Полный текст (1 874 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) وجه إفضال الله على الناس في هذه القصة:
أولاً: أنه يريهم الآيات الباهرات والحجج القاطعات ما يبصرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
ثانياً: إثبات البعث والمعاد، فإذا علموا ذلك عملوا له، فكان في عملهم نجاة لهم من النار بإذن الله.
ثالثاً: تشجيع الناس على القتال في سبيل الله، وبيان أنه لن يقدم أجلاً ولن يؤخره، فإذا جاهدوا في سبيل الله نالوا جنة الله .
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) كما قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).
• قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد.
• قال ابن عاشور: استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة.
• قال الشنقيطي: المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي،
فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان، وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله) الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال، لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب.
ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النَّبي ﷺ النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجاً عنها.
• قال أبو حيان: قوله (وهم ألوف) في هذا تنبيه على أن الكثرة والتعاضد، وإن كانا نافعين في دفع الأذيات الدنيوية، فليسا بمغنيين في الأمور الإلهية.
• في الآية أن الحذر لا ينجي من القدر.
стр. 737
كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
وكما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
وكما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ … ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.
وقوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر. قاله القرطبي، وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبداً للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. قاله الشيخ ابن عثيمين.
قال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلاً.
قال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده.
قال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموتى فعد نفسك أحدهم.
قالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.
وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.
وقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
وقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.
وقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.
وقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.
стр. 738
وقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سميناً.
وقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً، وفي الحديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).
تزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
فمن عاش ألفا وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر
• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلاً ولا يباعده.
الفوائد:
١ - أنه لا فرار من قدر الله.
٢ - قدرة الله تعالى بإماتة الحي، وإحياء الميت.
٣ - إثبات البعث.
٤ - إذا كان الموت لابد منه، فيجب الاستعداد له.
٥ - أن الشاكر من الناس قليل.
٦ - فضل شكر الله.
стр. 739
(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)). [البقرة: ٢٤٤].
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: قاتلوا أيها المسلمون الكفار لنصرة دين الله.
قيل: إن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد.
وقيل: - وهو اختيار جمهور المحققين - أن هذا استئناف خطاب للحاضرين، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت، كما قال في قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا خطاب لأُمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي يُنْوَى به أن تكون كلمة الله هي العليا.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لأقوالكم.
(عَلِيمٌ) بنياتكم وأعمالكم.
الفوائد:
١ - وجوب الجهاد في سبيل الله.
٢ - أن الحكمة من الجهاد هو إعلاء كلمة الله.
٣ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد.
٤ - التحذير من إرادة غير الله في الجهاد.
٥ - تهديد من أراد غير سبيل الله في جهاده، لأن الله مطلع عليه.
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: السميع والعليم.
стр. 740
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)). [البقرة: ٢٤٥].
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) أي: من ذا الذي يقرض الله بالإنفاق في سبيله في وجوه البر كلها، من الزكوات والصدقات، والإنفاق على الأهل والأولاد، وعلى المحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين وغيرهم.
• قال ابن كثبر: فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا .. ) اعتراض بين جملة (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) إلى آخرها، وجملة (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل) الآية، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر، لمناسبة الحث على القتال، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العُدَّة والمَؤُونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلاً في سبيل الله بإعطاء العُدَّة لمن لا عُدَّة له، والإنفاق على المعسرين من الجيش، وفيها تبيين لمضمون جملة (واعلموا أن الله سميع عليم) فكانت ذات ثلاثة أغراض.
• قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله، وكان ذلك مما يفضي إلى بذل النفوس والأموال في إعزاز دين الله، أثنى على من بذل شيئاً من ماله في طاعة الله، وكان هذا أقل حرجاً على المؤمنين، إذ ليس فيه إلاَّ بذل المال دون النفس، فأتى بهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة معنى الطلب.
• قال القرطبي: وسمّي قرضاً؛ لأن القرض أخْرج لاسترداد البدل، أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدِله الله بالأضعافِ الكثيرة.
• وقال بعض العلماء: وسمي الإنفاق قرضاً حسناً لله تعالى، مع أن المال ماله، والملك ملكه، والخلق عبيده، حثاً وترغيباً فيه.
• قال ابن القيم: سمى ذلك الإنفاق قرضاً حسناً، حثاً للنفوس وبعثاً لها على البذل، لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه بذله، وسهل عليه إخراجه، فإن علم أن المستقرض مليّ وفيّ محسن كان أبلغ في طيب قلبه وسماحة نفسه، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجراً آخر من غير جنس القرض، وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاء كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ضعف إيمانه
стр. 741
• قال ابن القيم: القرض الحسن يجمع أموراً ثلاثة:
أحدها: أن يكون من طيب ماله لا من رديئه وخبيثه.
الثاني: أن يخرجه طيبة به نفسه ثابتة عند بذله ابتغاء مرضاة الله.
الثالث: أن لا يمن به ولا يؤذي.
(فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً) أي: خلفاً في الدنيا كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) ويضاعفه له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
وقال تعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).
стр. 742
وفي الآخرة كما في قوله تعالى في سورة الحديد (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيم) أي: وله ثواب عظيم وهو الجنة وما فيها من ألوان النعيم، كما قال تعالى (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ).
(وَاللَّهُ يَقْبِضُ) أي: يقتّر على من يشاء.
(وَيَبْسُطُ) أي: ويوسع على من يشاء ابتلاء وحكمة.
(وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم.
الفوائد:
١ - الحث على الإنفاق في طاعة الله .
٢ - أنه لا يضيع شيء عند الله ، وأن الله يعوض المنفق.
٣ - ينبغي الحرص على أن يكون الإنفاق والعطاء حسناً، فلا يمن به ولا يقصد به رياء ولا سمعة.
٤ - وعد من الله أن من أنفق بطاعة الله يريد ما عند الله أن الله يضاعف له ذلك ويخلفه وله الأجر الكبير يوم القيامة.
стр. 743
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)). [البقرة: ٢٤٦].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى) أي: ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب وتشويق للسامع، وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى ﵇.
(إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: حين قالوا لنبيهم (شمعون) وهو من نسل هارون، أقم لنا أميراً واجعله قائداً لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله.
(قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا) أي: قال لهم نبيهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه.
(قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا) قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال
في سبيل الله، وقد أخرجنا عدونا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر.
(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) أي: فلما فرض عليهم القتال.
(تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) نكل أكثرهم عن الجهاد إلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا.
• قال القرطبي: وهذا شأن الأُمم المتنعِّمَة المائلة إلى الدَّعَة تتمنّى الحرب أوقات الأنفة فإذا حَضرتِ الحرب كَعَّت وانقادت لِطبعها، وعن هذا المعنى نهى النبيّ ﷺ بقوله (لا تتمنوا لِقاء العدوّ وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا).
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) وعيد وتهديد لمن تقاعد عن القتال بعد أن فرض عليه بسؤاله ورغبته، وأن الإعراض عما أوجب الله على العبد ظلم، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
الفوائد:
١ - الحث على النظر والاعتبار بما يحدث وما يذكر الله من القصص.
٢ - تحذير هذه الأمة عن التولي عن القتال إذا كتب عليهم.
٣ - أنه لا بد للجيوش من قائد يتولى قيادتها.
٤ - الإشارة إلى الإخلاص.
٥ - الإشارة إلى قول النبي ﷺ (لا تتمنوا لقاء العدو).
٦ - أن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل شيئاً قبل وقوعه.
٧ - تحريم الظلم بأنواعه.
(الأحد ٣٠/ ١/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 744
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٤٨)). [البقرة: ٢٤٧ - ٢٤٨].
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً) أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا منهم فعين لهم طالوت، وكان رجلاً من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا:
(قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا) أي: كيف يكون ملكًا علينا.
• قال القرطبي: جَروا على سنّتهم في تَعْنِيتهم الأنبياء وحَيْدهم عن أمر الله تعالى.
• وقال ابن عاشور: وأَنَّى في قوله (أنى يكون له الملك علينا) بمعنى كيف، وهو استفهام مستعمل في التعجب، تعجبوا من جعل مِثله ملكاً، وكان رجلاً فلاحاً من بيت حقير، إلاّ أنه كان شجاعاً، وكان أطول القوم.
(وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ) أي: لأنا فينا من هو من أولاد الملوك.
(وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ) أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل: دباغًا، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف.
• قال أبو حيان: هذا كلام من تعنتَ وحادَ عن أمر الله، وهي عادة بني إسرائيل، فكان ينبغي لهم إذ قال لهم النبي عن الله (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) أن يسلموا لأمر الله، ولا تنكره قلوبهم، ولا يتعجبوا من ذلك، ففي المقادير أسرار لا تدرك، فقالوا: كيف يملك علينا من هو دوننا.
стр. 745
(قَالَ) أي: نبيهم مجيباً لهم:
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ) أي: اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك.
(وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم.
• قال الشوكاني: قوله تعالى (اصطفاه عَلَيْكُمْ) أي: اختاره، واختيار الله هو الحجة القاطعة، ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء: بأن الله زاده بسطة في العلم، الذي هو ملاك الإنسان، ورأس الفضائل، وأعظم وجوه الترجيح، وزاده بسطة في الجسم الذي يظهر به الأثر في الحروب، ونحوها، فكان قوياً في دينه، وبدنه، وذلك هو المعتبر، لا شرف النسب. فإن فضائل النفس مقدّمة عليه.
• وقال الرازي: قال بعضهم: المراد بالبسطة في الجسم طول القامة، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه، وإنما سمي طالوت لطوله.
وقيل: المراد من البسطة في الجسم الجمال، وكان أجمل بني إسرائيل.
وقيل: المراد القوة، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة، لا الطول والجمال.
• قال الرازي: إنه تعالى قدم البسطة في العلم، على البسطة في الجسم، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية.
• وقال ابن عاشور: قدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم، قال أبو الطيب:
الرأي قبلَ شجاعةِ الشجعان … هو أَوَّلٌ وهي المحل الثاني.
فالعلم المراد هنا، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة، وقيل: هو علم النبوة، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدوداً من أنبيائهم.
• قال أبو السعود: لمّا استبعدوا تملُّكَه بسقوط نسَبِه وبفقره ردَّ عليهم ذلك:
أولاً: بأن مَلاكَ الأمرِ هو اصطفاءُ الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.
وثانياً: بأن العُمدة فيه وُفورُ العلم ليتمكَّنَ به من معرفة أمورِ السياسةِ، وجسامةُ البدن ليعظُم خطرُه في القلوب ويقدِرَ على مقاومة الأعداءِ ومكابدةِ الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظٍّ وافرٍ.
стр. 746
• قال الرازي: واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكاً عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك.
• قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه.
(وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه.
كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ).
• هذا جواب عن شبهتم، وتقريره أن الملك لله، والعبيد لله، فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله.
• قال الشوكاني: قوله تعالى (والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء) فالملك ملكه، والعبيد عبيده، فما لكم والاعتراض على شيء ليس هو لكم، ولا أمره إليكم. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله (والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء) من قول نبينا محمد ﷺ ، وقيل: هو من قول نبيهم، وهو الظاهر.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (والله يؤتي ملكه من يشاء) يحتمل أن يكون من كلام النبي، فيكون قد رجع بهم إلى التسليم إلى أمر الله، بعد أن بين لهم شيئاً من حكمة الله في ذلك.
ويحتمل أن يكون تذييلاً للقصة من كلام الله تعالى.
стр. 747
• قوله تعالى (وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ) قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.
(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
• وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.
• وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
• فالله واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
• (والله واسع المغفرة) ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
• والله واسع العلم: كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً).
• والله واسع الرحمة: كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
(عَلِيمٌ) بكل شيء لا تخفى عليه خافية، عَلِيمٌ بمن يستحق الملك، ويصلح له.
(وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم.
• قال الشوكاني: أي: علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منهم، أي: رجوعه إليكم، وهو صندوق التوراة.
• التابوت صندوق، لكن ما هي صفة التابوت الوارد في الآية، الله أعلم بذلك.
стр. 748
(فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) اختلف في المراد بالسكينة، ورجح الطبري أنها ما تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها.
(وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ) اختلف في المراد بالبقية، قيل: عصا موسى، وقيل: رضاض الألواح، وقيل: هي
بعض ما تركه آل موسى وآل هارون من ثياب.
• قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر عن التابوت الذي جعله آية لصدق قول نبيه ﷺ الذي قال لأمته: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا" أن فيه سكينة منه، وبقية مما تركه آل موسى وآل هارون. وجائز أن يكون تلك البقية: العصا، وكسر الألواح، والتوراة، أو بعضها، والنعلين، والثياب، والجهاد في سبيل الله وجائز أن يكون بعض ذلك، وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة، ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم. ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك للصفة التي وصفنا، وإذ كان كذلك، فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر غيره، إذ كان جائزاً فيه ما قلنا من القول.
• قال ابن عطية: والصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم، فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتقوى، فالمعهود أن الله ينصر الحق والأمور الفاضلة عنده، والسكينة على هذا فعيلة مأخوذة من السكون، كما يقال عزم عزيمة وقطع قطيعة.
(تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ) قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون.
стр. 749
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لكم) أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت.
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: بالله واليوم الآخر.
الفوائد:
١ - تعظيم الأنبياء لله تعالى وحسن أدبهم.
٢ - وجوب الإيمان بالقدر.
٣ - فضل العلم.
٤ - أن الملك يقوى بالعلم وقوة البدن.
٥ - أنه كلما كان ولي الأمر ذا سلطة في العلم وتدبير الأمور والجسم والقوة كان أقوم لملكه.
٦ - إثبات المشيئة لله.
٧ - سعة رحمة الله وعلمه وملكه.
٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الواسع والعليم.
٩ - ما في التابوت من الآيات العظيمة.
١٠ - أن للسكينة تأثيراً على القلوب.
١١ - إثبات الملائكة.
١٢ - أن الآيات إنما ينتفع بها المؤمنون.
١٣ - فضيلة الإيمان.
١٤ - أن الملائكة أجسام.
стр. 750
(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)).
[البقرة: ٢٤٩].
(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ) أي: خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه.
(قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ) أي: مختبركم بنهر.
• قال ابن الجوزي: ووجه الحكمة في ابتلائهم به أن يعلم طالوت من له نية في القتال منهم ومن ليس له نية.
• وقال الرازي: في حكمة هذا الابتلاء وجهان:
الأول: قال القاضي: كان مشهوراً من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال (فَإِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ).
الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد.
• وقال القرطبي: ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء عُلِم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته (في الماء) وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى.
(فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) أي: من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر إرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض غمار الحرب -.
• قال ابن عاشور: ومعنى قول طالوت (ليس مني) يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي.
ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش، فلا يكمل الجهاد معه.
والظاهر الأول لقوله (ومن لم يطعَمْه فإنه مني) لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله (فمن شرب منه فليس مني) غنية عن قوله: ومن لم يطعمه فإنه مني؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش.
стр. 751
(ومَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) أي: ومن لم يشرب منه فإنه من جندي الذين يقاتلون معي.
• قال القرطبي: ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئاً أن يكرروه بلفظ آخر، ولغة القرآن أفصح اللغات، فلا عِبرة بقدح من يقول: لا يقال طعمت الماء.
(إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) أي: لكن من اغترف قليلاً من الماء ليبل عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك.
(فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ) أي: فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء وأفرطوا في الشرب منه إلا عدداً قليلاً منه صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرفة اليد.
• قال ابن الجوزي: وفي عدد القليل الذين لم يشربوا إلا غرفة قولان:
أحدهما: أنهم أربعة آلاف، قاله عكرمة والسدي.
والثاني: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، وهو الصحيح، لما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال لأصحابه يوم بدر (أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقاء جالوت) وكانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.
• في هذا أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله.
وقد روى أحمد والدارمي عن عبد الله بن سلام قال (قعدنا نفر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فتذاكرنا فقلنا لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله تعالى لعملناه، فأنزل الله تعالى (سبح لله … ) حتى ختمها، قال عبد الله: فقرأها علينا رسول الله ﷺ حتى ختمها).
والآية إنكار لمن يقول قولاً ولا يفعله، أو يعد وعداً لا يفي به.
قال القرطبي: قوله تعالى (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذباً، وأما في المستقبل فيكون خلفاً وكلاهما مذموم.
• وفي الآية تعريض بأن العافية لا يعدلها شيء، وأن السلامة غنيمة، وأن الأولى أن الإنسان لا يسأل أو يتمنى أمر قد لا يفي بفعله، أو يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به.
стр. 752
• وقد جاءت آيات في معنى هذه الآية:
كقوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ).
وقال تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً).
وقال تعالى (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ).
(فلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي: فلما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه - وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً - لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدتهم.
• فلم يعبر معه إلا المطيع ويدل لذلك أمور:
الحجة الأولى: أن الله تعالى قال (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه) فالمراد بقوله (الذين ءامَنُواْ مَعَهُ) الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.
الحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت (فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي) أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى (فَشَرِبُواْ مِنْهُ) أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.
الحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.
(قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء.
стр. 753
• قال ابن الجوزي: واختلفوا في القائلين لهذا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم الذين شربوا أكثر من غرفة، فإنهم انصرفوا، ولم يشهدوا، وكانوا أهل شك ونفاق، قاله ابن عباس، والسدي.
والثاني: أنهم الذين قلت بصائرهم من المؤمنين، قاله الحسن، وقتادة، وابن زيد.
والثالث: أنه قول الذين جاوزوا معه، وإنما قال ذلك بعضهم لبعض، لما رأوا من قلتهم، وهذا اختيار الزجاج.
وقد رجح هذا القول ابن جرير وابن عاشور؛ وقال ابن عاشور: وقد دل قوله (فشربوا منه) على قِلة صبرهم، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو، وكانوا يسرون الخوف، فلما اقترب الجيشان، لم يستطيعوا كتمان ما بهم.
(قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ) أي: قال الذين يوقنون بلقاء الله، مذكرين لإخوانهم بالله وقدرته.
• معنى الظن هنا اليقين. والظن يطلق على اليقين.
كما في قوله تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً) أي: فأيقنوا، وكقوله تعالى (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ).
(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ) كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت - بإذن الله - وأمره - جماعة كثيرة كافرة باغية.
• قال الرازي: المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا (لَا طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ) والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة.
• قال القرطبي: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدّام اليسير من العدوّ كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا! وفي البخاريّ: وقال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم.
وفي المُسْند أن النبيّ ﷺ قال (هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم) فالأعمال فاسدة والضعفاء مُهْمَلون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة! قال الله تعالى (اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله) وقال (وَعَلَى الله فتوكلوا) وقال (إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ) وقال (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ) وقال (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ).
стр. 754
فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحلَّ بنا! بل لم يبق من الإسلام إلى ذكره، ولا من الدِّين إلاّ رَسْمُه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدوّ شرقاً وغرباً براً وبحراً، وعَمّت الفتن وعظُمت المحَن ولا عاصم إلا من رحِم.
(وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين) بنصره وتوفيقه وتأييده.
قال الرازي: يحتمل أن يكون هذا قولاً للذين قالوا (كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ) ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر.
الفوائد:
١ - يجب على القائد أن يمنع من لا يصلح للحرب كالمخذل والمرجف.
٢ - أن من الحكمة اختبار الجند، ليظهر من أهل للقتال، ومن ليس بأهل.
٣ - أن أكثر عباد الله لا ينفذ أمر الله.
٤ - أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَالتَّصْدِيقَ بِلِقَائِهِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ فِي مَوَاقِفِ الْجِلَادِ; فَإِنَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِأَنَّ لَهُ إِلَهًا غَالِبًا عَلَى أَمْرِهِ يَمُدُّهُ بِمَعُونَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ.
٥ - أن القليل من الناس من يصبر عند البلوى.
٦ - أهمية اليقين وأنه يحمل الإنسان على الصبر والتحمل.
٧ - إثبات ملاقاة الله.
٨ - أنه قد تغلب الفئة القليلة الفئة الكثيرة.
٩ - فضيلة الصبر.
١٠ - إثبات المعية لله تعالى.
стр. 755
(وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)). [البقرة: ٢٥٠ - ٢٥٢].
(وَلَمَّا بَرَزُوا) أي: ولما واجه حزب الإيمان - وهم قليل - من أصحاب طالوت.
• قال الشوكاني: أي لما صاروا في البراز وهو المتسع من الأرض.
(لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وشاهدوا ما هم عليه من العَدد والعُدد وأيقنوا أنهم غيرُ مطيقين لهم عادة.
• جالوت أمير العمالقة.
(قَالُوا) داعين ربهم.
كما قال تعالى عن أولئك (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين) وهكذا كان يفعل رسول الله ﷺ في كل المواطن، وروي عنه في قصة بدر أنه ﵇ لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال (اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم " وكان يقول (اللهم بك أصول وبك أجول).
(أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً) أي: أنزل علينا صبراً من عندك.
(وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز.
(وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين.
وفي هذا تنبيه على أن قتالهم إياهم إنما هو لوصف كفرهم لا لغرض دنيوي.
(فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم، بإذنه تعالى الكوني القدري.
وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) أي: وقتل داود ﵇ جالوت قائد الجبابرة.
(وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) مع النبوة.
قال ابن الجوزي: يعني آتى داود ملك طالوت.
(وَالْحِكْمَةَ) قيل النبوة، وقيل: الزبور.
(وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ .
من ذلك ما ذكره تعالى في قوله (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ).
стр. 756
وقال (وَأَلَنَّا لَهُ الحديد. أَنِ اعمل سابغات وَقَدّرْ فِي السرد).
قال تعالى حكاية عنه (عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير).
وقال تعالى (وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً) وذلك لأنه كان حاكماً بين الناس، فلا بد وأن يعلمه الله تعالى كيفية الحكم.
(وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) أي: لولا يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ).
• قال أبو حيان: والذي يظهر أن المدفوع بهم هم المؤمنون، ولولا ذلك لفسدت الأرض، لأن الكفر كان يطبقها ويتمادى في
جميع أقطارها، ولكنه تعالى لا يخلي زماناً من قائم يقوم بالحق ويدعو إلى الله تعالى، إلى أن جعل ذلك في أمّة محمد ﷺ .
• وقال الزمخشري: لولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض، ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون، وفسدت الأرض، وبطلت منافعها، وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض. انتهى.
(وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضاً، وله الحكم والحكمة، والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
(تِلْكَ) أي: المذكورات من إماتة الألوف وإحيائهم وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام جالوت وقتل داود إياه وتملكه.
(آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ) أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم (نتلوها عليك) أي: ننزل عليك جبريل بها.
(بِالْحَقِّ) أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق، الذي يعلمه علماء بني إسرائيل.
(وَإِنَّكَ) يا محمد.
стр. 757
(لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) خطاب للرسول ﷺ تنويهاً بشأنه وتثبيتاً لقلبه، وتعريضاً بالمنكرين رسالته، وتأكيد الجملة بأنَّ للاهتمام بهذا الخبر، وجيء بقوله (من المرسلين) دون أن يقول: وإنك لرسول الله، للرد على المنكرين بتذكيرهم أنه ما كان بدْعاً من الرسل، وأنه أرسله كما أرسل من قبله، وليس في حاله ما ينقص عن أحوالهم. … (تفسير ابن عاشور).
وقال ﵀: تذكير بأنّ إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته، إذ ما كان لمثله قِبَلٌ بعلم ذلك لولا وحي الله إليه، وفي هذا كلّه حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب الذين جحدوا رسالة محمد ﷺ .
• قال القاسمي: وفي هذه القصص معتبر لهذه الأمة في احتمال الشدائد في الجهاد كما احتملها المؤمنون في الأمم المتقدمة، كما أن فيها تسلية للرسول ﷺ من الكفار والمنافقين، فكأنه قيل: قد عرفت بهذه الآيات ما جرى على الأنبياء ﵈ في بني إسرائيل من الخلاف عليهم والرد لقولهم، فلا يعظمن عليك كفر من كفر بك، وخلاف من خالف عليك لأنك مثلهم، وإنما بعث الكل لتأدية الرسالة ولامتثال الأمر على سبيل الاختيار والطوع، لا على سبيل الإكراه، فلا عتب عليك في خلافهم وكفرهم. والوبال في ذلك يرجع عليهم.
الفوائد:
١ - أن من تمام العبودية أن يلجأ العبد إلى ربه عند الشدائد.
٢ - أن التجاء الإنسان إلى الله عند الشدائد سبب لنجاته.
٣ - اضطرار الإنسان إلى ربه في تثبيت قدمه.
٤ - أن من صدق اللجوء إلى الله وأحسن الظن به أجاب الله دعاءه.
٥ - شجاعة داود حيث قتل جالوت.
٦ - أن الأنبياء ليس عندهم من العلم إلا ما علمهم الله.
٧ - أن الله يدفع الناس بعضهم ببعض لتصلح الأرض.
٨ - إثبات حكمة الله تعالى.
٩ - إثبات فضل الله على جميع الخلق.
١٠ - أن القرآن كله حق من الله.
١١ - إثبات رسالة النبي ﷺ .
١٢ - أن هناك رسلاً غير الرسول.
стр. 758
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)). [البقرة: ٢٥٣].
(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال (وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً).
وقد أجمع العلماء على أن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض، وأجمعوا على تفضيل الرسل منهم على الأنبياء، لتميزهم بالرسالة التي هي أفضل من النبوة، وأجمعوا على تفضيل أولي العزم منهم على بقيتهم، وعلى تفضيل نبينا على الجميع.
• فإن قيل: ما الجمع بين هذه الآية وبين الأحاديث الواردة في النهي عن التفضيل:
كحديث أبي هريرة. قَالَ (اسْتَبَّ رَجُلَانِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، قَالَ الْمُسْلِمُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّداً عَلَى الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُ ﷺ الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِى أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ) متفق عليه.
وفي رواية (لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ … ).
الجمع من وجوه:
الأول: أن النهي في الحديث محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى توهم النقص في المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الازدراء به.
واختاره الخطابي، والبغوي، وابن تيمية، وابن أبي العز، وحافظ حكمي.
الثاني: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل يؤدي إلى المجادلة والمخاصمة والتشاجر والتنازع.
ويؤيد هذا القول سبب ورود الحديث كما تقدم في حديث أبي هريرة.
الثالث: أن النهي محمول على ما إذا كان التفضيل بمجرد الرأي والهوى، لا بمقتضى الدليل.
الرابع: أن نهيه ﷺ على سبيل التواضع منه ﷺ .
الخامس: أن النهي الوارد في الأحاديث كان قبل نزول الآيات، وقبل أن يعلم النبي ﷺ أنه سيد ولد آدم.
(مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ) يعني موسى ومحمداً ﷺ ، وكذلك آدم.
قال تعالى (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً).
وقال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ).
стр. 759
(وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله.
يحتمل: أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يؤت أحداً مثله هذه الفضيلة،
وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح، ولم يكن هذا حاصلاً لأبيه داود ﵇، ومحمد ﵇ مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع.
ويحتمل: أن المراد بهذه الآية محمد ﵇، لأنه هو المفضل على الكل، وإنما قال (وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات) على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلاً عظيماً فيقال له: من فعل هذا فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به.
(وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به، من أنه عبد الله ورسوله إليهم.
كما قال تعالى (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وقال تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).
стр. 760
• قوله تعالى (عيسى ابن مريم) قال ابن تيمية: لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان: إحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد، والثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. …
(وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇.
• فإن قيل: لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما؟
والجواب: سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما، وأيضاً فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان، وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين، فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما، كأنه قيل: هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما، بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاءوا بعد الرسل من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها الرسل، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من بعد الرسل.
قيل: الضمير لموسى وعيسى، والاثنان جمع، وقيل: من بعد جميع الرسل، وهو ظاهر اللفظ.
وقيل: إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبيّ، وهذا كما تقول: اشتريت خيلاً ثم بعتها، فجاز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرساً وبعته ثم آخر وبعته، ثم آخر وبعته، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبيّ فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغياً وحسداً وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بِسرّ الحكمة في ذلك الفعل لما يريد.
(وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا) أي: ولكن الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم.
стр. 761
(فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ) أي: فمنهم من ثبت على الإيمان.
(وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ) أي: ومنهم من حاد وكفر.
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا) أي: لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون.
(وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) كل ذلك عن قضاء الله وقدره.
الفوائد:
١ - أن الرسل ﵈ يتفاضلون.
٢ - أن فضل الله يؤتيه من يشاء.
٣ - إثبات الكلام لله تعالى.
٤ - أن كلام الله للإنسان يعتبر رفعة.
٥ - إثبات نبوة عيسى.
٦ - أن عيسى مولود.
٧ - الرد على النصارى في زعمهم أن عيسى إله.
٨ - إثبات المشيئة لله تعالى.
٩ - بيان حكمة الله في انقسام الناس إلى مؤمن وكافر.
стр. 762
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)). [البقرة: ٢٥٤].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:
الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه.
الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.
الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان.
(أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ) أي: أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إياه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات.
قيل: هذا الأمر مختص بالزكاة، لأن قوله (مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ) كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب.
وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة.
والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد؛ والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم.
(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) يعني يوم القيامة.
(لا بَيْعٌ فِيهِ) أي: لا تستطيعون أن تفتدوا نفوسكم بمال تقدمونه، ولو جاء بملء الأرض ذهباً، فلا تنفعه صداقة أحد بل ولا نسابته.
كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ).
وقال تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ).
فالبيع ههنا بمعنى الفدية، كما قال تعالى (فاليوم لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ).
وقال تعالى (وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ).
стр. 763
وقال تعالى (وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا). فكأنه قال: من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب.
والثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال.
• وإنما قال (ولا بيع) لأن عادة الإنسان أن ينتفع بالشيء عن طريق البيع والشراء، فيشتري ما ينفعه، ويبيع ما يضره، لكن يوم القيامة ليس فيه بيع.
(وَلا خُلَّةٌ) أي: ولا صديق يدفع عنكم العذاب.
كما قال تعالى (الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين) وقال (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب) وقال: (وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً).
(وَلا شَفَاعَةٌ) أي: ولا شفيعاً يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إلا أن يأذن الله تعالى.
• قال الرازي: المقصود من الآية أن الإنسان يجيء وحده، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا، قال تعالى (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) وقال (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً).
• وينبغي على الإنسان أن ينفق قبل هجوم الموت عليه، قال تعالى (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ).
وقال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقال تعالى (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ).
• واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور:
أحدها: أن كل أحد يكون مشغولاً بنفسه، على ما قال تعالى (لِكُلّ امرئٍ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْن).
والثاني: أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى).
стр. 764
• قال السعدي: وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخراً وأجراً موفراً في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهباً ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين.
(وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال
إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى (والكافرون هم الظالمون) وهذا من باب الحصر، أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى (إن الشرك لظلم عظيم) (تفسير السعدي).
الفوائد:
١ - الأمر بالإنفاق في سبيل الله ومرضاته.
٢ - فضيلة الإنفاق مما أعطانا الله.
٣ - بيان منّة الله علينا في الرزق.
٤ - أن الإنسان إذا مات انقطع عمله.
٥ - ينبغي على الإنسان الإنفاق في حياته قبل موته.
٦ - أن القيامة دار جزاء لا دار عمل.
٧ - أن الدنيا هي دار العمل، فاليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
٨ - أن يوم القيامة لا ينفع إلا العمل الصالح من إنفاق وغيره.
٩ - أن الكفر أعظم الظلم.
стр. 765
(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)). [البقرة: ٢٥٥].
هذه الآية أعظم آية في القرآن الكريم كما جاء في صحيح مسلم عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟ قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ أَتَدْرِى أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟. قَالَ قُلْتُ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ «وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر) رواه مسلم.
(وَاللَّهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِر) أي: ليكن العلم هنيئاً لك.
• هنأه النبي ﷺ بهذا البصر والفقه والفهم في كتاب الله ﵎ الذي أهّله ليتعرف على هذا المعنى من بين آلاف الآيات القرآنية، فحكم بأن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله .
• لماذا هي أعظم آية؟
لأن شرف العلم بشرف المعلوم … وشرف الذكر بشرف المذكور.
فهذه الآية تتعلق بأسماء الله وصفاته بل تتعلق بأعظم الأسماء والصفات، بل تتعلق بأسماء ترجع إليها سائر الأسماء الحسنى التي تدل على أوصاف الكمال، ولذلك كانت هذه الآية أعظم من غيرها.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وليس في القرآن آية واحدة تضمنت ما تضمنته آية الكرسي، وإنما ذكر الله في أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر عدة آيات لا آية واحدة.
• عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (َكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ وَاللَّهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ، وَلِى حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «يَا أَبَا
هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّهُ سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَىَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا. قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ» قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ «مَا هِيَ» قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قَالَ لَا. قَالَ «ذَاكَ شَيْطَانٌ) رواه البخاري.
стр. 766
(اللهُ) اسم من أسماء الله، متضمن للألوهية لله تعالى.
ومعناه: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيماً وخضوعاً له، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال.
• لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظاً ومعنى.
لفظاً: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد.
ومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق.
• جميع الأسماء ترجع إليه لفظاً ومعنى: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها.
ومعنى ترجع إليه معنى: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.
• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا:
أولاً: محبة الله محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس والأهل والولد والدنيا جميعاً، لأنه المألوه المعبود وحده وهو المنعم المتفضل وحده.
ثانياً: تعظيمه سبحانه وإجلاله وإخلاص العبودية له وحده من توكل وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وغير ذلك من أنواع العبادات.
ثالثاً: الشعور بالعزة به سبحانه والتعلق به وحده، وسقوط الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم.
رابعاً: طمأنينة القلب وسعادته وأنسه بالله.
خامساً: إرادة الله تعالى بالمحبة والولاء، وإفراده تعالى بالحكم والتحاكم.
(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا معبود بحق سواه.
فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبداً لربه، ممتثلاً أوامره مجتنباً نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقاً ناقصاً مدبراً فقيراً من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئاً من أنواع العبادة.
• في هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية، وذلك من قوله (لا إله إلا هو) هذه جملة تفيد الحصر وطريقة النفي والإثبات هذه من أقوى صيغ الحصر.
ففيها نفي استحقاق غير الله العبادة، وإثبات استحقاق الألوهية والعبودية لله تعالى.
стр. 767
• قال ابن كثير: إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق.
• وقال السعدي: فأخبر أنه الله، الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، وعبودية غيره باطلة.
• قال ابن رجب: قَوْل: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، تَقْتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ اَلْإِلَهَ هُوَ اَلَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً. وَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُ اَللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ لَمْ يَكْمُلْ تَوْحِيدُهُ وَلَا صِدْقُهُ فِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَكَانَ فِيهِ مِنْ اَلشِّرْكِ اَلْخَفِيِّ بِحَسْبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ. قَالَ تَعَالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم).
• فضائل كلمة التوحيد:
أولاً: وَهِيَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلَاصِ، وَشَهَادَةُ اَلْحَقِّ وَدَعْوَةُ اَلْحَقِّ، وَبَرَاءةٌ مِنْ اَلشِّرْكِ، وَلِأَجْلِهَا خُلِقَ اَلْخَلْقُ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون).
ثانياً: وَلِأَجْلِهَا أُرْسِلَتْ اَلرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ اَلْكُتُبُ.
قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون).
وقال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ).
وَهَذِهِ اَلْآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ اَلنَّعَمِ فِي سُورَةِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي تُسَمَّى سُورَة اَلنَّحْلِ، وَلِهَذَا قَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ: مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ نِعْمَةً أَعْظَمَ مِنْ أَنْ عَرَّفَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَإِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ لِأَهْلِ اَلْجَنَّةِ كَالْمَاءِ اَلْبَارِدِ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا; وَلِأَجْلِهَا أُعِدَّتْ دَارُ اَلثَّوَابِ وَدَارُ اَلْعِقَابِ، فِي اَلْآخِرَةِ، فَمَنْ قَالَهَا وَمَاتَ عَلَيْهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ اَلثَّوَابِ، وَمَنْ رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْعِقَاب، وَمِنْ أَجْلِهَا أُمِرَتْ اَلرُّسُلُ بِالْجِهَادِ، فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ.
ثالثاً: هي ثَمَنُ اَلْجَنَّةِ.
قال ﷺ (مَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّة) رواه أبو داود.
رابعاً: وهي نَجَاةٌ مِنْ اَلنَّارِ.
وَسَمِعَ اَلنَّبِيَّ ﷺ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، فَقَالَ خَرَجَ مِنْ اَلنَّارِ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ
стр. 768
خامساً: وهي أَحْسَنُ اَلْحَسَنَاتِ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلِّمْنِي عَمَلاً يُقَرِّبُنِي مِنَ اَلْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ اَلنَّارِ، قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ مِنَ اَلْحَسَنَاتِ؟ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ اَلْحَسَنَات).
سادساً: وَهِيَ: تُجَدِّدُ مَا دُرِسَ مِنَ اَلْإِيمَانِ فِي اَلْقَلْبِ.
كما في اَلْمُسْنَدِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).
سابعاً: وَهِيَ اَلَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي اَلْوَزْنِ، فَلَوْ وُزِنَتْ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَجَحَتْ بِهِنَّ.
كَمَا فِي اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهِ إِلَّا اَللَّهُ، فَإِنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ كُنَّ فِي حَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).
وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ
شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).
ثامناً: وَهِيَ أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ.
كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ اَلْمَرْفُوع (أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه) رواه الترمذي.
تاسعاً: ومن أعظم فضائلها:
ما جاء فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِي ﷺ مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ وَلَهُ اَلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ اَلشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك).
وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ اَلنَّبِي ﷺ قال (مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل).
عاشراً: وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّهَا تَفْتَحُ لِقَائِلِهَا أَبْوَابَ اَلْجَنَّةِ اَلثَّمَانِيَةِ. يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ.
كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَر. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء).
стр. 769
(الْحَيُّ) الذي له الحياة الكاملة.
ومعناه: أي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه.
• قال ابن كثير: أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً.
• وقال البغوي: الباقي الدائم على الأبد.
• وقال الطبري: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخره له أمد، إذ كل ما سواه فإنه وإن كان حياً فلحياته أول محدود، وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بقضاء غايتها.
• وقد ورد اسم الحي لله تعالى في عدة آيات:
قال تعالى (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).
وقال تعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ).
وقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).
وقال تعالى (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
• واسم الحي من أعظم الأسماء، لأنه يستلزم جميع صفات الكمال لله تعالى.
• كل ما سوى الله ميت.
قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
وقد جاء في الحديث (أن جبريل قال للنبي ﷺ : يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنه مفارقه،
واعمل … ).
• وفي ذكر صفة (الحي) بعد قوله (الله لا إله إلا هو) استدلال على إثبات تفرّده بالألوهية وإبطال عبودية كل من سواه، وذلك لأنه لا يستحق العبادة إلا من كان حياً بالحياة الذاتية الدائمة الأبدية، وحيث لا حيّ بهذه الحياة إلا الله الأحد فلا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال ابن عاشور: والمقصود إثبات الحياة وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة عنهم كما قال إبراهيم ﵇ (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً).
стр. 770
• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: محبة الله تعالى وإجلاله.
ثانياً: التوكل الصادق على الله، كما قال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).
ومن أعظم ما يتوكل على الله فيه طلب الهداية والثبات على الإيمان وعدم الزيغ عنه، ولذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه (اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون) رواه مسلم.
ثالثاً: الزهد في الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها، لأنه مهما أعطي العبد من العمر فلابد من الموت
(الْقَيُّومُ) أي: القائم بنفسه القائم على غيره، المتضمن لصفة القيومية.
• قال ابن كثير: هو القيّم لغيره، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره.
• وقال ابن القيم: هو الذي قام بنفسه فلم يحتج إلى أحد، وقام كل شيء به فكل ما سواه محتاج إليه بالذات.
• وقال السعدي: القيوم: القائم بنفسه، القيوم لأهل السماوات والأرض، القائم بتدبيرهم وأرزاقهم وجميع أحوالهم.
وهذا الاسم له شأن عظيم، قال ابن أبي العز: وأما القيوم، فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته، فإنه القائم بنفسه، فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه، المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته.
• وقد وردت عدة نصوص في القرآن الكريم تدل على أن قيام الموجودات وبقاءها وحفظها بأمر الله ولا قوام لها بدونه.
قال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ).
وقال تعالى (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ. وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ. وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ).
стр. 771
• آثار الإيمان المترتب على الإيمان بهذا:
أولاً: محبته سبحانه وحمده وإجلاله وتعظيمه.
ثانياً: التبرؤ من الحول والقوة والافتقار التام لله، وإنزال جميع الحوائج بالله.
ثالثاً: إخلاص الاستعانة والاستغاثة والاعتصام لله ، وقطع التعلق بالمخلوق الضعيف المربوب لله تعالى المفتقر إلى ربه.
رابعاً: قال ابن القيم: وهو سبحانه (القيوم) المقيم لكل شيء من المخلوقات - طائعها وعاصيها - فكيف تكون قيوميته بمن أحبَّه وتولاه، وآثره على ما سواه، ورضي به دون الناس حبيباً، ورباً ووكيلاً، وناصراً ومعيناً وهادياً.
خامساً: الخوف منه سبحانه ومراقبته، لأنه القائم على كل نفس، المتولي أمرها، الحافظ لأعمالها الذي لا يخفى عليه شيء من أمرها.
(لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) السنة: النعاس، والنوم هو النوم، وهذه الجملة تأكيد للقيومية.
• قال ابن كثير: ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم.
• فالله لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، فلا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته.
• قال ابن عاشور: ونفي استيلاء السنة والنوم على الله تعالى تحقيق لكمال الحياة ودوام التدبير، وإثبات لكمال العلم؛ فإنّ السنة والنوم يشبهان الموت، فحياة النائم في حالهما حياة ضعيفة، وهما يعوقان عن التدبير وعن العلم بما يحصل في وقت استيلائهما على الإحساس.
• فالله لا ينام لكمال حياته وقيوميته، وهذه قاعدة: كل صفة نفي يستلزم نفيها وإثبات كمال ضدها.
стр. 772
فكل صفة نفاها الله عن نفسه فإننا ننفيها عن الله مع إثبات كمال ضدها، وذلك: لأن النفي لا يدل على الكمال حتى يكون متضمناً لصفة ثبوتية يحمد عليها، فإن مجرد النفي قد يكون سببه العجز فيكون نقصاً، وقد يكون سببه عدم القابلية فلا يقتضي مدحاً، كما لو قلت: الجدار لا يظلم.
فقوله تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) لكمال عدله.
وقوله تعالى (وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) لكمال قدرته.
وقوله تعالى (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) لكمال علمه.
وقوله تعالى (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال حياته وقيوميته.
وقوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً).
فالله لا يعجزه شيء لكمال علمه وقدرته.
قال الشيخ ابن عثيمين: فنفي العجز عنه يتضمن كمال علمه وقدرته، ولهذا قال بعده (إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً) لأن العجز سببه: إما الجهل بأسباب الإيجاد، وإما قصور القدرة عنه، فلكمال علم الله تعالى وقدرته لم يكن ليعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
• فالنوم من صفات النقص التي يُنزه الله عنها لكمال حياته، قال ﷺ (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام). رواه مسلم
فالنوم يحتاجه المخلوق لنقصه وعجزه، فهو يحتاج للنوم للاستراحة، ولذلك لما كان أهل الجنة كاملي الحياة، كانوا لا ينامون.
• ما الحكمة من ذكر النوم بعد نفي السنة، لأنه إذا قال (لا تأخذه سنة) فقد دل ذلك على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى.
قيل: لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه النوم.
وقيل: إنما جمع بين نفييهما لأنه لا يلزم من نفي أحدهما نفي الآخر، إذ يتصور مجيء النوم دفعة من غير مبادئ الوسن، ومجيء الوسن دون النوم فلذلك نفي كل واحد منهما على حدته بدليل تكرير (لا).
ولذلك قال ابن عاشور: ونفي السنة عن الله تعالى لا يغني عن نفي النوم عنه، لأنّ من الأحياء من لا تعتريه السنة فإذا نام نام عميقاً، ومن الناس من تأخذه السنة في غير وقت النوم غلبة، وقد تمادحت العرب بالقدرة على السهر.
стр. 773
• موعظة بليغة: تعلق قلب رجل بامرأة بدوية وقد ذهبت ذات ليلة إلى حاجة لها فتبعها الرجل فلما خلا بها في البادية والناس نيام راودها عن نفسها، فقالت له: انظر أنام الناس جميعاً ففرح الرجل وظن أنها قد أجابته إلى ما ابتغاه فقام وطاف حول مضارب الحي فإذا الناس نيام فرجع مسروراً وأخبرها بخلو المكان إلا من النيام، فقالت: ما تقول في الله ﵎؟ أنائم هو في هذه الساعة؟ قال الرجل: إن الله لا ينام ولا تأخذه سنة، فقالت المرأة: إن الذي لم ينم ولا ينام ويرانا وإن كان الخلق لا يرون
فذلك أولى أن نخشاه، فاتعظ الرجل وتركها وتاب خوفاً من الله تعالى، ولما مات رئي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي لخوفي منه وتوبتي إليه.
وصدق من قال:
وإذا خلوت بريبة في ظلمة … والنفس داعية إلا العصيانِ
فاستحي من نظر الإله وقل لها … إن الذي خلق الظلام يراني
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً.
• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.
• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
• وقال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً.
стр. 774
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (له ما في السماوات وما في الأرض) تقرير لانفراده بالإلهية إذ جميع الموجودات مخلوقاته، وتعليل لاتّصافه بالقيّوميّة، لأنّ من كانت جميع الموجودات مِلكاً له فهو حقيق بأن يكون قيّومها وألاّ يهملها ولذلك فُصلت الجملة عن التي قبلها.
وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:
قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً).
وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:
الأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.
الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائناً من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.
• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض:
أولاً: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..
يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).
ثانياً: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.
ثالثاً: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
стр. 775
وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون .. ) رواه مسلم.
(مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) أي: لا أحد يشفع عنده سبحانه إلا بإذنه، وذلك لكمال سلطانه.
• قال الرازي: استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا أحد يشفع عنده أحد إلا بأمره، وذلك لأن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله تعالى عنهم بأنهم يقولون (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) وقولهم (هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ثم بين تعالى أنهم لا يجدون هذا المطلوب فقال (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ) فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد إلا من استثناه الله تعالى بقوله (إِلَّا بِإِذْنِهِ).
• وهذا - كما تقدم - يدل على كمال ملك الله ، لأن المخلوق إذا كان موصوفاً بالملك، فإن الناس قد يتقدمون بين يديه بالشفاعة من غير استئذان، وقد يشفع هو من غير رغبة في هذه الشفاعة التي قدمت بين يديه، لكنه قد يُحرج أو يستحي أو قد يقبل هذه الشفاعة خوفاً من غائلة الشافع، لأن ملكه لا يقوم إلا به، لأنه قد يكون من أعوانه الذين لا يقوم ملكه إلا بهم فيقبل الشفاعة خوفاً من غائلة هذا الشافع، وقد يقبلها حياء منه وخجلاً وإحراجاً، وقد يقبلها رداً لجميله السابق عليه وإفضاله (الشيخ خالد السبت).
следующие страницы →