← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

(لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)). [البقرة: ٢٨٤]. عن أَبي هريرة ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُول الله ﷺ (للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله … ) اشْتَدَّ ذلِكَ عَلَى أصْحَابِ رَسُول الله ﷺ ، فَأتَوا رَسُول الله ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أيْ رسولَ الله، كُلِّفْنَا مِنَ الأَعمَالِ مَا نُطِيقُ: الصَّلاةَ والجِهَادَ والصِّيامَ والصَّدَقَةَ، وَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هذِهِ الآيَةُ وَلا نُطيقُها. قَالَ رَسُول الله ﷺ : (أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكتَابَينِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا سَمِعنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ) فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا القومُ، وَذَلَّتْ بِهَا ألْسنَتُهُمْ أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى في إثرِهَا: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير) فَلَمَّا فَعَلُوا ذلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأنزَلَ الله (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَ) قَالَ: نَعَمْ (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قَالَ: نَعَمْ (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه) قَالَ: نَعَمْ (وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين) قال: نَعَمْ) رواه مسلم. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) قَالَ دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا». قَالَ فَأَلْقَى اللَّهُ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ (وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا) قَالَ قَدْ فَعَلْتُ). رواه مسلم (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً. • قال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً. وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم: قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً).

стр. 877

وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). • وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين: الأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك. الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائناً من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك. • والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد: أولاً: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء .. يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ). ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب). ثانياً: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه. ثالثاً: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ). وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون .. ) رواه مسلم. (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: وإن تظهروا الذي في صدوركم وقلوبكم من المعتقدات والمضمرات والسرائر. (أَو تُخْفُوهُ) أي: أو تسروه وتضمروه.

стр. 878

(يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) أي: يُطلعكم عليه، ويخبركم به ويظهره لكم، لأنه لا تخفى عليه خافية، فالسر والعلانية عنده سواء. قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وقال تعالى (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ). وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى). وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). • ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة. كما تقدم في حديثي أبي هريرة وابن عباس، وهذا جاء عن ابن عمر وابن عباس، فقد روى البخاري عن ابن عمر أنه قال فيها: نسختها الآية التي بعدها. • قال ابن الجوزي: وهذا قول ابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس في رواية، والحسن، والشعبي، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد. ورجحه في التسهيل، وقال: والصحيح التأويل الأوّل لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضاً عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إنّ الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أنّ النسخ إنما وقع في المؤاخذة والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر. وذهب بعضهم إلى أنها غير منسوخة، وإنما هي في حق كاتم الشهادة. ومن العلماء من قال: إن المنسوخ منها ما يتعلق بحديث النفس والوساوس والشكوك لقوله ﷺ (إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها مالم تعمل أو تكلم). ومن العلماء من قال: لم تنسخ، ولكن لا يلزم من المحاسبة المؤاخذة. وقال الضّحاك: يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه. وفي الخبر: إن الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يومٌ تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كُتَّابي لم يكتبوا إلاَّ ما ظهر من أعمالكم وأنا المطّلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يُخْبُروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأُحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين، وهذا أصح ما في الباب، يدل عليه حديث النجوى: عن ابن عمر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُولُ هَلْ تَعْرِفُ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ. قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ) متفق عليه. وقال الثعالبي: ورجَّح الطبريُّ أنَّ الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.

стр. 879

وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطرُ، أشفَقَ الصحابةُ، والنبيُّ ﷺ فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ؛ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها. (فَيَغْفِرُ) برحمته. (لِمَنْ يَشَاءُ) من العصاة. (وَيُعَذِّبُ) بعدله. (مَنْ يَشَاءُ) من عباده. • يعني أنه ليس لأحد عليه حق يوجب عليه أن يغفر له، وليس لأحد عليه حق يمنعه من أن يعذبه، بل الملك له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. • قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة. (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فلا يعجزه شيء سبحانه، كما قال تعالى (ومَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً). ومن قدرته أنه سبحانه: يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، وينسخ من الأحكام ما يشاء ويبقي ما يشاء، كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). • وناسب ختم الآية بقوله تعالى (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لأن محاسبته للعباد على ما يبدون وما يخفون، ومغفرته لمن يشاء وتعذيبه لمن يشاء منهم، إنما يحصل ذلك يوم البعث والمعاد، الذي هو من أعظم الدلائل على كمال قدرته الفوائد: ١ - عموم ملك الله تعالى. ٢ - أن الله لا شريك له في ذلك الملك. ٣ - إثبات صفات الكمال لله تعالى. ٤ - الرضا بقضاء الله وقدره، لأننا ملك له تعالى. ٥ - عموم علم الله تعالى وسعته. ٦ - تحذير العبد من أن يخفي في قلبه مالا يرضي الله. ٧ - إثبات الحساب. ٨ - إثبات المشيئة لله تعالى. ٩ - إثبات القدرة لله وعمومها.

стр. 880

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)) [البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦]. جاءت الأحاديث بفضل هاتين الآيتين: أ-عن أَبي مسعودٍ البَدْرِيِّ ﵁، عن النبي ﷺ قَالَ (مَنْ قَرَأَ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخر سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ) متفقٌ عَلَيْهِ. قيل: كَفَتَاهُ الْمَكْرُوهَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ قِيامِ اللَّيْلِ. وقال ابن حجر: قيل: أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن. وقيل: أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها. وقيل: معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالاً. وقيل معناه كفتاه كل سوء. وقيل: كفتاه شر الشيطان. وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن. وقال النووي: قيل معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان وقيل من الآفات ويحتمل من الجميع. وقال ابن القيم: الصحيح: أن معناها كفتاه من شر ما يؤذيه، وقيل: كفتاه من قيام الليل، وليس بشيء. ب-وعن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ (بَيْنَمَا جِبْريلُ ﵇ قَاعِدٌ عِنْدَ النبي ﷺ سَمِعَ نَقيضاً مِنْ فَوقِهِ، فَرَفَعَ رَأسَهُ، فَقَالَ: هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ وَلَمْ يُفْتَحْ قَطٌّ إِلاَّ اليَوْمَ، فنَزلَ منهُ مَلكٌ، فقالَ: هذا مَلكٌ نَزلَ إلى الأرضِ لم ينْزلْ قطّ إلاّ اليومَ فَسَلَّمَ وقال: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤتَهُمَا نَبيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وَخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهَا إِلاَّ أُعْطِيتَه). رواه مسلم ج-وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (لَمَّا أُسْرِىَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ إِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِى مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقِهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا قَالَ (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) قَالَ فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثاً: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئاً الْمُقْحِمَاتُ) رواه مسلم. (الْمُقْحِمَاتُ) الكبائر من الذنوب التي تقحم صاحبها في النار أي تلقيه فيها. د-وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش) رواه أحمد. هـ-وعن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال (إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان) رواه الترمذي و ابن حبان.

стр. 881

(آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) أي: بالذي أنزل إليه من ربه من الوحي وهو القرآن والسنة المطهرة. والمراد بالرسول هنا: محمد ﷺ . • وفي هذه ثناء من الله على رسوله ﷺ والمؤمنين. (وَالْمُؤْمِنُونَ) عطف على الرسول، أي: وآمن المؤمنون الذين حققوا الإيمان بما أنزل إليه ﷺ من ربه من الوحي، وانقادوا لذلك ظاهراً وباطناً. (كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ) أي: كل من الرسول ﷺ والمؤمنون آمن بالله. والإيمان بالله يتضمن عدة أمور: الأمر الأول: الإيمان بوجود الله دون شك ولا ريب. وقد دل على وجوده سبحانه الفطرة والعقل والشرع والحس. أما الفطرة: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، وقد قال ﷺ (ما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجسانه) متفق عليه. وأما العقل: فلأن هذه الموجودات والمخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجد بنفسها، لأن الشيء لا يخلق نفسه، ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لابد له من محدِث، وكل موجود لابد له من موجِد. (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ). وأما الحس: فإننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين وغوث المكروبين ما يدل دلالة قاطعة على وجوده . قال تعالى (وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ). وعن أنس (أن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال: يا رسول الله! هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا فثار السحاب ونزل المطر … ) متفق عليه. وأما دلالة الشرع: فلأن الكتب السماوية كلها ناطقة بذلك. الأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله تعالى. أي: بأنه الرب لا شريك له ولا معين، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله، فهو خالق كل شيء ومالكه ومدبره قال تعالى (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ).

стр. 882

وقال تعالى (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ). وقال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). الأمر الثالث: الإيمان بألوهيته. أي: بأنه الإله الحق لا شريك له، فكل من اتخذ إلهاً مع الله فألوهيته باطلة. قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ). الأمر الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. أي: إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو وصفه به رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال تعالى (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). [وسيأتي مزيد بحث لهذا الأمر إن شاء الله]. (وَمَلائِكَتِهِ) الملائكة: عالم غيبي خلقوا من نور، جعلهم الله طائعين له متذللين له. والإيمان بهم يتضمن عدة أمور: أولاً: الإيمان بوجودهم، فمن أنكر وجودهم فهو كافر لأنه مكذب لله ولرسوله. ثانياً: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم كجبريل وإسرافيل ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً. ثالثاً: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل، فقد أخبر النبي ﷺ أنه رآه على صفته التي خلقه الله عليها وله ستمائة جناح وقد سد الأفق. رابعاً: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى كتسبيحه والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور.

стр. 883

(وَكُتُبِهِ) الإيمان بالكتب: هو التصديق الجازم بأن لله كتباً أنزلها على أنبيائه ورسله، وهي من كلامه حقيقة، وأنها نور وهدى، وأن ما تضمنته حق وصدق، ولا يعلم عددها إلا الله، وأنه يجب الإيمان بها مجملة إلا ما سمي منها وهي: التوراة أنزلت على موسى، والإنجيل أنزلت على عيسى، والزبور أنزلت على داود، والقرآن أنزل على محمد ﷺ . قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً). (وَرُسُلِهِ) الإيمان بالرسل يتضمن عدة أمور: أولاً: أن رسالتهم حق من عند الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر برسالة الجميع. كما قال تعالى (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل، مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه. ثانياً: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، وقد ذكر الله في كتابه خمسة وعشرين نبياً ورسولاً، وأما ما لم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً، فالله أرسل رسلاً لم يقصصهم علينا ولا يعلم عددهم إلا الله قال تعالى (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً). ثالثاً: الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به، وأنهم بينوا بياناً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليه جهله قال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ). (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ) فالمؤمنون يصدقون بجميع الأنبياء والرسل، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مَهْديون هادون إلى سُبُل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نُسخ الجميع بشرع محمدّ ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين. وهذا بخلاف الذين قال الله عنهم (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً).

стр. 884

(وَقَالُوا) أي: وقال الرسول والمؤمنون. (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي: سمعنا ما أمرتنا به، وما نهيتنا عنه (وَأَطَعْنَا) أي: وانقدنا لذلك بجوارحنا فعلاً للمأمورات وتركاً للمحظورات. • فالفرق بين السمع والطاعة، أن السمع هو القبول، والطاعة هي الامتثال والانقياد. وهكذا صفات أهل الإيمان أن يقولوا سمعنا وأطعنا، كما قال تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وقال عنهم (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا). بخلاف المكذبين من اليهود وغيرهم الذين قال الله عنهم (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا). وقال تعالى عنهم (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ). (غُفْرَانَكَ رَبَّنَا) أي: نسألك غفرانك، والمغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه. (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) أي: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب. كما قال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ). وقال تعالى (وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ). وقال تعالى (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ). (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم. كما قال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا). وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). وقال تعالى (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ). وقال تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ). وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة، في قوله (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) أي: هو وإن حاسب وسأل لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يمكن دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان. (لَهَا مَا كَسَبَتْ) أي: من خير. (وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) أي: من شر. • قال في التسهيل: وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع العبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر العبد، وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشرّ اكتسبت، لأنّ في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل، فالسيئات فاعلها يتكلف مخافة أمر الله، ويتعدّاه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادّة من غير تكلف، أو لأنّ السيئات يجدّ في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولا لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال.

стр. 885

(رَبَّنَا) أي: ربنا. (لا تُؤَاخِذْنَا) أي: لا تعاقبنا. (إِنْ نَسِينَا) النسيان: ذهول القلب عن شيء معلوم. • قال ابن كثير: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك. (أَوْ أَخْطَأْنَا) الخطأ: الوقوع في المخالفة من غير قصد، إما لجهل أو غير ذلك. وفي حديث أبي هريرة: قال الله تعالى: نعم، وفي حديث ابن عباس: قال الله: قد فعلت. وفي الحديث (إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه. (رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) أي: لا تكلّفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثتَ نبيَك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به، من الدين الحنيف السهل السمح. وقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: قال الله: نعم. وعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: قال الله: قد فعلت. • قال ابن تيمية: أي: لا تكلفنا من الآصار التي يثقل حملها ما كلفته من قبلنا، فإنا أضعف أجساداً، وأقل احتمالاً، وهذا في الأمر والنهي والتكليف. • الإصر: الشيء الثقيل الشاق الذي يعجز الإنسان عن تحمله من الأوامر والنواهي والتكاليف الشرعية. قوله تعالى (كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) (الكاف) للتشبيه، بمعنى (مثل) أي: مثل الذي حملته على الذين من قبلنا من اليهود والنصارى وغيرهم. • من ذلك أن الله جعل من شروط قبول توبة بني إسرائيل قتل أنفسهم، أي: قتل بعضهم بعضاً، حتى إن الرجل يقتل أخاه وأباه، قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). • والحكمة من قوله (كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا) تذكير الأمة بعظيم فضل الله عليها، وما ميزها به من بين الأمم. (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي: من التكليف والمصائب والبلاء، لا تبتلينا بما لا قبل لنا به. (وَاعْفُ عَنَّا) أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا. (وَاغْفِرْ لَنَا) أي: تجاوز عما ارتكبنا من المنهيات.

стр. 886

(وَارْحَمْنَا) برحمتك الواسعة. • قال في التسهيل: قوله تعالى (واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ) ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق أنّ العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة تجمع ذلك مع التفضيل بالإنعام. • قال ابن كثير: (وارحمنا) أي: فيما يُسْتَقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. (أَنْتَ مَوْلانَا) أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التّكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك. • والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصة، وهي ولاية الله للمؤمنين كما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) وقال سبحانه (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ). (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك، وأشركوا معك في عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس: "قال الله: قد فعلت". • فنعم المولى ﵎ ونعم النصير لمن عبده وتوكل عليه واعتصم به. قال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). وقال تعالى (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). وقال تعالى (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ). • قال ابن عاشور: ووجه الاهتمام بهذه الدعوة أنّها جامعة لخيري الدنيا والآخرة؛ لأنّهم إذا نصروا على العدوّ، فقد طاب عيشهم وظهر دينهم، وسلموا من الفتنة، ودخل الناس فيه أفواجاً.

стр. 887

الفوائد: ١ - أن محمد مكلف بالإيمان بما أنزل إليه. ٢ - أن القرآن كلام الله. ٣ - أن القرآن منزل غير مخلوق. ٤ - إثبات علو الله. ٥ - إثبات رسالة النبي ﷺ . ٦ - إثبات الملائكة. ٧ - أن من صفات المؤمنين السمع والطاعة. ٨ - أن كل أحد محتاج إلى مغفرة الله. ٩ - أن المرجع والمصير إلى الله. ١٠ - إثبات البعث. ١١ - بيان رحمة الله بعباده. ١٢ - أنه لا واجب مع العجز. ١٣ - يسر الدين الإسلامي. ١٤ - أن للإنسان ما كسب دون نقصان. ١٥ - رفع المؤاخذة بالنسيان. ١٦ - أن النسيان وارد على البشر. ١٧ - امتنان الله على هذه الأمة برفع الآصار. ١٨ - سؤال الله العافية. ١٩ - أن المؤمن لا ولي له إلا الله. ٢٠ - أنه يجب اللجوء إلى الله. ١١/ ٤/ ١٤٣٣ هـ

стр. 888

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة آل عمران جمع وإعداد سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 889

مقدمة سورة آل عمران سورة مدنية. قال ابن عاشور: وهذه السورة نزلت بالمدينة بالاتفاق. والفرق بين المدني والمكي: الاعتبار بالزمن، فما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وما نزل بعد الهجرة فهو مدني. فضائلها: عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ (اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه اقرءوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة) رواه مسلم. • سميت السورة بـ " آل عمران " لورود ذكر قصة تلك الأسرة الفاضلة " آل عمران "، وعمران هو والد مريم (أم عيسى)، وما تجلى فيها من مظاهر القدرة الإلهية، بولادة السيدة مريم البتول وابنها عيسى ﵉. • أغراض السورة: أولاً: بالتنويه بالقرآن، ومحمد ﷺ ، وتقسيم آيات القرآن، ومراتب الأفهام في تلقيها. ثانياً: والتنويه بفضيلة الإسلام وأنه لا يعدله دين، وأنه لا يقبل دين عند الله، بعد ظهور الإسلام، غير الإسلام. ثالثاً: والتنويه بالتوراة والإنجيل، والإيماء إلى أنهما أنزلا قبل القرآن، تمهيدا لهذا الدين فلا يحق للناس أن يكفروا به. رابعاً: وعلى التعريف بدلائل إلهية الله تعالى، وانفراده، وإبطال ضلالة الذين اتخذوا آلهة من دون الله: من جعلوا له شركاء، أو اتخذوا له أبناء. خامساً: وتهديد المشركين بأن أمرهم إلى زوال، وألا يغرهم ما هم فيه من البذخ، وأن ما أعد للمؤمنين خير من ذلك، وتهديدهم بزوال سلطانهم. سادساً: الثناء على عيسى ﵇ وآل بيته، وذكر معجزة ظهوره، وأنه مخلوق لله، وذكر الذين آمنوا به حقاً، وإبطال إلهية، ومن ثم أفضى إلى قضية وفد نجران ولجاجتهم.

стр. 890

سابعاً: ثم محاجة أهل الكتابين في حقيقة الحنفية وأنهم بعداء عنها، وما أخذ الله من العهد على الرسل كلهم: أن يؤمنوا بالرسول الخاتم. ثامناً: وأن الله جعل الكعبة أول بيت وضع للناس، وقد أعاد إليه الدين الحنيف كما ابتدأه فيه، وأوجب حجه على المؤمنين. تاسعاً: إظهار ضلالات اليهود، وسوء مقالتهم، وافترائهم في دينهم وكتمانهم ما أنزل إليهم. عاشراً: وذكر المسلمين بنعمته عليهم بدين الإسلام، وأمرهم بالاتحاد والوفاق، وذكرهم بسابق سوء حالهم في الجاهلية، وهون عليهم تظاهر معانديهم من أهل الكتاب والمشركين. الحادي عشر: وذكرهم بالحذر من كيدهم وكيد الذين أظهروا الإسلام ثم عادوا إلى الكفر فكانوا مثلاً لتمييز الخبيث من الطيب، وأمرهم بالاعتزاز بأنفسهم، والصبر على تلقي الشدائد، والبلاء، وأذى العدو، ووعدهم على ذلك بالنصر والتأييد وإلقاء الرعب منهم في نفوس عدوهم، ثم ذكرهم بيوم أحد، ويوم بدر، وضرب لهم الأمثال بما حصل فيهما. الثاني عشر: ونوه، بشأن الشهداء من المسلمين، وأمر المسلمين بفضائل الأعمال: من بذل المال في مواساة الأمة، والإحسان، وفضائل الأعمال، وترك البخل، ومذمة الربا وختمت السورة بآيات التفكير في ملكوت الله.

стр. 891

(ألم. اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ). [آل عمران: ١ - ٢]. (ألم) هذه تسمى الحروف المقطعة، اختلف العلماء في الحروف المقطعة التي وردت في أوائل بعض السور على أقوال كثيرة: فقيل: لها معنى، واختلف في معناها: فبعض العلماء: قال هي أسماء للسور، وبعضهم قال: هي أسماء لله، وبعضهم قال غير ذلك. وقيل: هي حروف هجائية ليس لها معنى، ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين وقال: وحجة هذا القول: أن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه الحروف ليس لها معنى في اللغة العربية. وأما الحكمة منها: فأرجح الأقوال أنها إشارة إلى إعجاز القرآن العظيم، ورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره فقال: وقال آخرون إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها، وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وإليه ذهب الشيخ أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية. وقد رجح هذا الشيخ الشنقيطي في أضواء البينان حيث قال بعد أن ذكر الخلاف: أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله … ثم قال ﵀: ووجه استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائماً عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وأنه حق، قال تعالى في البقرة (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه)، وقال في آل عمران (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق)، وقال في الأعراف (المص كتاب أنزل إليك)، وقال في يونس (الر تلك آيات الكتاب الحكيم)، وقال في هود (الر كتاب أحكمت آياته .. )، وقال في يوسف (الر تلك آيات الكتاب المبين. إنا أنزلناه قرآناً عربياً).

стр. 892

ثم ذكر ﵀ بقية السور. ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀ فقال بعدما رجح هذا القول: … أن هذا القرآن لم يأت بكلمات، أو بحروف خارجة عن نطاق البشر، وإنما هي من الحروف التي لا تعدو ما يتكلم به البشر، ومع ذلك فقد أعجزهم. • وأما قول من قال إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور، فهذا ضعيف، لأن الفصل حاصل بدونها. • وقول من قال: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذا تواصوا بالإعراض عن القرآن إذا تلي عليهم، وهذا ضعيف، لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها. • عدد هذه الحروف المقطعة (١٤) حرفاً يجمعها قولهم: نص حكيم قاطع له سر. • افتتح الله (٢٩) سورة بالحروف المقطعة. (اللَّهُ) اسم من أسماء الله، متضمن للألوهية لله تعالى. ومعناه: المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيماً وخضوعاً له، وفزعاً إليه في الحوائج والنوائب، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال. • لا يعرف أحد تسمى به لا في الجاهلية ولا في الإسلام، وهو مختص بالله لفظاً ومعنى. لفظاً: أي أن هذا اللفظ لا يصح أن يسمى به أحد. ومعنى: أي أن الصفة التي تضمنها هذا الاسم وهي الإلهية لا يصلح شيء منها للمخلوق. • جميع الأسماء ترجع إليه لفظاً ومعنى: أي أن أسماء الله تأتي بعده ولا يأتي بعد شيء منها. ومعنى ترجع إليه معنى: أي أن هذا الاسم يتضمن صفة الإلهية وهي أوسع الصفات، وهذه الصفة ترجع إليها جميع الصفات.

стр. 893

• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا: أولاً: محبة الله محبة عظيمة تتقدم على محبة النفس والأهل والولد والدنيا جميعاً، لأنه المألوه المعبود وحده وهو المنعم المتفضل وحده. ثانياً: تعظيمه سبحانه وإجلاله وإخلاص العبودية له وحده من توكل وخوف ورجاء ورغبة ورهبة وغير ذلك من أنواع العبادات. ثالثاً: الشعور بالعزة به سبحانه والتعلق به وحده، وسقوط الخوف والهيبة من الخلق والتعلق بهم. رابعاً: طمأنينة القلب وسعادته وأنسه بالله. خامساً: إرادة تعالى بالمحبة والولاء، وإفراده تعالى بالحكم والتحاكم. (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا معبود بحق سواه. فهو الإله الحق الذي تتعين أن تكون جميع أنواع العبادة والطاعة والتأله له تعالى، لكماله وكمال صفاته وعظيم نعمه، ولكون العبد مستحقا أن يكون عبداً لربه، ممتثلا أوامره مجتنباً نواهيه، وكل ما سوى الله تعالى باطل، فعبادة ما سواه باطلة، لكون ما سوى الله مخلوقاً ناقصاً مدبراً فقيراً من جميع الوجوه، فلم يستحق شيئا من أنواع العبادة. • في هذه الآية يخبر الله بأنه منفرد بالألوهية، وذلك من قوله (لا إله إلا هو) هذه جملة تفيد الحصر وطريقة النفي والإثبات هذه من أقوى صيغ الحصر. ففيها نفي استحقاق غير الله العبادة، وإثبات استحقاق الألوهية والعبودية لله تعالى. • قال ابن كثير: إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق. • وقال السعدي: فأخبر أنه الله، الذي له جميع معاني الألوهية، وأنه لا يستحق الألوهية والعبودية إلا هو، وعبودية غيره باطلة. • قال ابن رجب: قَوْل: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، تَقْتَضِي أَلَّا يُحِبَّ سِوَاهُ، فَإِنَّ اَلْإِلَهَ هُوَ اَلَّذِي يُطَاعُ، مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً. وَمِنْ تَمَامِ مَحَبَّتِهِ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ، وَكَرَاهَةُ مَا يَكْرَهُهُ، فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُ اَللَّهُ، أَوْ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ لَمْ يَكْمُلْ تَوْحِيدُهُ وَلَا صِدْقُهُ فِي قَوْلِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَكَانَ فِيهِ مِنْ اَلشِّرْكِ اَلْخَفِيِّ بِحَسْبِ مَا كَرِهَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ اَللَّهُ، وَمَا أَحَبَّهُ مِمَّا يَكْرَهُهُ. قَالَ تَعَالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُم).

стр. 894

• فضائل كلمة التوحيد أولاً: وَهِيَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلَاصِ، وَشَهَادَةُ اَلْحَقِّ وَدَعْوَةُ اَلْحَقِّ، وَبَرَاءةٌ مِنْ اَلشِّرْكِ، وَلِأَجْلِهَا خُلِقَ اَلْخَلْقُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون). ثانياً: وَلِأَجْلِهَا أُرْسِلَتْ اَلرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ اَلْكُتُبُ قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون). وقال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ). وَهَذِهِ اَلْآيَةُ أَوَّلُ مَا عَدَّدَ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ اَلنَّعَمِ فِي سُورَةِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي تُسَمَّى سُورَة اَلنَّحْلِ، وَلِهَذَا قَالَ اِبْنُ عُيَيْنَةَ: مَا أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ نِعْمَةً أَعْظَمَ مِنْ أَنْ عَرَّفَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، وَإِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ لِأَهْلِ اَلْجَنَّةِ كَالْمَاءِ اَلْبَارِدِ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا; وَلِأَجْلِهَا أُعِدَّتْ دَارُ اَلثَّوَابِ وَدَارُ اَلْعِقَابِ، فِي اَلْآخِرَةِ، فَمَنْ قَالَهَا وَمَاتَ عَلَيْهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ دَارِ اَلثَّوَابِ، وَمَنْ رَدَّهَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اَلْعِقَاب، وَمِنْ أَجْلِهَا أُمِرَتْ اَلرُّسُلُ بِالْجِهَادِ، فَمَنْ قَالَهَا عُصِمَ مَالُهُ وَدَمُهُ. ثالثاً: هي ثَمَنُ اَلْجَنَّةِ. قال ﷺ (مَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّة). رواه أبو داود. رابعاً: وهي نَجَاةٌ مِنْ اَلنَّارِ. (سَمِعَ اَلنَّبِيَّ ﷺ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، فَقَالَ خَرَجَ مِنْ اَلنَّارِ). خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ خامساً: وهي أَحْسَنُ اَلْحَسَنَاتِ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلِّمْنِي عَمَلاً يُقَرِّبُنِي مِنَ اَلْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ اَلنَّارِ، قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ مِنَ اَلْحَسَنَاتِ؟ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ اَلْحَسَنَات). سادساً: وَهِيَ تُجَدِّدُ مَا دُرِسَ مِنَ اَلْإِيمَانِ فِي اَلْقَلْبِ. كما في اَلْمُسْنَدِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).

стр. 895

سابعاً: وَهِيَ اَلَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي اَلْوَزْنِ، فَلَوْ وُزِنَتْ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَجَحَتْ بِهِنَّ. كَمَا فِي اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهِ إِلَّا اَللَّهُ، فَإِنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ كُنَّ فِي حَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه). وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه). ثامناً: وَهِيَ أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ. كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ اَلْمَرْفُوع (أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه). رواه الترمذي. تاسعاً: ومن أعظم فضائلها: ما جاء فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِي ﷺ مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ وَلَهُ اَلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ اَلشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك). وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ اَلنَّبِي ﷺ قال (مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل). عاشراً: وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّهَا تَفْتَحُ لِقَائِلِهَا أَبْوَابَ اَلْجَنَّةِ اَلثَّمَانِيَةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ. كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَر. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء).

стр. 896

(الْحَيُّ) الذي له الحياة الكاملة. ومعناه: أي: ذو الحياة الكاملة المتضمنة لجميع صفات الكمال لم تسبق بعدم، ولا يلحقها زوال، ولا يعتريها نقص بوجه من الوجوه. • قال ابن كثير: أي الحي في نفسه الذي لا يموت أبداً. • وقال البغوي: الباقي الدائم على الأبد. • وقال الطبري: الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له بحد، ولا آخره له أمد، إذ كل ما سواه فإنه وإن كان حياً فلحياته أول محدود، وآخر ممدود ينقطع بانقطاع أمدها، وينقضي بقضاء غايتها. • وقد ورد اسم الحي لله تعالى في عدة آيات: قال تعالى (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ). وقال تعالى (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ). وقال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ). وقال تعالى (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). • واسم الحي من أعظم الأسماء، لأنه يستلزم جميع صفات الكمال لله تعالى. • كل ما سوى الله ميت. قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ). وقد جاء في الحديث (أن جبريل قال للنبي ﷺ : يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنه مفارقه، واعمل … ).

стр. 897

• وفي ذكر صفة (الحي) بعد قوله (الله لا إله إلا هو) استدلال على إثبات تفرّده بالألوهية وإبطال عبودية كل من سواه، وذلك لأنه لا يستحق العبادة إلا من كان حياً بالحياة الذاتية الدائمة الأبدية، وحيث لا حيّ بهذه الحياة إلا الله الأحد فلا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال ابن عاشور: والمقصود إثبات الحياة وإبطال استحقاق آلهة المشركين وصف الإلهية لانتفاء الحياة عنهم كما قال إبراهيم ﵇ (يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً). • الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: محبة الله تعالى وإجلاله. ثانياً: التوكل الصادق على الله، كما قال تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ). ومن أعظم ما يتوكل على الله فيه طلب الهداية والثبات على الإيمان وعدم الزيغ عنه، ولذلك كان النبي ﷺ يقول في دعائه (اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلني أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون). رواه مسلم ثالثاً: الزهد في الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها، لأنه مهما أعطي العبد من العمر فلابد من الموت. • قال ابن عاشور: وأتبع بالوصفين (الْحَيُّ الْقَيُّومُ) لنفي اللبس عن مسمى هذا الاسم، والإيماء إلى وجه انفراده بالإلهية، وأن غيره لا يستأهلها؛ لأنه غير حي أو غير قيوم، فالأصنام لا حياة لها، وعيسى في اعتقاد النصارى قد أميت، فما هو الآن بقيوم، ولا هو في حال حياته بقيوم على تدبير العالم، وكيف وقد أوذي في الله، وكذب، واختفى من أعدائه.

стр. 898

(نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٣) مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (٤)). [آل عمران: ٣ - ٤]. (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: نزل عليك القرآن يا محمد • قال أبو حيان: الكتاب هنا: القرآن، باتفاق المفسرين. (بِالْحَقِّ) أي: لا شك به ولا ريب، بل هو منزل من عند الله، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيداً. • الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقاً من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن الكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق. • اختلف العلماء هل (نزّل) (وأنزل) بمعنى واحد أم لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد. وهذا قول أبي حيان وابن عاشور. ويدل لهذا القول: أولاً: أنه جاء في وصف القرآن (نزّل) (وأنزل) كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) وقال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ). ثانياً: قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً) فجمع بين التضعيف وبين قوله (جُمْلَةً وَاحِدَةً). وقيل: إن المغايرة بين اللفظين في الآية تدل على نزول القرآن منجماً ونزول الكتابين جملة. وبهذا قال البغوي والزمخشري وابن الجوزي والقرطبي والبيضاوي والشوكاني. قال ابن الجوزي: وقيل: إنما قال في القرآن (نزّل) بالتشديد، وفي التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة، وأنزل القرآن في مرات كثيرة. وقال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) قلت: لأن القرآن نزل منجماً، ونزل الكتابان جملة.

стр. 899

(مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) يعني به القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً مشتملاً على الحق من الله تعالى مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل. التصديق لما بين يديه له معنيان: أولاً: أنه شاهد لها بالصدق، أي شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله. ثانياً: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت به. • قال ابن كثير: فهي تصدّقه بما أخبرت به وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به وبشرت من الوعد من الله بإرسال محمد ﷺ ، وإنزال القرآن العظيم عليه. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) أنه مصدق للكتب السابقة له، وجعل السابق بين يديه: لأنه يجيء قبله. فكأنه يمشي أمامه. (وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ) على موسى ﵇. (وَالْإِنْجِيلَ) على عيسى ﵇. (مِنْ قَبْلُ) أي: من قبل هذا القرآن. (هُدىً لِلنَّاسِ) أي: في زمانهما. • اختلف العلماء هل هذا الوصف (هدى للناس) عائد إلى التوراة والإنجيل فقط أم يشمل القرآن؟ فقيل: إنه وصف عائد إلى التوراة والإنجيل فقط. ورجحه أبو حيان. وقال: وخص الهدى بالتوراة والإنجيل هنا، وإن كان القرآن هدى، لأن المناظرة كانت مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، بل وصف بأنه حق في نفسه، قبلوه أو لم يقبلوه، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون صحتهما، فلذلك اختصا في الذكر بالهدى. وقيل: أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل، والله أعلم بمراده. قاله الرازي. واختاره السعدي وقال: الظاهر أن هذا راجع لكل ما تقدم، أي: أنزل الله التوراة والإنجيل والقرآن هدى للناس من الضلال، فمن قبل هدى الله فهو المهتدي، ومن لم يقبل ذلك بقي على ضلالة. (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره، ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.

стр. 900

قيل: المراد بالفرقان هنا القرآن. • قال ابن عاشور: وسمي به القرآن؛ قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) والمراد بالفرقان هنا القرآن؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل، وفي وصفه بذلك تفضيل لهديه على هدي التوراة والإنجيل، لأن التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي، لما فيها من البرهان، وإزالة الشبهة. وإعادة قوله (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ) بعد قوله (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) للاهتمام، وليوصل الكلام به في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّه) الآية أي بآياته في القرآن. • قال الرازي: وإنما أعاده تعظيماً لشأنه ومدحاً بكونه فارقاً بين الحق والباطل أو يقال: إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقاً بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى هذا التقدير فلا تكرار. وقيل: المراد بالفرقان المعجزات واختاره الرازي. قال ﵀: وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية. وقال ابن عطية: وقال بعض المفسرين: (الفرقان) هنا كل أمر فرق بين الحق والباطل، فيما قدم وحدث، فيدخل في هذا التأويل طوفان نوح، وفرق البحر لغرق فرعون، ويوم بدر، وسائر أفعال الله تعالى المفرقة بين الحق والباطل، فكأنه تعالى ذكر الكتاب العزيز، ثم التوراة والإنجيل، ثم كل أفعاله ومخلوقاته التي فرقت بين الحق والباطل، كما فعلت هذه الكتب.

стр. 901

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بآيَاتِ اللَّهِ) آيات الله تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: آيات كونية: (وهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها). وهي ما نصبه الله - جل وعلا - ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة. قال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده. • والكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها، أو أن يعتقد أن له شريكاً في خلقه، أو أن له معيناً في خلقه. القسم الثاني: آيات شرعية (وهي الوحي المنزل). ومنه قوله تعالى (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ). والكفر بآيات الله الشرعية (وهي الوحي المنزل) يكون بعدة أمور: أولاً: بتكذيبها، ثانياً: أو بجحودها، ثالثاً: أو بالاستكبار والعناد. (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) أي: يوم القيامة. قال أبو حيان: لما قرر تعالى أمر الإلهية، وأمر النبوّة بذكر الكتب المنزلة، توعد من كفر بآيات الله من كتبه المنزلة، وغيرها، بالعذاب الشديد من عذاب الدنيا، كالقتل، والأسر، والغلبة، وعذاب الآخرة: كالنار. (وَاللَّهُ عَزِيزٌ) اسم من أسماء الله، وهو متضمن لصفة العزة الكاملة لله، وهي ثلاثة أنواع: عزة القدْر: بمعنى أن الله ذو قدْر شريف عظيم، كما قال النبي ﷺ (السيد الله). وعزة القهر: بمعنى أن الله القاهر لكل شيء، لا يُغلب، كما قال تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ). وعزة الامتناع: بمعنى أنه يمتنع أن يناله أحد بسوء أو نقص. قال السعدي: (العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته.

стр. 902

• الآثار المترتبة على معرفة هذا الاسم: أولاً: إن اسمه سبحانه (العزيز) يستلزم توحيده وعبادته وحده لا شريك له، إذ الشركة تنافي كمال العزة. ثانياً: ومن كمال العزة تبرئته سبحانه من كل سوء وتنزيهه من كل شر ونقص، قال ابن القيم: ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة. ثالثاً: من كمال عزته سبحانه نفاذ حكمه وأمره في عباده وتصريف قلوبهم على ما يشاء، وهذا ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا يجعل العبد خائفاً من ربه، لائذاً بجنابه معتصماً به متبرئاً من الحول والقوة ذليلاً حقيراً بين يدي ربه سبحانه. رابعاً: أن الإيمان بهذا الاسم الكريم يثمر العزة في قلب المؤمن، ومهما ابتغى العبد العزة عند غير الله وفي غير دينه فلن يجدها ولن يجد إلا الذل والضعف والهوان كما قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً). والشعور بهذه العزة تثمر التعالي على الباطل وأهله وعدم الاستكانة لهم مهما تسلطوا على العبد. خامساً: أن الإيمان بهذا الاسم يثمر عدم الركون إلى شيء من هذه الدنيا الفانية وجعلها مصر العزة والقوة، فكم رأينا وسمعنا من كثير من الناس اغتر بعضهم بماله أو جاهه أو ولده أو سلطانه ومنصبه فكانت كلها سبباً في إذلاله وشقائه. سادساً: من أسباب العزة العفو والتواضع والذلة للمؤمنين، قال تعالى في وصف عباده الذين يحبهم ويحبونه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) وقال ﷺ ( … وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم. (ذُو انْتِقَامٍ) ممن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام. الفوائد: ١ - إثبات ألوهية الله تعالى. ٢ - انفراده بهذه الألوهية. ٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الحي والقيوم. ٤ - إثبات حياة الله الكاملة. ٥ - أن كل شيء مفتقر إلى الله. ٦ - إثبات علو الله تعالى. ٧ - أن القرآن منزل. ٨ - فضيلة هذا القرآن. ٩ - رحمة الله بعباده حيث كان ينزل الكتب على رسله هدى للناس. ١٠ - إثبات الحكمة لله تعالى. ١١ - إثبات اسم من أسماء الله وهو العزيز.

стр. 903

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)). [آل عمران: ٥ - ٦]. (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ولا يخفى عليه شيء من ذلك. • قال القرطبي: هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل؛ ومثله في القرآن كثير، فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون؛ فكيف يكون عيسى إلهاً أو ابن إله وهو تَخْفى عليه الأشياء. • وقال أبو حيان: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) شيء نكرة في سياق النفي، فتعم، وهي دالة على كمال العلم بالكليات والجزئيات، وعبر عن جميع العالم بالأرض والسماء، إذ هما أعظم ما نشاهده. • وقال السعدي: وهذا فيه تقرير إحاطة علمه بالمعلومات كلها، جليها وخفيها، ظاهرها وباطنها، ومن جملة ذلك الأجنة في البطون التي لا يدركها بصر المخلوقين، ولا ينالها علمهم، وهو تعالى يدبرها بألطف تدبير، ويقدرها بكل تقدير. • قوله تعالى: (لا يخفى عليه شيء) تحذير من مخالفته سراً وجهراً. (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) أي: يخلقكم كما يشاء في الأرحام من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد. • قال الطبري: … فيجعل هذا ذكرًا وهذا أنثى، وهذا أسود وهذا أحمر، يُعرّف عباده بذلك أنّ جميع من اشتملت عليه أرحامُ النساء، ممنّ صوره وخلقه كيف شاء وأنّ عيسى ابن مريم ممن صوّره في رحم أمه وخلقه فيها كيف شاء وأحبّ، وأنه لو كان إلهًا لم يكن ممن اشتملت عليه رحم أمه، لأن خلاف ما في الأرحام لا تكون الأرحامُ عليه مشتملة، وإنما تشتمل على المخلوقين. • وقال القرطبي: وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نَجْران، وأنّ عيسى من المَصوَّرين، وذلك مما لا ينكره عاقل. • وقال ابن كثير: وهذه الآية فيها تعريض بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأن الله تعالى صوره في الرحم وخلقه، كما يشاء، فكيف يكون إلها كما زعمته النصارى - عليهم لعائن الله- وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ).

стр. 904

(لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله بحق إلا هو سبحانه، فهو الخالق، فهو المستحق للإلهية لا شريك له. (الْعَزِيزُ) الذي قهر الخلائق بقوته، واعتز عن أن يوصف بنقص أو ينعت بذم. (الْحَكِيمُ) قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله. فالحكيم اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة. فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبداً. قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة. وتكون في غايته: أي أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً). • ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينياً اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة.

стр. 905

قال الشيخ ابن عثيمين: العزيز الحكيم، فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرًا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه، وهو العزة في العزيز، والحكم والحكمة في الحكيم. والجمع بينهما دال على كمال آخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلما وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسئ التصرف. وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنهما يعتريهما الذل. الفوائد: ١ - التحذير من مخالفة الله، لأن الله يعلم بمخالفتك إياه. ٢ - أن الله يعلم الكليان والجزئيات. ٣ - بيان قدرة الله، حيث يصور المخلوقات في الأرحام. ٤ - أن صور المخلوقات يكون تصويرها بأمر الله وإذنه. ٥ - إثبات المشيئة لله تعالى. ٦ - انفراد الله بالألوهية.

стр. 906

(هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (٧)). [آل عمران: ٧]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) أي: أنزل عليك يا محمد القرآن العظيم. (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) أي: بينات واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من الناس. (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه. • قال الطبري: … ثم وصف جل ثناؤه: هؤلاء الآيات المحكمات، بأنهن (هُنّ أمّ الكتاب) يعني بذلك: أنهن أصل الكتاب الذي فيه عماد الدين والفرائض والحدود، وسائر ما بالخلق إليه الحاجة من أمر دينهم، وما كلفوا من الفرائض في عاجلهم وآجلهم، وإنما سماهن (أمّ الكتاب) لأنهن معظم الكتاب، وموضع مَفزَع أهله عند الحاجة إليه، وكذلك تفعل العرب، تسمي الجامعَ معظم الشيء (أمًّا) له، فتسمى راية القوم التي تجمعهم في العساكر (أمّهم) والمدبر معظم أمر القرية والبلدة: "أمها". (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ) أي: فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم. • قال السعدي: قوله تعالى (منه آيات محكمات) أي: واضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال (هن أم الكتاب) أي: أصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره، (و) منه آيات (أخر متشابهات) أي: يلتبس معناها على كثير من الأذهان: لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى بعض الأفهام غير المراد منها، فالحاصل أن منها آيات بينة واضحة لكل أحد، وهي الأكثر التي يرجع إليها، ومنه آيات تشكل على بعض الناس، فالواجب في هذا أن يرد المتشابه إلى المحكم والخفي إلى الجلي، فبهذه الطريق يصدق بعضه بعضاً ولا يحصل فيه مناقضة ولا معارضة. • ثم ذكر تعالى أقسام الناس بالنسبة للمحكم والمتشابه فقال: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل، وفسدت مقاصدهم، وصار قصدهم الغي والضلال وانحرفت قلوبهم عن طريق الهدى والرشاد.

стр. 907

واختلف العلماء في المراد بهم هنا على أقوال: أصحها أنها تعم كل من زاغ عن الحق ومال عنه. ورجحه الطبري، وابن عطية، والرازي، وأبو حيان، والشوكاني، والقاسمي، وابن عاشور، والسعدي. • قال الطبري: وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا أنها نزلت فيه من أهل الشرك، فإنه معنيّ بها كل مبتدع في دين الله بدعةً فمال قلبه إليها، تأويلاً منه لبعض مُتشابه آي القرآن، ثم حاجّ به وجادل به أهل الحق، وعدل عن الواضح من أدلة آيه المحكمات، إرادةً منه بذلك اللبس على أهل الحق من المؤمنين، وطلبًا لعلم تأويل ما تشابه عليه من ذلك، كائنًا من كان، وأيّ أصناف المبتدعة كان من أهل النصرانية كان أو اليهودية أو المجوسية، أو كان سَبئيًا، أو حروريًّا، أو قدريًّا، أو جهميًّا، كالذي قال ﷺ (فإذا رأيتم الذين يجادلون به، فهم الذين عنى الله، فاحذروهم). • وقال ابن عطية: والإشارة بذلك أولاً إلى نصارى نجران وإلى اليهود الذين كانوا معاصرين لمحمد ﵇ فإنهم كانوا يعترضون معاني القرآن، ثم تعم بعد ذلك كل زائغ. • وقال الرازي: وقال المحققون إن هذا يعم جميع المبطلين وكل من احتج لباطله بالمتشابه لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ • وقال الشوكاني: وهذه الآية تعمّ كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق. (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنه دامغ لهم وحجة عليهم. • قال الشوكاني: أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب، فيشككون به على المؤمنين، ويجعلونه دليلاً على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق، كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعباً شديداً، ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء.

стр. 908

• قال السعدي: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) أي: يتركون المحكم الواضح ويذهبون إلى المتشابه، ويعكسون الأمر فيحملون المحكم على المتشابه. (ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ) أي: لإضلال أتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى (إِنْ هُوَ إِلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) وبقوله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد، ورسول من رسل الله. (وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) أي: تحريفه على ما يريدون. • نستفيد أن من علامة زيغ القلب اتباع المتشابه. • يستطيع متَّبع المتشابه أن يستدل على جواز الكفر بقول الله (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) فيزعم أن الله تعالى خيَّر الناس بين الإيمان والكفر، والتخيير بينهما يقتضي استواءهما، ويغضُّ الطرف عن الآيات الكثيرة التي تتوعد الكافر بالنار، ومنها آخر هذه الآية التي يُستدَل بها على فساد قوله؛ فهي في سياق التهديد والوعيد وليس فيها تخيير (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) وقد استدل بهذه الآية على الحرية الدينية كثير ممن فتنوا بالغرب وحريته. ويستطيع متَّبع المتشابهات أن يحكم بالجنة لأصحاب الديانات الأخرى ممن كفروا بالإسلام مستدلاً بقول الله تعالى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) متعامياً عن معنى الآية وهو (من آمن منهم برسوله قبل بعثة محمد ﷺ ومات على إيمانه)، ويترك هذا الملبِّس مئات الآيات والأحاديث التي تحكم بالنار لكل من لم يتبع دين محمد ﷺ ، وكثير من الليبراليين يستدل بها على صحة دين الكفار!.

стр. 909

• ويستطيع النصراني أن يستدل على عقيدة التثليث، وعلى بنوَّة المسيح لله بالقرآن الكريم؛ مع أنها شرك أكبر، وقَدْح في الله تعالى؛ وذلك حين يأتي النصراني إلى الآيات التي فيها أن عيسى ﵇ يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر ببعض الغيب فيستدل بها على ألوهية عيسى ﵇ باعتبار أن هذه الأفعال التي قام بها عيسى من خصائص الله تعالى ويعمى عن الآيات التي تثبت بشريته؛ وأنه مخلوق لله وأنه تعالى أجرى على يديه هذه الخصائص معجزة تثبت صدقه ﵇ كما قال تعالى (إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). ثم يأتي إلى الآيات التي تثبت أن عيسى ولد بلا أب فيستدل بها على بنوَّته لله تعالى ويعمى عن الآيات الكثيرة التي تنفي الولد عن الله تعالى والآيات التي تذكر قصة ولادة عيسى ﵇. ثم يأتي إلى الآيات القرآنية التي فيها كلام الله عن نفسه بصيغ جمع العظمة نحو قوله تعالى (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فيَدَّعي أن الله متعدد وليس واحداً، ويعمى عن الآيات التي فيها إثبات وحدانية الله تعالى وبطلان عقيدة التثليث والآلهة المتعددة نحو قول الله تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إلَهٍ إلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ). وقد روى أئمة التفسير وأهل السير أن نصارى نجران احتجوا على النبي ﷺ بهذه الحجج زاعمين ألوهية عيسى وبنوته لله فأنزل سبحانه صدر سورة آل عمران في دحض حججهم. وإذا كان بإمكان متَّبع المتشابه أن يصحح العقائد الزائفة، ويساوي الكفر بالإيمان، ويحكم لأصناف الكفار بالجنة، ويستدل لما يقول بنصوص ينتقيها من القرآن، وُيعرِض عن غيرها على طريقة أهل الكتاب في إيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعضه؛ فإنه يستطيع من باب أَوْلى أن يبيح ما دون الشرك والكفر من المحرمات: كالاختلاط، والخلوة بالأجنبية، وسفر المرأة بلا محرم، وغير ذلك من المحرمات، ويستدل لما يريد بنصوص مشتبهة ويترك المحكم الواضح.

стр. 910

وإذا كان متَّبع المتشابه يستطيع أن يبطل التوحيد بنصوص ينتقيها من القرآن فلن يعجز عن إبطال ما هو دون التوحيد من الواجبات: كصلاة الجماعة، وحجاب المرأة، ووجوب المحرم لها، وغير ذلك، وسيجد من النصوص ما يؤيد باطله إذا كانت العملية عملية انتقاء واختيار. • وفي وصية عظيمة نافعة في هذا المجال ينقلها ابن القيم عن شيخه ابن تيمية - رحمهما الله تعالى - فيقول: (وقال لي شيخ الإسلام ﵁ وقد جعلتُ أُورِد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته؛ وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات أو كما قال، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك). وقد تضافر المنقول عن السلف الصالح في التحذير ممن فتنوا في دينهم باتباع المتشابه وترك المحكم. فقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص ﵄: لا تجالسنَّ مفتوناً، فإنه لا تخطئك منه إحدى خلتين: إما أنَّ يفتنك فتتبعه، وأما أنَّ يؤذيك قبل أنَّ تفارقه. وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أصحاب الأهواء؛ فإني لا آمن أنَّ يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم ما تعرفون. وقال رجل للحسن رحمه الله تعالى: تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني فإن كنت أضللت دينك فالتمسه. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) ذهب أكثر السلف إلى الوقف على قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ). وتكون الواو في (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ … ) للاستئناف، ويكون المعنى: أن هذا المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، أما الراسخون في العلم الذين لم يعلموا تأويله يقولون (آمَنَّا بِهِ … ) وليس في كلام ربنا تناقض ولا تضارب.

стр. 911

وممن رجح هذا القول الشنقيطي، فقال ﵀: قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله) يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن، يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد، لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله: (هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ) وقوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) الآية. وقوله (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وقوله (ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) إلى غير ذلك من الآيات. ثم قال ﵀: ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئاً وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك: كقوله (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله). وقوله (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ). وقوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ). فالمطابق لذلك أن يكون قوله (ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ) معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال: لو كانت الواو في قوله (والراسخون) للنسق لم يكن لقوله (كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا) فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله (إِلاَّ اللهُ) وأن قوله (والراسخون) ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وذهب بعض العلماء إلى الوصل ولم يقف (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). • قال الشنقيطي: وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ فَكَيْفَ يَمْدَحُهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ جُهَّالٌ.

стр. 912

• قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ جَمِيعُ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ رُسُوخُهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ. انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: يُجَابُ عَنْ كَلَامِ شَيْخِ الْقُرْطُبِيِّ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ رُسُوخَهُمْ فِي الْعِلْمِ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَنْتَهُونَ حَيْثُ انْتَهَى عِلْمُهُمْ وَيَقُولُونَ فِيمَا لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلْمِ حَقِيقَتِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا بِخِلَافِ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ «الْكَشَّافِ». وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَنِسْبَةُ الْعِلْمِ إِلَيْهِ أَسْلَمُ. • وقال بعض العلماء هذا يرجع إلى تفسير التأويل، فإن قلنا إن المراد به التفسير فالوصل أولى، لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن المتشابه، ولا يخفى عليهم لرسوخهم في العلم. وأما إذا جعلنا التأويل بمعنى العاقبة والغاية المجهولة، فالوقف أولى (إلا الله) لأن عاقبة هذا المتشابه وما يؤول إليه أمره مجهول لكل الخلق. والتأويل يطلق بمعنى التفسير ويطلق بمعنى العاقبة المجهولة. o فمن إطلاقه بمعنى التفسير: قوله تعالى (وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: بتفسير هذه الرؤية. ومنه قوله ﷺ لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) أي: التفسير. وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله - من المصنفين في التفسير - واختلف علماء التأويل ومجاهد إمام المفسرين.

стр. 913

قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما. o ومن إطلاقه بمعنى العاقبة المجهولة: قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ). هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) يعني: عاقبته وهو ما يؤول إليه (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: تأتي عاقبته التي وعدوا بها. • قال الشوكاني: ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه. ومنه قوله (هذا تَأْوِيلُ رؤياي). وقوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله ، ويكون قوله (والرسخون فِي العلم) مبتدأ، و (يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو: التفسير، والبيان، والتعبير عن الشيء. كقوله (نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) أي بتفسيره فالوقف على (والراسخون فِي العلم) لأنهم يعلمون، ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا، فيكون (يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) حالاً منهم. (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا). • قال السعدي: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض، وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك.

стр. 914

(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة. الألباب جمع لب وهو العقل. الفوائد: ١ - أن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه. فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى (الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم) وقوله (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته) فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم؟ الجواب: المراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم. وأما قوله تعالى (كتابا متشابها مَّثَانِيَ) فالمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً) أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة. ٢ - أن القرآن كلام الله. ٣ - إثبات علو الله تعالى لقوله (أنزل) والإنزال لا يكون إلا من علو. ٤ - أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه. ٥ - وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه لقوله (هن أم الكتاب) أي: مرجعه. ٦ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين، امتحاناً وابتلاء. ٧ - أن من علامة زيغ القلب اتباع المتشابه. ٨ - أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة وهي صد الناس عن دينهم، وتارة يريدون بذلك أن يحرفوه إلى المعنى الذي يريدون. ٩ - فضيلة الرسوخ في العلم. ١٠ - أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي يكون من عند الله لا يكون فيه تناقض. ١١ - أنه لا يتذكر بهذا القرآن إلا أصحاب العقول.

стр. 915

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)). [آل عمران: ٨ - ٩]. (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) هذا من جملة كلام الراسخين في العلم، أنهم دعوا ربهم قائلين (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم. عن أنس قال (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله آمنا وبك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كما يشاء) رواه الترمذي. وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ). رواه مسلم • قال ابن القيم: حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء. أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك. فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك. قال تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته. فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ). فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة. وفي الحديث (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) متفق عليه. وكان قسم النبي ﷺ : لا، ومقلب القلوب. • وتتفاضل الأعمال عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها. … • وينبغي التحذير من التساهل في أمر القلب. قال ﷺ : (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) رواه مسلم. • ولا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم.
следующие страницы →