← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر﴾ اعْلَم أَن الَّذِي نزل فِي الِابْتِدَاء من هَذِه الْآيَة قَوْله: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ والمجاهدين فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم " قَالَ زيد بن ثَابت: " كَانَ النَّبِي يملى على هَذِه الْآيَة، وَفَخذه على فَخذي، فَدخل عبد الله بن أم مَكْتُوم، وَقَالَ يَا رَسُول الله، أَنا رجل ضَرِير، وَلَو اسْتَطَعْت أَن أقَاتل لقاتلت مَعَك؛ فتغشى رَسُول الله الْوَحْي؛ فثقل فَخذه على فَخذي حَتَّى كَاد يرضه؛ فَلَمَّا سرى عَنهُ، قَالَ لي: اكْتُبْ ﴿غير أولى الضَّرَر﴾ فَنزل هَذَا الْقدر فِي ابْن أم مَكْتُوم، وَكَانَ ضريرا من أولى الضَّرَر، وَقَوله:

стр. 1017

﴿القاعدين دَرَجَة وكلا وعد الله الْحسنى وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما (٩٥) دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (٩٦) إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة﴾ ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ يقْرَأ على وُجُوه: " غير " - بِرَفْع الرَّاء - وَتَقْدِيره: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ الَّذين هم غير أولي الضَّرَر، وَيقْرَأ: بِفَتْح الرَّاء، على الِاسْتِثْنَاء، يعْنى: إِلَّا أولي الضَّرَر، وَقيل: هُوَ نصب على الْحَال، يعْنى: فِي حَال الصِّحَّة، وَانْتِفَاء الضَّرَر، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ أصحاء، وَهَذَا أشهر الْقِرَاءَتَيْن، وَكَذَلِكَ قَرَأَ النَّبِي " غير أولي الضَّرَر " - بِكَسْر الرَّاء يعْنى -، من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر، ﴿فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة﴾ أَرَادَ بالقاعدين هَاهُنَا: أولى الضَّرَر، فضل الْمُجَاهدين عَلَيْهِم بِدَرَجَة؛ لِأَن الْمُجَاهدين باشروا الْجِهَاد مَعَ النِّيَّة، وَأولُوا الضَّرَر كَانَت لَهُم نِيَّة الْجِهَاد، وَلَكِن لم يباشروا؛ فنزلوا عَنْهُم بِدَرَجَة ﴿وكلا وعد الله الْحسنى﴾ يعْنى: الْجنَّة ﴿وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما﴾ وَأَرَادَ بالقاعدين هُنَا: غير أولي الضَّرَر، فضل الله الْمُجَاهدين عَلَيْهِم أجرا عَظِيما

стр. 1018

﴿دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة﴾ قَالَ ابْن محيريز: هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَة، مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْفرس الْمُضمر سبعين سنة، وَفِي الْخَبَر " فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة، مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أعدهَا الله للمجاهدين فِي سَبيله "، وَقيل: أَرَادَ بالدرجات: الْإِسْلَام، وَالْهجْرَة، وَالْجهَاد، وَالشَّهَادَة فِي الْجِهَاد، وفاز بِتِلْكَ الدَّرَجَات المجاهدون ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .

стр. 1019

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة﴾ قَرَأَ عِيسَى بن عمر النَّحْوِيّ: " تتوفاهم " - بالتائين - وَالْمَعْرُوف " تَوَفَّاهُم " وَأَصله: تتوفاهم، فأدغمت إِحْدَى التائين تَخْفِيفًا، على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: تتوفاهم الْمَلَائِكَة والمتوفى ملك وَاحِد، كَمَا قَالَ: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ ؟ قيل: ذكره بِلَفْظ

стр. 1020

﴿ظالمي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض قَالُوا ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال﴾ الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ الْوَاحِد، وَمثله شَائِع فِي كَلَام الْعَرَب، وَقيل: إِن لملك الْمَوْت أعوانا، فَلَعَلَّهُ أَرَادَهُ مَعَ أعوانه؛ فَلذَلِك ذكر بِلَفْظ الْجمع. قَالَ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك: الْآيَة فِي قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة، فَلَمَّا هَاجر النَّبِي إِلَى الْمَدِينَة، تخلفوا عَن الْهِجْرَة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر حملهمْ الْكفَّار مَعَ أنفسهم إِلَى بدر كرها، فَقتلُوا بَين الْكفَّار. وَقَوله ﴿ظالمي أنفسهم﴾ يعْنى: بالشرك؛ فَإِنَّهُم قتلوا مُشْرِكين؛ إِذْ مَا كَانَ يقبل الْإِسْلَام بعد هِجْرَة النَّبِي إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، ثمَّ أُبِيح ذَلِك بقوله ﵊: " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح ". ﴿قَالُوا فيمَ كُنْتُم﴾ يعْنى: الْمَلَائِكَة قَالُوا لأولئك الَّذين أَسْلمُوا وَلم يهاجروا: ﴿فيمَ كُنْتُم﴾ يعْنى: فِي أَي الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُم، فِي الْمُسلمين أم الْمُشْركين؟ وَهَذَا سُؤال توبيخ، لَا سُؤال استعلام ﴿قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض﴾ يعْنى: كُنَّا بِمَكَّة مستضعفين بَين الْمُشْركين ﴿قَالُوا﴾ يعْنى: الْمَلَائِكَة ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾ يعْنى: إِلَى الْمَدِينَة ﴿فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ حكم لَهُم بالنَّار؛ لأَنهم مَاتُوا مُشْرِكين

стр. 1021

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ وهم أَصْحَاب الْأَعْذَار ﴿من الرِّجَال وَالنِّسَاء والولدان﴾ مِنْهُم الْوَلِيد بن الْوَلِيد، وَسَلَمَة بن هِشَام، وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: كنت أَنا وَأمي من الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وهم الَّذين دَعَا لَهُم النَّبِي فِي الْقُنُوت، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ انج الْوَلِيد بن الْوَلِيد وَسَلَمَة بن هِشَام، وَعَيَّاش بن أبي ربيعَة وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وأشدد وطأتك على مُضر، هَكَذَا كَانَ يدعوا لَهُم

стр. 1022

﴿وَالنِّسَاء والولدان لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا (٩٨) فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا (٩٩) وَمن يُهَاجر فِي سَبِيل الله يجد فِي الأَرْض مراغما كثيرا﴾ شهرا، حَتَّى نَجوا، وَقدمُوا؛ فَترك ذَلِك الدُّعَاء، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: أَلا ترونهم قد قدمُوا ". ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَة﴾ يعْنى: لِلْخُرُوجِ ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا إِلَى الْمَدِينَة

стр. 1023

﴿فَأُولَئِك عَسى الله أَن يعْفُو عَنْهُم﴾ " وَعَسَى " من الله وَاجِب؛ لِأَنَّهُ للإطماع، وَالله - تَعَالَى - إِذا أطمع عبدا أوجب لَهُ وأوصله إِلَيْهِ. ﴿وَكَانَ الله عفوا غَفُورًا﴾ روى: أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة، كتب بهَا أَصْحَاب رَسُول الله إِلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّة، وَكَانَ فيهم شيخ كَبِير يُقَال لَهُ: جندع بن ضَمرَة وَيُقَال لَهُ حبيب بن ضَمرَة فَقَالَ: لست من الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنا أعرف طَرِيق الْمَدِينَة، وَقَالَ لِبَنِيهِ: احْمِلُونِي إِلَى الْمَدِينَة، فَحَمَلُوهُ يأْتونَ بِهِ، فَلَمَّا بلغ التَّنْعِيم؛ أدْركهُ الْمَوْت، فَبلغ ذَلِك أَصْحَاب رَسُول الله فَقَالُوا: لَو وصل إِلَى الْمَدِينَة لأتمم الله أجره؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ يعْنى: تمّ أجره.

стр. 1024

وَقَوله: ﴿وَمن يُهَاجر فِي سَبِيل الله يجد فِي الأَرْض مراغما كثيرا وَسعه﴾ المراغم: المُهَاجر، والمراغمة: المهاجرة، المُهَاجر، قَالَ أَبُو عمر بن الْعَلَاء: وَإِنَّمَا سميت المهاجرة مراغمة؛ لِأَنَّهُ من هَاجر مراغم قومه وقرابته، وَقَالَ الشَّاعِر: (كطود يلوذ بأركانه ... عَزِيز المراغم والمهرب) وَقَالَ ابْن عَبَّاس: مراغما، أَي: متحولا يتَحَوَّل إِلَيْهِ، وَقَالَ مُجَاهِد: مراغما، أَي: متزحزحا، وَقَوله: ﴿وسعة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: مَعْنَاهُ: وسعة فِي الرزق، قَالَ قَتَادَة:

стр. 1025

﴿وسعة وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (١٠٠) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من﴾ وَمَعْنَاهُ: وسعة من الضَّلَالَة إِلَى الْهَدْي. ﴿وَمن يخرج من بَيته مُهَاجرا إِلَى الله وَرَسُوله ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت فقد وَقع أجره على الله﴾ قد ذكرنَا أَنه فيمَ نزل ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .

стр. 1026

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض﴾ أَي: سافرتم ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ . قصر الصَّلَاة فِي السّفر لَا خلاف فِي جَوَازه فِي حَال الْخَوْف، وَأما فِي حَال الْأَمْن: قَالَ سعد بن أبي وَقاص: إِنَّه لَا يجوز، وَبِه قَالَ دَاوُد، وَأهل الظَّاهِر؛ تمسكا بِظَاهِر الْقُرْآن، وَقَالَ جُمْهُور الْعلمَاء وَهُوَ قَول أَكثر الْأمة -: إِنَّه يجوز الْقصر فِي حَال الْأَمْن؛ لما روى عَن يعلي بن أُميَّة أَنه قَالَ لعمر ﵁: " مَا بالنا نقصر، وَقد أمنا، وَالله - تَعَالَى - يَقُول فِي كِتَابه: ﴿أَن تقصرُوا من الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ﴾ قَالَ عمر: عجبت مِمَّا تعجبت أَنْت، فَسَأَلت النَّبِي، فَقَالَ: صَدَقَة تصدق الله بهَا عَلَيْكُم، فاقبلوا صدقته " وروى " أَن رَسُول الله سَافر من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة - لَا يخَاف إِلَّا الله - وَقصر الصَّلَاة " وَكَانَ ﵇ يقصر الصَّلَاة فِي جَمِيع أَسْفَاره، وَلم ينْقل أَنه أتم فِي سفر مَا؛ وَلذَلِك قَالَ الشَّافِعِي: الْقصر أولى؛ وَإِن جَازَ الْإِتْمَام. وروى عَن جَابر، وَالْحسن - وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس -: أَن صَلَاة الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَصَلَاة السّفر رَكْعَتَانِ، وَصَلَاة الْخَوْف رَكْعَة، وروى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: " فرض الله - تَعَالَى - الصَّلَاة على لِسَان نبيه فِي الْحَضَر أَربع رَكْعَات، وَفِي السّفر رَكْعَتَيْنِ، وَفِي

стр. 1027

﴿الصَّلَاة إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا إِن الْكَافرين كَانُوا لكم عدوا مَبْنِيا (١٠١) وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم فَإِذا سجدوا فليكونوا﴾ الْخَوْف رَكْعَة " وَأكْثر الْأمة على أَن الْقصر فِي الْخَوْف رَكْعَتَانِ، مثل قصر السّفر، ثمَّ اخْتلفُوا فِي الْقصر على قَوْلَيْنِ: أَنه إِبَاحَة، أم وَاجِب، قَالَ بَعضهم: هُوَ إِبَاحَة، وَهُوَ اخْتِيَار الشَّافِعِي، وَهُوَ أصح؛ لقَوْله عز ذكره: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح﴾ وَهُوَ مثل قَوْله: ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْهِمَا أَن يتراجعا﴾ . وَقَالَ بَعضهم: هُوَ وَاجِب. وَالْخلاف بَين السّلف مَشْهُور فِيهِ. وَقَوله: ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا﴾ أَي: يقتلكم، والفتنة بِمَعْنى: الْقَتْل هَاهُنَا، وَقَرَأَ أَبى بن كَعْب: " أَن تقصرُوا من الصَّلَاة أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا " - من غير قَوْله: ﴿إِن خِفْتُمْ﴾ - ويروى عَن أَبى أَيُّوب الْأنْصَارِيّ أَنه قَالَ: نزل قَوْله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة﴾ هَذَا الْقدر فَحسب، ثمَّ مضى حول، وَلم ينزل شئ؛ فَسئلَ رَسُول الله عَن صَلَاة الْخَوْف، ثمَّ نزل قَوْله: ( ﴿إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا إِن الْكَافرين كَانُوا لكم عدوا مُبينًا﴾ وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة) فَأَشَارَ إِلَى أَنه رَاجع إِلَى صَلَاة الْخَوْف، لَا إِلَى صَلَاة السّفر.

стр. 1028

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا كنت فيهم فأقمت لَهُم الصَّلَاة﴾ بَين فِي هَذِه الْآيَة كَيْفيَّة صَلَاة الْخَوْف، وَأعلم أَن صَلَاة الْخَوْف جَائِزَة بعد رَسُول الله على قَول أَكثر الْعلمَاء، وَقَالَ بَعضهم: صَلَاة الْخَوْف لَا تجوز لأحد بعده، وَهُوَ قَول أَبى يُوسُف؛ تمسكا بِظَاهِر الْآيَة، قَوْله: ﴿وَإِذا كنت فيهم﴾ فَشرط كَونه فيهم، وَالأَصَح هُوَ الأول. وَقَوله: ﴿وَإِذا كُنْتُم فيهم﴾ لَيْسَ على سَبِيل الشَّرْط، وَإِنَّمَا خرج الْكَلَام على وفْق الْحَال، وَقد ورد أَن أَصْحَاب رَسُول الله صلوا بعده صَلَاة الْخَوْف.

стр. 1029

( ﴿من وَرَائِكُمْ ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم يصلوا فليصلوا مَعَك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الَّذين كفرُوا لَو تغفلون عَن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عَلَيْكُم مَيْلَة وَاحِدَة وَلَا جنَاح عَلَيْكُم﴾ فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم) وَسبب نزُول الْآيَة: مَا روى أَبُو عَيَّاش الزرقي: " أَن رَسُول الله نزل بعسفان، وَكَانَ على خيل الْمُشْركين خَالِد بن الْوَلِيد، فصلى النَّبِي مَعَ أَصْحَابه صَلَاة الظّهْر، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد وجدنَا مِنْهُم غرَّة إِن قصدناهم، وحملنا عَلَيْهِم، فَقَالَ بَعضهم: سَتَأْتِيهِمْ صَلَاة هِيَ أحب إِلَيْهِم من أَوْلَادهم، وأهاليهم - يعنون صَلَاة الْعَصْر - فَنزل جِبْرِيل، وَأخْبرهُ بمقالتهم، وَأمر بِصَلَاة الْخَوْف ". وَقد روى عَن رَسُول الله صَلَاة الْخَوْف بروايات شَتَّى، وَأخذ الشَّافِعِي بِرِوَايَة صَالح بن خَوات بن جُبَير عَن أَبِيه عَن النَّبِي: " أَنه صلى صَلَاة الْخَوْف، فَجعل أَصْحَابه فرْقَتَيْن، وَصلى بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَة، فَقَامُوا، وَأَتمُّوا رَكْعَتَيْنِ، وذهبوا إِلَى وَجه الْعَدو؛ وَجَاءَت الطَّائِفَة الثَّانِيَة وَالنَّبِيّ ينتظرهم، فصلى بهم الرَّكْعَة الثَّانِيَة وانتظرهم جَالِسا حَتَّى قَامُوا وَأَتمُّوا رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ سلم بهم " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فلتقم طَائِفَة مِنْهُم مَعَك وليأخذوا أسلحتهم﴾ . وَاخْتلفُوا فِي أَنهم مَتى يَأْخُذُونَ أسلحتهم؟ قَالَ بَعضهم: يأخذونه فِي الصَّلَاة؛ ليكونوا أهيب فِي عين الْعَدو؛ فعلى هَذَا يَأْخُذُونَ من السِّلَاح مَا لَا يمنعهُم من الْإِتْيَان بأركان الصَّلَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: يَأْخُذُونَ السِّلَاح إِذا ذَهَبُوا إِلَى وَجه الْعَدو. ﴿فَإِذا سجدوا﴾ يعْنى: فَإِذا صلوا ﴿فليكونوا من وَرَائِكُمْ ولتأت طَائِفَة أُخْرَى لم

стр. 1030

﴿إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى أَن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركُمْ إِن الله أعد للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا (١٠٢) فَإِذا قضيتم الصَّلَاة فاذكروا الله قيَاما وقعودا وعَلى جنوبكم فَإِذا﴾ يصلوا فليصلوا مَعَك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) والحذر: مَا يتقى بِهِ للحذر من الْعَدو ﴿ود الَّذين كفرُوا لَو تغفلون﴾ لَو وجدوكم غافلين ﴿عَن أسلحتكم وأمتعتكم﴾ يَعْنِي: بِالصَّلَاةِ ﴿فيميلون عَلَيْكُم مَيْلَة وَاحِدَة﴾ أَي: فيحملون عَلَيْكُم حَملَة وَاحِدَة. ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر أَو كُنْتُم مرضى أَن تضعوا أسلحتكم﴾ رخص لَهُم فِي وضع السِّلَاح فِي حَال الْمَطَر، وَالْمَرَض؛ لِأَن السِّلَاح يثقل حمله فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ. ﴿وخذوا حذركُمْ إِن الله أعد للْكَافِرِينَ عذَابا مهينا﴾ .

стр. 1031

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذا قضيتم الصَّلَاة﴾ يَعْنِي: صَلَاة الْخَوْف، ﴿فاذكروا الله قيَاما وقعودا وعَلى جنوبكم﴾ يَعْنِي: الذّكر بالتسبيح والتهليل، والتحميد، والتمجيد. ﴿فَإِذا إطمأننتم﴾ يَعْنِي: فَإِذا سكنتم وأقمتم وأمنتم ﴿فأقيموا الصَّلَاة﴾ يَعْنِي على أَرْكَانهَا وهيئتها كَمَا عَرَفْتُمْ ﴿إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا﴾ قَالَ مُجَاهِد: أَي: فرضا مؤقتا يُؤدى (فِي) أوقاته، وَقَالَ زيد بن أسلم: أَرَادَ بِهِ: فرضا منجما يَأْتِي نجم بعد نجم.

стр. 1032

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم إِن تَكُونُوا تألمون فَإِنَّهُم يألمون كَمَا تألمون﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن الْكفَّار يَوْم أحد لما انْهَزمُوا، بعث النَّبِي طَائِفَة من أَصْحَابه على إثرهم، فشكوا ألم الْجِرَاحَات؛ فَنزلت الْآيَة " ﴿وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم﴾ أَي: لَا تضعفوا فِي طلب الْقَوْم. ﴿إِن تَكُونُوا تألمون﴾ أَي: توجعون وتشكون الْأَلَم، فَإِنَّهُم يألمون، أَي: يوجعون ويشكون الْأَلَم كَمَا تألمون، قَالَ الشَّاعِر فِي مَعْنَاهُ: (قَاتل الْقَوْم يَا خزاع وَلَا يدخلنكم ... )

стр. 1033

﴿اطمأننتم فأقيموا الصَّلَاة إِن الصَّلَاة كَانَت على الْمُؤمنِينَ كتابا موقوتا (١٠٣) وَلَا تهنوا فِي ابْتِغَاء الْقَوْم إِن تَكُونُوا تألمون فَإِنَّهُم يألمون كَمَا تألمون وترجون من الله مَا لَا يرجون وَكَانَ﴾ (من قِتَالهمْ، فَشد الْقَوْم أمثالكم لَهُم ... شعر فِي الرَّأْس لَا ينشرون إِن قتلوا) ﴿وترجون من الله مَا لَا يبرجون﴾ أَي: وتأملون من الله مَالا يأملون، من الظفر فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة، وَقَالَ الْفراء وَالْكسَائِيّ: الرَّجَاء بِمَعْنى الْخَوْف، وكل راج خَائِف؛ لِأَنَّهُ يخَاف أَلا يدْرك المأمول، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا لكم لَا ترجون لله وقارا﴾ وَأَجْمعُوا على أَن مَعْنَاهُ: لَا تخافون لله عَظمَة، قَالَ الشَّاعِر: (لَا ترتجي إِذا تلاقى الزائدا ... أسبعة تلقى مَعًا أم وَاحِدًا) ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾

стр. 1034

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى " أَن طعمة بن أُبَيْرِق من بني ظفر بن الْحَارِث سرق درعا، فَلَمَّا أَتَاهُم بِهِ أَلْقَاهُ فِي دَار يَهُودِيّ، وَقَالَ: إِنَّه سرق وَفِي رِوَايَة: أودعهُ عِنْد يَهُودِيّ فَلَمَّا ظهر، قَالَ: إِن الْيَهُودِيّ سَرقه؛ فجَاء قومه إِلَى النَّبِي وهم بَنو ظفر بن الْحَارِث؛ ليدافعوا عَنهُ، وهم النَّبِي بِدفع السّرقَة عَنهُ، وَقطع يَد الْيَهُودِيّ، وَكَانَ عِنْد قومه أَنه السَّارِق؛ فَنزل قَوْله: ﴿إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ﴾ أَي: لتَحكم بِالْحَقِّ. ﴿لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله﴾ أَي: بِمَا علمك، وَحكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: إياك والرأي فَإِن

стр. 1035

﴿الله عليما حكيما (١٠٤) إِنَّا أنزلنَا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ لتَحكم بَين النَّاس بِمَا أَرَاك الله وَلَا تكن للخائنين خصيما (١٠٥) واستغفر الله إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما (١٠٦) وَلَا تجَادل عَن الَّذين يَخْتَانُونَ أنفسهم إِن الله لَا يحب من كَانَ خوانًا أَثِيمًا (١٠٧) يستخفون من النَّاس وَلَا يستخفون من الله وَهُوَ مَعَهم إِذْ يبيتُونَ مَا لَا يرضى من القَوْل وَكَانَ الله بِمَا يعْملُونَ محيطا﴾ الله تَعَالَى يَقُول: ﴿بِمَا أَرَاك الله﴾ وَلم يقل: بِمَا رَأَيْت، ﴿وَلَا تكن للخائنين خصيما﴾ يَعْنِي: طعمة من الخائنين، فَلَا تكن مدافعا عَنهُ

стр. 1036

﴿واستغفر الله﴾ أمره بالاستغفار؛ لِأَنَّهُ كَانَ قد هم أَن يدافع عَنهُ ﴿إِن الله كَانَ غَفُورًا رحِيما﴾ .

стр. 1037

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تجَادل عَن الَّذين يَخْتَانُونَ أنفسهم﴾ أَي: يخونون أنفسهم والاختيان: افتعال من الْخِيَانَة ﴿إِن الله لَا يحب﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: مَعْنَاهُ: إِن الله لَا يقرب ﴿من كَانَ خوانًا أَثِيمًا﴾ الخوان: الخائن والأثيم: ذُو الْإِثْم.

стр. 1038

قَوْله تَعَالَى: ﴿يستخفون من النَّاس وَلَا يستخفون من الله وَهُوَ مَعَهم﴾ بشكوى بني ظفر بن الْحَارِث، مَعْنَاهُ: يستترون من النَّاس، وَلَا يستترون من الله، وَهُوَ مَعَهم ﴿إِذْ يبيتُونَ مَالا يرضى من القَوْل﴾ قد بَينا أَن التبييت: تَدْبِير الْفِعْل لَيْلًا؛ وَذَلِكَ التبييت مِنْهُم أَن قوم طعمة قَالُوا: ندفع أمره إِلَى النَّبِي؛ فَإِنَّهُ يسمع يَمِينه، وَقَوله؛ لِأَنَّهُ مُسلم، وَلَا يسمع من الْيَهُودِيّ؛ لِأَنَّهُ كَافِر، فَلم يرض الله تَعَالَى قَوْلهم ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ محيطا﴾ .

стр. 1039

قَوْله تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ يَعْنِي: أَنْتُم يَا هَؤُلَاءِ، قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: هَا أَنْتُم الَّذين ﴿جادلتهم عَنْهُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ أَي: خاصمتم، وأصل الْجِدَال: الجدل، وَهُوَ الفتل، وَيُقَال: شخص أجدل، إِذا كَانَ وثيق الْخلق، وَيُقَال للصقر: أجدل؛ لِأَنَّهُ أقوى الطُّيُور على الصَّيْد. ﴿فَمن يُجَادِل الله عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة أم من يكون عَلَيْهِم وَكيلا﴾ يَعْنِي: من الَّذِي يتَوَلَّى أَمرهم، ويذب عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة؟

стр. 1040

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما﴾ عرض التَّوْبَة على طعمة وَقَومه فِي هَذِه الْآيَة، وَأمرهمْ بالاستغفار.

стр. 1041

( ﴿١٠٨) هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ جادلتم عَنْهُم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا فَمن يُجَادِل الله عَنْهُم يَوْم الْقِيَامَة أم من يكون عَلَيْهِم وَكيلا (١٠٩) وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما (١١٠) وَمن يكْسب إِثْمًا فَإِنَّمَا يكسبه على نَفسه وَكَانَ الله عليما حكيما (١١١) وَمن يكْسب خَطِيئَة أَو إِثْمًا ثمَّ يرم بِهِ بَرِيئًا فقد احْتمل بهتانا وإثما مُبينًا (١١٢) وَلَوْلَا فضل الله﴾

стр. 1042

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يكْسب إِثْمًا فَإِنَّمَا يكسبه على نَفسه﴾ سَبَب هَذَا أَن قومه قَالُوا لَهُ: تب إِلَى الله، فَحلف أَنى مَا سَرقته، وَإِنَّمَا سَرقه الْيَهُودِيّ؛ فَذَلِك الَّذِي يَقُول الله - تَعَالَى - وَمن كَسبه الْإِثْم ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .

стр. 1043

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يكْسب خَطِيئَة أَو إِثْمًا﴾ هُوَ سَرقته الَّتِي ذكرنَا، ﴿ثمَّ يرم بِهِ بَرِيئًا﴾ هُوَ نسبته السّرقَة إِلَى الْيَهُودِيّ الَّذِي كَانَ بَرِيئًا عَنْهَا ﴿فقد احْتمل بهتانا وإثما مُبينًا﴾ فالبهتان: الْكَذِب الَّذِي يتحير مِنْهُ الْإِنْسَان، وَهُوَ البهت، وَأَرَادَ بالإثم الْمُبين: الْيَمين الْفَاجِرَة.

стр. 1044

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْك وَرَحمته﴾ هَذَا خطاب للرسول ﴿لهمت طَائِفَة مِنْهُم أَن يضلوك﴾ يعْنى: قوم طعمه، هموا أَن يلبسوا عَلَيْك؛ لتدافع عَنهُ ﴿وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم﴾ أَي: يرجع وباله عَلَيْهِم ﴿وَمَا يضرونك من شئ﴾ يعْنى: ضَرَره عَائِد عَلَيْهِم، وَلَا يَضرك؛ لِأَنَّك مَعْصُوم ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ: وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب بالحكمة، وَقيل: أَرَادَ بِالْكتاب: الْقُرْآن، وبالحكمة: السّنة ﴿وعلمك مَا لم تكن تعلم﴾ يعْنى: من أَحْكَام الْقُرْآن، وَقيل: من علم الْغَيْب، وَقيل: علمك قدرك، وَلم تكن تعلمه ﴿وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾ .

стр. 1045

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة﴾ . النَّجْوَى: السرائر فِي التَّدْبِير، قَالَ الزّجاج: كل مَا انْفَرد بتدبيره قوم يَخُوضُونَ فِيهِ؛ فَهُوَ نجوى: سرا كَانَ أَو عَلَانيَة، وَأَرَادَ هَاهُنَا: نجوى قوم طعمه وتدبيرهم، وَقيل: هُوَ فِي جَمِيع الْحَوَادِث. ﴿إِلَّا من أَمر بِصَدقَة﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ إِلَّا نجوى من أَمر بِصَدقَة، وَقيل: هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، يعْنى: لَكِن من أَمر بِصَدقَة ﴿أَو مَعْرُوف﴾ وَهُوَ كل مَا عرفه الشَّرْع ﴿أَو

стр. 1046

﴿عَلَيْك وَرَحمته لهمت طَائِفَة مِنْهُم أَن يضلوك وَمَا يضلون إِلَّا أنفسهم وَمَا يضرونك من شئ وَأنزل الله عَلَيْك الْكتاب وَالْحكمَة وعلمك مَا لم تكن تعلم وَكَانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما (١١٣) لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بِصَدقَة أَو مَعْرُوف أَو إصْلَاح بَين النَّاس وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما (١١٤) وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد﴾ إصْلَاح بَين النَّاس) وَفِي الْخَبَر: " كل كَلَام ابْن آدم عَلَيْهِ إِلَّا ثَلَاثَة: أَمر بِمَعْرُوف، أَو نهى عَن مُنكر، أَو ذكر الله " وَقيل لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة - حِين روى هَذَا الحَدِيث؛ فَقَالُوا -: مَا أَشد هَذَا الحَدِيث؟ ! فَقَالَ: اقْرَءُوا قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا خير فِي كثير من نَجوَاهُمْ إِلَّا من أَمر بصدقه﴾ الْآيَة. وروى: أَن رَسُول الله قَالَ لأبى أَيُّوب الْأنْصَارِيّ: " أَلا أدلك على صَدَقَة هِيَ خير لَك من حمر النعم - أَي: من الصَّدَقَة بحمر النعم؟ - قَالَ: بلَى يَا رَسُول الله، فَقَالَ: أَن تصلح بَين النَّاس إِذا تفاسدوا، وَأَن تقرب بَينهم إِذا تباعدوا ". ﴿وَمن يفعل ذَلِك ابْتِغَاء مرضات الله فَسَوف نؤتيه أجرا عَظِيما﴾ .

стр. 1047

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ أَرَادَ بِهِ: طعمه، جادل النَّبِي، ثمَّ لحق بِمَكَّة، وارتد حِين ظهر عَلَيْهِ الحكم بِالْقطعِ. قَالَ سعيد بن جُبَير: إِنَّه لما لحق بِمَكَّة سرق هُنَالك، فَوجدَ فِي نقب يسرق، فَقتل.

стр. 1048

﴿مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا (١١٥) إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالا بَعيدا (١١٦) إِن يدعونَ من دونه إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يدعونَ إِلَّا شَيْطَانا مرِيدا (١١٧) لَعنه الله وَقَالَ﴾ وَفِي بعض الْقَصَص: أَنه حِين لحق بِمَكَّة نزل على الْحجَّاج بن غلاط الْأَسْلَمِيّ، فَقَامَ فِي بعض اللَّيْل يسرق، فأحسوا بِهِ، فَأَخَذُوهُ واجتمعوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: إِنَّه ضيف، وتركوه؛ فلحق بحرة بني سليم، وَكَانَ يعبد الْأَصْنَام، وَمَات عَلَيْهِ؛ فَفِيهِ نزلت الْآيَة ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ﴾ لِأَنَّهُ لما ارْتَدَّ، فقد اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ. وَاسْتدلَّ أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على أَن الْإِجْمَاع حجَّة. قَوْله: ﴿نوله مَا تولى﴾ أَي: نوله مَا اخْتَارَهُ، وَقيل: نكله إِلَى (من) تولاه ﴿ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ .

стр. 1049

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقد ذكرنَا معنى الْآيَة فِيمَا سبق ﴿وَمن يُشْرك بِاللَّه فقد ضل ضلالا بَعيدا﴾ روى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن عَليّ ﵁ انه قَالَ: هَذِه أحب آيَة إِلَيّ فِي الْقُرْآن.

стр. 1050

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن يدعونَ من دونه﴾ أَي: مَا يدعونَ من دونه ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾ قيل: مَعْنَاهُ الْأَوْثَان، وَإِنَّمَا سميت الْأَوْثَان إِنَاثًا؛ لأَنهم كَانُوا يسمونها باسم الْإِنَاث، فَيَقُولُونَ: اللات، والعزى، وَمَنَاة، وَكَانُوا يَقُولُونَ لصنم كل قَبيلَة: أُنْثَى بني فلَان، قَالَ أبي بن كَعْب: كَانَ مَعَ كل صنم جنية من الشَّيَاطِين، وَقيل: مَعْنَاهُ: الْموَات وَإِنَّمَا سمي الْموَات إِنَاثًا؛ لِأَن الْإِنَاث أرذل الجنسين، وأدونهما، فَكَذَلِك الْموَات أرذل من الْحَيَوَان، وَكَانَت أصنامهم من الْموَات والجماد. قَالَ الضَّحَّاك: أَرَادَ بِهِ: الْمَلَائِكَة، وَكَانُوا يَقُولُونَ: الْمَلَائِكَة إناث، وَكَانَ بَعضهم

стр. 1051

﴿لأتخذن من عِبَادك نَصِيبا مَفْرُوضًا (١١٨) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله وَمن يتَّخذ الشَّيْطَان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا﴾ يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة، ويصورون الْأَصْنَام على صور الْمَلَائِكَة، وَقَرَأَ ابْن عَبَّاس: " إِلَّا أنثا " جمع الْأَوْثَان، وَقَرَأَ فِي الشواذ أَيْضا " إِلَّا أنثا " جمع الْإِنَاث؛ فَيكون على جمع الْجمع كالمثل. ﴿وَإِن يدعونَ إِلَّا شَيْطَانا مرِيدا﴾ ؛ لأَنهم إِذا عبدُوا الْأَصْنَام، فقد أطاعوا الشَّيْطَان، وَأَرَادَ بِهِ: إِبْلِيس، والمريد العاتي المتمرد، وَحَقِيقَته: العاري من كل خير، وَمِنْه الْأَمْرَد، وَيُقَال: شَجَرَة مرداء، إِذا تساقطت أَغْصَانهَا.

стр. 1052

﴿لَعنه الله﴾ أَي: أبعده الله من الرَّحْمَة؛ معاقبة، وَلذَلِك لَا يجوز لعن الْبَهَائِم؛ لِأَنَّهَا لَا تستوجب الْعقُوبَة، والطرد عَن الرَّحْمَة. ﴿وَقَالَ لأتخذن من عِبَادك نَصِيبا مَفْرُوضًا﴾ أَي: مِقْدَارًا مَعْلُوما، قيل فِي التَّفْسِير: من كل ألف تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتسْعُونَ للشَّيْطَان وَوَاحِد لله. وأصل الْفَرْض: الحز وَالْقطع، وَمِنْه فرض الْقوس: وَهُوَ الشق الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الْوتر. وَمِنْه فرض السِّوَاك: وَهُوَ الْموضع الَّذِي يَجْعَل فِيهِ الْخَيط، وَمِنْه فرضة الْبَحْر: وَهُوَ المشرع الَّذِي توقف إِلَيْهِ السَّفِينَة، وَالْفَرْض: نوع من التَّمْر يكون بعمان، قَالَ الشَّاعِر: (إِذا أكلت سمكًا وفرضا ... ذهبت طولا وَذَهَبت عرضا)

стр. 1053

قَوْله تَعَالَى: ﴿ولأضلنهم﴾ أَي: لأغوينهم، فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ نسب إِلَيْهِ الإضلال، وَلَيْسَ إِلَيْهِ الضَّلَالَة؟ قُلْنَا: مَعْنَاهُ: التزيين والدعوة إِلَى الضَّلَالَة، وَقد قَالَ: " بعثت دَاعيا، وَلَيْسَ إِلَى من الْهِدَايَة شئ، وَبعث الشَّيْطَان مزينا، وَلَيْسَ إِلَيْهِ من الضَّلَالَة شئ ". ﴿ولأمنينهم﴾ قيل: مَعْنَاهُ: أمنينهم ركُوب الْأَهْوَاء، وَقيل

стр. 1054

﴿مُبينًا (١١٩) يعدهم ويمنيهم وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مأواهم جَهَنَّم وَلَا يَجدونَ عَنْهَا محيصا (١٢١) وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سندخلهم جنَّات تجْرِي من﴾ مَعْنَاهُ: أمنينهم طول الْعُمر فِي النَّعيم؛ ليؤثروا الدُّنْيَا على الْآخِرَة، وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: أمنيهم إِدْرَاك الْآخِرَة مَعَ ركُوب الْمعاصِي. ﴿ولآمرنهم فليبتكن آذان الْأَنْعَام﴾ أَرَادَ بِهِ: الْبحيرَة الَّتِي تَأتي فِي سُورَة الْمَائِدَة، والبتك: الْقطع، وَالْمرَاد بِهِ: شقّ الآذان، ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ قَول مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: فليغيرن دين الله، أَي: وضع الله فِي الدّين: بتحليل الْحَرَام، وَتَحْرِيم الْحَلَال، وَنَحْو ذَلِك، وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن ابْن عَبَّاس وَهُوَ قَول أنس، وَعِكْرِمَة: أَرَادَ بِهِ: إخصاء الْأَنْعَام، وَكَانَ أنس يكره إخصاء الْبَهَائِم من أجل هَذَا، وَكَانَ يُجِيزهُ الْحسن، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: أَرَادَ بِهِ الوشم، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ تغير الْأَنْسَاب؛ وَذَلِكَ أَن ينْتَقل من نسب إِلَى نسب، وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ: الخضاب بِالسَّوَادِ، وَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ، وَإِنَّمَا الخضاب الْمُبَاح بالحمرة، والصفرة ﴿وَمن يتَّخذ الشَّيْطَان وليا من دون الله﴾ أَي: يواليه باتباعه ﴿فقد خسر خسرانا مُبينًا﴾ .

стр. 1055

قَوْله تَعَالَى: ﴿يعدهم﴾ وعده قد يكون بالتخويف كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الشَّيْطَان يَعدكُم الْفقر﴾ وَقيل: أَنه يتَمَثَّل فِي صُورَة الْآدَمِيّ، فيعد، ويمنى، وَكَانَ قد ظهر يَوْم بدر فِي صُورَة سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَظهر فِي الْيَوْم الَّذِي اجْتمعت فِيهِ قُرَيْش، وَتَشَاوَرُوا فِي إِخْرَاج النَّبِي، فِي صُورَة شيخ من نجد. وَقَوله ﴿ويمنيهم﴾ قد ذكرنَا، وَمن ذَلِك تمنى الْإِنْسَان قَضَاء الشَّهَوَات. وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان لَا يُؤَاخذ بِغَلَبَة الشَّهْوَة، واشتهاء الشَّهَوَات؛ لِأَن ذَلِك شئ جبل عَلَيْهِ، ويؤاخذ بالتمني، وَذَلِكَ أَن يتَمَنَّى خمرًا ليشربه، أَو امْرَأَة؛ ليزني بهَا، فَذَلِك من الْمعْصِيَة، ويؤاخذ بِهِ ﴿وَمَا يعدهم الشَّيْطَان إِلَّا غرُورًا﴾ الْغرُور: إِيهَام الْوُصُول إِلَى النَّفْع من مَوضِع الضّر
следующие страницы →