← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

(ليْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)). [البقرة: ٢٧٢]. (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) أي: ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس، فإنك لست بمؤاخذ بجريرة من لم يهتد، وإنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والمراد بالهدى المنفي هنا هو هدى التوفيق، وأما هدى البيان فهو على الرسول ﷺ . عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) رواه النسائي. والمعنى: أنهم كانوا لا يتصدقون على قراباتهم من المشركين طمعاً في إسلامهم، فبين الله أن إعطاءهم أو عدم إعطائهم لا يؤثر في هدايتهم، إنما الذي يهدي هو الله سبحانه تعالى. • قال القرطبي: قال علماؤنا: هذه الصدقة التي أُبيحت لهم حسب ما تضمنته هذه الآثار هي صدقة التطوّع، وأما المفروضة فلا يُجزئ دفعها لكافر، لقوله ﵇ (أُمرتُ أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردّها في فقرائكم). • قال ابن المُنْذِر: أجمع كل من أحفظُ عنه من أهل العلم أن الذّميّ لا يُعْطَى من زكاة الأموال شيئاً؛ ثم ذكر جماعةً ممن نصّ على ذلك ولم يذكر خلافاً. (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) فضلاً منه ونعمة حسب ما تقتضيه حكمة الله تعالى. (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) قليل أو كثير فهو: (فَلِأَنْفُسِكُمْ) لا ينتفع به غيركم، فإن كان طيباً فلأنفسكم، وإن كان خبيثاً فأجره لكم، وإن مننتم به أو آذيتم فقد ظلمتم أنفسكم، وإن أخلصتم فيه فلأنفسكم.

стр. 842

قال أبو السعود: أي فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيرُكم، فلا تمنوا على من أعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث، أو فنفعُه الدينيَّ لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدينُ من فقراء المشركين. قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِه). وقال تعالى (ومَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). • قال القرطبي: وحُكي أن بعض العلماء كان يصنع كثيراً من المعروف ثم يحلف أنه ما فعل مع أحد خيراً، فقيل له في ذلك فيقول: إنما فعلت مع نفسي؛ ويتلو (وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ). (وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ) قيل في معناها أقوال: الأول: أن يكون المعنى: ولستم في صدقتكم على أقاربكم من المشركين تقصدون إلا وجه الله، فقد علم الله هذا من قلوبكم، فأنفقوا عليهم إذا كنتم إنما تبتغون بذلك وجه الله في صلة رحم وسد خلة مضطر؛ وليس عليكم اهتداؤهم حتى يمنعكم ذلك من الإنفاق عليهم. قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن -إذا أنفق -إلا ابتغاء وجه الله.

стр. 843

وقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله، فلا عليك ما كان عملُه، وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجرُه على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب: أبَر أو فاجر أو مستحق أو غيرهُ، هو مثاب على قصده. والحديث المخرج في الصحيحين: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدقَ على زانية! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدق الليلة على غَني! فقال: اللهم لك الحمد على غني، لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على سارق! فقال: اللهم لك الحمد على زانية، وعلى غني، وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعف بها عن سرقته). الثاني: أن هذا وإن كان ظاهره خبراً إلا أن معناه نهي، أي ولا تنفقوا إلا ابتغاء وجه الله، وورد الخبر بمعنى الأمر والنهي كثيراً قال تعالى (والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن) (والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ). الثالث: أن قوله (وَمَا تُنفِقُونَ) أي ولا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم الذي يفيد المدح حتى تبتغوا بذلك وجه الله. … (ذكر هذه الأقوال الرازي ﵀. وقيل: إنه شهادة من الله تعالى للصحابة ﵃ أنهم إنما ينفقون ابتغاءَ وجهه؛ فهذا خرج مخرج التفضيل والثناء عليهم. (ذكره القرطبي). (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) أي: وما تنفقون من الخيرات والصدقات فإن أجره وثوابه أضعافاً مضاعفة تنالونه أنتم ولا تنقصون شيئاً من حسناتكم.

стр. 844

الفوائد: ١ - أن هداية الخلق لا تلزم الرسل. ٢ - أن الهداية بيد الله. ٣ - أن مهمة الرسل وأتباعهم البيان والتبليغ. ٤ - إثبات أن جميع الأمور دقيقها وجليلها بيد الله. ٥ - أن هداية الخلق بمشيئة الله، ولكنها لحكمة. ٦ - أن المستفيد من العمل الإنسان نفسه. ٧ - ينبغي على الإنسان الاجتهاد بالعمل الصالح لأنه هو المستفيد. ٨ - أن الإنفاق المتقبل ما ابتغي به وجه الله. ٩ - أن الإنسان لا يظلم شيئاً. ١٠ - نفي الظلم عن الله لكمال عدله.

стр. 845

(لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)). [البقرة: ٢٧٣]. (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم. • قال القرطبي: وإنما خصّ فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصُّفّة وكانوا نحواً من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يَقْدَمون فقراء على رسول الله ﷺ ، وما لهم أهل ولا مال فبُنيت لهم صُفَّة في مسجد رسول الله ﷺ ، فقيل لهم: أهل الصُّفَّة. قال أبو ذَرّ: كنت من أهل الصّفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ فيأمر كلَّ رجل فينصرف برجل ويبقى مَن بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتَى النبيّ ﷺ بعشائه ونتعشَّى معه. • قال الرازي: قوله تعالى ( … في سبيل الله) فبيّن تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة، ومن هذا حاله يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوهاً: أحدها: إزالة عيلتهم والثاني: تقوية قلبهم لما انتصبوا إليه. وثالثها: تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين. ورابعها: أنهم كانوا محتاجين جداً مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم، على ما قال تعالى (لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأرض يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف). (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْض) يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش. • والضرب في الأرض: هو السفر؛ قال الله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ).

стр. 846

وقال تعالى (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه). (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) أي: الجاهلُ بأمْرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم. • قال الرازي: الحسبان هو الظن، وقوله (الجاهل) لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة. وقال القرطبي: قوله تعالى (يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف) أي أنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء. وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فَيُتَصَدقَ عليه، ولا يسأل الناس شيئاً). (تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ) أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم كما قال تعالى (سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ)، وقال (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل) وفي الحديث الذي في السنن (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ). (لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) أي: لا يُلحْون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (ليس المسكينُ الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفَّفُ؛ اقرؤوا إن شئتم -يعني قوله- (لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا). • وقد يفهم من مفهوم (لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً) أنهم يسألون من غير إلحاف، لكن ليس هذا مراد لقوله في أول الآية (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ) ولأن الشيء قد يرد نفيه مقيداً والمراد نفيه أصلاً وذلك أبلغ في النفي، أي: لا يسألون الناس أصلاً لا بإلحاف ولا بغير إلحاف، (فمفهوم المخالفة هنا غير مراد).

стр. 847

• فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّمَا قَالَ اللَّهُ (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا) فَنَفَى عَنْهُمْ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَنْفِ عَنْهُمْ الْمَسْأَلَةَ رَأْسًا؟ قِيلَ لَهُ: فِي فَحَوَى الْآيَةِ وَمَضْمُونِ الْمُخَاطَبَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْمَسْأَلَةِ رَأْسًا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى (يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ) فَلَوْ كَانُوا أَظْهَرُوا الْمَسْأَلَةَ ثُمَّ إنْ لَمْ تَكُنْ إلْحَافًا لَمَا حَسِبَهُمْ أَحَدٌ أَغْنِيَاءَ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (مِنْ التَّعَفُّفِ) لِأَنَّ التَّعَفُّفَ هُوَ الْقَنَاعَةُ وَتَرْكُ الْمَسْأَلَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وَصْفِهِمْ بِتَرْكِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلًا. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعَفُّفَ هُوَ تَرْكُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ (مَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ وَمَنْ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ). قال بعض العلماء: المعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا، وهو اختيار صاحب " الكشاف" وهو ضعيف، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال (يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف) وذلك ينافي صدور السؤال عنهم. • قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا) يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: إلْحَاحًا وَإِدَامَةً لِلْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ الْإِلْحَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الِاسْتِقْصَاءُ فِيهَا وَإِدَامَتُهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْإِلْحَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ. (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) أي: لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه. قال الثعالبي: ينبغي للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسيرِ، فهو أسير. الفوائد: ١ - أنه لا يجوز إعطاء من يستطيع على التكسب. ٢ - فضيلة التعفف. ٣ - ذم الإلحاح في المسألة. ٤ - الإشارة إلى الفراسة. ٥ - الثناء على من لا يسأل الناس. ٦ - عموم علم الله تعالى.

стр. 848

(الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)) [البقرة: ٢٧٤]. (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سر وجهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا. كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص -حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع- (وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في امرأتك). وعن أبي مسعود، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال (إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة). متفق عليه (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم) أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات. (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبل. (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: فيما مضى. الفوائد: ١ - الثناء على الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله سواء كان ليلاً أو نهاراً، سراً أو جهراً. ٢ - أن الإنفاق يكون سبباً لشرح الصدور. ٣ - كمال الأمن لمن أنفق في سبيل الله.

стр. 849

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)). [البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦]. (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) أي: يأخذونه وينتفعون به بأي وجه من أوجه الانتفاع من أكل أو شرب أو لباس أو سكن أو مركب أو غير ذلك. • وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال (الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً) وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل). • قال ابن الجوزي: وهذا الوعيد يشمل الآكل والعامل به، وإنما خص الآكل بالذكر، لأنه معظم المقصود. (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قياماً منكرًا. قال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يُخْنَق. رواه ابن أبي حاتم. روى الإمام الطبري ﵀ عن سعيد بن جبير ﵀ في تفسير هذه الآية قوله: بعث آكل الربا يوم القيامة مجنوناً يخنق. ونقل عن قتادة قوله: وتلك علامة أهل الربا يوم القيامة، بعثوا وبهم خبل من الشيطان. • وذكره سبحانه لحالهم هذا وأنهم كما كانوا في الدنيا في طلب المكاسب الخبيثة كالمجانين، عوقبوا في البرزخ والقيامة، بأنهم لا يقومون من قبورهم، أو يوم بعثهم ونشورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون والصرع يدل على الترهيب من هذا العمل الذي يكون مصير فاعله في الآخرة هذا الحال. • قال الرازي: التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: إنه يخبط خبط عشواء. • هذه الآية من أقوى الأدلة على تحريم الربا. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).

стр. 850

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلوا الِّربَا أَضْعَافَاً مَضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفلِحُون). وقال النبي ﷺ (اجتنبوا السبع الموبقآت وذكر منها: … أكل الربا .. ) متفق عليه. وقال ﷺ (لعن الله آكل الربآ وموكله) رواه مسلم والترمذي وزاد (وشآهديه وكاتبه) وإسناده صحيح. وقال ﷺ (آكل الربا وموكله وكاتبه إذا علموا ذلك ملعونونَ على لسان محمد ﷺ يوم القيامة). وقال ﷺ (ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة) رواه أحمد. قال ابن كثير: وهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود. وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِى فِي النَّهَرِ فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا فَقَالَ الَّذِى رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا). وعن أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الْوَاشِمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا، وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّر) رواه البخاري. • قال الشنقيطي: واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله (وَحَرَّمَ الربا) وصرح بأن المتعامل بالربا محارب الله بقوله (يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ) وصرح بأن آكل الربا لا يقوم أي: من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله (الذين يَأْكُلُونَ الربا لَا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا) والأحاديث في ذلك كثيرة جداً. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) أي: إنما جُوزُوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع؛ لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا) أي: هو نظيره، فلم حرم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا!

стр. 851

• قال القرطبي: قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا) معناه عند جميع المتأوّلين في الكفار، ولهم قيل (فَلَهُ مَا سَلَفَ) ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ويرد فعله وإن كان جاهلاً؛ فلذلك قال ﷺ : مَن عمل عَملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ " لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية. (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) أي: وأحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع. • قال الرازي: يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار، والمعنى أنهم قالوا: البيع مثل الربا، ثم إنكم تقولون (وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا) فكيف يعقل هذا؟ يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعاً للتفرقة بين المثلين، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله (أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا) ذكره الكفار على سبيل الاستبعاد. وأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله (إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا) وأما قوله (وأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا) فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالاً لقول الكفار إنما البيع مثل الربا. (فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) أي: من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) وكما قال النبي ﷺ وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف.

стр. 852

• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ) معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى أي: ترك المعاملة بالربا. خوفاً من الله تعالى وامتثالاً لأمره (فَلَهُ مَا سَلَفَ) أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم (لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا) الآية. قال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النسآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه ونظيره قوله تعالى (وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الاختين إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) وقال في الصيد قبل التحريم (عَفَا الله عَمَّا سَلَف) الآية وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله (وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ. ومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النَّبي ﷺ والمسلمين لما استغفروا لقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم). وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حتى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ). فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه. (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) أي: أمره موكول إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه. (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد تحريم الله له فهو من المخلدين في نار جهنم.

стр. 853

• قال أبو حيان: فإن كانت في الكفار فالخلود خلود تأبيد، أو في مسلم عاص فخلوده دوام مكثه لا التأييد. • وقال ابن عاشور: وجُعل العائد خالداً في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله (إنما البيع مثل الربا)، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نِفاق؛ فإنّ كثيراً منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا، فعلم الله منهم ذلك وجعَل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم، فالخلود على حقيقته. وإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا، وهو الظاهر من مقابلته بقوله (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى) والخلود طول المكث كقول لبيد: فوقفْتُ أسألُها وكيفَ سؤالُنا … صُمّاً خَوَالِدَ ما يَبِين كلامُها. ومنه: خلَّد الله مُلك فلان. ولما كان المرغب في الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد، والمفتر عن الصدقة كونها نقصاً محققاً بالحس بيّن أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده فما شاء محقه وإن كان كثيراً أو ما أراد نماه وإن كان يسيراً فقال كالتعليل للأمر بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل النار: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا) أي: يذهبه، إما بأن يذهب بالكلية من يد صاحبه، أو يُحْرمَ بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة. (المحق نقصان الشيء حالاً بعد حال). كما قال تعالى (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ). وقال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ). • قال السمرقندي: يقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، إما أن يذهب عنه أو عن ولده، أو ينفقه فيما لا يصلح. (وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) أي: ويكثرها وينميها. • قال القرطبي: (وَيُرْبِي الصدقات) أي يُنَمِّيها في الدنيا بالبركة ويُكثر ثوابَها بالتضعيف في الآخرة. • قال ابن عطية: وقد جعل الله هذين الفعلين بعكس ما يظنه الحريص الجشع من بني آدم، يظن الربا يغنيه وهو في الحقيقة ممحق، ويظن الصدقة تفقره وهي نماء في الدنيا والآخرة. عن أَبَي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه. (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل.

стр. 854

• قال ابن كثير: ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل. الفوائد: ١ - تحريم الربا. ٢ - عظم جرم آكل الربا. ٣ - إثبات مس الجن وصرعهم للإنس. ٤ - جرأة أكلة الربا على الاعتراض على حكم الله الشرعي. ٥ - إثبات الفرق الشاسع بين البيع والربا. ٦ - أن من انتهى من الربا وتاب منه بعد أن بلغه النهي عنه فله ما أخذ قبل ذلك. ٧ - الوعيد الشديد لمن عاد إلى أكل الربا بعد أن بلغته الموعظة. ١ - محق الربا إما حساً وإما معنى. ٢ - التحذير من الربا. ٣ - أن الله يربي الصدقات ويزيدها. ٤ - إثبات المحبة لله.

стр. 855

(إنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)). [البقرة: ٢٧٧]. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم. (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) وعملوا الأعمال الصالحات، من الأفعال والأقوال، الواجبات والمستحبات، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. • والعمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى ما نوى)، الشرط الثاني: المتابعة للنبي ﷺ لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. ودائماً يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحاً. قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ). وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً … ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً). وقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى). • والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. • قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.

стр. 856

(وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) أي: وأقاموا الصلاة إقامة تامة بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها. • قال الشيخ السعدي: عند قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهراً بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطناً بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها. • لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة). • إقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر). فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر. (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) أي: وأعطوا الزكاة الواجبة عليكم لمستحقيها. • الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ). • الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة. وسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء. • قوله تعالى (وَأَقَامُواْ الصلاة وَءاتَوُاْ الزكاة) تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما في الأعمال للتنبيه على عظم فضلهما، فإن الأولى: أعظم الأعمال البدنية والثانية: أفضل الأعمال المالية. (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: لهم ثواب إيمانهم وأعمالهم الصالحات وصلاتهم وزكاتهم .. • وفي تسمية ثوابهم أجراً تأكيد لتكفله لهم بذلك، وفي كونه عند ربهم تعظيم له، لأنه الكريم الجواد. • كثيراً ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والزكاة؟ قيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق. وقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية.

стр. 857

وقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال. (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبل، ومما أمامهم من أهوال يوم القيامة. (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: فيما مضى، وعلى ما فاتهم من الدنيا، وعلى ما خلفوا بعد موتهم من أهل وولد ومال وغير ذلك. الفوائد: ١ - أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد ورد هذا في آيات كثيرة: قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). ٢ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحاً. ٣ - الحذر من الرياء. ٤ - فضل إقامة الصلاة. ٥ - فضل إيتاء الزكاة.

стр. 858

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)). [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ) أي بجوارحكم، بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه. (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا) أي: اتركوا ما بقي من الربا، مما لم يقبض وإن كان معقوداً عليه. وهذا في مقابل قوله تعالى (فله ما سلف) أي: فله ما سلف قبضه قبل نزول التحريم، دون ما لم يقبض قبل ذلك فيجب تركه. • قال ابن عاشور: ومعنى (وذروا ما بقي من الربا) الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا، فهذا مقابل قوله (فله ما سلف) فكان الذي سلفَ قبضُه قبل نزول الآية معفواً عنه وما لم يقبض مأموراً بتركه. • وقال ﵀: وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقْوَى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها، فهو كالأمرِ بطريق برهاني. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: صادقين في إيمانكم فاتقوا الله وذروا ما بقي من الربا. (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا. (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أي: فاعلموا بحرب من الله ورسوله. وهذه الآية من أشد التهديد وأعظم الوعيد في تحريم الربا. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال (يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).

стр. 859

• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لَا يُوجِبُ إكْفَارَهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا دُونَ الْكُفْرِ مِنْ الْمَعَاصِي؛ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ (إنَّ عُمَرَ رَأَى مُعَاذًا يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيَك؟ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (الْيَسِيرُ مِنْ الرِّيَاءِ شِرْكٌ وَمَنْ عَادَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ) فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمُحَارَبَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ. • قال ابن عاشور: وتَنكير حرب لقصد تعظيم أمرها؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضاً عنها بمن ونسبت إلى الله؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر، وهذا هو الظاهر. • قال ابن القيم: ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله، قد آذنه الله بحربه، ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى: الربا، وقطع الطريق والسعي في الأرض بالفساد؛ لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض، قاطع الطريق على الناس، هذا بقهره لهم وتسلطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها، فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله، وآذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا: بحربه وحرب رسوله. (وَإِنْ تُبْتُمْ) أي: رجعتم إلى الله بترك الربا. (فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ) أي: فلكم أصول أموالكم كاملة دون الربا. (لا تَظْلِمُونَ) أي: لا تظلمون غيركم بأخذ الزيادة منهم. (وَلا تُظْلَمُونَ) أنتم بنقص شيء من رؤوس أموالكم. • قال ابن القيم: يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه فإنما لكم رؤوس أموالكم، لا تزادون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها.

стр. 860

• قال السعدي: فكل من تاب من الربا، فإن كانت معاملات سالفة، فله ما سلف، وأمره منظور فيه، وإن كانت معاملات موجودة، وجب عليه أن يقتصر على رأس ماله، فإن أخذ زيادة، فقد تجرأ على الربا. الفوائد: ١ - وجوب تقوى الله. ٢ - وجوب ترك الربا، وإن كان تم عقده. ٣ - أن ممارسة الربا تنافي الإيمان. ٤ - أن المصر على الربا معلن الحرب على الله. ٥ - عظم الربا لعظم عقوبته. ٦ - أنه يجب على من تاب إلى الله من الربا ألا يأخذ شيئاً مما استفاده من الربا.

стр. 861

(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)). [البقرة: ٢٨٠]. (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ) أي: صاحب إعسار لا يملك وفاء (فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَة) أي: فعليكم نظرة إلى ميسرة. • قال ابن كثير: أي: لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي. • قال السعدي: أي وإن كان الذي عليه الدين معسراً، لا يقدر على الوفاء، وجب على غريمه أن ينظره إلى ميسرة، وهو يجب عليه إذا حصل له وفاء بأي طريق مباح، أن يوفي ما عليه. • فالمدين له حالات: الحالة الأولى: إذا كان المدين معسراً لا يستطيع ولا يملك السداد. فإنه يجب على صاحب الحق أن ينظره ويحرم مطالبته. لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ). أي وإن وُجِدَ ذو عسرة (فنظرة) أي فعليكم نظرة إلى ميسرة. المعسر: هو الذي لا شيء عنده يسدد الدين. فهذا يجب انظاره ويحرم حبسه. الحالة الثانية: أن يكون عنده ما يسدد به. فهنا يجب عليه أن يسدده. لقوله ﷺ (مطل الغني ظلم) متفق عليه. (المطل) المنع، يعني منع ما يجب على الإنسان دفعه من دين. (الغني) القادر على الوفاء. فالحديث دليل على تحريم المماطلة بالحق، لقوله (ظلم)، فإذا كان ظلم وجب أن يزال، فإن أبى حبس بطلب صاحب الدين لأن الحق له. (وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأن تصدقوا على المدين، فتضعوا عنه دينه أو بعضه خير لكم في دنياكم وأخراكم. ففي الدنيا: سبب للبركة والزيادة في المال والألفة والأخوة. وفي الآخرة: سبب لمضاعفة الأجر والثواب الجزيل من الله. وقد جاءت الأدلة على استحباب التيسير على الموسر. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.

стр. 862

وعَنْ أبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: سمِعْتُ رسُول اللَّهِ ﷺ يقُولُ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّه مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواهُ مسلمٌ. وعنْ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ (كَانَ رجلٌ يُدايِنُ النَّاسَ، وَكَان يَقُولُ لِفَتَاهُ: إذا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجاوزْ عَنْهُ، لَعلَّ اللَّه أنْ يَتجاوزَ عنَّا فَلقِي اللَّه فَتَجاوَزَ عنْهُ) متفقٌ عَليهِ. وعنْ أبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه ﷺ (من أَنْظَر مُعْسِراً أوْ وَضَعَ لَهُ، أظلَّهُ اللَّه يَوْمَ القِيامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ) رواهُ الترمذيُّ وقَال حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. الفوائد: ١ - وجوب إنظار المعسر. ٢ - أن القادر على الوفاء يجب أن يسدد ما عليه. ٣ - حكمة الله بانقسام الناس إلى معسر وموسر. ٤ - فضل الإبراء أو الوضع من الدين وأنه صدقة. ٥ - تفاضل الأعمال. ٦ - فضيلة العلم.

стр. 863

(وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)). [البقرة: ٢٨١]. (وَاتَّقُوا يَوْماً) أي: يوم القيامة، ونكّر للتعظيم، أي: احذروا عذاب وأهوال يوم القيامة بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه. وقد أمر الله باتقاء ذلك اليوم في آيات كثيرة: فقال تعالى (واتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ). وقال تعالى (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ). (تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) أي: تردون إلى الله للحساب والجزاء. • فينبغي على المسلم أن يتذكر ذلك اليوم وأن يعمل الأسباب التي تنجيه من كربه وأهواله. وأسباب النجاة من كرب يوم القيامة كثيرة: منها: التنفيس عن المسلمين. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ) رواه مسلم. ومنها: إنظار المعسر أو الوضع عنه. قال ﷺ (من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينظر معسر أو يضع عنه) رواه مسلم ومنها: الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لوجه الله. قال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً).

стр. 864

(ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: تعطى كل نفس جزاء الذي كسبت تاماً وافياً غير منقوص، خيراً كان أو شراً. كما قال تعالى (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ). وقال تعالى (إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السموات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله). وقال تعالى (وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حاسبين). (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) فلا ينقص من ثوابهم شيئاً، ولا يزاد في عذابهم، ولا يعاقبون بجريرة غيرهم. قال تعالى (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ). • وقال القرطبي: قيل: إن هذه الآية نزلت قبل موت النبيّ ﷺ بتسع ليال ثم لم ينزل بعدها شيء؛ قاله ابن جُريج. الفوائد: ١ - وجوب اتقاء يوم القيامة، واتقاؤه يكون بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه. ٢ - أن التقوى قد تضاف لغير الله، وهذا في القرآن والسنة كثير، قال تعالى (واتقوا النار … ) لكن فرق بين التقويين، التقوى الأولى تقوى عبادة، وتذلل، والثانية تقوى وقاية فقط. ٣ - إثبات البعث. ٤ - أن مرجع الخلائق كلها إلى الله. ٥ - أن الإنسان لا يحاسب إلا على عمله. ٦ - ينبغي على الإنسان الحرص والجد بالأعمال الصالحة. [السبت: ٣/ ٤/ ١٤٣٣ هـ].

стр. 865

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)). [البقرة: ٢٨٢]. • هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم أن تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ) هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلا تَرْتَابُوا). • قوله تعالى (فَاكْتُبُوهُ) أمر منه تعالى بالكتابة [والحالة هذه] للتوثقة والحفظ، وهل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب؟ اختار ابن جرير الوجوب، والجمهور على الاستحباب. • وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد، وذلك إجماع على عدم وجوبهما، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين، والنبي ﷺ يقول بعثت بالحنيفية السهلة السمحة. (وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ) أي: بينكم أيها المتداينون، أي: بحضور الدائن والمدين، فلا تصح الكتابة بحضور أحد الطرفين دون الآخر، بالقسط والحق، ولا يَجُرْ في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. (وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سُئِل أن يكتبَ للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فَلْيتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث (إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخْرَق)، وفي الحديث الآخر (من كتم علمًا يَعْلَمه ألْجِمَ يوم القيامة بلجام من نار). وقال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب. (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقّ) أي: وليملل المدين (من عليه الحق) على الكاتب ما في ذمته من الدين، (نوعه، صفته، أجله وغير ذلك).

стр. 866

(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) الخطاب في هذه الجملة والتي بعدها للمملي، أي: وليتخذ وقاية من عذاب الله ربه، بأن لا يملي إلا حقاً، ولا يقول إلا صدقاً. • الإملاء ويقال الإملال. (وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) أي: لا ينقص من الحق الذي عليه شيئاً أيّاً كان، ومهما قل، لا في كميته، ولا في كيفيته، ولا في نوعه. (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً) أي: لا يحسن التصرف في ماله. (أَوْ ضَعِيفاً) أي: صغيرًا أو مجنوناً أو معتوهاَ. (أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ) أو لا يقدر أن يملي هو، لخرس في لسانه، أو لجهل، لا يعرف معه وجه الصواب ونحو ذلك. (فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) أي: فيملل قيّمه أو وكيله - من قريب كأب أو أخ أو جد أو ابن أو غيرهم - بالعدل من غير نقص أو زيادة. • قوله تعالى (وليه) أي: ولي هذا الإنسان الذي عليه الحق، وهذا ظاهر الآية. • قال هنا (بالعدل) لأن المملي هنا وهو الولي يتصور منه الزيادة والنقص، محاباة لهذا أو لهذا، بخلاف ما إذا كان المملي هو المدين، فإن المتصور منه النقص فقط ولهذا قال في حقه (ولا يبخس منه شيئاً). (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) أي: اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثقة. • لابد أن يكون الشاهد من المسلمين. (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) المعنى إن لم يأت الطالب برجلين فليأت برجل وامرأتين؛ هذا قول الجمهور. (قاله القرطبي). وقال قوم: بل المعنى فإن لم يكن رجلان، أي لم يوجدا فلا يجوز استشهاد المرأتين إلا مع عدم الرجال. • قال ابن عطية: وهذا ضعيف، فلفظ الآية لا يعطيه، بل الظاهر منه قول الجمهور، أي إن لم يكن المستشهد رجلين، أي إن أغفل ذلك صاحب الحق أو قصده لعذرٍ مّا فليستشهد رجلاً وامرأتين. فجعل تعالى شهادة المرأتين مع الرجل جائزة مع وجود الرجلين في هذه الآية، ولم يذكرها في غيرها، فأجيزت في الأموال خاصة في قول الجمهور، بشرط أن يكون معهما رجل.

стр. 867

وإنما كان ذلك في الأموال دون غيرها؛ لأن الأموال كثر الله أسباب تَوْثيقها لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلْوَى بها وتكررها؛ فجعل فيها التَوثُّق تارة بالكتْبَة وتارة بالإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان، وأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال. • قال ابن كثير: وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما جاء عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال (يا معشر النساء، تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكُن أكثر أهل النار، فقالت امرأة منهن جَزْلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: تُكْثرْنَ اللعن، وتكفُرْنَ العشير، ما رأيتُ من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن". قالت: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تَعْدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين). • وهذا أحد المواضع الخمسة التي تكون فيها الأنثى على النصف من الذكر وهي: الأول: العقيقة، فإنه عن الأنثى شاة، وعن الذكر شاتان عند الجمهور، وفيه عدة أحاديث صحاح وحسان. والثاني: الشهادة، فإن شهادة امرأتين بشهادة رجل. والثالث: الميراث، والرابع: الدية، والخامس: العتق. (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود. (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا) يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة، أي: لئلا تضل إحداهما فتذكر الأخرى. (فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى) أي: يحصل لها ذكرى بما وقع به الإشهاد، ولهذا قرأ آخرون: "فَتُذكر" بالتشديد من التذكار. • في هذا الحكمة في جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وهو كون المرأة عرضة للنسيان أكثر بسبب نقصان عقلها، وضعف حفظها وضبطها. • قال الرازي: المعنى أن النسيان غالب طباع النساء لكثرة البرد والرطوبة في أمزجتهن واجتماع المرأتين على النسيان أبعد في العقل من صدور النسيان على المرأة الواحدة فأقيمت المرأتان مقام الرجل الواحد حتى أن إحداهما لو نسيت ذكرتها الأخرى فهذا هو المقصود من الآية. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) وهذه حيطة أخرى من تحريف الشهادة وهي خشية الاشتباه والنسيانِ، لأنّ المرأة أضعف من الرجل بأصل الجبلّة بحسب الغالب، والضلال هنا بمعنى النسيان. (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) قيل: معناه: إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله (وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ) ومن هاهنا استفيد أن تَحَمّل الشهادة فرض كفاية. وقيل -وهو مذهب الجمهور -: المراد بقوله (وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا) للأداء، لحقيقة. وهذا واجب وقد قال تعالى (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه).

стр. 868

• قوله (الشُّهَدَاء) والشاهد حقيقة فيمن تحمَّل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية. (وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ) هذا من تمام الإرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال (وَلا تَسْأَمُوا) أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة (إلى أجله) أي: إلى وقت حلوله، لأن في الكتابة ضبط الدين، والقضاء على أسباب الاختلاف. (ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلاً هو: أولاً: (أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: أعدل، وإنما كان هذا أعدل عند الله، لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين والصدق أقرب، وعن الجهل والكذب أبعد، فكان أعدل عند الله وهو كقوله تعالى (ادعوهم لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله) أي أعدل عند الله، وأقرب إلى الحقيقة من أن تنسبوهم إلى غير آبائهم. ثانياً: (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ) أي: أقرب وأعدل لإقامة الشهادة، وأكمل وأصوب وأضبط لها، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا. ثالثاً: (وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا) وأقرب إلى عدم الريبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة. (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا) أي: إذا كان البيع بالحاضر يداً بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.

стр. 869

(وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ) وتقدم أن هذا الأمر للاستحباب. • قال ابن كثير: وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب، لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خُزَيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد عن عمَارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ ، فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتَعْه، وإلا بعتُه، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: أو ليس قد ابتعته منك؟ " قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ : بل قد ابتعته منك، فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هَلُم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًا، حتى جاء خزَيْمة، فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسولُ الله ﷺ شهادة خُزَيمة بشهادة رجلين). (وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) أي: لا يضارر كاتب في كتابته، فيكتب غير ما يُملي، أو يمتنع من الكتابة مضارة للمملي أو لغيره. ولا يضار شهيد في شهادته، فيشهد بخلاف ما رأى وسمع، وبخلاف الحق، أو يمتنع من تحمل الشهادة، أو أدائها أو يكتمها مضارة للمشهود له. • قال الرازي: قوله تعالى (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ) اعلم أنه يحتمل أن يكون هذا نهياً للكاتب والشهيد عن إضرار من له الحق، أما الكاتب فبأن يزيد أو ينقص أو يترك الاحتياط، وأما الشهيد فبأن لا يشهد أو يشهد بحيث لا يحصل معه نفع، ويحتمل: أن يكون نهياً لصاحب الحق عن إضرار الكاتب والشهيد، بأن يضرهما أو يمنعهما عن مهماتهما. والأول: قول أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة، والثاني: قول ابن مسعود وعطاء ومجاهد. (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) أي: إن خالفتم ما أمرتم به، وفعلتم ما نَهِيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه.

стр. 870

(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره. • قال ابن عاشور: أمر بالتّقوى لأنّها مِلاك الخير، وبها يكون ترك الفسوق. (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) أي: ويبين لكم الواجب لكم وعليكم. كقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)، وكقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ). • وقال القرطبي: وعدٌ من الله تعالى بأن من اتقاه علّمه، أي يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يلقى إليه؛ وقد يجعل الله في قلبه ابتداء فرقاناً، أي فيْصَلا يفصل به بين الحق والباطل؛ ومنه قوله تعالى (يِا أَيُّهَا الذين آمنوا إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً). (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات. الفوائد: ١ - تصدير الخطاب للمؤمنين بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام بما تضمنته هذه الآية. ٢ - جواز التعامل بالدين كما في هذه الآية، وكقوله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) وأجمعت الأمة على جوازه، والحكمة تقتضي ذلك في جانب المدين والدائن: ففي جانب المدين: لأن الإنسان قد يحتاج شيئاً فلا يملك المال ليشتريه، فيستدين من أجل ذلك، ففيه سد حاجة المحتاج بطريق مشروع، بدلاً من طرق محرمة. وأما في جانب الدائن: فقد يكون الديْن سبباً لتصريف كثير من التجار لبضائعهم وسلعهم، وأيضاً لما فيه من الثواب والأجر والقرض الحسن، وأيضاً فيه مظهر عظيم من مظاهر التعاون. ٣ - أن الأجل في الدين لابد أن يكون معلوماً محدداً، فأما إذا كان مجهولاً فلا يجوز. لقوله تعالى ( .. إلى أجل مسمى .. ). ولقوله ﷺ (من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، … إلى أجل معلوم) متفق عليه. ولحديث أبي هريرة (أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر) رواه مسلم. ولأن جهالة الأجل تؤدي إلى الغرر وإلى النزاع بين البائع والمشتري. ٤ - مشروعية كتابة الدين لقوله (فاكتبوه) وقد ذهب بعض العلماء إلى وجوبه، لأن هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وذهب جمهور العلماء إلى أن كتابة الدين مستحبة وليست بواجبة، وحملوا الأمر في الآية على الاستحباب بدليل قوله تعالى (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه ابتاع بلا كتابة ولا إشهاد كما في حديث خزيمة بن ثابت وسيأتي إن شاء الله. ٥ - حضور كل من الدائن والمدين عند كتابة الدين لقوله تعالى (وليكتب بينكم). ٦ - يجب أن يكون الكاتب بين المتداينين عدلاً، بحيث يكتب بالعدل المطابق للواقع، الموافق للشرع من غير ميل لأحدهما. ٧ - ظاهر الآية أن الكاتب لا يكون أحد المتعاقدين، لكن لو تراضيا أن يكتب أحدهما وبخاصة الذي عليه الحق صح ذلك، لأن ذلك بمثابة الاعتراف منه والاقرار على نفسه.

стр. 871

٨ - ينبغي لمن منّ الله عليه، فعلمه الكتابة وصنعتها، والعلم الشرعي فيها أن لا يمتنع عن الكتابة لمن يحتاج إليها. ٩ - نعمة الله على عباده بتعليمهم الكتابة. ١٠ - يجب على الكاتب أن يكتب وفق ما علمه الله من الشرع. ١١ - أن الذي ينبغي أن يملي على الكاتب هو المدين الذي عليه الحق لا الدائن. ١٢ - أن الإقرار من أعظم الطرق التي تثبت بها الحقوق، لأن ما يمليه المدين إقرار منه واعتراف. ١٣ - يجب على المدين الذي عليه الحق أن يتقي الله ربه، فلا يملي إلا حقاً ولا يقول إلا صدقاً. ١٤ - وجوب تقوى الله. ١٥ - أن تقوى الله مانعة من الحرام. ١٦ - ينبغي تذكير الناس بتقوى الله عند كل معاملة يتعاملون بها. ١٧ - ثبوت الولاية على من لا يحسن التصرف. ١٨ - حرص الشريعة على حقوق الضعفاء كالسفهاء والصغار والمجانين. ١٩ - حرص الشريعة على حفظ الحقوق. ٢٠ - مشروعية كتابة الإشهاد على الدين مع الكتابة لزيادة التوثقة لقوله (واستشهدوا). ٢١ - لابد في الشهادة على الديْن ونحوه من شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين. ٢٢ - أن شهادة الرجلين أولى من شهادة رجل وامرأتين، لتقديم شهادة الرجلين في الآية. ٢٣ - تفضيل الرجال على النساء في الشهادة من حيث العموم، وذلك لما ميز الله به الرجال من كمال العقل والدين قوة الحفظ والضبط. ٢٤ - يشترط في الشاهد أن يكون عدلاً. لقوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ). ولأن غير العدل لا يؤمن أن يشهد على غيره بالزور. والعدل عرفه السعدي بقوله (من رضيه الناس) لهذه الآية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فكل مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، وقال السعدي في كتاب (بهجة قلوب الأبرار) وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره. وقيل: العدالة: هي الصلاح في الدين: بفعل الأوامر واجتناب النواهي. واستعمال المروءة بفعل ما يزينه وترك ما يشينه.

стр. 872

٢٥ - يشترط في الشاهد أن يكون بالغاً. لقوله تعالى (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) والصبي لا يسمى رجلاً. ولأن الصبي لا يقبل قوله على نفسه، فلأن لا يقبل قوله على غيره بطريق الأولى. والمراد أنه لا يقبل أداؤه للشهادة، أما لو تحملها وهو صغير وعَقَل ما تحمله، وشهد به بعد بلوغه صحت شهادته. ٢٦ - يشترط في الشاهد أن يكون أيضاً مسلماً. لقوله تعالى (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) والكافر ليس نرضاه. ولقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) وإذا كان الفاسق يجب علينا اليقين في خبره، فما بالك بالكافر (فالكافر محل الخيانة). ولقوله تعالى (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) والكافر ليس منا. ٢٧ - بيان الحكمة في جعل شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد، وهو نقصان عقلها، وضعف حفظها وضبطها، وكمال عقل الرجل، وقوة حفظه وضبطه، فالمرأة عرضة للنسيان أكثر من الرجل من حيث العموم. ٢٨ - لابد أن تكون الشهادة عن علم ويقين. ٢٩ - تحريم الامتناع من الشهادة تحملاً وأداء ممن دعي إليها. (وستأتي مباحثها إن شاء الله). ٣٠ - التأكيد على مشروعية كتابة الدين إلى أجله. ٣١ - حرص الشريعة الإسلامية بإبعاد المسلمين عن كل ما يؤدي إلى النزاع والشك والخصومات. ٣٢ - إباحة التجارة. ٣٣ - لا حرج في عدم كتابة التجارة الحاضرة. ٣٤ - لا يجوز أن يضار كاتب فيكتب خلاف ما يُملى عليه وخلاف الحق، ولا يجوز أن يضار شهيد فيشهد بخلاف ما رأى أو سمع. ٣٥ - تحريم الضرر بين المسلمين. ٣٦ - وجوب تقوى الله. ٣٧ - أن تقوى الله سبب للعمل بأوامر الله وترك نواهيه. ٣٨ - أن الأصل في الإنسان الجهل وعدم العلم إلا بتعليم الله له كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). ٣٩ - إثبات علم الله الواسع المحيط بكل شيء. ٤٠ - أن من أسباب تحصيل العلم تقوى الله.

стр. 873

(وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)). [البقرة: ٢٨٣]. (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ) أي: وإن كنتم مسافرين، وتداينتم حال السفر بدين إلى أجل مسمى (وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِباً) يكتب الدين بينكم، ومثل هذا إذا لم تجدوا أدوات الكتابة كالقرطاس والقلم ونحو ذلك. (فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) أي: فعليكم برهان مقبوضة يقبضها الدائن وهو (المرتهن) يأخذها من الراهن وهو المدين. • والرهن: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها. • قال ابن عاشور: هذا معطوف على قوله (إذا تداينتم بدَين وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ) الآية، فجميع ما تقدّم حكم في الحضر والمُكنة، فإن كانوا على سفر ولم يتمكّنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شُرع لهم حكم آخر وهو الرهن، وهذا آخر الأقسام المتوقّعة في صور المعاملة، وهي حالة السفر غالباً، ويلحق بها ما يماثل السفر في هذه الحالة. • وقال القرطبي: لمّا ذكر الله تعالى النَّدْب إلى الإشهاد والكتْب لمصلحة حفظ الأموال والأدّيَان، عقّب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتْب، وجعل لها الرهن، ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر. • والسفر: هو الضرب في الأرض والسير فيها، سمي السفر سفراً لأنه خروج من البلد ومحل الإقامة إلى حيث السفر والنور. ومثل هذا إذا كان الدين في الحضر ولم يجدوا كاتباً، وإنما خص السفر، لأنه مظنة عدم وجود الكاتب، أما الحضر فيندر فيه عدم وجود الكاتب. • قال ابن الجوزي: إنما خص السفر، لأن الأغلب عدم الكاتب، والشاهد فيه ومقصود الكلام: إذا عدمتم التوثق بالكتاب، والإشهاد، فخذوا الرهن. (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) أي: فإن أمِن بعضكم بعضاً ولم تكتبوا الديْن ولم تشهدوا عليه. (فلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) أي: فليؤد المدين الذي ائتمنه الدائن (أَمَانَتَهُ) أي: الذي ائتمن عليه من الدين وغيره.

стр. 874

(وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) تذكير بتقوى الله، فلا ينكر ما ائتمن عليه من دين وغيره، ولا يبخس منه شيئاً أو يماطل في أدائه. • قال ابن عاشور: وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدَّين في الذمّة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأنّ اسم الأمانات له مهابَة في النفوس، فذلك تحذير من عدم الوفاء به؛ لأنّه لما سمّي أمانة فعدم أدائه ينعكس خِيانة؛ لأنّها ضدّها، وفي الحديث: أدِّ الأمَانَة إلى من ائتَمنك ولا تَخن من خانك. • قال الرازي: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) أي: هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق، وفي أن يؤديه إليه عند حلول الأجل، وفي الآية قول آخر، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده، والوجه هو الأول. • استدل بالآية من قال بجواز الرهن حال السفر فقط، وذهب جماهير العلماء إلى جوازه في الحضر والسفر. قال جمهور من العلماء: الرّهْنُ في السفر بنص التنزيل، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول ﷺ ، وهذا صحيح. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أنّ النبيّ ﷺ اشترى من يهودي طعاماً إلى أجلٍ ورهنه دِرعاً له من حديد. وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال (توفى رسول الله ﷺ ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهوديّ بِثلاثين صاعاً من شعير لأهله). (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ) أي: لا تخفوها وتجحدوا ما شهدتم به، بإنكار الشهادة أصلاً، أو بالتغيير فيها أو التبديل، بزيادة أو نقصان أو غير ذلك. (وَمَنْ يَكْتُمْهَا) بإخفاء أو بتغيير أو تبديل. (فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) أي: آثم بفعل ذلك. وهذه كقوله تعالى (وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ).

стр. 875

وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا). • وأضاف الإثم إلى القلب، لأن الشهادة أمر خفي راجع إلى القلب. (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) تحذير من الإقدام على هذا الكتمان، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر الله تعالى، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (والله بما تعملون عليم) تهديد، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع؛ لأنّ القادر لا يحُول بينه وبين المؤاخذة إلاّ الجهل فإذا كان عليماً أقام قسطاس الجزاء. الفوائد: ١ - أنه إذا لم يجد كاتباً في السفر فإنه يوثق الحق بالرهن المقبوض. ٢ - جواز الرهن، وجمهور العلماء على جوازه حضراً وسفراً. ٣ - أنه إذا حصل الائتمان من بعضهما لم يجب رهن ولا إشهاد ولا كتابة. ٤ - وجوب أداء الأمانة. ٥ - تحريم كتمان الشهادة. ٦ - أن كتمان الشهادة من الكبائر. ٧ - وجوب الاهتمام بصلاح القلب. ٨ - عموم علم الله تعالى بكل شيء نعمله. ٩ - التهديد لمن يكتم الشهادة، فإن الله عالم به.

стр. 876

(لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)). [البقرة: ٢٨٤]. عن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول الله ﷺ (للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله … ) اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَابِ رَسُول الله ﷺ ، فَأتَوا رَسُول الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أيْ رسولَ الله، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ والجِهَادَ والصِّيامَ والصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها. قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا سَمِعنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ) فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا القومُ، وَذَلَّتْ بِهَا ألْسنَتُهُمْ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير) فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأنزَلَ الله (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَ) قَالَ: نَعَمْ (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قَالَ: نَعَمْ (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه) قَالَ: نَعَمْ (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين) قال: نَعَمْ) رواه مسلم. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا». قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ). رواه مسلم (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً. • قال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم: قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً).

стр. 877

وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). • وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين: الأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك. الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائناً من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك. • والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد: أولاً: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء .. يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب). ثانياً: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه. ثالثاً: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ). وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون .. ) رواه مسلم. (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: وإن تظهروا الذي في صدوركم وقلوبكم من المعتقدات والمضمرات والسرائر. (أَو تُخْفُوهُ) أي: أو تسروه وتضمروه.

стр. 878

(يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: يُطلعكم عليه، ويخبركم به ويظهره لكم، لأنه لا تخفى عليه خافية، فالسر والعلانية عنده سواء. قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وقال تعالى (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ). وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى). وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). • ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة. كما تقدم في حديثي أبي هريرة وابن عباس، وهذا جاء عن ابن عمر وابن عباس، فقد روى البخاري عن ابن عمر أنه قال فيها: نسختها الآية التي بعدها. • قال ابن الجوزي: وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد. ورجحه في التسهيل، وقال: والصحيح التأويل الأوّل لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضاً عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إنّ الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أنّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر. وذهب بعضهم إلى أنها غير منسوخة، وإنما هي في حق كاتم الشهادة. ومن العلماء من قال: إن المنسوخ منها ما يتعلق بحديث النفس والوساوس والشكوك لقوله ﷺ (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها مالم تعمل أو تكلم). ومن العلماء من قال: لم تنسخ، ولكن لا يلزم من المحاسبة المؤاخذة. وقال الضّحاك: يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. وفي الخبر: إن الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يومٌ تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كُتَّابي لم يكتبوا إلاَّ ما ظهر من أعمالكم وأنا المطّلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يُخْبُروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأُحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النجوى: عن ابن عمر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) متفق عليه. وقال الثعالبي: ورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.

стр. 879

وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ، أشفَقَ الصحابةُ، والنبيُّ ﷺ فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ؛ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها. (فَيَغْفِرُ) برحمته. (لِمَنْ يَشَاءُ) من العصاة. (وَيُعَذِّبُ) بعدله. (مَنْ يَشَاءُ) من عباده. • يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. • قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يعجزه شيء سبحانه، كما قال تعالى (ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً). ومن قدرته أنه سبحانه: يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، وينسخ من الأحكام ما يشاء ويبقي ما يشاء، كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). • وناسب ختم الآية بقوله تعالى (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأن محاسبته للعباد على ما يبدون وما يخفون، ومغفرته لمن يشاء وتعذيبه لمن يشاء منهم، إنما يحصل ذلك يوم البعث والمعاد، الذي هو من أعظم الدلائل على كمال قدرته الفوائد: ١ - عموم ملك الله تعالى. ٢ - أن الله لا شريك له في ذلك الملك. ٣ - إثبات صفات الكمال لله تعالى. ٤ - الرضا بقضاء الله وقدره، لأننا ملك له تعالى. ٥ - عموم علم الله تعالى وسعته. ٦ - تحذير العبد من أن يخفي في قلبه مالا يرضي الله. ٧ - إثبات الحساب. ٨ - إثبات المشيئة لله تعالى. ٩ - إثبات القدرة لله وعمومها.

стр. 880

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)) [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦]. جاءت الأحاديث بفضل هاتين الآيتين: أ-عن أَبي مسعودٍ البَدْرِيِّ ﵁، عن النبي ﷺ قَالَ (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) متفقٌ عَلَيْهِ. قيل: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ. وقال ابن حجر: قيل: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن. وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها. وقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً. وقيل معناه كفتاه كل سوء. وقيل: كفتاه شر الشيطان. وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن. وقال النووي: قيل معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان وقيل من الآفات ويحتمل من الجميع. وقال ابن القيم: الصحيح: أن معناها كفتاه من شر ما يؤذيه، وقيل: كفتاه من قيام الليل، وليس بشيء. ب-وعن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ (بَيْنَمَا جِبْريلُ ﵇ قَاعِدٌ عِنْدَ النبي ﷺ سَمِعَ نَقيضاً مِنْ فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلاَّ اليَوْمَ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ، فقالَ: هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلاّ اليومَ فَسَلَّمَ وقال: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلاَّ أُعْطِيتَه). رواه مسلم ج-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) قَالَ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثاً: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئاً الْمُقْحِمَاتُ) رواه مسلم. (الْمُقْحِمَاتُ) الكبائر من الذنوب التي تقحم صاحبها في النار أي تلقيه فيها. د-وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش) رواه أحمد. هـ-وعن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان) رواه الترمذي و ابن حبان.
следующие страницы →