Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم﴾ يَعْنِي: لَو ردك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم ﴿فاستئذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ لِيخْرجُوا مَعَك فِي الْقِتَال ﴿فَقل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: الْعَدو هَا هُنَا: أهل الْكتاب؛ فَإِنَّهُ لم يكن بَقِي بِجَزِيرَة الْعَرَب مُشْرك فِي ذَلِك الْوَقْت. قَوْله: ﴿إِنَّكُم رَضِيتُمْ بالقعود أول مرّة فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ والخالفون هَاهُنَا هم النِّسَاء وَالصبيان، وَقيل: هم أهل الزمانة والضعف.
стр. 2102
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ الْآيَة. نزلت الْآيَة فِي شَأْن عبد الله بن أبي بن سلول؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ: " أَنه لما حَضَره الْمَوْت جَاءَ ابْنه إِلَى رَسُول الله برسالته يطْلب مِنْهُ قَمِيصه ليكفنه فِيهِ، فَأعْطَاهُ رَسُول الله قَمِيصه. وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنه أعطَاهُ قَمِيصه الَّذِي فَوق قَمِيصه وَهُوَ الْأَعْلَى، فَرد وَطلب قَمِيصه الَّذِي يَلِي جلده، فَلَمَّا توفّي قدم ليُصَلِّي عَلَيْهِ رَسُول الله بِطَلَب ابْنه ذَلِك ووصيته، فَلَمَّا تقدم رَسُول الله ليُصَلِّي عَلَيْهِ أَخذ عمر بِثَوْبِهِ وَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَتُصَلِّي على هَذَا الْمُنَافِق؟ فَقَالَ رَسُول الله: إِن رَبِّي خيرني. وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم﴾ وَقد اخْتَرْت أَن أُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَ: فَصلي عَلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ .
وَفِي رِوَايَة أنس: " أَن النَّبِي لما وقف ليُصَلِّي عَلَيْهِ أَخذ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام
стр. 2103
﴿وهم فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ إِنَّمَا يُرِيد الله أَن يعذبهم بهَا فِي الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٨٥) وَإِذا أنزلت سُورَة أَن آمنُوا بِاللَّه﴾ بِطرف ثَوْبه وَمنعه من الصَّلَاة، فَترك الصَّلَاة ".
وَالرِّوَايَة الأولى هِيَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ".
وَقَوله: ﴿وَلَا تقم على قَبره﴾ وَفِي رِوَايَة: " أَن النَّبِي كَانَ إِذا صلى على ميت وقف على قَبره ودعا " فَمَنعه الله تَعَالَى عَن ذَلِك فِي حق الْمُنَافِقين.
فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يُصَلِّي النَّبِي على الْمُنَافِق وَهُوَ يعلم أَنه كَافِر بِاللَّه؟
الْجَواب عَنهُ: أَنه رأى ذَلِك مصلحَة؛ وَقد قيل حِين صلى عَلَيْهِ: " إِن صَلَاتي عَلَيْهِ لَا تغني عَنهُ من عَذَاب الله شَيْئا ".
وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن عبد الله بن أبيّ بن سلول لما طلب مِنْهُ قَمِيصه ليتبرك بِهِ ويكفن فِيهِ، أسلم ألف رجل من قومه لم يَكُونُوا أَسْلمُوا من قبل لما رَأَوْا من تبركه بِالنَّبِيِّ. [ ﴿إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾ ] وَبَاقِي الْآيَة مَعْلُوم.
стр. 2104
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم﴾ قد بَينا مَعْنَاهَا فِيمَا سبق؛ فَإِن قيل: أيش معنى التّكْرَار؟
وَفِي هَذِه الْآيَة الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه للتَّأْكِيد.
وَالثَّانِي: أَن الْآيَتَيْنِ نزلتا فِي طائفتين من الْمُنَافِقين دون طَائِفَة وَاحِدَة.
стр. 2105
﴿وَجَاهدُوا مَعَ رَسُوله استئذنك أولُوا الطول مِنْهُم وَقَالُوا ذرنا نَكُنْ مَعَ القاعدين (٨٦) رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ (٨٧) لَكِن الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه جاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات وَأُولَئِكَ هم المفلحون (٨٨) أعد الله لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين﴾
стр. 2106
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أنزلت سُورَة أَن آمنُوا بِاللَّه وَجَاهدُوا مَعَ رَسُوله﴾ معنى الْآيَة ظَاهر.
وَقَوله: ﴿استأذنك أولُوا الطول مِنْهُم﴾ الطول: هُوَ السعَة والغنا بِإِجْمَاع الْمُفَسّرين، وَقيل: إِنَّه إِنَّمَا سميت السعَة طولا؛ لِأَن الْإِنْسَان يَتَطَاوَل بهَا النَّاس.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا ذرنا نَكُنْ مَعَ القاعدين﴾ يَعْنِي: مَعَ القاعدين عَن الْجِهَاد.
стр. 2107
ثمَّ قَالَ: ﴿رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف﴾ قَالَ قَتَادَة: الْخَوَالِف: هم النِّسَاء. وَقَالَ غَيره: هم أدنياء النَّاس وسفلتهم، يُقَال: فلَان خَالفه قومه إِذا كَانَ دونهم. قَوْله: ﴿وطبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ﴾ طبع: ختم، وَيُقَال: الطبائع نكت سَوْدَاء تقع على الْقلب، يعرف بهَا الْملك الْمُنَافِق من الْمُؤمن.
стр. 2108
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَكِن الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه جاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات﴾ فِيهِ أَقْوَال:
أَحدهَا: أَن الْخيرَات: هِيَ الْغَنَائِم، وَالْآخر: أَن الْخيرَات: هِيَ الْحور فِي الْجنَّة، وواحدتها: خيرة؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِيهِنَّ خيرات حسان﴾ يَعْنِي: الْحور.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْخيرَات لَا يعلم مَعْنَاهَا إِلَّا الله. حُكيَ هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَمثل هَذَا: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعلم نفس مَا أخْفى لَهُم من قُرَّة أعين﴾ .
﴿وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ قد بَينا الْمَعْنى.
стр. 2109
﴿فِيهَا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (٨٩) وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله سيصيب الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم (٩٠) لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا﴾
стр. 2110
ثمَّ قَالَ: ﴿أعد الله لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَمَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2111
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء المعذرون من الْأَعْرَاب ليؤذن لَهُم﴾ قرىء بقراءتين " المعذرون " و " المعذرون "؛ وَفِي المعذرين قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن المعذرين هم المعتذرون، أدغمت التَّاء فِي الذَّال.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المعذرين: هم المقصرون، والتعذير فِي اللُّغَة: هُوَ التَّقْصِير. وَأما المعذرون: فهم الَّذين بالغوا فِي الْعذر، يُقَال فِي الْمثل: لقد أعذر من أنذر. يَعْنِي: بَالغ فِي إِظْهَار الْعذر من قدّم فِي النذارة، قَالَ لبيد شعرًا:
(إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر)
يَعْنِي: بَالغ فِي الْعذر.
وَاعْلَم أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين، وَقد اعتذروا وَلم يكن لَهُم عذر. وَأما الْأَعْرَاب: هم الَّذين يسكنون الْبَادِيَة، والعربي: اسْم لمن لَهُ نسب من الْعَرَب.
وَقَوله: ﴿وَقعد الَّذين كذبُوا الله وَرَسُوله﴾ هَذَا فِي الْمُنَافِقين؛ وَمعنى ﴿كذبُوا الله وَرَسُوله﴾ يَعْنِي: لم يَأْتُوا بِعُذْر صَادِق، ثمَّ قَالَ: ﴿سيصيب الَّذين كفرُوا مِنْهُم عَذَاب أَلِيم﴾ وَمَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2112
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى﴾ اخْتلفُوا فِي الضُّعَفَاء، قَالَ بَعضهم: هم المجانين، والضعف: نُقْصَان عُقُولهمْ. وَقَالَ بَعضهم: هم الصّبيان. وَقَالَ بَعضهم: هم النسوان. وَأما المرضى: فمعلوم. وَقَوله: ﴿وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج﴾ الَّذين لَا يَجدونَ: هم الْفُقَرَاء، والحرج: الضّيق. وَقَوله: ﴿إِذا نصحوا
стр. 2113
﴿لله وَرَسُوله مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل وَالله غَفُور رَحِيم (٩١) وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم قلت لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك وهم أَغْنِيَاء رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وطبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ (٩٣) ﴾ لله وَرَسُوله) يَعْنِي: أَخْلصُوا الْعَمَل لله وَلِرَسُولِهِ، وإخلاص الْعَمَل لله بِالْعبَادَة، وَلِلرَّسُولِ بالمتابعة. قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا على الْمُحْسِنِينَ من سَبِيل﴾ مَعْنَاهُ: لَيْسَ على من أحسن بالإخلاص سَبِيل، والسبيل: هُوَ الْعقُوبَة ﴿وَالله غَفُور رَحِيم﴾ . وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " وَالله لأهل الْإِسَاءَة غَفُور رَحِيم ".
стр. 2114
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا على الَّذين إِذا مَا أتوك لتحملهم﴾ مَعْنَاهُ: لَا سَبِيل على الْأَوَّلين وَلَا على هَؤُلَاءِ، قَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: نزلت الْآيَة فِي سَبْعَة نفر، مِنْهُم عبد الله بن الْمُغَفَّل الْمُزنِيّ، والعرباض بن سَارِيَة، وَأَبُو (ليلى) عبد الرَّحْمَن بن كَعْب، سموا البكائين. وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ هَذَا فِي أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَصْحَابه.
وَاخْتلف القَوْل فِي قَوْله: ﴿لتحملهم﴾ أحد الْقَوْلَيْنِ - وَهُوَ الْمَعْرُوف -: أَنهم طلبُوا الْإِبِل ليركبوها. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم طلبُوا النِّعَال. هَذَا قَول الْحسن بن صَالح.
وَقَوله: ﴿قلت لَا أجد مَا أحملكم عَلَيْهِ توَلّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أَلا يَجدوا مَا يُنْفقُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر. وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن النَّبِي قَالَ: " لَا يزَال أحدكُم رَاكِبًا مادام متنعلا ".
стр. 2115
ثمَّ قَالَ ﴿إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يَسْتَأْذِنُونَك وهم أَغْنِيَاء رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف﴾ الْخَوَالِف: النِّسَاء وَالصبيان؛ يُقَال: خَالف وخوالف، كَمَا يُقَال: فَارس وفوارس، وهالك وهوالك. ﴿طبع الله على قُلُوبهم فهم لَا يعلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2116
﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم قل لَا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله ثمَّ تردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (٩٤) سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس ومأواهم جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾
стр. 2117
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُم إِذا رجعتم إِلَيْهِم﴾ رُوِيَ أَن الْمُنَافِقين الَّذين تخلفوا كَانُوا بضعَة وَثَمَانِينَ نَفرا، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُول الله من غَزْوَة تَبُوك جَاءُوا يَعْتَذِرُونَ، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة ﴿قل لاتعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم﴾ يَعْنِي: فِيمَا سلف ﴿وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ يَعْنِي: فِي المستأنف ﴿ثمَّ تردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ .
стр. 2118
ثمَّ قَالَ فِي شَأْنهمْ: ﴿سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم﴾ الانقلاب: هُوَ الرُّجُوع إِلَى الْمَكَان الَّذِي خَرجُوا مِنْهُ ﴿فأعرضوا عَنْهُم إِنَّهُم رِجْس﴾ الرجس: هُوَ النتن والقذر ﴿ومأواهم جَهَنَّم جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ فِي الْآيَة: ﴿سيحلفون بِاللَّه لكم إِذا انقلبتم إِلَيْهِم لتعرضوا عَنْهُم﴾ إِذا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ مُقْبِلين عَلَيْهِم حَتَّى يَقُول: ﴿لتعرضوا عَنْهُم﴾ ؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: ذكر الْأَزْهَرِي فِي كِتَابه " التَّقْرِيب " معنى الْآيَة: سيحلفون بِاللَّه لكم لإعراضكم عَنْهُم لتقبلوا عَلَيْهِم؛ فأعرضوا عَنْهُم.
стр. 2119
ثمَّ قَالَ: ﴿يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم﴾ الرِّضَا ضد الْكَرَاهَة ﴿فَإِن ترضوا عَنْهُم فَإِن الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ .
وَفِي الْقِصَّة: " أَن أَبَا خَيْثَمَة رجل من أَصْحَاب رَسُول الله كَانَ قد تخلف، وَكَانَت لَهُ امْرَأَتَانِ، فَذهب إِلَيْهِمَا وَقد هيأت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا طَعَاما، وَبَردت شرابًا وَبسطت لَهُ فِي الظل، فَنظر إِلَى ذَلِك وَقَالَ: رَسُول الله فِي الضح وَالذّبْح، وَأَبُو خَيْثَمَة فِي الظل! مَا هَذَا بِنصْف، ثمَّ ركب نَاقَته وَاتبع رَسُول الله، فَأدْرك النَّبِي وَقد نزل
стр. 2120
( ﴿٩٦) الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله على رَسُوله وَالله عليم حَكِيم (٩٧) وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرما ويتربص بكم﴾ بتبوك، فَقَالَ النَّاس: يَا رَسُول الله، هَذَا رَاكب قد أقبل، فَقَالَ رَسُول الله: كن أَبَا خَيْثَمَة فَقَالَ النَّاس: هُوَ أَبُو خَيْثَمَة ".
стр. 2121
قَوْله تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا وأجدر أَلا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله﴾ معنى أَجْدَر: أخلق وَأَحْرَى أَن لَا يعلمُوا حُدُود مَا أنزل الله ﴿على رَسُوله﴾ وَهَذَا لبعدهم من سَماع الْقُرْآن وَمَعْرِفَة السّنَن. وَفِي بعض الْأَخْبَار: " أهل الكفور هم أهل الْقُبُور ". وَفِي آثَار التَّابِعين عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ: أَن أَعْرَابِيًا جلس عِنْد زيد بن صوحان - وَكَانَت شِمَاله أُصِيبَت يَوْم نهاوند فِي حَرْب الْعَجم - فَجعل يكلمهُ وَيذكر لَهُ الْعلم، فَقَالَ لَهُ الْأَعرَابِي: إِنَّه ليؤنسني علمك وتريبني يدك، فَقَالَ لَهُ زيد: وَمَا يريبك مني وَإِنَّهَا الشمَال؟ فَقَالَ الْأَعرَابِي: إِنِّي مَا أَدْرِي الشمَال تقطع أم الْيَمين؟ فَقَالَ زيد بن صوحان: صدق الله تَعَالَى: ﴿الْأَعْرَاب أَشد كفرا ونفاقا﴾ .
وَزيد بن صوحان من كبار التَّابِعين، وَهُوَ الَّذِي ذكر رَسُول الله فِي شَأْنه أَن يَده تسبقه إِلَى الْجنَّة. ﴿وَالله سميع عليم﴾ .
стр. 2122
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَعْرَاب من يتَّخذ مَا ينْفق مغرما﴾ المغرم: الْتِزَام مَا لَا يلْزم، قَالَ الشَّاعِر:
(فمالك مسلوب العدا كَأَنَّمَا ترى ... هجر ليلى مغرما أَنْت غارمه)
قَوْله: ﴿ويتربص بكم الدَّوَائِر﴾ أَي: ينْتَظر بكم الدَّوَائِر، والدوائر: جمع الدائرة،
стр. 2123
﴿الدَّوَائِر عَلَيْهِم دَائِرَة السوء وَالله سميع عليم (٩٨) وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ويتخذ مَا ينْفق قربات عِنْد الله وصلوات الرَّسُول أَلا إِنَّهَا قربَة لَهُم سيدخلهم الله فِي رَحمته إِن الله غَفُور رَحِيم (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من﴾ والدائرة: انْتِقَال المحبوب إِلَى الْمَكْرُوه، وَقيل: الدَّوَائِر: صروف الدَّهْر.
ثمَّ قَالَ: ﴿عَلَيْهِم دَائِرَة السوء﴾ وقرىء: " دَائِرَة السوء " وَمَعْنَاهُ: أَن الْمَكْرُوه الْعَظِيم مَا يلحقهم. وَقَوله: ﴿وَالله سميع عليم﴾ .
стр. 2124
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن الْأَعْرَاب من يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم ﴿ويتخذ مَا ينْفق قربات عِنْد الله وصلوات الرَّسُول﴾ القربات جمع الْقرْبَة، والصلوات جمع الصَّلَاة؛ وَمعنى القربات: أَنه يطْلب الْقرْبَة إِلَى الله تَعَالَى، وَمعنى الصَّلَوَات: أَنه يطْلب الدُّعَاء من رَسُول الله.
وَاعْلَم أَن الصَّلَاة من الله الرَّحْمَة، وَمن الْمُؤمنِينَ الدُّعَاء، وَمن الْمَلَائِكَة الاسْتِغْفَار، قَالَ الْأَعْشَى:
(تَقول بِنْتي وَقد قربت مرتحلا ... يَا رب جنب أَبى الأوصاب والوجعا)
(عَلَيْك مثل الَّذِي صليت فاغتمضي ... عينا فَإِن لجنب الْمَرْء مُضْطَجعا)
ثمَّ قَالَ: ﴿أَلا إِنَّهَا قربَة لَهُم سيدخلهم الله فِي رَحمته﴾ أَي: فِي جنته ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ مَعْلُوم.
стр. 2125
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ هَذِه الْآيَة فِي السَّابِقين الْأَوَّلين، وَفِيهِمْ أَقْوَال:
أَحدهَا: قَول سعيد بن الْمسيب وَابْن سِيرِين وَجَمَاعَة، أَنهم قَالُوا: هم الَّذين صلوا إِلَى الْقبْلَتَيْنِ.
стр. 2126
﴿الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد﴾
وَقَالَ عَطاء: هم أهل بدر.
وَقَالَ الشّعبِيّ: هم أهل بيعَة الرضْوَان، وبيعة الرضْوَان كَانَت بِالْحُدَيْبِية.
وَالْقَوْل الرَّابِع: السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين: هم الَّذين أَسْلمُوا قبل الْهِجْرَة، وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْأَنْصَار: هم الَّذين بَايعُوا مَعَ رَسُول الله لَيْلَة الْعقبَة.
وَرُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه قَرَأَ: " وَالْأَنْصَار " بِالرَّفْع. وَفِي هَذِه الْقِرَاءَة السَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين خَاصَّة. وَالْمَعْرُوف " وَالْأَنْصَار " وَمَعْنَاهُ: وَمن الْأَنْصَار: والمهاجرين هم الَّذين هَاجرُوا من أوطانهم وَقدمُوا الْمَدِينَة مَعَ رَسُول الله، وَالْأَنْصَار هم أهل الْمَدِينَة الَّذين أنزلوا رَسُول الله والمهاجرين فِي دُورهمْ.
وَأما قَوْله: ﴿وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم بَقِيَّة الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار سوى السَّابِقين الْأَوَّلين مِنْهُم.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم الْمُؤْمِنُونَ إِلَى قيام السَّاعَة.
وَعَن أبي صَخْر حميد بن زِيَاد قَالَ: أتيت مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ فَقلت لَهُ: مَا قَوْلك فِي أَصْحَاب رَسُول الله؟ فَقَالَ: جَمِيع أَصْحَاب رَسُول الله فِي الْجنَّة، مسيئهم ومحسنهم، فَقلت لَهُ: من أَيْن تَقول هَذَا؟ فَقَالَ: اقْرَأ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَولونَ من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار﴾ إِلَى أَن قَالَ: ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَأعد لَهُم جنَّات﴾ ثمَّ قَالَ: شَرط للتابعين شريطة، وَهُوَ قَوْله: ﴿اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان﴾ وَمَعْنَاهُ: أَنهم اتَّبَعُوهُمْ فِي أفعالهم الْحَسَنَة دون السَّيئَة. قَالَ أَبُو صَخْر: وَكَأَنِّي لم أَقرَأ هَذِه الْآيَة قطّ.
وَفِي الْخَبَر الْمَعْرُوف بِرِوَايَة أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " لَا تسبوا أَصْحَابِي؛ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أنْفق أحدكُم ملْء الأَرْض ذَهَبا لم يدْرك مد أحدهم
стр. 2127
﴿لَهُم جنَّات تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ وَمن أهل الْمَدِينَة مَرَدُوا على النِّفَاق لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم (١٠١) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ وَلَا نصيفه "
قَوْله: ﴿رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ﴾ أَي: ﵃ بطاعتهم ﴿وَرَضوا عَنهُ﴾ بثوابه، وَبَاقِي الْآيَة مَعْلُوم ﴿وَأعد لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ .
стр. 2128
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هم مزينة وجهينة وَأَشْجَع وغفار وَأسلم ﴿وَمن أهل الْمَدِينَة﴾ قوم من الْأَوْس والخزرج ﴿مَرَدُوا على النِّفَاق﴾ قَالَ الْفراء: مرنوا على النِّفَاق. وَقَالَ ثَعْلَب: استنمروا على النِّفَاق. وَفِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمِمَّنْ حَوْلكُمْ من الْأَعْرَاب مُنَافِقُونَ مَرَدُوا على النِّفَاق وَمن أهل الْمَدِينَة، هَكَذَا قَالَه أهل الْمعَانِي ﴿لَا تعلمهمْ نَحن نعلمهُمْ﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الرَّسُول لم يعلم جَمِيع الْمُنَافِقين.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مرَّتَيْنِ﴾ فِيهِ أَقْوَال:
أَحدهَا: أَنَّهَا الفضيحة فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة.
وَفِي الْخَبَر " أَن النَّبِي قَامَ خَطِيبًا على الْمِنْبَر، وَقَالَ: اخْرُج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق، اخْرُج يَا فلَان، فَإنَّك مُنَافِق " هَكَذَا حَتَّى أخرجهم جَمِيعًا من الْمَسْجِد.
стр. 2129
﴿بِذُنُوبِهِمْ خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم إِن الله غَفُور﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: قو مُجَاهِد، وَهُوَ الْخَوْف فِي الدُّنْيَا، وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْعَذَاب الأول: هُوَ الْقَتْل، وَالْعَذَاب الثَّانِي: هُوَ عَذَاب الْقَبْر.
وَالرَّابِع: قَالَ ابْن قُتَيْبَة: الْعَذَاب الأول: هُوَ السَّبي، وَالْعَذَاب الثَّانِي: هُوَ الْقَتْل.
﴿ثمَّ يردون إِلَى عَذَاب عَظِيم﴾ يَعْنِي: إِلَى جَهَنَّم.
стр. 2130
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الْآيَة نزلت فِي قوم من الْمُؤمنِينَ تخلفوا عَن رَسُول الله بِغَيْر عذر، فيهم أَو لبَابَة بن عبد الْمُنْذر وَغَيره، فَلَمَّا قفل رَسُول الله من الْغَزْو، وَقرب من الْمَدِينَة جَاءُوا فربطوا أنفسهم بسوارى الْمَسْجِد وَقَالُوا: لَا نحل أَنْفُسنَا حَتَّى يَتُوب الله علينا، فَدخل رَسُول الله الْمَسْجِد، وَكَانَ من عَادَته أَنه كَانَ إِذا خرج إِلَى سفر صلى رَكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِد، ثمَّ يخرج، وَإِذا رَجَعَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فصلى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يدْخل منزله، فَلَمَّا دخل الْمَسْجِد وَرَأى هَؤُلَاءِ النَّفر قد ربطوا أنفسهم بالسوارى سَأَلَ وَقَالَ: " مَا شَأْنهمْ؟ فَقيل: إِنَّهُم حلفوا أَلا يحلوا أنفسهم حَتَّى يَتُوب الله عَلَيْهِم، فَقَالَ رَسُول الله: وَإِنِّي أَحْلف أَن لَا أحلّهُم حَتَّى يقْضِي الله فيهم بأَمْره، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة ".
وَقَوله تَعَالَى: ﴿خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا﴾ الْعَمَل السيء هُوَ التَّخَلُّف عَن الْغَزْو بِلَا إِشْكَال، وَأما الْعَمَل الصَّالح فَفِيهِ مَعْنيانِ:
أَحدهمَا: ندامتهم وربطهم أنفسهم بالسوارى.
وَالثَّانِي: الْعَمَل الصَّالح: هُوَ غزواتهم مَعَ رَسُول الله من قبل.
وَفِي الْأَخْبَار، عَن سَمُرَة بن جُنْدُب أَن النَّبِي قَالَ: " أَتَانِي اللَّيْلَة آتيان فَانْطَلقَا بِي إِلَى مَدِينَة مَبْنِيَّة لبنة من الذَّهَب ولبنة من الْفضة، فتلقاني رجال شطر خلقهمْ كأحسن مَا أَنْت رَاء، وَشطر خلقهمْ كأقبح مَا أَنْت رَاء، فَقيل لَهُم: قعوا فِي ذَلِك
стр. 2131
﴿رَحِيم (١٠٢) خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا وصل عَلَيْهِم إِن صَلَاتك سكن لَهُم وَالله سميع عليم (١٠٣) ﴾ النَّهر، فوقعوا فِي النَّهر، فَخَرجُوا وَقد ذهب عَنْهُم السوء، فَسَأَلت عَن أُولَئِكَ الْقَوْم، فَقيل لي: أما الْمَدِينَة فَهِيَ الْجنَّة، [وهذاك] مَنْزِلك، وَهَؤُلَاء الْقَوْم خلطوا عملا صَالحا وَآخر سَيِّئًا؛ فَتَجَاوز الله عَنْهُم ".
وَأما قَوْله تَعَالَى: ﴿عَسى الله أَن يَتُوب عَلَيْهِم﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَغَيره: عَسى من الله وَاجِب. فَلَمَّا نزلت هَذِه الْآيَة أَمر رَسُول الله أَن يحل أُولَئِكَ الْقَوْم من السوارى.
وَرُوِيَ عَن أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ أَنه قَالَ: أرجي آيَة فِي الْقُرْآن هَذِه الْآيَة.
﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ .
стр. 2132
قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: لما تَابَ الله على أُولَئِكَ الْقَوْم جَاءُوا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى النَّبِي وَقَالُوا: خُذْهَا صَدَقَة لله، فَأبى أَن يَأْخُذهَا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿خُذ من أَمْوَالهم﴾ . وَقَوله: ﴿تطهرهُمْ﴾ أَي: من الذُّنُوب. وَقَوله: ﴿وتزكيهم بهَا﴾ أَي: وترفعهم بهَا من منَازِل الْمُنَافِقين إِلَى منَازِل المخلصين ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ وادع لَهُم ﴿إِن صَلَاتك سكن لَهُم﴾ أَي: دعاؤك سكن لَهُم، أَي: سُكُون لَهُم، أَي: دعاؤك سكن لَهُم وطمأنينة وتثبيت.
وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم: إِنَّه يجب على الإِمَام أَن يَدْعُو للَّذي جَاءَ بِالصَّدَقَةِ. وَقَالَ بَعضهم: يسْتَحبّ، وَلَا يجب. وَقَالَ بَعضهم: يجب فِي الْفَرْض وَيسْتَحب فِي النَّفْل. وَقَالَ بَعضهم: يجب على الإِمَام أَن يَدْعُو للمعطي، وَيسْتَحب للْفَقِير أَن يَدْعُو. وَمِنْهُم من قَالَ: إِن التمس الْمُعْطِي أَن يَدْعُو لَهُ يجب؛ وَإِلَّا فَلَا يجب.
стр. 2133
﴿ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات وَأَن الله هُوَ التواب الرَّحِيم (١٠٤) ﴾
وَقد ثَبت الْخَبَر بِرِوَايَة عبد الله بن أبي أوفى قَالَ: " كَانَ الرجل إِذا جَاءَ بِصَدَقَتِهِ إِلَى النَّبِي دَعَا لَهُ؛ فجَاء أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ النَّبِي: أللهم صل على آل أبي أوفى.
﴿وَالله سميع عليم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2134
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده﴾ هَذَا ظَاهر. وَقَوله: ﴿وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ مَعْنَاهُ: يقبل الصَّدقَات. وَقَالَ بعض أهل الْمعَانِي قَوْله: ﴿ألم يعلمُوا﴾ هُوَ بِمَعْنى الْأَمر؛ كَأَنَّهُ قَالَ: اعلموا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده.
وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور الْمَعْرُوف عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، مَا من عبد يتَصَدَّق بِصَدقَة من كسب طيب - وَلَا يقبل الله إِلَّا طيبا - إِلَّا أَخذهَا الله بِيَمِينِهِ فيربيها كَمَا يربى أحدكُم فلوه، حَتَّى إِن اللُّقْمَة تَجِيء يَوْم الْقِيَامَة مثل أحد، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلمُوا أَن الله هُوَ يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَأْخُذ الصَّدقَات﴾ ". وَالْخَبَر صَحِيح.
وَرُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: إِن الصَّدَقَة تقع فِي يَد الله قبل أَن تقع فِي يَد الْفَقِير. وَرُوِيَ فِي بعض الرِّوَايَات مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي.
قَوْله: ﴿وَأَن الله هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
стр. 2135
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون﴾ فِي الْآيَة
стр. 2136
﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله والمؤمنون وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة فينبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (١٠٥) وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله إِمَّا يعذبهم﴾ معنى التهديد. فَإِن قَالَ قَائِل: مَا معنى رُؤْيَة الرَّسُول وَالْمُؤمنِينَ؟
قُلْنَا: رُؤْيَة الرَّسُول: هِيَ بإعلام الله إِيَّاه عَمَلهم، ورؤية الْمُؤمنِينَ: بإيقاع الْمحبَّة فِي قُلُوبهم لأهل الصّلاح، وإيقاع البغضة فِي قُلُوبهم لأهل الْفساد.
وَفِي بعض الْأَخْبَار: " لَو عمل الْمُؤمن فِي صَخْرَة لَيْسَ لَهَا بَاب [لأظهره] الله إِذا عمله ".
قَوْله تَعَالَى: ﴿وستردون إِلَى عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة ... .﴾ الْآيَة، مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2137
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ مرجون لأمر الله﴾ الإرجاء: التَّأْخِير، وَمَعْنَاهُ: مؤخرون لأمر الله، وَأمر الله تَعَالَى هُنَا: حكم الله.
وَالْآيَة نزلت فِي كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن الرّبيع؛ وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة الَّذين تَأتي قصتهم من بعد.
وَقَوله ﴿إِمَّا يعذبهم وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2138
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا﴾ نزلت الْآيَة فِي قوم من الْمُنَافِقين مِنْهُم: وَدِيعَة بن ثَابت، وثعلبة بن حَاطِب، (وَجَارِيَة بن يزِيد) ، وَابْنه
стр. 2139
﴿وَإِمَّا يَتُوب عَلَيْهِم وَالله عليم حَكِيم (١٠٦) وَالَّذين اتَّخذُوا مَسْجِدا ضِرَارًا وَكفرا وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله من قبل وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تقم فِيهِ أبدا لمَسْجِد أسس على﴾ مجمع بن جَارِيَة، وحزام بن مَالك، وَأَبُو حَبِيبَة بن الأزعر، وَعباد بن حنيث، وَرجل يُقَال لَهُ: يخرج إِلَى تَمام اثنى عشر نَفرا، بنوا هَذَا الْمَسْجِد بِقصد مَا ذكره الله فِي كِتَابه، وَهُوَ قَوْله: ﴿ضِرَارًا﴾ يَعْنِي: مضارة بالرسول ﴿وَكفرا﴾ بِاللَّه ﴿وَتَفْرِيقًا بَين الْمُؤمنِينَ وَإِرْصَادًا لمن حَارب الله وَرَسُوله﴾ والإرصاد: الإعداد، وَالَّذِي حَارب الله وَرَسُوله هَاهُنَا هُوَ أَبُو عَامر الراهب، وَكَانَ مِمَّن يطْلب الدّين فِي الِابْتِدَاء، ثمَّ تنصر وتحزب الْأَحْزَاب على رَسُول الله، ثمَّ لحق بقيصر يستنجده على رَسُول الله وَأَصْحَابه، فَهَؤُلَاءِ بنوا هَذَا الْمَسْجِد وَقَالُوا: نَبْنِي هَذَا الْمَسْجِد فنخلوا بأمرنا، ونتحدث بِمَا نُرِيد، وننتظر رُجُوع أبي عَامر الراهب. وَكَانَ هَذَا الْمَسْجِد بني قَرِيبا من مَسْجِد قبَاء. وَقَوله: ﴿من قبل﴾ رَاجع إِلَى أبي عَامر ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِن أردنَا إِلَّا الْحسنى﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا الرِّفْق بِالْمُسْلِمين ﴿وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2140
ثمَّ قَالَ: ﴿لَا تقم فِيهِ ابدا﴾ رُوِيَ أَنهم طلبُوا من النَّبِي أَن يَأْتِي فَيصَلي فِيهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة: ﴿لَا تقم فِيهِ أبدا﴾ مَعْنَاهُ: لَا تصل فِيهِ أبدا ﴿لمَسْجِد أسس على التَّقْوَى﴾ اخْتلفُوا فِي هَذَا الْمَسْجِد؛ قَالَ ابْن عمر، وَزيد بن ثَابت، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: هُوَ مَسْجِد النَّبِي بِالْمَدِينَةِ. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ: " أَن رجلَيْنِ تماريا فِي الْمَسْجِد الَّذِي أسس على التَّقْوَى، فسألا رَسُول الله فَقَالَ ﵇: هُوَ مَسْجِدي هَذَا ". وَأوردهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي " جَامعه ".
следующие страницы →