Полный текст (1 874 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
• فيه دليل على أن مرض القلب وفساده - إذا لم يصلحه صاحبه - أنه يزيد هذا المرض ويتفاقم، كما قال تعالى: (فزادتهم رجساً إلى رجسهم).
• وفيه دليل على أن الإنسان إذا لم يصلح قلبه ويهتم به فإن مرضه يكون من أسباب قسوته ومرضه وهلاكه، لأن الذنوب والمعاصي سبب لمرض القلب، ومرض القلب إذا لم يحاول الإنسان إصلاحه والاهتمام به يصبح ذنباً ومعصية.
• قال ابن القيم: ومرض القلب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، وكلاهما في القرآن.
قال تعالى في مرض الشبهة (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً)، وأما مرض الشهوات فقال تعالى (يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) فهذا مرض شهوة الزنا.
وقال عن مرض الشبهات: هو أصعبهما وأقتلهما للقلب.
• قوله تعالى (فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً) فيه دليل على أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها، كما سبق في آيات سابقة (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ) وكقوله (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وكقوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم موجع. بالغ الإيلام الغاية العظمى، كما قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) وقال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).
• قال هنا في المنافقين (ولهم عذاب أليم) بينما قال في الكفار كما تقدم (ولهم عذاب عظيم) لأن الأليم هو البالغ في الإيلام الغاية العظمى.
(بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) أي: بتكذيبهم وهو قولهم (آمنا بالله وباليوم الآخر)، وفي قراءة أخرى (يُكذِّبُون) أي يكذبون بالله ورسوله، والمنافقون اجتمع فيهم الوصفان: فهم كاذبون في دعواهم الإيمان، ومكذبون لله ولرسوله، كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً).
стр. 72
الفوائد:
١ - مكر المنافقين، وأنهم أهل مكر وخداع، ولذلك قال تعالى في سورة المنافقين (هم العدو فاحذرهم) فحصر العداوة فيهم، لأنهم مخادعون.
٢ - أنه يجب الاحتراز والتحفظ من المنافقين لأنهم أهل خداع ومكر.
٣ - أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله. كما قال تعالى (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ).
٤ - أن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، وأن مرض القلوب أعظم وأخطر من مرض الأبدان، قال ابن القيم: والرجل هو الذي يخاف موت قلبه لا موت بدنه، إذ أكثر هؤلاء الخلق يخافون موت أبدانهم ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلا الحياة الطبيعة، وذلك موت القلب والروح.
٥ - يجب الاهتمام بالقلب، والحذر من مرضه والحرص على حياته. وأن يدعو الله دائماً وأبداً بتثبيته على الحق، فقد كان ﷺ يدعو ويقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك.
وأن يدعو الله أن يكون سليماً، فقد كان ﷺ يقول (اللهم إني أسألك قلباً سليماً .. ).
وأن يحذر من التساهل في أمر القلب، فقد قال ﷺ (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء). رواه مسلم
وأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).
وإذا صح القلب صح الجسد، كما قال ﷺ (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه
وأن يحذر من قسوة القلب، كما قال تعالى (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله).
стр. 73
٦ - أن القلوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قلب سليم، وقلب مريض، وقلب ميت.
فالقلب السليم: هو القلب الذي سلم من الشرك، ومن البدعة، ومن كل آفة يراد بها غير وجه الله.
والقلب المريض: هو القلب الذي فيه مادة حياة ومادة مرض.
والقلب الميت: هو قلب الكافر.
٧ - أن الإيمان يزيد وينقص.
٨ - أن من عقوبة المعصية المعصية بعدها.
٩ - أن من أسباب عذاب المنافقين كذبهم، وهذا من الأسباب، وإلا فالسبب الرئيسي هو كفرهم بالله تعالى.
١٠ - التحذير من الكذب وأنه من صفات المنافقين، وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان) متفق عليه، وهؤلاء المنافقون جمعوا بين الكذب والتكذيب وهذا شر الأحوال.
١١ - فيه دليل على أن الله لا يعاقب أحداً إلا بسبب ذنبه ومعصيته لقوله (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).
كما قال تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).
وقال تعالى (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
وقال تعالى (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا).
وقال تعالى (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ).
١٢ - فيه تنفير وتقبيح من الكذب كما سبق، وفي هذا إشارة إلى أن السبب في استحقاقهم العذاب هو أنهم كانوا يكذبون، ومن المعلوم أن هذا أحد الأسباب في عذابهم، لأن الأسباب كثيرة في استحقاقهم العذاب، لكن قد يعبر الله تعالى عن إهلاك الكفار ببعض ذنوبهم تنفيراً منه وتقبيحاً له كما قال تعالى في قوم نوح (مما خطيئتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً) وقوم نوح كان سبب هلاكهم كفرهم بالله، لكن خص الخطيئات تقبيحاً لها.
١٣ - أن المؤمن قلبه سليم، كما قال تعالى (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
стр. 74
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)). [البقرة: ١١، ١٢]
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم إذا قال لهم أحد من الناس: لا تفسدوا في الأرض بالنفاق وموالاة اليهود والكافرين ردوا قائلين:
• قال القرطبي: قوله (لَا تُفْسِدُواْ) " لا " نهي، والفساد ضدّ الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدّها.
فَسَد الشيء يَفْسِدُ فَساداً وفُسوداً وهو فاسد وفِسيد.
والمعنى في الآية: لا تُفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.
• قال ابن عاشور: والقائل لهم (لا تفسدوا في الأرض) بعض من وقف على حالهم من المؤمنين الذين لهم اطلاع على شؤونهم لقرابة أو صحبة، فيخلصون لهم النصيحة والموعظة رجاء إيمانهم ويسترون عليهم خشية عليهم من العقوبة وعلماً بأن النبيء ﷺ يغضي عن زلاتهم كما أشار إليه ابن عطية.
(قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) فجمعوا في قولهم هذا بين أمرين كبيرين: العمل بالفساد في الأرض، وإظهار أنه ليس بإفساد بل هو صلاح، قلباً للحقائق وجمعاً بين فعل الباطل واعتقاده حقاً.
الفساد: ضد الصلاح، وحقيقته العدول عن الاستقامة إلى ضدها، والمعنى: لا تفسدوا في الأرض بالكفر وموالاة أهله، وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.
• قال بعض العلماء: تصوروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كما قال الله فيهم (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً).
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) هذا كلام مستأنف وجواب من الله تعالى رداً على هؤلاء المنافقين، فإنه لا أعظم إفساداً ممن كفر بآيات الله، وصد عن سبيل الله، وخادع الله وأولياءه، ووالى المحاربين لله ورسوله وزعم - مع هذا - أن هذا إصلاح، فهل بعد هذا الفساد فساد؟
(وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ) أي: ولكن لا يحسون ويفطنون لانطماس نور الإيمان في قلوبهم.
• قال ابن القيم: تأمل كيف نفى عنهم الشعور في هذا الموضع، وهذا أبلغ ما يكون من الذم والتجهيل أن يكون الرجل مفسداً ولا شعور له بفساده البتة، مع أن أثر فساده مشهور في الخارج، مرئي لعباد الله وهو لا يشعر به، وهذا يدل على استحكام الفساد في مداركه وطرق علمه.
стр. 75
الفوائد:
١ - أن النفاق من الإفساد في الأرض.
٢ - أعظم الخطر أن يُزيّن للإنسان عمله.
٣ - فيه أن أهل الفساد والشر يرتكبون الكبائر ويزعمون أنهم أهل إصلاح، ومما يدل على ذلك، قوله تعالى عن فرعون أنه قال عن موسى ﵇ (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد).
٤ - فيه دليل على أن موالاة الكفار والمنافقين وأعداء الله من أعظم الفساد في الأرض كما قال تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).
٥ - فيه الإنكار على أهل الفساد وتبيين ضلالهم.
٦ - خطر النفاق.
٧ - وجوب الإصلاح في الأرض.
٨ - الحذر من التشبه بصفات المنافقين.
٩ - أنه ليس كل من ادعى شيئاً يصدق في دعواه.
стр. 76
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)). [البقرة: ١٣]
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ) يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين آمنوا كما آمن الناس أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك مما أخبر المؤمنين به وعنه.
• قال أبو السعود: قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) من قِبَل المؤمنين بطريق الأمر بالمعروف إثرَ نهيِهم عن المنكر إتماماً للنُصح وإكمالاً للإرشاد:
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ) قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء، يعنون ـ لعنهم الله ـ أصحاب رسول الله ﷺ .
• السفيه: هو الذي لا يعرف مصالح نفسه ضعيف الرأي، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) قال ابن كثير: قال عامة علماء التفسير هم النساء والصبيان.
• فإن قلت: كيف يصح النفاق مع المجاهرة بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) فالجواب: كانوا يظهرون هذا القول فيما بينهم لا عند المؤمنين.
• قال القرطبي: وهذا القول من المنافقين إنما كانوا يقولونه في خفاء واستهزاء فأطلع الله نبيّه والمؤمنين على ذلك، وقرّر أن السَّفه ورِقّة الحُلُوم وفساد البصائر إنما هي في حيزِّهم وصفة لهم، وأخبر أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون للرَّينْ الذي على قلوبهم.
(أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ) ألا أنهم هم السفهاء، فأكد وحصر السفاهة فيهم.
في هذه الآية يرد الله عليهم، ويخبر أنهم هم السفهاء على الحقيقة، لأن حقيقة السفه جهل الإنسان بمصالح نفسه، وسعيه فيما يضرها، وهذه الصفة منطبقة عليهم.
(وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ) يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل وذلك أردى لهم وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.
• قال ابن القيم: لما دعا أهل الإيمان أهل النفاق إلى الإيمان، أجاب أهل النفاق بقولهم (أنؤمن كما آمن السفهاء) فرد الله عليهم وأسجل عليهم بأربعة أنواع: الأول: تسفيهم. الثاني: حصر السفه فيهم، الثالث: نفي العلم عنهم، الرابع: تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من الإخبار عن سفه أهل الإيمان، الخامس: أيضاً وهو تكذيبهم فيما تضمنه جوابهم من دعواهم التنزيه من السفه.
стр. 77
الفوائد:
١ - وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك دعوة أهل النفاق إلى الإيمان وترك النفاق.
٢ - فيه أن أعداء الدين دائماً يصفون أهله بأقبح الصفات، فالرسل وصفهم قومهم بالسحر والجنون والكهانة.
كما قال تعالى (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون).
وقال تعالى (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ).
وقال تعالى (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).
٣ - فيه خطر المنافقين وشدة كفرهم وعنادهم.
٤ - فيه أن كل من لم يؤمن بالله فهو سفيه، كما قال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ).
٥ - فيه دفاع الله عن المؤمنين كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).
٦ - ذم الجهل بدين الله وتعاليمه.
٧ - أن عدم العلم سبب للضلال.
٨ - فضل العلم.
стр. 78
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)). [البقرة: ١٤، ١٥]
(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) قال ابن كثير: يقول تعالى وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا وأظهروا لهم الإيمان والموالاة غروراً منهم للمؤمنين ونفاقاً ومصانعة وليشركوهم فيما أصابهم من خير ومغنم.
(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي: وإذا خلوا إلى شياطينهم: أي سادتهم وكبراؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.
• والشيطان في لغة العرب: هو كل عات ومتمرد، سواء كان من الجن أو من الإنس أو من غيرهما، وقد جاء في القرآن إطلاق الشياطين على العتاة المتمردين من الإنس والجن، كما قال جل وعلا (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً) وكما هذه الآية (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي: رؤسائهم وعتاتهم المتمردين، وفي الحديث (الكلب الأسود شيطان).
(قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ) قالوا: إنا معكم، قال ابن عباس: أي إنا على مثل ما أنتم عليه.
(إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) أي نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) عن ابن عباس: قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
• قال أبو حيان: وفي مقابلة استهزائهم بالمؤمنين باستهزاء الله بهم ما يدل على عظم شأن المؤمنين وعلو منزلتهم، وليعلم المنافقون أن الله هو الذي يذب عنهم ويحارب من حاربهم.
• في الآية أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به.
• قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀ مبيناً ما يوصف الله به وما لا يوصف به:
إذا كانت الصفة نقصاً لا كمال فيها، فهي ممتنعة في حق الله تعالى كالموت، والجهل، والنسيان، والعجز.
وإذا كانت الصفة كمالاً لا نقص فيها فإن الله يوصف بها مطلقاً، كالحياة، والعلم، والسمع، والعزة.
وإذا كانت الصفة كمالاً في حال، ونقصاً في حال لم تكن جائزة في حق الله تعالى ولا ممتنعة على سبيل الإطلاق، بل يُفصّل فيها: فتجوز في الحال التي تكون كمالاً، وتمتنع في الحال التي تكون نقصاً، وذلك كالمكر، والكيد، والخداع، فهذه صفات تكون كمالاً إذا كانت في مقابلة من يعاملون الفاعل بمثلها، لأنها حينئذ تدل على أن فاعلها قادر على مقابلة عدوه بمثل فعله
أو أشد، ولهذا لم يذكرها الله تعالى من صفاته على سبيل الإطلاق، وإنما ذكرها في مقابلة من يعاملونه ورسله بمثلها، كقوله تعالى (ويمكرون ويمكر الله) وقوله (إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً) وقوله (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) وقوله (قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم).
стр. 79
وأما الخيانة فلا يوصف بها مطلقاً لأنها صفة ذم مطلقاً، ولذلك لم يذكر الله أنه خان من خانوه، فقال تعالى (وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم) ولم يقل فخانهم.
(وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) أي: يزيدهم، في طغيانهم: أي فجورهم وكذبهم، يعمهون: أي حائرون مترددون.
• وأصل الطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى (إنا لما طغى الماء) أي ارتفع وعلا، وقوله في فرعون (إنه طغى) أي أسرف في الدعوى.
الفوائد:
١ - بيان النفاق: وهو إظهار الإسلام والإيمان وإبطان الكفر والشر.
٢ - أن الجزاء من جنس العمل فمن استهزأ بالله استهزأ الله به، وهذه قاعدة معروفة بالشرع أن الجزاء من جنس العمل.
قال تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقال تعالى (والذين اهتدوا زادهم هدى) وقال تعالى (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم)، وقال ﷺ (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه مسلم، وقال ﷺ (الراحمون يرحمهم الله) رواه أبو داود، وقال ﷺ (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) رواه مسلم، وقال ﷺ (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه) رواه البخاري، وقال ﷺ (من وصل صفاً وصله الله) رواه أبو داود.
٣ - أن الله قد يملي للإنسان ويطيل عمره استدراجاً.
كما قال تعالى (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً).
وقال تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ).
وقال ﷺ (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) رواه أحمد.
وقال ﷺ (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) متفق عليه.
٤ - أن الله يستهزئ بمن يستهزئ به، فيوصف الله بهذا الوصف إذا كان في مقابلة استهزائهم.
стр. 80
(أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)). [البقرة: ١٦]
(أُولَئِكَ) أي المنافقون الموصوفون بتلك الصفات.
(الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، فاختاروا واستحبوا الضلالة وهي الكفر والنفاق بالهدى الذي هو الإيمان بالله تعالى.
• قال ابن الجوزي: واشتروا: بمعنى استبدلوا، والعرب تجعل من آثر شيئاً على شيء مشترياً له، وبائعاً للآخر، والضلالة والضلال بمعنى واحد.
• قال السعدي: وهذا من أحسن الأمثلة، فإنه جعل الضلالة التي هي غاية الشر كالسلعة، وجعل الهدى الذي هو غاية الصلاح بمنزلة الثمن، فبذلوا الهدى رغبة عنه في الضلالة، هذه تجارتهم فبئس التجارة.
• وكيف شراء الضلالة بالهدى؟
لأنهم فضلوا موالاة الكافرين ومجالستهم واتباع أقوالهم على موالاة رسول الله ﷺ ومجالسة أهل الإيمان.
وهناك وجه آخر: أنهم بعد أن حصل لهم الإيمان بالله ارتدوا على أدبارهم ورغبوا في الكفر كما قال تعالى: (فاستحبوا العمى على الهدى).
(فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة، وكيف تربح وهم اشتروا الضلالة وباعوا الهدى؟
(وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) أي: وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك.
стр. 81
الفوائد:
١ - ذم المنافقين وأنهم اختاروا الفاني العاجل على الباقي الآجل.
٢ - ذم وقبح المنافقين.
٣ - أن كل تجارة لا تكون لله وبالله فهي خاسرة باطلة.
ومن التجارة الناجحة قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
• ونظراً لخطورة النفاق فسأذكر بعض ما يتعلق بالنفاق وخطره:
أولاً: النفاق الأكبر صاحبه كافر مخلد بالنار.
تعريفه:
هو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويبطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن بذم أهله وتكفيرهم، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار. [قاله ابن رجب جامع العلوم والحكم: ٤٠٣].
قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).
وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً).
وقال تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا).
стр. 82
ثانياً: بعض صفات المنافقين:
أولاً: الكذب والتكذيب لله ولرسوله ﷺ .
قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).
ثانياً: أذى الرسول ﷺ أو عيبه أو لمزه.
قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).
ثالثاً: التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله.
قال تعالى (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
ثالثاً: مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين.
قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً).
رابعاً: المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية لانتصار دينه.
قال تعالى (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ).
خامساً: الرياء.
قال تعالى (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
سادساً: ثقل العبادة عليهم.
قال تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى).
سابعاً: يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
قال تعالى (والْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
стр. 83
ثالثاً: خطرهم.
أولاً: تحذير القرآن منهم.
قال ابن القيم: كاد القرآن أن يكونَ كلّه في شأنهم؛ لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور.
قال الله تعالى (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
قال الله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُون. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ).
قال الله تعالى (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ. يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وقال الله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).
وقال الله تعالى (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاء).
عن ابن عمر ﵄. عن النبي ﷺ قال (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة).
قال النووي: العائرة: المترددّة الحائرة، لا تدري لأَيِّهِمَا تتبع، ومعنى تعير أي: تردَّد وتذهب.
وقال الله تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً).
стр. 84
وقال الله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ).
وعن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال (المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترُجّة طعمها طيّب وريحها طيّب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيّب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيّب وطعمها مرّ، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمُها مرّ أو خبيث وريحها مرّ).
وعن عبد الله بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال (مثل المؤمن كالخامة من الزرع، تفيؤها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة، لا تزال حتى يكون انجعافها مرّة واحدة).
قال المهلّب: معنى الحديث: أنّ المؤمن حيث جاءه أمر الله انطاع له، فإن وقع له خير فرح به وشكر، وإن وقع له مكروه صبر ورجا فيه الخير والأجر، فإذا اندفع عنه اعتدل شاكراً.
والكافر لا يتفقّده الله باختياره، بل يحصل له التيسير في الدنيا؛ ليتعسّر عليه الحال في المعاد، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه، فيكون موته أشدّ عذابا عليه، وأكثر ألما في خروج نفسه.
وقال غيره: المعنى: أن المؤمن يتلقّى الأعراض الواقعة عليه لضعف حظّه من الدنيا، فهو كأوائل الزرع شديد الميلان لضعف ساقه، والكافر بخلاف ذلك، وهذا في الغالب من حال الاثنين
وعن عمر بن الخطاب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال (إن أخوف ما أخاف على أمتي كلّ منافق عليم اللسان)
стр. 85
قال المناوي: قوله (عليم اللسان) أي: كثير علم اللسان، جاهل القلب والعمل، اتخذ العلم حرفة يتأكّل بها، ذا هيبة وأُبّهة، يتعزّز ويتعاظم بها، يدعو الناس إلى الله، ويفرّ هو منه، ويستقبح عيبَ غيره، ويفعل ما هو أقبح منه، ويظهر للناس التنسّكَ والتعبّد، ويسارر ربّه بالعظائم، إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب، فهذا هو الذي حذّر منه الشارع ﷺ هنا حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه، ويحرقك بنار عصيانه، ويقتلك بنتن باطنه وجنان.
ثانياً: تحذير الرسول ﷺ من النفاق.
عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي: منافق عليم اللسان) رواه البيهقي في الشعب.
قال المناوي: كل منافق عليم اللسان: أي عالم للعلم، منطلق اللسان به، لكنه جاهل القلب والعمل، فاسد العقيدة، مغر للناس بشقاشقه وتفحصه وتقعره في الكلام.
ثالثاً: المنافقون كثر.
ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين أنهم كثيرون منتشرون في بقاع الأرض.
قال الحسن البصري: لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات.
وقال ابن القيم: كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رجلاً يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم.
رابعاً: انتشار النفاق الأصغر في مجتمعاتنا.
ومما يؤكد خطر النفاق، أن الكثير من شعب النفاق الأصغر - الذي لا يخرج من الملة - قد عمت وطمت في مجتمعات المسلمين، كالكذب، وخلف الوعد، والرياء، والخيانة، والجبن، وترك الجهاد في سبيل الله، وعدم تحديث النفس بذلك.
ومع أن هذه الخصال من النفاق الأصغر لكنها قد تؤول إلى النفاق الأكبر المخرج من الملة.
стр. 86
رابعاً: الواجب تجاه المنافقين:
أولاً: زجرهم ووعظهم.
قال تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً).
ثانياً: جهادهم والغلظة عليهم.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
ثالثاً: تحقيرهم وعدم تسويدهم.
قال ﷺ (لا تقولوا للمنافق سيد، فإنه إن يك سيداً فقد أسخطتم ربكم) رواه أبو داود.
رابعاً: عدم الصلاة عليهم.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).
وقال تعالى (وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ).
стр. 87
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)). [البقرة: ١٧، ١٨]
(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ) وتقدير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يُبصر ولا يهتدي وهو مع هذا أصم لا يسمع أبكم لا ينطق أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا كما أخبر تعالى عنهم في غير هذا الموضع. …
فالمنافق يستفيد بإظهار إسلامه حيث يحقن دمه ويسلم ماله، لكن له عذاب عظيم في الآخرة، كما قال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).
• قال ابن القيم: شبه الله تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار، وذهب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم، وصيامهم معهم، وسماعهم القرآن، ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره، وقد شاهدوا الضوء ورأوا النور عياناً. ولهذا قال تعالى في حقهم (فهم لا يرجعون) إليه. لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا. فهم لا يرجعون إليه. وقال تعالى في حق الكفار (فهم لا يعقلون) لأنهم لم يعقلوا الإسلام، ولا دخلوا فيه، ولا استناروا به، لا بل يزالون في ظلمات الكفر صم بكم عمي.
فسبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافياً، وإلى الإيمان وحقائقه منادياً وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعياً، إلى طريق الرشاد هادياً.
• قال الخازن: لما ذكر الله تعالى حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، ولأن المثل تشبيه الخفي بالجلي، فيتأكد الوقوف على ماهيته وذلك هو النهاية في الإيضاح.
стр. 88
• وقال أبو حيان: قال الزمخشري: لما جاء بحقيقة صفتهم عقبها بذكر ضرب المثل زيادة في الكشف وتتميماً للبيان، ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني ورفع الأستار عن الحقائق، حتى تريك المتخيل في صورة المحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب بأنه مشاهد، وفيه تبكيت للخصم الألد وقمع لسورة الجامح الآبي، ولأمر ما أكثر الله في كتابه المبين وفي سائر كتبه أمثاله، وفشت في كلام رسول الله ﷺ وكلام الأنبياء والحكماء، فقال الله تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العاملون).
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً) أعقبت تفاصيل صفاتهم بتصوير مجموعها في صورة واحدة، بتشبيه حالهم بهيئة محسوسة، وهذه طريقة تشبيه التمثيل، إلحاقاً لتلك الأحوال المعقولة بالأشياء المحسوسة، لأن النفس إلى المحسوس أميل، وإتماماً للبيان بجمع المتفرقات في السمع، المطالة في اللفظ، في صورة واحدة لأن للإجمال بعد التفصيل وقعاً من نفوس السامعين، وتقريراً لجميع ما تقدم في الذهن بصورة تخالف ما صور سالفاً لأن تجدد الصورة عند النفس أحب من تكررها.
• قال ابن كثير: وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ) والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي
أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير، ﵀، هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ)؛ فلهذا وجه ابن جرير هذا المثل بأنهم استضاؤوا بما أظهروه من كلمة الإيمان، أي في الدنيا، ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
• قوله تعالى (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ) جمعها لتضمنها ظلمات عديدة: أولها: ظلمة الليل، لأن استيقاد النار للإضاءة لا يكون إلا في الليل، والثانية: ظلمة الجو إذا كان غائماً، والثالثة: الظلمة التي تحدث بعد فقد النور، فإنها تكون أشد من الظلمة الدائمة.
• قال ابن الجوزي: وفي ضرب المثل لهم بالنار ثلاث حكم:
إحداها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره، لا من قبل نفسه، فاذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، فكأنهم لما أقروا بألسنتهم من غير اعتقاد قلوبهم؛ كان نور إيمانهم كالمستعار.
стр. 89
والثانية: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة الحطب، فهو له كغذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إِلى مادة الاعتقاد ليدوم.
والثالثة: أن الظلمة الحادثة بعد الضوء أشد على الإنسان من ظلمة لم يجد معها ضياء، فشبه حالهم بذلك.
• قال الخازن: فإن قلت ما وجه تشبيه الإيمان بالنور والكفر بالظلمة؟ قلت: وجه تشبيه الإيمان بالنور أن النور أبلغ الأشياء في الهداية إلى المحجة القصوى وإلى الطريق المستقيم وإزالة الحيرة وكذلك الإيمان هو الطريق الواضح إلى الله تعالى وإلى جنانه، وشبه الكفر بالظلمة لأن الضال عن الطريق المسلوكة في الظلمة لا يزداد إلاّ حيرة وكذلك الكفر لا يزداد صاحبه في الآخرة إلاّ حيرة.
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) الأصم: هو الذي لا يسمع، والأبكم: هو الذي لا ينطق، والأعمى: هو الذي لا يبصر.
والمراد بالآية: صم عن استماع الحق، وبكم عن النطق بالخير والإيمان فهم لا يتكلمون به، وعمي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق والباطل، فلما كانوا غير منتفعين بسمعهم وأبصارهم وألسنتهم وأفئدتهم وصفوا بأنهم صم بكم عمي، وهذا كما قال تعالى (وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون)، وكما قال تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها).
• قال بعض العلماء: لما لم ينتفعوا بأسماعهم وأبصارهم وقلوبهم نزلوا بمنزلة من لا سمع له ولا بصر ولا عقل.
• قال ابن عطية: ووصفهم بهذه الصفات إذ أعمالهم من الخطأ وقلة الإجابة كأعمال من هذه صفته.
• وقال النسفي: .... فكأنهم صم بكم عمي، ولأن الله تعالى خلق السمع والبصر واللسان لينتفعوا بهذه الأشياء، فإذا لم ينتفعوا بالسمع والبصر صار كأن السمع والبصر لم يكن لهم، كما أن الله تعالى سمى الكفرة موتى حيث قال تعالى (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) يعني كافراً فهديناه؛ وإنما سماهم موتى والله أعلم لأنه لا منفعة لهم في حياتهم، فكأن تلك الحياة لم تكن لهم، فكذلك السمع والبصر واللسان، إذا لم ينتفعوا بها فكأنها لم تكن لهم، فكأنهم صم بكم عمي فهم لا يرجعون، يعني لا يرجعون إلى الهدى.
• وقال الشنقيطي: قوله تعالى (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) الآية هذه الآية يدل ظاهرها على أن المنافقين لا يسمعون ولا يتكلمون ولا يبصرون، وقد جاء في آيات أخر ما يدل على خلاف ذلك كقوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) وكقوله (وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِم) الآية، أي لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، وقوله (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَاد) إلى غير ذلك من الآيات، ووجه الجمع ظاهر، وهو أنهم بكم عن النطق بالحق وإن رأوا غيره، وقد بين تعالى هذا الجمع بقوله (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً
وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً) الآية، لأن مالا يغني شيئا فهو كالمعدوم والعرب ربما أطلقت الصمم على السماع الذي لا أثر له.
стр. 90
(فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ) قال السعدي: لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعاً منهم.
• قال ابن الجوزي: وإنما أضاف الرجوع إليهم، لأنهم انصرفوا باختيارهم، لغلبة أهوائهم عن تصفح الهدى بآلات التصفح، ولم يكن بهم صمم ولا بكم حقيقة، ولكنهم لما التفتوا عن سماع الحق والنطق به؛ كانوا كالصمم البكم.
والعرب تسمي المعرض عن الشيء: أعمى، والملتفت عن سماعه: أصم.
الفوائد:
١ - ضرب الأمثال، وفائدته تقريب المعنى.
٢ - أن هؤلاء المنافقين - بسبب نفاقهم - فاتهم النور وهو الإيمان.
٣ - أن النفاق ظلمة ووحشة في القلب.
٤ - تخلي الله عن المنافقين.
٥ - من علامات التوفيق أن يكون الله عوناً للعبد ومساعداً له.
٦ - أن المعاصي لها تأثير على الإنسان، فالله أصم آذان هؤلاء المنافقين، فلا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا.
• قال ابن القيم مبيناً أن من أراد طلب العلم فعليه بالابتعاد عن المعصية وغض بصره وخطر إرساله: إنه -يعني غض البصر- يفتح له طريق العلم وأبوابه، ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب، فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق المعلومات، ومن أرسل بصره تكدر عليه قلبه وأظلم وانسد عليه باب العلم وطرقه.
٧ - أن هؤلاء المنافقين لا يرجعون عن غيهم، لأنهم يعتقدون أنهم محسنون.
стр. 91
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)). [البقرة: ١٩، ٢٠]
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) هذا مثل آخر لهؤلاء المنافقين، وصورة المثل العجيبة والمنطبقة على حالهم، هي مطر غزير في ظلمات مصحوب برعد قاصف وبرق خاطف وهم في وسطه مذعورون خائفون يسدون آذانهم بأنامل أصابعهم حتى لا يسمعوا صوت الصواعق حذراً أن تنخلع قلوبهم فيموتوا، ولم يجدوا مفراً ولا مهرباً، لأن الله تعالى محيط بهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن البرق لشدته وسرعته يكاد يخطف أبصارهم فيعمون، فإذا أضاء لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه، وإذا انقطع ضوء البرق وقفوا حيارى خائفين، هذه حال أولئك المنافقين، والقرآن ينزل بذكر الكفر وهو ظلمات، وبذكر الوعيد وهو كالصواعق والرعد، وبالحجج والبينات وهي كالبرق في قوة الإضاءة وهم خائفون أن ينزل القرآن بكشفهم.
• اختلف العلماء في هذا المثل هل هو لطائفتين من المنافقين أم لطائفة واحدة، فذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا بمعنى الواو، فالمعنى على هذا أن للمنافقين مثلين، مثل الذي استوقد ناراً، ومثل أصحاب الصيب، وكون (أو) تأتي بمعنى (الواو) صحيح كما في قوله تعالى (ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً).
وذهب بعض العلماء إلى أن (أو) هنا للتنويع، فمن المنافقين من مثله مثل الذي استوقد ناراً، ومنهم من مثله كمثل أصحاب الصيب، والذي يؤيد هذا القول أن المنافقين أصناف، والكفار أصناف.
• قال أبو السعود: (أَوْ كَصَيّبٍ) تمثيلٌ لحالهم إثرَ تمثيل، ليعُم البيانُ منها كل دقيق وجليل، ويوفيَ حقها من التفظيع والتهويل، فإن تفنُّنهم في فنون الكفر والضلال وتنقّلَهم فيها من حال إلى حال حقيقٌ بأن يُضربَ في شأنه الأمثال، ويرخى في حلبته أعِنّةُ المقال، ويُمدَّ لشرحه أطنابُ الإطناب، ويُعقَدَ لأجله فصولٌ وأبواب.
• قال ابن عاشور: والتمثيل هنا لحال المنافقين حين حضورهم مجلس رسول الله ﷺ وسماعهم القرآن وما فيه من آي الوعيد لأمثالهم وآي البشارة، فالغرض من هذا التمثيل تمثيل حالة مغايرة للحالة التي مُثِّلتْ في قوله تعالى (مَثَلُهم كمَثَل الذي استوقد) بنوع إطلاق وتقييد.
стр. 92
• قوله تعالى (فِيهِ ظُلُمَاتٌ) أي: ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة المطر، (ورعد) وهو الصوت الذي يسمع من السحاب، (وبرق) وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب (كصيب) الصيب المطر.
• ضرب الله في هذه الآية مثلاً لما جاء به محمد ﷺ من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام، وقد قال ﷺ (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً … ) متفق عليه.
• قال السعدي: فهكذا حال المنافقين، إذا سمعوا القرآن وأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، جعلوا أصابعهم في آذانهم، وأعرضوا عن أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فيروعهم وعيده، وتزعجهم وعوده، فهم يعرضون عنها غاية ما يمكنهم، ويكرهونها كراهة صاحب الصيب الذي يسمع الرعد، فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت، فهذا ربما حصلت له السلامة، وأما المنافقون فأنى لهم السلامة، وهو تعالى محيط بهم، قدرة وعلماً.
• قوله تعالى (يجعلون أصابعم في آذانهم من الصواعق) أي: كلما تليت عليهم آيات الكتاب العزيز جعلوا أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن فيؤمنوا به وبمحمد ﷺ ، وهذا كما فعل قوم نوح إذ حكى نوح ﵇ فعلهم معه فقال (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكباراً).
• قوله تعالى (يجعلون أصابعهم) أي أطراف أصابعهم وهي الأنامل، وهذا من باب تسمية الكل والمراد به البعض.
(وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) تهديد للكافرين، فالله جل وعلا محيط بالكافرين وبأعمالهم، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله، فلا يتمكنوا أن يفروا من الله ومن عذابه وسطوته.
• قال القرطبي: فالله سبحانه محيط بجميع المخلوقات، أي هي في قبضته وتحت قهره؛ كما قال (والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة).
• وقال ابن الجوزي: قوله تعالى (والله مُحيط بالكافرين) فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يفوته أحد منهم، فهو جامعهم يوم القيامة، ومثله قوله تعالى (أحاط بكل شيء علماً).
والثاني أن الإحاطة: الإهلاك، مثل قوله تعالى (وأحيط بثمره).
والثالث: أنه لا يخفى عليه ما يفعلون.
وقال قال بعض العلماء: محيط بالكافرين: أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى (لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ) أي: تهلكوا عن آخركم. وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه. وكذلك المغلوب.
стр. 93
ومنه أيضاً بمعنى الهلاك قوله تعالى (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ) الآية. وقوله تعالى (وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ).
(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) قال الشنقيطي: ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين إذا كان القرآن موافقاً لهواهم ورغبتهم عملوا به، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم بالباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه
مذعنين).
وقال بعض العلماء: (كلما أضاء لهم مشوا فيه) أي إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا: هذا الدين حق ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير، (وإذا أظلم عليهم قاموا) أي: وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور، قالوا: ما أصابنا هذا إلا بشؤم هذا الدين وارتدوا عنه، وهذا الوجه يدل له قوله تعالى (ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين).
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ) دون أن تحدث الصواعق، ودون أن يحدث البرق، ولهذا قال:
(إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الآية عامة، فالله على كل شيء قدير، على ما شاءه وما لم يشأه.
• قال الشنقيطي: وجرت العادة بذكر قدرته عند الأمور التي لا يستطيعها البشر، كما ذكر ذلك عند نصره لعباده الضعفاء المتمسكين بدينه كقوله تعالى في الأحزاب (وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) وقال في الحديبية (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً).
ومن قدرته أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
стр. 94
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن الله على كل شيء قدير) تذييل، وفيه ترشيح للتوجيه المقصود للتهديد زيادة في تذكيرهم وإبلاغاً لهم وقطعاً لمعذرتهم في الدنيا والآخرة.
• قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الآية عامة، فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، وأما قوله تعالى (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع، يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجزه شيء.
الفوائد:
فوائد من المثلين ذكرهما ابن القيم ﵀:
قال ﵀: وقد اشتمل هذان المثلان على حكم عظيمة:
منها: أن المستضيء بالنار مستضيء بنور من جهة غيره لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة، وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد ومحبة بقلبه، وتصديق جازم، كان ما معه من النور كالمستعار.
ومنها: أن ضياء النار يحتاج في دوامه إلى مادة تحمله، وتلك المادة للضياء بمنزلة غذاء الحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع والعمل الصالح يقوم بها ويدوم بدوامها، فإذا ذهبت مادة الإيمان طفئ، كما تنطفئ النار بفراغ مادتها.
ومنها: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين وأشقهما على من كانت حظه، فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال المستوقد للنار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.
ومنها: أن المثل الأول متضمن لحصول الظلمة التي هي الضلال، والحيرة التي ضدها الهدى، والمثل الثاني متضمن لحصول الخوف الذي ضده الأمن فلا هدى ولا أمن (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).
стр. 95
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)). [البقرة: ٢١].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ) هذا أول أمر في القرآن الكريم، وهو الأمر بعبادة الله ﵎، والناس: قيل: المراد عموم الناس (الكفار والمؤمنون) وقيل: المراد بالناس الكفار الذين لم يعبدوه، والأول أصح. …
(اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) أي: اخضعوا وذلوا لله ، وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجرداً عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أموراً لا تنبغي، والله لا يليق به شيء من ذلك (قاله الشنقيطي).
فالعبادة تطلق على معنيين: أحدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق، وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية.
• وفي هذه الآية وجوب عبادة الله ، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:
قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
وقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).
وأمر تعالى بعبادته حتى الموت: فقال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
بل الناس ما خلقوا إلا لعبادة الله تعالى: كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
стр. 96
وأمر الله بها جميع رسله:
كما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ) كذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم.
وأخبر الله أنه أرسل في كل أمة رسولاً لهذا الغرض:
قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
ووصف ملائكته بذلك:
فقال تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا
يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله تعالى. …
(الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي أوجدكم من العدم، وأوجد من قبلكم من الأمم الماضية.
• ففيها أن المستحق للعبادة هو من يخلق، أما من هو عاجز عن الخلق فلا يستحق أن يكون معبوداً، وقد جرت العادة في القرآن الكريم في آيات كثيرة أنه يجعل سبب العبادة التي تُستحق به هو الخلق والإبراز من العدم إلى الوجود، فمن يبرزكم من العدم إلى الوجود، ويوجدكم بعد أن كنتم عدماً هو هذا ربكم الذي يستحق أن تعبدوه وحده، أما الذي يحتاج إلى من يخلقه فهو عبد مربوب فقير مثلكم.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).
وقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ).
وقال تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
стр. 97
• قال الشنقيطي: من براهين البعث بعد الموت خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله (اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ) لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة:
كقوله (وَهُوَ الذي يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ) الآية وقوله (كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ)، وكقوله (فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الآية، وكقوله (يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ)، وكقوله: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى) الآية.
ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ) الآية، وقوله (أَوَلَا يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً). ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان).
• قال ابن الجوزي: وإنما ذكر من قبلهم، لأنه أبلغ في التذكير، وأقطع للجحد، وأحوط في الحجة.
وقيل إنما ذكر من قبلهم لينبههم على الاعتبار بأحوالهم من إثابة مطيع، ومعاقبة عاص.
• قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).
وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) قال السعدي: يحتمل: أن المعنى: إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل: أن يكون المعنى أنكم إذا عبدتم الله صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، وقيل: المعنى خلقكم لتتقوه.
• قال بعض العلماء: أن كل (لعل) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون.
стр. 98
الفوائد:
١ - وجوب عبادة الله ﵎.
٢ - تحريم عبادة غير الله .
٣ - أن الخالق هو الله.
٤ - أن الخالق هو المستحق للعبادة.
٥ - أن العاجز عن الخلق لا يستحق أن يعبد.
٦ - أن الله خلق الخلق ليتقوه ويعبدوه.
٧ - فضل التقوى.
стр. 99
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)). [البقرة: ٢٢].
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً) هذا من باب تعديد أصناف النعم، فجعل الله الأرض فراشاً موطئاً يستقر عليها استقراراً كاملاً.
وقد وصفها الله بأوصاف كلها تدل على أن الله جعلها مستقرة ثابتة ممهدة فراشاً.
كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ). وقال تعالى (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا) وقال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) وقال تعالى (وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ) وقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً) والمراد بالقرار: أنها لا تميد بساكنيها، أي لا تضطرب كما قال تعالى (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً)
(قراراً) مستقراً بالدحو والتسوية. (مددناها) بسطناها ووسعناها (مهداً) كالفراش الذي يُوطّأُ للصبي.
وهذه من أعظم النعم أن جعل سبحانه الأرض فراشاً ومهاداً.
• قال ابن القيم: وإذا نظرت إلى هذه الأرض وكيف خلقت؟ رأيتها من أعظم آيات فاطرها وبديعها، خلقها سبحانه فراشاً ومهاداً وذللها لعباده.
فيه دليل على أنه لو كانت الأرض غير مبسوطة، كأن تكون غير مستقرة أو مضطربة لكان في ذلك مشقة وتعب.
(وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) أي جعلها بمنزلة البناء وبمنزلة السقف.
كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) وقال تعالى (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ).
وقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ).
• قال الرازي: إنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع، ولا شك أن إكثار ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما، وعلى أن له فيهما أسراراً عظيمة، وحكماً بالغة لا يصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم.
стр. 100
• المراد بالسماء هنا السماوات ذات الأجرام، وذلك أن السماء يُطلق على معنيين:
المعنى الأول: العلو، كقوله تعالى (أنزل من السماء ماء) المراد بالسماء هنا العلو، لأن المطر ليس ينزل من السماء السقف، بل ينزل من العلو.
المعنى الثاني: المراد بالسماء السقف كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى (والسَّمَاءَ بِنَاءً).
• قال الشنقيطي: وخلق السماوات والأرض من براهين البعث، لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم، فهو على غيره قادر من باب أحرى، وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة:
كقوله تعالى (لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس)، وقوله (أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن
يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى وَهُوَ الخلاق العليم)، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى بلى)، وقوله (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)، وقوله: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السمآء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) الآية .. إلى غير ذلك من الآيات.
(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ) أي: أنزل من السماء مطراً عذباً فراتاً أنزله سبحانه بقدرته، فأخرج بذلك المطر أنواع الثمر والفواكه والخضار.
كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا). وقال تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ).
стр. 101
• المراد بقوله (السماء) العلو، لأن المطر ينزل من السحاب.
• هذا أيضاً من براهين البعث، فإحياء الأرض بعد موتها من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت.
كما أشار له هنا بقوله (وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ).
وأوضحه في آيات كثيرة كقوله (َمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرض خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ إِنَّ الذي أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، وقوله (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الخروج)، يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظاماً رميما. وقوله (وَيُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)، وقوله تعالى (حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، إلى غير ذلك من الآيات. (أضواء البيان).
• قال القرطبي: ودلّت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق؛ ولهذا قال ﵇ مشيراً إلى هذا المعنى (والله لأنْ يأخذ أحدُكم حَبْلَه فَيَحْتطِبَ على ظهره خير له من أن يسأل أحداً أعطاه أو منعه) أخرجه مسلم.
ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها؛ فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زُخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله نِدًّا.
(فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الأنداد: جمع ند، وهو الكفء والنظير والمثيل، أي فلا تجعلوا لله أشباهاً ونظراء من المخلوقين فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبونه، وهم مثلكم مخلوقون مرزوقون مدبرون، وأنتم تعلمون: أن الله ليس له شريك ولا نظير، لا في الخلق والرزق والتدبير، ولا في الألوهية والكمال.
• في الآية تحريم اتخاذ الأنداد من دون الله، وهو أعظم ذنب يفعله الإنسان.
قال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ).
وقال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ).
وقال تعالى (وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).
وقال تعالى (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
وعن ابن مسعود. قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه
• قوله تعالى (فلا تجعلوا لله أنداداً) أن من أنعم بهذه النعم يستحق الشكر لا أن يجعل معه شريك ونظير.
стр. 102
• قوله تعالى (اعبدوا ربكم … فلا تجعلوا لله أنداداً) جمعت هذه الآية بين الأمر بعبادة الله تعالى، والنهي عن عبادة ما سواه، ففيه أنه لا بد للتوحيد من الكفر بكل ما عبد من دون الله، وقد قال ﷺ (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله فقد عصم دمه وماله وحسابه على الله) رواه مسلم، فعلق النبي ﷺ في هذا الحديث عصمة الدم والمال بأمرين:
الأول: قول: لا إله إلا الله عن علم ويقين.
الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: وهذا من أعظم ما يبين معنى: لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل اللفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
стр. 103
وقد قال تعالى (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا).
(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أنه لا ند له.
• وفي هذا ذم من اجترأ على معصية الله وهو يعلم، وهو أعظم جرماً مما لا يعلم.
الفوائد:
١ - بيان رحمة الله بعباده.
٢ - كمال قدرة الله تعالى.
٣ - ينبغي التفكر في مخلوقات الله حتى يقود ذلك إلى الإيمان بالله وبوحدانيته وقد قال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ).
٤ - رحمة الله بإنزال المطر.
٥ - إثبات الأسباب لقوله (فأخرج به من الثمرات .. ).
٦ - تحريم اتخاذ الأنداد لله.
стр. 104
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)). [البقرة: ٢٣ - ٢٤].
(وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) قال أبو حيان: نزلت في جميع الكفار، وقال ابن عباس ومقاتل: نزلت في اليهود، وسبب ذلك أنهم قالوا: هذا الذي يأتينا به محمد لا يشبه الوحي وإنا لفي شك منه، والأظهر القول الأول.
• قال السعدي: وإن كنتم - يا معشر المعاندين للرسول، الرادين دعوته، الزاعمين كذبه - في شك واشتباه مما نزلنا على عبدنا، هل هو حق أو غيره؟ فههنا أمر نصف فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم، ليس من جنس آخر، وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم، لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب، أخبركم أنه من عند الله، وقلتم أنتم أنه تقوله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون:
(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة واختاره ابن جرير،، فالضمير في قوله (من مثله) عائد على القرآن ونسب هذا القول ابن كثير لأكثر المحققين، ونسبه القرطبي أيضاً للجمهور.
ونسبه ابن عطية لجمهور العلماء أيضاً.
وقيل: (من مثله) أي من مثل محمد ﷺ من البشر، لأن محمداً بشر مثلكم.
قال ابن جرير: والتأويل الأول هو التأويل الصحيح، لأن الله جل ثناؤه قال في سورة أخرى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) ومعلوم أن السورة ليست لمحمد بنظير ولا شبيه.
• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ) لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله ﷺ ، والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة.
• وقال ابن عاشور: انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزئي الإيمان بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك بما قدمه من قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا ربكم).
• قوله تعالى (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ) فيه تحدي المشركين أن يأتوا بسورة من مثل هذا القرآن.
• وقد وقع التحدي على عدة أوجه:
تحداهم أن يأتوا بقرآن بمثل هذا القرآن: قال تعالى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ)، وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً).
وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله: قال تعالى (أمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
стр. 105
وتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله. كما في هذه الآية.
• قوله تعالى (عَلَى عَبْدِنَا) فيه عظيم منزلة العبودية، حيث وصف الله ﵎ نبيه بهذا الوصف في مقام التحدي.
• وقد وصف الله نبيه بالعبودية في أعلى المقامات:
في مقام التحدي: كما في هذه الآية.
وفي مقام الإسراء والمعراج: قال تعالى (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ).
وفي مقام الإيحاء: قال تعالى (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى).
وفي مقام الدعوة: قال تعالى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً).
وقد قال تعالى عن المسيح ابن مريم (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه)، وقال ﷺ (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله) رواه البخاري. …
• قال ابن تيمية: والعبد كلما كان أذل لله وأعظم افتقاراً إليه وخضوعاً له: كان أقرب إليه وأعز له، وأعظم لقدره، فأسعد الخلق: أعظمهم عبودية لله، وأما المخلوق فكما قيل: احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره.
(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) قيل: أعوانكم ونصراءكم، وقيل: آلهتكم، وقيل: ائتوا بشهداء يشهدون لكم أن ما أتيتم به يعادل القرآن أو يقاربه.
وهذا غاية التحدي لهم. وهذا كما يقول المعجِز المتحدي لمن عانده وتحداه: اذهب وائت بمن تستطيع من أصحابك وأعوانك وأوليائك لتستعين بهم.
(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فيما تدعون من أن هذا القرآن ليس من عند الله.
• قال ابن عاشور: والمعنى إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن كلام بشر.
فلا أحد يستطيع أن يأتي بسورة من مثل هذا القرآن ولو دعا من دعا إليه ليعاونه، كما قال تعالى (لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) أي معيناً.
стр. 106
• قال ابن كثير: ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، … فكلٌ من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال تعالى (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً) أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، … لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء.
• وقال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فِيهِ أَكْبَرُ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﵇ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَقَرَعَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْصُوفٌ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ، فَلَمْ يُعَارِضْهُ مِنْهُمْ خَطِيبٌ، وَلَا تَكَلَّفَهُ شَاعِرٌ، مَعَ بَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ فِي تُوهِينِ أَمْرِهِ، وَإِبْطَالِ حُجَجِهِ، وَكَانَتْ مُعَارَضَتُهُ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْهَا أَبْلَغَ الْأَشْيَاءِ فِي إبْطَالِ دَعْوَاهُ وَتَفْرِيقِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ؛ فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْعِبَادِ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا أَكْبَرُ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّهُ سِحْرٌ، فَقَالَ تَعَالَى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ) وَقَالَ (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) فَتَحَدَّاهُمْ بِالنَّظْمِ دُونَ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَظْهَرَ عَجْزَهُمْ عَنْهُ فَكَانَتْ هَذِهِ مُعْجِزَةً بَاقِيَةً لِنَبِيِّنَا ﷺ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ وَفَضَّلَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأنبياء؛ لِأَنَّ سَائِرَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ تَقَضَّتْ بِانْقِضَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مُعْجِزَةً مِنْ طَرِيقِ الْأَخْبَارِ.
وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ، كُلُّ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهَا بَعْدُ قَرَّعْنَاهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَتَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ ﵇ وَعِنْدَ الْجَاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَكْمَلِهِمْ خُلُقًا، وَأَفْضَلِهِمْ رَأْيَا، فَمَا طَعَنَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي كَمَالِ عَقْلِهِ وَوُفُورِ حِلْمِهِ وَصِحَّةِ فَهْمِهِ وَجَوْدَةِ رَأْيِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَدْ أَرْسَلَهُ إلَى خَلْقِهِ كَافَّةً، ثُمَّ جَعَلَ عَلَامَةَ نُبُوَّتِهِ وَدَلَالَةَ صِدْقِهِ كَلَامًا يُظْهِرُهُ وَيَقْرَعُهُمْ بِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَذِبُهُ وَبُطْلَانُ دَعْوَاهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَدَّاهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُقَرِّعهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ إلَّا وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَى مِثْلِهِ.
стр. 107
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: فإن لم تقدروا على الإتيان بسورة بمثل سورة من سوره.
(وَلَنْ تَفْعَلُوا) أي: ولن تقدروا في المستقبل أيضاً على الإتيان بمثله و (لن) هنا للتأبيد.
وفي هذا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً، غير خائف ولا مشفق، أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن.
(فَاتَّقُوا النَّارَ) أي فخافوا النار واتقوها واحذروها، واجعلوا بينكم وبين عذابها وقاية، والوقاية من النار تكون بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر.
وقد أمر الله باتقائها في آيات كثيرة:
فقال تعالى (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ).
وقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى).
وقال تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ. نذيراً للبشر) قال الحسن البصري: والله ما أُنذر العباد بشيء قط أدهى منها.
وقال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه.
واتقاء النار يكون: بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه.
• قوله تعالى (فاتقوا النار) ينبغي على المسلم أن يحذر من النار وأن يتقيها كما أمر الله .
فقد أمر الله باتقائها كما في هذه الآية.
وأمر ﷺ بالاستعاذة منها. كما قال ﷺ (استعيذوا بالله من عذاب جهنم) متفق عليه.
وكان ﷺ يقول في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) متفق عليه.
ومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً).
• ينبغي تهديد أهل الكفر والطغيان بالنار وتخويفهم بها كما قال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى. لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى).
стр. 108
• هناك أعمال تنجي من النار منها:
أولاً: الإيمان بالله.
قال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار).
ثانياً: الصيام.
قال ﷺ (الصيام جُنة يستجن به من النار) رواه أحمد.
وقال ﷺ (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه.
ثالثاً: البكاء من خشية الله.
قال ﷺ (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي.
رابعاً: الاستجارة بالله من النار.
كما قال ﷺ (ما سأل أحد الله ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني).
خامساً: المحافظة على صلاة الفجر والعصر.
قال ﷺ (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم.
سادساً: الجهاد.
قال ﷺ (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار) رواه الترمذي.
سابعاً: حسن الخلق.
قال ﷺ (من كان سهلاً هيناً ليناً حرمه الله على النار) رواه أحمد.
ثامناً: عتق الرقاب.
قال ﷺ (من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار).
تاسعاً: الكلمة الطيبة.
لحديث الباب (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة) قال النووي: فيه أن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار.
(الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وقودها: الوقود بفتح الواو: الحطب، أي مادة النار التي تشعل بها وتضرم لإيقادها الناس والحجارة.
стр. 109
والمراد بالناس الكفار الذين ماتوا على الكفر، قال تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ).
وأما الحجارة فاختلف فيه:
قيل: المراد حجارة الكبريت.
وقد قيل: أنها خصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت.
وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لقوله تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) أي وقودها. قال القرطبي: وعليه فتكون الحجارة والناس وقوداً للنار، وذكر ذلك تعظيماً للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس.
قوله تعالى (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) شدة عذاب الكفار في النار حيث يكونون وقوداً للنار مع أصنامهم.
(أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي هيئت للكافرين، ففيه دليل على أن أهل النار هم الكفار الذين ماتوا على الكفر، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
ومن أهل النار المنافقين، كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).
• قوله تعالى (أعدت للكافرين) فيه دليل على أن النار موجودة الآن، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، والأدلة على ذلك كثيرة:
قوله تعالى (أعدت للكافرين) أي هيئت، وكذلك قال تعالى في الجنة (أعدت للمتقين).
وقال ﷺ (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، .. الحديث، وفيه: ثم أرسله إلى النار .. ) رواه أحمد.
وقال ﷺ (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار) متفق عليه.
وقال ﷺ (وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) متفق عليه.
стр. 110
وقال ﷺ (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أتقدّم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت) رواه مسلم.
وقال ﷺ ( … ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع منه) متفق عليه.
الفوائد:
١ - عظمة القرآن حيث تحدى الله كفار قريش أن يأتوا بمثله.
٢ - وجوب العناية بالقرآن حفظاً وتدبراً وفهماً.
٣ - فضيلة أن يتصف الإنسان بوصف العبودية.
٤ - إثبات علو الله .
٥ - أن من أعظم آيات النبي ﷺ هذا القرآن العظيم.
٦ - لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن.
٧ - وجوب تقوى عذاب النار.
٨ - إهانة الكفار ومعبوداتهم حيث يكونون حطب لجهنم.
٩ - أن النار موجودة الآن.
следующие страницы →