Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
(وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) أي: تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد.
أي: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم.
(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) أي: قد ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم.
• قال ابن كثير: أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم.
والبغضاء: البغض، وهو ضدّ الحُبِّ.
وخصّ تعالى الأفواه بالذِّكر دون الألسنة إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه.
• قال الآلوسي: قوله تعالى (قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم) أي ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم، وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعده ..
• وقال الرازي: قوله (قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم) إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان:
الأول: أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقته لطريق المخالصة في الود والنصيحة، ونظيره قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول).
стр. 1157
• وقد قيل: كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان.
(وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) أي: وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه.
• قال الفخر: يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد. أ
(قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) أي: وقد وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة ومعاداة المنافقين.
إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي: إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه.
• ثم ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول
(هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) أي: أنتم -أيها المؤمنون-تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهراً.
وقيل: تحبون لهم الإسلام وهم يحبون أن تبقوا على الكفر.
وقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة، وَلَا يُحِبُّونَكُمْ بسبب كونكم مسلمين.
وقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم.
وقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر.
واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين.
(وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة.
• قال الرازي: في الآية إضمار، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر.
• قال القرطبي: والكتاب اسم جنس؛ قال ابن عباس: يعنى بالكُتُب.
стр. 1158
واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ).
(وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا) وهذا شأن المنافقين يُظْهِرون للمؤمنين الإيمانَ والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه.
(وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) الأنامل أطراف الأصابع.، وذلك أشد الغيظ والحنق.
• قال ابن عاشور: وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر، والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام.
والمعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظاً وإن لم يكن هناك عض، قال المفسرون: وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم.
(قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) أ ي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم.
• قال الرازي: وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي.
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (قل موتوا بغيظكم) كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم).
والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول: فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال.
стр. 1159
• قال القرطبي: إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن فيكون.
قيل عنه جوابان:
أحدهما: قال فيه الطبريّ وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم، أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا.
فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مُوَاجهةً وغيرَ مواجهة بخلاف اللّعْنَة.
الثاني: أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك، فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقْرِيع والإغَاظَة.
(إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
(إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة -أي: جَدْب-أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك.
• قال ابن عطية: ذكر الله تعالى المس في الحسنة ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك في السيئة بلفظ الإصابة، وهي عبارة عن التمكن.
لأن الشيء المصيب لشيء هو متمكن منه، أو فيه، فدل هذا النوع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند نزول الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين.
• قال في التفسير الوسيط: فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خير، ويشمتون بهم عند ما ينزل بهم شر.
وعبر في جانب الحسنة بالمس، وفي جانب السيئة بالإصابة، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم، بحيث إن أي حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا وليس غامرا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلاً.
• وقيل: والتعبير هنا بالمسّ مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن في التعبير، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) وقوله سبحانه (إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً).
• قال القرطبي: والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدّة العداوة والحِقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لا سِيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة؛ ولقد أحسن القائل في قوله:
كلّ العداوةِ قد تُرجَى إفاقتُها … إلاّ عداوة مَن عاداك مِنْ حسدِ.
стр. 1160
• قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين:
(وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل
على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.
• قال ابن عاشور: أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ: بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله (لا يَضِركم كيدهم شيئاً) أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً، وفي الحديث (لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم).
• وقال النسفي: وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى.
وقال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
стр. 1161
(إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) تهديد للكافرين.
• قال الطبري: إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله، والعداوة لأهل دينه، وغير ذلك من معاصي الله "محيط" بجميعه، حافظ له، لا يعزب عنه شيء منه، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله، ويذيقهم عقوبته عليه.
الفوائد:
١ - تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا.
٢ - أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان.
٣ - أن أعداءنا يودون لنا ما يشق علينا.
٤ - بغض الكفار للمؤمنين.
٥ - أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدو.
٦ - بيان علم الله بما في القلوب.
٧ - وجوب الإيمان بجميع الكتب.
٨ - أن العبرة بالأفعال لا بالأقوال.
٩ - قوة المسلم أمام الأعداء.
١٠ - إثبات علم الله لما في القلوب.
١١ - بيان شدة عداوة الكفار للمؤمنين، لأنهم يسؤهم فرحك، ويفرحهم هزيمتك.
стр. 1162
(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)) [آل عمران: ١٢١ - ١٢٢].
(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ) أي: واذكر يا محمد حين خرجت إلى أحد من عند أهلك، أي: من المنزل الذي فيه أهلك.
(تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) أي: تنزّل المؤمنين أماكنهم لقتال عدوهم، وتجعلهم ميْمنة وميسرة حيث أمرتهم.
• وأصل التبوء اتخاذ المنزل، يقال بوّأته منزلاً: إذا أسكنته إياه.
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) أي: لما تقولون.
(عَلِيمٌ) بضمائركم.
• قال ابن كثير: المرادُ بهذه الوقعة يوم أُحُد عند الجمهور، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وغير واحد. وعن الحسن
البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير، وهو غريب لا يُعَوَّل عليه.
وكانت وقعةُ أحد يومَ السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة.
• قال ابن عاشور: ومناسبة ذكر هذه الوقعة عقب ما تقدّم أنَّها من أوضح مظاهر كيد المخالفين في الدّين، المنافقين، ولمَّا كان شأن المنافقين من اليهود وأهل يثرب واحداً، ودخيلتهما سواء، وكانوا يعملون على ما تدبّره اليهود، جمع الله مكائد الفريقين بذكر غزوة أحُد، وكان نزول هذه السورة عقب غزوة أحُد كما تقدّم.
(إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا) بَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، وَاللَّهُ يَقُولُ (وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا) رواه البخاري.
• والهمّ من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبد الله بن أبيّ بمن معه من المنافقين فحفظ الله قلوب المؤمنين فلم يرجعوا وذلك قوله (والله وليهما).
فصورة الفشل: أنهما همتا أن ينصرفا عن رسول الله ﷺ بعد أن تسرب إليهما بعض الجبن والخور، لكن الله ثبتهما.
стр. 1163
(وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: على الله لا على غيره فليتعمد أهل الإيمان.
والآية دليل على وجوب التوكل.
قال تعالى (وعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
وقال تعالى (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
وقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).
وقال تعالى (تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً).
وقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وقال تعالى (فاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).
وقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً).
وقال ﷺ عن ربه في الحديث القدسي (يقول تعالى: يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، وكلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ عن هذا الحديث الشريف: فيه وجوب التوكل على الله في الرزق المتضمن جلب المنفعة؛ كالطعام، ودفع المضرة كاللباس، وأنه لا يقدر غير الله على الإطعام والكسوة قدرة مطلقة، وأنه سبب لدخول الجنة.
وللتوكل فضائل:
أولاً: أهل التوكل هم أهل محبة الله .
قال تعالى (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين).
ثانياً: التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه.
قال تعالى عن نوح (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ)
وقال تعالى عن هود: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).
стр. 1164
ثالثاً: أهل التوكل هم أهل الإيمان.
قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
وقال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي: وعلى الله وحده فليعتمد ولْيثق المؤمنون.
قال ابن القيم: فجعل التوكل شرطاً في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه، وكلما قوي توكل العبد كان إيمانه أقوى، وإذا
ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفاً كان دليلاً على ضعف الإيمان ولا بد.
رابعاً: أهل التوكل هم أهل الجنة.
قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ. الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِم).
وكما في حديث الباب.
وقال ﷺ (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). رواه مسلم
حكى النووي في هذا الحديث: أن المراد بهؤلاء القوم هم المتوكلون.
خامساً: التوكل على الله مجلبة للرزق.
عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً). رواه الترمذي
سادساً: المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.
قال تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
سابعاً: المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.
قال تعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ).
قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من جنسه، وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته لعبده، فقال (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، ولم يقل: نؤته كذا وكذا من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، وحسبه وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله وكادته السموات والأرض ومن فيهن لجعل له مخرجاً، وكفاه ونصره. (بدائع الفوائد).
стр. 1165
ثامناً: أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.
قال تعالى (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
قال في الإحياء: أي عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إلى زمامه وحماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير أمر من توكل على تدبيره.
تاسعاً: لا توكل بدون إيمان.
قال تعالى (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين).
وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
• من أقوال السالف:
قال شيخ الإسلام: وما رجا أحدٌ مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك، قال تعالى (ومن يشرك بالله فكأنما خرَّ من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق).
وقال: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله.
وقال بعض العارفين: المتوكل كالطفل لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.
وقال ابن القيم ﵀: ولو توكل العبد على الله حق توكله في إزالة جبل عن مكانه، وكان مأموراً بإزالته لأزاله.
قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك في التوكل؟ قال: على خصال أربعة:
علمت أن رزقي لا يأكله غيري … فاطمأنت به نفسي.
وعلمت أن عملي لا يعمله غيري … فأنا مشغول به.
وعلمت أن الموت يأتي بغتة … فأنا أبادره.
وعلمت أني لا أخلو من عين الله … فأنا مستحيٍ منه.
стр. 1166
قال بعض العلماء لا تتكلن على غير الله فيكلك الله إلى من اتكلت عليه.
قال منصور بن عمار: قلوب المتوكلين أوعية الرضا.
وقال بعضهم: علامة التوكل انقطاع المطامع: أي في الخلق والأسباب.
وقال أخر: التوكل إسقاط رؤية الوسائط والتعلق بأعلى العلائق.
الفوائد:
١ - حسن تدبير الرسول ﷺ في الحرب.
٢ - أنه ينبغي للقائد أن يبوئ أمكنة المقاتلين ويعرّف كل واحد منهم مكانه وعمله.
٣ - إثبات هذين الاسمين وهما: السميع والعليم.
٤ - أن الله سبحانه قد يلطف بالمؤمن حتى يثبته.
٥ - منّة الله على هاتين الطائفتين.
٦ - وجوب التوكل على الله.
٧ - أنه إذا قوي الإيمان قوي التوكل على الله.
стр. 1167
(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)). [آل عمران: ١٢٣].
(وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) أي: يوم بدر.
• قال ابن كثير: وكان في جمعة وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغَ فيه الشرك وخرَّب محِله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً فيهم فرسان وسبعُون بعِيراً، والباقون مُشاة، ليس معهم من العَدَد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبَيض، والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله، وأظهر وحيه وتنزيله، وبَيَّضَ وَجْه النبي وقبيله، وأخْزى الشيطان وجيله.
(وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدَد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) وصف الله المؤمنين في هذه الآية بكونهم أذلة حال نصره لهم ببدر، وقد جاء في آية أخرى وصفه تعالى لهم بأن لهم العزة، وهي قوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) ولا يخفى ما بين العزة والذلة من التنافي والتضاد.
والجواب ظاهر: وهو أنّ معنى وصفهم بالذلة هو قلة عَددهم وعُددهم يوم بدر، وقوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) نزل في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، وذلك بعد أن قويت شوكة المسلمين، وكثر عَددهم، مع أن العزة والذلة يمكن الجمع بينهما باعتبار آخر، وهو أن الذلة باعتبار حال المسلمين من قلة العَدد والعُدد، والعزة باعتبار نصر الله وتأييده، كما يشير إلى هذا قوله تعالى (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ).
وقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ)، فإنّ زمن الحال هو زمن عاملها، فزمان النصر هو زمان كونهم أذلة، فظهر أنّ وصف الذلة باعتبار، ووصف العزة والنصر باعتبار آخر، فانفكت الجهة، والعلم عند الله.
стр. 1168
• قال الرازي: قوله تعالى (وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) في موضع الحال، وإنما كانوا أذلة لوجوه:
الأول: أنه تعالى قال (وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) فلا بد من تفسير هذا الذل بمعنى لا ينافي مدلول هذه الآية، وذلك هو تفسيره
بقلة العدد وضعف الحال، وقلة السلاح والمال، وعدم القدرة على مقاومة العدو، ومعنى الذل الضعف عن المقاومة ونقيضه العز وهو القوة والغلبة، روي أن المسلمين كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، وما كان فيهم إلا فرس واحد، وأكثرهم كانوا رجالة، وربما كان الجمع منهم يركب جملاً واحداً، والكفار قريبين من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس مع الأسلحة الكثيرة والعدة الكاملة.
الثاني: لعل المراد أنهم كانوا أذلة في زعم المشركين واعتقادهم، لأجل قلة عددهم وسلاحهم، وهو مثل ما حكى الله عن الكفار أنهم قالوا (لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل).
• وقال القرطبي: (أذِلة) جمع ذليل، واسم الذل في هذا الموضع مستعار، ولم يكونوا في أنفسهم إلاَّ أعِزّة، ولكن نسبتهم إلى عدوّهم وإلى جميع الكفار في أقطار الأرض تقتضي عند التأمل ذِلّتهم وأنهم يُغلبون.
(فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: بهذا النصر الذي نصركم الله يجب عليكم أن تتقوا الله.
والتقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (لعل) هنا للتعليل، أي: لأجل أن تشكروا الله الذي أنعم عليكم بنصره.
الفوائد:
١ - امتنان الله على رسوله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر.
٢ - أن النصر بيد الله.
٣ - وجوب الاعتماد على الله بالنصر على الأعداء.
٤ - أن النصر لا يكون بكثرة العَدَد ولا بقوة العُدَد بل هو من عند الله.
٥ - أن مَن منّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجباً لتقوى الله.
٦ - أن تقوى الله من الشكر لله.
стр. 1169
(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَل آئِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)). [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٦].
(إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ) أي: إذ تقول يا محمد لأصحابك أما يكفيكم أن يعينكم الله بإمداده لكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين.
• قال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بَدْر أو يوم أُحُد؟ على قولين:
أحدهما: أن قوله: (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) متعلق بقوله (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ) ورُوي هذا عن الحسن البصري، وعامر الشعبي، والرَّبِيع بن أنس، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
قال الرازي: وهو قول أكثر المفسرين، أي: أن ذلك يوم بدر.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية -على هذا القول-وبين قوله تعالى في قصة بدر (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)
فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: (مُردِفِينَ) بمعنى يَرْدَفُهم غيرُهم ويَتْبَعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم، قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة: أمد الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف.
القول الثاني: أن هذا الوعد متَعَلق بقوله (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ) وذلك يوم أحُد.
وهو قول مجاهد، وعِكْرِمة، والضَّحَّاك، والزهري، وموسى بن عُقبة وغيرهم، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف؛ لأن المسلمين فرّوا يومئذ -زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف؛ لقوله (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد. (تفسير ابن كثير).
стр. 1170
• قال الرازي: والحجة عليه من وجوه:
الحجة الأولى: أن يوم بدر إنما أمد رسول الله ﷺ بألف من الملائكة قال تعالى في سورة الأنفال (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فاستجاب لَكُمْ إِنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ الملائكة) فكيف يليق ما ذكر فيه ثلاثة آلاف وخمسة آلاف بيوم بدر.
الحجة الثانية: أنه تعالى قال في هذه الآية (وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاف من الملائكة مُسَومين) والمراد ويأتوكم أعداؤكم من فورهم، ويوم أحد هو اليوم الذي كان يأتيهم الأعداء، فأما يوم بدر فالأعداء ما أتوهم، بل هم ذهبوا إلى الأعداء.
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيَكم أن يُمدَّكُم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة) الآية، هذه الآية تدل على أنّ المدد يوم بدر من الملائكة من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف، وقد ذكر تعالى في سورة الأنفال أنّ هذا المدد ألف بقوله (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ).
والجواب عن هذا من وجهين:
الأول: أنه وعدهم بألف ثم صارت ثلاثة آلاف ثم صارت خمسة كما في هذه الآية.
الثاني: أن آية الأنفال لم تقتصر على الألف، بل أشارت إلى الزيادة المذكورة في آل عمران، ولا سيما في قراءة نافع (بألف من الملائكة مردَفين) بفتح الدال على صيغة اسم المفعول، لأن معنى (مردفين): متبوعين بغيرهم، وهذا هو الحق، وأما على قول من قال: إن المدد المذكور في آل عمران في يوم أحد، والمذكور في الأنفال في يوم بدر، فلا إشكال على قوله، إلا أن غزوة أحد لم يأت فيها مدد الملائكة. والجواب: أن إتيان المدد فيها على القول به مشروط بالصبر والتقوى في قوله (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم) الآية، ولمّا لم يصبروا ولم يتقوا لم يأت المدد، وهذا قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم، قاله بن كثير.
(بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا) يعني: تصبروا على مُصَابرة عَدُوّكم.
(وَتَتَّقُوا) وتتقوني وتطيعوا أمري.
كما قال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
وقال تعالى (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
стр. 1171
وقال تعالى (قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
قال ابن تيمية: فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة، فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور.
قال ابن تيمية: فبين أنه مع الصبر والتقوى يمدهم بالملائكة وينصرهم على أعدائهم الذين يقاتلونهم.
وقال ﵀: في قوله تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) فبين سبحانه أنه مع التقوى والصبر لا يضر المؤمنين كيد أعدائهم المنافقين.
(وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا) أي: من وجههم هذا، وقال مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العَوْفيّ عن ابن عباس: من سفرهم هذا.
(يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ) أي: معلّمين بالسيما، أي: بعلامات القتال.
(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ) أي: نزول الملائكة.
(إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ) أي: بشارة لكم.
(وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ) أي: وتطييباً لقلوبكم وتطميناً.
• قال الفخر: أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار، قال ابن عباس ﵄: لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون، وهذا قول الأكثرين.
• وقال القرطبي: وتظاهرت الروايات بأنّ الملائكة حضرت يوم بَدر وقاتلت.
• بعض النصوص على شهود الملائكة لغزوة بدر ومباشرتها للقتال.
قال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).
стр. 1172
وقال تعالى (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) وهذا في يوم بدر.
عن رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ. قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ (مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْراً مِنَ الْمَلَائِكَةِ) رواه البخاري.
(وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) أي: وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال (ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ)، ولهذا قال هاهنا (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) أي: هو ذو العزة التي لا تُرام، والحكمة في قَدره والإحكام.
• قال القرطبي: نزول الملائكةِ سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى، وإنما يحتاج إليه المخلوق فلْيَعْلَق القلب بالله ولْيَثِق به، فهو الناصر بسبب وبغير سبب (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ).
لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلقُ ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً)، ولا يَقْدَح ذلك في التوَكُّل.
وهو ردّ على من قال: إن الأسباب إنما سُنّت في حق الضعفاء لا للأقوياء؛ فإنّ النبيّ ﷺ وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء؛ وهذا واضِحٌ.
• قال ابن عاشور: وجملة (وما النصر إلا من عند الله) تذييل أي كلّ نصر هو من الله لا من الملائكة.
وإجراء وصفي العزيز الحكيم هنا لأنَّهما أولى بالذكر في هذا المقام، لأنّ العزيز ينصر من يريد نصره، والحكيم يعلم من يستحق نصره وكيف يُعطاه.
• وقال أبو حيان: قوله تعالى (وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) حصر كينونة النصر في جهته، لا أنَّ ذلك يكون من تكثير المقاتلة، ولا من إمداد الملائكة.
وذكر الإمداد بالملائكة تقوية لرجاء النصر لهم، وتثبيتاً لقلوبهم.
стр. 1173
وذكر وصف العزة وهو الوصف الدال على الغلبة، ووصف الحكمة وهو الوصف الدال على وضع الأشياء مواضعها من: نصرٍ وخذلان وغير ذلك.
• وقال السعدي: وفي هذا أن الأسباب لا يعتمد عليها العبد، بل يعتمد على الله، وإنما الأسباب وتوفرها فيها طمأنينة للقلوب وثبات على الخير.
الفوائد:
١ - ما كان عليه النبي ﷺ من إدخال الأمل في قلوب أصحابه.
٢ - إثبات الربوبية الخاصة.
٣ - أن موطن الملائكة السماء.
٤ - إثبات الملائكة.
٥ - أن الصبر والتقوى سبب للنصر.
٦ - أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة.
٧ - أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته.
٨ - يجب على المرء - مع فعل الأسباب - أن يعتمد على ربه، وأن يؤمل النصر منه.
٩ - أن النصر والهزيمة تكون على مقتضى حكمة الله.
١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.
١١ - أن من أراد العزة فليطلبها من العزيز القدير.
١٢ - الاطمئنان لأحكام الله الشرعية والقدرية، لأنها كلها صادرة عن حكمة.
стр. 1174
(لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)). [آل عمران: ١٢٧ - ١٢٨].
(لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: أمركم بالجهاد والجلاد، لما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين. فقال: (لِيَقْطَعَ طَرَفًا) أي: ليهلك أمة (مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فاللام للتعليل، قيل متعلق بقوله (ولقد نصركم الله ببدر) وقيل: متعلق بقوله (وما النصر إلا من عند الله) وقيل: متعلق بمحذوف تقديره: فعل ذلك ليقطع طرفاً.
(أَوْ يَكْبِتَهُمْ) أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لَمّا لم ينالوا منكم ما أرادوا؛ ولهذا قال (أَوْ يَكْبِتَهُمْ).
(فَيَنْقَلِبُوا) أي: يرجعوا.
(خَائِبِينَ) أي: لم يحصلوا على ما أمَّلُوا.
قال قتادة: فقطع الله يوم بدر طرفاً من الكفار، وقتل صناديدهم.
• قال ابن عاشور: وقد استقرى أحوال الهزيمة فإنّ فريقاً قتلوا فقطع بهم طرف من الكافرين، وفريقاً كبتُوا وانقلبوا خائبين، وفريقاً مَنَّ الله عليهم بالإسلام، فأسلموا، وفريقاً عُذّبوا بالموت على الكفر بعد ذلك، أو عذبوا في الدنيا بالذلّ، والصغار، والأسر، والمَنّ عليهم يوم الفتح، بعد أخذ بلدهم و"أو" بين هذه الأفعال للتقسيم.
وهذا القطع والكبت قد مضيا يوم بدر قبل نزول هذه الآية بنحو سنتين، فالتَّعبير عنهما بصيغة المضارع لقصد استحضار الحالة العجيبة في ذلك النصر المبين العزيز النظير.
(لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ) أي: بل الأمر كلّه إلي.
كما قال (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
وقال (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
وقال (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
(أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي: مما هم فيه من الكفر ويهديهم بعد الضلالة.
(أَوْ يُعَذِّبَهُمْ) أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم؛ ولهذا قال:
(فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) أي: يستحقون ذلك.
стр. 1175
وهذه الآية لها سبب نزول:
عن ابن عمر. (أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلانًا وفُلانًا" بعد ما يقول: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ) إلى قوله (فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ) رواه البخاري
وعن أنس بن مالك (أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في رأسه، فجعل يسلت الدم عنه ويقول: كَيْفَ يُفْلِحُ قُوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُم؟ فأنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ)) رواه مسلم.
وروى الترمذي عن ابن عمر قال: وكان النبيّ ﷺ يدعو على أربعة نفر فأنزل الله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ) فهداهم الله للإسلام.
• قال القرطبي: قال علماؤنا: قوله ﵇ (كيف يفلح قوم شجوا رأس نبيهم) استبعاد لِتوفيق مَن فَعل ذلك به.
وقوله تعالى (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ) تقريب لما استبعده وإطماع في إسلامهم، ولما أُطْمع في ذلك قال ﷺ (اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبِياً من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
стр. 1176
قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول ﵇، وهو المحكي عنه؛ بدليل ما قد جاء صريحاً مبَيِّناً، أنه ﵇ لما كُسرت رَباعيته وشُجّ وجهه يوم أحُد شقّ ذلك على أصحابه شقّاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهما فقال (إني لم أبعث لَعّاناً ولكني بعثت داعِياً ورحمة، اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) فكأنه ﵇ أوحي إليه بذلك قبل وقوع قضية أحُد، ولم يعيّن له ذلك النّبيّ؛ فلما وقع له ذلك تَعيَّن أنه المعنيُّ بذلك بدليل ما ذكرنا.
ويُبيِّنه أيضاً ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله! لقد دعا نوح على قومه فقال: (رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً) الآية، ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا؛ فقد وُطِئ ظهرك وأدْمي وجهك وكُسِرت ربَاعيتك فأبيت أن تقول إلاَّ خيراً، فقلت (رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
الفوائد:
١ - إثبات الحكمة لله تعالى في أفعاله وتشريعاته.
٢ - أن الله يسلط المؤمنين على الكافرين ليقطع طرفاً منهم.
٣ - أهمية الجهاد في سبيل الله.
٤ - بيان الحكمة من قتال الكفار.
٥ - أن النبي ﷺ لا يملك شيئاً من الأمر الكوني.
٦ - الرد على الذين يتعلقون بالرسول ﷺ في الدعاء والاستغاثة.
٧ - أن النبي ﷺ مكلف، يأمره الله وينهاه.
٨ - أن الله قد يتوب على بعض الكفار.
٩ - أن الله لا يعذب إلا بذنب.
стр. 1177
(وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٢٩)). [آل عمران: ١٢٩].
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً. (تقدم تفسيرها [١٠٩]).
• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.
• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
• وقال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً.
• وقال الرازي: إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْء) والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك، وملك السموات والأرض وليس إلا لله تعالى فالأمر في السموات والأرض ليس إلا لله، وهذا برهان قاطع.
• قوله تعالى (السَّمَاوَاتِ) هذا جمع، وقد صرح الله في القرآن بأن السموات سبع كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً).
• قوله تعالى (والأرض) جاء في القرآن التلميح بأنها سبع في قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي في العدد، وجاءت في السنة التصريح بأنها سبع في قوله ﷺ (من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أراضين) متفق عليه.
(يَغْفِرُ) برحمته.
(لِمَنْ يَشَاءُ) من العصاة.
المغفرة: هي ستر الذنب والتجاوز عنه، فالله تعالى يغفر لمن يشاء من عباده، وهذه الآية مقيدة بالحكمة، أي: من اقتضت حكمته أن يغفر له غفر له، لأن جميع أفعال الله لحكمة، لأن الفعل لغير حكمة نقص وعبث والله منزه عن كل نقص وعبث.
وأيضاً مقيدة بما عدا الشرك، فإن الله يقول (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
(وَيُعَذِّبُ) بعدله.
(مَنْ يَشَاءُ) من عباده.
стр. 1178
يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ) غفور لما صدر من عباده من الذنوب، والإحلال بالآداب.
والغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه -أي ستره ورحمته- فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم). رواه البخاري ومسلم
ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.
• فهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك وسع لمغفرة).
وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى).
بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
стр. 1179
(رَحِيمٌ) اسم من أسماء الله، متضمن لصفة الرحمة لله الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).
فالله رحيم بعباده حيث لم يعاجلهم بذنوبهم بالعقوبات والميلات.
• قال أبو حيان: قوله تعالى (والله غفور رحيم) في هذه الجملة ترجيح لجهة الإحسان والإنعام.
الفوائد:
١ - بيان عموم ملك الله .
٢ - الرضا بقضاء الله وقدره وعدم الاعتراض، لأن كل ما في السماوات والأرض ملك له.
٣ - إثبات أن السماوات متعددة.
٤ - إثبات المغفرة لله لقوله (يغفر) وإثبات التعذيب لقوله (يعذب)، ويتفرع لهاتين الفائدتين إثبات تمام سلطانه في ملكه.
٥ - إثبات المشيئة لله لقوله (لمن يشاء) وقوله (ويعذب من يشاء).
٦ - إثبات الاسمين الكريمين من أسماء الله وهما (الغفور الرحيم) وإثبات ما تضمنتاه من صفة وهي المغفرة والرحمة.
стр. 1180
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠)). [آل عمران: ١٣٠].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً) يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة، كما كانوا يقولون في الجاهلية -إذا حَلّ أجل الدين: إما أن يَقْضِي وإمّا أن يُرْبِي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخَر في القَدْر، وهكذا كلّ عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفاً.
• قال الرازي: كان الرجل في الجاهلية إذا كان له على إنسان مائة درهم إلى أجل، فإذا جاء الأجل ولم يكن المديون واجداً لذلك المال قال زد في المال حتى أزيد في الأجل فربما جعله مائتين، ثم إذا حل الأجل الثاني فعل ذلك، ثم إلى آجال كثيرة، فيأخذ بسبب تلك المائة أضعافها فهذا هو المراد من قوله (أضعافا مضاعفة).
• وقال ابن عطية: قوله تعالى (أضعافاً) نصب في موضع الحال، ومعناه: الربا الذي كانت العرب تضعف فيه الدين، فكان الطالب يقول: أتقضي أم تربي؟ وقوله (مضاعفة) إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، كما كانوا يصنعون، فدلت هذه العبارة المؤكدة على شنعة فعلهم وقبحه، ولذلك ذكرت حال التضعيف خاصة، وقد حرم الله جميع أنواع الربا، فهذا هو مفهوم الخطاب إذ المسكوت عنه من الربا في حكم المذكور، وأيضاً فإن الربا يدخل جميع أنواعه التضعيف والزيادة على وجوه مختلفة من العين أو من التأخير ونحوه.
• قال الشوكاني: قوله تعالى (أضعافا مضاعفة) ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريم الربا على كل حال، ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا، فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقداراً يتراضون عليه، ثم يزيدون في أجل الدّين، فكانوا يفعلون ذلك مرّة بعد مرّة حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء؛ وأضعافاً حال، ومضاعفة نعت له.
• وقال الشيخ ابن عثيمين: الصحيح أن هذا القيد لا مفهوم له، لأن هذا بناء على الواقع الغالب، وما كان كذلك فإنه لا مفهوم له.
• قال القرطبي: وإنما خص الربا من بين سائر المعاصي؛ لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ) والحرب يؤذِن بالقتل؛ فكأنه يقول: إِن لم تتقوا الربا هُزِمتم وقُتلتم.
فأمرهم بترك الربا؛ لأنه كان معمولاً به عندهم، والله أعلم.
• قوله تعالى (لا تأكلوا) خص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال (الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل).
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: احذروا عقابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ومن ذلك اجتناب الربا بجميع أشكاله.
(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: لأجل أن تفلحوا، وتفوزوا وتحصلوا على المطلوب، وهي الجنة غاية المطالب، وتنجو من المرهوب وهي النار.
стр. 1181
فالفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
فتقوى الله سبب للفلاح (وقد تقدم فضائل وثمرات التقوى).
• قال الشنقيطي: (لعل) تأتي في القرآن بمعنيين، قال بعض العلماء: هي على الترجي، ولكن الترجي بحسب ما يظهر للناس، أما الله فهو عالم بما كان فلا يصدق عليه الترجي كقوله لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) أي: على رجائِكما وعلم بني آدم القاصر، أما الله فهو عالم أنه لا يذكر ولا يخشى.
الثاني: ما قاله بعض العلماء: إن كل (لعل) في القرآن مشتملّة معنى التعليل بمعنى (لأجل) وعليه فـ (لعلكم تذكرون)، لأجل أن تتذكروا وتتعظوا بآياتنا وغرائب صنعنا وعجائبنا.
الفوائد:
١ - تحريم الربا.
٢ - تحريم الربا الجاهلي.
٣ - تعظيم شأن الربا وخطره.
٤ - أن اجتناب الربا من مقتضيات الإيمان.
٥ - أن أكل الربا منقص للإيمان.
стр. 1182
(وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)). [آل عمران: ١٣١].
(وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي فخافوا النار واتقوها واحذروها فإنها دار الكافرين، واجعلوا بينكم وبين عذابها وقاية، والوقاية من النار تكون بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.
• وقد أمر الله باتقائها في آيات كثيرة:
فقال تعالى (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
وقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى).
وقال تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ. نذيراً للبشر) قال الحسن البصري: والله ما أُنذر العباد بشيء قط أدهى منها.
وقال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه.
واتقاء النار يكون: بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.
• قوله تعالى (فاتقوا النار) ينبغي على المسلم أن يحذر من النار وأن يتقيها كما أمر الله .
فقد أمر الله باتقائها كما في هذه الآية.
وأمر ﷺ بالاستعاذة منها. كما قال ﷺ (استعيذوا بالله من عذاب جهنم) متفق عليه.
وكان ﷺ يقول في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) متفق عليه.
ومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً)
стр. 1183
• هناك أعمال تنجي من النار منها:
أولاً: الإيمان بالله.
قال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).
ثانياً: الصيام.
قال ﷺ (الصيام جُنة يستجن به من النار) رواه أحمد.
وقال ﷺ (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.
ثالثاً: البكاء من خشية الله.
قال ﷺ (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.
رابعاً: الاستجارة بالله من النار.
كما قال ﷺ (ما سأل أحد الله ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني) رواه الترمذي.
• وفي هذه الآية دليل على أن النار مخلوقة رداً على الجَهْمِية؛ لأن المعدوم لا يكون مُعَداً، وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، والأدلة على ذلك كثيرة جداً.
قال تعالى في الجنة (أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى في النار (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ومعنى أعدت: هيئت.
وعن أنس. قال: قال رسول الله ﷺ (وأيم الذي نفسي بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً؟ قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) متفق عليه.
ومنها حديث الكسوف وفيه ( … إني رأيت الجنة فتناولت عنقوداً لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع … ) متفق عليه.
стр. 1184
وعن عبد الله بن عمر. أن رسول الله ﷺ قال (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) متفق عليه.
وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها، … فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها … الحديث). رواه أبو داود
وفي حديث البراء الطويل في عذاب القبر وفيه ( … أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من طيبها ويفسح له في قبره مد بصره) رواه أبو داود.
وعن أسامة قال: قال رسول الله ﷺ (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) متفق عليه.
والأدلة كثيرة أكتفي بذكر ما مضى.
الفوائد:
١ - إثبات النار.
٢ - وجوب اتقاء النار.
٣ - أن أهل النار هم الكافرون.
стр. 1185
(وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)). [آل عمران: ١٣٢].
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) أي: أطيعوا الله والرسول فيما يأمركم به وينهاكم عنه، فإن طاعة الرسول طاعة الله قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).
• والطاعة: موافقة الأمر، فعلاً للمأمور، وتركاً للمحظور.
• والمراد بالرسول: محمد ﷺ ، لأن الخطاب موجه لهذه الأمة.
(لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) أي: لأجل أن ترحمون، ف (لعل) هنا للتعليل.
• فطاعة الله وطاعة رسوله سبب للرحمة، التي بها حصول المطلوب وزوال المكروه.
• فضائل طاعة الله ورسوله:
أولاً: سبب للرحمة.
قال تعالى (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
ثانياً: مع الذين أنعم الله عليهم.
قال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ).
ثالثاً: سبب للحياة الحقيقية.
قال تعالى (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ).
رابعاً: سبب للهداية.
قال تعالى (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
الفوائد:
١ - وجوب طاعة الله ورسوله.
٢ - أن طاعة الله ورسوله سبب للرحمة.
الأحد ٨/ ١٠/ ١٤٣٣ هـ
стр. 1186
(وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)). [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
(وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) أي: إلى أسبابهما من الأعمال الصالحة.
• قال ابن الجوزي: ومعنى الآية: بادروا إلى ما يوجب المغفرة.
• وقال الرازي: في الكلام حذف والمعنى: وسارعوا إلى ما يوجب مغفرة من ربكم ولا شك أن الموجب للمغفرة ليس إلا فعل المأمورات وترك المنهيات، فكان هذا أمراً بالمسارعة إلى فعل المأمورات وترك المنهيات.
وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية.
(وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) تقديره كعرض فحذف المضاف؛ كقوله (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ) أي إِلا كخلق نفس واحدة وبعثها، ونظيره في سورة الحديد (وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض). (تفسير القرطبي).
قال ابن كثير: وقد قيل: إن معنى قوله (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ) تنبيها على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة (بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) أي: فما ظنك بالظهائر؟
وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المُقَبَّب والمستدير عَرْضُه كطوله، وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح (إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الجنة فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَن)
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) الآية.
• قال القرطبي: قوله تعالى (عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) واختلف العلماء في تأويله؛ فقال ابن عباس: تُقرن السموات والأرض بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض؛ فذلك عرض الجنة، ولا يعلم طولها إلا الله.
وهذا قول الجمهور، وذلك لا ينكر؛ فإن في حديث أبي ذرّ عن النبي ﷺ (ما السموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاةٍ من الأرض وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض) فهذه مخلوقات أعظم بكثير جداً من السموات والأرض، وقدرة الله أعظم من ذلك كله.
стр. 1187
• معنى المسارعة إلى الخيرات:
هي المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو تأخيرها.
قال القرطبي في قوله تعالى (ويسارعون في الخيرات) التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم وقيل يبادرون بالعمل قبل الفوت.
وقال السعدي: والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها.
فضائل المسارعة إلى الخيرات:
أولاً: أنها استجابة لله ورسوله.
قال تعالى (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).
وقال تعالى (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم).
وقال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً).
стр. 1188
وقال تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون).
وقال ﷺ (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) رواه مسلم.
وقال ﷺ (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم
وقال ﷺ (التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ).
ثانياً: أن الله مدح المسارعين بالخيرات وبين أن عاقبتهم الفلاح في الدنيا والنعيم الذي لا يزول في الآخرة.
فقال تعالى في مدح أهل الكتاب الذين يتبعون آيات الله والمسارعين بالخيرات (يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِين).
ثالثاً: أن المسارعة في الخيرات من أسباب استجابة الدعاء.
قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
رابعاً: أن المسارعة في الخيرات من صفات الموحدين الذين هم من خشية ربهم مشفقون.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُون).
وقال تعالى بعد ذكره للعديد من الأنبياء (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ).
خامساً: أنها دليل على علو الهمة.
قال تعالى (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ).
وقال تعالى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ).
وقال ﷺ (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس) رواه البخاري.
стр. 1189
سادساً: الدخول إلى الجنة:
قال تعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ).
السابقون في الدنيا إلى الخيرات سبقوا في الآخرة إلى الجنات فإن السبق هناك على قدر السبق هنا.
• قود كان الرسول ﷺ صحابته يبادرون للخيرات:
فقد ثبت في البخاري عن عقبة بن الحارث قال (صليتُ وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى
بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرت شيئاً من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) [التبر: قطع ذهب أو فضة].
وعن ربيعة بن كعب قال (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ «وَمَا ذَاكَ». قَالُوا يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونُ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». قَالَ أَبُو صَالِحٍ فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رواه مسلم.
стр. 1190
قال ابن القيم: … كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضاً، وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض).
وعن عبد الله بن عمرو (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط) رواه أبوداود.
• ومن المسارعة إلى الخيرات التأسف على فواتها، ومن الأمثلة على ذلك:
أولاً: ما جاء في الحديث السابق: حيث كان الفقراء يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم.
ثانياً: الحزن على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته.
كما قال تعالى (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون).
ثالثاً: التأسف على فعل الطاعة.
فإن ابن عمر لما بلغه حديث (من شهد الجنازة حتى تدفن فله قيراط، ومن شهدها حتى يصلى عليها فله قيراطان) قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
• لماذا ينبغي نبادر ونسارع إلى الخيرات؟
أولاً: استجابة لأمر الله ورسوله.
كما في الآيات والأحاديث التي سبقت، وقد تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ … ).
ثانياً: قبل حدوث الشواغل من فقر أو موت أو هرم أو ....
كما في الحديث قال ﷺ (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلا فقْراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مجهزاً … ) رواه الترمذي وفيه ضعف.
وفي الحديث قال ﷺ (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، … ) رواه الحاكم.
فالإنسان اذا انشغل بفقره لا يستطيع أن يؤدي ويسارع للأعمال الصالحات، وكذا إذا مرض، فإنه ينشغل بمرضه، وكذا لا يدري متى يأتيه الموت، فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل.
стр. 1191
ثالثاً: قبل الفتن المانعة من العمل.
كما قال ﷺ (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) رواه مسلم.
فالإنسان ينبغي أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فينشغل بها، فتشغله عن التفرغ للعمل الصالح، كما هو حال كثير من الناس
الآن، وأيضاً العمل الصالحة سبب للنجاة من الفتن، ولهذا قال (بادروا بالأعمال - أي الصالحة - فتناً، أي، قبل وقوع الفتن، فالعمل الصالح من إخلاص لله ومتابعة للرسول وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصلاة وخاصة بالليل وغيره سبب للنجاة من الفتن إذا حدثت وانتشرت، ولهذا قام النبي ﷺ ليلة من الليل فزعاً وهو يقول: من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين، ما أنزل الليلة من الفتن).
• من أقوال السلف:
قال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليل ولا كثير.
وكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول: إنا لله ذهب درهمي وهو يذهب عمره ولا يقول: ذهب عمري وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات.
وقال سعيد بن المسيب: ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة.
وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين.
стр. 1192
وقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا ما تخطيء الأصابع.
وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان الليل كله يبكي فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلاً فيقول: أنا أعلم بما صنعت نفسي.
قال الجماني: لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال: لا تبك وأشار إلى زاوية في البيت إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة.
من قدم اليوم شيئاً قدم عليه غداً، ومن لم يقدم شيئاً قدم على غير شيء، قيل لبعضهم جمع فلان مالاً؟ قال: هل جمع عمراً ينفقه فيه، قالوا: لا، قال: ما جمع شيئاً.
وقال بعض السلف: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثك فيها.
(أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) أي: هيئت للمتقين، الذين اتقوا ربهم بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وفي هذا فضل عظيم للمتقين، وأن التقوى سبب لدخول الجنة.
كما قال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ).
وقال تعالى (وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وفي الحديث قال ﷺ عندما سئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي.
[وقد تقدمت فضائل التقوى].
стр. 1193
ثم ذكر تعالى صفات المتقين فقال:
(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) أي: في الشدة ولرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال كما قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).
• قال ابن الجوزي: ومعنى الآية: أنهم رغبوا في معاملة الله، فلم يبطرهم الرخاء فينسيهم، ولم تمنعهم الضراء فيبخلوا.
• وقال ابن كثير: والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى والإنفاق في مراضيه، والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) وكأنّ الجمعَ بينهما هنا لأنّ السرّاء فيها ملهاة عن الفكرة في شأن غيرهم، والضرّاء فيها ملهاة وقلّة مَوجدة.
فملازمة الإنفاق في هذين الحالين تَدلّ على أنّ محبَّة نفع الغير بالمال، الَّذي هو عزيز على النَّفس، قد صارت لهم خلقاً لا يحجبهم عنه
حاجب ولا ينشأ ذلك إلاّ عن نفس طاهرة.
• قال الرازي: وإنما افتتح الله بذكر الإنفاق لأنه طاعة شاقة، ولأنه كان في ذلك الوقت أشرف الطاعات لأجل الحاجة إليه في مجاهدة العدو ومواساة فقراء المسلمين.
стр. 1194
(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) الذين يكفون غيظهم عن الإمضاء ويردون غيظهم في أجوافهم.
• أسباب كظم الغيظ:
أولاً: معرفة الفضل العظيم لمن كظم غيظه.
أ- الفوز بمحبة الله.
قال تعالى (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) ومرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين.
وقال تعالى (فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ).
ب-ترك الغضب سبب لدخول الجنة.
عن أبي الدرداء ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة، قال: «لا تغضب! ولك الجنة). رواه الطبراني
ج-المباهاة به على رؤوس الخلائق.
عن معاذ بن أنس. قال: قال ﷺ (مَن كظم غيظاً وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيِّره في أي الحور شاء) رواه أبو داود.
د- زيادة الإيمان.
قال النبي ﷺ ( … وما من جرعة أحب إليَّ من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيماناً) رواه ابن ماجه
قال ابن تيمية: ما تجرع عبد جرعة أعظم من جرعة حِلْم عند الغضب، وجرعة صبر عند المصيبة؛ وذلك لأن أصل ذلك هو الصبر على المؤلم، وهذا هو الشجاع الشديد الذي يصبر على المؤلم، والمؤلم إن كان مما يمكن دفعه أثار الغضب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أثار الحزن، ولهذا يحمرُّ الوجه عند الغضب لثوران الدم عند استشعار القدرة، ويصفرُّ عند الحزن لغور الدم عند استشعار العجز.
стр. 1195
ثانياً: الاستعاذة بالله من الشيطان.
قال تعالى (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ).
عن سليمان بن صرد ﵁ قال (كنت جالساً مع النبي ﷺ ورجلان يستبان؛ فأحدهما احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ : إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد؛ لو قال: أعوذ بالله من الشيطان؛ ذهب عنه ما يجد» فقالوا له: إن النبي ﷺ قال: تعوَّذْ بالله من الشيطان) متفق عليه.
ثالثاً: تغيير الحال.
عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع).
رابعاً: ترك المخاصمة والسكوت.
عن ابن عباس. عن النبي ﷺ أنه قال (علِّموا وبشِّروا ولا تعسروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت) رواه أحمد.
قال ابن رجب: وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيراً، من السباب وغيره مما يعظم ضرره، فإذا سكت زال هذا الشر كله عنده، وما أحسن قول مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غضباً قط ولا تكلمتُ في غضب قط بما أندم عليه إذا رضيت.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: ومن الأمور النافعة أن تعلم أن أذية الناس لك وخصوصاً في الأقوال السيئة لا تضرك بل تضرهم؛ إلا
إن أشغلت نفسك في الاهتمام بها، وسوغت لها أن تملك مشاعرك؛ فعند ذلك تضرك كما ضرتهم؛ فإن أنت لم تصنع لها بالاً، لم تضرك شيئاً.
следующие страницы →