Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
وقال تعالى (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ).
وقال تعالى (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) أي: قليلاً.
وقال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِين).
قوله تعالى (مَتَاعٌ قَلِيلٌ).
• فالدنيا مهما كانت فهي متاع قليل.
قال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
قال ﷺ (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها).
(ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) يعني أنه مع قلته يسبب الوقوع في نار جهنم أبد الآباد والنعمة القليلة إذا كانت سببا للمضرة العظيمة لم يعد ذلك نعمة، وهو كقوله (إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً) وقوله (وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).
(وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي الفراش، والدليل على أنه بئس المهاد قوله تعالى (لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) فهم بين أطباق النيران، ومن فوقهم غواش يأكلون النار ويشربون النار.
стр. 1367
الفوائد:
١ - ما يعطاه الإنسان من صحة وسعة رزق ومال ليس دليلاً على رضا الله عنه.
قال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ).
وقال تعالى (فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ).
وجاء في الحديث قال ﷺ (إذا رأيتَ الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج) ثم تلا رسول الله ﷺ (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون).
٢ - ألا يغترَّ المؤمنُ بحال هؤلاء الكفار وما هم فيه من النِّعمة والغبطة والسرور، فهو متاع زائل يعقبه عذاب أبدي سرمدي.
قال تعالى (أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُون).
٣ - الحذر من الوقوع في هذه الفتنة، والفتن من أراد أن يسلم منها فعليه أن يهرب منها.
عن عِمْرَان بْن حُصَيْن. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ، أَوْ لِمَا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ) رواه أبو داود.
وعن أبي بَكْرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ) رواه مسلم.
قال النووي: قوله (الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا … ) فَمَعْنَاهُ بَيَان عَظِيم خَطَرهَا. وَالْحَثّ عَلَى تَجَنُّبهَا وَالْهَرَب مِنْهَا، وَمِنْ التَّشَبُّث فِي شَيْء، وَأَنَّ شَرّهَا وَفِتْنَتهَا يَكُون عَلَى حَسَب التَّعَلُّق بِهَا.
قال ابن القيم: قال النبي ﷺ (من سمع بالدجال فلينأ عنه) فما استعين على التخلص من الشر بمثل البعد عن أسبابه ومظانه، وههنا لطيفة للشيطان لا يتخلص منها إلا حاذق، وهي أن يظهر له في مظان الشر بعض شيء من الخير ويدعوه إلى تحصيله، فإذا قرب منه ألقاه في الشبكة.
وقال ابن الجوزي: من قارب الفتنة بعدت عنه السلامة، ومن ادّعى الصبر وُكِل إلى نفسه.
٤ - أن إمهال الله لهؤلاء الكفار وتتابُع النعم والخيرات لهم، إنما هو زيادة لهم في عذاب الآخرة.
قال تعالى (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين).
وقال تعالى (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُون).
٥ - أنَّ ما يعطيه الله للكفَّار مِن نعَم الدنيا، إنما ذلك لهوان الدُّنيا عنده وحقارتها، وابتلاء لهم وفتنة.
كما قال تعالى (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُون).
٦ - الترغيب في الآخرة والزهد في الدنيا.
[الأحد: ١٩/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ].
стр. 1368
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ (١٩٨)). [آل عمران: ١٩٨].
(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
قال الشيخ ابن عثيمين: ولم يقل (اتقوا الله) إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة، أعانهم فيها على التقوى، ووفقهم لها
• وقال علي: وقد سئل عن التقوى فقال: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
وقال بن رجب ﵀: وأصل التقوى أن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه، فتقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه وقاية تقيه من ذلك وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.
عن أبي هريرةَ ﵁، قَالَ: قِيلَ: يَا رسولَ الله، مَنْ أكرمُ النَّاس؟ قَالَ: (أَتْقَاهُم) متفق عليه.
فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله ﷺ لأمته.
وقد تقدمت فضائل التقوى.
(لَهُمْ جَنَّاتٌ) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
قال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.
وقال ﷺ (إن في الجنة شجرةً يسير الراكب مئة سنة ما يقطعها) متفق عليه.
وفي رواية (يسير الراكب في ظلها مئة سنة ما يقطعها).
وقال ﷺ (لقاب قوسٍ في الجنة خير مما تطلع عليه الشمس أو تغرب) متفق عليه.
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (يُنَادِى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَداً وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَداً وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَداً وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْتَئِسُوا أَبَداً». فَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) متفق عليه.
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ فَيَقُولُ أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً) متفق عليه.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: من تحت قصورها الأنهار ( … أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ).
стр. 1369
(خَالِدِينَ فِيهَا) أبد الآبدين ودهر الداهرين.
• وهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين.
وهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً.
فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.
• وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة.
فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.
وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه.
стр. 1370
• في هذه الآية فضل للمتقين، وأن التقوى سبب لدخول الجنة.
كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً).
وسئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال (تقوى الله وحسن الخلق) رواه الترمذي.
• ومن أسباب دخول الجنة:
صلاة الفجر والعصر.
قال ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
التلفظ بالشهادتين مع العمل بمقتضاها.
قال ﷺ ( … أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.
وفي حديث أبي هريرة الطويل وفيه (قال أبو هريرة، فَقَالَ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة) متفق عليه.
إحصاء أسماء الله.
قال ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِداً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.
قراءة آية الكرسي بعد الفريضة.
قال ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) رواه النسائي.
الذكر بعد الوضوء.
قال ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء) رواه مسلم.
قول لا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1371
قال ﷺ (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) متفق عليه.
سؤال الله الجنة.
قال ﷺ (من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) رواه الترمذي.
طلب العلم ابتغاء مرضات الله.
قال ﷺ (من سلط طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم.
السنن الرواتب.
قال ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِىَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّة) رواه مسلم.
الحج المبرور.
قال ﷺ (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.
• قال أبو حيان: قوله تعالى (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) لما تضمن ما تقدم أن ذلك التقلب والتصرف في البلاد هو متاع قليل، وإنهم يأوون بعد إلى جهنم، فدل على قلّة ما متعوا به، لأنّ ذلك منقض بانقضاء حياتهم، ودلّ على استقرارهم في النار استدرك بلكن الإخبار عن المتقين بمقابل ما أخبر به عن الكافرين، وذلك شيئان:
أحدهما: مكان استقرار وهي الجنات.
والثاني: ذكر الخلود فيها وهو الإقامة دائماً والتمتع بنعيمها سرمداً، فقابل جهنم بالجنات، وقابل قلة متاعهم بالخلود الذي هو الديمومة في النعيم، فوقعت لكن هنا أحسن موقع، لأنه آل معنى الجملتين إلى تكذيب الكفار وإلى تنعيم المتقين، فهي واقعة بين الضدين.
стр. 1372
(نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: ضيافة من عند الله.
(وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ) من النعيم العظيم، قال تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ)، ومن هذا النعيم قوله تعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كافوراً).
قال القرطبي: أي مما ينقلب به الكفار في الدنيا. -
الفوائد:
١ - فضل تقوى الله تعالى.
٢ - إثبات ربوبية الله تعالى.
٣ - الحث على تقوى الله.
٤ - أن من أسباب دخول الجنة تقوى الله.
٥ - أن ما يعطاه المؤمن في الجنة خير من متع الدنيا الزائل.
٦ - أن في الجنات أنهار كثيرة.
стр. 1373
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)). [آل عمران: ١٩٩].
(وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: طائفة من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى.
• اختلفوا في نزولها، فقال ابن عباس وجابر وقتادة: نزلت في النجاشي حين مات وصلى عليه النبي ﵇.
وقال ابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه.
وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى ﵇ فأسلموا
وقال مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، وهذا هو الأولى لأنه لما ذكر الكفار بأن مصيرهم إلى العقاب، بين فيمن آمن منهم بأن مصيرهم إلى الثواب. (تفسير الرازي).
• الأكثر من أهل الكتاب لم يؤمنوا.
• كما قال تعالى (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُون).
(لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) حق الإيمان، منزه عن الإشراك بكل مظاهره.
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ) من القرآن.
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ) من التوراة أو الإنجيل.
(خَاشِعِينَ لِلَّهِ) أي: خاشعون لله، أي: مطيعون له خاضعون متذللون بين يديه.
• قال السعدي: والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته، وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلا وافتقاراً، وإيماناً به وبلقائه.
فضائل الخشوع.
أولاً: يسهل فعل الطاعة.
قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
• قال السعدي: أي فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحًا بها صدره، لترقُبه للثواب وخشيته من العقاب. كما أن الخشوع هو العلم الحقيقي.
• قال الشوكاني: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة.
стр. 1374
ولذلك قيل: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية.
ثانياً: من علامات الفلاح.
قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ).
ثالثاً: وقد مدح الله الخاشعين.
قال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ).
ثالثاً: وأمر الله بالخشوع.
قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).
رابعاً: حث النبي على الخشوع.
قال ﷺ (هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوكم) متفق عليه.
خامساً: الخشوع من أسباب دخول الجنة.
قال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفق عليه.
سادساً: الخشوع من صفات الأنبياء.
قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
سابعاً: وأثنى الله على من آمن من أهل الكتاب بخشوعه.
قال تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً)
ثامناً: الخشوع من أسباب قبول العمل.
قال ﷺ (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه
تاسعاً: لهم مغفرة وأجراً عظيماً.
стр. 1375
قال تعالى (إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ
مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).
عاشراً: هو أول ما يرفع.
قال ﷺ (يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى خاشعاً).
الحادي عشر: عاتب الله الصحابة به.
قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).
وأصل الخشوع كما قال ابن رجب: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء لأنها تابعة له.
قال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.
وقال أبو يزيد المدني: إن أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع.
وقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يُريَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه.
(لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً) أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد ﷺ ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، من أجل ثمناً قليلاً من حطام الدنيا، من رئاسة أو مكانة أو مال، كما فعل كثير منهم.
فمعنى (لا يشترون) أي: لا يأخذون ويطلبون بآيات الله ثمناً قليلاً.
• قال ابن عاشور: (ثمناً قليلاً) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.
• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.
سئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَناً قَلِيلاً) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.
وقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.
стр. 1376
قال الحسن ﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله).
قال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (٢٠٧ هـ) ﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكاً وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى).
قال يوسف بن زكريا ﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).
جلس الحسن ﵀ يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).
• فأنت ترى أنه سبحانه قد وصفهم بخمس صفات كريمة تدل على صفاء نفوسهم وطهارة قلوبهم، وفي هذا إنصاف من القرآن الكريم للمهتدين من أهل الكتاب.
وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآية في كثير من سوره ومن ذلك قوله تعالى (لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
وقوله تعالى (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ).
وقدم سبحانه إيمانهم بالقرآن على إيمانهم بما أنزل عليهم لأن القرآن هو المهيمن على الكتب السماوية والأمين عليها، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه فهو باطل وقوله خاشِعِينَ لِلَّهِ حال من فاعل يُؤْمِنُ وجمع حملا على المعنى (التفسير الوسيط).
(أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: لهم ثوابهم عند الله بمقابل أعمالهم الجليلة، وهذا الثواب عظيم، لأن الشيء من العظيم عظيم.
• وجزاء وثواب من آمن من أهل الكتاب بنبيه ثم آمن بالنبي ﷺ له أجرين.
стр. 1377
قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).
وعن أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ (يَطَؤُهَا) فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ) متفق عليه.
(إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فالله سريع الحساب من وجهين:
الأول: أن اليوم الآخر - الذي يقع فيه الحساب - قريب أن مجيئه قريب وسريع، وكل ما هو آت قريب والله أخبر عن أمر الساعة أنه كلمح البصر أو هو أقرب.
كما قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ).
وقال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
والثاني: أن ذلك الحساب لا يطول لكثرة الخلق الذين يحاسبهم، بخلاف حال المخلوقين فإنهم إذا كثر ذلك عليهم فإن ذلك يقتضي طول الوقت الذي تستغرقه تلك المحاسبة.
كما قال تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ).
• ووصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه.
• قال الرازي: والفائدة في كونه سريع الحساب كونه عالماً بجميع المعلومات، فيعلم ما لكل واحد من الثواب والعقاب.
• قال ابن كثير: وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى.
وقد قال تعالى في سورة القصص (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا).
وقال تعالى (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
стр. 1378
وقال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ).
ثم قال ابن كثير: وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود ولم يبلغوا عَشْرَةَ أنفُس، وأما النصارى فكثير منهم مهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَ [ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) وكذا قال ههنا (أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
الفوائد:
١ - الثناء على بعض أهل الكتاب.
٢ - كمال عدل الله بإسناد الفضل إلى أهله.
٣ - فضل الخشوع لله، وأنه سبب للتوفيق.
٤ - خطر الدنيا وفتنها في الصد عن اتباع الحق.
٥ - أن الدنيا متاع قليل.
٦ - بيان قدرة الله في سرعة حسابه.
٧ - إثبات الحساب.
(الخميس: ٢٣/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ)
стр. 1379
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)). (آل عمران: ٢٠٠)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:
الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.
الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.
الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (ابن عثيمين).
والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.
• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. (الشنقيطي).
• قال ابن عاشور: ختمت السورة بوصاية جامعة للمؤمنين تجدّد عزيمتهم وتبعث الهمم إلى دوام الاستعداد للعدوّ كي لا يثبّطهم ما حصل من الهزيمة، فأمَرَهم بالصبر الذي هو جماع الفضائل وخصال الكمال.
(اصْبِرُوا) الصبر: حبس النفس عن أهوائها وشهواتها، وترويضها على تحمل المكاره، وتعويدها على أداء الطاعات.
وقد تقدمت فضائل الصبر.
(وَصَابِرُوا) وهي المغالبة بالصبر، بأن يكون المؤمن أشد صبراً من عدوه.
• قال صاحب الكشاف: وَصابِرُوا أعداء اللّه في الجهاد، أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أقل منهم صبراً وثباتاً، فالمصابرة باب من الصبر ذكر بعد الصبر على ما يجب الصبر عليه تخصيصاً لشدته وصعوبته.
• وقال ابن جرير: قوله تعالى (وصابروا) يعني: وصابروا أعداءكم من المشركين، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن المعروف من كلام العرب في"المفاعلة" أن تكون من فريقين، أو اثنين فصاعدًا، ولا تكون من واحد إلا قليلاً في أحرف معدودة. فإذْ كان ذلك كذلك، فإنما أمر المؤمنون أن يصابروا غيرهم من أعدائهم، حتى يظفرهم الله بهم، ويعلي كلمته، ويخزي أعداءهم، وأن لا يكون عدوُّهم أصبر منهم
• وقال ابن عاشور: ثم بالمصابرة وهي الصبر في وجه الصابر، وهذا أشدّ الصبر ثباتاً في النفس وأقربه إلى التزلزل، ذلك أنّ الصبر في وجه صابرٍ آخر شديد على نفس الصابر، لما يلاقيه من مقاومة قِرن له في الصبر قد يساويه أو يفوقه، ثم إنّ هذا المصابر إن لم يثبت على صبره حتّى يملّ قرنه فإنّه لا يجتني من صبره شيئاً، لأنّ نتيجة الصبر تكون لأطول الصابرين صبراً.
• قال الرازي: أما المصابرة فهي عبارة عن تحمل المكاره الواقعة بينه وبين الغير، ويدخل فيه تحمل الاخلاق الردية من أهل البيت والجيران والأقارب، ويدخل فيه ترك الانتقام ممن أساء إليك كما قال (وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين) وقال (وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً) ويدخل فيه الايثار على الغير كما قال (وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) ويدخل فيه العفو عمن ظلمك كما قال (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى).
(وَرَابِطُوا) من المرابطة وهي القيام على الثغور الإسلامية لحمايتها من الأعداء، فهي استعداد ودفاع وحماية لديار الإسلام من مهاجمة الأعداء.
قال الخليل بن أحمد: المرابطة ملازمة الثغور.
وقال ابن الأثير: الرباط في الأصل الإقامة على جهاد العدو في الحرب، وارتباط الخيل وإعدادها.
стр. 1380
وقال في فتح الباري في معنى الرباط: ملازمة المكان الذي بين المسلمين والكفار وحراسة المسلمين منهم.
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا). متفق عليه
وعَنْ سَلْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِى كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّان) رواه مسلم.
قال النووي ﵀: هذه فضيلة ظاهرة للمرابط، وجريان عمله عليه بعد موته فضيلة مختصة به لا يشاركه فيها أحد، وقد جاء صريحا في غير مسلم: (كل ميت يختم على عمله الا المرابط فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة).
قال القرطبي: وَفِي هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّبَاطَ أَفْضَلُ الأعْمَالِ الَّتِي يَبْقَى ثَوَابُهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: (إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثَلاثَةٍ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ) وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ الْجَارِيَةَ وَالْعِلْمَ الْمُنْتَفَعَ بِهِ وَالْوَلَدَ الصَّالِحَ الذي يَدْعُو لأبَوَيْهِ يَنْقَطِعُ ذَلِكَ بِنَفَادِ الصَّدَقَاتِ وَذَهَابِ الْعِلْمِ وَمَوْتِ الْوَلَدِ. وَالرِّبَاطُ يُضَاعَفُ أَجْرُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لأَنَّهُ لا مَعْنَى لِلنَّمَاءِ إِلا الْمُضَاعَفَةُ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْقُوفَةٍ عَلَى سَبَبٍ فَتَنْقَطِعُ بِانْقِطَاعِهِ، بَلْ هِيَ فَضْلٌ دَائِمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا لأنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ كُلَّهَا لا يُتَمَكَّنُ مِنْهَا إِلا بِالسَّلامَةِ مِنَ الْعَدُوِّ وَالتَّحَرُّزِ مِنْهُ بِحِرَاسَةِ بَيْضَةِ الدِّينِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِ الإسْلامِ.
فائدة:
سئل ابن تيمية: هَلْ الْأَفْضَلُ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ؟ أَوْ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى؟ أَوْ بِثَغْرِ مِنْ الثُّغُورِ لِأَجْلِ الْغَزْو؟
فَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْمُرَابَطَةُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً؛ بَلْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُجَاوَرَةِ: فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمَا؛ وَلَكِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْن السَّلَف حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ وَجِنْسُ الْجِهَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِنْسِ الْحَجِّ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ (عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ حَجٌّ مَبْرُورٌ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ) إلَى قَوْلِهِ (إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيم).
стр. 1381
وقال ﵀: وما زال خيار المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعيهم من بعدهم من الأمراء والمشايخ يتناوبون الثغور لأجل الرباط.
وكان ابن المبارك وأحمد ابن حنبل وغيرهم يقولون: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغور. فإن الحق معهم؛ لأن الله يقول (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وبالجملة، السكن بالثغور والرباط والاعتناء به أمر عظيم، وكانت الثغور معمورة بخيار المسلمين علمًا وعملًا وأعظم البلاد إقامة شعائر الإسلام وحقائق الإيمان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان كل من أحب التبتل للعبادة والانقطاع إلى الله وكمال الزهد والعبادة والمعرفة يدلونه على الثغور.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: من أجل أن تفلحوا.
والفلاح: كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب.
الفوائد:
١ - فضيلة الإيمان وأهله.
٢ - الحث والأمر بالصبر.
٣ - الأمر بالمصابرة.
٤ - الأمر بالمرابطة.
٥ - الأمر بالتقوى.
٦ - أن التقوى سبب للفلاح.
стр. 1382
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير
سورة النساء
فوائد - منوعات - فضائل - أقوال
جمع وإعداد
سليمان بن محمد اللهيميد
السعودية - رفحاء
стр. 1383
hotmail.com
стр. 1384
كانت البداية بفضل الله: ٨/ ٩/ ١٤٣٠ هـ
بداية الشرح الثاني: يوم السبت ٢٥/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ
стр. 1385
تفسير سورة النساء
مقدمة:
سميت بسورة النساء، لذكر النساء فيها، ولأنه ذكر فيها كثيراً من الأحكام التي تتعلق بالنساء من العدل بينهن وتوريثهن، وتأديبهن إذا أتين بفاحشة، وحسن معاشرتهم، وذكر ما حرم وما حل منهن، وقوامة الرجل عليهن، والثناء على الصالحات منهن، وكيفية معالجة الناشزات منهن والصلح بينهن وبين الأزواج.
وهي سورة مدنية.
قالت عائشة: ما أنزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، والنبي ﷺ لم يدخل بها إلا في المدينة.
وتسمى سورة النِّساءِ الكبرى، واسم سورة الطَّلاق سورةُ النِّساءِ الصّغرى.
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)). [النساء: ١].
(يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ) افتتح الله هذه السورة بالوصية لجميع الناس بتقوى الله.
وقد جاءت آيات كثيرة تأمر بتقوى الله:
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً).
стр. 1386
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسوله ﷺ لأمته.
كان ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً.
ولما خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله وبالسمع والطاعة لأئمتهم.
ولما وعظ الناس كأنها موعظة مودع قال: أوصيكم بتقوى الله.
وقال لمعاذ: اتق الله حيثما كنت.
في هذا الحديث دليل على وجوب تقوى الله في السر والعلن ومراقبته سبحانه لقوله (اتق الله حيثما كنت) حيث يراه الناس وحيث لا يرونه.
إن تقوى الله في الغيب، وخشيته في السر، دليل كمال الإيمان، وسبب حصول الغفران، ودخول الجنان، بها ينال العبد كريم الأجر وكبيره.
قال تعالى (إنما تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم).
وقال تعالى (إن الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِير).
وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ. هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ. مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ. ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ. لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد).
وكان النبي ﷺ يقول في دعائه (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة).
стр. 1387
وخشية الله في الغيب والشهادة من المنجيات، كما قال ﷺ (ثلاث منجيات، وذكر منها: خشية الله في السر والعلن).
وقال الشافعي: أعز ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف.
وكان الإمام أحمد ينشد:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل … خلوتُ ولكنْ قل عليّ رقيب
ولا تحسبنّ اللهَ يغفلُ ساعةً … ولا أن ما يخفى عليه يغيبُ
وقال الشاعر:
إذا خلوت بريبة في ظلمة والنفس داعية إلَى الطغياني
فاستحي مِن نظر الإله وقل لها إن الذي خلق الظلام يراني
قال ابن رجب ﵀: وفي الجملة، فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين.
وقال ﵀ في شرح حديث عمار: فأما خشية الله في الغيب والشهادة، فالمعنى أن العبد يخشى الله سراً وإعلاناً وظاهراً وباطناً، فإن أكثر الناس يرى أنه يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن في خشيته في الغيب إذا غاب عن أعين الناس، وقد مدح الله من يخافه بالغيب:
قال تعالى (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ).
وقال تعالى (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ).
وقال تعالى (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ).
ومن هنا عظم ثواب من أطاع الله سراً بينه وبينه، ومن ترك المحرمات التي يقدر عليها سراً.
فأما الأول: فمثل قوله تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ … فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
стр. 1388
قال بعض السلف: أخفوا لله العمل فأخفى لهم الجزاء.
وفي حديث السبعة الذي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ( … ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) متفق عليه
وأما الثاني: فمثل قوله ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله).
• التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
وهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت هذا المعنى.
قال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
وقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.
وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
قال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى.
وروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى.
стр. 1389
قال ابن المعتز:
خل الذنوب صغيرها … وكبيرها فهو التقى
كن مثل ماش فوق … أرض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى
• فضائل التقوى:
أولاً: أنها سبب لتيسير الأمور.
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً).
ثانياً: أنها سبب لإكرام الله.
قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
ثالثاً: العاقبة لأهل التقوى.
قال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
رابعاً: أنها سبب في دخول الجنة.
قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
خامساً: أنها سبب لتكفير السيئات.
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً).
سادساً: أنها سبب لحصول البشرى لهم.
قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا).
سابعاً: أنها سبب للفوز والهداية.
قال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).
ثامناً: أنها سبب للنجاة يوم القيامة.
قال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً).
стр. 1390
تاسعاً: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض.
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).
عاشراً: أنها سبب للخروج من المأزق.
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).
الحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله.
قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
الثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن.
قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ).
الثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله.
قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).
الرابع عشر: أنها خير زاد.
قال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).
الخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم.
قال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ).
السادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين.
قال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً).
السابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال.
قال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
الثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس.
قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).
التاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة.
قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).
العشرون: أنها من أسباب ولاية الله.
قال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).
وقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).
стр. 1391
• قال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام.
وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.
• قال ابن القيم: مراتب التقوى:
التقوى ثلاث مراتب:
إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.
فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. …
• قوله (يا أيها الناس) قيل: مشتقة من النَّوْس، وهي في اللغة بمعنى الحركة المتتابعة، سموا بذلك لتناسلهم المتتابع غير المنقطع، وقيل: مشتق من الإنس، لأنه يأنس بعضهم ببعض، وقيل: إنها وكذا (الإنسان) كل منهما مشتق من النسيان كما قيل: وما سمي الإنسان إلا لنسيهِ، ولا القلب إلا أنه يتقلب.
• قوله (ربكم) خالقكم ومالككم ومدبركم، فالرب هو الخالق الموجد من العدم، وهو المالك الذي لا يشاركه أحد في ملكه،
وهو المدبر لأمور خلقه كلها على ما تقتضيه حكمته وإرادته.
• والرب بالتعريف لا يطلق إلا على الله، وربوبية الله لخلقه تنقسم إلى قسمين:
ربوبية عامة: وهي لجميع الخلق المؤمن والكافر، كما في قوله تعالى (الحمد لله رب العالمين) أي خالقهم ومالكهم ومدبرهم بأصناف النعم.
ربوبية خاصة: للمؤمنين بهدايتهم إلى الحق والعمل به، كما في قوله تعالى (رب موسى وهارون).
стр. 1392
(الَّذِي خَلَقَكُمْ) أي: أوجدكم بقدرته على كل شيء، وعلمه المحيط بكل شيء.
• فالمستحق للعبادة هو الخالق، والذي لا يخلق عاجز لا ينفع للعبادة. وقد جرت العادة في القرآن الكريم في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تُستحق به هو الخلق والإبراز من العدم إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدماً هو هذا ربكم الذي يستحق أن تعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى من يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم.
كما قال تعالى (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).
وقال تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
وقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ).
وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
وكما قال تعالى عن إبراهيم ﵇ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ولم يقل إلا الله لفائدتين:
الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة، لأنه كما أنه متفرد بالخلق، فيجب أن ينفرد بالعبادة.
والثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام، ولأنها لم تفطركم حتى تعبدوها، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات.
• قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) وقال تعالى (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم)، وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.
(مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) وهو آدم، الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، كما أن حواء أم البشر كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ).
• قال الرازي: أجمع المسلمون على أن المراد بالنفس الواحدة ههنا هو آدم ﵇.
стр. 1393
(وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) أي: وخلق من هذه النفس زوجها وهي حواء، ويدل على ذلك الحديث الذي في الصحيحين. أن النبي ﷺ قال (استوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع أعوج، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء).
• قال ابن كثير: وهي حواء خلقت من ضلعه الأيسر.
• اختلف العلماء في أي وقت خلقت حواء لآدم؟
فقيل: بعد دخوله الجنة، وبه قال ابن عباس وابن مسعود، قال ابن عباس (لما خلق الله آدم القى عليه النوم فخلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى فلم تؤذه بشيء ولو وجد الأذى ما عطف عليها أبداً فلما استيقظ قيل لآدم ما هذه قال حواء).
وقيل: إن حواء خلقت لآدم قبل دخوله الجنة، وهو قول كعب الأحبار ووهب بن منبه وإسحاق، والراجح القول الأول المروي عن كبار الصحابة.
(وَبَثَّ مِنْهُمَا) أي: ونشر وذرأ وأخرج منهما: أي: من آدم وحواء.
(رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً) رجالاً كثيراً ونساء كثيرة، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.
• قال المفسرون: خلق من آدم وحواء ذكوراً وإناثاً لكي يتم بذلك قوام الحياة.
стр. 1394
• أنواع خلق الله للبشر:
١) ما خلق من طين وهو آدم ﵇.
٢) ما خلق من أب بلا أم وهي حواء.
٣) ما خلق من أنثى بلا ذكر وهو عيسى.
٤) ما خلق من أنثى وذكر وهم سائر البشر.
• لماذا قدم الرجال على النساء؟ لقوامة الرجال على النساء.
• ولماذا وصف الرجال بالكثرة دون النساء مع أن النساء أكثر؟
قيل: ترك التصريح به استغناء بالوصف الأول، قاله الشوكاني.
وقيل: لأن الكثرة في نصيب الرجال مرغوبة بخلاف النساء، ولأنها تدل على القدرة وغيرها من المعاني التي توجد في الرجال، وكذلك القبائل تعرف لها مكانتها بكثرة الرجال فلو تنافسوا قالوا لبعضهم: عدوا رجالكم، والرجل هو القائم بالرعاية والنفقة أكثر من المرأة، ولهذا قال رسول الله ﷺ في حديث ابن عباس ﵁ في حكم الفرائض قال (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) فكأنه ذكر ونبه فيه على سبب التفضيل وهو: رجولتهم.
• قال الرازي: فإن قيل: لم لم يقل: وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء كثيراً؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء؟
قلنا: السبب فيه - والله أعلم - أن شهرة الرجال أتم، فكانت كثرتهم أظهر، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ) كرر الأمر بتقوى الله تنبيهاً وتوكيداً لوجوب تقوى الله، لأنها أساس الفلاح والسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، ومعنى الذي تساءلون به: أي: يسأل بعضكم بعضاً به، أي: بالله تذكيراً به وبعظمته، كأن يقول: أسألك بالله أن تساعدني.
(وَالْأَرْحَامَ) قرأ الجمهور بالنصب (والأرحامَ) ويكون المعنى: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، بل صلوها وأدوا حقها.
• ما ورد في الترهيب من قطيعة الأرحام.
قال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).
وقال تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
стр. 1395
وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ).
وقال ﷺ (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه.
وقال ﷺ (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه أحمد.
• وجاءت نصوص أخرى تحث على صلة الرحم.
قال ﷺ (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه.
وقال ﷺ (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه.
وعن أبي أيوب (أن رجلاً قال يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ فقال النبي ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) متفق عليه.
وقال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) متفق عليه.
стр. 1396
ولصلة الرحم بركة وقبول، ولصاحبها تقدير وإجلال لدى جميع الناس باختلاف دياناتهم وانتماءاتهم. ولقد علمت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂ منزلة صلة الرحم قبل أن تسلم وقبل أن يُبعث رسول الله، وعلمت أن واصل الرحم لا يخيب، فقد جاءها رسول الله ﷺ وهو يرجف ويقول (زملوني زملوني) عندما جاءه الوحي لأول مرة في الغار، وقال لها (لقد خشيت على نفسي) فماذا قالت له خديجة ﵂؟! قالت: "كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتحمل الكل، وتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق". متفق عليه.
• وقرأ بعضهم بالجر (والأرحامِ) والمعنى: واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، أي: يسأل بعضكم بعضاً بالله وبالرحم، كما جرت العادة عند العرب يقول أحدهم للآخر: أسألك بالله والرحم التي بيننا.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) أي: هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم كما قال تعالى (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ).
قال الطبري: (رقيباً) حفيظاً محصياً عليكم أعمالكم متفقداً رعايتكم حرمة أرحاكم وصلتكم إياها وقطعكموها وتضييع حرمتها.
وقال الزجاج: الرقيب هو الحافظ الذي لا يغيب عما يحفظه.
وقال السعدي: الرقيب والشهيد من أسمائه الحسنى هما مترادفان، وكلاهما يدل على إحاطة سمع الله بالمسموعات، وبصره بالمبصرات، وعلمه بجميع المعلومات الجلية والخفية، وهو الرقيب على ما دار في الخواطر، وما تحركت به اللواحظ، ومن باب أولى الأفعال الظاهرة بالأركان.
• الآثار المترتبة بالإيمان بهذا الاسم:
أولاً: أن التعبد لله باسمه (الرقيب) يثمر في القلب مراقبة الله في السر والعلن، في الليل والنهار، في الخلوة والجلوة، لأنه سبحانه مع عبده لا تخفى عليه خافية، يسمع كلامنا، ويرى مكاننا، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فإذا أيقن العبد بهذه الحقائق سعى إلى حفظ قلبه وسمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها من أن يكون منها أو فيها ما يسخط الله.
قال ابن القيم: المراقبة دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق تعالى على ظاهره وباطنه.
ثانياً: فضل مراقبة الله في السر توجب للعبد الإخلاص والخلاص من الكبائر.
كما ورد في الحديث (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) متفق عليه.
ثالثاً: النصح في العبادة.
كما قال رسول الله ﷺ (إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى). متفق عليه
رابعاً: تورث القلب خشية وخشوعاً وبكاء.
كما في الحديث (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
خامساً: ومن قدر على معصية الله في سره ثم راقب الله فتركها خوفاً من الله له ثواب عظيم وينفرج همه وينفس كربه.
كما في قصة صاحب الغار الذي خلا بابنة عمه وتمكن منها ثم قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقام وتركها وترك المال الذي أرادته خوفاً من الله تعالى فانفرج الغار لعمله.
خامساً: ومن راقب الله في السر حسن عمله وعظم يقينه ووجد حلاوة الإيمان واطمأن قلبه وقذف الله نوراً في قلبه وضياء في وجهه ووجد سعة في رزقه وبركة في أهله وألفة ومحبة فيما بينه وبين الخلق وانعكس ذلك على حياته بالتوفيق والرضا والسعادة.
سادساً: وعبادة السر من أجل الطاعات لأنها مبنية على حسن المراقبة لله والإخلاص المحض واليقين التام وعدم التفات القلب للمخلوقين وثوابهم.
стр. 1397
ولذلك أثنى الله على صدقة السر فقال: (إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِي وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). وجاء في السبعة الذين يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظلّه: (رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
سابعاً: وكان من دعاء النبي ﷺ (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة).
أن العبد يخشى الله سراً وعلانية، ظاهراً وباطناً، فإن أكثر الناس قد يخشى الله في العلانية وفي الشهادة، ولكن الشأن خشية الله في الغيب إذا غاب عن أعين الناس فقد مدح الله من خافه بالغيب.
الفوائد:
١ - وجوب تقوى الله تعالى.
٢ - أن الخالق هو الله.
٣ - أن الخالق هو المستحق للعبادة.
٤ - أن أصل البشرية واحد وهو آدم.
٥ - أهمية التقوى، حيث كررها الله مرتين.
٦ - التحذير من قطع الأرحام.
٧ - التحذير من مخالفة الله، فإن الله رقيب لا يخفى عليه شيء. (الأحد: ٢٦/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1398
(وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً (٢)). [النساء: ٢].
(وآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) أي: وأعطوا اليتامى أموالهم التي هي ملك لهم، مما عهِد إليكم بحفظه.
وعلى هذا المعنى فالآية مقيدة بشرطين كما سيأتي، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن معنى (وآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ) أي: احفظوها لهم لكي تؤدوها إليهم كاملة بعد بلوغهم ورشدهم من غير أكل شيء منها أو كتمانه أو تعريضها للفساد أو الضياع.
• ولهذا قال ابن كثير: يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحُلُم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمِّها إلى أموالهم.
• وقال الشنقيطي: أَمَرَ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِإِيتَاءِ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ هُنَا فِي ذَلِكَ شَرْطًا، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ هَذَا أَنَّ هَذَا الْإِيتَاءَ الْمَأْمُورَ بِهِ مَشْرُوطٌ بِشَرْطَيْنِ:
الْأَوَّلُ: بُلُوغُ الْيَتَامَى.
وَالثَّانِي: إِينَاسُ الرُّشْدِ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ). (أضواء البيان).
• والخطاب للأولياء والأوصياء، واليتيم: من مات أبوه وهو لم يبلغ الحلم سواء كان ذكراً أو أنثى، وخص بالوالد لأنه هو من يعول الولد وينفق عليه، فإذا بلغ زال عنه اليتم، كما قال ﷺ (لا يتم بعد احتلام).
• قوله (وآتوا اليتامى) أطلق عليهم اسم اليتامى مع إعطائهم للمال باعتبار ما كان، كما قال تعالى في شأن سحرة فرعون (فألقيَ السحرة ساجدين)، فأطلق عليهم سحرة باعتبار ما كانوا فيه من سحر.
• قال البغوي: وإنما سماهم يتامى ههنا على معنى أنهم كانوا يتامى.
стр. 1399
• قال الشوكاني: وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم، مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتم بالبلوغ مجازاً باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي، وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء، والأوصياء إليهم من النفقة، والكسوة لا دفعها جميعاً، وهذه الآية مقيدة بالآية الأخرى، وهي قوله تعالى (فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فلا يكون مجرد ارتفاع اليتم بالبلوغ مسوغاً لدفع أموالهم إليهم، حتى يؤنس منهم الرشد.
• وقال الشنقيطي: وَتَسْمِيَتُهُمْ يَتَامَى فِي الْمَوْضِعَيْنِ، إِنَّمَا هِيَ بِاعْتِبَارِ يُتْمِهِمُ الَّذِي كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، إِذْ لَا يُتْمَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إِجْمَاعًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ)، يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا سَحَرَةً، إِذْ لَا سِحْرَ مَعَ السُّجُودِ لِلَّهِ.
• وبعض العلماء قال: إن المراد ما يعطوْن منها في حال اليتم على سبيل النفقة، وهذا فيه ضعف.
• قال القاسمي: أن يُراد بهم الصغار، وبـ (الإيتاء) ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة، لا دفعها إليهم، وفيه بُعْدٌ.
(وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ) قيل المعنى: لا تأخذ مال اليتيم الذي حرمه الله عليك وتدع مالك الذي أحله الله لك.
وقيل المعنى: لا تعطي مالك السيئ لليتيم وتأخذ مال اليتيم الطيب، كما قال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، وكلا القولين تحتمله الآية، والأول أعم.
• قال الرازي: في تفسير هذا التبدل وجوه:
الوجه الأول: قال الفراء والزجاج: لا تستبدلوا الحرام وهو مال اليتامى، بالحلال وهو مالكم الذي أبيح لكم من المكاسب ورزق الله المبثوث في الأرض، فتأكلوه مكانه.
الثاني: لا تستبدلوا الأمر الخبيث، وهو اختزال أموال اليتامى، بالأمر الطيب وهو حفظها والتورع منها وهو قول الأكثرين أنه كان ولي اليتيم يأخذ الجيد من ماله ويجعل مكانه الدون.
ورجح الشوكاني الثاني وقال: إن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه وكذلك استبداله.
• قال الشوكاني: (وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب) نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى، ويعوضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأساً.
وقيل المعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى، وهي محرّمة خبيثة، وتدعوا الطيب من أموالكم.
وقيل المراد: لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم، وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله.
والأوّل أولى؛ فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذه مكانه، وكذلك استبداله، ومنه قوله تعالى (وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل) وقوله (أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ).
стр. 1400
• ورجح ذلك ابن جرير حيث قال: ولا تتبدلوا أموال أيتامكم أيها الأوصياء الحرام عليكم الخبيث لكم، فتأخذوا رفائعها
وخيارها وجيادِها بالطيب الحلال من أموالكم، وتجعلوا الرديء الخسيس بدلاً منه، وذلك أن تبدل الشيء بالشيء في كلام العرب أخذ شيء مكان آخر غيره، ويعطيه المأخوذ منه، أو يجعله مكان الذي أخذ.
• قال السعدي: ومن استبدال الخبيث بالطيب أن يأخذ الولي من مال اليتيم النفيس، ويجعل بدله من ماله الخسيس.
• وكلا القولين تحتمله الآية، والأول منهما أعم وأشمل، فهو ينتظم القول الثاني، لأن استبدال مال اليتيم بغيره منهي عنه، سواء رد بدله جيداً أو رديئاً أو لم يرد بدله شيئاً.
(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ) قيل المعنى: إن (إلى) بمعنى (مع) ويكون المعنى: ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم.
وقيل: إن (إلى) على بابها، والفعل (تأكلوا) مضمن معنى الضم، أي: لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وهذا القول أرجح، لأن تضمين فعل معنى فعل آخر أكثر وروداً في القرآن من تضمين (إلى) بمعنى (مع)، وحمل الآية على المعنى الكثير في القرآن أولى من حملها على المعنى القليل، لأنها إذا كانت هي الكثير في القرآن صارت هي اصطلاح القرآن.
• قال ابن جرير: أي ولا تخلطوا أموالهم - يعني: أموال اليتامى بأموالكم - فتأكلوها مع أموالكم.
• قال الرازي: قوله تعالى (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم) فيه وجهان:
الأول: معناه ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها.
والثاني: أن يكون (إلى) بمعنى (مع) قال تعالى (مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله) أي مع الله، والأول: أصح.
• وفي الآية النهي عن أكل مال اليتيم وقد قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً).
стр. 1401
• قوله (ولا تأكلوا أموالهم … ) جاء بلفظ الأكل مع أن النهي عن جميع صور أخذ مال اليتيم، لأن الهدف من جمع المال غالباً هو الأكل، ولذلك في كثير من الآيات عندما ينهى الله عن أخذ المال الحرام، دائماً يذكر ذلك بالأكل، كما قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) وقوله تعالى (كلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ).
• قال ابن عاشور: والأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التامّ، لأنّ الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنّه يحرزه في داخل جسده، ولا مطمع في إرجاعه، وضمّن (تأكلوا) معنى تضمّوا فلذلك عدي بإلى أي: لا تأكلوها بأن تضمّوها إلى أموالكم.
(إِنَّهُ) أي: أكل مال اليتيم، واستبدال الخبيث بالطيب.
(كَانَ حُوباً كَبِيراً) أي: أي ذنباً كبير، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً).
• وهذه الجملة تعليلية للنهي في الجملتين السابقتين.
• قال السعدي: فيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله، فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى (حُوبًا كَبِيرًا) أي: إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا.
الفوائد:
١ - وجوب حفظ مال اليتيم.
٢ - بيان رحمة الله حيث وصى باليتامى.
٣ - أن اليتيم يملك وملكه تام.
٤ - تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان بقصد إتلافه.
٥ - أن التعدي على مال اليتامى ذنب عظيم ومن كبائر الذنوب.
٦ - ثبوت الولاية على اليتيم.
٧ - جواز إطلاق الخبيث على الرديء على أحد المعنيين. [الاثنين: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ].
стр. 1402
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (٣)). [النساء: ٣].
الآية السابقة في أموال اليتامى، وهذه الآية في أبضاع اليتامى.
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) أي: وإن ظننتم التقصير في العدل لليتيمة فليتركها ولينكح غيرها.
• والمراد باليتامى هنا، اليتامى من النساء.
• قال بعضهم: معنى (وإن خفتم) أي: علمتم، لكنه قول ضعيف، والصحيح أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، فمتى خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى، فليفعل ما ذكر الله. (ابن عثيمين).
• قال البقاعي: قوله تعالى (وإن خفتم) فعبر بأداة الشك حثاً على الورع.
• قوله (ألا تقسطوا) أي: ألا تعدلوا.
(فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: فليتركها وجوباً، ولينكح ما طابت به نفوسكم ورغبتم فيه مما أحل الله لكم من ذوات الصفات الطيبة من النساء كالدين والخلق والجمال ونحو ذلك.
(مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أسلوب تنويع وتقسيم: أي: انكحوا اثنتين اثنتين، وعلى ثلاث ثلاث، وعلى أربع أربع، وفيه معنى التخيير، أي: منكم من ينكح اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثاً، ومنكم من ينكح أربعاً، قال تعالى في وصف الملائكة (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة.
• معنى الآية: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وهو وليها، وأراد أن يتزوجها، لكنه يخشى ألا يعطيها مهر مثلها، فليتزوج غيرها، فإنهن كثير، ومنهن من ترضى بالقليل، فلم يُضيّق الله عليك أيها الوصي، فانكح نكاحاً طيباً مثنى إن شئت، أو ثلاث أو أربع ولا تظلم اليتامى.
стр. 1403
سبب النزول: روى البخاري عن عروة بن الزبير (أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى، فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سُنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن).
• صور عدم العدل باليتيمات:
أ-عدم إعطائهن مثل غيرهن من المهور والنفقات.
ب-أن يمسكها لأجل مالها من غير حاجة بها.
ج- أن يمسكها من غير إعطائها حقوقها الزوجية.
د-إجبارهن على الزواج منهم وهن كارهات، ونحو ذلك من النكاح من اليتيمات من غير عدل.
• في الآية تحريم الجمع أكثر من أربع نساء، وهذا أمر مجمع عليه.
• قال ابن كثير: قال الشافعي: وقد دَلَّت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي، ﵀، مجمع عليه بين العلماء.
• في الآية إباحة التعدد، لكن مشروعيته جاءت في أدلة أخرى.
• قال ابن القيم: إباحة التعدد للرجل دون المرأة توافق القياس، وأما قوله: وأنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات ولم يبح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد، فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك وينزه شرعه أن يأتي بغير هذا ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم وضاعت الأنساب وقتل الأزواج بعضهم بعضاً وعظمت البلية واشتدت الفتنة وقامت سوق الحرب على ساق وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون وكيف يستقيم حال الشركاء فيها فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه.
стр. 1404
فإن قيل: فكيف روعي جانب الرجل وأطلق له أن يهيم طرفه ويقضي وطره وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته وداعي المرأة داعيه وشهوتها شهوته؟
قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور ومحجوبة في كن بيتها وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة وبلي بما لم تبل به، أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يطلق للمرأة وهذا مما خص الله به الرجال وفضلهم به على النساء، كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن ويركبون الأخطار ويجوبون القفار ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، والرب تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء، وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال أن تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته فله الحمد كما هو أهله.
• قال ابن عاشور: وقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة:
منها: أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها.
ومنها: أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء، ولأنّ النساء أطول أعماراً من الرجال غالباً، بما فطرهنّ الله عليه.
ومنها: أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالاً للتعدّد مجبولاً عليه.
ومنها: قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة. … (تفسير ابن عاشور).
стр. 1405
• فوائد التعدد:
أولاً: التعدد سبب لتكثير الأمة، ومعلوم أنه لا تحصل الكثرة إلا بالزواج. وما يحصل من كثرة النسل من جراء تعدد الزوجات أكثر مما يحصل بزوجة واحدة.
ومعلوم لدى العقلاء أن زيادة عدد السكان سبب في تقوية الأمة، وزيادة الأيدي العاملة فيها مما يسبب ارتفاع الاقتصاد.
ثانياً: تبين من خلال الإحصائيات أن عدد النساء أكثر من الرجال، فلو أن كل رجل تزوج امرأةً واحدة فهذا يعني أن من
النساء من ستبقى بلا زوج، مما يعود بالضرر عليها وعلى المجتمع:
أما الضرر الذي سيلحقها فهو أنها لن تجد لها زوجاً يقوم على مصالحها، ويوفر لها المسكن والمعاش، ويحصنها من الشهوات المحرمة، وترزق منه بأولاد تقرُّ بهم عينها، مما قد يؤدي بها إلى الانحراف والضياع إلا من رحم ربك.
وأما الضرر العائد على المجتمع فمعلوم أن هذه المرأة التي ستجلس بلا زوج، قد تنحرف عن الجادة وتسلك طرق الغواية والرذيلة، فتقع في مستنقع الزنا والدعارة - نسأل الله السلامة - مما يؤدي إلى انتشار الفاحشة فتظهر الأمراض الفتاكة من الإيدز وغيره من الأمراض المستعصية المعدية التي لا يوجد لها علاج، وتتفكك الأسر، ويولد أولاد مجهولي الهوية، لا يَعرفون من أبوهم؟
فلا يجدون يداً حانية تعطف عليهم، ولا عقلاً سديداً يُحسن تربيتهم، فإذا خرجوا إلى الحياة وعرفوا حقيقتهم وأنهم أولاد زنا فينعكس ذلك على سلوكهم، ويكونون عرضة للانحراف والضياع، بل وسينقمون على مجتمعاتهم، ومن يدري فربما يكونون معاول الهدم لبلادهم، وقادة للعصابات المنحرفة، كما هو الحال في كثير من دول العالم.
ثالثاً: الرجال عرضة للحوادث التي قد تودي بحياتهم، لأنهم يعملون في المهن الشاقة، وهم جنود المعارك، فاحتمال الوفاة في صفوفهم أكثر منه في صفوف النساء، وهذا من أسباب ارتفاع معدل العنوسة في صفوف النساء، والحل الوحيد للقضاء على هذه المشكلة هو التعدد.
следующие страницы →