Полный текст (8 565 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
﴿حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ (١٧) إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين (١٨) أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه﴾
وَفِيه قَول آخر: أَن معنى قَوْله: ﴿شَاهِدين على أنفسهم بالْكفْر﴾ هُوَ أَنَّك تَقول لِلْيَهُودِيِّ: مَا أَنْت؟ فَيَقُول: يَهُودِيّ، وَتقول لِلنَّصْرَانِيِّ: مَا أَنْت؟ فَيَقُول: نَصْرَانِيّ، وَكَذَلِكَ الْمَجُوسِيّ والمشرك.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ﴾ الحبوط: هُوَ الْبطلَان، وخالدون: دائمون.
стр. 1997
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله﴾ سَبَب نزُول الْآيَة: أَن الْعَبَّاس ﵁ لما أسر يَوْم بدر عيره أَصْحَاب رَسُول الله بترك الْإِسْلَام وَالْهجْرَة، فَقَالَ: نَحن عمار الْمَسْجِد الْحَرَام وسقاة الحجيج.
وَفِي رِوَايَة: أَنه لما أسلم قَالَ للْمُسلمين: لَئِن سبقتمونا بِالْإِسْلَامِ فقد كُنَّا نعمر الْمَسْجِد الْحَرَام، ونسقي الحجيج، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة وَلم يخْش إِلَّا الله﴾ مَعْنَاهُ: لم يتْرك الْإِيمَان بِاللَّه من خشيَة أحد ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَن يَكُونُوا من المهتدين﴾ وَعَسَى من الله وَاجِب. فَإِن قَالَ قَائِل: أتقولون: إِن كل من عمر مَسْجِدا بِكَوْن هَكَذَا على مَا قَالَ الله تَعَالَى؟
قُلْنَا: معنى الْآيَة - وَالله أعلم - أَن من كَانَ بِهَذِهِ الْأَوْصَاف كَانَ أهل عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام، وَلَا يعمر الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَّا من استجمع هَذِه الْأَوْصَاف، وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام بِذكر الله، وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ، وَالدُّعَاء، وَالصَّلَاة وَغَيره.
стр. 1998
قَوْله تَعَالَى: ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج وَعمارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي عَليّ وَالْعَبَّاس ﵄ وَكَانَ الَّذِي عير الْعَبَّاس بترك الْإِسْلَام
стр. 1999
وَالْهجْرَة هُوَ عَليّ ﵁ فَقَالَ الْعَبَّاس: نَحن عمار الْمَسْجِد الْحَرَام، وسقاة الحجيج، فَقَالَ الله تَعَالَى ﴿أجعلتم سِقَايَة الْحَاج﴾ وَمَعْنَاهُ: أجعلتم أهل سقاة الْحَاج وَأهل عمَارَة الْمَسْجِد الْحَرَام كمن آمن بِاللَّه. وقرىء: " أجعلتم سقاة الْحَاج وَعمرَة الْمَسْجِد الْحَرَام " وعَلى هَذِه الْقِرَاءَة لَا يحْتَاج إِلَى تَقْدِير الْأَهْل ﴿لَا يستوون عِنْد الله﴾ مَعْنَاهُ: لَا يَسْتَوِي من عبد الله وَهُوَ مُؤمن، وَمن عمر الْمَسْجِد وَهُوَ مُشْرك ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ وَقد وَردت أَخْبَار فِي التَّرْغِيب فِي عمَارَة الْمَسَاجِد:
روى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن النَّبِي قَالَ: " من رَأَيْتُمُوهُ يعْتَاد الْمَسَاجِد؛ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَان، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يعمر مَسَاجِد الله من آمن بِاللَّه﴾ .
وروى أَبُو هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي قَالَ: " من غَدا أَو رَاح إِلَى الْمَسْجِد أعد الله لَهُ نزلا كلما غَدا أَو رَاح ".
وروى جَابر ﵁ أَن النَّبِي قَالَ: " الْمَسْجِد سوق من أسواق الْجنَّة، من دخله كَانَ ضيف الله، قراه: الْمَغْفِرَة، وتحيته: الْكَرَامَة؛ فَإِذا دَخَلْتُم فارتعوا. قيل: يَا رَسُول الله، وَمَا الرتاع؟ قَالَ: الابتهال إِلَى الله وَالرَّغْبَة ".
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من بنى لله مَسْجِدا بنى الله لَهُ مثله فِي الْجنَّة ".
стр. 2000
﴿وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله لَا يستوون عِنْد الله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (١٩) الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله وَأُولَئِكَ هم الفائزون (٢٠) يبشرهم رَبهم برحمة مِنْهُ﴾
وَفِي رِوَايَة عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي قَالَ " من بنى مَسْجِدا وَلَو كمفحص قطاة؛ بنى الله لَهُ بَيْتا فِي الْجنَّة ".
стр. 2001
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم أعظم دَرَجَة عِنْد الله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يَسْتَقِيم قَوْله: ﴿أعظم دَرَجَة عِنْد الله﴾ وَلَيْسَ للْمُشْرِكين دَرَجَة أصلا؟ الْجَواب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أعظم دَرَجَة من درجتهم على تقديرهم فِي أنفسهم؛ وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا﴾ وَمَعْنَاهُ: على تقديرهم فِي أنفسهم.
وَالثَّانِي: أَن هَؤُلَاءِ الصِّنْف من الْمُؤمنِينَ أعظم دَرَجَة عِنْد الله من غَيرهم.
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأُولَئِكَ هم الفائزون﴾ الفائز: الَّذِي ظفر بأمنيته.
стр. 2002
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿يبشرهم رَبهم برحمة﴾ الْآيَة. والبشارة: خبر سَار صدق؛ يُسمى بِشَارَة لِأَنَّهُ تَتَغَيَّر بِهِ بشرة الْوَجْه.
стр. 2003
﴿ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم (٢١) خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم (٢٢) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ (٢٣) قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة﴾
قَوْله ﴿برحمة مِنْهُ ورضوان وجنات لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم﴾ النَّعيم هُوَ الْعَيْش اللذيذ، والمقيم: الدَّائِم، وَهُوَ من لَا يظعن أبدا
стр. 2004
﴿خَالِدين فِيهَا أبدا إِن الله عِنْده أجر عَظِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2005
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الْآيَة: نزلت الْآيَة فِي قو م أَسْلمُوا بِمَكَّة، فَلَمَّا هَاجر الْمُسلمُونَ لم يهاجروا. قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَ الرجل إِذا أَرَادَ أَن يُهَاجر تعلق بِهِ أَهله وَولده، وَقَالُوا: أتضيعنا وتتركنا، فيقيم شَفَقَة عَلَيْهِم؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان﴾ مَعْنَاهُ: أَي: اخْتَارُوا الْكفْر على الْإِيمَان.
قَوْله: ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت لَا يقبل الْإِيمَان إِلَّا من مهَاجر؛ فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ .
стр. 2006
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ آباؤكم وأبناؤكم وَإِخْوَانكُمْ وأزواجكم﴾ رُوِيَ أَن الْآيَة الأولى لما نزلت قَالَ أُولَئِكَ الَّذين أَسْلمُوا وَلم يهاجروا: إِن نَحن هاجرنا ضَاعَت أَمْوَالنَا وَخَربَتْ دُورنَا، وقطعنا أرحامنا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعشيرتكم﴾ قُرِئت بقراءتين: " عشيرتكم " و " عشيراتكم " وَالأَصَح: " عشيرتكم " فَإِن جمع الْعَشِيرَة هُوَ عشائر، والعشيرات قَالُوا: ضَعِيف فِي اللُّغَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأموال اقترفتموها﴾ أَي: اكتسيتموها، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن
стр. 2007
﴿تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين (٢٤) لقد نصركم الله﴾ يقترف حَسَنَة) يَعْنِي: يكْتَسب.
قَوْله: ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَرُوِيَ عَن عبد الله بن الْمُبَارك أَنه قَالَ فِي قَوْله: ﴿وتجارة تخشون كسادها﴾ قَالَ: هِيَ الْأَخَوَات وَالْبَنَات إِذا لم يُوجد لَهُنَّ خَاطب. حَكَاهُ النقاش فِي تَفْسِيره.
قَوْله: ﴿ومساكن ترضونها﴾ يَعْنِي: تستطيبونها.
قَوْله: ﴿أحب إِلَيْكُم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا﴾ مَعْنَاهُ: فانتظروا.
قَوْله ﴿حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ أَكثر الْمُفَسّرين على أَن المُرَاد مِنْهُ: فتح مَكَّة، وَهَذَا أَمر تهديد وَلَيْسَ بِأَمْر حتم وَلَا ندب وَلَا إِبَاحَة.
قَوْله: ﴿وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2008
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد نصركم الله فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم﴾ الْآيَة. حنين وَاد بَين مَكَّة والطائف ﴿إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم﴾ رُوِيَ أَن النَّبِي كَانَ فِي اثْنَي عشر ألفا، وَالْمُشْرِكُونَ أَرْبَعَة آلَاف، عَلَيْهِم مَالك بن عَوْف النصري، فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: سَلمَة بن سَلامَة وقش: لن نغلب الْيَوْم عَن قلَّة، فَلم يرض الله تَعَالَى قَوْله، ووكلهم إِلَى أنفسهم، فَحمل الْمُشْركُونَ حَملَة انهزم الْمُسلمُونَ كلهم سوى نفر يسير بقوا مَعَ رَسُول الله فيهم الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب، وَأَبُو سُفْيَان بن الْحَارِث بن عبد الْمطلب ".
وَذكر البُخَارِيّ فِي " الصَّحِيح " بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب: " أَن أَبَا سُفْيَان بن الْحَارِث
стр. 2009
﴿فِي مَوَاطِن كَثِيرَة وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ ثمَّ وليتم مُدبرين (٢٥) ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا وَعَذَاب الَّذين كفرُوا وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافرين﴾ كَانَ آخِذا بِرَأْس بغلة النَّبِي يَوْم حنين، وَالنَّبِيّ يَقُول: أَنا النَّبِي لَا كذب، أَنا ابْن عبد الله بن عبد الْمطلب "، ثمَّ إِن الْعَبَّاس ﵁ نَادَى الْمُسلمين بِأَمْر رَسُول الله - وَكَانَ رجلا صيتًا - فَجعل يُنَادي يَا أَصْحَاب سُورَة الْبَقَرَة، يَا أنصار الله وأنصار رَسُول الله، يَا أَصْحَاب الشَّجَرَة، هَذَا رَسُول الله، فَرَجَعُوا وقاتلوا وَوَقعت الْهَزِيمَة على الْكفَّار ... الْقِصَّة إِلَى آخرهَا " فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَيَوْم حنين إِذْ أَعجبتكُم كثرتكم فَلم تغن عَنْكُم شَيْئا﴾ يَعْنِي: أَن الظفر لَيْسَ بِالْكَثْرَةِ، بل بنصرة الله تَعَالَى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ قَالَ الْفراء: الْبَاء هَاهُنَا بِمَعْنى " فِي " مَعْنَاهُ: فِي رحبها وسعتها. وَقيل الْمَعْنى: برحبها وسعتها.
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ وليتم مُدبرين﴾ أَي: مُتَفَرّقين، أَي: منهزمين.
стр. 2010
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أنزل الله سكينته على رَسُوله وعَلى الْمُؤمنِينَ﴾ الْآيَة. السكينَة: الرَّحْمَة. وَقيل: السكينَة: الآمنة، وَهِي فعيلة من السّكُون، وَهَاهُنَا هِيَ بِمَعْنى النَّصْر، قَالَ الشَّاعِر:
(لله قبر بالبسيطة غالها ... مَاذَا أجن سكينَة ووقارا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأنزل جُنُودا لم تَرَوْهَا﴾ يَعْنِي: الْمَلَائِكَة، وَنزلت لَا لِلْقِتَالِ، وَلَكِن لتجبين الْكفَّار وتشجيع الْمُسلمين، فَإِن الْمَرْوِيّ أَن الْمَلَائِكَة لم تقَاتل إِلَّا فِي يَوْم بدر.
стр. 2011
﴿ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم (٢٧) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا وَإِن﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿وعذب الَّذين كفرُوا﴾ يَعْنِي: بِالْقَتْلِ والأسر، ﴿وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافرين﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2012
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ يَتُوب الله من بعد ذَلِك على من يَشَاء وَالله غَفُور رَحِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر وَهَذَا فِي الَّذين كفوا عَن الْقَتْل.
стр. 2013
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ معنى قَوْله ﴿نجس﴾ قذر، فَإِذا ضم إِلَى غَيره قيل: رِجْس نجس، وَإِذا أفرد قيل: نجس.
رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه قَالَ: نجاستهم كنجاسة الْكَلْب وَالْخِنْزِير.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: إِذا صَافح مُسلم كَافِرًا يجب عَلَيْهِ غسل يَده.
وَالصَّحِيح أَن المُرَاد من الْآيَة: أَنه يجب الاجتناب مِنْهُم كَمَا يجب الاجتناب من النَّجَاسَات. وَقيل إِن معنى قَوْله ﴿نجس﴾ : أَنهم يجنبون فَلَا يغتسلون، ويحدثون فَلَا يَتَوَضَّئُونَ.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا﴾ هَذَا خبر بِمَعْنى أَمر، وَمَعْنَاهُ: لَا تخلوهم أَن يدخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا.
وَمذهب الْمَدَنِيين: أَن الْمَسْجِد الْحَرَام هُوَ جَمِيع الْحرم، وَلَا يتْرك كَافِر يدْخلهُ، وَإِن كَانَ معاهدا أَو عبدا، وَهَذَا قَول عمر بن عبد الْعَزِيز وَجَمَاعَة.
وَمذهب الْكُوفِيّين: أَنه يجوز أَن يدْخلهُ الْمعَاهد وَالْعَبْد، وَهَذَا مَرْوِيّ عَن جَابر.
وَقَوله: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة﴾ يَعْنِي: فقرا. وَفِي مصحف عبد الله بن مَسْعُود ﵁: " وَإِن خِفْتُمْ عائلة " يَعْنِي: أمرا شاقا، يُقَال: عالني الْأَمر، أَي: شقّ عَليّ.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن أهل مَكَّة إِنَّمَا كَانَت مَعَايشهمْ من التِّجَارَات والأرباح، فَلَمَّا أَمر الله تَعَالَى الْمُسلمين أَن لَا يخلوا الْكفَّار أَن يدخلُوا الْمَسْجِد الْحَرَام، قَالُوا: فَكيف
стр. 2014
﴿خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ إِن الله عليم حَكِيم (٢٨) قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله وَلَا يدينون دين الْحق من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم﴾ أَمر مَعَايِشنَا؟ وخافوا الْفقر وضيق الْعَيْش، فَقَالَ الله تَعَالَى لَهُم: ﴿وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ﴾ فَروِيَ أَنه أسلم أهل جرش - بِالْجِيم مُعْجمَة - وَصَنْعَاء، وَسَائِر نواحي الْيمن، وجلبوا الْميرَة الْكَثِيرَة إِلَى أهل مَكَّة، ووسع الله عَلَيْهِم ﴿إِن الله عليم حَكِيم﴾ وَمَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2015
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر وَلَا يحرمُونَ مَا حرم الله وَرَسُوله﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِن أهل الْكِتَابَيْنِ يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، فَكيف معنى الْآيَة؟
الْجَواب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَنهم لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر كَإِيمَانِ الْمُؤمنِينَ؛ فَإِنَّهُم قَالُوا: عُزَيْر ابْن الله، وَقَالُوا: الْمَسِيح ابْن الله، وَقَالَت الْيَهُود: لَا أكل وَلَا شرب فِي الْجنَّة.
وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن كفرهم ككفر من لَا يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فِي عظم الجرم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يدينون دين الْحق﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَلَا يطيعون الله كطاعة أهل الْحق.
قَوْله: ﴿من الَّذين أُوتُوا الْكتاب حَتَّى يطعوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ قَالَ قَتَادَة: " عَن يَد ": عَن قهر وذل. وَقَالَ غَيره: " عي يَد " أَي يُعْطي بِيَدِهِ. وَفِيه قَول ثَالِث: " عَن يَد " أَي: عَن إِقْرَار بإنعام أهل الْإِسْلَام عَلَيْهِم ﴿وهم صاغرون﴾ رُوِيَ عَن سلمَان الْفَارِسِي ﵁ قَالَ: مَعْنَاهُ: وهم مذمومون. وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ: يُؤْخَذ ويوجأ فِي عُنُقه، فَهَذَا معنى الصغار. وَقَالَ غَيره: يُؤْخَذ مِنْهُ وَهُوَ قَائِم، والآخذ جَالس. وَقيل: إِنَّه يلبب ويجر إِلَى مَوضِع الْإِعْطَاء بعنف. وَعند الشَّافِعِي ﵁ معنى الصغار: هُوَ جَرَيَان أَحْكَام الْإِسْلَام
стр. 2016
﴿صاغرون (٢٩) وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ عَلَيْهِم. وَهَذَا معنى حسن.
стр. 2017
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ هَذَا فِي قوم بأعيانهم كَانُوا بِالْمَدِينَةِ أفناهم السَّيْف، مِنْهُم: سَلام بن مشْكم، وَمَالك بن " الضَّيْف "، وفنحاص الْيَهُودِيّ، وَأما الْآن فَلَا يَقُول مِنْهُم أحد هَذَا. وَيُقَال: إِن الْقَائِلين لهَذِهِ الْمقَالة قوم من سلفهم ومتقدميهم.
وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن الْيَهُود لما بدلُوا وخالفوا شَرِيعَة التَّوْرَاة نسخ الله تَعَالَى التَّوْرَاة من صُدُورهمْ، فَخرج عُزَيْر يسيح فِي الأَرْض يطْلب الْعلم، فَلَقِيَهُ جِبْرِيل ﵇ فَعلمه التَّوْرَاة. وَرُوِيَ أَنه نزل نور فَدخل جَوْفه فَقَرَأَ التَّوْرَاة عَن ظهر قلبه، فَرجع وأملى التَّوْرَاة على الْيَهُود، فَقَالَ جمَاعَة مِنْهُم هَذِه الْمقَالة يَعْنِي: عُزَيْر ابْن الله.
﴿وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ هم على ذَلِك الْآن.
قَوْله: ﴿ذَلِك قَوْلهم بأفواههم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْإِنْسَان لَا يَقُول قولا إِلَّا بفمه، فَكيف يكون معنى هَذَا الْكَلَام؟
الْجَواب: أَن مَعْنَاهُ: أَنهم قَالُوا هَذَا القَوْل بِلَا حجَّة وَلَا بَيَان وَلَا برهَان، وَإِنَّمَا كَانَ مُجَرّد قَول بِلَا أصل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يضاهئون﴾ قرئَ بقراءتين، و ﴿يضاهئون﴾ يَعْنِي: يشابهون، والمضاهاة: المشابهة والمماثلة، تَقول الْعَرَب: امْرَأَة ضهياء إِذا كَانَت لَا تحيض، فَهِيَ تشبه الرِّجَال.
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ فِيهِ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: قَول الَّذين أشركوا من قبل؛ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ: مَنَاة وَاللات والعزى بَنَات الله.
стр. 2018
﴿ذَلِك قَوْلهم بأفواههم يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل قَاتلهم الله أَنى يؤفكون (٣٠) اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّصَارَى قَالُوا فِي الْمَسِيح مَا قَالَت الْيَهُود فِي عُزَيْر، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿يضاهئون قَول الَّذين كفرُوا من قبل﴾ .
﴿قَاتلهم الله﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: لعنهم الله، وَقيل: قَتلهمْ الله، كَمَا تَقول الْعَرَب: عافاه الله، أَي: أَعْفَاهُ الله.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَن هَذِه كلمة تعجب، قَالَ الشَّاعِر:
(فيا قَاتل الله ليلى كَيفَ تعجبنى ... وَأخْبر النَّاس أَنى لَا أباليها)
وَلَيْسَ الْمَعْنى تَحْقِيق الْمُقَاتلَة؛ وَلكنه كلمة تعجب.
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنى يؤفكون﴾ مَعْنَاهُ: أَنى يصرفون، يُقَال: أَرض مأفوكة إِذا صرف عَنْهَا الْمَطَر، وَقَول مأفوك إِذا كَانَ مصروفا عَن الْحق.
стр. 2019
قَوْله تَعَالَى ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ يُقَال: الْأَحْبَار من الْيَهُود، والرهبان من النَّصَارَى، وَقد بَينا فِيهَا أقوالا من قبل. فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّهُم لم يعبدوا الْأَحْبَار والرهبان، فأيش معنى قَوْله ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ ؟
قُلْنَا: مَعْنَاهُ: أَنهم استحلوا مَا أحلُّوا، وحرموا مَا حرمُوا؛ فَهَذَا معنى عباداتهم لَهُم. وَقد صَحَّ هَذَا الْمَعْنى بِرِوَايَة عدي بن حَاتِم، عَن النَّبِي.
стр. 2020
﴿إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ (٣٣) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي﴾
قَوْله: ﴿والمسيح ابْن مَرْيَم وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَه إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يشركُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2021
قَوْله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾ مَعْنَاهُ: يُرِيدُونَ أَن يخمدوا نور الله، وَالْمرَاد من النُّور: الْقُرْآن، وَقيل: هُوَ مُحَمَّد.
وَقَوله: ﴿بأفواههم﴾ مَعْنَاهُ: بتكذيبهم.
قَوْله: ﴿ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2022
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله وَلَو كره الْمُشْركُونَ﴾ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: هَذَا عِنْد نزُول عِيسَى ابْن مَرْيَم ﵇ لَا يبْقى فِي الأَرْض أحد إِلَّا أسلم.
وَفِي قَوْله: ﴿لِيظْهرهُ على الدّين كُله﴾ قَول آخر: وَهُوَ أَنه الْإِظْهَار بِالْحجَّةِ؛ فدين الْإِسْلَام ظَاهر على كل الْأَدْيَان بِالدَّلِيلِ وَالْحجّة.
стр. 2023
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن كثيرا من الْأَحْبَار والرهبان ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ الْآيَة، وَقد بَينا معنى الْأَحْبَار والرهبان من قبل وَقَوله: ﴿ليأكلون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: إِن المُرَاد مِنْهُ أَخذ الرشاء فِي الْأَحْكَام والمآكل الَّتِي كَانَت لعلمائهم على سفلتهم ﴿ويصدون عَن سَبِيل الله﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم يمْنَعُونَ النَّاس عَن الْإِسْلَام، وَقَوله: ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ الْكَنْز هُوَ المَال الْمَجْمُوع، قَالَ الشَّاعِر:
стр. 2024
﴿سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم (٣٤)
(لَا در درى إِن أطعمت نازلهم ... قرف الحتى وَعِنْدِي الْبر مكنوز﴾
والحتى قَالُوا: هُوَ الْمقل.
وَاخْتلف أهل الْعلم فِي من نزلت هَذِه الْآيَة، قَالَ بَعضهم: نزلت فِي أهل الْكتاب، وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّهَا نزلت فِي الْكل.
وَاخْتلفُوا فِي الْكَنْز، رُوِيَ عَن ابْن عمر، وَجَمَاعَة: أَن الْكَنْز كل مَال لم تُؤَد زَكَاته، وَأما الَّذِي أدّيت زَكَاته فَلَيْسَ بكنز، وَإِن كَانَ مَدْفُونا. وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: أَرْبَعَة آلَاف دِرْهَم نَفَقَة وَمَا فَوْقهَا كنز. وَقَالَ بَعضهم: مَا فضل عَن الْحَاجة فَهُوَ كنز.
وَقَوله: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله﴾ فَإِن سَأَلَ سَائل وَقَالَ: إِنَّه تقدم ذكر الذَّهَب وَالْفِضَّة جَمِيعًا، فَكيف قَالَ: وَلَا يُنْفِقُونَهَا، وَلم يقل: وَلَا ينفقونهما؟
الْجَواب عَنهُ من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا: أَن الْمَعْنى: وَلَا يُنْفقُونَ الْكُنُوز فِي سَبِيل الله.
وَالثَّانِي: أَن معنى الْآيَة: يكنزون الذَّهَب وَلَا ينفقونه، ويكنزون الْفضة وَلَا يُنْفِقُونَهَا، فَاكْتفى بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر، قَالَ الشَّاعِر:
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك رَاض والرأي مُخْتَلف)
مَعْنَاهُ: نَحن بِمَا عندنَا راضون، وَأَنت بِمَا عنْدك رَاض. وَفِي مثل هَذَا قَول الشَّاعِر:
(إِن شرخ الشَّبَاب وَالشعر الْأسود ... مَا لم يعاض كَانَ جنونا)
يَعْنِي: مَا لم يعاضيا.
قَوْله: ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ مَعْنَاهُ: ضع هَذَا الْوَعيد مَوضِع الْبشَارَة، وَإِلَّا فالوعيد لَا يكون بِشَارَة حَقِيقَة.
стр. 2025
﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون (٣٥)
стр. 2026
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم﴾ أَي: يُوقد عَلَيْهَا حَتَّى تصير نَارا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لَا يوضع دِرْهَم مَكَان دِرْهَم، وَلَا دِينَار مَكَان دِينَار؛ وَلَكِن يُوسع جلده حَتَّى يوضع كل دِينَار وَدِرْهَم فِي مَوْضِعه. وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ (رَضِي عَنهُ) : " أَن رجلا من أهل الصّفة مَاتَ وَترك دِينَارا، فَقَالَ النَّبِي: كيه. وَمَات آخر وَترك دينارين فَقَالَ: كَيَّتَانِ ".
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " يَجْعَل الذَّهَب وَالْفِضَّة صَفَائِح، فيكوى بهَا فِي كل يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة، ثمَّ يرى سَبيله إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار ".
وروى ثَوْبَان: " أَن الله تَعَالَى لما أنزل هَذِه الْآيَة شقّ على الْمُسلمين مشقة شَدِيدَة فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، أَي المَال نتَّخذ، وَقد أنزل فِي المَال مَا أنزل؟ فَقَالَ: ليتَّخذ أحدكُم قلبا شاكرا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَة تعينه على دينه ".
стр. 2027
﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ذَلِك الدّين الْقيم فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾
وَفِي الْأَخْبَار - أَيْضا - عَن النَّبِي: " أَن الْكَنْز يتبعهُ حَتَّى يلقمه يَده فيقضمها، ثمَّ يتبع سَائِر جسده ".
وَقد رُوِيَ عَن عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ أَنه قَالَ: الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة الزَّكَاة. وَقَالَ سَائِر الْعلمَاء: لَيست بمنسوخة. وَعَن أبي بكر الْوراق ﵀ أَنه قَالَ: إِنَّمَا ذكر الْجَبْهَة وَالْجنب وَالظّهْر؛ لِأَن الْغَنِيّ إِذا رأى الْفَقِير قبض جَبهته، وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ، وولاه ظَهره، وَأعْرض عَنهُ كشحه.
قَوْله تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾ وَعِيد وتهديد.
стр. 2028
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن عدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنَا عشر شهرا فِي كتاب الله﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: معنى الْآيَة: هُوَ أَن الشُّهُور الَّتِي تعبد بهَا الْمُسلمُونَ فِي صِيَامهمْ وحجهم وأعيادهم وَسَائِر أُمُورهم، هِيَ الشُّهُور بِالْأَهِلَّةِ، وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يحسبون السّنة بالشهور الشمسية، ويجعلون السّنة ثلثمِائة وَخَمْسَة وَسِتِّينَ يَوْمًا وَربع يَوْم. وَأما فِي الشَّرِيعَة فَالسنة مَا بَينا، وَلِهَذَا يكون الصَّوْم تَارَة فِي الشتَاء وَتارَة فِي الصَّيف.
قَوْله: ﴿فِي كتاب الله﴾ أَي: فِي حكم الله، وَقيل: فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. ﴿يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَة حرم﴾ هِيَ: ذُو الْقعدَة، وَذُو الْحجَّة، وَالْمحرم، وَرَجَب. وَاحِد فَرد وَثَلَاثَة سرد.
стр. 2029
﴿كَمَا يقاتلونكم كَافَّة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر
وَقد صَحَّ عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي بكرَة أَنه قَالَ: " أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض، السّنة اثْنَا عشر شهرا مِنْهَا أَرْبَعَة حرم ٠٠٠ " الْخَبَر.
قَوْله: ﴿ذَلِك الدّين الْقيم﴾ أَي: ذَلِك الْحساب الصَّحِيح.
قَوْله: ﴿فَلَا تظلموا فِيهِنَّ أَنفسكُم﴾ اخْتلفُوا فِي هَذَا على قَوْلَيْنِ:
أَحدهمَا: أَن قَوْله: ﴿فَلَا تظلموا فِيهِنَّ﴾ ينْصَرف إِلَى الْأَشْهر الْأَرْبَعَة.
وَالثَّانِي أَنه منصرف إِلَى جَمِيع أشهر السّنة، وَهَذَا محكي عَن ابْن عَبَّاس.
وَأما الظُّلم فِي هَذَا الْموضع: فَهُوَ ترك الطَّاعَة وَفعل الْمعْصِيَة.
وَقَوله: ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة كَمَا يُقَاتِلُوكُمْ كَافَّة﴾ أَي: قَاتلُوا جَمِيع الْمُشْركين كَافَّة كَمَا قَاتلُوا جميعكم.
قَوْله: ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ من الظُّلم بالنصرة وَالظفر.
стр. 2030
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا النسيء زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ قرىء بِغَيْر الْهَمْز، وَالْمَشْهُور بِالْهَمْزَةِ. قَالَ أهل الْعَرَبيَّة: وَهُوَ الْأَصَح، والنسيء: هُوَ التَّأْخِير، يُقَال نسأ الله فِي أَجلك أَي: أخر.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يجْعَلُونَ الْمحرم مرّة حَلَالا وَمرَّة حَرَامًا، فَإِذا أحلُّوا الْمحرم أبدلوا الصفر بِالتَّحْرِيمِ، وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِك أَن عَامَّة مَعَايشهمْ كَانَت بالغارات والقتال وَالسُّيُوف، فَكَانَ يشق عَلَيْهِم أَن يكفوا عَن الْقِتَال ثَلَاثَة أشهر مُتَوَالِيَة، وَكَانَ الَّذِي يتَوَلَّى التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم رجل من بني كنَانَة يُقَال لَهُ: أَبُو ثُمَامَة، وَرثهُ عَن آبَائِهِ، وَكَانَ يقوم على نَاقَة وَيَقُول: أَيهَا النَّاس، أَنا لَا أعاب وَلَا أحاب وَلَا يرد قَضَاء قَضيته، أما إِنِّي قد أحللت الْمحرم وَحرمت الصفر الْعَام، قَالَ رجل مِنْهُم: أَلسنا الناسئين على معد شهور الْحل يَجْعَلهَا حَرَامًا. فَهَذَا هُوَ معنى النسىء الْمَذْكُور فِي الْآيَة.
стр. 2031
﴿يضل بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله فيحلوا مَا حرم الله زين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين (٣٧) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض أرضيتم﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ مَعْنَاهُ: زِيَادَة كفر على كفرهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ الَّذين كفرُوا﴾ أَي: يضل الله بِهِ الَّذين كفرُوا، وقرىء " يضل بِهِ الَّذين كفرُوا " على مَا لم يسم فَاعله، وقرىء " يضل بِهِ الَّذين كفرُوا " وَهُوَ الْأَشْهر، وَهُوَ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما﴾ قد ذكرنَا الْمَعْنى. قَوْله: ﴿ليواطئوا﴾ ليوافقوا، والمواطأة: الْمُوَافقَة، وَمَعْنَاهُ: ليوافقوا ﴿عدَّة مَا حرم الله﴾ يَعْنِي: عدد مَا حرم الله ﴿فيحلوا مَا حرم الله﴾ فيقولوا: أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة. قَوْله: ﴿زين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن النسىء: تَأْخِير الْحَج كل عَام شهرا. قَالُوا: وَحج أَبُو بكر سنة تسع فِي ذِي الْقعدَة، وَحج رَسُول الله سنة عشر فِي ذِي الْحجَّة، وَهُوَ معنى قَوْله: " أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته " الْخَبَر الَّذِي ذكرنَا.
стр. 2032
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مالكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ نزلت الْآيَة فِي غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَت الْغَزْوَة فِي حارة القيظ حِين أينعت الثِّمَار وَطَابَتْ الظلال فشق على الْمُسلمين مشقة شَدِيدَة وتخلف بَعضهم بالعذر، وتخلف بَعضهم بِلَا عذر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ أَي: تثاقلتم؛ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: قعدتم عَن الْغَزْو وكرهتم الْخُرُوج.
стр. 2033
﴿بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل (٣٨) إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا وَالله على كل شَيْء قدير (٣٩) إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ﴾
وَقَوله: ﴿إِلَى الأَرْض﴾ أَي: إِلَى الدُّنْيَا، وسمى الدُّنْيَا أَرضًا، لِأَنَّهَا فِي الأَرْض.
قَوْله: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ أَي: بنعيم الدُّنْيَا من نعيم الْآخِرَة.
قَوْله ﴿فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل﴾ . روى عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: جَمِيع الدُّنْيَا جُمُعَة من جمع الْآخِرَة. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَا يرجع ".
стр. 2034
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ هَذَا تهديد ووعيد لمن ترك النَّفر فِي سَبِيل الله، والنفر ضد الهدوء والسكون.
قَوْله: ﴿ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: إِن ضره رَاجع إِلَيْكُم لَا إِلَيْهِ ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2035
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله﴾ مَعْنَاهُ: إِن لم تنصروه فقد نَصره الله ﴿إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا﴾ قد بَينا قصَّة إخراجهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ﴾ مَعْنَاهُ: أحد اثْنَيْنِ، تَقول الْعَرَب: خَامِس خَمْسَة أَي: أحد الْخَمْسَة، ورابع أَرْبَعَة أَي: أحد الْأَرْبَعَة.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: عَاتب الله جَمِيع النَّاس بترك نصْرَة الرَّسُول سوى أبي بكر ﵁ وَقيل: نصرته عَن خلقي إِلَّا عَن أبي بكر ﵁ فَإِنَّهُ قد نَصره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هما فِي الْغَار﴾ الْغَار: ثقب فِي الْجَبَل، وَهَذَا الْجَبَل هُوَ جبل ثَوْر، جبل قريب من مَكَّة.
следующие страницы →