← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

(ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)). [آل عمران: ١٠٤]. (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والاعتصام بحبله. (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه. (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه. • قال السعدي: وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الآية الكريمة في قوله (ولتكن منكم أمة) إلخ أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب. • أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض لقوله ﷺ (من رأى منكراً فليغيره بيده … ) لكنه فرض كفائي. لقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ … ). قال ابن قدامة: في هذه الآية بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، لأنه قال (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) ولم يقل: كونوا آمرين بالمعروف. • قال في التسهيل: وقوله: منكم: دليل على أنه فرض كفاية لأن من للتبعيض، وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمة. وتغيير المنكر يكون باليد وباللسان وبالقلب، على حسب الأحوال.

стр. 1122

• الأمة في القرآن تطلق على معان: منها: الجماعة من الناس. كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ). ومنها: الإمام في الدين المقتدى به. كما في قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً). ومنها: البرهة من الزمن. كما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: تذكر بعد بُرهة من الزمن. وكقوله تعالى (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي: إلى قطعة من الزمن معينة. ومنها: الشريعة والدين. كقوله تعالى (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي: على شريعة وملة ودين. • هناك أحوال يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين: أولاً: التعيين من قبل السلطان. ثانياً: التفرد بالعلم بأن معروفاً قد ترك، أو منكراً قد ارتكب. قال النووي: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ثم إنه قد يتعين إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو. ثالثاً: انحصار القدرة في أشخاص محددين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره.

стр. 1123

• فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أولاً: مهمة الرسل. قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ … ). ثانياً: من صفات المؤمنين. قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). وقال تعالى (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). قال الغزالي: فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية. ثالثاً: أن خيرية الأمة مناطة بهذه الشعيرة. قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). رابعاً: من أوصاف سيد المرسلين. قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ). خامساً: من خصال الصالحين. قال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ). سادساً: من أسباب النصر والتمكين. قال تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).

стр. 1124

سابعاً: من أسباب النجاة. قال تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ). ثامناً: عظم فضل القيام به. قال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً). وقال ﷺ (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) رواه مسلم. تاسعاً: من أسباب تكفير الذنوب. قال ﷺ (فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) رواه مسلم. عاشراً: أنه طريق الفلاح. لقوله تعالى (ولتكن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). الحادي عشر: أنه رفع لراية الدين ودحر للمنافقين والكافرين. قال الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق.

стр. 1125

• خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أولاً: أن ذلك من صفات المنافقين. قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ). ثانياً: نزول البلاء والعذاب. قال تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). ولما قالت أم المؤمنين زينب ﵂: (أنهلك وفينا الصالحون؟) قال لها الرسول ﷺ : نعم، إذا كُثر الخب). رواه البخاري قال ﷺ (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود. ثالثاً: عدم استجابة الدعاء. قال ﷺ (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم) رواه الترمذي. وقال ﷺ (مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم) رواه أحمد. رابعاً: اللعن والإبعاد من رحمة الله. قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). خامساً: انتفاء خيرية الأمة. قال ﷺ (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم) رواه أبو داود سادساً: الفساق والفجار والكفار، وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراؤه. سابعاً: ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلم حالك لا فجر لها. ويكفي عذاب الله لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسلط الأعداء والمنافقين عليه، وضعف شوكته وقلة هيبته.

стр. 1126

• من أقوال السلف: قال الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافقين. وقال علي: أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فإذا لم يعرف القلب المعروف ولم ينكر المنكر نكِّس، فجعل أعلاه أسفله. وقال أبو الدرداء: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطاناً ظالماً لا يجل كبيركم، ولا يرحم صغيركم. وقال حذيفة عندما سئل عن ميت الأحياء: الذي لا ينكر المنكر بيده ولا بلسانه ولا بقلبه. وقال سفيان: إني لأرى المنكر فلا أتكلم فأبول دماً. وقال إسماعيل بن عمر: من ترك الأمر بالمعروف خوف المخلوقين، نزعت منه الهيبة، فلو أمر ولده لا ستخف به. قال العلامة الشيخ حمد بن عتيق ﵀: فلو قدر أن رجل يصوم النهار ويقوم في الليل ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع هذا لا يغضب الله، ولا يتمعَّر وجهه، ولا يحمر، فلا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم ديناً، وأصحاب الكبائر أحسن عند الله منه. الفوائد: ١ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٢ - أنه يجب على طائفة من المؤمنين القيام بهذه الشعيرة. ٣ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٤ - على الإنسان أن يطلب العلم ليكون حكيماً في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر. ٥ - فضل هذه الشعيرة وأنها من أسباب الفلاح.

стр. 1127

(وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ (١٠٨)). [آل عمران: ١٠٥ - ١٠٨]. (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا) ينهى هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضية في تفرقهم واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم. (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة، المبينة للحق، الموجبة للاتفاق على كلمة واحدة، وهي كلمة الحق. • قال القرطبي: يعني اليهود والنصارى في قول جمهور المفسرين. عن معاوية. أن رسول الله ﷺ قال (إنَّ أهْلَ الْكَتَابَيْنِ افْتَرَقُوا في دِينِهِمْ عَلَى ثنتيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وإنَّ هذِهِ الأمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً -يعني الأهواء-كُلُّهَا فِي النَّار إلا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تُجَارى بِهِمْ تِلْكَ الأهْواء، كَمَا يَتَجَارى الكَلبُ بصَاحِبِهِ، لا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلا مَفْصِلٌ إلا دَخَلَهُ. واللهِ -يَا مَعْشَر العَربِ-لَئِنْ لَمْ تَقُومُوا بِمَا جاء بِهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ لَغَيْرُكم مِن النَّاسِ أحْرَى ألا يَقُومَ بِه). • وقال ابن عاشور: وفيه إشارة إلى أن الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى الافتراق، وهو الاختلاف في أصول الديانة الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضا، أو تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبينة على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار، وهو المعبر عنه بالاجتهاد، ونحن إذا تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد افتراقا نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف في العقائد والأصول، دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة. (وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) يعني الذين تفرقوا لهم عذاب عظيم في الآخرة بسبب تفرقهم، فكان ذلك زجراً للمؤمنين عن التفرق. (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) يعني يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوهُ المؤمنين مبيضّة ووجُوه الكافرين مسْوَدّة قال الشنقيطي: بين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان وذلك في قوله (فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) الآية.

стр. 1128

وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله: وهو قوله تعالى (وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ). وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات: وهو قوله (والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِّنَ الليل مُظْلِماً). وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور: وهو قوله تعالى (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أولئك هُمُ الكفرة الفجرة). وهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة، وهو الكفر بالله تعالى، وبين في موضع آخر شدة تشويه وجوههم بزرقة العيون وهو قوله (وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً) وأقبح صورة أن تكون الوجوه مسوداً والعيون زرقاً. • وفي وصف هذا اليوم بأنه تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه تهويل لأمره، وتعظيم لشأنه، وتشويق لما يرد بعد ذلك من تفصيل أصحاب الوجوه المبيضة وأصحاب الوجوه المسودة، وترغيب للمؤمنين في الإكثار من التزود بالعمل الصالح وترهيب للكافرين من التمادي في كفرهم وضلالهم. • قال ابن عاشور: والبياض والسواد بياض وسواد حقيقيان يوسم بهما المؤمن والكافر يوم القيامة، وهما بياض وسواد خاصان لأن هذا من أحوال الآخرة فلا داعي لصرفه عن حقيقته. (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) فيقال لهم على وجه التوبيخ والتقريع: (أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) في الكلام حذف، أي فيقال لهم (أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (أكفرتم) قال الزجاج: معناه: فيقال لهم: أكفرتم، فحذف القول لأن في الكلام دليلاً عليه، كقوله تعالى (وإسماعيل ربَّنا تقبل منا)، أي: ويقولان: ربنا تقبَّل منا. ومثله (من كل باب. سلام عليكم) والمعنى: يقولون: سلام عليكم. والألف لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها التقرير والتوبيخ.

стр. 1129

• قوله تعالى ( … بعد إيمانكم) يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى. ويقال: هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد ﷺ قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به. وقال أبو العالية: هذا للمنافقين، يقال: أكفرتم في السر بعد إقراركم في العلانية. • وقال الطبري: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن أبي بن كعب أنه عنى بذلك جميع الكفار، وأنّ الإيمان الذي يوبَّخُون على ارتدادهم عنه، هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا). ثم قال مبيناً وجه الترجيح: وذلك أن الله جل ثناؤه جعل جميعَ أهل الآخرة فريقين: أحدهما سودًا وجوهه، والآخر بيضًا وجوهه. فمعلوم -إذ لم يكن هنالك إلا هذان الفريقان- أن جميع الكفار داخلون في فريق من سُوِّد وجهه، وأن جميع المؤمنين داخلون في فريق من بُيِّض وجهه. فلا وجه إذًا لقول قائل: عنى بقوله: "أكفرتم بعد إيمانكم، بعض الكفار دون بعض، وقد عمّ الله جل ثناؤه الخبرَ عنهم جميعهم، وإذا دخل جميعهم في ذلك، ثم لم يكن لجميعهم حالة آمنوا فيها ثم ارتدوا كافرين بعدُ إلا حالة واحدة، كان معلومًا أنها المرادة بذلك. • قال ابن عاشور: وقدم عند وصف اليوم ذكر البياض، الذي هو شعار أهل النعيم، تشريفا لذلك اليوم بأنه يوم ظهور رحمة الله ونعمته، ولأن رحمة الله سبقت غضبه، ولأن في ذكر سمة أهل النعيم، عقب وعيد غيرهم بالعذاب، حسرة عليهم، إذ يعلم السامع أن لهم عذابا عظيما في يوم فيه نعيم عظيم. ثم قدم في التفصيل ذكر سمة أهل العذاب تعجيلاً بمساءتهم. (فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) أي: فادخلوا جهنم وذوقوا مرارة العذاب وآلامه بسبب استمراركم على الكفر وموتكم عليه. • قال الرازي: أنه لو لم يذكر ذلك لكان الوعيد مختصاً بمن كفر بعد إيمانه، فلما ذكر هذا ثبت الوعيد لمن كفر بعد إيمانه ولمن كان كافراً أصلياً.

стр. 1130

• والأمر في قوله فَذُوقُوا للإهانة والإذلال. (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ) المراد برحمة هنا الجنة، كما في الحديث. قال ﷺ (قال تعالى للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء). فرحمة الله هنا ليست الرحمة المذكورة في قوله تعالى (وربك الغفور ذو الرحمة) لأن هذه الصفة صفة لله. • قال ابن قتيبة: وسمَّى الجنة رحمة، لأن دخولهم إياها كان برحمته. (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يبغون عنها حولاً. وهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين. • وهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً. فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم. وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة. فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم. وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم. وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه.

стр. 1131

قال أبو حيان: ولما أخبر تعالى أنَّهم مستقرّون في رحمة الله بيَّن أنّ ذلك الاستقرار هو على سبيل الخلود لا زوال منه ولا انتقال، وأشار بلفظ الرّحمة إلى سابق عنايته بهم، وأن العبد وإنْ كثرت طاعته لا يدخل الجنة إلا برحمة الله تعالى. وقال ابن عباس: المراد بالرحمة هنا الجنة، وذكر الخلود للمؤمن ولم يذكر ذلك للكافر إشعاراً بأنَّ جانب الرحمة أغلب. وأضاف الرحمة هنا إليه ولم يضف العذاب إلى نفسه، بل قال (فذوقوا العذاب) ولما ذكر العذاب علّله بفعلهم، ولم ينص هنا على سبب كونهم في الرحمة. (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ) أي: هذه آيات الله وحُجَجه وبيناته. الإشارة إلى طائفة من آيات القرآن السابقة من هذه السورة كما اقتضاه قوله (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ). (نَتْلُوهَا عَلَيْكَ) يا محمد، بواسطة جبريل، كما قال تعالى (وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قلبك لتكون من المنذرين). (بِالْحَقِّ) الباء للمصاحبة، يعني أنها مصحوبة بالحق ونازلة بالحق، صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، وتكون الباء للملابسة، أي: أنها نزلت من عند الله حقاً بلا شك، وهو يشمل المعنيين جميعاً، فهي نازلة من عند الله حقاً بلا شك، وهي أيضاً نازلة بالحق. (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ) أي: ليس بظالم لهم بل هو الحَكَم العدل الذي لا يجوز.

стр. 1132

الفوائد: ١ - النهي عن التفرق في القلوب. ٢ - أن ترك الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للتفرق. ٣ - أن التفرق بعد أن تبين الحق أشد قبحاً من التفرق حين خفاء الحق. ٤ - وجوب التذكير بهذا اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى قسمين. ٥ - إثبات يوم القيامة. ٦ - إثبات البعث والجزاء. ٧ - أنه يجمع لهؤلاء الكفار العذاب بين العذاب البدني والعذاب النفسي. ٨ - شدة التنكيل بهؤلاء الكفرة. ٩ - أن الذي ابيضت وجوههم في الجنة. ١٠ - أن أهل الجنة مخلدون. ١١ - أن القرآن كلام الله. ١٢ - إثبات رسالة النبي ﷺ . ١٣ - انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله.

стр. 1133

(وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ (١٠٩)). [آل عمران: ١٠٩]. (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً. • قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود. • وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه. • وقال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم: قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً). وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). • وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين: الأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك. الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك -كائناً من كان- ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك. • والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء .. يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب). الفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.

стр. 1134

الفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ). وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون … ) رواه مسلم. (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي: إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور، أمور الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم فيحاسبهم. فالدنيا والآخرة كلها بيده سبحانه كما (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى). وهو المحمود على ذلك كله، كما قال تعالى (وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ). وقال تعالى (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ). الفوائد: ١ - عموم ملك الله تعالى. ٢ - انفراد ملك الله تعالى بذلك. ٣ - أن مرجع الأمور إلى الله. ٤ - إثبات الآخرة والحساب. ٥ - عظمة الله وتمام سلطانه.

стр. 1135

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)) [آل عمران: ١١٠]. (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم فقال (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). عن أبي هريرة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال: خَيْرَ الناس للناس، تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام. وهكذا قال ابن عباس، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفيّ (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعني: خَيْرَ الناس للناس. والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). فوجه خيرية هذه الأمة لبقية الأمم أن أمة محمد ﷺ تقاتل هذه الأمم حتى تدخلها الإسلام فتنجيها من عذاب الله يوم القيامة. • قال الرازي: قال الزجاج: قوله (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ) ظاهر الخطاب فيه مع أصحاب النبي ﷺ ، ولكنه عام في كل الأمة، ونظيره قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام) (كتب عَلَيْكُم القصاص) فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا ههنا. • وفي الآية فضيلة ظاهره للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لأن خيرية هذه الأمة منوطة بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر وإيمانها بالله، فإذا تخلت عن إيمانها بالله وأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر سُلبتْ منها تلك الخيرية. • الحكمة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: قال الشنقيطي: لأن استقراء القرآن دل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له ثلاث حكم، تضمنت هذه الآية من سورة الأعراف (قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) من تلك الحكم الثلاث اثنتين، فالحكم الثلاث: الأولى: أن يقيم الإنسان عذره أمام ربه، ويخرج بذلك من عهدة التقصير في الأمر بالمعروف لئلا يدخل في قوله (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).

стр. 1136

وهذه الحكمة أشار لها بقوله (مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ). الحكمة الثانية: هي رجاء انتفاع المذَكَّر. كما قال هنا عنهم (وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، وذكر الله هذه الحكمة في قوله (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) الحكمة الثالثة: هي إقامة الحجة لله على خلقه في أرضه نيابة عن رسله. لأن الله يقول (رسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) فأهل العلم يقيمون حجة الله على خلقه بإقامة الحجة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. • فضائل هذه الأمة: أولاً: قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). وقال ﷺ (وجعلت أمتي خير الأمم). ثانياً: قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) ثالثاً: قال ﷺ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). رابعاً: قال ﷺ (إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه الترمذي. خامساً: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّة) رواه مسلم سادساً: قال (عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، … فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، … هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) متفق عليه. (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم. كما قال قتادة: بَلَغَنَا أن عمر بن الخطاب في حجة حجّها رأى من الناس سُرْعة فقرأ هذه الآية (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) ثم قال: من سَرَّه أن يكون من تلك الأمة فَلْيؤدّ شَرْط الله فيها. رواه ابن جرير. ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله (كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ولهذا لما مَدح الله تعالى هذه الأمة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، • قال الرازي: اعلم أن هذا كلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم.

стр. 1137

• وقال القرطبي: قوله تعالى: (تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر) مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذَّمِّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم. وقال ابن عباس ﵄: من سره أن يكون من أهل هذه الآية فليؤد شرط الله فيها، يريد من سره أن يكون من خير أمة فليؤمن بالله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر. • قال الغزالي ﵀: هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد. (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ) أي: بما أنزل على محمد. (لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ) في الدنيا والآخرة. (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان. أي: وكثير منهم خارجون عن طاعة الله.

стр. 1138

• فالكثرة الكاثرة من الخلق ليسوا على الحق، بل هم خارجون عن الحق وعن طاعة الله. والأدلة على هذا كثيرة: قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). وقال تعالى (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ). وقال تعالى (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ). وقال تعالى (وقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). وقال تعالى (وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هم). وقال تعالى في شأن نوح (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ). وقال تعالى في الحديث القدسي (يا آدم أخرج بعث النار من ذريتك، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) متفق عليه. وقال ﷺ (إنما أنتم في الأمم كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض، أو الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود) متفق عليه. وقال ﷺ (عرضت علي الأمم فرأيت النبي يمر ومعه الرجل، والنبي يمر ومعه الرجلان … ) متفق عليه الفوائد: ١ - أن هذه الأمة خير الأمم. ٢ - أن هذه الأمة فضلت على غيرها بالخيرية لوصف ليس في غيرها. ٣ - أنه متى زال هذا الوصف زال كونها خير أمة. ٤ - أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ترتب الخيرية عليه يدل على أهميته. ٥ - أنه كلما ازداد الإنسان أمراً بالمعروف ونهيا عن المنكر كان خيراً من غيره، لأن المعلق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه.

стр. 1139

(لن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ (١١١)). [آل عمران: ١١١]. (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً) أي: لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً بألسنتهم من سب وطعن. • قال ابن عطية: قوله تعالى (لن يضروكم إلا أذى) معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة. • قال القرطبي: يعني كذبهم وتحريفهم وبُهْتَهم؛ لا أنَّه تكون لهم الغَلَبَة. • وقال الرازي: قوله تعالى (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً) معناه: أنه ليس على المسلمين من كفار أهل الكتاب ضرر وإنما منتهى أمرهم أن يؤذوكم باللسان، إما بالطعن في محمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام، وإما بإظهار كلمة الكفر، كقولهم (عُزَيْرٌ ابن الله) و (المسيح ابن الله) و (الله ثالث ثلاثة) وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين. قال القرطبي: فالآية وعد من الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين، أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم لا ينالهم منهم اصطلام إلاَّ إيذاء بالبهت والتحريف، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين. (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) وهذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين. (ابن كثير) • قال القرطبي: وفي هذه الآية معجزة للنبيّ ﵇؛ لأن من قاتله من اليهود ولاه دبره.

стр. 1140

• وقال أبو حيان: هذه الجملة جاءت كالمؤكدة للجملة قبلها، إذ تضمنت الإخبار أنهم لا تكون لهم غلبة ولا قهر ولا دولة على المؤمنين، لأنّ حصول ذلك إنما يكون سببه صدق القتال والثبات فيه، أو النصر المستمد من الله، وكلاهما ليس لهم. وأتى بلفظ الإدبار لا بلفظ الظهور، لما في ذكر الإدبار من الإهانة دون ما في الظهور، ولأن ذلك أبلغ في الانهزام والهرب. ولذلك ورد في القرآن مستعملاً دون لفظ الظهور لقوله تعالى (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (ومن يولهم يومئذ دبره) ثم لا ينصرون: هذا استئنافُ إخبار أنّهم لا ينصرون أبداً. • وقال الآلوسي: وفي هذه الآية دلالة واضحة على نبوة نبينا ﷺ ولكونها من الإخبار بالغيب الذي وافقه الواقع لأن يهود بني قينقاع وبني قريظة والنضير ويهود خيبر حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم ينالوا شيئاً منهم ولم تخفق لهم بعد ذلك راية ولم يستقم أمر ولم ينهضوا بجناح. الفوائد: ١ - أن أهل الكتاب لن يضروا المسلمين. ٢ - أنه لو تقابل المسلمون وأهل الكتاب في قتال فالمنتصر هم المسلمون. ٣ - تشجيع الله للمؤمنين وتثبيتهم.

стр. 1141

(ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (١١٢)). [آل عمران: ١١٢]. (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا) أي: لزمهم الذل والهوان أينما وجدوا. • قال ابن عاشور: ومعنى ضرب الذلّة اتَّصالها بهم وإحاطتها. • اختلف في المراد بالذل هنا على أقوال: الأول: أن المراد أن يحاربوا ويقتلوا وتغنم أموالهم وتسبى ذراريهم وتملك أراضيهم فهو كقوله تعالى: (اقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ). الثاني: أن هذه الذلة هي الجزية، وذلك لأن ضرب الجزية عليهم يوجب الذلة والصغار. والثالث: أن المراد من هذه الذلة أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً، بل هم مستخفون في جميع البلاد ذليلون مهينون. • ضربت عليهم الذلة لأنهم تكبروا، فكل متكبر مصيره إلى الذل عقوبة له. • أسباب الذل: أولاً: استمراء المعاصي وتسويف التوبة: قال تعالى (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). قال أبو حيان الأندلسي: لما ذكر تعالى حلول العقوبة بهم من ضرب الذلة والمسكنة والمباءة بالغضب، بين علة ذلك، فبدأ بأعظم الأسباب في ذلك، وهو كفرهم بآيات الله. ثم ثنى بما يتلو ذلك في العظم وهو قتل الأنبياء، ثم أعقب ذلك بما يكون من المعاصي، وما يتعدى من الظلم. وقال الحسن البصري: أما والله لئن تدقدقت بهم الهماليج ووطئت الرحال أعقابهم، إن ذل المعاصي لفي قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله.

стр. 1142

ثانياً: الإشراك بالله تعالى والابتداع في الدين. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ). • قال الطبري: يقول تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إلهًا سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ، بتعجيل الله لهم ذلك وذلة وهي الهوان، لعقوبة الله إياهم على كفرهم بربهم في الحياة الدنيا، في عاجل الدنيا قبل آجل الآخرة. • وقال الشاطبي: كل من ابتدع في دين الله، فهو ذليل حقير بسبب بدعته، وإن ظهر لبادي الرأي عزه وجبروته، فهم في أنفسهم أذلاء، وأيضا فإن الذلة الحاضرة بين أيدينا موجودة في غالب الأحوال، ألا ترى أحوال المبتدعة في زمان التابعين، وفيما بعد ذلك؟ حتى تلبسوا بالسلاطين، ولاذوا بأهل الدنيا، ومن لم يقدر على ذلك; استخفى ببدعته، وهرب بها عن مخالطة الجمهور، وعمل بأعمالها على التقية. ثالثاً: محاربة الله ورسوله ومخالفة أمرهما. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ). • قال الشوكاني: أولئك في الأذلين أي: أولئك المحادون لله ورسوله، المتصفون بتلك الصفات المتقدمة، من جملة من أذلَّه الله من الأمم السابقة واللاحقة؛ لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذُّل بهذا المكان. قال عطاء: يريد الذُّل في الدنيا والخزي في الآخرة. رابعاً: الكبْر والأنفة عن قبول الحق. قال الرسول ﷺ (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال، يغشاهم الذُّل من كل مكان) رواه الترمذي. قال ابن القيم: من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفًا ورجاءً والتجاءً واستعانةً، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، ويذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه.

стр. 1143

خامساً: اتباع الهوى. قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ). قال ابن تيمية: من قهره هواه ذل وهان وهلك وباد. وقال ابن القيم: لكل عبد بداية ونهاية، فمن كانت بدايته اتباع الهوى كانت نهايته الذُّل والصغار والحرمان والبلاء المتبوع بحسب ما اتبع من هواه، بل يصير له ذلك في نهايته عذابًا يعذب به في قلبه. وقال ابن القيم أيضاً: تجد في المتبع لهواه، من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه فيمن عصاه … وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته، والذُّل قرين معصيته. سادساً: ترك الجهاد وحب الدنيا وكراهية الموت. عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ (إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليهم ذلًا لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم). رواه أبو داود قال ابن رجب: من أعظم ما حصل به الذُّل من مخالفة أمر الرسول ﷺ ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل الرسول ﷺ عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل … ورأى النبي ﷺ سكة الحرث فقال (ما دخلت دار قوم إلا دخلها الذل) فمن ترك ما كان عليه النبي ﷺ من الجهاد مع قدرته واشتغل عنه بتحصيل الدنيا من وجوهها المباحة حصل له من الذل، فكيف إذا اشتغل عن الجهاد بجمع الدنيا من وجوهها المحرمة؟ وقال الحسن البصري: قد رأينا أقوامًا آثروا عاجلتهم على عاقبتهم فذلوا وهلكوا وافتضحوا. وقال: ما أعز أحد الدرهم إلا أذله الله.

стр. 1144

سابعاً: البخل وشيوع الربا وأكل أموال الناس بالباطل. قال رسول الله ﷺ (إذا ضنَّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، وتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليهم ذلاً لا يرفعه حتى يراجعوا دينهم). ثامناً: سؤال الناس والتطلع لما في أيديهم. قال رسول الله ﷺ (لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه)، وفي رواية لأحمد (فيكف الله بها وجهه). قال ابن حجر: فيه الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذل الرد إذا لم يعط. وقال ابن مفلح: أولى الناس بحفظ المال، وتنمية اليسير منه، والقناعة بقليله توفيرًا لحفظ الدين والجاه، والسلامة من مننِ العوامِ الأراذلِ -العالمُ الذي فيه دين، وله أنفة من الذل. (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) قيل: إن المراد بحبل من الله الإسلام، وقيل: إن حبل الله هو الذمة والعهد الذين أعطاهما الله لليهود والنصارى إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. (وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ) قيل: هو العهد. (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: رجعوا مستوجبين للغضب الشديد من الله. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) أي: لزمتهم الفاقة والخشوع. (ذَلِكَ) الذل والغضب عليهم والمسكنة. (بِـ) أي: بسبب.

стр. 1145

(أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها. وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) تقدم شرحها. ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا) أي: بسبب ما ارتكبوا من المعاصي. وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) أي: وبسبب اعتدائهم على الناس وظلمهم لهم. الفوائد: ١ - أن أهل الكتاب وخاصة اليهود من أذل الناس. ٢ - أن أهل الكتاب قد ترتفع عنهم الذلة بحبل من الله أو بحبل من الناس. ٣ - إثبات الغضب لله تعالى إثباتاً يليق بجلاله. ٤ - أن الكفر بآيات الله سبب للعقوبات. ٥ - عتو بني إسرائيل بالكفر وقتل الأنبياء والمعصية والعدوان. ٦ - أن قتل الأنبياء موجب للعقوبة.

стр. 1146

(لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَ يْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)). [آل عمران: ١١٣ - ١١٥]. (لَيْسُوا سَوَاءً) المشهور عن كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العَوْفِيّ عن ابن عباس-أن هذه الآيات نزلت فيمن آمَنَ من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سَلام وأسَد بن عُبَيْد وثعلبة بن سَعْية وأسَيد بن سعْية وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب [وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً) أي: ليسوا كلُّهم على حَدّ سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المُجْرم، ولهذا قال تعالى: (مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) قال الآلوسي: قوله تعالى (مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ) استئناف مبين لكيفية عدم التساوي ومزيل لما فيه من الإبهام. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ .. ) استئناف قصد به إنصاف طائفة من أهل الكتاب، بعد الحكم على معظمهم بصيغة تعمّهم، تأكيداً لِما أفاده قولُه (منهم المؤمنون وأكثرُهم الفاسقون) فالضمير في قوله (ليسوا) لأهل الكتاب المتحدّث عنهم آنفاً، وهم اليهود، وهذه الجملة تتنزّل من التي بعدها منزلة التمهيد. • قوله تعالى (أمة قائمة) وقيل: أنها قائمة في الصلاة يتلون آيات الله آناء الليل فعبّر عن تهجدهم بتلاوة القرآن في ساعات الليل وهو كقوله (وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما) وقوله (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ الليل). وقوله (قُمِ الليل) وقوله (وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين) والذي يدل على أن المراد من هذا القيام في الصلاة قوله (وَهُمْ يَسْجُدُونَ) والظاهر أن السجدة لا تكون إلا في الصلاة. وقيل: في تفسير كونها قائمة: أنها ثابتة على التمسك بالدين الحق ملازمة له غير مضطربة في التمسك به كقوله (إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا) أي ملازماً للاقتضاء ثابتاً على المطالبة مستقصياً فيها، ومنه قوله تعالى: (قَائِمَاً بالقسط). • قال ابن كثير: أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي (قَائِمَةٌ) يعني مستقيمة. (يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم. (وهم يسجدون) المراد بذلك الصلاة. (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ومن ذلك الإيمان بمحمد ﷺ . (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهو كل ما يكون بعد الموت. وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) يأمرون بكل خير. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وينهون عن كل شر. (وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) المسارعة في الخيرات تقتضي فعلها وتكميلها والإتيان بها على أكمل وجه. • فينبغي للمسلم أن يبادر للخيرات والأعمال الصالحات الواجبات والمستحبات. (وسيأتي ما يتعلق بالمسارعة للخيرات قريباً إن شاء الله)

стр. 1147

(وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) الصالح: من أدى حق الله وحق عباده. • قال الرازي: واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح ويدل عليه القرآن والمعقول، أما القرآن، فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم (وأدخلناهم فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مّنَ الصالحين) وذكر حكاية عن سليمان ﵇ أنه قال (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين) وقال (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ) وأما المعقول فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات.

стр. 1148

(وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ) أي: لا يضيع عند الله بل يجزيكم به أوفر الجزاء. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً. الفوائد: ١ - أن أهل الكتاب ليسوا سواء، منهم أمة ضالة ومنهم أمة قائمة بأمر الله. ٢ - بيان عدل الله تعالى. ٣ - الثناء على القيام بطاعة الله والثبات عليها. ٤ - الثناء على من يتلون كتاب الله تلاوة وعملاً. ٥ - فضيلة السجود. ٦ - فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٧ - الحث على المسارعة على الخيرات. ٨ - فضل الصلاح. ٩ - على المسلم أن يعرف الصفات التي يكون فيها الإنسان صالحاً ليطبقها. ١٠ - أن من عملاً خيراً أثيب عليها كاملاً. ١١ - بيان عدل الله. ١٢ - الحث على العمل الصالح. ١٣ - إثبات علم الله تعالى. ١٤ - الثناء على أهل التقوى.

стр. 1149

(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)). [آل عمران: ١١٦]. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه. • الكفر لغة الستر والتغطية، ويسمى الليل (كافراً) لأنه يغطي كل شيء، وكل شيء غطى شيء فقد كفره، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، وشرعاً: ضد الإيمان، فهو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب. (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ) أي: لن تدفع عنه. (أَمْوَالُهُمْ) ولو كثرت. (وَلا أَوْلادُهُمْ) ولو كثروا لينتصروا بهم. (مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) أي: من عذاب الله وعقابه شيئاً إذا نزل. قال تعالى (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ). وقال تعالى (ما أغنى عني ماليه). وقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). وقال تعالى (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ). وقال تعالى (وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى). وقال تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ). وهم قد ادعوا ذلك لأنفسهم كما قال تعالى عنهم (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) وقوله (أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً). يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا.

стр. 1150

وقوله (وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى) أي: بدليل ما أعطاني في الدنيا. • قال ابن عاشور: وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤُها. • وقال ابن عطية: وخص الله تعالى الأموال والأولاد بالذكر لوجوه: منها: أنها زينة الحياة الدنيا، وعظم ما تجري إليه الآمال. ومنها: أنها ألصق النصرة بالإنسان وأيسرها. ومنها: أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين، فذكر الله أن هذين اللذين هما بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب الله في الآخرة، فإذا لم تغن هذه فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني. • ويوم القيامة لا ينفع إلا العمل الصالح. قال تعالى (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). وقوله (واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا) الآية. وقوله (فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ). وقوله (وَمَا أموالكم وَلَا أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى). (وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة. • قال البغوي: قوله تعالى (وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وإنما جعلهم من أصحابها لأنهم أهلها لا يخرجون منها ولا يفارقونها، كصاحب الرجل لا يفارقه. • والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين. قوله تعالى (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذا الأسلوب يطلق على الذين يخلدون فيها، فالمؤمن العاصي - وإن كان يستحق العذاب بالنار - فإنه لا يسمى من أصحاب النار، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة. • كل ما ورد (أصحاب النار) فالمراد أهلها الكفار الذين لا يخرجون منها إلا في هذا الموضع (أصحاب النار) أي: الملائكة الخزنة. (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.

стр. 1151

وقد ذكر الله تأبيده في ثلاث آيات من القرآن الكريم: o في سورة النساء: قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً). o وفي سورة الأحزاب: قال تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً). o وفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون). وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). • قال الرازي: اعلم أنه ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: أحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان. وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه. وثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان. الفوائد: ١ - أن المال والأولاد لن تغني وتدفع عن الكفار عذاب الله. ٢ - تمام قدرة الله وسلطانه على عباده. ٣ - خطر فتنة الأموال والأولاد. ٤ - أن الكفار في النار. ٥ - أنهم مخلدون فيها. ٦ - إثبات النار.

стр. 1152

(مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)). [آل عمران: ١١٧]. (مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: الكفار. هذا مثل ضربه لما ينفقه الكفار في هذا الدار. • قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما بيّن أن أموال الكفار لا تغني عنهم شيئاً، ثم إنهم ربما أنفقوا أموالهم في وجوه الخيرات، فيخطر ببال الإنسان أنهم ينتفعون بذلك، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الشبهة، وبيّن أنهم لا ينتفعون بتلك الإنفاقات، وإن كانوا قد قصدوا بها وجه الله. (كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ) قيل: برد شديد. • قال الرازي: قال أكثر المفسرين وأهل اللغة: الصر البرد الشديد وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد. والثاني: أن الصر: هو السموم الحارة والنار التي تغلي، وهو اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر ابن الأنباري. قال ابن الأنباري: وإنما وصفت النار بأنها (فِيهَا صِرٌّ) لتصويتها عند الالتهاب، ومنه صرير الباب، والصرصر مشهور، والصرة الصيحة ومنه قوله تعالى (فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ) وروى ابن الأنباري بإسناده عن ابن عباس ﵄ في (فِيهَا صِرٌّ) قال فيها نار، وعلى القولين فالمقصود من التشبيه حاصل، لأنه سواء كان برداً مهلكاً أو حراً محرقاً فإنه يصير مبطلاً للحرث والزرع فيصح التشبيه به. (أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ) أي: أصابت تلك الريح المدمرة زرع قوم ظلموا أنفسهم بالمعاصي فأفسدته وأهلكته فلم ينتفعوا به، فكذلك الكفار يمحق الله أعمالهم الصالحة كما يذهب هذا الزرع بذنوب صاحبه. • والمعنى أنّ الله لم يظلمهم حين لم يتقبل نفقاتهم بل هم تسبّبوا في ذلك، إذ لم يؤمنوا لأن الإيمان جعله الله شرطاً في قبول الأعمال، فلما أعلمهم بذلك وأنذرهم لم يكن عقابه بعد ذلك ظلماً لهم، وفيه إيذان بأنّ الله لا يخالف وعده من نفي الظلم عن نفسه. • قال ابن عاشور: ضَرَبَ لأعمالهم المتعلّقة بالأموال مثلاً، فشبّه هيئة إنفاقهم المعجب ظاهرُها، المخيِّببِ آخِرُها، حين يحبطها الكفر، بهيئة زرع أصابته ريح باردة فأهلكته، تشبيه المعقول بالمحسوس.

стр. 1153

(وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). وقال ﵀: والسامعون عالمون بأن عقاب الأقوام الذين ظلموا أنفسهم غاية في الشدّة، فذكر وصفهم بظلم أنفسهم لتذكير السامعين بذلك على سبيل الموعظة. • وقال الطبري في معنى الآية: شَبَهُ ما ينفق الذين كفروا، أي: شَبَهُ ما يتصدق به الكافر من ماله، فيعطيه من يعطيه على وجه القُربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد ﷺ مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد "حرثَ قوم"، يعني: زرع قوم قد أمَّلوا إدراكه، ورجَوْا رَيْعه وعائدة نفعه "ظلموا أنفسهم"، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدَّوا حدوده "فأهلكته"، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرُّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم. يقول تعالى ذكره: فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها. الفوائد: ١ - أن الكافر لا يستفيد من أعماله يوم القيامة. كما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً). وقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). وقال تعالى عن يوم القيامة (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً). ٢ - أن من شروط قبول العمل الإيمان.

стр. 1154

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)). [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ) أي: لا تتخذوا المنافقين أصدقاء تودونهم وتطلعونهم على أسراركم وتجعلونهم أولياء من غير المؤمنين. • قال ابن كثير: بطانة الرجل: هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخِلة أمره. • قال القرطبي: نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يَتَّخِذوا من الكفار واليهود وأهل الأهْوَاء دُخَلاءَ ووُلَجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم. ويُقال: كل من كان على خلاف مَذْهَبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه؛ قال الشاعر: عن الْمَرءِ لَا تَسْألْ وَسَلْ عن قَرِينهِ … فَكلُّ قَرِينٍ بِالمُقارن يَقْتَدِي وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل). وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بإخوانهم. ثم قال القرطبي ﵀: قلت وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال (ما بعث اللّه من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من عصمه اللّه).

стр. 1155

• قال الرازي: اختلفوا في أن الذين نهى الله المؤمنين عن مخالطتهم من هم؟ على أقوال: الأول: أنهم هم اليهود وذلك لأن المسلمين كانوا يشاورونهم في أمورهم ويؤانسونهم لما كان بينهم من الرضاع والحلف ظناً منهم أنهم وإن خالفوهم في الدين فهم ينصحون لهم في أسباب المعاش فنهاهم الله تعالى بهذه الآية عنه، وحجة أصحاب هذا القول أن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مخاطبة مع اليهود فتكون هذه الآية أيضاً كذلك الثاني: أنهم هم المنافقون، وذلك لأن المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوال المنافقين ويظنون أنهم صادقون الثالث: المراد به جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى (بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ) فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين فيكون ذلك نهياً عن جميع الكفار وقال تعالى (يا أيها الذين ءامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) ومما يؤكد ذلك ما روي أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: ههنا رجل من أهل الحيرة نصراني لا يعرف أقوى حفظاً ولا أحسن خطاً منه، فإن رأيت أن تتخذه كاتباً، فامتنع عمر من ذلك وقال: إذن اتخذت بطانة من غير المؤمنين، فقد جعل عمر ﵁ هذه الآية دليلاً على النهي عن اتخاذ بطانة، وأما ما تمسكوا به من أن ما بعد الآية مختص بالمنافقين فهذا لا يمنع عموم أول الآية، فإنه ثبت في أصول الفقه أن أول الآية إذا كان عاماً وآخرها إذا كان خاصاً لم يكن خصوص آخر الآية مانعاً من عموم. • وصدر - سبحانه - النداء بوصف الإيمان، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا يأمنوا من يخالفهم في عقيدتهم على أسرارهم، وألا يتخذوا أعداء اللّه وأعداءهم أولياء يلقون إليهم بالمودة، وألا يطلعوهم على ما يجب إخفاؤه من شئون وأمور خاصة بالمؤمنين. (لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) أي: لا يقصرون لكم في الفساد، قال تعالى (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً) أي فساداً وضرراً. • قال القرطبي: ومعنى (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) لا يقصِّرون فيما فيه الفسادُ عليكم. • قال القرطبي: بيّن تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: (لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً) يقول فساداً. يعني لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة، على ما يأتي بيانه.

стр. 1156

(وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) أي: تمنوا مشقتكم وما يوقعكم في الضرر الشديد. أي: أن هؤلاء الذين تصافونهم وتفشون إليهم أسراركم مع أنهم ليسوا على ملتكم، بجانب أنهم لا يألون جهدا في إفساد أمركم، فإنهم يحبون عنتكم ومشقتكم وشدة ضرركم، وتفريق جمعكم، وذهاب قوتكم. (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) أي: قد ظهرت أمارات العداوة لكم على ألسنتهم. • قال ابن كثير: أي: قد لاح على صَفَحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل. • وقال القرطبي: قوله تعالى (قَدْ بَدَتِ البغضآء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) يعني ظهرت العداوة والتكذيب لكم من أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضدّ الحُبِّ. وخصّ تعالى الأفواه بالذِّكر دون الألسنة إشارةً إلى تَشدُّقهم وثَرْثَرَتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه. • قال الآلوسي: قوله تعالى (قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم) أي ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم، وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعده .. • وقال الرازي: قوله (قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم) إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان: الأول: أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقته لطريق المخالصة في الود والنصيحة، ونظيره قوله تعالى (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول).

стр. 1157

• وقد قيل: كوامن النفوس تظهر على صفحات الوجوه وفلتات اللسان. (وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) أي: وما يبطنونه لكم من البغضاء أكثر مما يظهرونه. • قال الفخر: يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد. أ (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ) أي: وقد وضحنا لكم الآيات الدالة على وجوب الإخلاص في الدين وموالاة ومعاداة المنافقين. إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي: إن كنتم تعقلون عن الله أمره ونهيه. • ثم ذكر في هذه الآية أموراً ثلاثة، كل واحد منها على أن المؤمن لا يجوز أن يتخذ غير المؤمن بطانة لنفسه فالأول (هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ) أي: أنتم -أيها المؤمنون-تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنا ولا ظاهراً. وقيل: تحبون لهم الإسلام وهم يحبون أن تبقوا على الكفر. وقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب ما بينكم وبينهم من الرضاعة والمصاهرة، وَلَا يُحِبُّونَكُمْ بسبب كونكم مسلمين. وقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بسبب أنهم أظهروا لكم الإيمان (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) بسبب أن الكفر مستقر في باطنهم. وقيل: (تُحِبُّونَهُمْ) بمعنى أنكم لا تريدون إلقاءهم في الآفات والمحن (وَلَا يُحِبُّونَكُمْ) بمعنى أنهم يريدون إلقاءكم في الآفات والمحن ويتربصون بكم الدوائر. واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى الأسباب الموجبة لكون المؤمنين يحبونهم ولكونهم يبغضون المؤمنين، فالكل داخل تحت الآية، ولما عرفهم تعالى كونهم مبغضين للمؤمنين وعرفهم أنهم مبطلون في ذلك البغض صار ذلك داعياً من حيث الطبع، ومن حيث الشرع إلى أن يصير المؤمنون مبغضين لهؤلاء المنافقين. (وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ) أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا رَيْب، وهم عندهم الشك والرِّيَب والحِيرة. • قال الرازي: في الآية إضمار، والتقدير: وتؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤمنون به، وحسن الحذف لما بينا أن الضدين يعلمان معاً فكان ذكر أحدهما مغنياً عن ذكر الآخر. • قال القرطبي: والكتاب اسم جنس؛ قال ابن عباس: يعنى بالكُتُب.

стр. 1158

واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ). (وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا) وهذا شأن المنافقين يُظْهِرون للمؤمنين الإيمانَ والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه. (وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ) الأنامل أطراف الأصابع.، وذلك أشد الغيظ والحنق. • قال ابن عاشور: وعضّ الأنامل كناية عن شدّة الغيظ والتحسّر، والغيظ: غضب شديد يلازمه إرادة الانتقام. والمعنى: أنه إذا خلا بعضهم ببعض أظهروا شدة العداوة، وشدة الغيظ على المؤمنين حتى تبلغ تلك الشدة إلى عض الأنامل، كما يفعل ذلك أحدنا إذا اشتد غيظه وعظم حزنه على فوات مطلوبه، ولما كثر هذا الفعل من الغضبان، صار ذلك كناية عن الغضب حتى يقال في الغضبان: إنه يعض يده غيظاً وإن لم يكن هناك عض، قال المفسرون: وإنما حصل لهم هذا الغيظ الشديد لما رأوا من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم. (قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ) أ ي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله مُتمّ نعمته على عباده المؤمنين ومُكَملٌ دينه، ومُعْلٍ كلمتَه ومظهر دينَه، فموتوا أنتم بغيظكم. • قال الرازي: وهو دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به، والمراد من ازدياد الغيظ ازدياد ما يوجب لهم ذلك الغيظ من قوة الإسلام وعزة أهله وما لهم في ذلك من الذل والخزي. • وقال ابن عاشور: قوله تعالى (قل موتوا بغيظكم) كلام لم يقصد به مخاطبون معيَّنون لأنَّه دعاء على الَّذين يعضّون الأنامل من الغيظ، وهم يفعلون ذلك إذا خلوا، فلا يتصوّر مشافهتهم بالدّعاء على التَّعيين ولكنَّه كلام قصد إسماعه لكلّ من يعلم من نفسه الاتّصاف بالغيظ على المسلمين وهو قريب من الخطاب الَّذي يقصد به عموم كُل مخاطب نحو (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم). والدعاء عليهم بالموت بالغيظ صريحهُ طلب موتهم بسبب غيظهم، وهو كناية عن ملازمة الغيظ لهم طول حياتهم إن طالت أو قصرت، وذلك كناية عن دوام سبب غيظهم، وهو حسن حال المسلمين، وانتظام أمرهم، وازدياد خيرهم، وفي هذا الدعاء عليهم بلزوم ألم الغيظ لهم، وبتعجيل موتهم به، وكلّ من المعنيين المكني بهما مراد هنا، والتكنّي بالغيظ وبالحسد عن كمال المغيظ منه المحسود مشهور، والعرب تقول: فلان محسَّد، أي هو في حالة نعمة وكمال.

стр. 1159

• قال القرطبي: إن قيل: كيف لم يموتوا والله تعالى إذا قال لشيء: كن فيكون. قيل عنه جوابان: أحدهما: قال فيه الطبريّ وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم، أي قل يا محمد أدام الله غيظكم إلى أن تموتوا. فعلى هذا يتجه أن يدعو عليهم بهذا مُوَاجهةً وغيرَ مواجهة بخلاف اللّعْنَة. الثاني: أن المعنى أخبرهم أنهم لا يدركون ما يؤملون، فإن الموت دون ذلك، فعلى هذا المعنى زال معنى الدعاء وبقي معنى التقْرِيع والإغَاظَة. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتُكنُّه سَرَائرُكُم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها. (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة -أي: جَدْب-أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد، فَرح المنافقون بذلك. • قال ابن عطية: ذكر الله تعالى المس في الحسنة ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك في السيئة بلفظ الإصابة، وهي عبارة عن التمكن. لأن الشيء المصيب لشيء هو متمكن منه، أو فيه، فدل هذا النوع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند نزول الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين. • قال في التفسير الوسيط: فالجملة الكريمة بيان لفرط عداوة هؤلاء المنافقين للمؤمنين، حيث يحسدونهم على ما ينالهم من خير، ويشمتون بهم عند ما ينزل بهم شر. وعبر في جانب الحسنة بالمس، وفي جانب السيئة بالإصابة، للإشارة إلى تمكن الأحقاد من قلوبهم، بحيث إن أي حسنة حتى ولو كان مسها للمؤمنين خفيفا وليس غامرا عاما فإن هؤلاء المنافقين يحزنون لذلك، لأنهم يستكثرون كل خير للمؤمنين حتى ولو كان هذا الخير ضئيلاً. • وقيل: والتعبير هنا بالمسّ مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن في التعبير، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى (إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) وقوله سبحانه (إِذَا مَسَّهُ الشر جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعاً). • قال القرطبي: والمعنى في الآية: أن من كانت هذه صفته من شدّة العداوة والحِقد والفرح بنزول الشدائد على المؤمنين، لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة، لا سِيما في هذا الأمر الجسيم من الجهاد الذي هو مِلاك الدنيا والآخرة؛ ولقد أحسن القائل في قوله: كلّ العداوةِ قد تُرجَى إفاقتُها … إلاّ عداوة مَن عاداك مِنْ حسدِ.

стр. 1160

• قال الله تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجّار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه. • قال ابن عاشور: أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقّي أذى العدوّ: بأن يتلقّوه بالصّبر والحذر، وعبّر عن الحذر بالاتّقاء أي اتّقاء كيدهم وخداعهم، وقوله (لا يَضِركم كيدهم شيئاً) أي بذلك ينتفي الضرّ كلّه لأنّه أثبت في أوّل الآيات أنّهم لا يضرّون المؤمنين إلاّ أذى، فالأذى ضرّ خفيف، فلمَّا انتفى الضرّ الأعظم الَّذي يحتاج في دفعه إلى شديدِ مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بَقي من الضرّ هيّناً، وذلك بالصّبر على الأذى، وقلّة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسّلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرّاً عظيماً، وفي الحديث (لا أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّهِ يدعون له نِدّاً وهو يرزقهم). • وقال النسفي: وهذا تعليم من الله وإرشاد إلى أن يستعان على كيد العدو بالصبر والتقوى. وقال الحكماء: إذا أردت أن تكبت من يحسدك فازدد فضلاً في نفسك.
следующие страницы →