← Акыда

Акыда · id 8317

مصرع التصوف = تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي وتحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد

برهان الدين البقاعي

Полный текст (273 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

خفي عليهم أمره، أطبق العلماء على تكفيره وصار أمرا إجماعيا، وأما ابن الفارض فأمره أسهل، وذلك أنه لم يوجد لأحد من أهل عصره الخبيرين بحاله ثناء عليه بعدالة، ولا ولاية، ولا ظهر عنه علم من العلوم الدينية، ولا مدح النبي ﷺ بقصيدة واحد ة على كثرة شعره، فدل ذلك على سوء طويته، ونقل القدح فيه نقلا قطعيا عن محبيه ومبغضيه، فقد قال شراح تائية التابعون لطريقته والمنتقدون عليه من أهل السنة: إن أهل زمانه كلهم من أهل الشريعة، وأرباب الطريقة رموه بالفسق والإباحة والزندقة [٦٥] على الإجمال. المكفرون لابن الفارض: وأما التفصيل والتعيين فقد رماه بالزندقة بشهادة الكتب الموثوق بها نحو من أربعين عالما، هم دعائم الدين من عصره إلى عصرنا، فمن أهل عصره سلطان العلماء عز الدين [ابن] عبد السلام الشافعي، والحافظ الفقيه الأصول تقي الدين ابن الصلاح الشافعي، والإمام الفقيه المحدث الصوفي قطب الدين القسطلاني الشافعي، والإمام نجم الدين أحمد بن حمدان الحنبلي١ وشرح التائية، وبين

стр. 212

عواره فيها بيتا بيتا, وأبو علي عمر بن خليل السكوني المالكي، والشيخ جمال الدين بن الحاجب المالكي. وممن يليهم قاضي القضاة تقي الدين ابن دقيق العيد الصوفي الشافعي، وقاضي القضاة تقي الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي، والشرف عيسى الزواوي المالكي، والسعد الحارثي الحنبلي، والإمام أبو حيان الشافعي، وأبو أمامة ابن النقاش الشافعي، والحافظ شمس الدين الموصلي الشافعي، وشيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي، وشيخ الفقهاء الزين١ الكتناني الشافعي، والشيخ تقي الدين ابن تيمية الحنبلي. وممن يليهم الكمال جعفر الأدفوي٢ الشافعي -ونقل ذم التائية عن العلماء- والبرهان إبراهيم السفاقسي المالكي، والشهاب أحمد بن أبي جحلة الحنفي، والحافظ شمس الدين الذهبي الشافعي، والحافظ عماد الدين بن كثير الشافعي. وممن يليهم العلامة شمس الدين محمد العيزري٣ الشافعي، وشيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني الشافعي، وعلامة زمانه علاء الدين محمد البخاري الحنفي الصوفي, وكفر بعض من قال بحضرته: إن ذلك يؤول٤ وما أنكر عليه أحد ممن كان حاضره من العلماء تكفيره له، ولا غيرهم من أهل زمانه من مذهب من المذاهب، وما وسع المكفر إلى البراءة من الاتحادية، ومذهبهم. وممن يليهم قاضي القضاة ولي الدين العراقي، وقاضي القضاة حافظ عصره.

стр. 213

شهاب الدين أحمد بن حجر الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي وقاضي القضاة شمس الدين البساطي المالكي، وعلامة اليمن بدر الدين حسين ابن الأهدل الشريف الشافعي الصوفي، كما شهد بهذا النقل عنهم نحو عشرين كتابا من مصنفاتهم، ومصنفات غيرهم من العلماء، وهي شرح التائية لابن حمدان، وديباجة ديوان ابن الفارض، ولحن العوام لابن خليل، وتفسير أبي حيان البحر والنهر والفرقان لابن تيمية١، وقصيدة السفاقسي التي يقول فيها: وكالششتري القونوي ابن فارض ... فلا برد الله ثراهم، ولا أسقى والقونوي الذي ذكره صدر الدين [٦٦] صاحب ابن عربي، وكتاب ابن أبي حجلة، والميزان ولسانه لابن حجر، والتاريخ لابن كثير بخطه، وناصحة الموحدين للعلاء البخاري، والفتاوي المكية للعراقي، وتاريخ العيني وشرح التائية للبساطي، وكشف الغطاء لابن الأهدل. فهذه ستة عشر كتابا وقصيدة شهدت بكفره من بضع وعشرين عالما، هم أعيان كل عصر. موقف شيوخ المذاهب من ابن الفارض: وممن كفره قاضي القضاة سعد الدين الديري الحنفي، وقاضي القضاة محقق زمانه شمس الدين القاياتي، ونادرة وقته عز الدين بن عبد السلام القدسي الشافعي والعلامة علاء الدين القلقشندي الشافعي، والشيخ يحيى العجيسي المالكي والعلامة

стр. 214

شمس الدين البلاطنيسي الشافعي شيخ الشاميين في وقته، وشيخ الإسلام عبد الأول السمرقندي الحنفي ابن صاحب الهداية، والعلامة الصوفي كمال الدين ابن إمام الكاملية الشافعي، والعلامة شهاب الدين بن قر الشافعي, والعلامة أبو القاسم النويري المالكي، كما شهد بذلك الثقات من أصحابهم. فهؤلاء أعيان العلماء في عصر ابن الفارض، وفي كل عصر أتى بعده طبقة بعد طبقة إلى وقتنا هذا؛ وقد اجتمع فيهم أهل المذاهب الأربعة التي هي عمدة الإسلام١، فشهادة هؤلاء العلماء الموثوق بهم حجة على من قال بكفره، أما من لم ندركه فبشهادة الكتب الموثوق بصحة نسبتها إلى قائليها. وأما من أدركناه فبشهادة الكتب في بعضهم، وشهادة الثقاة في باقيهم٢، هذا إلى ما شهدت به شروح التائية كما يأتي. تواتر نسبة ابن الفارض إلى الكفر: فقد صارت نسبة العلماء له إلى الكفر متواترة تواترا معنويا. وقد علم بهذا عذر من كفره، لو لم يكن له سند غير هذا، فكيف وقد تأيد هذا بما في كلامه وكلام ابن عربي من الطامات التي منها منابذة العقل والشرع كما مضى؟

стр. 215

الضلال عند الصوفية خير من الهدى: أما ما في الفصوص من ذلك، فقد قال في الفص النوحي في أثناء تحريفه لسورة نوح ﵇، التحريف الذي يكفر الإنسان بأدنى شيء فيه١: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] أي: حيروهم في تعداد الواحد ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ المصطفين الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة ﴿إِلَّا ضَلالًا﴾ إلا حيرة، فالحائر له الدور والحركة الدورية حول القطب، فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود طالب ما هو فيه, صاحب خيال إليه غايته, وله "من" و"إلى" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له، فيلزمه "من" ولا غاية له, فيحكم عليه "إلى" فله الوجود الأتم، وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم" وقال: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢] لأن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو؛ لأنه ما عدم من البداية، فيدعى إلى الغاية، ادعوا إلى الله، فهذا [٦٧] عين المكر٢. رب ابن الفارض أنثى: وأما ما في التائية من ذلك فقال فيها مخاطبا لله تعالى -كما أجمع عليه شراحه- بضمير المؤنث من أولها إلى آخرها وهي نحو سبعمائة٣ بيت، ولو خاطب أحد من أهل الزمان غيره بمثل ذلك٤ قاتله، لكن الناس لا يحلمون إلا عند حقوق مولاهم سبحانه، وأما في حقوقهم، فهم في غاية الحدة والمشاححة٥، والله الهادي.

стр. 216

تفضيل الزنديق نفسه على الرسل قال وحزني ما يعقوب بث أقله ... وكل بلا أيوب بعض بليتي فضله الشارع على من ذكر في البيت كما هو ظاهر العبارة وعلل ذلك بقوله لقوة استعداده فسار في خطوة واحدة مالا يستطيعه غيره إلا في أزمنة طوال وقال القاضي عياض في أواخر الشفاء من قال صبرت كصبر أيوب إن دريء عنه القتل لم يسلم من عظيم النكال وأقول فكيف إذا فضل نفسه وكذب نحو قوله ﷺ أشد الناس بلاء الأنبياء الخلاعة سنة ابن الفارض قال وخلع عذارى فيك فرضي وإن أبى اقترابي ... قومي والخلاعة سنتي وليسوا بقومي ما استعابوا تهتكي ... فأبدوا قلى واستحسنوا فيك جفوتي وأهلي في دين الهوى أهله وقد ... رضوا لي عاري واستطابوا فضيحتي فمن شاء فليغضب سواك فلا أذى ... إذا رضيت عني كرام عشيرتي

стр. 217

ذللت بها في الحي حتى وجدتني ... وأدنى منال عندهم فوق همتي وأخملني وهنا خضوعي لهم، فلم ... يروني -هوانا١بي- محلا لخدمتي ومن درجات العز أمسيت مخلدا ... إلى دركات الذل من بعد نخوتي فلا باب لي يغشى، ولا جاه يرتجى ... ولا جار لي يحمى لفقد حميتي كأن لم أكن فيهم خطيرا، ولم أزل ... لديهم حقيرا في رخائي وشدتي فحالي بها حال٢ بعقل مدله٣ ... وصحة مجهود، وعز مذلة أسرت مني وصلها النفس حيث لا ... رقيب حجا سرا لسرى وخصت يغالط بعض عنه بعضي صيانة٤ ... وميني في إخفائه صدق لهجتي أجمع شراح التائية على أن المراد بالأبيات التسعة الأولى، أن طريقه هتك أستار الحرمة، والخرق في بعض النواميس الإلهية، وتخليته الناس مع ربهم من غير أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر، ورضاه بكل ما يقع منهم لشهوده الأفعال

стр. 218

كلها الواحد١ الحقيقي الظاهر في صور الكثرات، وعدم الالتفات إلى المترسمين من الزهاد والعباد، وكسر نواميسهم٢، والرد عليهم وعدم التقييد بظواهر العلوم والاعتقادات، فحملهم ذلك على أن رموه بالفسق والبدعة والكفر والإباحة والزندقة والخروج عن طريقهم، فذل بين حي أهل الشريعة والطريقة وأجمعوا٣ على أن المراد من الثلاثة [٦٨] الأخرى أن نفسه أسرت تمني الوصل، وتحققها بحقيقته حتى غاب عنها رقيب العقل؛ خوفا من إطلاعه على ذلك، فيغلب عليه حكم التنزيه، فيقوم بالمنع والتشنيع، فيقول٤: ما للراب ورب الأرباب، وأنه بالغ في الإخفاء خوفا من أن يتنبه العقل٥، فيقوم يشنع وينكر، فصار كل واحد من الصفات يغالط الآخر، وكذبه في هذا صدق لهجته. وقال بعد ذلك بكثير: ولا استيقظت عين الرقيب، ولم تزل ... علي بها في الحب عيني رقيبتي قال التلمساني: "يعني لما سكرت روحي، ونامت عين الرقيب -وهو الشرع والعقل- أقمت عيني رقيبة علي، لرعاية آداب حضرة المحبوبة". ذمه للرسل وللشرائع: وقال في ذم الشرع أيضا:

стр. 219

منحتك علما إن ترد كشفه فرد ... سبيلي، واشرع في اتباع شريعتي فنبع صداء١ من شراب نقيعه٢ ... لدي، فدعني من سراب بقيعة ودونك بحرا خضته، وقف الأولى ... بساحله صونا لموضع حرمتي قال الشراح: "إن معنى ذلك أنه منح أتباعه علما كما صداء، وهو ماء يضرب به المثل في الغزارة والعذوبة، ونهى عن متابعة غيره من علماء الظاهر من الأصوليين والفلاسفة والفقهاء، وغيرهم من أهل العلوم الفكرية، فإنها تغر السامع، وهي كسراب بقيعة ليست شيئا، وأنه خاض بحر التوحيد، وأخرج منه ما لم ينله أحد من السابقين من الأنبياء والأولياء لوقوفهم في ساحل ذلك البحر لأجل حفظ حرمته٣" ثم خادعوا٤ بأن قالوا: "قال هذا على لسان الحضرة المحمدية٥؛ إذ كمال التوحيد مختص بمقام جمعه، والكمل والتابعين إياه" ا. هـ. وقد وقع من شرحه بذلك -مع الحيدة عما لا محيد عنه- في الكفر من

стр. 220

جهة أخرى، وهي أنه يلزم منه تفضيل أتباع النبي ﷺ على الأنبياء الماضين عليهم السلام١. يفضل أتباعه على الرسل، وزندقته على شرعة الله: ومن نمطه -لكونه لا ينفك عن كفره- قوله عقبه: وأصغر أتباعي على عين قلبه ... عرائس أبكار المعارف زفت فإن سيل٢ عن معنى أتي بغرائب ... من الفهم جلت، أو عن الوهم دقت فإنه لا يصح على لسانه، ولا لسان غيره٣. ثم قال في ذم الشرع والعلم. ولا تك ممن طيشته دروسه ... بحيث استقلت عقله واستفزت فثم وراء النقل علم يدق عن ... مدارك غايات العقول السليمة تلقيته مني، وعني أخذته ... ونفسي كانت من عطائي٤ ممدتي

стр. 221

قالوا في معناه: "لا يستخفنك كثرة دروس العلوم النقلية، فوراءها علم مكنون أخذت ظاهره من حسي، وباطنه من عقلي، وسره من روحي، ومكنونه من سري من حيث أن كل واحد منها عيني وذاتي. ولا وصف, ولا نعت زائد علي حاكم بمغايرتي، وغيريتي إياها، فكنت المعطي، وكنت المعطى، وكنت الممد، وكنت المستمد، والفاعل والقابل١". هذا أمرهم [٦٩] في الانسلاح من العقل. الصلة بين التصوف والنصرانية: وقد شهد عليهم العلماء بذلك. قال العلامة قاضي القضاة شمس الدين البسطامي في أول كتاب له في أصول الدين في المسألة السادسة من الكتاب الثاني في أنه سبحانه ليس متحدا بشيء: "واعلم أن هذه الضلالة المستحيلة في العقول سرت في جماعة من المسلمين، نشئوا في الابتداء على الزهد والعبادة -إلى أن قال- ولهم في ذلك -أي: الاتحاد بالمعنى الذي قالته النصارى- كلمات يعسر تأويلها، بل منها ما لا يقبل التأويل، ولهم في التأويل خلط وخبط كلما أرادوا أن يقربوا من المعقول، ازدادوا بعدا، حتى إنهم استنبطوا قضية حلت لهم الراحة، وقنعوا في مغالطة الضرورة بها بالمغيب، وهي أن ما هم فيه، ويزعمونه وراء طور العقل، وأنه بالوجدان يحصل، ومن نازعهم محجوب مطرود عن الأسرار الإلهية" وهكذا قال الشيخ سعد الدين في شرح المقاصد، والشريف في شرح المواقف٢. ادعاؤه الربوبية ولما تمهد له في زعمه٣ ادعى أنه الله؛ عنادا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ

стр. 222

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ولأمر١ رسول الله ﷺ في قتاله لكل من سمى شيئا غير الله إلها، فقال شعر: فبي دارت الأفلاك عجبا لقطبها الـ ... ـمحيط بها، والقطب٢ مركز نقطتي

стр. 223

فمن قال، أو من طال، أو صال إنما ... يمن بإمدادي له برقيقة وما سار فوق الماء، أو طار في الهوا ... أو اخترق النيران إلا بهمتي وعني من أمددته برقيقة ... تصرف١ عن مجموعة في دقيقة ومني لو قامت بميت لطيفة ... لردت إليه نفسه، وأعيدت ولا تحسبن الأمر عني خارجا ... فما ساد إلا داخل في عبودتي فلا حي إلا عن حياتي حياته ... وطوع مرادي كل نفس مريدة٢ [ولولاي لم يوجد وجود، ولم يكن ... شهود، ولم تعهد عهود بذمة] ٣ ولا قائل إلا بلفظي محدث ... ولا ناظر إلا بناظر مقلتي هذا لا يصح كونه عنه، ولا عن الله٤!! زعمه أن صفات الله عين صفاته: ويقول أيضا أن الله يتحد به، بحيث يصير الذاتان ذاتا واحدة، فمن ذلك قوله: ولا منصت إلا بسمعي؟؟ سامع ... ولا با طش إلا بأزلي وشدتي ولا ناطق غير، ولا ناظر، ولا ... سميع سوائي٥ من جميع الخليقة

стр. 224

وهأنا أبدي في اتحادي مبدئي ... وأنهي انتهائي في تواضع رفعتي جلت في تجليها الوجود لناظري ... ففي كل مرئي أراها برؤية وأشهدت غيبي إذ بدت فوجدتني ... هنالك إياها بجلوة خلوتي فوصفي -إذ لم تدع باثنين- وصفها ... وهيئتها -إذ واحد نحن- هيئتي١

стр. 225

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن ... منادى أجابت من دعاني، ولبت [٧٠] وإن نطقت كنت المناجي، كذلك إن ... قصصت حديثا إنما هي قصت فقد رفعت تاء المخاطب بيننا١ ... وفي رفعها عن فرقة الفرق٢ رفعتي فإن لم يجوز رؤية اثنين واحدا ... حجاك، ولم يثبت لبعد تثبت سأجلو إشارات عليك خفية ... بها, كعبارات لديك جلية وأثبت بالبرهان قولي. ضاربا ... مثال محق، والحقيقة عمدتي بمتبوعة ينبيك في الصرع غيرها ... على فمها في مسها حين جنت٣ ومن لغة تبدو بغير لسانها ... عليه براهين الأدلة صحت وفي العلم حقا أن مبدي غريب ما ... سمعت سواها، وهي في الحس أبدت

стр. 226

قال الإمام شمس الدين البساطي في شرح هذه الآيات: "ومن ظن هذا برهانا, فجنونه أعظم من جنون المتبوعة" وقال قبل ذلك: زعمه أن الله سبحانه يصلي له: ولا غرو أن صلى الأنام إلي أن ... ثوت بفؤادي، وهي قبل قبلتي لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع١ في كل سجدة وما كان لي صلى سواي٢ ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة ثم قال بعد ذلك: وفارق ضلال الفرق فالجمع، منتج ... هدى فرقة بالاتحاد تحدث

стр. 227

رب الصوفية في صور العاشقات: وصرح بإطلاق الجمال, ولا تقل ... بتقييده ميلا لزخرف زينة بها قيس لبني١هام، بل كل عاشق ... كمجنون ليلى٢، وكثير٣ عزة فكل صبا منهم إلى وصف لبسها ... بصورة حسن لاح في حسن صورة وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر ... فظنوا سواها، وهي فيها٤ تجلت ففي النشأة الأولى تراءت لآدم ... بمظهر حوا٥ قبل حكم الأمومة فهام بها كيما يصير بها أبا ... ويظهر بالزوجين سر البنوة انظر إلى هذا التجاسر مع الكفر على صفي الله آدم ﵇ في وصفه

стр. 228

بالهيام بالذات الأقدمين١ كما لا يخفى ولم لا يخفى: وما برحت تبدو وتخفى لعلة ... على حسب الأوقات في كل حقبة وتظهر للعشاق في كل مظهر ... من اللبس في أشكال حسن بديعة ففي مرة لبنى، وأخرى بثينة ... وآونة تدعى بعزة. عزت ولسن سواها، لا ولا كن غيرها٢ ... وما إن لها في حسنها من شريكة كذاك بحكم الاتحاد, لحسنها ... كما لي بدت في غيرها، وتزيت بدوت لها في كل صب متيم ... بأي بديع حسنه، وبأيت وليسوا بغيري في الهوى لتقدم ... علي بسبق في الليالي القديمة وما القوم غيري في هواي، وإنما ... ظهرت بهم للبس في كل هيئة

стр. 229

ففي مرة قيسا، وأخرى كثيرا ... وآونة أبدو جميل بثينة١ [٧١] تجليت فيهم ظاهرا, واحتجبت با ... طنا بهم, فاعجب لكشف بسترة٢ وهن, وهم٣ -لا وهن وهم- مظاهر ... لنا٤ بتجلينا بحب، ونضرة فكل فتى حب أنا هو، وهي حـ ... ـب كل فتى، والكل أسماء لبسة أسام بها كنت المسمى حقيقة ... وكنت لي البادي بنفس تخفت وما زلت إياها, وإياي لم تزل ... ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت٥ وليس معي فى الملك شيء سواي ... والمعية لم تخطر على ألمعيتي

стр. 230

فهذا ظاهر في إرادة الاتحاد١ بحيث إن الذاتين تكونان ذاتا واحدة، لا شبهة فيه أصلا. ثباته على اعتقاد الوحدة: ثم قال في إثباته٢، ونفي الحلول: رجعت لأعمال العبادة عادة ... وأعددت أحوال الإرادة عدتي وعذت بنسكي بعد هتكي، وعدت من ... خلاعة بسطي، لانقباض بعفتي وصمت نهاري رغبة في مثوبة ... وأحييت ليلي رهبة من عقوبة وعمرت أوقاتي بورد لوارد ... وصمت لسمت، واعتكاف لحرمة وبنت عن الأوطان هجران قاطع ... مواصلة الأحباب، واخترت عزلتي ودققت فكري في الحلال تورعا ... وراعيت في إصلاح قوتي، وقوتي وأنفقت من يسر٣ القناعة راضيا ... من العيش في الدنيا بأيسر بلغة وهذبت نفسي بالرياضة، ذاهبا ... إلى كشف ما حجب العوائد غطت وجردت في التجريد عزمي تزهدا ... وآثرت في نسكي استجابة دعوتي متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل ... وحاشا لمثلي أنها في حلت جميع هذه الأفعال التي هي محاسن الشريعة جعلها نقائض، ودعا على نفسه بها٤، إن ادعى الحلول، أو حال عن دعوى الاتحاد.

стр. 231

استدلاله على زندقته: ثم قال بعد هذا بكثير في أواخر القصيدة, دالا على مذهبه فيما زعم: وجاء حديث في اتحادي ثابت ... روايته في النقل غير ضعيفة يشير بحب الحق بعد١ تقرب ... إليه بنفل, أو أداء فريضة وموضع تنبيه الإشارة ظاهر ... بكنت له سمعا كنور الظهيرة قال شارحه: "إن الحب ميل باطني أثره رفع امتياز المحب والمحبوب، ورفع ما بينهما٢، والمحب عين الحضرة الإلهية، والمحبوب ظهور كماله الذاتي والأسمائي، ولن يصح لقبول هذا الظهور المحبوب منصة إلا الحقيقة الإنسانية صورة ومعنى؛ لكمال جمعيتها، وتتميمها دائرة الأزلية والأبدية، والحديث المشير بهذا الاتحاد: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ولسانا ورجلا٣ وعبارة التلمساني في مقدمة شرحه: نص

стр. 232

في المراد، وهي: "فالسمع والبصر, وغيرهما من الصفات في أي موصوف كان هو الله حقيقة" وسيأتي كلام القشيري [٧٢] والسهروردي: أن هذا زندقة، وساق ابن الفارض بعد الأبيات الماضية ما زعم أنه يدل على دعواه الاتحاد وأنه إذا دل على ذلك انتفى الحلول، فقال: ولست على غيب أحيلك لا, ولا ... على مستحيل موجب سلب حليتي وكيف، وباسم الحق ظل تحققي ... تكون أراجيف الضلال مخيفتي؟ وها دحية١ وافى الأمين٢ نبينا ... بصورته في بدء وحي النبوة

стр. 233

أجبريل قل لي: كان دحية إذ بدا ... لمهدي الهدى في هيئة بشرية وفي علمه عن حاضريه مزية ... بماهية١ المرئي من غير مرية يرى ملكا يوحي إليه، وغيره ... يرى رجلا يرعى لديه لصحبة ولي من أصح الرؤيتين إشارة ... تنزه عن رأي الحلول عقيدتي يدين بتلبس الله بصورة خلقه: قالوا: "إن المراد -كما هو ظاهر جدا- أن جبريل ﵇ ظهر في صورة دحية من غير حلول فيه، ولأجل ظهوره كذلك ادعى أن الله تعالى تجلى بصورة الناظم، لم يدع حلوله٢ فيه".

стр. 234

قال البساطي: "لكن دعوى تجلي الله بصورة ما مكفر بها١ شرعا بإجماع المسلمين والكافرين من آمن به، وإن لم يكن حلولا". ثم قال: دالا على أن ما قاله بزعمه في الكتاب والسنة: وفي الذكر٢ ذكر اللبس ليس بمنكر ... ولم أعد عن حكمي كتاب وسنة وشرحه الشراح كلهم بقوله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]

стр. 235

وقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ١ [الأنفال: ١٧]

стр. 236

وقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١ [الفتح: ١٠] وفي السنة حديث الإتيان في الصورة التي تنكر يوم القيامة، ثم في الصورة التي تعرف٢. ثم قال٣: "فعلم أنه تعالى يتلبس بأي لباس صورة شاء مما يعرف، ومما ينكر من غير حلول، فكان ظهوره بصورتي جائزا من غير حلول، فصح بهذا دعوى اتحادي مع نفي الحلول" ا. هـ. وليس وراءه تصريح بالكفر. نسأل الله العافية. وقالوا في شرح البيت الثاني٤: "إن الحق من أسماء الذات، ومن اتصف بأسماء

стр. 237

الذات أعلى ممن اتصف بأسماء الصفات، وقد أخبر عن اتصافه باسم الحق -وهو الثابت بذاته، المثبت لغيره١- فلا يمكن أن يتغير عما ذهب إليه". رأي القشيري والسهروردي: وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري في شرحه للأسماء الحسنى: "إن العبد لا يجوز أن يتصف بصفات ذات الحق كما زعم بعضهم: أن العبد يكون باقيا ببقاء الحق، سميعا بسمعه، بصيرا ببصره٢، وهذا خروج عن الدين، وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، وهذه البدعة أشنع من قول النصارى: إن الكلمة القديمة اتحدت بذات عيسى ﵇، وهي توازي قول [٧٣] الحلولية". وقال السهروردي في الباب الحادي والستين من عوارفه في الكلام على المحبة، ما حاصله: "إن المحبة: التخلق بأخلاق الله، ومن ظن من الوصول غير ما ذكرنا، أو تخايل له غير هذا القدر، فهو متعرض لمذهب النصارى في اللاهوت والناسوت٣" وقال: "علم البقاء والفناء يدور على إخلاص الوحدانية وصحة العبودية، وما كان غير هذا فهو من المغاليط والزندقة٤. وحدة الأديان عند ابن الفارض: وعلى هذا الأصل المخبث الخبيث -وهو الاتحاد بين جميع الكائنات،

стр. 238

وأنه لا غير, ولا غيرية في شيء من الوجود- فرع صحة كل دين١؛ لأن الفاعل عنده إنما هو الله، فأبطل دين الإسلام القائل بأن كل ما عداه٢ باطل، فصار المحامي له٣ خاذلا لمن ينصره٤، فإن من كفر ابن الفارض ساع جهده في نصر دين الإسلام، وتأييد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وأغلب المحامين له يعتقدون أن دين الإسلام -القائل بضلال ما عداه- هو الحق، ويسعون في نصر من يصوب كل ملة، ويصحح كل نحلة، وهم لا يشعرون أنه قال في تصويب جميع الأباطيل. شعر. شعره في وحدة الأديان: وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار من ألف حجة فما عبدوا غيري، وإن كان قصدهم ... سواي، وإن لم يعقدوا عقد نيتي رأوا ضوء نوري مرة، فتوهمو ... هـ نارا فضلوا في الهدى بالأشعة وإن خر للأحجار في البد٥ عاكف ... فلا وجه٦ للإنكار بالعصبية فقد عبد الدينار معنى منزه ... عن العار بالإشراك٧ بالوثنية

стр. 239

وإن نار بالتنزيل محراب مسجد ... فما بار بالإنجيل هيكل بيعة وأسفار توراة الكليم لقومه ... يناجي بها الأحبار في كل ليلة وما احتار من للشمس عن غرة١ صبا ... وإشراقها من نور إسفار غرتي وقد بلغ الإنذار عني٢ من بغى ... وقامت بي٣ الأعذار في كل فرقة فما زاغت الأبصار من كل ملة ... ولا راغت الأفكار في كل نحلة قال شراحه: "إنه مهد في هذه الأبيات أعذار كل فرقة، وأن كل صاحب ملة ونحلة -وإن بطل سعيه- على نصيب من الهدى، فعباد النار غير مؤاخذين من جميع الوجوه، بل من وجه دون وجه، ولا لوم على أحد، بل لكل واحد وجه، ومحمل خير يحمل عليه، فكل يعمل على شاكلته، وكذا عابد الأصنام. قالوا: لا تنكر عليه، فإن أنكرت، لم يكن إنكارك إلا تعصبا؛ لأنك لا تنكر على المقبل على الدنيا، مع أنه أقوى شركا من عابد الصنم, وقالوا: كما أن القرآن نور المساجد، فكذلك الإنجيل نور المعابد. وقالوا نحو هذا في التوراة، وفي عابد الشمس: أنه بإثباته عين الألوهية لم يكن ناقصا، فقام له عذر من وجه من الوجوه. وذلك كاف للكريم" ولا يقول بشيء من هذا مسلم٤. معاندته للتوحيد الحق: وقد عاند التوحيد الحق في قوله:

стр. 240

ولو أنني وحدت ألحدت١ وانسلخـ ... ـت من آي جمعي مشركا بي صنعتي قالوا في شرحه: "لو أنني أثبت وحدة الذات الحق المطلوب المحبوب، ونفيت كثرة نسبه عنه، كما أثبتت ونفت المنزهة٢، وبعض الفلاسفة، لكنت مائلا عن سنن الاستقامة؛ لأني أثبت لنفسي وغيري وجودا يقابل وجود الحق" وهذا عين الإلحاد والشرك، فليس وراء هذا كفر، فإن كان هذا مما يفهمه المنازع٣، كما يفهم الذاب عن الشارع، فقد علم منابذته لله، ولرسوله ﷺ ، وإن كان لا يفهمه، ويدعي أن له معنى حسنا، فيكفيه أنه يخوض بالجهل فيما هو أخطر الأشياء، وهو أصول الدين الذي في الزلة فيه ذهاب الروح والدين، وهو معاند بمنازعته لقوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] , ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونٌَ﴾ [البقرة: ١٦٨, ١٦٩] ، ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا

стр. 241

وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الاعراف: ٣٣] ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . ويكون١ تابعا لمجرد العصبية، وحمية الجاهلية، مع أنك لا تجد من يحامي عنه إلا منهمكا في الفسوق والبغي والعقوق، أو قريبا منه، تبعا له في قوله: دعوته إلى المجون وينبيك عن شأني الولدي وإن نشأ ... بليدا بإلهام كوحي وفطنة ويعرب عن حال السماع بحاله ... فيثبت للرقص انتفاء النقيصة ولا تك باللاهي عن اللهو جملة ... فهزل الملاهي جد نفس مجدة وإياك والإعراض عن كل صورة ... مموهة، أو حالة مستحيلة قالوا في شرحه: "إن الطفل يبين بحاله من الإصغاء إلى المناغي عن حال أهل السماع والرقص، فيثبت بهذا انتفاء النقص خلافا لما قاله المحجوبون، ولما كان سماع الطفل ورقصه بريا عن الشهوة والرئاء٢ كان معربا عن صحة حال سماع الواجدين، ورقصهم٣ وهزل الملاهي جد نفس مجدة، فلا تكن غافلا.

стр. 242

عنه، فإنه فائض من الأسماء الإلهية، وما يفيض من الحق إلا ما هو حق لا باطل. الباطل إله الصوفية: ولذلك قال ابن عربي "لا تنكر الباطل في طوره، فإنه بعض ظهوراته"١ فقد أفاد هذا أنهم يعتقدون: أن الباطل هو الله، ولو لم يكن في هذا إلا أنه٢ يدعو إلى البطالة والخلاعة والضلالة، لكان كافيا في استهجانه [٧٥] ومنابذته للدين. وقد نقل شيخنا حافظ العصر ابن حجر في لسان الميزان أنه كان لهذا الناظم جوار في البهنسة موظفات للغناء والضرب بآلات الملاهي، وكلما ماتت واحدة منهن اشترى بدلها أخرى، وكان يذهب إليهم في بعض الأوقات، فيسمعهن، ويرقص على غنائهن، ويرجع٣. المناضل عن ابن الفارض: فالمناضل عنه مسارع إلى شكله، ومضارع لمن كان فعله كفعله، كما قال علي

стр. 243

رضي الله عنه بعد قدومه الكوفة بثلاثة أيام: "قد عرفنا خياركم من شراركم، قالوا: كيف؟ وما لك عندنا إلا ثلاثة أيام، قال: كان معنا خيار وشرار، فانضم خيارنا إلى خياركم، وشرارنا إلى شراركم" وحديث: "الأرواح جنود مجندة" ١ الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ أعدل شاهد لذلك ويتعين على كل مسلم إنكار ما أنكره الشرع من مثل هذا. قوله يوجب إراقة دمه: وقد اعترف هو أن ما قاله موجب لإراقة الدم، وأنه قاله في الصحو والإفاقة لا في السكر والجذبة، فقال: وثم أمور ثم لي كشف سترها ... بصحو مفيق عن سواي تغطت بها لم يبح من لم يبح دمه وفي الإ ... شارة معنى ما العبارة حدت قالوا في شرحه: "أي انكشفت لي أمور وأسرار بواسطة الصحو الذي حصل لي بعد السكر والإفاقة، وهي متغطية عن غيري من المحجوبين، ولم يظهر تلك الأسرار إلا من أباح دمه للمحجوبين٢، فإنهم يقتلون العارفين الذين باحوا بأسرار التوحيد٣" وقد صرح بأن ما يقوله حقيقة لا مجاز، فقال: عليها مجازي سلامي، فإنما٤ ... حقيقته مني علي تحيتي

стр. 244

قال الشراح: "أي: على حضرة المحبوبة سلامي في قولي: التحيات إلى آخره؛ مجاز لأنها عيني، لا غيري، فحقيقة السلام مني، وإلي" وقد مثلوا كون التشخص مجازيا، والإطلاق حقيقيا بأن الروح الكلي الذي هو الإله عندهم كالبحر، والأشخاص الناشئة عنه مثل البخار الصاعد من صورته البخارية ثم في صورة السحابية، ثم يرجع إلى الماء، ويختلط بالحبر، فيصير إياه، وهو بخار وسحاب حقيقة، وتلك الصورة العارضة مجاز١!! فأين هذا الانهماك في اللذة قولا وفعلا، والانقياد للهوى عقدا وحلا، من رتبة الولاية التي يدعيها المتعصبون له، التي من شرطها الإعراض عن الانهماك في اللذات الدنيوية ومن رتبة الولاية التي يدعيها هو؟

стр. 245

ومن هنا تعلم أنهم١ لا أرضوه، ولا أرضوا الله ورسوله ﷺ ، ولا أحدا من المؤمنين، فإنه هو لا يرضى إلا أن يكون خليعا، وهم يقولون: متقيد، وهو يقول: أن ما قاله مبيح للدم، وهم يقولون: لا يبيحه، وهو يقول: إنه عاقل صاح، وهم يقولون: مجنون [٧٦] سكران، وهو يقول: إن ما قاله: حقيقة، وهم يقولون: مجازا٢، ولا يقدرون على تخريجه على المجاز وهو لا يرضى إلا أن يكون هو الله، وينهى عن ذكره بغير. لماذا يزجر عن تكنيته بكنية، أو تلقيبه بلقب وألغ الكنى عني ولا تلغ أكلنا٣ ... بها، فهي من آثار صيغة صنعتي٤ وعن لقبي بالعارف ارجع فإن ترى التـ ... ـنابذ بالألقاب في الذكر تمقت قال شراحها: "أي: أسقط الكنى عني، ولا تستعمل اللغو في إطلاقها على حال كونك عييا٥ عن الكلام في تعريف مقامي، فإنها من آثار مصنوعاتي، إذ الإنسان صاغها، وهو من جملة مصنوعاتي التي أوجدتها، وارجع عن إطلاقك علي اسم العارف؛ لاتحادي بذات من لا يطلق عليه هذا الاسم". فلم يدع جهدا في زجرهم عن تسميته بالعارف، ولم يدع النبي ﷺ لبسا في أمرهم بتكفيره، وهم٦ يعصون كلا من الأمرين,

стр. 246

ولا يرجعون عن شيء من المنهيين، فيا خسارتهم بما ضروا به أنفسهم فيما لا ينفعهم، كما قال تعالى فيمن يعبد الله على حرف: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٢، ١٣] . زعمة أنه عرج إلى السماء: وادعى العروج إلى الله، والوصول إلى مقام: أو أدنى، ١ فقال: ومن أنا إياها، إلى حيث لا إلى ... عرجت، وعطرت الوجود برجعتي قالوا في شرحه: "عرجت من مقام: أنا إياها -وهو ابتداء الاتحاد- ومن قولهم: أنا الحق٢، ولا إله إلا أنا فاعبدني٣، إلى أن وصلت إلى مقام لا نهاية فيه، وعطر الوجود برجوعه، لاتصافه بصفات الرحمن٤، واتحاده. بذات الملك الديان".

стр. 247

والبيت الذي بعده أشد كفرا١، ثم قال: ولي عن مفيض الجمع عند سلامه ... علي بأو أدنى إشارة نسبة قالوا في شرحه: "إنه لما فني في النبي ﷺ ، ثم بقي به حصة بمشاركته في قبول عين السلام من حيث عين ذلك المقام -وهو مقام: أو أدنى-

стр. 248

فإنه جل جناب هذا المقام من أن يطلع عليه إلا واحد بعد واحد، فالواحد السابق هو ﷺ ، والواحد اللاحق به:١ أنا إن شاء الله تعالى من جهة غرقي في لجيته" ا. هـ. وقال عياض في أواخر الشفاء: وكذلك -أي: يكفر- من ادعى مجالسة الله تعالى، والعروج إليه، ومكالمته، أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة٢. لا شيء على من يكفر ابن الفارض: وأما من أنكر عليه لأمثال ما رأيته من الألفاظ الصريحة بالنص في الكفر، فلا شيء عليه بإجماع المسلمين بقاعدة من كفر مسلما متأولا، فلا أضل ممن ترك طريقا مضمون السلامة، واتبع طريقا أخف أحواله أنه مظنون العطب والملامة [٧٧] ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، على تقدير تسليم أن يكون لهم فيما هم فيه مصلحة، ولي فيه -والله- مصلحة بوجه، فقد اعترف كل من يحامي له أن ظاهر كلامه منابذ للكتاب والسنة, وإلا لما احتاجوا إلى ادعاء تأويله، مع أن الفاروق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ الذي ما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجه٣, قد أنكر التأويل لغير كلام المعصوم٤، ومنع منه ﵁، وأرضاه، وأهلك كل

стр. 249

من خالفه وأرداه، وبسيف الشرع قتله وأخزاه، فقال فيما رواه عنه البخاري في كتاب الشهادات من صحيحه: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ ، وإن الوحي قد انقطع, وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر خيرا أمناه، وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، والله يحاسبه في سريرته. ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة" وقد أخذ هذا الأثر الصوفية، وأصلوا عليه طريقهم. منهم صاحب العوارف استشهد به في عوارفه، وجعله من أعظم معارفه، فمن خالف الفاروق ﵁ كان أخف أحواله أن يكون رافضيا خبيثا، وأثقلها أن يكون كفارا عنيدا، وهذا الذي سماه الفاروق ﵁: ظاهرا هو الذي يعرف في لسان المتشرعة بالصريح، وهو ما قابل النص والكناية والتعريض، وقد تبع الفاروق ﵁ على ذلك -بعد الصوفية- سائر العلماء، لم يخالف منهم أحد كما نقله إمام الحرمين١ عن الأصوليين كافة، وتبعه الغزالي، وتبعهما الناس. وقال الحافظ زين الدين العراقي أنه أجمع عليه الأمة من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل الاجتهاد الصحيح، وكذا قال الإمام أبو عمرو ابن عبد البر٢ في التمهيد، وأصله إمامنا الشافعي رضي الله في كتاب

стр. 250

الرسالة لقول النبي ﷺ : "إنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن١ بحجته، فأقضي له" الحديث رواه الستة عن أم سلمة ﵂ في أمثال كثيرة, وقال الأصوليون: "كافة التأويل -إن كان لغير دليل- كان لعبا، وما ينسب إلى بعض المذاهب من تأويل ما هو ظاهر في الكفر فكذب أو غلط منشؤه سوء الفهم، كما بينت ذلك بيانا شافيا في غير هذه الرسالة، وإنما أولنا كلام المعصوم٢؛ لأنه لا يجوز عليه الخطأ، وأما غيره، فيجوز عليه الخطأ سهوا وعمدا. المتوقف في تكفير الصوفية: ولا يسع أحدا أن يقول: أنا واقف أو ساكت لا أثبت، ولا أنفي؛ لأن ذلك يقتضي الكفر؛ لأن الكافر من أنكر ما علم من الدين بالضرورة. ومن شك في كفر مثل هذا كفر [٧٨] ولهذا قال ابن المقري في مختصر الروضة: "من شك في اليهود والنصارى وطائفة [ابن٣] عربي فهو كافر". وحكى القاضي عياض في الباب الثاني من القسم الرابع من الشفاء: "الإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود، وكل من فارق
следующие страницы →