← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله إِمَّا يعذبهم﴾ معنى التهديد. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى رُؤْيَة الرَّسُول وَالْمُؤمنِينَ؟ قُلْنَا: رُؤْيَة الرَّسُول: هِيَ بإعلام الله إِيَّاه عَمَلهم، ورؤية الْمُؤمنِينَ: بإيقاع الْمحبَّة فِي قُلُوبهم لأهل الصّلاح، وإيقاع البغضة فِي قُلُوبهم لأهل الْفساد. وَفِي بعض الْأَخْبَار: " لَو عمل الْمُؤمن فِي صَخْرَة لَيْسَ لَهَا بَاب [لأظهره] الله إِذا عمله ". قَوْله تَعَالَى: ﴿وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة ... .﴾ الْآيَة، مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2137

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ الإرجاء: التَّأْخِير، وَمَعْنَاهُ: مؤخرون لأمر الله، وَأمر الله تَعَالَى هُنَا: حكم الله. وَالْآيَة نزلت فِي كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن الرّبيع؛ وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الَّذين تَأتي قصتهم من بعد. وَقَوله ﴿إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2138

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم من الْمُنَافِقين مِنْهُم: وَدِيعَة بن ثَابت، وثعلبة بن حَاطِب، (وَجَارِيَة بن يزِيد) ، وَابْنه

стр. 2139

﴿وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم (١٠٦) وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله من قبل وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تقم فِيهِ أبدا لمَسْجِد أسس على﴾ مجمع بن جَارِيَة، وحزام بن مَالك، وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر، وَعباد بن حنيث، وَرجل يُقَال لَهُ: يخرج إِلَى تَمام اثنى عشر نَفرا، بنوا هَذَا الْمَسْجِد بِقصد مَا ذكره الله فِي كِتَابه، وَهُوَ قَوْله: ﴿ضِرَارًا﴾ يَعْنِي: مضارة بالرسول ﴿وَكفرا﴾ بِاللَّه ﴿وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله﴾ والإرصاد: الإعداد، وَالَّذِي حَارب الله وَرَسُوله هَاهُنَا هُوَ أَبُو عَامر الراهب، وَكَانَ مِمَّن يطْلب الدّين فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ تنصر وتحزب الْأَحْزَاب على رَسُول الله، ثمَّ لحق بقيصر يستنجده على رَسُول الله وَأَصْحَابه، فَهَؤُلَاءِ بنوا هَذَا الْمَسْجِد وَقَالُوا: نَبْنِي هَذَا الْمَسْجِد فنخلوا بأمرنا، ونتحدث بِمَا نُرِيد، وننتظر رُجُوع أبي عَامر الراهب. وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِد بني قَرِيبا من مَسْجِد قبَاء. وَقَوله: ﴿من قبل﴾ رَاجع إِلَى أبي عَامر ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا الرِّفْق بِالْمُسْلِمين ﴿وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2140

ثمَّ قَالَ: ﴿لَا تقم فِيهِ ابدا﴾ رُوِيَ أَنهم طلبُوا من النَّبِي أَن يَأْتِي فَيصَلي فِيهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ مَعْنَاهُ: لَا تصل فِيهِ أبدا ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ اخْتلفُوا فِي هَذَا الْمَسْجِد؛ قَالَ ابْن عمر، وَزيد بن ثَابت، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: هُوَ مَسْجِد النَّبِي بِالْمَدِينَةِ. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن رجلَيْنِ تماريا فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى، فسألا رَسُول الله فَقَالَ ﵇: هُوَ مَسْجِدي هَذَا ". وَأوردهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه ".

стр. 2141

﴿التَّقْوَى من أول يَوْم أَحَق أَن تقوم فِيهِ فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين (١٠٨) أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس﴾ وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه مَسْجِد قبَاء. هَذَا قَول سعيد بن جُبَير، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة من التَّابِعين. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه جَمِيع مَسَاجِد الْمَدِينَة وَالْأولَى هُوَ القَوْل الأول. وَقَوله: ﴿أسس على التَّقْوَى﴾ أَي: ليتقى فِيهِ من الشّرك. وَقَوله: ﴿من أول يَوْم﴾ مَعْنَاهُ: من ابْتِدَاء أَيَّام الْإِسْلَام ﴿أَحَق أَن تقوم فِيهِ﴾ أَي: أولى أَن تقوم فِيهِ، أَي: تصلي فِيهِ، قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم. وَقد رُوِيَ أَن النَّبِي قَالَ لأهل قبَاء: " إِن الله تَعَالَى قد أحسن الثَّنَاء عَلَيْكُم، فَمَاذَا تَعْمَلُونَ؟ فَقَالُوا: نَتَوَضَّأ من الْحَدث ونغتسل من الْجَنَابَة. فَقَالَ ﵇: فَهَل شَيْء غير هَذَا؟ فَقَالُوا: إِن أَحَدنَا إِذا استنجى أحب أَن يتبع أثر الِاسْتِنْجَاء بِالْمَاءِ، فَقَالَ ﵇: هُوَ ذَاك، فَعَلَيْكُم بِهِ ".

стр. 2142

ثمَّ قَالَ: ﴿أَفَمَن أسس﴾ وقرىء: " أَفَمَن أسس " ﴿بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير﴾ أَي: على طلب التَّقْوَى وَطلب الرِّضَا من الله خير ﴿أم من أسس بُنْيَانه على

стр. 2143

﴿بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (١٠٩) لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم وَالله عليم﴾ شفا جرف) الشفا: هُوَ الْحَرْف وَالْحَد، والجرف: هُوَ مَا تجرف من السَّيْل، أَي: تقطع من السَّيْل، فَصَارَ لرخاوته لَا يثبت عَلَيْهِ بِنَاء. قَوْله: ﴿هار﴾ مَعْنَاهُ: هائر، والهائر: السَّاقِط ﴿فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم وَالله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم. وَاعْلَم أَن المُرَاد من الْآيَة: هُوَ التَّمْثِيل والتشبيه فِي قلَّة الثَّبَات والقرار وَسُوء الْعَاقِبَة. وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي كَانَت عَاقِبَة مَسْجِد الضرار؛ فالأكثرون على أَن النَّبِي دَعَا مَالك بن الدخشم، وَعَاصِم بن عدي، وَأَمرهمَا أَن يهدما ذَلِك الْمَسْجِد ويحرقاه ففعلا ذَلِك. وَالْقَوْل الآخر: أَن ذَلِك الْمَسْجِد انهار بِنَفسِهِ من غير أَن يمسهُ أحد. وَفِي بعض التفاسير أَنه خسف بِهِ. وَرُوِيَ أَنه لما خسف بِهِ سَطَعَ مِنْهُ دُخان فِي السَّمَاء، وَالله أعلم.

стр. 2144

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يزَال بنيانهم الَّذِي بنوا رِيبَة فِي قُلُوبهم﴾ يَعْنِي: شكا واضطرابا فِي قُلُوبهم. وَقَالَ السدى: حرازة فِي قُلُوبهم. وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن تقطع قُلُوبهم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: حَتَّى يموتوا. وقرىء فِي الشاذ: " إِلَى أَن تقطع قُلُوبهم ". وَالْقَوْل الثَّانِي: حَتَّى يتوبوا، فَجعل الندامة فِي الْقلب بِمَنْزِلَة تقطع فِي الْقلب. ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ عليم بخلقه، حَكِيم فِي تَدْبيره.

стр. 2145

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة﴾ معنى الْآيَة: أَن الله تَعَالَى أَمر (الْمُسلمين) بِأَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله، وَجعل لَهُم الْجنَّة ثَوابًا عَلَيْهِ، فَجعل هَذَا بِمَنْزِلَة الشِّرَاء وَالْبيع. قَوْله: ﴿يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا﴾ مَعْنَاهُ: أَن ثَوَاب الْجنَّة وعد حق. ثمَّ قَالَ: ﴿فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن أهل

стр. 2146

﴿حَكِيم (١١٠) إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ الْملَل كلهم أمروا بِالْجِهَادِ وَجعل ثوابهم الْجنَّة، وَقد بَينا معنى التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن. وَقَوله: ﴿وَمن أوفى بعهده من الله﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم ﴿فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ﴾ مَعْنَاهُ: فافرحوا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ . رُوِيَ فِي الْأَخْبَار أَن هَذِه الْآيَة: لما نزلت قَالَ أَصْحَاب رَسُول الله: ربح البيع، لَا نقِيل وَلَا نَسْتَقِيل. وَعَن عمر ﵁ قَالَ: إِن الله بَايَعَك وَجعل الصفقتين لَك. وَعَن بعض التَّابِعين أَنه قَالَ: ثامن فأغلى فِي الثّمن، وَبَايع فأغلى فِي الْعِوَض. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: إِن الله تَعَالَى أَعْطَاك الدُّنْيَا فاشتر الْجنَّة بِبَعْضِهَا من الله.

стр. 2147

قَوْله تَعَالَى: ﴿التائبون العابدون﴾ الْآيَة التائبون: هم الَّذين تَابُوا من الشّرك. وَقيل: هم الَّذين تَابُوا من جَمِيع الْمعاصِي. والعابدون: هم الَّذين عبدُوا الله بِالتَّوْحِيدِ، وَقيل: بِسَائِر الطَّاعَات. و ﴿الحامدون﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم [هم] الَّذين يحْمَدُونَ الله على كل حَال فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم الَّذين يحْمَدُونَ الله على الْإِسْلَام. وَقَوله: ﴿السائحون﴾ فِيهِ أَقْوَال: (أَحدهمَا) : أَنهم الصائمون. هَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود، وَابْن عَبَّاس. وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " سياحة أمتِي: الصّيام ". (وَقَالَ) سُفْيَان بن عُيَيْنَة: سمى الصَّائِم سائحا؛ لِأَنَّهُ ترك الْمطعم وَالْمشْرَب والمنكح. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن السائحين: هم المجاهدون فِي سَبِيل الله. وَفِي بعض الْأَخْبَار أَن

стр. 2148

( ﴿١١١) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله وَبشر الْمُؤمنِينَ (١١٢) مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كانون أولي قربى من بعد مَا﴾ النَّبِي قَالَ: " سياحة أمتِي: الْجِهَاد ". وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن السائحين: هم طلبة الْعلم، رُوِيَ عَن بعض التَّابِعين. وَقَوله ﴿الراكعون الساجدون﴾ يَعْنِي: الْمُصَلِّين. وَقَوله: ﴿الآمرون بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَي: الآمرون بِالْإِيمَان ﴿والناهون عَن الْمُنكر﴾ يَعْنِي: عَن الشّرك. وَقَوله: ﴿والحافظون لحدود الله﴾ مَعْنَاهُ: القائمون بأوامر الله ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2149

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي وَالَّذين آمنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا للْمُشْرِكين وَلَو كَانُوا أولي قربى من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة على ثَلَاثَة أَقْوَال: الأول: مَا رَوَاهُ سعيد بن الْمسيب، عَن أَبِيه: " أَن أَبَا طَالب لما حَضرته الْوَفَاة دخل عَلَيْهِ النَّبِي وَعِنْده أَبُو جهل وَعبد الله بن أبي أُميَّة، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: أَي عَم ﴿قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، كلمة أُحَاج لَك بهَا عِنْد الله. فَقَالَ لَهُ أَبُو جهل وَعبد الله بن [أبي] أُميَّة: أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب؟﴾ فَمَا زَالا يكلمانه حَتَّى كَانَ آخر كلمة قَالَهَا: على مِلَّة عبد الْمطلب، فَقَالَ النَّبِي: لأَسْتَغْفِرَن لَك مَا لم أَنه عَنهُ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي ... .﴾ إِلَى آخر الْآيَة ". وَالثَّانِي: روى مَسْرُوق، عَن عبد الله بن مَسْعُود: " أَن النَّبِي خرج إِلَى الْمَقَابِر فاتبعناه، فَأتى قبرا وَقعد عِنْده، وناجاه طَويلا، ثمَّ بَكَى وبكينا لبكائه، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُول الله من صَاحب هَذَا الْقَبْر؟ فَقَالَ: هَذِه أُمِّي آمِنَة بنت وهب، اسْتَأْذَنت رَبِّي

стр. 2150

﴿تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ فِي زيارتها فَأذن لي، ثمَّ استأذنته فِي أَن أسْتَغْفر لَهَا فَلم يَأْذَن لي، قَالَ: فأخذني عَلَيْهَا الشَّفَقَة مَا يَأْخُذ الْوَلَد للوالدة فَبَكَيْت، وَأنزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿مَا كَانَ للنَّبِي﴾ إِلَى آخر الْآيَة ". وَالْقَوْل الثَّالِث: رُوِيَ عَن عَليّ ﵁: " أَنه سمع رجلا يسْتَغْفر لِأَبَوَيْهِ وهما مُشْرِكَانِ، فَقَالَ لَهُ عَليّ: أَتَسْتَغْفِرُ للْمُشْرِكين؟ فَقَالَ ذَلِك الرجل: قد اسْتغْفر إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَهُوَ مُشْرك، فَأتى النَّبِي وَأخْبرهُ بذلك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة إِلَى آخرهَا ".

стр. 2151

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَار إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه﴾ وَفِي هَذِه الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ لِأَبِيهِ: لأَسْتَغْفِرَن لَك، قَالَ هَذَا رَجَاء أَن يَنْقُلهُ الله تَعَالَى من الْكفْر إِلَى الْإِسْلَام ببركة دُعَائِهِ واستغفاره. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن أَبَا إِبْرَاهِيم وعد إِبْرَاهِيم وَقَالَ: لأسلمن، فَاسْتَغْفر لي، فَاسْتَغْفر لَهُ إِبْرَاهِيم لهَذَا الْمَعْنى. ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله﴾ بِمَوْتِهِ على الْكفْر ﴿تَبرأ مِنْهُ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يجوز أَن يسْتَغْفر إِبْرَاهِيم للمشرك؟

стр. 2152

﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله تَبرأ مِنْهُ إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم (١١٤) ﴾ الْجَواب عَنهُ: قَالَ بعض أهل الْمعَانِي: يحْتَمل أَن أَبَا إِبْرَاهِيم كَانَ أظهر الْإِسْلَام وَهُوَ يبطن الْكفْر، فَاسْتَغْفر لَهُ إِبْرَاهِيم لإظهاره الْإِسْلَام ﴿فَلَمَّا تبين لَهُ أَنه عَدو لله﴾ مصر على الْكفْر فِي الْبَاطِن ﴿تَبرأ مِنْهُ﴾ هَكَذَا قَالَه بعض أهل الْمعَانِي. وَالَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة الْمُفَسّرين مَا بَينا من قبل. وَقد قَرَأَ الْحسن الْبَصْرِيّ: " إِلَّا عَن موعدة وعدها إِيَّاه " وَهَذَا صَرِيح فِي أَن الْوَعْد كَانَ من إِبْرَاهِيم، وَالدَّلِيل على أَن إِبْرَاهِيم اسْتغْفر لَهُ وَهُوَ مُشْرك: أَن الله تَعَالَى قَالَ فِي سُورَة الممتحنة: ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه. .﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿إِلَّا قَول إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَن لَك﴾ فقد صرح أَن إِبْرَاهِيم لَيْسَ بقدوة فِي هَذَا الاسْتِغْفَار؛ وَإِنَّمَا اسْتغْفر لَهُ وَهُوَ مُشْرك لمَكَان الْوَعْد؛ رَجَاء أَن يسلم. وَقَوله: ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ اخْتلفُوا فِي " الأواه " على أقاويل. رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود. وَعبد الله بن عَبَّاس: أَن الأواه: هُوَ الدُّعَاء. وَعَن ابْن مَسْعُود فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَنه الرَّحِيم، وَعَن ابْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أُخْرَى: أَنه الْمُؤمن التواب، وَعَن مُجَاهِد أَنه الْفَقِيه، وَعَن كَعْب الْأَحْبَار: أَنه الَّذِي يتأوه من الذُّنُوب، فَيَقُول: أوه أوه. وروى أَبُو ذَر " أَن رجلا كَانَ يطوف وَيَقُول: أوه أوه، فَقلت للنَّبِي: إِن هَذَا الرجل ليؤذينا، فَقَالَ: لَا تقل هَذَا؛ فَإِنَّهُ أَواه ". قَالَ الشَّاعِر: (إِذا مَا قُمْت أرحلها بلَيْل ... تأوه آهة الرجل الحزين) وَعَن سعيد بن جُبَير قَالَ الأواه: المسبح. وَقيل: إِنَّه الْموقف. وَقيل: إِنَّه الموقن. وَأما الْحَلِيم: فَهُوَ: الصفوح عَن الذُّنُوب.

стр. 2153

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ الله ليحكم بالضلالة بترك الْأَوَامِر ﴿حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ فَيتْركُوا.

стр. 2154

﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ إِن الله بِكُل شَيْء عليم (١١٥) إِن الله لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض يحيي وَيُمِيت وَمَا لكم من دون الله من ولي وَلَا نصير (١١٦) لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار الَّذين﴾ وَعَن أبي عَمْرو بن الْعَلَاء قَالَ: مَعْنَاهُ: حَتَّى يحْتَج عَلَيْهِم بِالْأَمر. سَبَب نزُول الْآيَة: أَن قوما كَانُوا أَتَوا النَّبِي فأسلموا، وَلم تكن الْخمر حرمت وَلَا الْقبْلَة صرفت، فَرَجَعُوا إِلَى قَومهمْ وهم على ذَلِك، ثمَّ حرمت الْخمر (و) صرفت الْقبْلَة وَلم يكن لَهُم علم بذلك، فَلَمَّا قدمُوا بعد ذَلِك للمدينة وجدوا الْخمر قد حرمت والقبلة قد صرفت، فَقَالُوا للنَّبِي: قد كنت على دين وَنحن على (غَيره) فَنحْن ضلال؟ فَأنْزل الله ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ . وَفِي الْآيَة قَول آخر؛ وَهُوَ: أَن الْآيَة فِي الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين؛ فَإِن جمَاعَة من الصَّحَابَة كَانُوا اسْتَغْفرُوا لِآبَائِهِمْ وَلم يعلمُوا أَن ذَلِك لَا يجوز، فَلَمَّا أنزل النَّهْي عَنهُ خَافُوا على أنفسهم خوفًا شَدِيدا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله بِكُل شَيْء عليم﴾ ، وَكَذَا الْآيَة الَّتِي تَلِيهَا مَعْلُوم الْمَعْنى إِلَى آخرهَا.

стр. 2155

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي والمهاجرين وَالْأَنْصَار﴾ معنى قَوْله: ﴿لقد تَابَ الله﴾ لقد تجَاوز الله. وَقيل: لقد صفح الله. وَقَوله ﴿الَّذين اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة﴾ مَعْنَاهُ: فِي وَقت الْعسرَة، وَكَانَت غَزْوَة تَبُوك تسمى غَزْوَة الْعسرَة، وَكَذَلِكَ ذَلِك الْجَيْش يُسمى جَيش الْعسرَة؛ والعسرة: الشدَّة، وَكَانَت عَلَيْهِم عسرة فِي الظّهْر والزاد وَالْمَاء، فَروِيَ أَن الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة فَمَا زَاد كَانُوا يعتقبون الْبَعِير الْوَاحِد. وَرُوِيَ أَنهم كَانُوا فني زادهم حَتَّى كَانَ الرّجلَانِ يقتسمان التمرة بَينهمَا. هَكَذَا حُكيَ عَن

стр. 2156

﴿اتَّبعُوهُ فِي سَاعَة الْعسرَة من بعد مَا كَاد يزِيغ قُلُوب فريق مِنْهُم ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم إِنَّه بهم رءوف رَحِيم (١١٧) وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض﴾ ابْن عَبَّاس. وَرُوِيَ: " أَنهم عطشوا عطشا شَدِيدا حَتَّى نحرُوا الْإِبِل وعصروا كرشها وَشَرِبُوا مَا فِيهَا، ثمَّ إِن النَّبِي استسقى الله تَعَالَى فسقوا. هَكَذَا رَوَاهُ عمر ﵁ فَهَذَا هُوَ معنى الْعسرَة. وَقَوله: ﴿من بعد مَا كَاد يزِيغ﴾ قرئَ: " تزِيغ ويزيغ " فَقَوله: " تزِيغ " منصرف إِلَى الْقُلُوب، وَقَوله: يزِيغ منصرف إِلَى الْفِعْل؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يزِيغ الْفِعْل ﴿قُلُوب فريق مِنْهُم﴾ . وَأما الزيغ فِي اللُّغَة: هُوَ الْميل، وَلَيْسَ المُرَاد من الْميل هُنَا هُوَ الْميل عَن الدّين، إِنَّمَا المُرَاد من الْميل هُوَ الْميل عَن مُتَابعَة رَسُول الله ونصرته فِي الْغَزْو، وَاخْتِيَار التَّخَلُّف من شدَّة الْعسرَة. ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا هَذَا التّكْرَار، فقد قَالَ فِي أول الْآيَة: ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي﴾ ؟ . الْجَواب عَنهُ: أَنه ذكر التَّوْبَة فِي أول الْآيَة قبل ذكر الذَّنب - وَهُوَ مَحْض [تفضل] من الله، فَلَمَّا ذكر الذَّنب أعَاد ذكر التَّوْبَة، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْقبُول. ﴿إِنَّه بهم رءوف رَحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

стр. 2157

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا﴾ قَرَأَ عِكْرِمَة بن عمار: " وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خلفوا " مخفف، وَفِي بعض الْقرَاءَات: " وعَلى الثَّلَاثَة الَّذين خالفوا ". وَاعْلَم أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة هم الَّذين أنزل الله فِي شَأْنهمْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ وَأما أَسمَاؤُهُم: كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن

стр. 2158

﴿بِمَا رَحبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم﴾ الرّبيع، وَكَانُوا مُؤمنين مُخلصين تخلفوا بِغَيْر عذر، فَلَمَّا قدم النَّبِي الْمَدِينَة قَافِلًا من غَزْوَة تَبُوك، حَضَرُوا وأقروا عِنْده بالذنب، وَأَنه لم يكن لَهُم عذر، فَأخر أَمرهم وَلم يسْتَغْفر لَهُم، وَنهى الْمُسلمين عَن مخالطتهم ومكالمتهم. وَفِي الْآيَة قصَّة طَوِيلَة مَذْكُورَة فِي " الصَّحِيحَيْنِ "؛ فَروِيَ أَنهم مَكَثُوا على ذَلِك أَرْبَعِينَ لَيْلَة، ثمَّ إِن رَسُول الله أَمرهم أَن يعتزلوا نِسَاءَهُمْ إِلَى تَتِمَّة خمسين لَيْلَة، وَكَانُوا يسلمُونَ على أَصْحَاب رَسُول الله فَلَا يردون ﵈. قَالَ كَعْب بن مَالك: فَكنت أَدخل الْمَسْجِد وأصلي وَأنْظر هَل ينظر إِلَيّ رَسُول الله فَكنت إِذا نظرت إِلَيْهِ صرف عني بَصَره، قَالَ: فَاقْتَحَمت يَوْمًا على أبي قَتَادَة حَائِطه - وَكَانَ ابْن عمي - فَسلمت عَلَيْهِ فَلم يرد عَليّ الْجَواب، فَقلت لَهُ: يَا ابْن عمي، أتعلم أَنِّي أحب الله وَرَسُوله؟ فَسكت عني، فَرددت الْكَلَام ثَلَاثًا، فَقَالَ فِي الثَّالِثَة: الله وَرَسُوله أعلم، قَالَ: فَبَكَيْت بكاء شَدِيدا وَخرجت، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ تَتِمَّة خمسين لَيْلَة من يَوْم نهى رَسُول الله عَن كلامنا، كنت على ظهر بَيْتِي وَقد صليت الصُّبْح، وَأَنا كَمَا ذكر الله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ أَي: برحبها وسعتها ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِم أنفسهم﴾ أَي: من جفوة الْقَوْم وغلظة رَسُول الله عَلَيْهِم، إِذْ سَمِعت مناديا يُنَادي على ذرْوَة سلع - والسلع: الْجَبَل -: أبشر يَا كَعْب بن مَالك، قَالَ: فَخَرَرْت لله سَاجِدا، وَجَاء البشير فأعطيته ثوبي ولبست ثَوْبَيْنِ غَيرهمَا، وأتيت رَسُول الله وَجَلَست بَين يَدَيْهِ وَوَجهه يَسْتَنِير كاستنارة الْقَمَر، فَقَالَ: أبشر يَا كَعْب بن مَالك بِخَير يَوْم مر عَلَيْك مُنْذُ أسلمت فَقلت: يَا رَسُول الله، أَمن عنْدك أم من عِنْد الله؟ فَقَالَ: لَا، بل من عِنْد الله وَقَرَأَ على الْآيَة، فَقلت: يَا رَسُول الله، إِن من تَوْبَتِي أَن أَخْلَع من (جَمِيع) مَالِي صَدَقَة لله وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ: أمسك عَلَيْك بعض مَالك؛ فَهُوَ خير لَك " الْقِصَّة إِلَى آخرهَا.

стр. 2159

﴿وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم (١١٨) يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين (١١٩) مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وظنوا أَن لَا ملْجأ من الله إِلَّا إِلَيْهِ﴾ مَعْنَاهُ: وظنوا: تيقنوا أَن لَا مفزع وَلَا منجا من الله إِلَّا إِلَيْهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ تَابَ عَلَيْهِم ليتوبوا﴾ يَعْنِي: ليستقيموا على التَّوْبَة ويثبتوا عَلَيْهَا، فَإِن تَوْبَتهمْ قد سبقت ﴿إِن الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

стр. 2160

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقين﴾ قَالَ الضَّحَّاك: مَعَ مُحَمَّد وَأَصْحَابه. وَرُوِيَ عَن بَعضهم أَنه قَالَ: مَعَ الصَّادِقين أَي: مَعَ أبي بكر وَعمر. وَعَن بَعضهم: مَعَ الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة. وَقَالَ بَعضهم: إِن الصَّادِقين هَاهُنَا الثَّلَاثَة الَّذين سبق ذكرهم؛ فَإِنَّهُم صدقُوا النَّبِي بالاعتراف بالذنب، وَلم يعتذروا بالأعذار الكاذبة مثل الْمُنَافِقين. فَروِيَ عَن كَعْب بن مَالك قَالَ: مَا أبلاني الله ببلاء أعظم عِنْدِي من صدقي رَسُول الله فَإِنَّهُ من شكري عَلَيْهَا أَن لَا أكذب أبدا. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا يصلح الْكَذِب فِي جد وَلَا هزل، وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة. وَيُقَال: إِن فِي قِرَاءَته: " وَكُونُوا من الصَّادِقين ".

стр. 2161

قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لأهل الْمَدِينَة وَمن حَولهمْ من الْأَعْرَاب أَن يتخلفوا عَن رَسُول الله﴾ الْآيَة، مَعْنَاهَا: هُوَ النَّهْي عَن التَّخَلُّف. وَقَوله: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفسِهِم عَن نَفسه﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ لَهُم أَن يختاروا الْخَفْض والدعة، ويتركوا رَسُول الله فِي شدَّة السّفر ومقساة التَّعَب. ثمَّ قَالَ: ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ﴾ الظمأ: الْعَطش ﴿وَلَا نصب﴾ النصب: التَّعَب ﴿وَلَا مَخْمَصَة﴾ وَهِي المجاعة ﴿فِي سَبِيل الله﴾ فِي الْجِهَاد. وَقَوله: ﴿وَلَا يطئون موطئا﴾ يَعْنِي: لَا يَضعن قدما ﴿يغِيظ الْكفَّار﴾ أَي: يغضبهم ﴿وَلَا ينالون من عَدو نيلا﴾ يَعْنِي: لَا يصيبون مِنْهُم شَيْئا فِي نفس أَو مَال ﴿إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

стр. 2162

﴿عَن نَفسه ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطئون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا إِلَّا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح إِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا إِلَّا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ (١٢١) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

стр. 2163

ثمَّ قَالَ: ﴿وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة﴾ يَعْنِي: قَلِيلا وَلَا كثيرا، قيل فِي التَّفْسِير: حَتَّى التمرة ﴿وَلَا يقطعون وَاديا﴾ أَي: لَا يعبرون وَاديا مُقْبِلين ومدبرين ﴿إِلَّا كتب لَهُم﴾ أَي: أثيبوا على ذَلِك ﴿لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2164

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة﴾ الْآيَة، وفيهَا قَولَانِ: أَحدهمَا: " أَن النَّبِي كَانَ يبْعَث بالسرايا بعد غَزْوَة تَبُوك، فَكَانَ النَّاس يخرجُون جَمِيعهم لعظم مَا أَصَابَهُم من التعيير والملامة فِي التَّخَلُّف، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ". قَالَ قَتَادَة: هَذَا فِي السَّرَايَا، فَأَما إِذا خرج الرَّسُول بِنَفسِهِ فَعَلَيْهِم أَن يخرجُوا جَمِيعًا مَعَه. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن النَّبِي كَمَا دَعَا على مُضر، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اجْعَل سنيهم كَسِنِي يُوسُف، قَالَ: فَأَصَابَهُمْ قحط شَدِيد وجدب، فَجعلت الْقَبِيلَة تقبل إِلَى الْمَدِينَة بأجمعهم وَيَقُولُونَ: أسلمنَا، فَكَانُوا يضيقون على أهل الْمَدِينَة مَنَازِلهمْ ويلوثون الطرقات، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فردهم رَسُول الله إِلَى قبائلهم ". وَقَوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة﴾ مَعْنَاهُ: هلا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة، فعلى الأول معنى الْآيَة: هُوَ النَّهْي عَن ترك رَسُول الله وَحده. وَقَوله: ﴿ليتفقهوا فِي الدّين﴾ يَعْنِي: ليحضروا نزُول الْقُرْآن وَبَيَان السّنَن ﴿ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم﴾ مَعْنَاهُ: ليعلموا السّريَّة إِذا رجعُوا إِلَيْهِم مَا نزل من الْقُرْآن وَالسّنَن. وعَلى القَوْل الثَّانِي معنى الْآيَة: مَا كَانَ لأهل الْقَبَائِل أَن ينفروا جَمِيعًا إِلَى الْمَدِينَة

стр. 2165

﴿لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون (١٢٢) ﴾ ويتركوا مواضعهم؛ وَلَكِن لينفر من كل فرقة طَائِفَة أَي: من كل قَبيلَة طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ وليعلموا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم ﴿لَعَلَّهُم يحذرون﴾ . وَأما الطَّائِفَة: فَهُوَ اسْم لثَلَاثَة فَمَا زَاد، وَقد ورد فِي الْقُرْآن ذكر الطَّائِفَة، وَالْمرَاد مِنْهُ: الْوَاحِد، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْهُم﴾ من قبل. وَاسْتدلَّ أهل الْأُصُول بِهَذِهِ على وجوب قبُول خبر الْوَاحِد، وَالْمَسْأَلَة فِي الْأُصُول (كَبِيرَة) . وَأما الْفِقْه فَهُوَ فِي اللُّغَة: عبارَة عَن الْفَهم، وَفِي الشَّرْع: عبارَة عَن علم مَخْصُوص وَهُوَ علم الْأَحْكَام. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين ". وَرُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " النَّاس معادن، فخيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أفضل الْعِبَادَة: الْفِقْه، ولفقيه وَاحِد أَشد على الشَّيْطَان من ألف عَابِد ". وَعَن الشَّافِعِي ﵁ أَنه قَالَ: طلب

стр. 2166

﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار وليجدوا فِيكُم غلظة وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون (١٢٤) وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون (١٢٥) أَولا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي﴾ الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة.

стр. 2167

قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار﴾ يَعْنِي: يقربون مِنْكُم. وَعَن عمر: هم الديلم، وَعَن غَيره: هم الرّوم ﴿وليجدوا فِيكُم غلظة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: شجاعة. وَقَالَ الْحسن: صبرا على الْحَرْب ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ظَاهر.

стр. 2168

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه إِيمَانًا﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين الَّذين كَانُوا يَقُولُونَ هَذَا القَوْل استهزاء، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم إِيمَانًا وهم يستبشرون﴾ وهم يفرحون.

стр. 2169

ثمَّ قَالَ: ﴿وَأما الَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ أَي: شكّ ونفاق ﴿فزادتهم رجسا إِلَى رجسهم وماتوا وهم كافرون﴾ أَي: كفر إِلَى كفرهم. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ يزِيد إِنْزَال السُّورَة لَهُم كفرا؟ الْجَواب: أَنهم كَانُوا يكفرون بِكُل سُورَة أنزلهَا الله تَعَالَى، فَلَمَّا كفرُوا عِنْد إِنْزَال السُّورَة نسب كفرهم إِلَيْهَا، وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب: كفى بالسلامة دَاء؛ لِأَن الدَّاء يكون عِنْد طول السَّلامَة، قَالَ الشَّاعِر: (أرى بَصرِي قد رَابَنِي بعد صِحَة ... وحسبك دَاء أَن تصح وتسلما)

стр. 2170

وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَو لَا يرَوْنَ أَنهم يفتنون فِي كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ﴾ مَعْنَاهُ: يبتلون فِي كل عَام بالأمراض والشدائد، وَقيل: بِالْجِهَادِ مَعَ الْأَعْدَاء ﴿ثمَّ لَا يتوبون﴾ لَا يرجعُونَ إِلَى الله ﴿وَلَا هم يذكرُونَ﴾ وَلَا هم يتعظون.

стр. 2171

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض﴾ الْآيَة، كَانَ المُنَافِقُونَ إِذا نزلت السُّورَة أَو شَيْء من الْقُرْآن يُومِئ بَعضهم إِلَى بعض، وَيَخَافُونَ مَعَ ذَلِك أَن

стр. 2172

﴿كل عَام مرّة أَو مرَّتَيْنِ ثمَّ لَا يتوبون وَلَا هم يذكرُونَ (١٢٦) وَإِذا مَا أنزلت سُورَة نظر بَعضهم إِلَى بعض هَل يراكم من أحد ثمَّ انصرفوا صرف الله قُلُوبهم بِأَنَّهُم قوم لَا يفقهُونَ (١٢٧) لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص﴾ يراهم الْمُؤْمِنُونَ، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿هَل يراكم من أحد﴾ ثمَّ قَالَ: ﴿ثمَّ انصرفوا﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: انصرفوا عَن مواضعهم، وَالْآخر: انصرفوا عَن الْإِيمَان، أَي: لم يُؤمنُوا وَلم يقبلُوا. وَقَوله: ﴿صرف الله قُلُوبهم﴾ قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج: أضلهم الله مجازاة على كفرهم ﴿بِأَنَّهُم قوم يفقهُونَ﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.

стр. 2173

قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ قرىء فِي الشاذ: من أَنفسكُم، وَيُقَال: إِن هَذِه الْقِرَاءَة قِرَاءَة فاطمه ﵂ قَالَ يَعْقُوب الْحَضْرَمِيّ: طلبت هَذَا الْحَرْف خمسين سنة فَلم أجد لَهُ رَاوِيا. وَمعنى هَذَا: أشرفكم وأفضلكم. وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿من أَنفسكُم﴾ قَالَ قتاده: وَمَعْنَاهُ: إِن نسبه مَعْرُوف بَيْنكُم وَالْقَوْل الثَّانِي: حكى عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵁ أَنه قَالَ: ﴿من أَنفسكُم﴾ مَعْنَاهُ: أَنه لم يُولد إِلَّا من نِكَاح صَحِيح إِلَى زمَان آدم. وَالْقَوْل الثَّالِث: حكى عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: مَعْنَاهُ: أَنه لَيْسَ بطن من بطُون الْعَرَب إِلَّا وَقد ولدت النَّبِي. وَالْقَوْل الرَّابِع: أَن معنى هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿قل إِنَّمَا أَنا بشر مثلكُمْ﴾ وَإِذا كَانَ الرَّسُول بشرا مثل الْقَوْم؛ فَيكون أقرب للألفة وَأدنى لفهم الحجه. وَقَوله: ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم﴾ أَي: شَدِيد عَلَيْهِ عنتكم، والعنت: هُوَ الْمَكْرُوه ولقاء الشده، كانه قَالَ: شَدِيد عَلَيْهِ مَا يضركم ويهلككم، وَهُوَ الْكفْر الَّذِي أَنْتُم عَلَيْهِ. وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَرِيص عَلَيْكُم﴾ الْحِرْص: شدَّة طلب الشىء، وَمَعْنَاهُ: حَرِيص

стр. 2174

﴿عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم (١٢٨) فَإِن توَلّوا فَقل حسبي الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم (١٢٩) ﴾ على إيمَانكُمْ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رءوف رَحِيم﴾ عطوف رَفِيق. وَقد أعطَاهُ الله تَعَالَى فِي هَذِه الآيه اسْمَيْنِ من أَسْمَائِهِ، وَهُوَ فِي نِهَايَة الكرامه.

стр. 2175

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن توَلّوا﴾ مَعْنَاهُ: فَإِن أَعرضُوا عَن الْإِيمَان أَو عَنْك ﴿فَقل حسبي الله﴾ كَافِي الله أَي: يَكْفِينِي الله ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ توكلت﴾ عَلَيْهِ اعتمدت وَبِه وثقت ﴿وَهُوَ رب الْعَرْش الْعَظِيم﴾ قَرَأَ ابْن مُحَيْصِن: " رب الْعَرْش الْعَظِيم " بِالرَّفْع، فَرجع إِلَى الله تَعَالَى، وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة بِالْكَسْرِ، وَهُوَ يرجع إِلَى الْعَرْش. وَعَن بعض التَّابِعين: لَا يعرف أحد قدر الْعَرْش سوى الله تَعَالَى. وفى بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الْعَرْش من ياقوتة حَمْرَاء ". وَعَن وهب بن مُنَبّه: أَن الله تَعَالَى خلق الْعَرْش من نوره. وَعَن كَعْب الْأَخْبَار: أَن السَّمَوَات فِي الْعَرْش كقنديل مُعَلّق من السَّمَاء. وَعَن مُجَاهِد: أَن السَّمَوَات فِي الْعَرْش كحلقة. وَحكى عَن أبي بن كَعْب أَنه قَالَ فِي هَاتين الْآيَتَيْنِ: هما أحدث الْآيَات بِاللَّه عهدا. فعلى قَوْله: هَاتَانِ الْآيَتَانِ آخر مَا أنزل من الْقُرْآن. وَهُوَ رِوَايَة أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس وَقد ذكرنَا غير هَذَا بِرِوَايَة الْبَراء بن عَازِب، وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
следующие страницы →