو خاطب أحد من أهل الزمان غيره بمثل ذلك٤ قاتله، لكن الناس لا يحلمون إلا عند حقوق مولاهم سبحانه، وأما في حقوقهم، فهم في غاية الحدة والمشاححة٥، والله الهادي.
следующие страницы →