إيمانه بأن الله إنسان كبير
ثم قال ابن عربي في فص حكمة إلهية في كلمة آدمية لما شاء الحق سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى [التي لا يبلغها الإحصاء] أن يرى أعيانها وإن شئت قلت أن يرى عينه في كون جامع يحصر الأمر [كله] لكونه متصفا بالوجود ويظهر به سره إليه فإن رؤية الشيء [نفسه] بنفسه ما هي مثل رؤية نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة
ثم قال فكان آدم عين جلاء تلك المرآة وروح تلك الصورة وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة التي هي صورة العالم المعبر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير
ثم قال فسمى هذا المذكور إنسانا وخليفة فأما إنسانيته فلعموم
стр. 37
نشأته، وحصره الحقائق كلها، وهو للحق بمنزلة إنسان العين من العين به يكون النظر، وهو المعبر عنه بالبصر؛ فلهذا سمي إنسانا، فإنه به ينظر١ الحق إلى خلقه، فيرحمهم٢، فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي٣".
ثم قال: "ولا شك أن المحدث قد ثبت حدوثه، ولما كان استناده إلى من ظهر عنه لذاته اقتضى أن يكون على صورته فيما ينسب إليه من كل شيء من اسم وصفة، ما عدا الوجوب٤ الذاتي، فإن ذلك لا يصح في الحادث، وإن كان واجب الوجود، ولكن وجوبه بغيره، لا بنفسه٥". ثم قال: "فوصف نفسه لنا بنا، فإذا شهدناه شهدنا نفوسنا، وإذا شهدنا شهد نفسه، ولا شك أنا كثيرون بالشخص والنوع، وأنا وإن كنا على حقيقة واحدة تجمعنا؛ فنعلم قطعا أن ثم فارقا به تميزت الأشخاص بعضها عن بعض، ولولا ذلك ما كانت الكثرة في الواحد"٦.
آدم عند الصوفية:
ثم قال: فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا، ولهذا قال لإبليس:
стр. 38
﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٣٥] وما هو إلا عين جمعه١ بين [الصورتين] صورة العالم وصورة الحق [وهما يدا الحق٢] ".
ثم قال: فما صحت الخلافة إلا للإنسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه: كنت سمعه وبصره. ما قال كنت عينه وأذنه٣.
زعمه أن الحق مفتقر إلى الخلق:
ثم قال: "ولولا٤ سريان الحق في الموجودات بالصورة ما كان [٩] للعالم وجود، كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة الكلية، ما ظهر حكم في الموجودات العينية، ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده؛ شعر.
فالكل مفتقر، ما الكل مستغني ... هذا هو الحق قد قلناه، لا نكني٥
стр. 39
التنزيه والتشبيه: ١
ثم قال في فص حكمه سبوحية في كلمة نوحية: "اعلم أن التنزيه عند أهل الحقائق في الجناب الإلهي عين التحديد والتقييد، فالمنزه إما جاهل، وإما صاحب سوء أدب، ولكن إذا أطلقاه٢، وقالا به. فالقائل بالشرائع المؤمن إذا نزه ووقف عند التنزيه، ولم ير غير ذلك، فقد أساء الأدب، وأكذب الحق والرسل وهو لا يشعر، ويتخيل أنه في الحاصل، وهو في الفائت، وهو كمن آمن ببعض وكفر ببعض، ولا سيما وقد علم أن ألسنة الشرائع الإلهية، إذا نطقت في الحق تعالى بما نطقت به، إنما جاءت به في العموم على المفهوم الأول، وعلى الخصوص على كل مفهوم يفهم من وجوه ذلك اللفظ بأي لسان كان في وضع ذلك اللسان.
стр. 40
بم يعرف الله عند الصوفية ؟:
فإن للحق في كل خلق ظهورا، فهو الظاهر في كل مفهوم، وهو الباطن عن كل فهم، إلا عن فهم من قال إن العالم صورته وهويته١، وهو الاسم الظاهر، كما أنه بالمعنى روح ما ظهر، فهو الباطن. فنسبته لما ظهر من صور العالم نسبة الروح المدبر للصورة، فيؤخذ في حد الإنسان مثلا باطنه وظاهره، وكذلك كل محدود. فالحق محدود بكل حد ٢، وصور العالم لا تنضبط، ولا يحاط٣ بها، ولا تعلم حدود٤ كل صورة منها إلا على قدر ما حصل لكل عالم من صورته٥، فلذلك يجهل حد الحق، فإنه لا يعلم حده إلا بعلم حد كل صورة. وهذا محال حصوله، فحد الحق محال، وكذلك من شبهه، وما نزهه، فقد قيده وحدده، وما عرفه, ومن جمع في معرفته بين التنزيه والتشبيه، ووصفه بالوصفين
стр. 41
على الإجمال -لأنه يستحيل ذلك على التفصيل، لعدم الإحاطة بما في العالم من الصور- فقد عرفه [مجملا١] ، لا على التفصيل, كما عرف نفسه مجملا، لا على التفصيل ولذلك ربط النبي ﷺ معرفة الحق بمعرفة النفس، فقال: "من عرف نفسه، فقد عرف ربه٢". وقال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ [فصلت:٥٣] وهو ما خرج عنك ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهو عينك ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ﴾ ، أي: للناظر ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ٣ أي: من حيث إنك صورته، وهو روحك، فأنت له كالصورة الجسمية لك، وهو لك كالروح المدبر لصورة جسدك، والحد يشمل الظاهر والباطن منك، فإن الصورة الباقية إذا زال عنها الروح المدبر لها، لم تبق إنسانا، ولكن يقال فيها: إنها صورة تشبه صورة الإنسان، فلا فرق بينها وبين صورة من خشب أو حجارة، ولا ينطلق عليها اسم إنسان إلا بالمجاز، لا بالحقيقة وصور العالم لا يمكن زوال [١٠] الحق عنها أصلا، فحد الألوهية له٤ بالحقيقة،
стр. 42
لا بالمجاز، كما هو حد الإنسان إذا كان حيا، وكما أن ظاهر صورة الإنسان تثنى بلسانها على روحها ونفسها، والمدبر لها, كذلك جعل الله تعالى صورة العالم تسبح بحمده، ولكن لا نفقه تسبيحهم، لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور، فالكل ألسنة الحق، ناطقة بالثناء على الحق، ولذلك قال: الحمد لله رب العالمين, أي: إليه ترجع عواقب الثناء، فهو المثني والمثنى عليه شعر.
فإن قلت بالتنزيه، كنت مقيدا ... وإن قلت بالتشبيه، كنت محددا
وإن قلت بالأمرين، كنت مسددا ... وكنت إماما في المعارف سيدا
فمن قال بالإشفاع، كان مشركا١ ... ومن قال بالإفراد، كان موحدا
فإياك والتشبيه، إن كنت ثانيا ... وإياك والتنزيه إن كنت مفردا
فما أنت هو٢, بل أنت هو٣، وتراه في ... عين٤ الأمور مسرحا ومقيدا
стр. 43
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] فنزه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فشبه١] وقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فشب وثنى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فنزه وأفرد٢.
стр. 44
تكفير الصوفية لنوح:
لو أن نوحا جمع لقومه بين الدعوتين لأجابوه: فدعاهم جهارا، ثم دعاهم إسرارا، ثم قال لهم: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] وقال: ﴿إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] وذكر عن قومه أنهم تصامموا عن دعوته، لعلمهم بما يجب عليهم من إجابة دعوته، فعلم العلماء بالله ما أشار إليه نوح ﵇ في حق قومه من الثناء عليهم بلسان الذم، وعلم أنهم إنما لم يجيبوا دعوته لما فيها من الفرقان، والأمر قرآن لا فرقان، ومن أقيم في القرآن لا يصغى إلى الفرقان، وإن كان فيه. فإن القرآن١ يتضمن
стр. 45
الفرقان، والفرقان لا يتضمن القرآن، ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد ﷺ ، وهذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس، فـ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يجمع الأمرين في أمر واحد، فلو أن نوحا أتى بمثل هذه الآية لفظا أجابوه، فإنه شبه ونزه في آية واحدة بل [في] نصف آية. ونوح دعا قومه "ليلا" من حيث عقولهم، وروحانيتهم، فإنها غيب، و"نهارا" دعاهم أيضا من حيث ظاهر صورهم وحسهم١، وما جمع في الدعوة مثل: ليس كمثله شيء، فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان [فزادهم] فرارا، ثم قال عن نفسه: إنه دعاهم ليغفر لهم، لا ليكشف لهم٢، وفهموا ذلك منه ﷺ ، لذلك: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي
стр. 46
آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ وهذه كلها صور الستر التي دعاهم إليها، فأجابوا دعوته بالفعل، لا بلبيك ففي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ إثبات المثل ونفيه١, وبهذا قال عن نفسه ﷺ : أنه أوتي جوامع الكلم. فما دعا محمد قومه ليلا ونهارا، بل دعاهم ليلا في نهار، ونهارا في ليل٢، فقال نوح في حكمته لقومه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] وهي المعارف العقلية في المعاني والنظر الاعتباري ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ﴾ أي: بما يميل بكم إليه، فإذا مال بكم إليه، رأيتم [١١] صورتكم
стр. 47
فيه، فمن تخيل منكم أنه رآه فما عرف، ومن عرف منكم أنه رأى نفسه، فهو العارف، فلهذا انقسم الناس إلى غير عالم، وعالم "وولده١" وهو ما أنتجه لهم نظرهم الفكري، والأمر موقوف علمه على المشاهدة، بعيد عن نتائج الفكر "إلا خسارا" "فما ربحت تجارتهم" فزال عنهم ما كان في أيديهم مما كانوا يتخيلون أنه ملك لهم, وهو في المحمديين ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] وفي نوح ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا٢﴾ [نوح: ٢] فأثبت الملك لهم، والوكالة لله فيهم، فهم مستخلفون فيه، فالملك لله، وهو وكيلهم, فالملك لهم، وذلك ملك الاستخلاف، وبهذا كان الحق تعالى مالك الملك، كما قال الترمذي ﵀.
الدعوة إلى الله مكر عند الصوفية
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو٣؛ لأنه
стр. 48
ما عدم البداية، فيدعى إلى الغاية ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] فهذا عين المكر١".
قلت: فهذا وأشكال من قوله -كما يأتي في الفصل اليوسفي- يدندن به على تصحيح قول الكفار: إن القرآن سحر. ولا يقدر على التصريح به، ولقد أخبرني من أثق به أن بعض أتباعهم قال له: القرآن أساطير الأولين٢.
ثم قالم ابن عربي: [مفسرا قول رب العالمين٣] "عَلَى [بَصِيرَةٍ] " [يوسف: ١٠٨] فنبه على أن الأمر له كله، فأجابوه مكرا كما دعاهم، فجاء المحمدي، وعلم أن الدعوة إلى الله ما هي من حيث هويته، وإنما هي من حيث أسماؤه٤، فقال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٦] فجاء بحرف الغاية، وقرنها بالاسم فعرفنا أن العالم كله تحت حيطة اسم إلهي، أوجب عليهم ٥ أن يكونوا متقين،
стр. 49
فقالوا١ في مكرهم ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] ، فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ما تركوا من هؤلاء فإن للحق في كل معبود وجها يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. في المحمديين: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [نوح: ٢٣] أي: حكم٢، فالعالم يعلم٣ من عبد, وفي أي صورة ظهر حتى عبد، وأن التفريق والكثرة كالأعضاء في الصورة المحسوسة٤، وكالقوى المعنوية في الصورة الروحانية، فما عبد غير الله.
стр. 50
في كل معبود١".
تكفير العراق لابن عربي:
وقال شيخ شيوخنا الإمام القدوة العارف شيخ الإسلام حافظ عصره الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي في كراسة أجاب فيها سؤال من سأله عن بعض كلام ابن عربي هذا: "وقوله في قوح نوح: لا تذرن آلهتكم -إلى آخره- كلام ضلال وشرك واتحاد وإلحاد، فجعل تركهم لعبادة الأوثان التي نهاهم نوح عن عبادتها جهلا يفوت عليهم من الحق بقدر ما تركوا" ا. هـ.
قلت: يا ليت شعري من قال هذا القول في هذا العدد اليسير من الأصنام، ماذا يقول فيما روي في الصحيح عن عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ دخل مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما٢، فعجل يطعنها بعود في يده٣، وجعل يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ١٨]
стр. 51
وفي السير: أنها كانت [١٢] مثبتة في الأرض بالرصاص، فما أشار بذلك العود إلى صنم منها إلا انقلب. إن أشار إلى قفاه انكب على وجهه، وإن أشار إلى وجهه انقلب على قفاه١، وكان في جزيرة العرب من الأصنام ما يتعسر حصره، فما أبقى لشيء منها باقية، وما استباح قتالهم، ونهب أموالهم، وقتل رجالهم، ومزق أبطالهم، وركب من دون ذلك الأهوال العظام، وقاطع الأخوال والأعمام إلا على ذلك، فتبا لمن أنكره، أو رأى شيئا أكمل منه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ا. هـ.
كل شيء عندهم رب وإله:
قال ابن عربي: "فالأدنى من تخيل فيه -أي: في كل معبود- الألوهية، فلولا٢ هذا التخيل، ما عبد الحجر ولا غيره، ولهذا قال: " [قل] سموهم" [الرعد: ٣٣] ، فلو سموهم لسموهم حجارة٣ وشجرا وكوكبا، ولو قيل لهم: من عبدتم؟ لقالوا: إلها. ما كانوا يقولون: الله. ولا الإله. والأعلى ما تخيل، بل قال: هذا مجلى إلهى ينبغي تعظيمه، فلا يقتصر ٤، فالأدنى صاحب التخيل يقول: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] والأعلى العالم يقول: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
стр. 52
فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [السجدة: ٣٤] الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلها، ولم يقولوا طبيعة١".
قلت: وعلى هذا يحوم ابن الفارض٢ بقوله، فالعلماء شهدوا فيه٣ أنه من أهل الاتحاد.
الرأي في ابن الفارض وتائيته
وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير٤: "إنه نظم التائية على طريقة المتصوفة المنسوبين إلى الاتحاد, وقال: وقد تكلم فيه غير واحد من مشايخنا بسبب قصيدته المشار إليها٥" وقال في سنة سبع وسبعين وستمائة في ترجمة محمد بن إسرائيل٦: "وكان أديبا، ولكن في كلامه ما يشير إلى الحلول والاتحاد
стр. 53
على طريقة ابن الفارض، وابن عربي١". وقال الشيخ مدين, وهو كان رأس الصوفية زماننا: "إن التائية هي الفصوص، لا فرق بينهما" ومن قال أن السراج عمر بن إسحاق الهندي٢ عزر الشهاب أحمد بن يحيى بن أبي حجلة٣ لأجل كلامه في ابن الفارض، وجعل ذلك دليلا على ولايته؛ أجيب بأن شيخنا حافظ العصر أحمد بن حجر ذكر في ترجمته في أول تاريخه في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة أن السراج الهندي كان يتعصب للصوفية الاتحادية، وأنه شرح التائية، فسقط كلامه، والاعتبار به٤، وعلى كل تقدير تعزيره له غير واقع في محله بوجه، فإنه لا شيء على من كفر مسلما بتأويل بلا خلاف.
стр. 54
نعلمه بين العلماء. والحجة فيه قصة عمر وحاطب١ ﵄، وغير ذلك مما وقع بحضرة النبي ﷺ في وقائع عدة، على أن التعزير٢ يحتمل أمورا عدة، لا يتعين شيء منها إلا بدليل، فسقط الاستدلال به.
وقال العلامة علاء الدين البخاري -وكان عين العلماء والصوفية قبل الشيخ مدين٣- لشخص حنفي: "لا فرق بين التائية والفصوص إلا بكونه نثرا، وكونها نظما، كما أنه لا فرق بين منظومة [١٣] النسفي والقدوري إلا بذلك. وقال الشافعي مثل ذلك، ومثل بالبهجة نظم الحاوي، وبالحاوي".
وقال العلامة بدر الدين حسين بن الأهدل, وهو من أعيان صوفية اليمن وفقهائهم: "واعلم أن ابن الفارض من رءوس أهل الاتحاد" واستشهد على٤
стр. 55
بشراح التائية من أتباعه مثل سعيد الفرغاني وداود القيصري، ومحمود الأبزاوي.
شواهد من تائية ابن الفارض
... وإياك والإعراض عن كل صورة
مموهة، أو حالة مستحيلة ... فطيف خيال الظل يبدى١ إليك في
كرى اللهو، ما عنه الستائر شقت ... ترى صور الأشياء تجلى عليك من
وراء حجاب اللبس٢ في كل خلعة ... تجمعت الأضداد فيها لحكمة٣
وأشكالها تبدو على كل هيئة ... صوامت تبدي النطق وهي سواكن
تحرك تهدي النور غير ضوية ...
ثم ذكر أنواعا من الأضداد في نيف وعشرين بيتا، ثم قال:
وكل الذي شاهدته فعل واحد ... بمفرده، لكن بحجب الأكنة
إذا ما أزال الستر لم تر غيره ... ولم يبق بالأشكال إشكال ريبة
ويجمعنا في المظهرين تشابه ... وليست لحالي حاله٤ بشبيهة
стр. 56
فأشكاله كانت مظاهر فعله ... بستر تلاشت إذ تجلى وولت
وكانت له بالفعل نفسي شبيهة ... وحسي كالأشكال، واللبس سترتي
تمجيد الصوفية لعبادة الأصنام:
وقال في الفص النوحي أيضا: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣] أي: حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ ٣ لأنفسهم "المصطفين" الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة٣، فقدمه على المقتصد والسابق
стр. 57
"إلا ضلالا" إلا حيرة المحمدي "زدني فيك تحيرا١". ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠] فالحائر له الدور، والحركة الدورية٢ حول القطب٣، فلا يبرج منه. وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود، طالب ما هو فيه. صاحب خيال إليه غايته، فله "من، وإلى٤" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية، لا بدء له، فيلزمه "من" ولا غاية له٥
стр. 58
فتحكم عليه "إلى" فله الوجود الأثم، وهو المؤتي جوامع الكلم والحكم "مما خطيئاتهم١" فهي التي خطت بهم، فغرقوا في بحار العلم بالله، وهو الحيرة "فأدخلوا نارا" في عين الماء٢، في المحمديين ﴿إِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] سجرت التنور إذا أوقدته. ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ فكان الله عين أنصارهم٣ فهلكوا فيه إلى الأبد، فلو أخرجهم إلى السيف، سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة، وإن كان الكل لله، وبالله، بل هو الله. "قال نوح: رب" ما قال: إلهي. فإن الرب له الثبوت، والإله يتنوع٤ بالأسماء، فهو كل يوم هو في شأن. فأراد بالرب ثبوت التكوين؛ إذ لا يصح إلا هو.
стр. 59
"لا تذر على الأرض" يدعو عليهم أن يصيروا في بطنها المحمدي "ولو دليتم بحبل لهبط على الله١" ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وما في وَالْأَرْضِ﴾ ٢ وإذا دفنت فيها [فأنت فيها] , وهي ظرفك ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٠] [١٤] لاختلاف الوجوه "من الكافرين٣" الذين "استغشوا ثيابهم جعلوا أصابعهم في آذانهم" طلبا للستر؛ لأنه دعاهم ليغفر لهم. والغفر الستر. "ديارا" أحدا، حتى تعم المنفعة كما عمت الدعوة "إنك إن تذرهم" أي: تدعهم وتتركهم "يضلوا عبادك" إلى الخير، فيخرجهم من العبودية إلى ما فيهم من أسرار الربوبية فينظرون أنفسهم أربابا بعد ما كانوا عند أنفسهم عبيدا، فهم العبيد الأرباب "ولا يلدوا" أي: ما ينتجون ولا يظهرون "إلا فاجرا" أي: مظهرا ما ستر "كفارا" أي: ستارا ما ظهر بعد ظهوره، فيظهرون ما ستر، ثم يسترونه بعد ظهوره، فيحار الناظر، ولا يعرف قصد الفاجر في فجوره، ولا الكافر
стр. 60
في كفره، والشخص واحد ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ١ استرني، واستر من أجلي، فيجهل مقامي وقدري، كما جهل قدرك في قولك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] "ولوالدي" من كنت نتيجة عنهما، وهما العقل والطبيعة "ولمن دخل بيتي" أي: قلبي "مؤمنا" أي: مصدقا لما يكون فيه من الإخبارات الإلهية، وهو ما حدثت به أنفسها٢ "وللمؤمنين" من العقول "والمؤمنات" من النفوس٣ "ولا تزد الظالمين" من الظلمات أهل الغيب المكتنفين خلف الحجب الظلمانية "إلا تبارا" أي: هلاكا، فلا يعرفون نفوسهم، لشهودهم وجه الحق دونهم في المحمديين ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] والتبار الهلاك٤"
الحق عين الخلق عند الصوفية:
ثم قال في فص حكمة قدوسية في كلمة إدريسية: "ومن أسمائه الحسنى: العلي. على٥ من؟ ومن ثم إلا هو، فهو العلي لذاته، أو عن ماذا؟ وما هو
стр. 61
إلا هو!! فعلوه لنفسه، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاتها, وليست إلا هو١. فهو العلي، لا علو إضافة، لأن الأعيان التي لها العدم الثابتة فيه، ما شمت رائحة من الوجود، فهي على حالها مع تعداد الصور في الموجودات والعين واحدة من المجموع في المجموع، فوجود الكثرة في الأسماء، وهي النسب، وهي أمور عدمية، وليس إلا العين الذي هو الذات، فهو العلي لنفسه، لا بالإضافة, فما في العالم من هذه الحيثية علو إضافة، لكن الوجوه الوجودية متفاضلة، فعلوا الإضافة موجود في العين الواحدة من حيث الوجوه الكثيرة، لذلك نقول فيه: هو، لا هو. أنت، لا أنت٢. قال الخراز٣
стр. 62
وهو وجه من وجوه الحق، ولسان من ألسنته ينطق عن نفسه: بأن الله لا يعرف إلا بجمعه بين الأضداد في الحكم عليه بها، فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، فهو عين ما ظهر، وهو عين ما بطن في حال ظهوره، وما ثم من يراه غيره١، وما ثم من يبطن عنه، فهو ظاهر لنفسه، باطن عنه، وهو المسمى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من [أسماء] المحدثات٢".
قلت: وقال ابن الفارض:
أممت إمامي في الحقيقة، فالورى ... ورائي وكانت حيث وجهت وجهتي
يراها أمامي في صلاتي ناظري ... ويشهدني قلبي إمام أئمتي
ولا غرو أن صلى الأنام إلي، أن ... ثوت بفؤادي وهي قبلة قبلتي
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت
كلانا مصل ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة
وما كان لي صلى سواي، ولم تكن ... صلاتي لغيري في أداء كل ركعة
إلى كم أواخى٣ الستر، ها قد هتكته ... وحل أواخى٤ الحجب في عقد بيعتي
أفاد اتخاذي٥ حبها لاتحادنا ... نوادر عن عاد المحبين شذت
стр. 63
وفي الصحو بعد المحو١ لم أك غيرها ... وذاتي بذاتي إذا تحلت تجلت٢
[فوصفي إذ لم تدع باثنين وصفها ... وهيئتها -إذا واحد نحن- هيئتي٣]
فإن دعيت كنت المجيب، وإن أكن ... منادي أجابت من دعاني ولبت
وإن نطقت كنت المناجي٤، كذاك ٥ إن ... قصصت حديثا، إنما هي قصت
فقد رفعت تاء المخاطب بيننا ... وفي رفعها عن فرقة الفرق رفعتي
فجاهد تشاهد فيك منك وراء ما ... وصفت سكونا عن وجد سكينة
стр. 64
فمن بعد ما جاهدت، شاهدت مشهدي١ ... وهادي٢ لي إياي، بل بي قدوتي
فبي موقفي، لا, بل إلي توجهي ... كذاك صلاتي لي، ومني كعبتي
الوحدة المطلقة دين ابن عربي:
قال الإمام زيد الدين العراقي في جواب السؤال المذكور: "وأما قوله٣ فهو عين ما ظهر، وعين ما بطن، فهو كلام مسموم, ظاهره: القول بالوحدة المطلقة، وأن جميع مخلوقاته هي عينه، ويدل على إرادته لذلك صريحا قوله بعد ذلك: "وهو المسمى أبا سعيد الخراز، وغير ذلك من أسماء المحدثات" وكذا قوله بعد ذلك: "والمتكلم واحد، وهو عين السامع" وقائل ذلك والمعتقد له كافر بإجماع العلماء".
"لا يعتذر عن الوصفية بالتأويل":
ثم قال: "ولا يقبل ممن اجترأ على مثل هذه المقالات القبيحة أن يقول: أردت بكلامي هذا خلاف ظاهره، ولا نؤول له كلامه، ولا كرامة.
ولقد أحسن بعض من عاصرناه من العلماء العارفين، وهو الشيخ الإمام العلامة علاء الدين علي بن إسماعيل القونوي حيث سئل عن شيء من هذا. فقال: "إنما نؤول كلام من ثبتت عصمته حتى نجمع بين كلاميه٤، لعدم
стр. 65
جواز الخطأ عليه، وأما من لم تثبت عصمته، فجائز عليه الخطأ والمعصية والكفر، فنؤاخذه بظاهر كلامه، ولا يقبل منه ما أول كلامه عليه مما لا يحتمله، أو مما يخالف الظاهر, وهذا هو الحق" ا. هـ.
خطر صرف الكلام عن ظاهره:
وكذا قال في عدم التأويل لغير المعصوم الإمام نور الدين علي بن يعقوب البكري الشافعي، وقد حقق هذه المسألة حجة الإسلام١ أبو حامد الغزالي في أول الإحياء في كتاب العلم بما حاصله: أن الكلام إن كان ظاهرا في الكفر بالاتحاد، فقتل واحد ممن يقول به أفضل من إيحاء عشرة أنفس، وإن كان فهمه مشكلا، فلا يحل ذكره. وقال: إن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام بنقل عن صاحب الشرع، وبغير ضرورة تدعو إلى ذلك من دليل العقل٢ اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، ثم قال: والباطن لا ضبط
стр. 66
له، بل تتعارض فيه الخوطر١، ثم قال: وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة.
وسيأتي تأييد ذلك عن الشيخ زين الدين العراقي وولده الحافظ أبي زرعة [١٦] وحكاية ابن خليل السكوني الإجماع على ذلك.
صلة الخلق بالحق عند الصوفية:
ثم قال ابن عربي في الفصل الإدريسي أيضا: "وما ظهر حكم العدد إلا بالمعدود والمعدود منه عدم، ومنه وجود، فقد يعدم الشيء من حيث الحس، وهو موجود من حيث العقل، فلا بد من عدد، ومن معدود، ولا بد من واحد ينشئ ذلك فينشأ بسببه, فإن كل مرتبة٢ من العدد حقيقة واحدة كالتسعة مثلا، والعشرة [إلى أدنى، وإلى أكثر، إلى غير نهاية] ما هي مجموع، ولا ينفك عنها اسم جمع الآحاد٣".
ثم قال: "ومن عرف ما قررناه في الأعداد، وأن نفيها عين إثباتها٤
стр. 67
علم أن الحق المنزه هو الخلق المشبه١ وإن كان قد تميز الخلق من الخالق، فالأمر الخالق المخلوق، والأمر المخلوق الخالق كل ذلك من عين واحدة [لا] ، بل هو
стр. 68
العين الواحد، وهو العيون الكثيرة١"
الطبيعة هي الله عند الصوفية:
ثم قال: "وخلق منها زوجها [فما نكح سوى نفسه، فمنه الصاحبة والولد، والأمر واحد في العدد٢] ، فمن الطبيعة؟ ومن الظاهر منها؟ وما رأيناها نقصت بما ظهر منها، ولا زادت بعدم ما ظهر!! وما الذي ظهر غيرها؟ وما هي عين ما ظهر، لاختلاف الصور بالحكم عليها. فهذا بارد يابس، وهذا حار يابس، فجمع باليبس، وأبان بغير ذلك، والجامع الطبيعة [لا] ، بل العين الطبيعة، فعالم الطبيعة صور في مرآة واحدة، لا. بل صورة واحدة في [مرايا] مختلفة٣، فما ثم إلا حيرة، لتفرق النظر، ومن عرف ما قلناه لم يحر، وإن كان في مزيد علم، فليس إلا من حكم المحل، والمحل عين العين الثابتة، فيها يتنوع الحق في
стр. 69
المجلي، فتتنوع الأحكام عليه، فيقبل كل حكم، وما يحكم عليه إلا عين ما تجلى فيه, وما ثم١ إلا هذا, شعر:
فالحق خلق بهذا الوجه، فاعتبروا ... وليس خلقا بذاك الوجه فادكروا
من يدر ما قال، لم تخذل بصيرته ... وليس يدريه إلا من له بص
جمع٢، وفرق، فإن العين واحدة ... وهي الكثيرة، لا تبقي ولا تذر٣
دين ابن الفارض:
قلت: وهذا مراد ابن الفارض بقوله:
وجل في فنون الاتحاد، ولا تحد٤ ... إلى فئة في غيره العمر أفنت
فواحده الجم الغفير ومن عدا ... هـ شرذمة في غيره العمر أفنت
فمت بمعناه، وعش فيه، أو فمت ... معناه، واتبع أمة فيه أمت
فأنت بهذا المجد أجدر من أخي اجـ ... ـتهاد مجد عن رجاء وخيفة
فألغ الكنى عني ٥، ولا تلغ ألكنا ... بها، فهي من آثار صيغة صنعتي
стр. 70
وأي بلاد الله حلت بها، فما ... أراها وفي عيني حلت غير مكة
وأي مكان ضمها حرم، كذا ... أرى كل دار أوطئت١ دار هجرة
وما سكنته، فهو بيت مقدس ... بقرة عيني، فيه أحشاي قرت
ومسجدي الأقصى مساحب بردها ... وطيبي ثرى أرض عليها تمشت
وشكري لي، والبر مني واصل ... إلي, ونفسي باتحادي استبدت
وثم أمور تم لي كشف سترها ... بصحو مفيق عن سواي تغطت
بها لم يبح من لم يبح دمه، وفي الإشارة معنى ما العبارة حدت
وقلبي بيت فيه أسكن. دونه ... ظهور صفاتي عنه من حجيبتي
ومنها يميني فيّ ركن مقبل ... ومن قبلتي للحم في فيّ قبلتي
وحولي بالمعنى طوافي حقيقة ... [١٧] وسعي لوجهي من صفائي لمروتي٢
وفي حرم من باطني أمن ظاهري ... ومن حوله يخشى تخطف جيرتي٣
стр. 71
وشفع وجودي في شهودي ظل في اتحادي وترا في تيقظ غفوتي١
ولم أله باللاهوت عن حكم مظهري ... ولم أنس بالناسوت مظهر حكمتي
وقد جاءني مني رسول. عليه ما ... عنت، عزيز بي، حريص لرأفة٢
ومن عهد عهدي قبل عصر عناصري ... إلى دار بعث قبل إنذار بعثة
إليّ رسولا كنت مني مرسلا٣ ... وذاتي بآياتي عليّ استدلت
стр. 72
العبد عين الرب عند الصوفية:
ثم قال في فص كلمه علية في كلمة إسماعيلية: "والعبد١ من كان عند ربه مرضيا، وما ثم إلا من هو مرضي عند ربه؛ لأنه الذي يبقي عليه ربوبيته، فهو عنده مرضي فهو سعيد": ثم قال؛ شعر:
فأنت عبد, وأنت رب ... لمن له فيه أنت عبد
وأنت رب، وأنت عبد ... لمن له في الخطاب عهد
فكل عقد عليه شخص ... يحله من سواه عقد٢
فرضي الله عن عبيده، فهم مرضيون، ورضوا عنه، فهو مرضي، فتقابلت الحضرتان٣ تقابل الأمثال، والأمثال أضداد، لأن المثلين حقيقة لا يجتمعان, إذ لا يتميزان، وما ثم إلا متميز، فما ثم مثل٤، فما في الوجود مثل، فما في الوجود ضد، فإن الوجود حقيقة واحدة، والشيء لا يضاد نفسه.
стр. 73
فلم يبق إلا الحق، لم يبق كائن ... فما ثم موصول, ومن ثم بائن
بذا جاء برهان العيان، فما أرى ... بعيني إلا عينه إذا أعاين١
النار عين الجنة عند الصوفية:
ثم قال: "الثناء بصدق الوعد, لا بصدق الوعيد [والحضرة الإلهية تطلب الثناء المحمود بالذات، فيثني عليها بصدق الوعد، لا بصدق الوعيد، بل بالتجاوز] ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] لم يقل: ووعيده٢، بل قال: ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ ٣﴾ مع أنه توعد على ذلك، فأثنى على إسماعيل ﵊ بأنه كان صادق الوعد.
فلم يبق إلا صادق الوعد وحده ... وما لوعيد الحق عين تعاين
وإن دخلوا دار الشقاء، فإنهم ... على لذة فيها نعيم مباين
نعيم جنان الخلد٤ فالأمر واحد ... وبينها٥ عند التجلي تباين
يسمى عذابا من عذوبة لفظه ... وذاك لكالقشر، والقشر صائن٦
стр. 74
" مثل من تفسير ابن عربي للقرآن ":
ثم قال في نص حكمة نورية في كلمة يوسفية, بعد أن قرر أن الشيء قد يرى في خلاف ما هو عليه لبعد، أو ظلام ونحوه: "فما يعلم من العالم إلا قدر ما يعلم من الظلال، ويجهل من الحق على قدر ما يجهل من الشخص الذي كان عنه ذلك الظل، فما حيث هو ظل له يعلم، ومن حيث ما يجهل ما في ذات ذلك الظل من صورة شخص من امتد عنه يجهل من الحق، فلذلك نقول: إن [الحق] معلوم لنا من وجه, مجهول لنا من وجه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] أي: يكون فيه بالقوة. يقول: ما كان الحق ليتجلى للممكنات التي ما ظهر لها عين في الوجود ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٥] وهو اسمه النور [الذي قلنا، ويشهد له الحسن, فإن الظلال لا يكون لها عين بعدم النور] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٦] . وإنما قبضه إليه؛ لأنه
ظله، فمنه ظهر، وإليه يرجع الأمر كله، فهو هو لا غيره١.
"وجود الحق عين وجود الخلق عند الصوفية "
فكل ما تدركه فهو وجود الحق في أعيان الممكنات، فمن حيث هوية الحق
стр. 75
هو١ وجوده، ومن حيث اختلاف الصور فيه هو٢ أعيان الممكنات، فكما لا يزول عنه باختلاف الصور اسم الظل، كذلك لا يزول عنه [١٨] باختلاف الصور اسم العالم، أو اسم سوى الحق, فمن حيث أحدية كونه ظلا هو الحق؛ لأنه الواحد الأحد، ومن حيث كثرة الصور هو العالم, فتفطن، وتحقق ما أوضحته لك، فإذا كان الأمر على ما ذكرته لك، فالعالم متوهم٣ ما له وجود حقيقي، وهذا معنى الخيال, أي: خيل إليك أنه أمر زائد قائم بنفسه، خارج عن الحق، وليس كذلك في نفس الأمر، ألا تراه في الحس متصلا بالشخص الذي امتد عنه يستحيل [عليه] الانفكاك عن ذلك الاتصال، لأنه يستحيل على٤ الشيء الانفكاك عن ذاته٥".. وهذا وما شاكله من قوله -كما تقدم في الفص النوحي- مشيرا إلى تصحيح قول الكفار في القرآن: إنه سحر لا حقيقة له، إشارة تكاد أن تكون صريحة، وإلى مثل هذا المحال لوح ابن الفارض، والأمر فيه أوضح مما في الفصوص:
وها دحية وافى الأمين نبينا ... بصورته في بدء وحي النبوة
أجبريل قل لي كان دحية إذ بدا ... لمهدي الهدى في هيئة٦ بشرية؟
وفي علمه عن حاضريه مزية ... بماهية المرئي من غير مرية
يرى ملكا يوحي إليه، وغيره ... يرى رجلا يرعى لديه بصحبة