Полный текст (1 874 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
• آثار الإيمان المترتب على الإيمان بهذا:
أولاً: محبته سبحانه وحمده وإجلاله وتعظيمه.
ثانياً: التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام لله، وإنزال جميع الحوائج بالله.
ثالثاً: إخلاص الاستعانة والاستغاثة والاعتصام لله ، وقطع التعلق بالمخلوق الضعيف المربوب لله تعالى المفتقر إلى ربه.
رابعاً: قال ابن القيم: وهو سبحانه (القيوم) المقيم لكل شيء من المخلوقات - طائعها وعاصيها - فكيف تكون قيوميته بمن أحبَّه وتولاه، وآثره على ما سواه، ورضي به دون الناس حبيباً، ورباً ووكيلاً، وناصراً ومعيناً وهادياً.
خامساً: الخوف منه سبحانه ومراقبته، لأنه القائم على كل نفس، المتولي أمرها، الحافظ لأعمالها الذي لا يخفى عليه شيء من أمرها.
(لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) السنة: النعاس، والنوم هو النوم، وهذه الجملة تأكيد للقيومية.
• قال ابن كثير: ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم.
• فالله لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، فلا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته.
• قال ابن عاشور: ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.
• فالله لا ينام لكمال حياته وقيوميته، وهذه قاعدة: كل صفة نفي يستلزم نفيها وإثبات كمال ضدها.
стр. 772
فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإننا ننفيها عن الله مع إثبات كمال ضدها، وذلك: لأن النفي لا يدل على الكمال حتى يكون متضمناً لصفة ثبوتية يحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصاً، وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحاً، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
فقوله تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) لكمال عدله.
وقوله تعالى (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) لكمال قدرته.
وقوله تعالى (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) لكمال علمه.
وقوله تعالى (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال حياته وقيوميته.
وقوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً).
فالله لا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته.
قال الشيخ ابن عثيمين: فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده (إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) لأن العجز سببه: إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
• فالنوم من صفات النقص التي يُنزه الله عنها لكمال حياته، قال ﷺ (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام). رواه مسلم
فالنوم يحتاجه المخلوق لنقصه وعجزه، فهو يحتاج للنوم للاستراحة، ولذلك لما كان أهل الجنة كاملي الحياة، كانوا لا ينامون.
• ما الحكمة من ذكر النوم بعد نفي السنة، لأنه إذا قال (لا تأخذه سنة) فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى.
قيل: لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم.
وقيل: إنما جمع بين نفييهما لأنه لا يلزم من نفي أحدهما نفي الآخر، إذ يتصور مجيء النوم دفعة من غير مبادئ الوسن، ومجيء الوسن دون النوم فلذلك نفي كل واحد منهما على حدته بدليل تكرير (لا).
ولذلك قال ابن عاشور: ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه، لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر.
стр. 773
• موعظة بليغة: تعلق قلب رجل بامرأة بدوية وقد ذهبت ذات ليلة إلى حاجة لها فتبعها الرجل فلما خلا بها في البادية والناس نيام راودها عن نفسها، فقالت له: انظر أنام الناس جميعاً ففرح الرجل وظن أنها قد أجابته إلى ما ابتغاه فقام وطاف حول مضارب الحي فإذا الناس نيام فرجع مسروراً وأخبرها بخلو المكان إلا من النيام، فقالت: ما تقول في الله ﵎؟ أنائم هو في هذه الساعة؟ قال الرجل: إن الله لا ينام ولا تأخذه سنة، فقالت المرأة: إن الذي لم ينم ولا ينام ويرانا وإن كان الخلق لا يرون
فذلك أولى أن نخشاه، فاتعظ الرجل وتركها وتاب خوفاً من الله تعالى، ولما مات رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي لخوفي منه وتوبتي إليه.
وصدق من قال:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة … والنفس داعية إلا العصيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها … إن الذي خلق الظلام يراني
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً.
• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.
• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
• وقال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً.
стр. 774
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (له ما في السماوات وما في الأرض) تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة، لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها.
وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:
قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً).
وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:
الأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.
الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائناً من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.
• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض:
أولاً: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..
يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).
ثانياً: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.
ثالثاً: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
стр. 775
وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون .. ) رواه مسلم.
(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: لا أحد يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه، وذلك لكمال سلطانه.
• قال الرازي: استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا أحد يشفع عنده أحد إلا بأمره، وذلك لأن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقولهم (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ثم بين تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب فقال (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله (إِلَّا بِإِذْنِهِ).
• وهذا - كما تقدم - يدل على كمال ملك الله ، لأن المخلوق إذا كان موصوفاً بالملك، فإن الناس قد يتقدمون بين يديه بالشفاعة من غير استئذان، وقد يشفع هو من غير رغبة في هذه الشفاعة التي قدمت بين يديه، لكنه قد يُحرج أو يستحي أو قد يقبل هذه الشفاعة خوفاً من غائلة الشافع، لأن ملكه لا يقوم إلا به، لأنه قد يكون من أعوانه الذين لا يقوم ملكه إلا بهم فيقبل الشفاعة خوفاً من غائلة هذا الشافع، وقد يقبلها حياء منه وخجلاً وإحراجاً، وقد يقبلها رداً لجميله السابق عليه وإفضاله (الشيخ خالد السبت).
стр. 776
وأما الله فهو لا يخاف من أحد، ولا يقبل الشفاعة إحراجاً من أحد، وليس لأحد فضل على الله حتى يكون ذلك القبول على سبيل المقايضة.
كما قال تعالى (مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ).
وقال تعالى (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً).
وقال تعالى (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى).
بل بيّن أن الملائكة ومنهم الروح الأمين عليهم لن يتجرأ أحد منهم الكلام إلا من بعدما أن يأذن له الرحمن كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً).
وأخبر النبي ﷺ أنه لن يتقدم يوم القيامة أحد من الأنبياء والمرسلين للشفاعة لدى الرب إلا هو ﷺ ، وحتى هو لن يبدأ في الشفاعة إلا بعدما يأذن الله له، وفي الحديث ( … بعد أن يتأخر عنها آدم وموسى وإبراهيم ونوح وعيسى، يشفع النبي ﷺ فيقال له: ارفع رأسك، وسل تعْطَه، وقل يُسمع، واشفع تشفّع).
• والشفاعة في اللغة: جعل الشيء شفيعاً، وهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
(يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) اختلف في معناها:
فقيل: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) يعني الآخرة لأنهم يُقدِمون عليها (وَمَا خَلْفَهُمْ) من الدنيا لأنهم يخلفونها وراء ظهورهم.
وقيل: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) بعد انقضاء آجالهم (وَمَا خَلْفَهُمْ) أي: ما كان من قبل أن يخلقهم، وقيل: ما فعلوا من خير وشر وما يفعلونه بعد ذلك.
والمراد من الآية: أن الله يعلم كل شيء من ماض ومستقبل، وأن علمه شامل لكل شيء .
• قال ابن كثير: دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
• وقال أبو حيان: والذي يظهر أن هذا كناية عن إحاطة علمه تعالى بسائر المخلوقات من جميع الجهات.
стр. 777
• وقال الشيخ صديق حسن خان: والمقصود أنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه، حتى يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء تحت الأرض الغبراء، وحركة الذرة في جو السماء، والطير في الهواء، والسمك في الماء.
• وقال السعدي: (يعلم ما بين أيديهم) أي: ما مضى من جميع الأمور (وما خلفهم) أي: ما يستقبل منها، فعلمه تعالى
محيط بتفاصيل الأمور، متقدمها ومتأخرها، بالظواهر والبواطن، بالغيب والشهادة، والعباد ليس لهم من الأمر شيء ولا من العلم مثقال ذرة إلا ما علمهم تعالى.
• مباحث علم الله تعالى:
أولاً: فالله تعالى يعلم كل شيء، يشمل الجزئيات والكليات.
قال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً).
وقال تعالى (عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
ثانياً: يعلم سبحانه الماضي والمستقبل.
قال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).
ما بين أيديهم] الحاضر والمستقبل [وما خلفهم] الماضي.
ثالثاً: الله يعلم الخفايا وما في الصدور.
كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
رابعاً: وليس شيء يصل إلى الأرض أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا قد أحاط الله به علماً.
стр. 778
قال تعالى (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).
خامساً: ويعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.
كما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).
والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبداً، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).
سادساً: ويستوي في علم الله السر والعلانية، والصغير والكبير والغيب والشهادة.
قال تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً).
وقال تعالى (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
سابعاً: وعلم الله لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.
قال تعالى ( … قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى).
وقال تعالى ( … وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً).
أما علم ابن آدم فمسبوق بجهل ويلحقه نسيان كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً).
ثامناً: علمنا قليل بالنسبة لعلم الله.
стр. 779
قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).
• الآثار المترتبة من علمنا بهذه الصفة:
أ- الخوف من الله وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، لأن العبد إذا أيقن أن الله تعالى عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله ظاهراً وباطناً.
ب-اليقين بشمول علم الله تعالى لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله تعالى وإجلاله والحياء منه، كما يعين على التخلص من الآفات القلبية التي تخفى على الناس ولكنها لا تخفى على الله كآفة الرياء والحسد والغل والعجب والكبر.
قال ابن القيم: فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر، قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك، والثاني: حياؤك منه، الثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته.
ج- إن يقين العبد بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله ويدفع اليأس والقنوط من القلب.
د-ونستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: وجوب مراقبة الله، لأن العاقل إذا علم أن الله يعلم كل شيء، فسوف يراقب ربه، بلسانه وجنانه وأركانه، فبلسانه: لا ينطق بما حرم الله، وبجنانه: لا يعتقد بقلبه خلاف الحق، وبجوارحه: لا يستعملها في المحرمات، فيستعمل العين في النظر إلى الحرام، ويستعمل اليد في البطش الحرام، ويستعمل الآذان في السماع الحرام.
وأيضاً نستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: الرغبة والنشاط والرجاء، لأن الإنسان يعلم أن الله يعلم بكل أعماله الصالحة، وأنه لن يضيع منها شيء.
стр. 780
• صلة هذه الجملة بما قبلها:
في هذه الجملة - والله أعلم - بيان لسبب حرمان الخلق من الشفاعة إلا بإذنه تعالى، لأنه وحده تعالى عالم بأحوال الشافع والمشفوع له، وهو وحده يعلم من له أن يشفع ومن يستحق أن يُشفع له.
(وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) قوله (من علمه) ذكر المفسرون قولان:
الأول: العلم هنا بمعنى المعلوم.
والثاني: العلم هنا علم ذاته وصفاته.
فعلى القول الأول: قال الطبري: لا يعلم أحد سواه شيئاً إلا بما شاء هو أن يُعلمه، فأراد فعلّمه.
وقال ابن عطية: لا معلوم لأحد إلا ما شاء الله أن يُعلمه.
وعلى القول الثاني: لا يحيط أحد علماً بذاته ﷻ وصفاته إلا ما أطلعه تعالى عليه كقوله (ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً).
• قال الشيخ ابن عثيمين: وقد علمنا الله تعالى أشياء كثيرة عن أسمائه وصفاته، وعن أحكامه الكونية وأحكامه الشرعية، ولكن هذا الكثير هو بالنسبة لمعلومه قليل كما قال تعالى (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).
(وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) وسع بمعنى شمل وأحاط كرسيه السماوات والأرض، والكرسي:
قيل: هو العرش، وقيل: وسع كرسيه علمه، والصحيح أن الكرسي غير العرش، وأن الكرسي هو موضع قدميّ الله تعالى.
стр. 781
• قول: وسع كرسيه: أي وسع علمه هذا ضعيف ولا يصح ولا يثبت عن ابن عباس.
• وهذا يدل على عظمة الكرسي، وقد جاء في الحديث (والذي نفسي بيده، ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحَلْقَةٍ ملقاةٍ في فلاةٍ من الأرض، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلْقة).
وهذا على عظم هذه المخلوقات، وعظم المخلوق يدل على عظم الخالق.
وقد جاء في الحديث (أُذِن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة … ).
(وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي: لا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض لكمال علمه وقدرته وإحاطته.
• قال ابن كثير: أي لا يثقله ولا يكرثه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء.
• وهذه من الصفات المنفية، فالله لا يثقله حفظ السماوات والأرض لكمال قدرته وعلمه وقوته.
(وَهُوَ الْعَلِيُّ) فالله له العلو المطلق، علو الذات، وعلو الصفات.
أولاً: علو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قدر.
القسم الثاني: علو شرف.
وهذان القسمان لم يخالف فيهما أحد ممن ينتسب إلى الإسلام.
وهو سبحانه عالي الصفات والقدر، منزه عن النقائص والعيوب.
القسم الثالث: علو ذات: وهذا وقع فيه خلاف بين أهل السنة وأهل البدع.
فمذهب أهل السنة والسلف: أن الله تعالى عال بذاته فوق جميع خلقه، بائن من خلقه مستو على عرشه.
ولهم أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والعقل والفطرة.
стр. 782
أما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة:
أحدها: التصريح بالفوقية.
كقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).
وكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).
الثاني: التصريح بالعروج إليه.
كقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).
وقوله ﷺ (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.).
الثالث: التصريح بالصعود إليه.
كقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).
الرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه.
كقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).
وقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).
الخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو.
كقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
وقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
وقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).
السادس: التصريح بتنزيل الكتاب منه.
كقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم).
وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).
وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).
وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).
стр. 783
السابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء.
كقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).
وقال الرسول ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
الثامن: التصريح بالاستواء على العرش.
كقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
التاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى.
كقوله ﷺ : (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً).
والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.
العاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل.
الحادي عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلاً: اللهم اشهد).
الثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه: (أين الله).
الثالث عشر: شهادته ﷺ لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان.
الرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي.
الخامس عشر: إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.
стр. 784
من العقل:
أن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة:
قال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله.
وأما الإجماع:
فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه.
• قوله (أأمنتم من في السماء).
قد يتوهم واهم أن الله تعالى داخل السماء، وأن السماء تحيط به، كما لو قلنا: فلان في الحجرة، فإن الحجرة تحيط به.
ومنشأ الوهم: ظنه أن (في) التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع مواردها، وهذا ظن فاسد، فإن (في) يختلف معناها بحسب متعلقها.
فقوله (أأمنتم من في السماء) هذا عند أهل التفسير من أهل السنة على أحد وجهين:
الوجه الأول: أن تكون السماء بمعنى العلو، فإن السماء يراد بها العلو، كما في قوله تعالى (وأنزل لكم من السماء ماء) والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض لا من السماء نفسها.
الوجه الثاني: أن تكون (في) بمعنى (على)، كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى (فسيروا في الأرض) أي على الأرض وقوله عن فرعون (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوع النخل.
• فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وهو في السماء إله وفي الأرض إله)؟
وكذلك قوله تعالى (وهو الله في السموات وفي الأرض)؟
стр. 785
قال ابن تيمية: ليس معناهما أن الله في الأرض كما أنه في السماء، ومن توهم هذا، أو نقله عن أحد من السلف فهو مخطئ في وهمه، وكاذب في نقله.
وإنما معنى الآية الأولى: أن الله مألوه في السماوات وفي الأرض، كل من فيهما فإنه يتأله ويعبده.
وأما الآية الثانية فمعناها: أن الله إله في السماء، وإله في الأرض، فألوهيته ثابتة فيهما.
(الْعَظِيمُ) قال الطبري: ذو العظمة الذي كل شيء دونه، فلا شيء أعظم منه.
وقال الجزائري: العظيم: الذي كل شيء أمام عظمته صغير وحقير.
فالله عظيم في ذاته، عظيم في أسمائه كلها، عظيم في صفاته كلها.
قال السعدي: العظيم الجامع لجميع صفات العظمة والكبرياء والمجد والبهاء الذي تحبه القلوب، وتعظمه الأرواح، ويعرف العارفون أن عظمة كل شيء وإن جلت في الصفة، فإنها مضمحلة في جانب عظمة العلي العظيم.
• واعلم أن معاني التعظيم الثابتة لله وحده نوعان:
أحدهما: أنه موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال أكمله، وأعظمه وأوسعه.
والثاني: أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظم كما يعظم الله، فيستحق من عباده أن يعظموه بقلوبهم وألسنتهم وجوارحهم.
• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:
أولاً: الخشوع والخضوع لله تعالى والاستكانة والتذلل لعظمته وجبروته ومحبته.
ثانياً: ومن تعظيمه سبحانه نفي الشركاء والأنداد عنه، قال تعالى (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً).
ثالثاً: ومن تعظيمه سبحانه: تعظيم أمره ونهيه، وتعظيم نصوص الكتاب والسنة والاستسلام لها.
رابعاً: ومن تعظيمه سبحانه: تعظيم شعائره، قال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ).
خامساً: الاستعانة بالله وحده وصدق التوكل عليه، وتفويض الأمور إليه.
سادساً: الخوف منه سبحانه وحده، وعدم الخوف من المخلوق الضعيف.
стр. 786
الفوائد:
١ - أنه لا إله بحق إلا الله تعالى.
٢ - أن هذه الآية أعظم آية في كتاب الله تعالى.
وقد اختلف العلماء هل كلام الله يتفاضل أم لا على قولين:
القول الأول: مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَتَفَاضَلُ فِي نَفْسِهِ.
لِأَنَّهُ كُلَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَكَلَامُ اللَّهِ صِفَةٌ لَهُ قَالُوا: وَصِفَةُ اللَّهِ لَا تَتَفَاضَلُ.
كَذَلِكَ قَالَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) قَالُوا فَخَيْرٍ إنَّمَا يَعُودُ إلَى غَيْرِ الْآيَةِ مِثْلَ نَفْعِ الْعِبَادِ وَثَوَابِهِمْ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ.
وَهَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ.
أ-قوله ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الْفَاتِحَةِ (أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا الْقُرْآنِ مِثْلُهَا) فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لَهَا مِثْلٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مُتَمَاثِلٌ؟
ب- وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ (أَنَّهُ قَالَ لأبي بْنِ كَعْبٍ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؛ أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَعْظَمُ؟ قَالَ (اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ ليهنك الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ وَهَذَا بَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الْآيَاتِ أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ.
ج-وَأَيْضًا فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ وَالْكَلَامُ يَشْرُفُ بِالْمُتَكَلِّمِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ خَبَرًا أَوْ أَمْرًا، فَالْخَبَرُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْمُخْبِرِ وَبِشَرَفِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الْآمِرُ وَبِشَرَفِ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَالْقُرْآنُ وَإِنْ كَانَ كُلُّهُ مُشْتَرِكًا فَإِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ لَكِنَّ مِنْهُ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَمِنْهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ وَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، فَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ فِيهِ بِالْإِيمَانِ وَنَهَاهُمْ فِيهِ عَنْ الشِّرْكِ، وَمِنْهُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ وَنَهَاهُمْ فِيهِ عَنْ الرِّبَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) أَعْظَمُ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ خَلْقِهِ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) وَمَا أَمَرَ فِيهِ بِالْإِيمَانِ وَمَا نَهَى فِيهِ عَنْ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِمَّا أَمَرَ فِيهِ بِكِتَابَةِ الدَّيْنِ وَنَهَى فِيهِ عَنْ الرِّبَا. مجموع الفتاوى (١٧/ ٢١١)
стр. 787
٣ - إثبات اسم الله المتضمن للألوهية الحق.
٤ - إثبات اسم الحي لله تعالى المتضمن الحياة الكاملة التي لم تسبق بعدم ولا يلحقها زوال.
٥ - أن كل مخلوق يموت حتى الملائكة.
٦ - أنه يجب الاعتماد على الله، لأنه هو الحي الذي لا يموت، فأما من يموت ويمرض فلا يعتمد عليه.
٧ - إثبات اسم القيوم لله تعالى المتضمن لصفة القيومة.
٨ - غنى الله عن كل أحد، وكل أحد محتاج لله تعالى كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)
٩ - امتناع السنة والنوم عن الله تعالى لكمال حياته وقيوميته.
١٠ - أن الله منزه عن كل نقص وعيب.
١١ - عموم ملك الله تعالى.
١٢ - أن نطلب الملك ممن يملكه وهو الله سبحانه.
١٣ - رضا الإنسان بقضاء الله، لأنه ملك له.
١٤ - كمال سلطان الله تعالى.
١٥ - إثبات الشفاعة بإذن الله.
١٦ - إثبات علم الله الكامل.
١٧ - وجوب الحذر من معصية الله الظاهرة والباطنة، لأن الله لا يخفى عليه شيء.
١٨ - أننا لا نعلم شيئاً إلا ما علمنا الله.
١٩ - من أراد العلم فليطلبه من العليم سبحانه.
٢٠ - إثبات الكرسي.
٢١ - عظمة خلق الكرسي.
٢٢ - عظمة خالق الكرسي، لأن عظم المخلوق يدل على عظمة الخالق.
٢٣ - إثبات قوة الله.
٢٤ - أن الله لا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته.
٢٥ - أن الله لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض.
٢٦ - أن السماوات والأرض تحتاج إلى حفظ، ولولا حفظ الله لفسدتا، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً).
٢٧ - إثبات علو الله تعالى بأنواعه كلها.
٢٨ - إثبات العظمة لله تعالى.
стр. 788
(لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)). [البقرة: ٢٥٦].
(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) ظاهر الآية على أنه لا يكره أحد على الدخول في دين الإسلام، لكن جاء في آيات أخر ظاهرها يدل على إكراه الكفار على الدخول في الإسلام كقوله تعالى (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) وقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ).
وقد اختلف العلماء في معنى (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)؟
فقيل: أن هذا الدين لكماله، وظهور براهينه، واتضاح آياته، وقبول الفطرة له لا يحتاج إلى الإكراه عليه، لأن الإكراه إنما يقع على ما تنفر عنه القلوب، ويتنافى مع الحقيقة والحق.
واختار هذا السعدي.
وقيل: إن المعنى: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرهاً، لأنه إذا رضي بعد الحرب وصح إسلامه فليس بمكره، فمعناه: لا تنسبوهم إلى الإكراه.
وقيل: إن هذه الآية خبر في معنى النهي، أي: لا تكرهوا أحداً على الدخول في الدين.
قال بهذا طائفة كثيرة من العلماء: كالطبري، وابن القيم، والشوكاني، والشنقيطي، وهو ظاهر اختيار ابن كثير.
وعلى هذا القول فكيف الجمع بين هذه الآية وبين الآيات الآمرة بالقتال والجهاد؟
ذهب بعض العلماء: إلى عمومها وأنه لا أحد يكره على اعتناق دين الإسلام، وأما الآيات الأخرى الموجبة للجهاد فلا تتنافى
مع هذه الآية، لأنها لم تأمر بإجبار أحد على اعتناق دين الإسلام، وإنما جاء فيها الأمر بالجهاد لإقامة النظام الإسلامي وتقريره وحمايته، ولدفع الأذى والفتنة عن المؤمنين.
ورجح هذا المسلك ابن القيم ﵀.
وذهب بعض العلماء: إلى أن الآية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) في أهل الكتاب خاصة، فهم لا يكرهون على الإسلام إذا بذلوا الجزية لقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وأما الذين يكرهون فهم أهل الأوثان، فلا يقبل منهم إلا الإسلام، وهم الذين نزل فيهم قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ).
وهذا احتيار ابن جرير ورجحه الشوكاني والشنقيطي.
والحجة لهذا القول ما رواه زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمِي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليّ قريب! فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا (لَا إكْرَاهَ في الدِّينِ).
وعن ابن عباس قال: نزلت هذه في الأنصار، كانت تكون المرأة مِقلاتاً فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده؛ فلما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا! فأنزل الله تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي).
قال أبو داود: والمِقلاتُ التي لا يعيش لها ولدٌ.
стр. 789
وقيل: إن آية (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) منسوخة بآيات القتال، لكنه قول ضعيف.
قال القرطبي: وروي هذا عن ابن مسعود وكثير من المفسرين.
• قال ابن كثير: فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: أسلم، قال: إني أجدني كارها، قال: وإن كنت كارهاً، فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام بل دعاه إليه فأخبر أن نفسه ليست قابلة له بل هي كارهة فقال له: أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.
(قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) أي: تميز الحق من الباطل، والإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة قال البيضاوي: قوله تعالى (قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي) تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء.
(فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله.
• قال الماوردي: قوله تعالى (فَمَن يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ) فيه سبعة أقوال:
أحدها: أنه الشيطان وهو قول عمر بن الخطاب.
والثاني: أنه الساحر، وهو قول أبي العالية.
والثالث: الكاهن، وهو قول سعيد بن جبير.
والرابع: الأصنام.
والخامس: مَرَدَة الإنس والجن.
والسادس: أنه كل ذي طغيان طغى على الله، فيعبد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، أو بطاعة له، سواء كان المعبود
إنساناً أو صنماً، وهذا قول أبي جعفر الطبري.
стр. 790
(وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ) أي: وحد الله فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا الله.
• وفي هذا أن التوحيد لابد فيه من الكفر بالطاغوت وهذا معنى: لا إله إلا الله.
كما قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ).
ففي هذه الآية معنى: لا إله إلا الله (إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) لأن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تنطوي على نفي وإثبات، فعبر عن المنفي فيها بقوله (إنني براء مما تعبدون) وعبّر عن المثبت فيها بقوله (إلا الذي فطرني) ففيه تفسير التوحيد بإثبات العبادة لله وحده ونفيها عما سواه.
وقال تعالى (اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) هذه الآية هي معنى (لا إله إلا الله) لأن التوحيد نفي وإثبات، النفي في قوله (واجتنبوا الطاغوت) والإثبات في قوله (اعبدوا الله)، ففيه إثبات العبادة لله وحده وبنفي عبادة ما سواه.
وقال ﷺ (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله .
فلم يكتفِ باللفظ المجرد عن المعنى في قول: لا إله إلا الله، بل لابد من قولها مع اعتقاد معناها والعمل بمقتضاها وفي ضمن ذلك: الكفر بما سوى الله من المعبودات، وهذه هي حقيقة التوحيد.
• هذا الحديث من أعظم ما يبين لا إله إلا الله، وأنه الكفر بكل ما يعبد من دون الله.
• أن مجرد التلفظ بلا إله إلا الله مع عدم الكفر بما يعبد من دون الله لا يحرم الدم والمال ولو عرف معناها وعمل بها ما لم يضف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
• أن البراءة من الكفر تكون بثلاثة أشياء: بالقلب، واللسان، والجوارح.
o براءة القلب: وهو كراهة الكفر وأهله، وبغضهم وتمني زوالهم واعتقاد بطلان الكفر وتركه.
وحكمه: فرض لازم، ولا يسقط بحال من الأحوال، لأنه لا يتصور فيه الإكراه، لأن عمل القلب خفي.
o براءة اللسان: وهو التصريح باللسان على أن عبادة غير الله باطلة.
وحكمه: واجب.
لقوله تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ).
ولقوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ … ).
стр. 791
ولقوله تعالى عن إبراهيم (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً).
o براءة الجوارح: وتكون بالجهاد وإزالة الكفر والكافرين وقتالهم، وهي مرتبطة بالقدرة والمصلحة.
ويسقط مع الإكراه وعدم الاستطاعة، لقوله تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
(فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى) أي: فقد ثبت في أمره واستقام على الطريقة المثلى والصراط المستقيم.
وقيل: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، فهي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد.
وقيل: يعني الإيمان، وقيل: الإسلام، وقيل: لا إله إلا الله.
• قال ابن كثير: وكل هذه الأقوال صحيح ولا تنافي بينها.
• قال أبو حيان: قال ابن عطية وقدّم ذكر الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله ليظهر الاهتمام بوجوب الكفر بالطاغوت.
(لا انْفِصَامَ لَهَا) أي: لا انقطاع لها ولا زوال.
• عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ (كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ فِي نَاسٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ أَثَرٌ مِنْ خُشُوعٍ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَتَجَوَّزُ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ فَاتَّبَعْتُهُ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَدَخَلْتُ فَتَحَدَّثْنَا فَلَمَّا اسْتَأْنَسَ قُلْتُ لَهُ إِنَّكَ لَمَّا دَخَلْتَ قَبْلُ قَالَ رَجُلٌ كَذَا وَكَذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ وَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ رَأَيْتُنِي فِي رَوْضَةٍ - ذَكَرَ سَعَتَهَا وَعُشْبَهَا وَخُضْرَتَهَا - وَوَسْطَ الرَّوْضَةِ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ. فَقِيلَ لِي ارْقَهْ. فَقُلْتُ لَهُ لَا أَسْتَطِيعُ. فَجَاءَنِي مِنْصَفٌ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَالْمِنْصَفُ الْخَادِمُ - فَقَالَ بِثِيَابِي مِنْ خَلْفِي - وَصَفَ أَنَّهُ رَفَعَهُ مِنْ خَلْفِهِ بِيَدِهِ - فَرَقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى الْعَمُودِ فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ لِيَ اسْتَمْسِكْ. فَلَقَدِ اسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ «تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسْلَامِ وَتِلْكَ الْعُرْوَةُ عُرْوَةُ الْوُثْقَى وَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ) قَالَ وَالرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، متفق عليه.
стр. 792
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لأقوال العباد، يسمع جميع الأصوات ويسمع السر والنجوى.
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
(عَلِيمٌ) بأفعالهم، يعلم جميع الأمور الظاهرة والباطنة.
الفوائد:
١ - أنه لا أحد يكره على الدين.
٢ - أنه ليس هناك إلا رشد أو غي.
٣ - أنه لا يتم الإخلاص لله إلا بنفي جميع الشرك.
٤ - أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت.
٥ - أنه لا نجاة إلا بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله.
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.
стр. 793
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)). [البقرة: ٢٥٧].
(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: حافظ المؤمنين ومتولي أمورهم وناصرهم، والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصة.
لأن الولاية تنقسم إلى قسمين:
ولاية عامة: مقتضاها أن يرزقهم ويعطيهم وأيضاً القهر والسلطان والملك، وهذه للمؤمنين والكفار.
ودليلها هذه الآية (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ).
وقوله تعالى (ورُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
ولاية خاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد والتسديد والتوفيق والإخراج من الظلمات إلى النور.
كما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
وقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ).
وقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
فالله ولي المؤمنين: لأنه يواليهم بالنصر والثواب الجزيل، كما قال ﷺ في الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري.
والمؤمنون أولياء الله كقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لأنهم يوالونه بالطاعة.
• قال ابن القيم: فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة.
(يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الهداية والإيمان.
• قال الرازي: أجمع المفسرون على أن المراد هاهنا من الظلمات والنور: الكفر والإيمان.
• قال الشنقيطي: هذه ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى (الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور).
стр. 794
وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى (ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ).
وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولي نبيه ﷺ وأنه أيضاً يتولى الصالحين وهو قوله تعالى (إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين).
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) أي: وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وإذا تأملت هذه الجملة، والتي قبلها تجد فرقاً بين التعبيرين في الترتيب، ففي الجملة الأولى قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) لأمور ثلاثة:
أحدها: أن هذا الاسم الكريم إذا ورد على القلب أولاً استبشر به.
ثانياً: التبرك بتقديم ذكر اسم الله .
ثالثاً: إظهار المنة على هؤلاء بأن الله هو الذي امتن عليهم أولاً، فأخرجهم من الظلمات إلى النور.
وأما الجملة الثانية (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) ولو كانت على سياق الأولى لقال: والطاغوت أولياء الذين كفروا، ومن الحكمة في ذلك:
أولاً: ألا يكون الطاغوت في مقابلة اسم الله.
ثانياً: أن الطاغوت أهون وأحقر من أن يُبدأ به ويقدّم.
ثالثاً: إن البداءة بقوله (والذين كفروا) أسرع إلى ذمهم مما لو تأخر ذكره.
• قال الشنقيطي: قال بعض العلماء: الطاغوت الشيطان ويدل لهذا:
قوله تعالى (إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) أي يخوفكم من أوليائه.
وقوله تعالى (الذين آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله والذين كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغوت فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً).
وقوله (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) الآية.
وقوله (إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ) الآية.
والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت والحظ الأكبر من ذلك للشيطان كما قال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان) الآية.
وقال (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً).
وقال عن خليله إبراهيم (يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان) الآية.
وقال (وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) إلى غير ذلك من الآيات.
(يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) أي: يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الشك والضلالة.
• قال الخازن: إنما سمي الكفر ظلمة لالتباس طريقه، ولأن الظلمة تحجب الأبصار عن إدراك الحقائق فكذلك الكفر يحجب القلوب عن إدراك حقائق الإيمان وسمي الإسلام نوراً لوضوح طريقه وبيان أدلته.
стр. 795
• فإن قيل: فكيف يخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه؟
قيل: إن الآية مخصوصة بأهل الكتاب الذين كانوا مقرين بنبوة موسى وكذلك المقرين بنبوة عيسى، وكانوا متبعين لملتهم، فهؤلاء كانوا على نور، فلما جاءهم محمد ﷺ كفروا به فدخلوا في ظلمات الكفر بعد أن خرجوا من نور الإيمان.
وقيل: إن المراد بإخراجهم من الظلمات إلى النور الحيلولة بينهم وبين الإيمان حتى يضلونهم عن طريق الإيمان، فيكون التضليل إخراج من النور إلى الظلمات.
وقيل: إنه لما ظهرت معجزات رسول الله ﷺ كان المخالف له خارجاً من نور قد علمه، والموافق له خارجاً من ظلمات الجهل إلى نور العلم.
• قال الشنقيطي: المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة لجمعه الظلمات وأن طريق الحق واحدة لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله (وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِه).
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: ولهذا وحد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات، لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة كما قال (وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلَا تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وقال تعالى (وَجَعَلَ الظلمات والنور).
• وقال ابن القيم: والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق وطرق الباطل متشعبة متعددة فإنها لا ترجع إلى شيء موجود ولا غاية لها يوصل إليها بل هي بمنزلة بنيات الطريق وطريق الحق بمنزلة الطريق الموصل إلى المقصود فهي وإن تنوعت فأصلها طريق واحد، ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق الباطل والنور بمنزلة طريق الحق فقد أفرد النور وجمعت الظلمات وعلى هذا جاء قوله (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات).
فوحد ولي الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد، وجمع الذين كفروا لتعددهم وكثرتهم وجمع الظلمات وهي طرق الضلال والغي لكثرتها واختلافها ووحد النور وهو دينه الحق وطريقه المستقيم الذي لا طريق إليه سواه.
(أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.
• والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين.
стр. 796
قوله تعالى (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذا الأسلوب يطلق على الذين يخلدون فيها، فالمؤمن العاصي - وإن كان يستحق العذاب بالنار - فإنه لا يسمى من أصحاب النار، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة.
(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون.
وقد ذكر الله تأبيده في ثلاث آيات من القرآن الكريم.
في سورة النساء: قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً).
وفي سورة الأحزاب: قال تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً).
وفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
الفوائد:
١ - فضيلة الإيمان.
٢ - إثبات الولاية لله تعالى.
٣ - أن من ثمرات الإيمان هداية الله للمؤمن.
٤ - الحذر من دعاة الضلال الذين يخرجون الناس من النور إلى الظلمات.
٥ - إثبات النار.
٦ - أن الكافرين مخلدون في النار.
стр. 797
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)). [البقرة: ٢٥٨].
(أَلَمْ تَرَ) أي: بقلبك يا محمد.
(إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ) هذا الذي حاج إبراهيم في ربه وهو ملك بابل: نمروذ بن كنعان.
قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران فالمؤمنان: سليمان بن داود وذو القرنين. والكافران: نمروذ بن كنعان وبختنصر. فالله أعلم (تفسير ابن كثير).
• قال القرطبي: هو النُّمْروذ بن كوش بن كنعان بن سام بن نوح مِلك زمانه وصاحبُ النار والبَعُوضَة! هذا قول ابن عباس ومجاهد وقَتادة والرّبيع والسُّدِّي وابن إسحاق وزيد بن أسلم وغيرهم.
وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله تعالى بأن فتح الله تعالى عليه باباً من البَعُوض فستروا عين الشمس وأكلوا عسكره ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منها في دماغه فأكلته حتى صارت مثل الفأرة؛ فكان أعز الناس عنده بعد ذلك من يضرب دماغه بمطرقة عَتيدَة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوماً.
• وقال أبو حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى: لما أخبر أنه ولي الذين آمنوا، وأخبر: أن الكفار أولياؤهم الطاغوت، ذكر هذه القصة التي جرت بين إبراهيم والذي حاجه، وأنه ناظر ذلك الكافر فغلبه وقطعه، إذ كان الله وليه، وانقطع ذلك الكافر وبهت إذ كان وليه هو الطاغوت (ألا إن حزب الله هم الغالبون) (ألا إن حزب الله هم المفلحون) فصارت هذه القصة مثلاً للمؤمن والكافر اللذين تقدّم ذكرهما.
(فِي رَبِّهِ) أي: في وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره كما قال بعده فرعون لملئه (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبره، وطول مدته في الملك؛ وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه.
• قال أبو حيان: قوله تعالى (في ربه) يحتمل أن يعود الضمير على إبراهيم، وأن يعود على النمروذ، والظاهر الأول.
(أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أي: لأن آتاه الله تعالى ذلك، (فتكون [أن] هنا تعليلية، وعلى هذا المعنى: أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو فحاج لذلك.
كما قال تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ).
وقال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).
وقال تعالى (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ).
стр. 798
وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ)، فهذا دأب الإنسان، يبدأ في الطغيان إذا رأى نفسه مستغنياً عن الناس.
وقال تعالى (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).
وقال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).
وقال تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).
وقال تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ).
وفرعون لما أغناه الله وملّكه مصر قال (يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ).
وقارون لما أنعم الله عليه قال (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي).
وقال ﷺ (لكل أمة فتنة وفتنة أمتي بالمال) رواه الترمذي.
والأبرص والأقرع لما آتاهما الله مالاً جحدا نعم الله عليهما.
وعن عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَقَدِمَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ وَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ». قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّى أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ) متفق عليه.
وقال ﷺ (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
قال ابن رجب: هذا مثل عظيم ضربه النبي ﷺ لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم، قد غاب عنها رعاؤها ليلاً، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان
فيها.
стр. 799
فأخبر النبي ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم.
فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا.
إذا أكرمت الكريم ملكته وإذا أكرمت اللئيم تمرداً.
(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وكأنه طلب من إبراهيم دليلاً على وجود الرب الذي يدعو إليه فقال إبراهيم (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي: الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها فلا بد لها من موجد أوجدها وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ:
(قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وبالعفو عن الآخر فلا يقتل، فذلك معنى الإحياء والإماتة.
• قال ابن كثير: والظاهر -والله أعلم-أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم ولا في معناه؛ لأنه غير مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يَدّعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي).
(قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) أي: إذا كنت كما تدعي من أنك أنت الذي تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما ادعيت تحيي وتميت فأت بها من المغرب.
• وقد قال كثير من العلماء أن هذا من إبراهيم انتقال من دليل إلى دليل أو ضح وأكبر لا يستطيع المكابرة معه.
وقال بعض العلماء: إن هذا ليس من باب الانتقال من دليل إلى دليل آخر أوضح، وإنما هو من باب طرد الدليل، فكأنه قال له: ما دام أنك أنت تحيي وتميت، وأنت تملك هذه القدرة الهائلة، فأنت الذي تتصرف في هذا الكون فأت بالشمس من المشرق.
واختار هذا الحافظ ابن القيم حيث قال: … فإن إبراهيم لما أجاب المحاج له في الله بأنه الذي يحيي ويميت، أخذ عدو الله معارضته بضرب من المغالطة، وهو أنه يقتل من يريد ويستبقي من يريد فقد أحيا هذا وأمات هذا، فألزمه إبراهيم على طرد هذه المعارضة أن يتصرف في حركة الشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها إذا كان بزعمه قد ساوى الله في الإحياء والإماتة، فإن كان صادقاً فليتصرف في الشمس تصرفاً تصح به دعواه، وليس هذا انتقالاً من حجة إلى حجة أوضح منها كما زعم بعض النظار، وإنما هو إلزام للمدعي بطرد حجته إن كانت صحيحة.
стр. 800
واختاره ابن كثير حيث قال: وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية، وليس كما قالوه بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني ويُبَيّن بطلان ما ادعاه نمروذ في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.
(فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) أي: فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة.
(وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة.
• قال ابن عاشور: وإنّما انتفى هدي الله للقوم الظالمين، لأنّ الظلم حائل بين صاحبه وبين التنازل إلى التأمّل من الحجج
وإعمال النظر فيما فيه النفع؛ إذ الذهن في شاغل عن ذلك بزهوه وغروره.
الفوائد:
١ - أن المجادلة لإبطال الباطل، وإحقاق الحق من مقام الرسل.
٢ - فضل إبراهيم الخليل ﵇ حيث قام بالدعوة إلى التوحيد.
قال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ).
وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
٣ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم طرق المناظرة والمحاجة، لأنها وسيلة لإحقاق الحق، وإبطال الباطل.
٤ - أن النعمة والترف قد تكون سبباً للطغيان.
٥ - أن الإحياء والإماتة بيد الله.
٦ - إثبات أن من جحد الله فهو كافر.
٧ - التحذير من الظلم بجميع أنواعه.
٨ - فضل العدل.
стр. 801
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)). [البقرة: ٢٥٩].
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ) هذه هي القصة الثانية.
• اختلف في المار:
فقيل: عزير، وهذا هو المشهور.
وقيل: هو رجل من بني إسرائيل.
وأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها.
(وَهِيَ خَاوِيَةٌ) أي: ليس فيها أحد، من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُوياً.
(عَلَى عُرُوشِهَا) أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكراً فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، ولهذا قال:
(قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها.
• قال ابن الجوزي (قال أنى يحيي هذه الله) أي: كيف يحييها. فإن قلنا: إن هذا الرجل نبي، فهو كلام من يؤثر أن يرى كيفية الإعادة، أو يستهولها، فيعظم قدرة الله، وإن قلنا: إنه كان رجلاً كافراً، فهو كلام شاك، والأول أصح.
• قال في التسهيل: (أنى يُحْيِي هذه الله) ظاهر هذا اللفظ إحياء هذه القرية بالعمارة بعد الخراب، ولكن المعنى إحياء أهلها بعد موتهم، لأنّ هذا الذي يمكن فيه الشك والإنكار، ولذلك أراه الله الحياة بعد موته، والقرية كانت بيت المقدس لما أخربها بختنصر، وقيل: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف.
(فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) أي: أمات الله ذلك السائل واستمر ميتاً مائة سنة ثم بعثه.
• قال ابن كثير: قالوا: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجعت بنو إسرائيل إليها.
(قَالَ كَمْ لَبِثْتَ) أي: قال له ربه بواسطة الملك كم لبثت في هذه الحالة.
• قال القرطبي: اختُلف في القائل له (كم لبثت) فقيل: الله جل وعز، وقيل: سمع هاتفاً من السماء يقول له ذلك، وقيل: خاطبه جبريل، وقيل: نبيّ، وقيل: رجل مؤمن ممن شاهده من قومه عند موته وعمر إلى حين إحيائه فقال له: كم لبثت.
ويقال: كان هذا السؤال بواسطة الملك على جهة التقرير.
стр. 802
ثم قال ﵀: قلت: والأظهر أن القائل هو الله تعالى؛ لقوله (وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً).
(قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قالوا: وذلك أنه أماته أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).
• قال في التسهيل: (قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) استقل مدّة موته، قيل: أماته الله غدوة يوم ثم بعثه قبل الغروب من يوم آخر بعد مائة عام؛ فظنّ أنه يوم واحد، ثم رأى بقية من الشمس فخاف أن يكذب في قوله: يوماً فقال: أو بعض يوم.
• قال القرطبي: (قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) إنما قال هذا على ما عنده وفي ظنه، وعلى هذا لا يكون كاذباً فيما أخبر به؛ ومثله قول أصحاب الكهف (قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) وإنما لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنين على ما يأتي ولم يكونوا كاذبين لأنهم أخبروا عما عندهم، كأنهم قالوا: الذي عندنا وفي ظنوننا أننا لبثنا يوماً أو بعض يوم.
ونظيره قول النبيّ ﷺ في قصة ذي اليَدَين: " لم أقصر ولم أَنْس" " ومن الناس من يقول: إنه كذبٌ على معنى وجود حقيقة الكذب فيه ولكنه لا مؤاخذة به، وإلا فالكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه وذلك لا يختلف بالعلم والجهل.
(قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) أي: بل مكثت ميتاً مائة سنة كاملة.
(فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) أي: فإن شككت فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنب وتين وعصير فوجدها على حالها لم تفسد.
(وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) أي: كيف يحييه الله وأنت تنظر.
(وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي: دليلاً على المعاد.
(وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا) أي: نرفعها فتركب بعضها على بعض.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كيف ننشزها) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو (ننشرها) بضم النون الأولى، وكسر الشين وراء مضمومة. ومعناه: نحييها، يقال: أنشر الله الميت، فنشرهم. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ننشزها، بضم النون مع الزاي، وهو من النشز الذي هو الارتفاع. والمعنى: نرفع بعضها إلى بعض للأحياء.
• قال الرازي: قوله تعالى (وانظر إِلَى العظام) فأكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره، فإن اللام فيه بدل الكناية، وقال آخرون أرادوا به عظام هذا الرجل نفسه.
стр. 803
(ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً) أي: ثم نكسوها لحماً وأنت تنظر.
(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) بأن له إحياء الموتى.
(قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (قَالَ أَعْلَمُ) بهمزة قطع وضم الميم أي: قال الرجل ذلك اعترافاً، وقرئ بألف وصل، والجزم على الأمر أي قال له الملك ذلك.
الفوائد:
١ - بلاغة القرآن حيث ينوع الأدلة والبراهين على الأمور العظيمة.
٢ - أن العبرة بالمعاني والمقاصد دون الأشخاص.
٣ - أن الإنسان إذا استبعد وقوع الشيء ولكنه لم يشك في قدرة الله لا يكفر بهذا.
٤ - إثبات البعث.
٥ - أنه ينبغي التفكر فيما خلقه الله وأحدثه في الكون.
٦ - بيان عموم قدرة الله تعالى.
٧ - ثبوت كرامات الله.
стр. 804
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)). [البقرة: ٢٦٠].
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى) أي: واذكر حين طلب ابراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى.
• سأل الخليل ﵇ عن الكيفية مع إيمانه الجازم بقدرة الله تعالى، فالسؤال هنا عن الكيفية لا عن الإمكان.
(قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) هذا الاستفهام للتقرير، وليس للإنكار ولا للنفي، فهو كقوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك) أي: قد شرحنا لك صدرك.
• قال الرازي: قوله تعالى (أَوَلَمْ تُؤْمِن) ففيه وجهان أحدهما: أنه استفهام بمعنى التقرير، قال الشاعر: ألستم خير من ركب المطايا .. وأندى العالمين بطون راح
والثاني: المقصود من هذا السؤال أن يجيب بما أجاب به ليعلم السامعون أنه ﵇ كان مؤمناً بذلك عارفاً به وأن المقصود من هذا السؤال شيء آخر.
(قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) أي: ليزداد طمأنينة.
• فإبراهيم ﵇ أراد أن ينتقل من علم اليقين إلى عين اليقين.
فالدرجات ثلاث:
علم اليقين: كما قال تعالى (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ)، وهو العلم الثابت الراسخ الذي لا يداخله شك.
عين اليقين: قال تعالى (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ)، وهذا لا يُتوصل إليه إلا بالمشاهدة.
حق اليقين: قال تعالى (إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ)، وهذا لا يتحقق إلا بملابسة شيء.
وقد قال ﷺ (ليس الخبر كالمعاينة) ولهذا لما اخبر الله موسى: أنه قد فتن قومه، وأن السامري أضلهم، لم يحصل له من الغضب والكيفية والقاء الألواح، ما حصل له عند مشاهدة ذلك.
مثال يوضح ذلك: قلت إن معي تفاحة - وأنا عندك ثقة - فهذا علم اليقين.
فإن أخرجتها من جيبي، فهذا عين اليقين.
فإن أعطيتك لتأكلها فهذا حق اليقين.
قال القرطبي: اختلف الناس في هذا السؤال هل صدر من إبراهيم عن شكّ أم لا؟ فقال الجمهور: لم يكن إبراهيم ﵇ شاكّاً في إحياء الله الموتى قطُّ وإنما طلب المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به؛ ولهذا قال ﵇ (ليس الخبر كالمعانية).
قال الأخفش: لم يُرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين.
وقال الحسن وقَتادة وسعيد ابن جُبير والربيع: سأل ليزداد يقيناً إلى يقينه.
стр. 805
• فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله ﷺ (نحن أحق بالشك من إبراهيم)؟
الجواب: قيل: معنى الحديث أن الشك يستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقاً إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، وإنما خص إبراهيم لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال الشك، وإنما رجح إبراهيم على نفسه تواضعاً وأدباً، أو قبل أن يعلم أنه خير ولد آدم.
بهذا التأويل قال الخطابي، والطحاوي، وابن حزم، والقاضي عياض، وابن عطية، وابن الجوزي، والنووي، وابن حجر، وابن عثيمين.
وقيل: إن الحديث كان رداً على قوم أثبتوا الشك لإبراهيم.
وقيل: أن المراد بقوله ﷺ : (نحن) أمته الذين يجوز عليهم الشك. والأول أصح. نقل
(قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) أي: فخذ أربعة طيور.
• قال ابن كثير: اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مُتَّهم لنص عليه القرآن، فروي عن ابن عباس أنه قال: هي الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة. وعنه أيضًا: أنه أخذ وزًّا، ورألاً -وهو فرخ النعام -وديكاً، وطاووسًا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكا، وطاووسًا، وغرابًا.
(فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) بضم الصاد أي: أمِلْهُنّ إليك، وقيل: ضُمّهُنّ إليك.
وفي قراءة (فصِرهن) تكون بمعنى قَطّعْهُنّ.
أي: ضُمّهُنّ إليك ثم اقطعهن ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة.
(ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً) أي: فرّق أجزاءهن على رؤوس الجبال.
(ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) أي: بسرعة.
• قال ابن كثير: فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن، ومزقهن وخلط بعضهن في ببعض، ثم جزأهن أجزاءً، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل: أربعة أجبل. وقيل: سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله ، أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله ، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعياً، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جثته بحول الله وقوته.
وقال أبو حيان: أمره بدعائهنّ وهنّ أموات، ليكون أعظم له في الآية، ولتكون حياتها متسببة عن دعائه، ولذلك رتب على دعائه إياهنّ إتيانهنّ إليه.
стр. 806
• وقال السعدي: فعل ذلك، وفرق أجزاءهن على الجبال، التي حوله، ودعاهن بأسمائهن، فأقبلن إليه، أي: سريعات، لأن
السعي: السرعة، وليس المراد أنهن جئن على قوائمهن، وإنما جئن طائرات، على أكمل ما يكون من الحياة، وخص الطيور بذلك، لأن إحياءهن أكمل وأوضح من غيرهن.
وأيضاً أزال في هذا كل وهم، ربما يعرض للنفوس المبطلة، فجعلهن متعددات أربعة، ومزقهن جميعاً، وجعلهن على رؤوس الجبال، ليكون ذلك ظاهراً علناً، يشاهد من قرب ومن بعد، وأنه نحاهن عنه كثيراً، لئلا يظن أن يكون عاملاً حيلة من الحيل، وأيضاً أمره أن يدعوهن فجئن مسرعات.
فصارت هذه الآية أكبر برهان على كمال عزة الله وحكمته.
وفيه تنبيه على أن البعث فيه يظهر للعباد كمال عزة الله وحكمته وعظمته وسعة سلطانه، وتمام عدله وفضله.
(وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة العزة وهي ثلاثة أنواع: عزة القدْر: بمعنى أن الله ذو قدْر شريف عظيم، وعزة القهر: بمعنى أن الله القاهر لكل شيء، لا يُغلب، وعزة الامتناع: بمعنى أنه يمتنع أن يناله أحد بسوء أو نقص.
(حَكِيمٌ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة.
فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبداً.
قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.
стр. 807
وتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً).
الفوائد:
١ - أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما يزداد به يقينه.
٢ - أن عين اليقين أقوى من خبر اليقين.
٣ - تمام قدرة الله بإحياء الموتى.
٤ - إثبات زيادة الإيمان.
قال تعالى (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً).
وقال تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).
وقال تعالى (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً).
وقال تعالى (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
وقال تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ).
وقال ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن … ) متفق عليه.
وجه الدلالة: أنه إذا ثبت النقص ثبتت الزيادة.
وقال ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) رواه أبو داود.
وعن ابن مسعود أنه قال (اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً). رواه ابن بطة بإسناد صحيح.
وعن أبي الدرداء أنه كان يقول (الإيمان يزداد وينقص) رواه ابن ماجه.
وكان معاذ يقول لرجل: اجلس بما نؤمن ساعة.
وقال عمار: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم.
فأهل الإيمان يتفاضلون كما قال سبحانه (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات).
стр. 808
(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)). [البقرة: ٢٦١].
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ).
• قوله تعالى (في سبيل الله) يعني في دينه، قيل: أراد النفقة في الجهاد خاصة، وقيل: جميع أبواب البر، ويدخل فيه الواجب والنفل من الإنفاق في الهجرة مع رسول الله ﷺ ، ومن الإنفاق في الجهاد على نفسه وعلى الغير، ومن صرف المال إلى الصدقات، ومن إنفاقها في المصالح، لأن كل ذلك معدود في السبيل الذي هو دين الله وطريقته لأن كل ذلك إنفاق في سبيل الله.
• قوله (في سبيل الله) أضيف إلى الله لسببين:
الأول: أنه هو الذي وضعه لعباده وشرعه لهم.
والثاني: أنه موصل إليه.
(كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) كحبة بذرها إنسان، فأنبتت سبع سنابل (فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) فتكون الجميع سبعمائة، فالحسنة إذاً في الإنفاق في سبيل الله تكون بسبعمائة.
• قال أبو حيان: وشبه الإنفاق بالزرع، لأن الزرع لا ينقطع.
• وقال ابن كثير: وهذا المثل أبلغ في النفوس، من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ، لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السنة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.
• في هذه الآية فضل الإنفاق في وجوه الخير والطاعة، وللإنفاق فضائل عظيمة:
أولاً: أن الإنفاق استجابة لأمر ربنا تعالى.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ).
وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
ثانياً: مضاعفة الحسنات.
قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
ثالثاً: أن درجة البر تنال بالإنفاق.
قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ).
رابعاً: أنها من صفات المتقين.
стр. 809
كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فقوله تعالى (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) دليل على أن الإنفاق ملازم لهم في جميع أحوالهم.
خامساً: الأمان من الخوف يوم الفزع الأكبر.
قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).
سادساً: أن صاحب الإنفاق موعود بالخير الجزيل.
قال تعالى (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ).
وقال تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
سابعاً: أن الله يخلف الصدقة.
قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ).
ثامناً: أن الإنفاق دليل على صحة الإيمان.
قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم، فالصدقة برهان على صحة الإيمان.
تاسعاً: ينال دعاء الملائكة.
كما قال ﷺ (ما من صباح إلا وينزل ملكان: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه.
عاشراً: فضل من سبق بالإنفاق والجهاد.
قال تعالى (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى).
الحادي عشر: أنها إرغام للشيطان وحسن ظن بالله.
قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
الثاني عشر: لا حسد إلا لمن أنفق في وجوه الخير.
قال ﷺ (لَا حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِى بِهَا وَيُعَلِّمُهَا).
стр. 810
(وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: بحسب إخلاصه في عمله.
وقال ﷺ قال (والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف … ) رواه البخاري.
قال ابن رجب: ومضاعفة الأجر بحسب كمال الإسلام، وبكمال وقوة الإخلاص في ذلك العمل.
وقال ﷺ (الرجل تطوعاَ حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس بخمس وعشرين درجه) رواه ابن ماجة وصححه الألباني
• وقال السعدي: وذلك بحسب ما يقوم بقلب المنفق من الإيمان، والإخلاص التام، وفي ثمرات نفقته ونفعها، فإن بعض طرق الخيرات يترتب على الإنفاق فيها منافع متسلسلة، ومصالح متنوعة، فكان الجزاء من جنس العمل.
قال القرطبي: اختلف العلماء في معنى قوله (والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ) فقالت طائفة: هي مبيِّنة مؤكدة لما تقدّم من ذكر السبعمائة، وليس ثمَّ تضعيف فوق السبعمائة.
وقالت طائفة من العلماء: بل هو إعلام بأن الله تعالى يضاعف لمن يشاء أكثر من سبعمائة ضعف.
قلت: وهذا القول أصحُّ لحديث ابن عمر المذكور أوّل الآية.
• وقال ابن عاشور: ومعنى قوله (والله يضاعف لمن يشاء) أنّ المضاعفة درجات كثيرة لا يعلمها إلاّ الله تعالى؛ لأنّها تترتّب على أحوال المتصدّق وأحوال المتصدّق عليه وأوقات ذلك وأماكنه.
وللإخلاص وقصد الامتثال ومحبة الخير للناس والإيثار على النفس وغير ذلك مما يحفّ بالصدقة والإنفاق، تأثير في تضعيف الأجر، والله واسع عليم.
(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) الفضل، واسع العطاء، لا ينقصه نائل ولا يحفيه سائل، فلا يتوهم المنفق أن تلك المضاعفة فيها نوع مبالغة، لأن الله تعالى لا يتعاظمه شيء ولا ينقصه العطاء على كثرته.
• قال ابن القيم (واسع) فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة، فإن المضاعِف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل.
(عليم) بمن يستحق هذه المضاعفة ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته.
الفوائد:
١ - ضرب الأمثال، وهو تشبيه المعقول بالمحسوس، لأنه أقرب إلى الفهم.
٢ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله.
٣ - الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل.
٤ - أن ثواب الله وفضله أكثر من عمل العامل.
٥ - حرص الشريعة على نفع الآخرين.
٦ - فضل الكرم والجود.
٧ - ذم البخل.
٨ - إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: الواسع، العليم.
следующие страницы →