Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).
الثانية عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى، فإن المصائب تنزل بالبَرِّ والفاجر، فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا والرضا أفضل من الجنة وما فيها؛ لقوله تعالى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: من جنات عدن ومساكنها الطيبة.
ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن الصبر على أذى الخلق أفضل من الانتقام منهم.
(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً) من الطعن فيكم، وفي دينكم، وكتابكم ورسولكم.
• فمن صور الأذى التي يسمعها المؤمنون منهم:
قول اليهود: عزير ابن الله، وقولهم: يد الله مغلولة، وقولهم: إن الله فقير، وقولهم - مع النصارى - نحن أبناء الله، احباؤه، وكذلك يسمعون من النصارى: المسيح ابن الله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة.
ومن صور الأذى التي تسمع من الذين أشركوا قولهم في رسول الله ﷺ : ساحر، مجنون، كذاب.
• قال السعدي: وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك عدة فوائد:
منها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك، ليتميز المؤمن الصادق من غيره.
стр. 1332
ومنها: أنه تعالى، يقدر عليهم هذه الأمور، لما يريده بهم من الخير ليعلي درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم، فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر (قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً).
ومنها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع، لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجأون إلى الصبر والتقوى.
(وَإِنْ تَصْبِرُوا) على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم، من الابتلاء والامتحان، وعلى أذية الظالمين.
(وَتَتَّقُوا) الله في ذلك الصبر، بأن تنووا به وجه الله، والتقرب إليه، ولم تتعدوا في صبركم.
(فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) أي: من الأمور التي يعزم عليها، وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية كما قال تعالى (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).
بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).
الفوائد:
١ - سنة الله في ابتلاء أوليائه.
٢ - عداوة الكفار الدائمة للمؤمنين.
٣ - الصبر والتقوى سبب للانتصار.
стр. 1333
(وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)). [آل عمران: ١٨٧].
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ … ) هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخَذ عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهْبَة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.
وفي هذا تَحْذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويُسْلكَ بهم مَسْلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: من سُئِل عن عِلْم فكَتَمه ألْجِم يوم القيامة بِلجَامٍ من نار. (تفسير ابن كثير).
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ … ) في هاء الكناية في (لتبيننه) و (تكتمونه) قولان:
أحدهما: أنها ترجع إلى النبي محمد ﷺ ، وهذا قول من قال: هم اليهود.
والثاني: أنها ترجع إلى الكتاب، قاله الحسن، وقتادة، وهو أصح، لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن من ضرورة تبيينهم ما فيه إظهار صفة محمد ﷺ ، وهذا قول من ذهب إلى أنه عام في كل كتاب. وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا.
• أدلة تحريم كتمان العلم ووجوب تبيينه:
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
стр. 1334
• قال ابن تيمية: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء، وعكسه كاتموا العلم، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. …
قال ابن المبارك ﵀:
وهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ … وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا
وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا … ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا
لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ … يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا
وكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول لعلماء وقته (يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية؟).
• قال الشيخ ابن عثيمين: المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين:
السبب الأول: خشية الناس.
السبب الثاني: الطمع في الدنيا.
قال تعالى في سورة المائدة (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً).
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب) هذا متّصل بذكر اليهود؛ فإنهم أمِروا بالإيمان بمحمد ﵇ وبيانِ أمره، فكتموا نعته.
فالآية توبيخ لهم، ثم مع ذلك هو خبر عام لهم ولغيرهم.
قال الحسن وقتادة: هي في كل من أُوتي عِلم شيء من الكتاب.
فمن عَلم شيئاً فليُعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلم فإنه هَلكة.
وقال محمد بن كعب: لا يحلّ لعالم أن يسكت على علمه، ولا للجاهل أن يسكت على جهله؛ قال الله تعالى (وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب … ).
وقال (فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
وقال أبو هريرة: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء؛ ثم تلا هذه الآية (وَإِذَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الذين أُوتُواْ الكتاب). (تفسير القرطبي).
(فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) المراد أنهم لم يراعوه ولم يلتفتوا إليه، والنبذ وراء الظهر مثل الطرح وترك الاعتداد، ونقيضه: جعله نصب عينه وإلقاؤه بين عينيه.
стр. 1335
(واشتروا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) معناه أنهم أخفوا الحق ليتوسلوا به إلى وجدان شيء من الدنيا، فكل من لم يبين الحق للناس وكتم شيئاً منه لغرض فاسد، من تسهيل على الظلمة وتطييب لقلوبهم، أو لجر منفعة، أو لتقية وخوف، أو لبخل بالعلم دخل تحت هذا الوعيد.
• قال ابن عاشور في قوله تعالى في سورة البقرة (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته.
• وقال ﵀: (ثمناً قليلاً) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.
• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.
سئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَناً قَلِيلاً) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.
• وصفه الله بأنه قليل، لأن جميع ما في الدنيا قليل (مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى).
• فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد ﷺ لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة.
وقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.
قال الحسن ﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله)
стр. 1336
قال محمد بن عمر الأسلمي ﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكاً وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى)
قال يوسف بن زكريا ﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).
جلس الحسن ﵀ يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).
قال وهب بن منبه - توفي سنة (١١٤ هـ) ﵀: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء).
قال أبو حازم ﵀ لا تكون عالماً حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة).
قال مطرف بن عبد الله ﵀ إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء).
قال شميط بن عجلان ﵀ يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي،
فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء).
قال خالد بن دُرَيك ﵀: خرج ابن محيريز إلى بزاز يشتري منه ثوباً والبزاز لا يعرفه قال: وعنده رجل يعرفه فقال: بكم هذا الثوب قال الرجل: بكذا وكذا فقال الرجل الذي يعرفه: أحسن إلى ابن محيريز، فقال ابن محيريز: إنما جئت أشتري بمالي ولم أجيء أشتري بديني فقام ولم يشتر. (حلية الأولياء).
стр. 1337
قال ابن المبارك ﵀ إنما الناس العلماء والملوك والزهاد، والسفلة الذين يأكلون بدينهم أموال الناس بالباطل ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل).
قال (يأكلون الدنيا بالدين، قال: فبكى فضيل بن عياض بكاءاً شديداً ثم قال: كذب من قال: إنه لا يأكل بدينه أنا -والله- آكل بديني. (شعب الإيمان).
• وقد ذكر العلامة المعلمي أن المنزلة والجاه من موانع الهداية فقال ﵀ بعد أن ذكر الوجه الأول:
الوجه الثاني: أن يكون قد صار في الباطل جاه وشهرة و معيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد.
الفوائد:
١ - تحريم كتمان العلم.
٢ - يجب على أهل العلم تبليغ العلم ونشره وبثه.
٣ - أن من صفات اليهود كتم العلم.
٤ - أن كل من كتم علماً ففيه شبه من اليهود.
٥ - خطر طلب الرئاسة والمكانة عند الناس.
٦ - خطر فتنة الدنيا.
стр. 1338
(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)). [آل عمران: ١٨٨].
(ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا) أي: لا تظنن يا محمد الذين يفرحون بما أتوا.
(وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا) أي: ويحبون أن يحمدهم الناس على تمسكهم بالحق وهم على ضلال.
(فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ) أي: فلا تظننهم بمنجاة من عذاب الله.
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: عذاب مؤلم.
وقد ورد في سبب نزولها عدة روايات:
أ- أخرج البخاري في صحيحه: عن عَلْقَمَةَ بْن وَقَّاصٍ (أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْ لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ فَسَأَلَهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَأَلَهُمْ وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ (يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا).
ب- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ (أَنَّ رِجَالاً مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ)). متفق عليه.
ج- وقيل: يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيح (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبيْ زور).
د- وقيل: نزلت في المنافقين فإنهم يفرحون بما أتوا من إظهار الإيمان للمسلمين على سبيل النفاق من حيث أنهم كانوا يتوصلون بذلك إلى تحصيل مصالحهم في الدنيا، ثم كانوا يتوقعون من النبي ﵇ أن يحمدهم على الإيمان الذي ما كان موجودا في قلوبهم.
стр. 1339
ورجح الطبري أنها في أهل الكتاب، لأن السياق فيهم.
وقال الرازي: واعلم أن الأولى أن يحمل على الكل، لأن جميع هذه الأمور مشتركة في قدر واحد، وهو أن الإنسان يأتي بالفعل الذي لا ينبغي ويفرح به، ثم يتوقع من الناس أن يصفوه بسداد السيرة واستقامة الطريقة والزهد والاقبال على طاعة الله.
وقال الشوكاني: وقد اختلف في سبب الآية، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته عملاً بعموم اللفظ، فمن فرح بما فعل وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل فلا تحسبنه بمفازة من العذاب.
• قال السعدي: ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره مبطل، كما هو الواقع من أهل البدع.
ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير واتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه.
كما قال إبراهيم ﵇ (واجعل لي لسان صدق في الآخرين).
وقال (سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين).
وقد قال عباد الرحمن (واجعلنا للمتقين إماماً) وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر. (تفسير السعدي).
فائدة: قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: قال لي رجل: من هنا إلى بلاد الترك يدعون لك، فكيف تؤدي شكر ما أنعم الله عليك، وما بث لك في الناس؟ فقال أسأل الله أن لا يجعلنا مرائين.
الفوائد:
١ - تحذير من يفرح بما أتى فرح منةٍ أو فرح غدر وخيانة كالمنافقين.
٢ - التحذير من محبة الإنسان أن يحمد بما لم يفعل.
٣ - أن من كان على هذه الحال فلن ينجو من العذاب.
٤ - الحذر من الرياء ومن التظاهر بالصلاح وهو على خلاف ذلك.
٥ - حب الإنسان للمدح.
стр. 1340
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). [آل عمران: ١٨٩].
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: خلقاً وملكاً وتدبيراً، فهو سبحانه مالك الأعيان، ومالك التصرف فيها.
• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فوائد:
الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..
يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).
الفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.
الفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون … ) رواه مسلم.
• فإن قال قائل: ابن آدم يملك؟ فالجواب: أن ملكنا ليس ملكاً عاماً، فملكي ليس ملك لك، وملكك ليس ملكاً لي، ثم نحن لا نملك التصرف فيها، فتصرفنا محدود حسب الشريعة، فلو أراد الإنسان أن يحرق ماله فإنه هذا ممنوع ولا يجوز، فملك غير الله قاصر وغير شامل.
• قال الشيخ ابن عثيمين: يشمل ملك الذوات، أي: ملك ذات السماوات والأرض، وملك التصرف فيهما، يتصرف فيهما كما يشاء، فهو الذي أوجدهما وهو الذي يمسكهما أن تزولا، وهو الذي يدبر ما فيهما، وهو الذي يتلفهما، ويُفنيهما عند قيام الساعة.
• نستفيد من ذلك:
أولاً: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء.
ثانياً: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه، إذا قال لك: افعل كذا فافعل، وإذا قال: لا تفعل: فلا تفعل.
стр. 1341
• قوله تعالى (السَّمَاوَاتِ) هذا جمع، وقد صرح الله في القرآن بأن السموات سبع كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) وقال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً).
• قوله تعالى (والأرض) جاء في القرآن التلميح بأنها سبع في قوله تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) أي في العدد، وجاءت في السنة التصريح بأنها سبع في قوله ﷺ (من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أراضين) متفق عليه.
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يعجزه شيء، صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
• قال الشنقيطي: جرت العادة بذكر قدرته عند الأمور التي لا يستطيعها البشر، كما ذكر ذلك عند نصره لعباده الضعفاء المتمسكين بدينه كقوله تعالى في الأحزاب (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) وقال في الحديبية (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً).
ومن قدرته أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الآية عامة، فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما يشاء، وأما قوله تعالى (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع، يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجزه شيء.
الفوائد:
١ - أن ملك السماوات والأرض خاص بالله تعالى.
٢ - أن الملك المطلق لله وحده.
٣ - عموم قدرة الله.
(الخميس: ١٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ)
стр. 1342
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)). [آل عمران: ١٩٠ - ١٩٤].
(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع.
وقد أمرنا الله بالنظر والتفكر في السماوات والأرض الدالة على توحيده وعظمته وجلاله في آيات كثيرة:
فقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).
وقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).
وقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).
وقال تعالى (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ).
وقال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).
وقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).
وقال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
• وهما من أعظم المخلوقات، وهما من أدلة البعث، حيث أن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره من باب أحرى.
قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).
وقال تعالى (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ).
وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
стр. 1343
وقال تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا).
• وخلقهما سبحانه بالحق كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً).
وقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ).
فمن الحق الذي كان خلقهما من أجله: إقامة البرهان على أنه الواحد المعبود وحده جلا وعلا.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق، قال في صفات من يستحق العبادة (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً).
والآيات في مثل ذلك كثيرة تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق ومن الحق الذي من أجله خلق السموات والأرض، تعليمه لخلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً).
ومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما: هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
(وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وتارة يطول هذا ويقصر هذا وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان كما قال تعالى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).
стр. 1344
• وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع:
قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ).
وقال تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ).
وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).
(لَآياتٍ) أي: لعلامات ودلالات وبراهين.
• قال القاسمي: عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كَمّاً وكيفاً.
(لِأُولِي الْأَلْبَابِ) أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون.
قال الله تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ).
وقال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ).
وقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).
• وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوتة.
• قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:
أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة.
فالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ … ). وقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن.
والثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).
стр. 1345
• وآيات الله تنقسم إلى قسمين:
o الآيات الكونية القدرية (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها).
وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة.
قال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده.
o الآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله).
ومنه قوله تعالى (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).
وسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها.
الكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها غير الله، أو أن يعتقد أن له شريكاً في خلقه، أو أن له معيناً في خلقه.
والكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها، أو بتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد.
• ثم وصف تعالى أولي الألباب بقوله:
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم، بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم.
• قال القرطبي: ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلوا ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصُر زَمانه.
ومن هذا المعنى قولُ عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
стр. 1346
• قال الرازي: للمفسرين في هذه الآية قولان:
الأول: أن يكون المراد منه كون الإنسان دائم الذكر لربه، فإن الأحوال ليست إلا هذه الثلاثة، ثم لما وصفهم بكونهم ذاكرين فيها كان ذلك دليلاً على كونهم مواظبين على الذكر غير فاترين عنه ألبتة.
والقول الثاني: أن المراد من الذكر الصلاة، والمعنى أنهم يصلون في حال القيام، فإن عجزوا ففي حال القعود، فإن عجزوا ففي حال الاضطجاع، والمعنى أنهم لا يتركون الصلاة في شيء من الأحوال.
والحمل على الأول أولى.
لأن الآيات الكثيرة ناطقة بفضيلة الذكر.
• وقال ابن عاشور: وقيل: أراد أحوال المصلّين: من قادر، وعاجز، وشديد العجز، وسياق الآية بعيد عن هذا المعنى.
وقد أمر الله بالإكثار من ذكره:
فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).
وقال تعالى (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ … وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً
وَأَجْراً عَظِيماً).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً).
وقال تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
стр. 1347
• وللذكر فضائل عظيمة:
منها: أنه يورث العبد ذكر الله له.
كما قال تعالى (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ).
قال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً.
وقال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه.
ومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن.
كما في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
ومنها: أنه غرس الجنة.
كما في قوله ﷺ (لقيت ليلة اسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي.
ومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد.
فإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
ومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال.
كما قال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي .. ) متفق عليه.
ومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله.
كما في الحديث ( … وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعاً، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله … ) رواه الترمذي.
قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى.
стр. 1348
وكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده … ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك).
ومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر.
كما في حديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم.
ومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه.
كما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم.
وكما في حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إن لله ملائكة فُضُلاً سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا ..... ) رواه مسلم.
ومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته.
كما في حديث معاوية (أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني
جبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.
ومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.
كما في الحديث (أن النبي ﷺ علم ابنته فاطمة وعلياً أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها ﷺ ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه.
стр. 1349
قال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم.
ومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق.
قال تعالى في المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق.
ومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله.
ومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله.
كما أوصى ﷺ رجلاً بقوله (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) رواه الترمذي.
ومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل.
فإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها.
• من أقوال السلف في ذكر الله تعالى:
قال أبو الدراء: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله.
وقال معاذ: ما عمل العبد عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله.
وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس.
وقال كعب: من أكثر من ذكر الله برأ من النفاق.
وقال ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.
وقال ابن القيم: الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.
وقال: من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره.
وقال: وكل شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة.
وعن عكرمة: أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنوبي.
وقال ابن السماك: رأيت مسعراً في النوم، فقلت: أي العمل وجدت أنفع؟ قال: ذكر الله.
وقال أحمد بن حنبل: صحبت هشيْماً أربع سنين أو خمس، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته.
стр. 1350
وقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنباً، قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة.
وقالت رابعة العدوية لصالح المري: يا صالح، من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
وعن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء.
وعن ميمون بن سياه قال: إذا أراد الله بعبده خيراً: حبب إليه ذكره.
وعن ذي النون المصري: ما طابت الدنيا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته.
(وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته.
• التفكر هو: تكرار تأمل القلب في الشيء مرّات ومرات، حتى يتعرف العبد على خباياه وأسراره قدر طاقته.
• قال ابن القيم: الفكرة هي تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماساً له.
• وقد أمر الله بالتفكر في آياته في مواضع كثيرة:
قال تعالى (وقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ).
وذك المتغافلين المعرضين عن التفكر.
قال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ).
وقال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ).
стр. 1351
• قال ابن القيم: إذا غذي القلب بالتذكر، وسقيَ بالتفكر، ونُقي من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة.
• وقال ﵀: معرفة الله سبحانه نوعان: الأول: معرفة إقرار وهي التي اشترك فيها الناس البر والفاجر والمطيع والعاصي. والثاني: معرفة توجب الحياء منه والمحبة له وتعلق القلب به والشوق إلى لقائه وخشيته والإنابة إليه والأنس به والفرار من الخلق إليه، وهذه هي المعرفة الخاصة الجارية على لسان القوم.
ولهذه المعرفة بابان واسعان:
الباب الأول: التفكر والتأمل في آيات القرآن كلها، والفهم الخاص عن الله ورسوله.
والباب الثاني: التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمته فيها وقدرته ولطفه وإحسانه وعدله وقيامه بالقسط.
وقال ﵀: والتذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف، وحقائق الإيمان والإحسان، والعارف لا يزال يعود بتفكره على التذكرة، وبتذكره على تفكره، حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم.
سئلت أم ذر عن عبادة أبي ذر فقالت: التفكر والاعتبار.
وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وقال: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته فكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو.
وقال الفضيل: الفكرة مرآةُ تريك حسناتِك وسيئاتِك.
وقال ابنُ بَطَّال: إن الإنسان إذا كَمُل إيمانه، وكَثُر تفكُّره، كان الغالِبُ علَيْه الإشفاقَ والخَوْف.
وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئٍ قط إلا علِم، وما علِم امرؤ قط إلا عمِل.
وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله حسن، والفكرةُ في نِعم الله أفضل العبادة.
وقال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى ما عصوه قط.
وقال ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلبُ ساهٍ.
بينما أبو شريح يمشي يوماً إذ جلس، ثم بكى بكاء شديداً، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تفكرت في ذهاب عمري، وقلة عملي، واقتراب أجلي.
وقال الشافعي: استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكرة.
стр. 1352
قال ابن القيم معلقاً: وهذا لأن الفكرة عمل القلب، والعبادة عمل الجوارح، والقلبُ أشرف من الجوارح، فكان عمله أشرف من عمل الجوارح، وأيضاً فالتفكر يوقع صاحبه من الإيمان على ما لا يوقعه العمل المجرد.
وقال ابن الجوزي: همة المؤمن متعلقةٌ بالآخرة، فكل ما في الدنيا يحرّكه إلى ذكر الآخرة، وكل من شغله شيء فهمته شغله.
ألا ترى أنه لو دخل أرباب الصنائع إلى دار معمورة رأيت البزاز ينظر إلى الفرش ويحزر قيمته، والنجار إلى السقف، والبناء إلى الحيطان، والحائك إلى النسيج المخيط.
والمؤمن إذا رأى ظلمة ذكر ظلمة القبر، وإن رأى مؤلماً ذكر العقاب، وإن سمع صوتاً فظيعاً ذكر نفخة الصور، وإن رأى الناس نياماً ذكر الموتى في القبور، وإن رأى لذة ذكر الجنة، فهمته متعلقة بما ثم، وذلك يشغله عن كل ما تم.
قال بعض الحكماء: أحْي قلبك بالمواعظ، ونوّره بالفكر، وموِّته بالزهد، وقوِّه باليقين، وذلله بالموت، وقرّره بالفناء، وبصِّره فجائع الدنيا.
سئل أعرابي عن دليل على وجود الله فقال: سبحان الله! سماءٌ ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، وبحارٌ ذاتُ أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير!!
قال ابن القيم: أنفع الدواء أن تشغل نفسك بالفكر فيما يعنيك دون ما لا يعنيك
(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) أي: ما خلقت هذا الخلق عبثاً، بل لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى.
(سُبْحَانَكَ) تنزيهاً لك يا رب أن تخلق شيئاً باطلاً.
قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ.
وقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ).
стр. 1353
وقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ).
وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم).
وقال تعالى (أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً).
(فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: يا من خَلَق الخلق بالحق والعدل يا من هو مُنزه عن النقائص والعيب والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وَقيضْنَا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذابك الأليم.
كما قال تعالى عن عبد الله الصالحين (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً).
الفوائد:
١ - الحث على التأمل في خلق السماوات والأرض.
٢ - آية اختلاف الليل والنهار.
٣ - الثناء على أصحاب العقول.
٤ - تنوع الآيات ليزداد المؤمن إيماناً.
٥ - أنه كلما كان الإنسان أعقل كان بالله وآياته أعلم.
٦ - فضل ذكر الله على كل حال.
٧ - فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض.
٨ - التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء.
٩ - تنزيه الله عن أن يخلق لغير حكمة.
١٠ - أن من أسماء الله الحكيم المتضمن الحكمة الكاملة.
١١ - تنزيه الله عن العبث.
١٢ - وجوب الاستعاذة من النار.
(الجمعة: ١٧/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1354
(رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (١٩٢) رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)). [آل عمران: ١٩٢ - ١٩٤].
(رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع.
• قال ابن عاشور: قولهم (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) مسوق مساق التعليل لسؤال الوقاية من النار، كما توذن به (إنّ) المستعملة لإرادة الاهتمام إذ لا مقام للتأكيد هنا.
• قال الشوكاني: بيان للسبب الذي لأجله دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار فقد أخزاه، أي: أذله وأهانه.
• قال الرازي: اعلم أنهم لما سألوا ربهم أن يقيهم عذاب النار أتبعوا ذلك بما يدل على عظم ذلك العقاب وشدته وهو الخزي، ليكون موقع السؤال أعظم، لأن من سأل ربه أن يفعل شيئاً أو أن لا يفعله، إذا شرح عظم ذلك المطلوب وقوته كانت داعيته في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه في طلبه أشد، والدعاء لا يتصل بالإجابة إلا إذا كان مقروناً بالإخلاص، فهذا تعليم من الله عباده في كيفية إيراد الدعاء.
стр. 1355
• قال ابن الجوزي قوله تعالى (فقد أخزيته) فيما يتعلق به هذا الخزي قولان:
أحدهما: أنه يتعلق بمن يدخلها مخلداً.
والثاني: أنه يتعلق بكل داخل إليها، وهذا المعنى مروي عن جابر بن عبد الله، واختاره ابن جرير.
(وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) أي: يوم القيامة لا مُجير لهم منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم.
والمراد بالظلم هنا الشرك، فإن الشرك ظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك.
كما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم).
وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم).
وقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) أي: من المشركين.
ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) أي ولم تنقص.
• وقد يطلق الظلم على ظلم الإنسان نفسه ببعض المعاصي التي لا تبلغ الكفر، ومنه قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) بدليل قوله في الجميع (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)، لأن هذا أطاع الشيطان وعصى ربه فقد وضع الطاعة في غير موضعها.
(رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) أي: داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ .
فالأكثر أن الداعي هو محمد ﵊.
والدليل عليه قوله تعالى (ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ) (وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ) (أَدْعُو إلى الله).
• قال البغوي: يعني محمداً، قاله ابن مسعود وابن عباس وأكثر المفسرين.
• قال الشوكاني: المنادي عند أكثر المفسرين هو النبي ﷺ ، وقيل: هو القرآن.
• قوله تعالى (يُنَادِي لِلْإِيمَانِ) أي: (إلى) الإيمان كقوله تعالى (بأن ربك أوحى لها) أي: أوحى إليها، وكقول المؤمنين (الحمد لله الذي هدانا لهذا) أي: إلى هذا، وقيل: اللام للعلة، أي: لأجل الإيمان.
стр. 1356
(أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ) أي: يقول: آمنوا.
(فَآمَنَّا) أي: فاستجبنا له واتبعناه.
(رَبَّنَا) تكرير النداء ب (ربنا) لإظهار التضرع والخضوع.
(فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها وامحها.
(وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) جمع سيئة، وسميت سيئة، لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلاً بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه، وربما تسوء غيره بأن يتعدى ضررها إلى الغير مباشرة، أو بأن يكون لها أثرها السيء على البلاد والعباد عامة بمحق البركات وقلة الخيرات، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال ﷺ (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء) رواه ابن ماجه
стр. 1357
• اختلف في المراد بالذنوب والسيئات هنا على أقوال:
قيل: المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيئات الصغائر، كما قال تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً). فطلبوا تكفير الصغائر، لأن الصغائر تكفرها الطاعات.
وقيل: أن المراد بهما شيء واحد وإنما أعيد ذلك للتأكيد لأن الالحاح في الدعاء والمبالغة فيه مندوب.
قال الشوكاني: والظاهر عدم اختصاص أحد اللفظين بأحد الأمرين، والآخر بالآخر، بل يكون المعنى في الذنوب والسيئات واحداً، والتكرير للمبالغة والتأكيد.
وقيل: المراد بالأول ما تقدم من الذنوب، وبالثاني المستأنف.
وقيل: أن يريد بالغفران ما يزول بالتوبة، وبالكفران ما تكفره الطاعة العظيمة.
وقيل: أن يكون المراد بالأول ما أتى به الإنسان مع العلم بكونه معصية وذنباً، وبالثاني: ما أتى به الإنسان مع جهله بكونه معصية وذنباً.
(وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) أي: ألحقنا بالصالحين المكثرين من الطاعات والأعمال الصالحات.
والأبرار: جمع بار أو بر، وأصله من الاتساع، فكأن البار متسع في طاعة الله ومتسعة له رجمته.
• وليس في هذا دعاء بالموت، وإنما هو نظير قول يوسف ﵇ (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين).
• في هذا جواز التوسل بالعمل الصالح، فالتوسل المشروع أنواع:
الأول: التوسل إلى الله باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته العليا.
كأن يقول المسلم في دعائه (اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير، أن تعافيني) ودليل مشروعية هذا النوع من التوسل:
قوله تعالى (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها).
والمعنى: ادعوا الله تعالى متوسلين إليه بأسمائه الحسنى.
ومن الأدلة قول النبي ﷺ في أحد أدعيته الثابتة عنه قبل السلام من صلاته ﷺ : (اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي … ) رواه النسائي.
стр. 1358
ومنها أنه ﷺ سمع رجلاً يقول في تشهده: اللهم إني أسألك يا الله الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم، فقال ﷺ : (قد غفر له قد غفر له). رواه أبو داود
ومنها ما رواه أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا حزبه أمر قال: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث) رواه الترمذي.
بهذه الأحاديث وما شابهها تبين مشروعية التوسل إلى الله باسم من أسمائه أو صفة من صفاته.
الثاني: التوسل إلى الله بعمل صالح قام به الداعي.
كأن يقول المسلم (اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتباعي لرسولك اغفر لي). وأدلة هذا النوع:
قوله تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).
وقال تعالى (ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين).
ومن ذلك حديث أصحاب الغار الثلاثة، حيث انطبقت عليهم الصخرة فسدّت عليهم باب الغار، فلم يستطيعوا الخروج، فتوسلوا إلى الله بصالح الأعمال ففرج الله عنهم فخرجوا يمشون. متفق عليه
الثالث: التوسل إلى الله تعالى بدعاء الرجل الصالح.
كأن يقع المسلم في ضيق شديد أو تحل به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله، فيحب أن يأخذ بسبب قوي إلى الله فيذهب إلى رجل يعتقد فيه الصلاح والتقوى، فيطلب منه أن يدعو له ربه.
стр. 1359
فهذا مشروع وقد دلت عليه الشريعة المطهرة.
فمن ذلك ما رواه أنس ﵁ قال (أصاب الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب على المنبر قائماً يوم الجمعة، دخل أعرابي فاستقبل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال وانقطعت السبل فادع الله لنا … ) متفق عليه.
ومن ذلك ما رواه أنس: (أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون) رواه البخاري.
ومعنى قول عمر: إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، أي: كنا نقصد نبينا ونطلب منه أن يدعو لنا، ونتقرب إلى الله بدعائه، والآن وقد انتقل ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ولم يعد من الممكن أن يدعو لنا، فإننا نتوجه إلى عم نبينا العباس، ونطلب منه أن يدعو لنا.
وليس معناه أنهم كانوا يقولون في دعائهم: اللهم بجاه نبيك أسقنا، ثم أصبحوا يقولون بعد وفاته ﷺ : اللهم بجاه العباس أسقنا.
لأن مثل هذا الدعاء مبتدع ليس له أصل في الكتاب ولا في السنة.
ومن ذلك ما رواه الحافظ بن عساكر في تاريخه (١٨/ ١٥١/ ١) بسند صحيح عن التابعي الجليل سليم بن عامر: (أن السماء قحطت فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى، فأمره معاوية فصعد على المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك اليوم بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثاوت سحابة في الغرب كأنها ترس، وهبت لها ريح، فسقتنا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم).
стр. 1360
فهذا معاوية ﵁ لا يتوسل بالنبي ﷺ ، وإنما يتوسل بهذا الرجل الصالح.
(رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ) قيل: معناه: على الإيمان برسلك، وقيل: معناه: على ألسنة رسلك، وهذا أظهر.
• قال ابن القيم: المعنى: وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة.
وقالت طائفة: معناه: وآتنا ما وعدتنا على الإيمان برسلك.
ويترجح الأول بأنه قد تقدم قولهم (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمرسل.
• قال القرطبي: إن قيل: ما وجه قولهم (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ) وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد؛ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأوّل: أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعِد بذلك دون الْخزِي والعِقاب.
الثاني: أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع؛ والدعاء مُخّ العبادة.
وهذا كقوله (قَالَ رَبِّ احكم بالحق) وإن كان هو لا يقضِي إلاَّ بالحق.
الثالث: سألوا أن يُعطوا ما وعِدوا به من النصر على عدوّهم معجَّلا؛ لأنها حكاية عن أصحاب النبيّ ﷺ ، فسألوه ذلك إعزازاً للدّين.
والله أعلم.
стр. 1361
(وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: على رؤوس الخلائق.
(إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) فالله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته، لأن الذي يخلف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد، أو لعجزه.
الفوائد:
١ - أن النار دار الخزي.
٢ - على المسلم أن يدعو الله أن يقيهم عذاب النار.
٣ - إثبات النار.
٤ - تحريم الظلم بكل أنواعه وأعظمه الشرك.
٥ - أن الظلم سبب لدخول النار.
٦ - وجوب الإيمان بالله.
٧ - جواز التوسل بالعمل الصالح.
٨ - أن الإيمان من أفضل الأعمال.
٩ - كل أحد يحتاج لمغفرة الذنوب.
١٠ - أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر.
١١ - تمني الموت على الإسلام والسنة.
١٢ - ينبغي للداعي أن يكثر من الثناء على الله.
١٣ - أن الرسل هم الواسطة بين الله وبين خلقه.
١٤ - إثبات يوم القيامة.
١٥ - فضيلة الخوف من الله.
١٦ - أن الله لا يخلف الميعاد.
стр. 1362
(فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)). [آل عمران: ١٩٥].
(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) أي: فأجابهم ربهم.
(أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) هذا تفسير للإجابة، أي: قال لهم مجيباً لهم: أنه لا يضيع عامل لديه، بل يوفّى كل عامل بقسط عمله، من ذكر أو أنثى.
(بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: جميعكم في ثوابي سواء.
(فَالَّذِينَ هَاجَرُوا) أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والخلان والجيران.
(وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ) أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم.
(وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي) أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده.
كما قال تعالى (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ).
وقال تعالى (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُم).
(وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا) وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فَيُعقر جواده، ويعفّر وجهه بدمه وترابه.
(لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ) أي: يسترها ويمحوها ويتجاوز عنها.
• فالتكفير بمعنى الستر، مأخوذة من (الكَفْر) بفتح الكاف وسكون الفاء، وهو الستر، ومنه سميت الكفارة، لأنها تستر الذنب، وسمي الزارع كافراً لأنه يستر الحب في الأرض، وسمي الليل كافراً لأنه يستر الكون بظلامه، وسمي الشخص الكافر لأنه ستر نعمة الله عليه.
• قوله تعالى (سَيِّئَاتِهِمْ) جمه سيئة، سميت بذلك لأنها سيئة بنفسها وقبيحة، ولأنها أيضاً تسوء مرتكبها حالاً ومآلاً.
• والسيئات في الأصل تطلق على الكبائر والصغائر كما هنا، قد يراد بها الصغائر إذا قرنت مع الكبائر كما في قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً).
стр. 1363
(وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤه دخول الجنان.
• والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).
وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال ﷺ (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).
• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحياناً يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها.
• قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.
• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر، لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً.
• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:
أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.
• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).
стр. 1364
(ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: عطاء من الله.
• قال ابن كثير: أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً.
(وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) أي: عنده حسن الجزاء إن عمل صالحاً.
الفوائد:
١ - فضل الله بإجابة دعاء هؤلاء.
٢ - أن تكرار الدعاء من أسباب الإجابة.
٣ - إثبات ربوبية الله تعالى.
٤ - أن الله يثيب على الأعمال كاملاً، ولا يضيع عنده عمل.
٥ - الحث على العمل الصالح والإخلاص فيه.
٦ - استواء الذكر والأنثى في الجزاء على الحسنات.
٧ - فضيلة الهجرة.
٨ - فضل وعلو منزلة من أخرج من دياره في سبيل الله.
٩ - الصبر على الإيذاء في سبيل الله لما له من الأجر العظيم.
١٠ - فضل القتال في سبيل الله.
١١ - عظم نعيم الجنة، ومن هذا النعيم: الأنهار تجري من تحتها.
стр. 1365
(لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)). [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧].
(لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاد) أي: لا يحزنك يا محمد ذهابهم ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض.
• قيل: الخطاب للرسول ﷺ ولكن المراد هو الأمة. وقيل: المراد أمته كما يخاطب سيد القوم ومقدمهم والمراد به كلهم كأنه قيل لا يغرنكم.
• قال ابن عاشور: والتقلّب: تصرّف على حسب المشيئة في الحروب والتجارات والغرس ونحو ذلك، قال تعالى (ما يجادل في آيات الله إلاّ الذين كفروا فلا يَغْرُرْك تَقَلُّبُهم في البلاد).
• وقال السعدي: وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله متاع.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وجه الغرور من وجهين:
الأول: ظن أن ما هم عليه حق، لأنه يقول: لو كان باطلاً ما مكنهم الله من هذا التقلب.
والثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من الناس اليوم حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم.
(مَتَاعٌ قَلِيلٌ) أي: تقلبهم متاع قليل.
قليل في زمنه، قليل في كميته، قليل في كيفيته.
فالزمن قليل محدود وهو عمر الإنسان، قليل في الكيفية: حيث أن الإنسان يعترضه أمراض وأوجاع ومصائب.
• قال الرازي: وإنما وصفه الله تعالى بالقلة لأن نعيم الدنيا مشوب بالآفات والحسرات، ثم إنه بالعاقبة ينقطع وينقضي.
• قال ابن كثير: وهذه الآية كقوله تعالى (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ).
стр. 1366
وقال تعالى (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ).
وقال تعالى (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي: قليلاً.
وقال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِين).
قوله تعالى (مَتَاعٌ قَلِيلٌ).
• فالدنيا مهما كانت فهي متاع قليل.
قال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
قال ﷺ (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).
(ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة، وهو كقوله (إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً) وقوله (وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).
(وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي الفراش، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) فهم بين أطباق النيران، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار.
стр. 1367
الفوائد:
١ - ما يعطاه الإنسان من صحة وسعة رزق ومال ليس دليلاً على رضا الله عنه.
قال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).
وقال تعالى (فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).
وجاء في الحديث قال ﷺ (إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج) ثم تلا رسول الله ﷺ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون).
٢ - ألا يغترَّ المؤمنُ بحال هؤلاء الكفار وما هم فيه من النِّعمة والغبطة والسرور، فهو متاع زائل يعقبه عذاب أبدي سرمدي.
قال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون).
٣ - الحذر من الوقوع في هذه الفتنة، والفتن من أراد أن يسلم منها فعليه أن يهرب منها.
عن عِمْرَان بْن حُصَيْن. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ) رواه أبو داود.
وعن أبي بَكْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ) رواه مسلم.
قال النووي: قوله (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا … ) فَمَعْنَاهُ بَيَان عَظِيم خَطَرهَا. وَالْحَثّ عَلَى تَجَنُّبهَا وَالْهَرَب مِنْهَا، وَمِنْ التَّشَبُّث فِي شَيْء، وَأَنَّ شَرّهَا وَفِتْنَتهَا يَكُون عَلَى حَسَب التَّعَلُّق بِهَا.
قال ابن القيم: قال النبي ﷺ (من سمع بالدجال فلينأ عنه) فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه، وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة.
وقال ابن الجوزي: من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادّعى الصبر وُكِل إلى نفسه.
٤ - أن إمهال الله لهؤلاء الكفار وتتابُع النعم والخيرات لهم، إنما هو زيادة لهم في عذاب الآخرة.
قال تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين).
وقال تعالى (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون).
٥ - أنَّ ما يعطيه الله للكفَّار مِن نعَم الدنيا، إنما ذلك لهوان الدُّنيا عنده وحقارتها، وابتلاء لهم وفتنة.
كما قال تعالى (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُون).
٦ - الترغيب في الآخرة والزهد في الدنيا.
[الأحد: ١٩/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ].
стр. 1368
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ (١٩٨)). [آل عمران: ١٩٨].
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
قال الشيخ ابن عثيمين: ولم يقل (اتقوا الله) إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة، أعانهم فيها على التقوى، ووفقهم لها
• وقال علي: وقد سئل عن التقوى فقال: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
وقال بن رجب ﵀: وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
عن أبي هريرةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَ: (أَتْقَاهُم) متفق عليه.
فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله ﷺ لأمته.
وقد تقدمت فضائل التقوى.
(لَهُمْ جَنَّاتٌ) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.
وقال ﷺ (إن في الجنة شجرةً يسير الراكب مئة سنة ما يقطعها) متفق عليه.
وفي رواية (يسير الراكب في ظلها مئة سنة ما يقطعها).
وقال ﷺ (لقاب قوسٍ في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب) متفق عليه.
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (يُنَادِى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَداً وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَداً وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَداً وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَداً». فَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) متفق عليه.
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً) متفق عليه.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت قصورها الأنهار ( … أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).
стр. 1369
(خَالِدِينَ فِيهَا) أبد الآبدين ودهر الداهرين.
• وهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين.
وهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً.
فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.
• وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة.
فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.
وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه.
стр. 1370
• في هذه الآية فضل للمتقين، وأن التقوى سبب لدخول الجنة.
كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً).
وسئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي.
• ومن أسباب دخول الجنة:
صلاة الفجر والعصر.
قال ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
التلفظ بالشهادتين مع العمل بمقتضاها.
قال ﷺ ( … أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.
وفي حديث أبي هريرة الطويل وفيه (قال أبو هريرة، فَقَالَ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة) متفق عليه.
إحصاء أسماء الله.
قال ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِداً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.
قراءة آية الكرسي بعد الفريضة.
قال ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) رواه النسائي.
الذكر بعد الوضوء.
قال ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء) رواه مسلم.
قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
следующие страницы →