Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
﴿يضل بِهِ الَّذين كفرُوا يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما ليواطئوا عدَّة مَا حرم الله فيحلوا مَا حرم الله زين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين (٣٧) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مَا لكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض أرضيتم﴾
وَقَوله تَعَالَى: ﴿زِيَادَة فِي الْكفْر﴾ مَعْنَاهُ: زِيَادَة كفر على كفرهم.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يضل بِهِ الَّذين كفرُوا﴾ أَي: يضل الله بِهِ الَّذين كفرُوا، وقرىء " يضل بِهِ الَّذين كفرُوا " على مَا لم يسم فَاعله، وقرىء " يضل بِهِ الَّذين كفرُوا " وَهُوَ الْأَشْهر، وَهُوَ ظَاهر الْمَعْنى.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلونه عَاما ويحرمونه عَاما﴾ قد ذكرنَا الْمَعْنى. قَوْله: ﴿ليواطئوا﴾ ليوافقوا، والمواطأة: الْمُوَافقَة، وَمَعْنَاهُ: ليوافقوا ﴿عدَّة مَا حرم الله﴾ يَعْنِي: عدد مَا حرم الله ﴿فيحلوا مَا حرم الله﴾ فيقولوا: أَرْبَعَة وَأَرْبَعَة. قَوْله: ﴿زين لَهُم سوء أَعْمَالهم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْكَافرين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَفِي الْآيَة قَول آخر: وَهُوَ أَن النسىء: تَأْخِير الْحَج كل عَام شهرا. قَالُوا: وَحج أَبُو بكر سنة تسع فِي ذِي الْقعدَة، وَحج رَسُول الله سنة عشر فِي ذِي الْحجَّة، وَهُوَ معنى قَوْله: " أَلا إِن الزَّمَان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَته " الْخَبَر الَّذِي ذكرنَا.
стр. 2032
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا مالكم إِذا قيل لكم انفروا فِي سَبِيل الله اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ نزلت الْآيَة فِي غَزْوَة تَبُوك، وَكَانَت الْغَزْوَة فِي حارة القيظ حِين أينعت الثِّمَار وَطَابَتْ الظلال فشق على الْمُسلمين مشقة شَدِيدَة وتخلف بَعضهم بالعذر، وتخلف بَعضهم بِلَا عذر، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقَوله: ﴿اثاقلتم إِلَى الأَرْض﴾ أَي: تثاقلتم؛ وَحَقِيقَة الْمَعْنى: قعدتم عَن الْغَزْو وكرهتم الْخُرُوج.
стр. 2033
﴿بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل (٣٨) إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا وَالله على كل شَيْء قدير (٣٩) إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ﴾
وَقَوله: ﴿إِلَى الأَرْض﴾ أَي: إِلَى الدُّنْيَا، وسمى الدُّنْيَا أَرضًا، لِأَنَّهَا فِي الأَرْض.
قَوْله: ﴿أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة﴾ أَي: بنعيم الدُّنْيَا من نعيم الْآخِرَة.
قَوْله ﴿فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا قَلِيل﴾ . روى عَن سعيد بن جُبَير أَنه قَالَ: جَمِيع الدُّنْيَا جُمُعَة من جمع الْآخِرَة. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا مثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَا يرجع ".
стр. 2034
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تنفرُوا يعذبكم عذَابا أَلِيمًا﴾ هَذَا تهديد ووعيد لمن ترك النَّفر فِي سَبِيل الله، والنفر ضد الهدوء والسكون.
قَوْله: ﴿ويستبدل قوما غَيْركُمْ وَلَا تضروه شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: إِن ضره رَاجع إِلَيْكُم لَا إِلَيْهِ ﴿وَالله على كل شَيْء قدير﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2035
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا تنصروه فقد نَصره الله﴾ مَعْنَاهُ: إِن لم تنصروه فقد نَصره الله ﴿إِذْ أخرجه الَّذين كفرُوا﴾ قد بَينا قصَّة إخراجهم فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ يمكر بك الَّذين كفرُوا﴾ الْآيَة. قَوْله: ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ﴾ مَعْنَاهُ: أحد اثْنَيْنِ، تَقول الْعَرَب: خَامِس خَمْسَة أَي: أحد الْخَمْسَة، ورابع أَرْبَعَة أَي: أحد الْأَرْبَعَة.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: عَاتب الله جَمِيع النَّاس بترك نصْرَة الرَّسُول سوى أبي بكر ﵁ وَقيل: نصرته عَن خلقي إِلَّا عَن أبي بكر ﵁ فَإِنَّهُ قد نَصره.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ هما فِي الْغَار﴾ الْغَار: ثقب فِي الْجَبَل، وَهَذَا الْجَبَل هُوَ جبل ثَوْر، جبل قريب من مَكَّة.
стр. 2036
﴿هما فِي الْغَار إِذْ يَقُول لصَاحبه لَا تحزن إِن الله مَعنا فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ وأيده﴾
قَوْله: ﴿إِذْ يَقُول لصَاحبه﴾ أَي: لأبي بكر ﵁ بِاتِّفَاق أهل الْعلم.
وَرُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ: " أَبُو بكر صَاحِبي فِي الْغَار، وصاحبي على الْحَوْض ".
وَعَن الْحُسَيْن بن الْفضل البَجلِيّ أَنه قَالَ: من قَالَ: إِن أَبَا بكر لَيْسَ بِصَاحِب رَسُول الله فَهُوَ كَافِر، لإنكاره نَص الْقُرْآن، وَفِي سَائِر الصَّحَابَة إِذا أنكر يكون مبتدعا وَلَا يكون كَافِرًا.
قَوْله: ﴿لَا تحزن إِن الله مَعنا﴾ رُوِيَ " أَن النَّبِي لما خرج مَعَ أبي بكر ﵁ أَمر عليا حَتَّى اضْطجع على فرَاشه، وَذكر لَهُ أَنه لَا يُصِيبهُ سوء، وَخرج مَعَ أبي بكر قبل الْغَار، وَجَاء الْمُشْركُونَ يقصدون النَّبِي فَقَامَ عَليّ ﵁ من مضجعه فَقَالُوا لَهُ: أَيْن صَاحبك؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَخَرجُوا فِي طلبه يقتفون أَثَره حَتَّى وصلوا إِلَى الْغَار، فَلَمَّا أحس أَبُو بكر ﵁ بهم خَافَ خوفًا شَدِيدا، وَقَالَ: يَا رَسُول الله، إِن أقتل يهْلك وَاحِد، وَإِن تقتل تهْلك هَذِه الْأمة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: لَا تحزن إِن الله مَعنا ". وَقد ثَبت أَن النَّبِي قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا بكر! مَا ظَنك بِاثْنَيْنِ الله ثالثهما ". وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى أنبت ثُمَامَة على فَم الْغَار، وَهِي شَجَرَة صَغِيرَة، وألهم حمامة حَتَّى فرخت، وألهم عنكبوتا حَتَّى نسجت.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: على النَّبِي. وَهُوَ اخْتِيَار الزّجاج.
وَالْآخر: أَنه على أبي بكر، وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين؛ لِأَن السكينَة هَاهُنَا مَا يسكن بِهِ
стр. 2037
﴿بِجُنُود لم تَرَوْهَا وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى وَكلمَة الله هِيَ الْعليا وَالله عَزِيز حَكِيم (٤٠) انفروا خفافا وثقالا وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله ذَلِكُم خير لكم إِن كُنْتُم تعلمُونَ (٤١) لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفرا قَاصِدا لاتبعوك﴾
الْقلب؛ وَأَبُو بكر ﵁ كَانَ هُوَ الْخَائِف والحزين دون رَسُول الله.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: أَن السكينَة نزلت عَلَيْهِمَا؛ وَنقل فِي مصحف حَفْصَة ﵂ " فَأنْزل الله سكينته عَلَيْهِمَا وأيدهما بِجُنُود لم تَرَوْهَا " قَوْله: ﴿وأيده بِجُنُود لم تَرَوْهَا﴾ الْجنُود هَاهُنَا: الْمَلَائِكَة، نزلُوا فَألْقوا الرعب فِي قُلُوب الْكفَّار حَتَّى رجعُوا. قَوْله: ﴿وَجعل كلمة الَّذين كفرُوا السُّفْلى﴾ كلمتهم: الشّرك؛ وَهِي السُّفْلى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿وَكلمَة الله هِيَ الْعليا﴾ يَعْنِي: لَا إِلَه إِلَّا الله، وَهِي الْعليا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: ﴿وَالله عَزِيز حَكِيم﴾ قد بَينا معنى الْعَزِيز الْحَكِيم.
стр. 2038
قَوْله تَعَالَى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾ يُقَال: إِن هَذِه الْآيَة أول آيَة أنزلت من سُورَة التَّوْبَة.
قَوْله: ﴿خفافا وثقالا﴾ فِيهِ أَقْوَال: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَقَتَادَة أَنَّهُمَا قَالَا: نشاطا وَغير نشاط. قَالَ الْأَزْهَرِي: النشاط جمع النشيط.
وَالْقَوْل الثَّانِي: قَول الْحسن الْبَصْرِيّ: انفروا فِي الْيُسْر والعسر. وَهَذَا قَول حسن. وَعَن الحكم بن عتيبة: مشاغيل وَغير مشاغيل. وَعَن أبي طَلْحَة صَاحب النَّبِي:
شُيُوخًا وشبابا. وَفِيه قَول خَامِس: رجالة وركبانا. ﴿وَجَاهدُوا بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ فِي سَبِيل الله ٠٠٠﴾ إِلَى آخر الْآيَة، مَعْنَاهُ ظَاهر، وَقيل: إِن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة﴾ الْآيَة، وَالله أعلم.
стр. 2039
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ عرضا قَرِيبا وسفرا قَاصِدا لاتبعوك﴾ أَي: لَو كَانَت غنيمَة قريبَة المتناول ﴿وسفرا قَاصِدا﴾ أَي: سفرا قَصِيرا سهلا [قَرِيبا] ﴿لاتبعوك﴾ أَي:
стр. 2040
﴿وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ يهْلكُونَ أنفسهم وَالله يعلم إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ (٤٢) عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم حَتَّى يتَبَيَّن لَك الَّذين صدقُوا وَتعلم الْكَاذِبين (٤٣) لَا يستئذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَالله عليم بالمتقين (٤٤) إِنَّمَا يستئذنك الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وارتابت فهم فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة وَلَكِن كره الله انبعاثهم فَثَبَّطَهُمْ وَقيل﴾ لخرجوا مَعَك ﴿وَلَكِن بَعدت عَلَيْهِم الشقة﴾ أَي: بعد عَلَيْهِم السّفر، والشقة فِي اللُّغَة: هِيَ الْغَايَة الَّتِي يقْصد إِلَيْهَا.
قَوْله ﴿وسيحلفون بِاللَّه لَو استطعنا لخرجنا مَعكُمْ﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين.
قَوْله تَعَالَى: ﴿يهْلكُونَ أنفسهم﴾ يَعْنِي: بِالْيَمِينِ الكاذبة. قَوْله: ﴿وَالله يعلم إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2041
قَوْله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك لم أَذِنت لَهُم﴾ رُوِيَ عَن عَمْرو بن مَيْمُون الأودي أَنه قَالَ: فعل رَسُول الله شَيْئَيْنِ بِغَيْر إِذن من الله: فدَاء أُسَارَى بدر، وَأذن للمتخلفين فِي غَزْوَة تَبُوك، فَعَاتَبَهُ الله تَعَالَى فيهمَا جَمِيعًا. وَفِي تَقْدِيم قَوْله تَعَالَى: ﴿عَفا الله عَنْك﴾ معنى لطيف فِي حفظ قلب النَّبِي.
قَوْله: ﴿حَتَّى يتَبَيَّن لَك الَّذين صدقُوا وَتعلم الْكَاذِبين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2042
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يستأذنك الَّذين يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ مَعْنَاهُ: لَا يستأذنك فِي التَّخَلُّف.
قَوْله ﴿أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة، مَعْلُوم، ثمَّ قَالَ
стр. 2043
: ﴿إِنَّمَا يستأذنك الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وارتابت قُلُوبهم﴾ أَي: شكت قُلُوبهم ﴿فهم فِي ريبهم يَتَرَدَّدُونَ﴾ يتحيرون.
ثمَّ قَالَ:
стр. 2044
﴿وَلَو أَرَادوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ عدَّة﴾ يَعْنِي: لَو قصدُوا الْخُرُوج لأعدوا لَهُ
стр. 2045
﴿اقعدوا مَعَ القاعدين (٤٦) لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الْفِتْنَة وَفِيكُمْ سماعون لَهُم وَالله عليم بالظالمين (٤٧) لقد﴾ عدَّة أَي: أهبة السّفر من الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَغَيرهمَا ﴿وَلَكِن كره الله انبعاثهم﴾ مَعْنَاهُ: خُرُوجهمْ ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ مَعْنَاهُ: فكسلهم وكفهم عَن الْخُرُوج ﴿وَقيل اقعدوا مَعَ القاعدين﴾ قَالَ مقَاتل بن سُلَيْمَان: وَحيا إِلَى قُلُوبهم. وَقَالَ غَيره: قَالَ بَعضهم لبَعض: اقعدوا مَعَ القاعدين.
стр. 2046
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا﴾ هَذِه الْآيَة نزلت فِي شَأْن الْمُنَافِقين الَّذين تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك، وَمعنى قَوْله: ﴿خبالا﴾ أَي: فَسَادًا وشرا، وَمعنى الْفساد: هُوَ إِيقَاع الْجُبْن والفشل بَين الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله ﴿ولأوضعوا خلالكم﴾ الإيضاع: هُوَ سرعَة السّير. قَالَ الراجز شعر:
(يَا لَيْتَني فِيهَا جذع ... أخب فِيهَا وأضع)
قَالَ الزّجاج: معنى الْآيَة: أَسْرعُوا فِيمَا يخل بكم. وَقَالَ غَيره: أَسْرعُوا بَيْنكُم بايقاع الْبغضَاء والعداوة بالنميمة، وَنقل الحَدِيث من بعض إِلَى بعض، وعَلى هَذَا قَوْله: ﴿خلالكم﴾ : وسطكم ﴿يبغونكم الْفِتْنَة﴾ يطْلبُونَ لكم الْفِتْنَة، وَفِي الْفِتْنَة مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا الشّرك، وَالْآخر: أَنَّهَا تَفْرِيق الْكَلِمَة.
﴿وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَن فِيكُم جواسيس لَهُم ينقلون الحَدِيث إِلَيْهِم، وَسُئِلَ ابْن عُيَيْنَة: هَل فِي الْقُرْآن ذكر للجواسيس؟ قَالَ: نعم. وَذكر هَذِه الْآيَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ﴿وَفِيكُمْ سماعون لَهُم﴾ قَائِلُونَ لَهُم أَي: يقبل مَا يَقُولُونَ، وَمِنْه مَا ورد فِي الصَّلَاة: " سمع الله لمن حَمده " قبل الله لمن حَمده. وَعَن أبي عُبَيْدَة: وَفِيكُمْ سماعون لَهُم: مطيعون لَهُم. وَالْمعْنَى قريب من القَوْل الثَّانِي.
стр. 2047
﴿ابْتَغوا الْفِتْنَة من قبل وقلبوا لَك الْأُمُور حَتَّى جَاءَ الْحق وَظهر أَمر الله وهم كَارِهُون (٤٨) وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين (٤٩) إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم وَإِن تصبك مُصِيبَة يَقُولُوا قد أَخذنَا﴾
﴿وَالله عليم بالظالمين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم. فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ فِي أول الْآيَة: ﴿مازادوكم إِلَّا خبالا﴾ وَكَانَ النَّبِي وَأَصْحَابه فِي خبال حَتَّى يزِيدُوا؟
الْجَواب: إِن معنى الْآيَة: مازادوكم قُوَّة؛ بل طلبُوا لكم الخبال.
стр. 2048
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد ابْتَغوا الْفِتْنَة من قبل﴾ الْآيَة، الابتغاء: الطّلب، والفتنة: إِيقَاع الِاخْتِلَاف الْمُؤَدِّي إِلَى تَفْرِيق الْكَلِمَة. وَقَوله ﴿وقلبوا لَك الْأُمُور﴾ وَمَعْنَاهُ: صرفُوا لَك الْأُمُور وأرادوها ظهرا لبطن وبطنا لظهر، وَحَقِيقَة الْمَعْنى: أَنهم طلبُوا بِكُل حِيلَة إِفْسَاد أَمرك ﴿حَتَّى جَاءَ الْحق وَظهر أَمر الله وهم كَارِهُون﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2049
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَقُول ائْذَنْ لي وَلَا تفتني﴾ أَكثر الْمُفَسّرين أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي رجل من الْمُنَافِقين يُقَال لَهُ: الْجد بن قيس قَالَ لَهُ رَسُول الله: " هَل لَك فِي جلاد بني الْأَصْفَر - يَعْنِي الرّوم - لَعَلَّك تصيب مِنْهُم سرارى. قَالَ رَسُول الله حثا لَهُ على الْخُرُوج، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، ائْذَنْ لي - يَعْنِي: فِي التَّخَلُّف - وَلَا تفتني - يَعْنِي: بنساء الرّوم - قَالَ: قومِي علمُوا أَنِّي بِالنسَاء مغرم، يَعْنِي: معجب ".
وَهَذَا أحد الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله: ﴿وَلَا تفتني﴾ .
وَالْقَوْل الثَّانِي: إِن مَعْنَاهُ: لَا تؤثمني، قَالَ قَتَادَة، وَمَعْنَاهُ: لَا تسمنى لِلْخُرُوجِ، وَالْخُرُوج عسير عَليّ فأتخلف فأقع فِي الْإِثْم.
стр. 2050
﴿أمرنَا من قبل ويتولوا وهم فَرِحُونَ (٥٠) قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا هُوَ مَوْلَانَا وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قل هَل تربصون بِنَا إِلَّا إِحْدَى الحسنيين﴾
قَوْله: ﴿أَلا فِي الْفِتْنَة سقطوا﴾ فِيهِ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: أَلا فِي جَهَنَّم سقطوا، وَالْآخر: أَلا فِي الشّرك سقطوا.
﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ محدقة بالكافرين.
стр. 2051
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن تصبك حَسَنَة تسؤهم﴾ الْحَسَنَة هَاهُنَا هِيَ النِّعْمَة الَّتِي تطيب بهَا نفس الْإِنْسَان، وتلذ عيشه. وَفِي غير هَذَا الْموضع الْحَسَنَة بِمَعْنى الطَّاعَة. .
﴿وَإِن تصبك مُصِيبَة﴾ الْمُصِيبَة هَاهُنَا هِيَ البلية فِي الْقِتَال بِإِصَابَة الْكَافرين من الْمُسلمين، يُقَال: إِن الْحَسَنَة الْمَذْكُورَة كَانَت يَوْم بدر، والمصيبة الْمَذْكُورَة كَانَت يَوْم أحد.
وَقَوله: ﴿يَقُولُوا قد أَخذنَا أمرنَا من قبل﴾ يَعْنِي: حذرنا من قبل، وَمَعْنَاهُ: احترزنا من الْوُقُوع فِي الْمُصِيبَة ﴿ويتولوا وهم فَرِحُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2052
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل لن يصيبنا إِلَّا ماكتب الله لنا﴾ أَمر الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ بِأَن يجيبوهم بِهَذَا.
وَقَوله: ﴿إِلَّا مَا كتب الله لنا﴾ أَي: علينا، وَقيل: مَعْنَاهُ: مَا أخبر الله لنا ﴿هُوَ مَوْلَانَا وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَهُوَ حافظنا وناصرنا وَعَلِيهِ يعْتَمد الْمُؤْمِنُونَ، وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف بِرِوَايَة أبي الدَّرْدَاء أَن النَّبِي قَالَ: " لَا يبلغ العَبْد حَقِيقَة الْإِيمَان حَتَّى يعلم أَن مَا أَصَابَهُ لم يكن ليخطئه، وَأَن مَا أخطأه لم يكن ليصيبه ".
стр. 2053
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل تربصون بِنَا﴾ هَل تنتظرون بِنَا ﴿إِلَّا إِحْدَى الحسنيين﴾
стр. 2054
﴿وَنحن نتربص بكم أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا فتربصوا إِنَّا مَعكُمْ متربصون (٥٢) قل أَنْفقُوا طَوْعًا أَو كرها لن يتَقَبَّل مِنْكُم إِنَّكُم كُنْتُم قوما فاسقين (٥٣) وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله وَلَا يأْتونَ﴾ تثنيه الْحسنى: الحسنيان، أَحدهمَا: الظفر، وَالْأُخْرَى: الشَّهَادَة.
وروى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " ضمن الله لمن خرج فِي سَبيله إِيمَانًا واحتسابا أَن يدْخلهُ الْجنَّة، أَو يرجعه إِلَى منزله الَّذِي خرج مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ من أجر أَو غنيمَة ".
وَقَوله: ﴿وَنحن نتربص بكم﴾ أَي: نَنْتَظِر بكم ﴿أَن يُصِيبكُم الله بِعَذَاب من عِنْده أَو بِأَيْدِينَا﴾ الْعَذَاب من عِنْده هُوَ القارعة تنزل من السَّمَاء، وَالْعَذَاب بأيدي الْمُؤمنِينَ هُوَ الْعَذَاب بِالسَّيْفِ ﴿فتربصوا إِنَّا مَعكُمْ متربصون﴾ فانتظروا إِنَّا مَعكُمْ منتظرون.
стр. 2055
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل أَنْفقُوا طَوْعًا أَو كرها﴾ هَذَا أَمر بِمَعْنى الشَّرْط، وَمَعْنَاهُ: إِن أنفقتم طَوْعًا أَو كرها ﴿لن يتَقَبَّل مِنْكُم إِنَّكُم كُنْتُم قوما فاسقين﴾ لأنكم كُنْتُم قوما فاسقين، وَالْفِسْق هَاهُنَا هُوَ الْكفْر.
стр. 2056
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا بِاللَّه وبرسوله﴾ مَعْنَاهُ: أَن الْمَانِع من قبُول نفقاتهم كفرهم بِاللَّه وبرسوله.
وَقَوله: ﴿وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا وهم كسَالَى﴾ أَي: متثاقلين. فَإِن قيل: كَيفَ ذكر الكسل فِي الصَّلَاة وَلَا صَلَاة أصلا؟
قُلْنَا: الذَّم وَاقع على الْكفْر الَّذِي يبْعَث على الكسل؛ فَإِن الْكفْر مكسل وَالْإِيمَان منشط، وَيُقَال: أصل كل كفر الكسل، وَفِي الْمثل: الكسل أحلى من الْعَسَل ﴿وَلَا يُنْفقُونَ إِلَّا وهم كَارِهُون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى. وَحَقِيقَة الْمَعْنى فِي الْكل: أَنهم لَا يصلونَ وَلَا يُنْفقُونَ إِلَّا خوفًا، فَأَما تقربا إِلَى الله فَلَا.
стр. 2057
﴿الصَّلَاة إِلَّا وهم كسَالَى وَلَا يُنْفقُونَ إِلَّا وهم كَارِهُون (٥٤) فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٥٥) ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم وَمَا هم مِنْكُم وَلَكنهُمْ قوم يفرقون﴾
стр. 2058
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم﴾ الْإِعْجَاب بالشَّيْء هُوَ السرُور بِهِ.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ فِيهِ سُؤال، وَهُوَ أَنه يُقَال: كَيفَ يكون التعذيب بِالْمَالِ وَالْولد وهم يتنعمون بالأموال وَالْأَوْلَاد؟
الْجَواب من وُجُوه:
أَحدهمَا: أَن فِي الْآيَة تَقْدِيمًا وتأخيرا، كَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: فَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم بهَا فِي الْآخِرَة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن التعذيب بالمصائب الْوَاقِعَة فِي المَال وَالْولد.
الثَّالِث: أَن معنى التعذيب هُوَ التَّعَب فِي الْجمع، وشغل الْقلب بِالْحِفْظِ، وَكَرَاهَة الْإِنْفَاق مَعَ الْإِنْفَاق، وتحليفه عِنْد من لَا يحمده، وقدومه على من لَا يعدله.
وَقَوله ﴿وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ تخرج أنفسهم وهم كافرون.
وَفِي الْآيَة رد على الْقَدَرِيَّة، وَهُوَ ظَاهر.
стр. 2059
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويحلفون بِاللَّه إِنَّهُم لمنكم﴾ يَعْنِي: من جملتكم ﴿وَمَا هم مِنْكُم﴾ يَعْنِي: لَيْسُوا من جملتكم ﴿وَلَكنهُمْ قوم يفرقون﴾ أَي: يخَافُونَ.
وَفِي الحكايات: أَن بعض الْمُلْحِدِينَ رئي يُصَلِّي صَلَاة حَسَنَة، فَسئلَ عَن ذَلِك فَقَالَ: عَادَة أهل الْبَلَد، وصيانة المَال وَالْولد.
стр. 2060
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو يَجدونَ ملْجأ أَو مغارات أَو مدخلًا﴾ قَالَ قَتَادَة: والملجأ: الْحُصُون، والمغارات: الغيران، والمدخل: الأسراب. وَهَذَا قَول حسن. فَمَعْنَى الْآيَة: لَو يَجدونَ مخلصا مِنْكُم ومهربا لفارقوكم، وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون﴾ يَعْنِي: يسرعون، يُقَال: فرس جموح إِذا لم يكن رده عَن وَجهه بِشَيْء.
стр. 2061
( ﴿٥٦) لَو يَجدونَ ملجئا أَو مغارات أَو مدخلًا لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون (٥٧) وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون (٥٨) وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون (٥٩) ﴾
قَالَ الشَّاعِر:
(لقد جمحت جماحا فِي دِمَائِهِمْ ... حَتَّى رَأَيْت ذَوي الْأَشْرَاف قد خمدوا)
وَرُوِيَ عَن أنس أَنه قَرَأَ: " وهم يجمرون " وَالْمعْنَى قريب فِي الأول.
стр. 2062
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَلْمِزك فِي الصَّدقَات﴾ يَعْنِي: يعيبك فِي إِعْطَاء الصَّدقَات، وَيُقَال: الْهمزَة واللمزة بِمَعْنى وَاحِد، وَيُقَال: اللمزة الَّذِي يعيب النَّاس بقوله، والهمزة: الَّذِي يُشِير بطرفه [هزاء] .
سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن ذَا الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي - واسْمه: حرقوش بن زُهَيْر - أَتَى رَسُول الله وَهُوَ يقسم، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، اعْدِلْ، فَقَالَ: فَمن يعدل إِن لم أعدل. ثمَّ قَالَ: يخرج من ضئضىء هَذَا أَقوام تحقرون صَلَاتكُمْ عِنْد صلَاتهم، وَصِيَامكُمْ عِنْد صِيَامهمْ، يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية " الْخَبَر فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن أعْطوا مِنْهَا رَضوا وَإِن لم يُعْطوا مِنْهَا إِذا هم يسخطون﴾ هَذَا فِي ثَعْلَبَة بن حَاطِب وَأَصْحَابه، كَانُوا يرضون إِن أعْطوا كثيرا، وَإِن أعْطوا الْقَلِيل سخطوا وعابوا.
стр. 2063
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله وَرَسُوله وَقَالُوا حَسبنَا الله﴾ كافينا الله ﴿سيؤتينا الله من فَضله وَرَسُوله إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ يَعْنِي: لَو رَضوا بِمَا فعلت
стр. 2064
﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبهم وَفِي الرّقاب﴾ وَرَغبُوا فِي الزِّيَادَة كَانَ خيرا لَهُم من سخطهم وعيبهم.
стр. 2065
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدقَات للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين﴾ الْآيَة، الْفَقِير فِي اللُّغَة: هُوَ الْمُحْتَاج الَّذِي كسرت الْحَاجة فقار ظَهره، والمسكين: الَّذِي ضعفت نَفسه عَن الْحَرَكَة فِي طلب الْقُوَّة فسكنت، وَأما الْكَلَام فَفِي الْفَقِير والمسكين نفى الْآيَة أَقْوَال كَثِيرَة.
أَحدهَا: رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس وَالْحسن وَمُجاهد وَالزهْرِيّ أَنهم قَالُوا: الْفَقِير: الَّذِي لَا يسْأَل، وَقَالَ بَعضهم على خلاف ذَلِك.
وَالثَّانِي: قَول قَتَادَة، وَهُوَ أَن الْفَقِير الَّذِي بِهِ زمانة وَلَا شَيْء لَهُ، والمسكين: الَّذِي لَا شَيْء لَهُ وَلَيْسَ بِهِ زمانة، وَقَالَ بَعضهم على مَا قَالَه قَتَادَة.
وَالثَّالِث: أَن الْفُقَرَاء هم الْمُهَاجِرُونَ، وَالْمَسَاكِين هم الْأَعْرَاب، وَهَذَا قَول إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ.
وَالرَّابِع: أَن الْفُقَرَاء هم الْمُسلمُونَ المحتاجون، وَالْمَسَاكِين هم أهل الْحَاجة من أهل الذِّمَّة.
وَفِيه قَول خَامِس: أَن الْفَقِير والمسكين وَاحِد. وَاخْتلفُوا أَيهمَا أحْوج، فمذهب الشَّافِعِي ﵀ أَن الْفَقِير أحْوج من الْمِسْكِين، وَاسْتدلَّ بقوله تَعَالَى: ﴿أما السَّفِينَة فَكَانَت لمساكين﴾ فسماهم مَسَاكِين مَعَ أَن لَهُم سفينة. وَزعم الْأَصْمَعِي وَجَمَاعَة من أهل اللُّغَة أَن الْمِسْكِين أحْوج من الْفَقِير، وأنشدوا:
(أما الْفَقِير الَّذِي كَانَت حلوبته ... وفْق الْعِيَال فَلم تتْرك لَهُ [سبد] )
قَالَ يُونُس النَّحْوِيّ: قلت لأعرابي: أفقير أَنْت؟ قَالَ: بل مِسْكين - يَعْنِي: أدون من الْفَقِير.
стр. 2066
﴿والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم (٦٠) ﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: السَّعَادَة، وَلَهُم سهم من الصَّدقَات مَعْلُوم.
وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن لَهُم بِقدر أجر الْمثل.
وَقَوله: ﴿والمؤلفة قُلُوبهم﴾ قَالَ أهل الْعلم: الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم صنفان: مُسلمُونَ، ومشركون، وكل صنف على صنفين: أما الْمُسلمُونَ قوم كَانَ إِيمَانهم ضَعِيفا مثل: أبي سُفْيَان بن حَرْب، وعيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حَابِس، وعباس بن مرداس وأمثالهم، كَانَ رَسُول الله يعطيهم ليتألفوا على الْإِيمَان فيقوي إِيمَانهم، وصنف كَانَ إِيمَانهم قَوِيا مثل: عدي بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر وَغَيرهمَا، كَانَ يعطيهم ليتألف عشيرتهم.
وَأما الْمُشْركُونَ فصنفان: صنف كَانَ يدفعهم ليدفع أذاهم عَن الْمُسلمين، مثل عَامر ابْن الطُّفَيْل وَغَيره، وصنف كَانَ يعطيهم ليؤمنوا ويميلوا إِلَيْهِ مثل صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف، وَمَالك بن عَوْف النصري وَغَيرهمَا.
وَاخْتلفُوا أَن سهم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم هَل بَقِي بعد النَّبِي؟
قَالَ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة: قد سقط. وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ بَاقٍ. وَقد حكى عَن الشَّافِعِي كلا الْقَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
وَقَوله: ﴿وَفِي الرّقاب﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنهم المكاتبون. وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا.
وَقَالَ مَالك: يشترى بذلك السهْم رِقَاب فيعتقون. الصَّحِيح هُوَ الأول.
قَوْله: ﴿والغارمين﴾ قَالَ مُجَاهِد: هَؤُلَاءِ قوم أحرقت النَّار دُورهمْ، وأذهب السَّيْل أَمْوَالهم فادانوا لنفقاتهم. وَقَالَ غَيره: هُوَ كل من لحقه غرم بِسَبَب لَا مَعْصِيّة فِيهِ.
стр. 2067
﴿وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن قل أذن خير لكم يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين يُؤْذونَ رَسُول الله لَهُم عَذَاب أَلِيم (٦١) يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾
وَقَوله: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾ هَؤُلَاءِ الْغُزَاة وَالْحجاج، وَقَوله: ﴿فِي سَبِيل الله﴾ : فِي طَاعَة الله ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه الَّذِي قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فَبَقيَ فَقِيرا لَا مَال لَهُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاء أَنه الَّذِي بعد عَن مَاله؛ فَيصْرف إِلَيْهِ سهم من الصَّدقَات وَإِن صَار غَنِيا فِي بَلَده.
وَحكى ابْن الْأَنْبَارِي قولا ثَالِثا: أَن ابْن السَّبِيل هُوَ الضَّيْف.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِيضَة من الله﴾ أَي: افْترض الله ذَلِك فَرِيضَة ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ عليم بِمَا يصلح خلقه، حَكِيم فِيمَا دبره.
стр. 2068
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن﴾ الْأذن هَاهُنَا: هُوَ من يسمع كل مَا قيل لَهُ. قَالَ الشَّاعِر:
(أَيهَا الْقلب تعلل بددن ... إِن همي فِي سَماع وَأذن)
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الْمُنَافِقين قَالُوا: قُولُوا مَا تُرِيدُونَ ثمَّ أَنْكَرُوا واحلفوا؛ فَإِن مُحَمَّدًا أذن يسمع كل مَا قيل لَهُ ويقبله.
﴿قل أذن خير لكم﴾ يَعْنِي: هَذِه الْخلَّة خير لكم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مستمع خير خير لكم، ومستمع شَرّ شَرّ لكم ﴿يُؤمن بِاللَّه﴾ يصدق بِاللَّه ﴿ويؤمن للْمُؤْمِنين﴾ وَيصدق الْمُؤمنِينَ ﴿وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين يُؤْذونَ رَسُول الله لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر. وَقُرِئَ: " أذن خير لكم " أَي: أصلح لكم.
стр. 2069
قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
وَقَوله: ﴿إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ قيل: يَعْنِي: مَا كَانُوا مُؤمنين.
стр. 2070
( ﴿٦٢) ألم يعلمُوا أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَأن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ذَلِك الخزي الْعَظِيم (٦٣) يحذر المُنَافِقُونَ أَن تنزل عَلَيْهِم سُورَة تنبئهم بِمَا فِي قُلُوبهم قل استهزءوا إِن الله مخرج مَا تحذرون (٦٤) وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا﴾
следующие страницы →