← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة﴾ مَعْنَاهُ: أَيْنَمَا كُنْتُم يأتيكم الْمَوْت، وَإِن كُنْتُم فِي بروج مشيدة، والبروج: الْحُصُون، قَالَ السّديّ: وَهِي قُصُور بيض فِي السَّمَاء، قَوْله: ﴿مشيدة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس - فِي القَوْل الْمَعْرُوف -: هِيَ الْمَعْرُوفَة المطولة، وَقَالَ عِكْرِمَة: المشيدة: المجصصة، والشيد: الجص. وَقَالَ بَعضهم: المشيد: المجصص، والمشيدة: المرفوعة، وَفِيه قَول آخر عَن ابْن عَبَّاس: أَنه أَرَادَ: فِي بروج من حَدِيد. ﴿وَإِن تصبهم حَسَنَة يَقُولُوا هَذِه من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك﴾ فالحسنة: الخصب، والسيئة: الجدب، وَقيل الْحَسَنَة: النَّصْر، وَالظفر يَوْم بدر، والسيئة: الْهَزِيمَة وَالْقَتْل يَوْم أحد، وَمعنى الْآيَة: أَن الْمُسلمين إِذا أَصَابَتْهُم حَسَنَة، فَقَالَ الْكفَّار: هَذَا من عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة قَالُوا هَذَا من عنْدك أَي: بشؤمك؛ وَذَلِكَ أَن النَّبِي لما قدم الْمَدِينَة أصَاب أَهلهَا نوع سوء؛ فَقَالَت الْيَهُود: مَا رَأينَا أشأم

стр. 982

﴿وليا وَاجعَل لنا من لَدُنْك نَصِيرًا (٧٥) الَّذين آمنُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله وَالَّذين كفرُوا يُقَاتلُون فِي سَبِيل الطاغوت فَقَاتلُوا أَوْلِيَاء الشَّيْطَان إِن كيد الشَّيْطَان كَانَ ضَعِيفا (٧٦) ألم تَرَ﴾ من هَذَا الرجل؛ مُنْذُ دخل دِيَارنَا، قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا؛ وَذَلِكَ بلية للْمُسلمين، وَهَذَا نَحْو مَا قَالُوا لصالح ﵇ ﴿اطيرنا بك وبمن مَعَك﴾ وَفِي قصَّة مُوسَى: ﴿يطيروا بمُوسَى وَمن مَعَه﴾ وَفِي سُورَة " يس ": ﴿إِنَّا تطيرنا بكم﴾ . ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ أَي: الخصب، والجدب، والنصر، والهزيمة، كل من عِنْد الله، ﴿فَمَا لهَؤُلَاء الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا﴾ أَي: مَا لَهُم لَا يعلمُونَ حَدِيثا. والْحَدِيث: الْقُرْآن هَاهُنَا، أَي: لَا يعلمُونَ مَعَاني الْقُرْآن.

стр. 983

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله﴾ يَعْنِي: مَا أَصَابَك من خصب، فَمن فضل الله، ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة﴾ أَي: من جَدب ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بذنبك. وَالْخطاب وَإِن كَانَ مَعَ الرَّسُول، فَالْمُرَاد بِهِ: الْأمة؛ وَذَلِكَ معنى قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَصَابَكُم من مُصِيبَة فبمَا كسبت أَيْدِيكُم﴾ قيل مَعْنَاهُ: وَمَا أَصَابَك من حَسَنَة أَيهَا الْإِنْسَان فَمن الله، وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة، فَمن نَفسك؛ فَيكون الْخطاب مَعَ كل أحد من النَّاس، وَقيل: مَعْنَاهُ ﴿مَا أَصَابَك من حَسَنَة﴾ أَي: من النَّصْر، وَالظفر فَمن فضل الله ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة﴾ أَي: من هزيمَة، وَقتل يَوْم أحد ﴿فَمن نَفسك﴾ أَي: بذنب نَفسك من مُخَالفَة النَّبِي كَمَا سبق. فَإِن قيل: كَيفَ وَجه الْجمع بَين الْآيَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قد قَالَ - فِي الْآيَة الأولى -: ﴿قل كل من عِنْد الله﴾ قيل: معنى الْآيَة الأولى: أَن الخصب والجدب والنصر والهزيمة

стр. 984

﴿إِلَى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال إِذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا﴾ كلهَا تقع من عِنْد الله، وَمعنى الْآيَة الثَّانِيَة ﴿وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ أَي: مَا أَصَابَك من سَيِّئَة من الله، فبذنب نَفسك؛ عُقُوبَة لَك. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة مُتَعَلق لأهل الْقدر أصلا؛ فَإِن الْآيَة فِيمَا يُصِيب النَّاس من النعم والمحن، لَا فِي الطَّاعَات والمعاصي؛ إِذْ لَو كَانَ المُرَاد مَا توهموا، لقَالَ: مَا أصبت من حَسَنَة، فَمن الله وَمَا أصبت من سَيِّئَة؛ فَلَمَّا قَالَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة؛ دلّ أَنه أَرَادَ: مَا يُصِيب الْعباد من النعم والمحن، لَا فِي الطَّاعَات والمعاصي، وَحكى عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد، عَن مُجَاهِد، أَن ابْن عَبَّاس قَرَأَ: " وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك وَأَنا كتبتها عَلَيْك " وَكَذَا حكى عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَرَأَ كَذَلِك، وَهُوَ مَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ يُؤَيّد قَوْلنَا: إِن المُرَاد: بذنب نَفسك. وَفِي الْآيَة قَول آخر: مُضْمر فِيهِ، وَتَقْدِيره: فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا؛ يَقُولُونَ: مَا أَصَابَك من حَسَنَة، فَمن الله، وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة، فَمن نَفسك فَيكون حِكَايَة لقَوْل الْكفَّار ﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَكفى بِاللَّه شَهِيدا﴾ .

стр. 985

قَوْله تَعَالَى: ﴿من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله﴾ روى: " أَن النَّبِي قَالَ: " من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله تَعَالَى وَمن أَحبَّنِي فقد أحب الله، فَقَالَت الْيَهُود: إِن هَذَا الرجل يُرِيد أَن نتخذه رَبًّا وَحَنَانًا، كَمَا اتَّخذت النَّصَارَى عِيسَى بن مَرْيَم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة على وفَاق قَول الرَّسُول " ﴿وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا﴾ أَي: كل أمره إِلَى.

стр. 986

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَة﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين يَقُولُونَ بِاللِّسَانِ: مرنا، فَإِن أَمرك طَاعَة ﴿فَإِذا برزوا﴾ أَي: خَرجُوا ﴿من عنْدك بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي

стр. 987

﴿أخرتنا إِلَى أجل قريب قل مَتَاع الدُّنْيَا قَلِيل وَالْآخِرَة خير لمن اتَّقى وَلَا تظْلمُونَ فتيلا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يدرككم الْمَوْت وَلَو كُنْتُم فِي بروج مشيدة وَإِن تصبهم حَسَنَة يَقُولُوا هَذِه من﴾ ﴿تَقول﴾ قَالَ أَبُو رزين: بَيت أَي: ألف. وَقَالَ غَيره: بَيت، أَي: بدل؛ وَالأَصَح أَنه من التبييت، وَهُوَ فعل الشَّيْء لَيْلًا، يُقَال: هَذَا أَمر بَيت لَيْلًا، قيل: أَي: فعل بِاللَّيْلِ، وَيجوز أَن يُقَال لما فعل بِالنَّهَارِ: تبييتا؛ لِأَن الْفِعْل بِاللَّيْلِ إِنَّمَا سمى تبييتا؛ لِأَن الْإِنْسَان بِاللَّيْلِ يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هَذَا الْمَعْنى يجوز أَن يُقَال لما فعل بِالنَّهَارِ: تبييتا، قَالَ الشَّاعِر: (بيتوا أَمرهم بلَيْل فَلَمَّا ... أَصْبحُوا أَصْبحُوا على ضوضاء) وَمعنى ﴿بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير الَّذِي تَقول﴾ أَي: خالفوا بِاللَّيْلِ مَا قَالُوا بِالنَّهَارِ ﴿وَالله يكْتب مَا يبيتُونَ﴾ أَي: يُحْصى ويحفظ؛ ليجازى عَلَيْهِ، وَقيل: يَأْمر الكتبة حَتَّى يكتبوا (فَأَعْرض عَنْهُم) قَالَ الضَّحَّاك: مَعْنَاهُ: لَا تخبر بِأَسْمَائِهِمْ، وَكَانَ ﵊ يعرف الْمُنَافِقين، وَمَا كَانَ يخبر بِأَسْمَائِهِمْ ﴿وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا﴾ أَي: اتَّخذهُ وَكيلا.

стр. 988

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ التدبر: النّظر فِي الْأَمر إِلَى آخِره، وَهُوَ من دبر الشَّيْء: آخِره، وَفِي الْخَبَر: " من أَشْرَاط السَّاعَة: وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا دبرا " أَي: آخرا وَمِنْه قَوْله: " لَا تدابروا " أَي: لَا يول بَعْضكُم ظَهره إِلَى بعض عَدَاوَة.

стр. 989

﴿عِنْد الله وَإِن تصبهم سَيِّئَة يَقُولُوا هَذِه من عنْدك قل كل من عِنْد الله فَمَال هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَا يكادون يفقهُونَ حَدِيثا (٧٨) مَا أَصَابَك من حَسَنَة فَمن الله وَمَا أَصَابَك من سَيِّئَة فَمن نَفسك﴾ فَقَوله ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن﴾ أَي: أَفلا يتفكرون فِي الْقُرْآن ﴿وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: لَيْسَ فِي الْقُرْآن تنَاقض وَلَا تفَاوت؛ فَهَذَا معنى الْآيَة. وَقَالَ الزّجاج: مَا أخبر عَن الْغَيْب فكله صدق، لَيْسَ بعضه صدقا، وَبَعضه كذبا، وَقيل: مَعْنَاهُ: أَن كُله بليغ صَحِيح، لَيْسَ فِيهِ مرذول وَلَا فَاسد.

стр. 990

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ﴾ يَعْنِي: الْمُنَافِقين إِذا جَاءَهُم أَمر وَخبر من أَمر السَّرَايَا الَّذين بَعثهمْ رَسُول الله، فَإِن كَانَ بالأمن والنصر، كتموا، وَقصرُوا فِي الْأَخْبَار، وَإِن كَانَ بالخوف والهزيمة أذاعوا بِهِ، وَزَادُوا. وَفِي الْآيَة إِضْمَار، وتقديرها: وَإِذا جَاءَهُم أَمر من الْأَمْن قصروا فِي الْإِخْبَار بِهِ، وكتموا، [وَإِذا] جَاءَهُم أَمر من الْخَوْف أذاعوا بِهِ ﴿وَلَو روده إِلَى الرَّسُول﴾ قيل أَرَادَ بقوله: ﴿وَلَو ردُّوهُ﴾ يَعْنِي: ضعفة الْمُسلمين الَّذين سمعُوا تِلْكَ الْأَخْبَار من الْمُنَافِقين قَالُوا مثل قَوْلهم؛ فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول﴾ وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد بِهِ فِي الْكَلَام الْمُؤمنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، لَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول. ﴿وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم﴾ يَعْنِي: إِلَى أُمَرَاء السَّرَايَا ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ يَعْنِي: لَو طلبُوا تِلْكَ الْأَخْبَار من عِنْد أُمَرَاء السَّرَايَا، ووكلوا الْإِخْبَار بهَا إِلَيْهِم؛ لعلمه الَّذين يحبونَ أَن يعلموه على حَقِيقَته كَمَا هُوَ، والاستنباط: هُوَ اسْتِخْرَاج الْعلم وَمِنْه النبط، وهم قوم يستخرجون المَاء، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْعلمَاء يَعْنِي: وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول، وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلم الَّذين يستنبطونه مِنْهُم مَا يَنْبَغِي أَن

стр. 991

﴿وأرسلناك للنَّاس رَسُولا وَكفى بِاللَّه شَهِيدا (٧٩) من يطع الرَّسُول فقد أطَاع الله وَمن تولى فَمَا أَرْسَلْنَاك عَلَيْهِم حفيظا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَة فَإِذا برزوا من عنْدك بَيت طَائِفَة مِنْهُم غير﴾ يكتم، ويعلمون مَا يَنْبَغِي أَن يفشي، يَعْنِي: الْعلمَاء. ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ اسْتثْنى الْقَلِيل، وَلَوْلَا فَضله لاتبع الْكل الشَّيْطَان؟ قيل: اخْتلفُوا فِيهِ، قَالَ الْفراء: هَذَا الِاسْتِثْنَاء رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿أذاعوا بِهِ﴾ إِلَّا قَلِيلا، وَقَوله: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لَا تبعتم الشَّيْطَان﴾ ، كَلَام تَامّ، وَقيل: هُوَ رَاجع إِلَى قَوْله: ﴿لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لَا تبعتم الشَّيْطَان﴾ وَقيل: هُوَ على نظمه، وَمَعْنَاهُ: وَلَوْلَا مَا تفضل الله عَلَيْكُم بِهِ من الْبَيَان لما يَنْبَغِي أَن يفعل وَمَا يَنْبَغِي أَن يجْتَنب ﴿لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا﴾ . وَفِيه قَول رَابِع: أَنه أَرَادَ بِالْقَلِيلِ: قوما اهتدوا بِالْحَقِّ قبل بعث الرَّسُول، وإنزال الْقُرْآن، وأقروا بِالتَّوْحِيدِ، وَذَلِكَ مثل: زيد بن عَمْرو بن نفَيْل، وورقة بن نَوْفَل، وَجَمَاعَة، وَقد قَالَ فِي زيد بن عَمْرو بن نفَيْل: " إِنَّه يبْعَث أمة على حِدة ".

стр. 992

قَوْله تَعَالَى ﴿فقاتل فِي سَبِيل الله﴾ كَذَا يتَّصل بِمَا سبق من قَوْله: ﴿وَمَا لكم لَا تقاتلون﴾ لما عَاتَبَهُمْ على ترك الْقِتَال، قَالَ للرسول: إِن لم يُقَاتل هَؤُلَاءِ، فقاتل أَنْت وَحدك ﴿لَا تكلّف إِلَّا نَفسك وحرض الْمُؤمنِينَ عَسى الله أَن يكف بَأْس الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: عَذَاب الَّذين كفرُوا، وَعَسَى من الله وَاجِب، وَالْمرَاد بِهِ: تطميع الْمُؤمنِينَ، ﴿وَالله أَشد بَأْسا﴾ أَي: أَشد عذَابا ﴿وَأَشد تنكيلا﴾ التنكيل من النكل، وَهُوَ الْمَنْع، وَمِنْه النكال: وَهُوَ مَا يفعل بالإنسان، فَيمْنَع غَيره عَن فعله.

стр. 993

قَوْله تَعَالَى: ﴿من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع﴾

стр. 994

﴿الَّذِي تَقول وَالله يكْتب مَا يبيتُونَ فَأَعْرض عَنْهُم وتوكل على الله وَكفى بِاللَّه وَكيلا (٨١) أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا (٨٢) وَإِذا جَاءَهُم﴾ ﴿شَفَاعَة سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الشَّفَاعَة الْحَسَنَة: هِيَ الْإِصْلَاح بَين النَّاس، والشفاعة السَّيئَة: هِيَ الْمَشْي بالنميمة بَين النَّاس، وَقيل: هُوَ فِي كل الشفاعات، فالشفاعة الْحَسَنَة: هِيَ أَن يَقُول قولا حسنا؛ ينَال بِهِ الْخَيْر، والشفاعة السَّيئَة: هِيَ أَن يَقُول قولا قبيحا؛ يلْحق بِهِ سوء. قَوْله: ﴿يكن لَهُ نصيب مِنْهَا﴾ أَي: من أجرهَا، وَقَوله: ﴿يكن لَهُ كفل مِنْهَا﴾ أَي: من وزرها، والكفل: النَّصِيب، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته﴾ أَي نَصِيبين. وَاعْلَم أَن الْإِنْسَان يُؤجر على الشَّفَاعَة، وَإِن لم يشفع؛ لِأَن الله تَعَالَى يَقُول: ﴿من يشفع﴾ ، وَلم يقل: من يشفع، وَقد روى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن رَسُول الله أَنه قَالَ: " اشفعوا تؤجروا، وَيَقْضِي الله على لِسَان نبيه مَا شَاءَ ". وَاعْلَم أَن الشَّفَاعَة مُسْتَحبَّة فِي كل الْحُقُوق إِلَّا فِي حُدُود الله تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ لَا يجوز فِيهَا الشَّفَاعَة ليترك الْحَد، وَقد قَالَ: " من شفع فِي حد من حُدُود من الله تَعَالَى فقد ضاد الله فِي ملكه " أَي: نازعه فِي ملكه. ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء مقيتا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: المقيت: المقتدر، قَالَ الشَّاعِر: (وَذي ضغن كَفَفْت النَّفس عَنهُ ... وَكنت على مساءته مقيتا) وَالْقَوْل الثَّانِي عَن ابْن عَبَّاس: المقيت: الْحَافِظ، وَفِي الْخَبَر: " كفى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَن

стр. 995

﴿أَمر من الْأَمْن أَو الْخَوْف أذاعوا بِهِ وَلَو ردُّوهُ إِلَى الرَّسُول وَإِلَى أولي الْأَمر مِنْهُم لعلمه الَّذين يستنبطونه مِنْهُم وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لاتبعتم الشَّيْطَان إِلَّا قَلِيلا (٨٣) فقاتل فِي سَبِيل الله لَا تكلّف إِلَّا نَفسك وحرض الْمُؤمنِينَ عَسى الله أَن يكف بَأْس الَّذين كفرا وَالله﴾ يضيع من يقوته " أَي: من قوته، وَفِي رِوَايَة: " من يقيت " أَي: من فِي حفظه، وَفِيه قَول ثَالِث: أَن الله تَعَالَى على كل حَيَوَان مقيت، أَي: يُوصل الْقُوت إِلَيْهِ؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَكَانَ الله على كل شَيْء﴾ أَي: حَيَوَان ﴿مقيتا﴾ .

стр. 996

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد بالتحية هَاهُنَا: السَّلَام، وأصل التَّحِيَّة: هُوَ دُعَاء بِالْحَيَاةِ، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَة عبارَة عَن السَّلَام، وَالسَّلَام: دُعَاء السَّلامَة، وَقد تكون التَّحِيَّة بِمَعْنى: الْملك والبقاء، وَمِنْه: التَّحِيَّات لله، وَقَالَ الشَّاعِر: (وَلكُل مَا نَالَ الْفَتى ... قد نلته إِلَّا التَّحِيَّة) يَعْنِي: إِلَّا الْملك، وعَلى معنى السَّلَام أنشدوا قَول الشَّاعِر: (إِنَّا محيوك يَا سلمى فحيينا ... وَإِن سقيت كرام النَّاس فاسقينا) ﴿فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا﴾ أَرَادَ بِهِ: رد السَّلَام بِأَحْسَن مِمَّا سلم، أَو ترد كَمَا سلم، فَإِذا قَالَ: السَّلَام عَلَيْك، فالمستحب أَن تَقول: وَعَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله، وَإِذا قَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، تَقول: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، وَهُوَ الْأَحْسَن. وَفِي الْخَبَر: " أَن رجلا جَاءَ، فَسلم على النَّبِي، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله، فَدخل آخر وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم السَّلَام وَرَحْمَة الله

стр. 997

﴿أَشد بَأْسا وَأَشد تنكيلا (٨٤) من يشفع شَفَاعَة حَسَنَة يكن لَهُ نصيب مِنْهَا وَمن يشفع شَفَاعَة﴾ وَبَرَكَاته، فَدخل ثَالِث، وَقَالَ: السَّلَام عَلَيْك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته، فَقَالَ: وَعَلَيْكُم؛ فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ ﵇ إِن الأول وَالثَّانِي تركا من التَّحِيَّة شَيْئا؛ فأجبت بِأَحْسَن، وَإِن الثَّالِث لم يتْرك من التَّحِيَّة شَيْئا فَرددت عَلَيْهِ ". وَاعْلَم أَن السَّلَام، سنة ورد السَّلَام فَرِيضَة، لكنه فرض على الْكِفَايَة، حَتَّى إِذا سلم على جمَاعَة فَرد أحدهم؛ سقط الْفَرْض عَن البَاقِينَ، وَكَذَلِكَ السَّلَام سنة على الْكِفَايَة، حَتَّى إِذا كَانَت جمَاعَة، فَسلم أحدهم كفى فِي السّنة. وروى الْحسن مُرْسلا عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " السَّلَام سنة ورده فَرِيضَة ". وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين: أَرَادَ بالتحية: الهبات والهدايا، وَقَوله: ﴿فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا﴾ أَرَادَ بِهِ: الثَّوَاب على الْهَدِيَّة، وَهُوَ سنة، " وَكَانَ ﵇ يقبل الْهَدِيَّة، ويثيب عَلَيْهَا "، وَالأَصَح هُوَ القَوْل الأول. ﴿إِن الله كَانَ على شئ حسيبا﴾ أَي: محاسبا، وَقيل كَافِيا، وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿جَزَاء من رَبك عَطاء حسابا﴾ أَي: كَافِيا.

стр. 998

﴿سَيِّئَة يكن لَهُ كفل مِنْهَا وَكَانَ الله على كل شئ مقيتا (٨٥) وَإِذا حييتُمْ بِتَحِيَّة فَحَيوا بِأَحْسَن مِنْهَا أَو ردوهَا إِن الله كَانَ على كل شئ حسيبا (٨٦) الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم﴾

стр. 999

قَوْله تَعَالَى: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ليجمعنكم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ﴾ " اللَّام " لَام الْقسم، وَتَقْدِيره: وَالله ليجمعنكم الله إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَاخْتلفُوا: أَنه فيمَ يجمعهُمْ؟ قَالَ بَعضهم: يجمعهُمْ فِي الإهلاك وَالْمَوْت إِلَى الْقِيَامَة، وَقَالَ بَعضهم: يجمعهُمْ فِي الْقُبُور إِلَى الْقِيَامَة. وَاخْتلفُوا: لم سميت الْقِيَامَة قِيَامَة؟ قَالَ بَعضهم: لِأَن النَّاس يقومُونَ فِيهَا إِلَى رب الْعَالمين، كَمَا قَالَ الله تعالي: ﴿يَوْم يقوم النَّاس لرب الْعَالمين﴾ وَقيل: إِن النَّاس يقومُونَ فِيهَا إِلَى الْحساب. ﴿وَمن أصدق من الله حَدِيثا﴾ أَي: قولا وخبرا.

стр. 1000

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول الْآيَة على ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ زيد بن ثَابت: هَذَا فِي الَّذين تخلفوا عَن رَسُول الله يَوْم أحد، فَقَالَ بعض الصَّحَابَة لرَسُول الله: اعْفُ عَنْهُم؛ فَإِنَّهُم تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ. وَقَالَ بَعضهم: اقتلهم؛ فَإِنَّهُم مُنَافِقُونَ؛ فَنزلت الْآيَة ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ " أَي: مَا لكم افترقتم فيهم فرْقَتَيْن؟ عتب عَلَيْهِم بالاختلاف بَينهم، وَحكم بنفاقهم. وَقَالَ مُجَاهِد: الْآيَة فِي جمَاعَة من أهل مَكَّة هَاجرُوا إِلَى الْمَدِينَة، وَأَسْلمُوا، ثمَّ اسْتَأْذنُوا رَسُول الله فِي الرُّجُوع إِلَى مَكَّة، بعلة أَن لَهُم بهَا بضائع؛ فَرَجَعُوا، وَارْتَدوا فَقَالَ بعض أَصْحَابه: هم مُسلمُونَ؛ لأَنهم تكلمُوا بِالْإِسْلَامِ، وَقَالَ بَعضهم: هم قد نافقوا؛ فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين﴾ وَحكى مُجَاهِد هَذَا عَن ابْن عَبَّاس. وَالْقَوْل الثَّالِث وَهُوَ الرِّوَايَة الثَّانِيَة عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْآيَة فِي قوم من الْمُشْركين أَسْلمُوا بِمَكَّة، وَكَانُوا يعاونون الْمُشْركين، ويظاهرونهم؛ فَاخْتلف الصَّحَابَة فيهم

стр. 1001

﴿الْقِيَامَة لَا ريب فِيهِ وَمن أصدق من الله حَدِيثا (٨٧) فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله وَمن يضلل الله فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا (٨٨) ﴾ فرْقَتَيْن؛ فَنزل قَوْله - تَعَالَى -: ﴿فَمَا لكم فِي الْمُنَافِقين فئتين وَالله أركسهم بِمَا كسبوا﴾ أركسهم وركسهم بِمَعْنى وَاحِد. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود ﴿وَالله ركسهم﴾ قَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ: نكسهم، وَقَالَ النَّضر بن شُمَيْل: مَعْنَاهُ: أعادهم، يعْنى: إِلَى الْكفْر بِمَا كسبوا، وَمِنْه: الركس؛ لِأَنَّهُ كَانَ طَعَاما فَصَارَ رجيعا. ﴿أتريدون أَن تهدوا من أضلّ الله﴾ يعْنى: أتريدون أَن ترشدوا من أضلّهُ الله ﴿وَمن يضلل الله﴾ يعْنى: وَمن يضلله ﴿فَلَنْ تَجِد لَهُ سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا إِلَى الْحق.

стр. 1002

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا﴾ يعْنى: الَّذين عَادوا إِلَى الْكفْر ودوا أَن تعودوا إِلَى الْكفْر ﴿فتكونون سَوَاء﴾ يعْنى: فِي الْكفْر. ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاء﴾ مَنعهم من الْمُوَالَاة مَعَهم ﴿حَتَّى يهاجروا فِي سَبِيل الله﴾ أَي: حَتَّى يسلمُوا ﴿فَإِن توَلّوا﴾ يعْنى: فِي الْكفْر ﴿فخذوهم﴾ أَي: فأسروهم، وَالْأَخْذ هَاهُنَا: الْأسر، وَيُقَال للأسير: أخيذ ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم وليا وَلَا نَصِيرًا﴾ .

стр. 1003

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ قَالَ أَبُو عبيده: مَعْنَاهُ إِلَّا الَّذين ينتسبون إِلَى قوم، وَأنْشد فِيهِ قَول الشَّاعِر: (إِذا اتَّصَلت قَالَت لبكر بن وَائِل ... وَبكر سباها والأنوف رواغم) يعْنى: إِذا انتسبت تِلْكَ الْقَبِيلَة. وَأنكر أهل الْمعَانِي هَذَا على أَبى عبيده، وَقَالُوا: هَذَا لَا يَسْتَقِيم فِي معنى هَذَا الِاسْتِثْنَاء الْمَنْع من الْقَتْل، وَمَا كَانَ الْمَنْع لأجل النِّسْبَة، فَإِن النَّبِي كَانَ يُقَاتل الْمُشْركين من قُرَيْش، وَإِن كَانُوا من نسبه، بل معنى قَوْله: ﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ﴾ أَي:

стр. 1004

﴿ودوا لَو تكفرون كَمَا كفرُوا فتكونون سَوَاء فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاء حَتَّى يهاجروا فِي سَبِيل الله فَإِن توَلّوا فخذوهم واقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُم وليا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) ﴾ يخالطون، ويتصلون بِقوم كَانَ بَينهم وَبَين النَّبِي موادعة وعهد. وَذَلِكَ هِلَال بن عُوَيْمِر الْأَسْلَمِيّ، وَقَومه، وَكَانَ الله - تَعَالَى - منع من قتل أُولَئِكَ مِمَّن اتَّصل بهم، وَفِي ذمامهم ﴿أَو جاءوكم﴾ أَو يصلونَ بِقوم جاءوكم للمعاهدة وَالْمُوَادَعَة، ﴿حصرت صُدُورهمْ﴾ ضَاقَتْ، فضاقت صُدُورهمْ من الْقِتَال مَعكُمْ، وَمن معاونتكم على الْقِتَال مَعَ قَومهمْ؛ لأجل الرعب الَّذِي ألْقى الله - تَعَالَى - فِي قُلُوبهم، وَقَرَأَ الْحسن - وَهُوَ قِرَاءَة يَعْقُوب وَسَهل - " حصرة صُدُورهمْ " على الْحَال، أَي: ضيقَة صُدُورهمْ، قَالَ الْمبرد: حصرت صُدُورهمْ على سَبِيل الدُّعَاء، كَقَوْلِه: ﴿قَاتلهم الله﴾ كَأَن الله - تَعَالَى - يَقُول: ﴿حصرت صُدُورهمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَو يقاتلوا قَومهمْ﴾ على سَبِيل الدُّعَاء. ﴿وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم﴾ معنى هَذَا: أَن الله - تَعَالَى - هُوَ الَّذِي ألْقى الرعب فِي قُلُوبهم، وكفهم عَن قتالكم، حَتَّى جَاءُوا معاهدين، وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم ﴿فلقاتلوكم﴾ ؛ فَإِذا لَا تقاتلوهم وَمن اتَّصل بهم ﴿فَإِن اعتزلوكم فَلم يُقَاتِلُوكُمْ وألقوا إِلَيْكُم السّلم﴾ يعْنى: الصُّلْح فانقادوا، واستسلموا ﴿فَمَا جعل الله لكم عَلَيْهِم سَبِيلا﴾ أَي: طَرِيقا عَلَيْهِم بِالْقَتْلِ والقتال.

стр. 1005

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرين يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ: أَسد وغَطَفَان، جَاءُوا إِلَى النَّبِي وَأَسْلمُوا؛ فَلَمَّا رجعُوا إِلَى قَومهمْ قَالُوا: إِنَّا آمنا بالعقرب والخنفساء وَرَجَعُوا إِلَى الْكفْر. وَقَالَ قَتَادَة: أَرَادَ بِهِ: سراقَة بن مَالك بن جعْشم، لما جَاءَ إِلَى النَّبِي، وَقَالَ: أَنا مِنْكُم، ثمَّ رَجَعَ إِلَى قومه، فَقَالَ أَنا مِنْكُم.

стр. 1006

﴿إِلَّا الَّذين يصلونَ إِلَى قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق أَو جاءوكم حصرت صُدُورهمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَو يقاتلوا قَومهمْ وَلَو شَاءَ الله لسلطهم عَلَيْكُم فلقاتلوكم فَإِن اعتزلوكم فَلم يُقَاتِلُوكُمْ وألقوا﴾ ﴿يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ﴾ أَي: يُرِيدُونَ أَن يأمنوا مِنْكُم، وَمن قَومهمْ. ﴿كلما ردوا إِلَى الْفِتْنَة أركسوا فِيهَا﴾ أَي كلما دعوا إِلَى الشّرك دخلُوا فِيهِ. ﴿فَإِن لم يعتزلوكم ويلقوا إِلَيْكُم السّلم﴾ يَعْنِي: القيادة والاستسلام ﴿ويكفوا أَيْديهم فخذوهم﴾ أَي: فأسروهم ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم﴾ وَجَدْتُمُوهُمْ، ﴿وأولئكم جعلنَا لكم عَلَيْهِم سُلْطَانا مُبينًا﴾ حجَّة بَيِّنَة بِالْقَتْلِ والقتال.

стр. 1007

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: مَا روى أَن عَيَّاش بن أبي ربيعَة قتل الْحَارِث بن يزِيد، وَكَانَ الْحَارِث يُؤْذِي عياشا فِي الْجَاهِلِيَّة، حَتَّى أسلم عَيَّاش؛ فَنَذر أَن يقْتله مَتى ظفر بِهِ، فظفر بِالْحَارِثِ وَقد أسلم الْحَارِث، وَلم يعلم هُوَ بِإِسْلَامِهِ، فَنزلت الْآيَة: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا﴾ وَهَذَا نهى عَن قتل الْمُؤمن على الْإِطْلَاق، وَقَوله: ﴿إِلَّا خطأ﴾ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع، وَمَعْنَاهُ: لَكِن إِن وَقع خطأ. وَقَالَ بَعضهم: " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا " يعْنى: وَلَا خطأ، وَلَا يعرف فِي كَلَام الْعَرَب " إِلَّا " بِمَعْنى " وَلَا "؛ وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي النَّهْي عَن قتل الْخَطَأ، وَالْخَطَأ لَا يدْخل تَحت النَّهْي وَالْأَمر، وَالْأول أصح، ثمَّ ذكر حكم الْقَتْل الْخَطَأ، فَقَالَ: ﴿وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة﴾ أَي: فاعتقوا رَقَبَة مُؤمنَة، ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء، فَقَالَ الْحسن، وَالشعْبِيّ، وَالنَّخَعِيّ: أَرَادَ بِهِ: رَقَبَة بَالِغَة وَلَا تُجزئ الرَّقَبَة الصَّغِيرَة، وَإِن كَانَت مُؤمنَة، وَقَالَ عَطاء وَهُوَ الَّذِي أَخذ بِهِ الْفُقَهَاء: إِنَّه تُجزئ الصَّغِيرَة. ﴿ودية مسلمة إِلَى أَهله﴾ يَعْنِي: سلمُوا الدِّيَة إِلَى أَهله، وَظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي أَن تكون الدِّيَة قي قتل الْخَطَأ فِي مَال الْقَاتِل، كالكفارة، لَكِن عرفنَا بِالسنةِ أَن الْكَفَّارَة فِي مَال الْقَاتِل وَالدية على الْعَاقِلَة. وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن يصدقُوا﴾ يَعْنِي: أَن يتصدقوا، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب كَذَلِك، وَمعنى التَّصَدُّق: الْعَفو عَن الدِّيَة ﴿فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة﴾

стр. 1008

﴿إِلَيْكُم السّلم فَمَا جعل الله لكم عَلَيْهِم سَبِيلا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرين يُرِيدُونَ أَن يأمنوكم ويأمنوا قَومهمْ كل مَا ردوا إِلَى الْفِتْنَة أركسوا فِيهَا فَإِن لم يعتزلوكم ويلقوا إِلَيْكُم السّلم﴾ ﴿مُؤمنَة﴾ أَكثر الْمُفَسّرين وَهُوَ قَول الْحسن، وَقَتَادَة، وَمُجاهد وَجَمَاعَة: أَن المُرَاد بِهِ: وَإِن كَانَ من [نسب] قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن، وَمَعْنَاهُ الْمُؤمن يكون فِي دَار الْإِسْلَام، وقرابته فِي دَار الْحَرْب، فَيقْتل خطأ، قالواجب بقتْله الْكَفَّارَة، وَلَا دِيَة؛ لِأَنَّهَا إِذا سلمت إِلَى قرَابَته يقووا بهَا على الْمُسلمين، وَالأَصَح وَالَّذِي عرفه الْفُقَهَاء أَن المُرَاد بِهِ: الْمُؤمن الَّذِي أسلم فِي دَار الْحَرْب، فيقتله من لم يعلم إِسْلَامه، فَالْوَاجِب فِيهِ الْكَفَّارَة، دون الدِّيَة. ﴿وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق﴾ هَذَا فِي أهل الذِّمَّة والمعاهدين ﴿فديَة مسلمة إِلَى أَهله﴾ يَعْنِي: على الْقدر الَّذِي اخْتلف فِيهِ ﴿وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله﴾ يَعْنِي: ليتوبوا إِلَى الله ﴿وَكَانَ الله عليما حكيما﴾ .

стр. 1009

قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ نزلت الْآيَة فِي مقيس بن ضَبَابَة اللَّيْثِيّ، أسلم وَأَخُوهُ هِشَام، ثمَّ وجد أَخَاهُ مقتولا فِي بني النجار؛ فجَاء إِلَى النَّبِي فِي ذَلِك، فَبعث مَعَه رجلا فهربا إِلَى بني النجار، وَأمرهمْ أَن يدفعوا إِلَيْهِ قَاتل أَخِيه، أَو يسلمُوا الدِّيَة، فجاءا إِلَيْهِم، وبلغا الرسَالَة فَقَالُوا: سمعا وَطَاعَة لرَسُول الله، وَالله مَا نَعْرِف الْقَاتِل، وَسَاقُوا الدِّيَة إِلَيْهِ مائَة من الْإِبِل؛ فَلَمَّا رجعا أقبل مقيس وَقتل الفِهري، وَاسْتَاقَ الْإِبِل، وَلحق بِمَكَّة وارتد، وَقَالَ الشّعْر: (قتلت بِهِ فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أَرْبَاب فارع) (فأدركت ثَأْرِي واضطجعت مُوسِرًا ... وَكنت إِلَى الْأَوْثَان أول رَاجع) فَنزلت الْآيَة فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمر النَّبِي بقتْله؛ فجَاء الْجَمَاعَة الَّذين عينهم

стр. 1010

﴿ويكفوا أَيْديهم فخذوهم واقتلوهم حَيْثُ ثقفتموهم وأولائكم جعلنَا لكم عَلَيْهِم سُلْطَانا مُبينًا (٩١) وَمَا كَانَ لمُؤْمِن أَن يقتل مُؤمنا إِلَّا خطأ وَمن قتل مُؤمنا خطأ فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة ودية﴾ للْقَتْل يَوْم فتح مَكَّة؛ فَقتل وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَقَوله: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ فالقتل الْمُتَعَمد عِنْد أَكثر الْعلمَاء: هُوَ الَّذِي يحصل بِكُل مَا يقْصد بِهِ الْقَتْل، وَقَالَ سعيد بن الْمسيب، وَطَاوُس: الْقَتْل الْعمد لَا يكون إِلَّا بالحديد ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه﴾ أَي: طرده عَن الرَّحْمَة ﴿وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما﴾ وَقَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَة مَدَنِيَّة لم ينسخها شئ؛ فَكَانَ يَقُول: لَيْسَ لقَاتل الْمُؤمن تَوْبَة، وَسُئِلَ عَن تَوْبَته؛ فَقَالَ: أَنى تكون لَهُ التَّوْبَة، فَقيل لَهُ: أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة ويخلد فِيهِ مهانا إِلَّا من تَابَ﴾ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: تِلْكَ آيَة مَكِّيَّة، وَهَذِه آيَة مَدَنِيَّة لم تنسخ بِشَيْء حَتَّى قبض رَسُول الله. وَقَالَ زيد بن ثَابت: الشَّدِيدَة بعد الهينة بِسِتَّة أشهر، يَعْنِي بالهينة آيَة الْفرْقَان، وبالشديدة هَذِه الْآيَة. وروى حميد، عَن أنس، عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " أَبى الله تَعَالَى أَن يكون لقَاتل الْمُؤمن تَوْبَة " وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي: " لقتل الْمُؤمن أعظم عِنْد الله من زَوَال الدُّنْيَا ". وَالأَصَح، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ مَذْهَب أهل السّنة: أَن لقَاتل الْمُؤمن عمدا تَوْبَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي لغفار لمن تَابَ وآمن﴾ وَقَوله: ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَلِأَن الْقَتْل الْعمد لَيْسَ بأشد من الْكفْر، وَمن

стр. 1011

﴿مسلمة إِلَى أَهله إِلَّا أَن يصدقُوا فَإِن كَانَ من قوم عَدو لكم وَهُوَ مُؤمن فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤمنَة وَإِن كَانَ من قوم بَيْنكُم وَبينهمْ مِيثَاق فديَة مسلمة إِلَى أَهله وتحرير رَقَبَة مُؤمنَة فَمن لم يجد﴾ الْكفْر تَوْبَة؛ فَمن الْقَتْل أولى، وَأما الَّذِي روى عَن ابْن عَبَّاس، فعلى سَبِيل التَّشْدِيد وَالْمُبَالغَة فِي الزّجر عَن الْقَتْل، وَهُوَ مثل مَا روى عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه قَالَ: إِن لم يقتل يُقَال لَهُ: لَا تَوْبَة لَك، منعا لَهُ عَن الْقَتْل، وَإِن قتل يُقَال لَهُ: لَك تَوْبَة، حَتَّى يَتُوب. وروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى ابْن عَبَّاس وَسَأَلَهُ: هَل لقَاتل الْمُؤمن تَوْبَة، قَالَ: لَا، فَجَاءَهُ آخر، وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: نعم، لَهُ تَوْبَة، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: إِن الأول لم يكن قتل؛ فمنعته عَن الْقَتْل، وَإِن الثَّانِي؛ قتل؛ فأرشدته إِلَى التَّوْبَة. وَاعْلَم أَن لَا مُتَعَلق فِي هَذِه الْآيَة لمن يَقُول بالتخليد فِي النَّار لأهل الْكَبَائِر من الْمُسلمين؛ لأَنا إِن نَظرنَا إِلَى سَبَب نزُول الْآيَة، فالآية نزلت فِي قَاتل كَافِر كَمَا بَينا، وَقيل: إِنَّه فِيمَن يقتل مستحلا، وَالْأولَى أَن تَقول فِيهِ مَا قَالَه أَبُو صَالح: إِن معنى قَوْله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ إِن جازى، وَبِه نقُول: إِن الله تَعَالَى إِن جازاه ذَلِك خَالِدا، فَهُوَ جَزَاؤُهُ، وَلكنه رُبمَا لَا يجازي، وَقد وعد أَن لَا يجازى وَيغْفر لمن يَشَاء، وَهُوَ لَا يخلف الميعاد، وَحكى عَن قُرَيْش بن أنس ﵀ أَنه قَالَ: كنت فِي مجْلِس فِيهِ عَمْرو بن عبيد، فَقَالَ: لَو قَالَ الله لي يَوْم الْقِيَامَة: لم قلت بتخليد الْقَاتِل الْمُتَعَمد فِي النَّار؟ فَأَقُول لَهُ: أَنْت الَّذِي قلت: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ قَالَ قُرَيْش: وَكنت أَصْغَر الْقَوْم، فَقلت لَهُ: أَرَأَيْت لَو قَالَ الله تَعَالَى لَك: أَلَسْت قلت ﴿وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ فَمن أَيْن علمت أَنى لم أشأ مغْفرَة الْقَاتِل؟ فَسكت وَلم يسْتَطع الْجَواب. وَحكى أَن عَمْرو بن عبيد جَاءَ إِلَى أبي عَمْرو بن الْعَلَاء ﵀ وَقَالَ لَهُ: هَل يخلف الله وعده؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ فَأَنا على هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يخلف وعده، فَقَالَ أَبُو عَمْرو: وَمن العجمة أتيت يَا أَبَا عُثْمَان؛ إِن الْعَرَب لَا تعد الإخلاف فِي الْوَعيد خلفا

стр. 1012

﴿فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين تَوْبَة من الله وَكَانَ الله عليما حكيما (٩٢) وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذَابا عَظِيما (٩٣) يَا أَيهَا الَّذين﴾ وذما، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْخلف فِي الْوَعْد، وَأنْشد لَهُ قَول الْقَائِل فِيهِ: (إِنِّي إِذا أوعدته وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي) فقد تمدح بالخلف فِي الْوَعيد، وَقَالَ آخر: (وَإِذا وعد السَّرَّاء أنْجز وعده ... وَإِن وعد الضراء فالعفو مانعه) فَالله تَعَالَى يجوز أَن يخلف فِي الْوَعيد، وَإِنَّمَا لَا يخلف الميعاد.

стр. 1013

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله﴾ أَي: سافرتم فِي سَبِيل الله، يَعْنِي: الْغَزْو ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وَيقْرَأ: " فتثبتوا " ومعناهما: ترك العجلة. وَفِي الْخَبَر: " التأني من الله، والعجلة من الشَّيْطَان " ﴿فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا﴾ يقْرَأ " إِلَيْكُم السَّلَام " وَيقْرَأ " إِلَيْكُم السّلم "، فالسلام: هُوَ التَّسْلِيم الْمَعْهُود، وَالسّلم: المقادة والاستسلام، وَالسّلم: الصُّلْح، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْمدنِي يزِيد بن الْقَعْقَاع: " لست مُؤمنا " من الْأمان ﴿تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يَعْنِي: تَبْتَغُونَ الدُّنْيَا، وَفِي الْآثَار: " الدُّنْيَا عرض حَاضر، يَأْكُل مِنْهَا الْبر والفاجر، وَالْآخِرَة وعد صَادِق، يقْضِي فِيهَا ملك قَادر ".

стр. 1014

( ﴿آمنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيل الله فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام لست مُؤمنا تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَانِم كَثِيرَة كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم فَتَبَيَّنُوا إِن الله﴾ فَعِنْدَ الله مَغَانِم كَثِيرَة) أَي: غَنَائِم كَثِيرَة. ﴿كَذَلِك كُنْتُم من قبل فَمن الله عَلَيْكُم﴾ أَي: تفضل الله عَلَيْكُم، وَفِيه قَولَانِ: قَالَ سعيد بن جُبَير: مَعْنَاهُ كَذَلِك كُنْتُم من قبل تكتمون الْإِيمَان، فَمن الله عَلَيْكُم، وَفِيه قَولَانِ بالإظهار، وَقَالَ قَتَادَة: مَعْنَاهُ: كَذَلِك كُنْتُم من قبل ضلالا، فَمن الله عَلَيْكُم بالهداية ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ إِعَادَة تَأْكِيد ﴿إِن الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا﴾ وَسبب نزُول الْآيَة مَا روى: " أَن النَّبِي بعث سَرِيَّة، فَلَقوا رجلا يُقَال لَهُ: مرداس بن عَمْرو من فدك، لَهُ غنيمات، فانحاز بهَا إِلَى الْجَبَل لما أحس بالسرية، ثمَّ تقدم إِلَيْهِم، فَقَالَ: السَّلَام عَلَيْكُم أَنا مُؤمن، فبادر إِلَيْهِ أُسَامَة بن زيد وَهُوَ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَقَتله، وَأخذ سلبه، والغنيمات الَّتِي لَهُ، فَلَمَّا رجعُوا إِلَى النَّبِي قَالَ لأسامة: أقتلت رجلا يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، فَقَالَ: إِنَّه إِنَّمَا أسلم مُتَعَوِّذًا، وَقَالَ: إِنَّمَا أسلم، ليحرز نَفسه وَمَاله، فَقَالَ ﵊: هلا شققت عَن قلبه؟ فَقَالَ أُسَامَة: اسْتغْفر لي يَا رَسُول الله، فَقَالَ كَيفَ لَك بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: اسْتغْفر لي يَا رَسُول الله، فَقَالَ ﵊: كَيفَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة؟ هَكَذَا حَتَّى أَعَادَهُ ثَلَاثًا - فَنزلت الْآيَة فِيهِ. ﴿وَلَا تَقولُوا لمن ألْقى إِلَيْكُم السَّلَام﴾ " وَلِأَن ذَلِك الرجل كَانَ قد سلم عَلَيْهِم، وَأسلم لَهُم ﴿لست مُؤمنا تَبْتَغُونَ عرض الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يعْنى: تَبْتَغُونَ بقتْله غنيمات كَانَت لَهُ. وَفِي رِوَايَة أَن النَّبِي اسْتغْفر لأسامة، وَأمره بِإِعْتَاق رَقَبَة وَكَانَ أُسَامَة من علية الصَّحَابَة، وعاش إِلَى زمَان على - رضى الله عَنهُ - فَدَعَاهُ على إِلَى الْمُقَاتلَة مَعَه فِي الحروب، فَقَالَ لعلى: أَنْت أعز على من كل أحد، وَلَو قَاتَلت الْمُسلمين مَعَ أحد لقاتلت مَعَك، وَلَكِنِّي مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله قَالَ لي: كَيفَ بِلَا إِلَه إِلَّا الله يَوْم الْقِيَامَة، امْتنعت من الْقِتَال، فَإِن أَعْطَيْتنِي سَيْفا يُمَيّز الْمُسلم من الْكَافِر حَتَّى أقَاتل فَتَركه على.

стр. 1015

﴿كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرا (٩٤) لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر والمجاهدين فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على﴾ وَكَانَ مِمَّن اعتزل الْفَرِيقَيْنِ هُوَ وَسعد بن أبي وَقاص، وَزيد بن ثَابت، وَعبد الله بن عمر ﵃ أَجْمَعِينَ. وَقيل: إِن قَاتل صَاحب الغنيمات، كَانَ الْمِقْدَاد بن عَمْرو الْكِنْدِيّ - هُوَ ابْن الْأسود - هَذَا هُوَ القَوْل الْمَعْرُوف فِي سَبَب نزُول الْآيَة، وَفِي الْآيَة قَول آخر: " أَنَّهَا نزلت فِي محلم بن جثامة اللَّيْثِيّ، قتل رجلا وَهُوَ يَقُول: لَا إِلَه إِلَّا الله، ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، اسْتغْفر لي، فَقَالَ: لَا غفر الله لَك، فَقَامَ يبكي، وَانْصَرف، فَلَمَّا مَاتَ دفن فِي الأَرْض، فلفظته الأَرْض، ثمَّ دفن فلفظته الأَرْض، ثمَّ دفن فلفظته الأَرْض - هَكَذَا ثَلَاثًا - فَأمر النَّبِي حَتَّى ألقِي عَلَيْهِ الْحِجَارَة، قَالَ: إِن الأَرْض لتنطبق على من هُوَ شَرّ مِنْهُ - يعْنى من محلم -، وَلَكِن الله - تَعَالَى - أَرَادَ أَن يريكم الْآيَة ".

стр. 1016

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ غير أولى الضَّرَر﴾ اعْلَم أَن الَّذِي نزل فِي الِابْتِدَاء من هَذِه الْآيَة قَوْله: " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ والمجاهدين فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم " قَالَ زيد بن ثَابت: " كَانَ النَّبِي يملى على هَذِه الْآيَة، وَفَخذه على فَخذي، فَدخل عبد الله بن أم مَكْتُوم، وَقَالَ يَا رَسُول الله، أَنا رجل ضَرِير، وَلَو اسْتَطَعْت أَن أقَاتل لقاتلت مَعَك؛ فتغشى رَسُول الله الْوَحْي؛ فثقل فَخذه على فَخذي حَتَّى كَاد يرضه؛ فَلَمَّا سرى عَنهُ، قَالَ لي: اكْتُبْ ﴿غير أولى الضَّرَر﴾ فَنزل هَذَا الْقدر فِي ابْن أم مَكْتُوم، وَكَانَ ضريرا من أولى الضَّرَر، وَقَوله:

стр. 1017

﴿القاعدين دَرَجَة وكلا وعد الله الْحسنى وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما (٩٥) دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما (٩٦) إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة﴾ ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ يقْرَأ على وُجُوه: " غير " - بِرَفْع الرَّاء - وَتَقْدِيره: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ الَّذين هم غير أولي الضَّرَر، وَيقْرَأ: بِفَتْح الرَّاء، على الِاسْتِثْنَاء، يعْنى: إِلَّا أولي الضَّرَر، وَقيل: هُوَ نصب على الْحَال، يعْنى: فِي حَال الصِّحَّة، وَانْتِفَاء الضَّرَر، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ أصحاء، وَهَذَا أشهر الْقِرَاءَتَيْن، وَكَذَلِكَ قَرَأَ النَّبِي " غير أولي الضَّرَر " - بِكَسْر الرَّاء يعْنى -، من الْمُؤمنِينَ غير أولي الضَّرَر، ﴿فضل الله الْمُجَاهدين بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم على القاعدين دَرَجَة﴾ أَرَادَ بالقاعدين هَاهُنَا: أولى الضَّرَر، فضل الْمُجَاهدين عَلَيْهِم بِدَرَجَة؛ لِأَن الْمُجَاهدين باشروا الْجِهَاد مَعَ النِّيَّة، وَأولُوا الضَّرَر كَانَت لَهُم نِيَّة الْجِهَاد، وَلَكِن لم يباشروا؛ فنزلوا عَنْهُم بِدَرَجَة ﴿وكلا وعد الله الْحسنى﴾ يعْنى: الْجنَّة ﴿وَفضل الله الْمُجَاهدين على القاعدين أجرا عَظِيما﴾ وَأَرَادَ بالقاعدين هُنَا: غير أولي الضَّرَر، فضل الله الْمُجَاهدين عَلَيْهِم أجرا عَظِيما

стр. 1018

﴿دَرَجَات مِنْهُ ومغفرة وَرَحْمَة﴾ قَالَ ابْن محيريز: هِيَ سَبْعُونَ دَرَجَة، مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ حضر الْفرس الْمُضمر سبعين سنة، وَفِي الْخَبَر " فِي الْجنَّة مائَة دَرَجَة، مَا بَين كل دَرَجَتَيْنِ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، أعدهَا الله للمجاهدين فِي سَبيله "، وَقيل: أَرَادَ بالدرجات: الْإِسْلَام، وَالْهجْرَة، وَالْجهَاد، وَالشَّهَادَة فِي الْجِهَاد، وفاز بِتِلْكَ الدَّرَجَات المجاهدون ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ .

стр. 1019

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿إِن الَّذين تَوَفَّاهُم الْمَلَائِكَة﴾ قَرَأَ عِيسَى بن عمر النَّحْوِيّ: " تتوفاهم " - بالتائين - وَالْمَعْرُوف " تَوَفَّاهُم " وَأَصله: تتوفاهم، فأدغمت إِحْدَى التائين تَخْفِيفًا، على الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة، فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: تتوفاهم الْمَلَائِكَة والمتوفى ملك وَاحِد، كَمَا قَالَ: ﴿قل يتوفاكم ملك الْمَوْت﴾ ؟ قيل: ذكره بِلَفْظ

стр. 1020

﴿ظالمي أنفسهم قَالُوا فيمَ كُنْتُم قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض قَالُوا ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ من الرِّجَال﴾ الْجمع، وَالْمرَاد بِهِ الْوَاحِد، وَمثله شَائِع فِي كَلَام الْعَرَب، وَقيل: إِن لملك الْمَوْت أعوانا، فَلَعَلَّهُ أَرَادَهُ مَعَ أعوانه؛ فَلذَلِك ذكر بِلَفْظ الْجمع. قَالَ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك: الْآيَة فِي قوم أَسْلمُوا بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة، فَلَمَّا هَاجر النَّبِي إِلَى الْمَدِينَة، تخلفوا عَن الْهِجْرَة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم بدر حملهمْ الْكفَّار مَعَ أنفسهم إِلَى بدر كرها، فَقتلُوا بَين الْكفَّار. وَقَوله ﴿ظالمي أنفسهم﴾ يعْنى: بالشرك؛ فَإِنَّهُم قتلوا مُشْرِكين؛ إِذْ مَا كَانَ يقبل الْإِسْلَام بعد هِجْرَة النَّبِي إِلَّا بِالْهِجْرَةِ، ثمَّ أُبِيح ذَلِك بقوله ﵊: " لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح ". ﴿قَالُوا فيمَ كُنْتُم﴾ يعْنى: الْمَلَائِكَة قَالُوا لأولئك الَّذين أَسْلمُوا وَلم يهاجروا: ﴿فيمَ كُنْتُم﴾ يعْنى: فِي أَي الْفَرِيقَيْنِ كُنْتُم، فِي الْمُسلمين أم الْمُشْركين؟ وَهَذَا سُؤال توبيخ، لَا سُؤال استعلام ﴿قَالُوا كُنَّا مستضعفين فِي الأَرْض﴾ يعْنى: كُنَّا بِمَكَّة مستضعفين بَين الْمُشْركين ﴿قَالُوا﴾ يعْنى: الْمَلَائِكَة ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا﴾ يعْنى: إِلَى الْمَدِينَة ﴿فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ حكم لَهُم بالنَّار؛ لأَنهم مَاتُوا مُشْرِكين
следующие страницы →