Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا أذقنا النَّاس رَحْمَة من بعد ضراء مستهم﴾ الذَّوْق: تنَاول مَاله طعم بفمه ليجد طعمه، فَأَما الرَّحْمَة هَاهُنَا فِيهَا قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنَّهَا الْعَافِيَة، وَالْآخر: أَنَّهَا الخصب وَالنعْمَة.
وَالضَّرَّاء فِيهَا قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنَّهَا الشدَّة، وَالْآخر: أَنَّهَا الجدب والقحط.
﴿مستهم﴾ أَي: أَصَابَتْهُم. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا﴾ الْمَكْر: صرف الشَّيْء عَن وَجهه بطرِيق الْحِيلَة. قَالَ مُجَاهِد: ﴿إِذا لَهُم مكر فِي آيَاتنَا﴾ أَي: تَكْذِيب واستهزاء.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قل الله أسْرع مكرا﴾ يَعْنِي: أَشد أخذا. وَيُقَال: مَعْنَاهُ: إِن مَا يَأْتِي من الْعَذَاب من قبله أسْرع فِي إهلاككم مِمَّا يَأْتِي مِنْكُم فِي دفع الْحق وتكذيبه.
وَقَوله: ﴿إِن رسلنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2207
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر﴾ قُرِئت بقراءتين: " يسيركم " و " ينشركم "، وَالْمَعْرُوف: " يسيركم " وَمَعْنَاهُ: تسهيل طَرِيق السّير عَلَيْكُم فِي الْبر وَالْبَحْر. وَأما من قَرَأَ: " ينشركم " مَعْنَاهُ: يبثكم. وَرُوِيَ عَن الضَّحَّاك أَنه قَالَ: الْبَحْر هُوَ الْأَمْصَار، وَالْبر هُوَ الْبَوَادِي. وَقَوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك﴾ قَالَ أهل
стр. 2208
﴿الله أسْرع مكرا إِن رسلنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يسيركم فِي الْبر وَالْبَحْر حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ اللُّغَة: الْفلك تؤنث وتذكر. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فِي الْفلك المشحون﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وجرين بهم﴾ وَقَالُوا أَيْضا: إِن الْفلك يكون بِمَعْنى الْوَاحِد وَبِمَعْنى الْجمع. وَقَوله: ﴿برِيح طيبَة﴾ أَي: هينة لينَة.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " الرّيح من روح الله، فسألوا الله من خَيرهَا، وتعوذوا بِاللَّه من شَرها ".
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم﴾ فَهَذَا تَغْيِير الْكَلَام عَن وَجهه؟
وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن الْعَرَب تقيم المعاينة مقَام المخاطبة، والمخاطبة مقَام المعاينة، قَالَ الشَّاعِر:
(وشطت مَزَار العاشقين فَأَصْبَحت ... عسيرا على طلابك ابْنة مخرم)
وَمِنْهُم من قَالَ: معنى الْآيَة: حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة يَا مُحَمَّد. وَقَوله: ﴿وفرحوا بهَا جاءتها ريح عاصف﴾ وَهِي الشَّدِيدَة الْمهْلكَة، قَالَ الشَّاعِر:
(فِي فيلق شهباء ملمومة ... تعصف بالحاسر والدارع)
وَقَوله: ﴿وجاءهم الموج من كل مَكَان﴾ الموج: مَا يظْهر على الْبَحْر من الرّيح.
стр. 2209
﴿وجاءهم الموج من كل مَكَان وظنوا أَنهم أحيط بهم دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾
وَقَوله: ﴿وظنوا﴾ وتيقنوا ﴿أَنهم أحيط بهم﴾ يُقَال لمن كَانَ فِي بلَاء وَشدَّة: إِنَّه قد أحيط بِهِ. وَقَوله: ﴿دعوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم أَخْلصُوا فِي الدُّعَاء، وَلم يدعوا أحدا سوى الله. وَقَوله: ﴿لَئِن أنجيتنا من هَذِه لنكونن من الشَّاكِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.
стр. 2210
ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾ الْبَغي: هُوَ قصد الاستعلاء على الْغَيْر بالظلم، وَالْبَغي هَا هُنَا بِمَعْنى الْفساد، وَيُقَال: بغي الْجرْح إِذا أدّى إِلَى الْفساد، وبغت الْمَرْأَة إِذا فجرت.
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يُؤَخر الله صَاحب بغي " أَي: لَا يمهله. وَفِي الْأَخْبَار - أَيْضا -: " الْبَغي مصراعة ".
ثمَّ قَالَ: ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم﴾ أَي: وبال بَغْيكُمْ عَلَيْكُم.
قَوْله ﴿مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وقرىء: " مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا "؛ فَمن قَرَأَ بِالرَّفْع مَعْنَاهُ: هُوَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَمن قَرَأَ بِالنّصب مَعْنَاهُ: يمتعون مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا. وَعَن الْأَعْمَش قَالَ: الْمَتَاع: زَاد الرَّاكِب. وَقَالَ أهل الْمعَانِي: حَقِيقَة معنى الْآيَة: أَن الْبَغي مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا.
стр. 2211
﴿فَلَمَّا أنجاهم إِذا هم يَبْغُونَ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا ثمَّ إِلَيْنَا مرجعكم فننبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام حَتَّى إِذا أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بهَا وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ إِلَيْنَا مرجعكم فننبئكم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ أَي: نخبركم بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ.
стр. 2212
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مثل الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ مَعْنَاهُ: إِنَّمَا صفة الْحَيَاة الدُّنْيَا ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ من السَّمَاء﴾ أَي: من السَّحَاب ﴿فاختلط بِهِ نَبَات الأَرْض﴾ يَعْنِي: اخْتَلَط الْمَطَر بالنبات، والنبات بالمطر ﴿مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام﴾ ظَاهر الْمَعْنى، وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا أخذت الأَرْض زخرفها﴾ الزخرف: كَمَال الْحسن، وَالذَّهَب زخرف؛ لكماله فِي الْحسن، وَمعنى الزخرف هَاهُنَا: الْبَهْجَة والنضرة. وَقَوله: ﴿وازينت﴾ أَي: تزينت، وَقَالُوا مَعْنَاهُ: أنبتت وأثمرت وأينعت.
وَقَوله: ﴿وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون عَلَيْهَا﴾ مَعْنَاهُ: وَظن أَهلهَا أَنهم قادرون على جذاذها وقطافها وحصادها. وَقَوله: ﴿أَتَاهَا أمرنَا لَيْلًا أَو نَهَارا﴾ أَي: عذابنا لَيْلًا أَو نَهَارا. وَقَوله: ﴿فجعلناها حصيدا﴾ الحصيد: المحصود، وَالْمعْنَى هَا هُنَا: هُوَ الاستئصال بِالْعَذَابِ. وَقَوله: ﴿كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾ قَالَ مُجَاهِد: مَعْنَاهُ: كَأَن لم تعمر بالْأَمْس. وَقَالَ غَيره: كَأَن لم يكن قَائِما بالْأَمْس، يُقَال: غنى فلَان بِالْمَكَانِ إِذا قَامَ فِيهِ، والمغاني هِيَ الْمنَازل، قَالَ لبيد:
(وَلَقَد سئمت من الْحَيَاة وطولها ... وسؤال هَذَا النَّاس كَيفَ لبيد)
(وغنيت سبتا قبل مجْرى داحس ... لَو كَانَ للنَّفس اللجوج خُلُود)
وَمعنى غنيت: أَقمت، والسبت: الدَّهْر هَاهُنَا.
قَالَ قَتَادَة: معنى الْآيَة: هُوَ أَن المتشبث بالدنيا يَأْتِيهِ أَمر الله وعذابه أغفل مَا يكون وأعجب بهَا.
وَقَوله ﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يتفكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2213
﴿أَتَاهَا أمرنَا لَيْلًا أَو نَهَارا فجعلناها حصيدا كَأَن لم تغن بالْأَمْس﴾
стр. 2214
قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ فِي الْأَخْبَار أَن النَّبِي قَالَ: " مَا من يَوْم تطلع فِيهِ الشَّمْس إِلَّا وبجنبتيها ملكان يسمعان الْخَلَائق إِلَّا الثقلَيْن: أَلا هلموا إِلَى ربكُم، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله يدعوا إِلَى دَار السَّلَام﴾ . وَفِي الْآثَار - أَيْضا -: " أَنه مَا من يَوْم وَلَا ليل إِلَّا وينادى مُنَاد: يَا طَالب الْخَيْر هَلُمَّ، وَيَا طَالب الشَّرّ أقصر.
وَأما دَار السَّلَام: فالدار هِيَ الْجنَّة، وَفِي السَّلَام قَولَانِ:
أَحدهمَا: أَنه هُوَ الله. وَالْآخر: أَن السَّلَام بِمَعْنى السَّلامَة؛ كَأَنَّهُ قَالَ: يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام من الْآفَات.
وروى أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ الباقر، عَن جَابر بن عبد الله الْأنْصَارِيّ ﵄ أَن النَّبِي قَالَ: " رَأَيْت فِي مَنَامِي كَأَن على رَأْسِي جِبْرِيل، وَكَأن
стр. 2215
﴿كَذَلِك نفصل الْآيَات لقوم يتفكرون (٢٤) وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم (٢٥) ﴾ على رجْلي مِيكَائِيل، فَقَالَ أَحدهمَا لصَاحبه: اضْرِب لَهُ مثلا، فَقَالَ الآخر: مثلك يَا مُحَمَّد مثل ملك بنى دَارا ثمَّ بنى فِي دَار بَيْتا، ثمَّ وضع فِي الْبَيْت مأدبة، ثمَّ دَعَا إِلَيْهَا النَّاس، فَمنهمْ التارك وَمِنْهُم الْمُجيب، فالملك: هُوَ الله تَعَالَى، وَالدَّار: هُوَ الْإِسْلَام، وَالْبَيْت: الْجنَّة، والداعي: أَنْت، فَمن أجَاب دخل الْجنَّة، وَمن دخل الْجنَّة أكل مِنْهَا ".
وَقَوله: ﴿وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ الصِّرَاط الْمُسْتَقيم: هُوَ الْإِسْلَام، وَفِيه أَقْوَال أخر، ذَكرنَاهَا من قبل.
стр. 2216
قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ الْإِحْسَان هَاهُنَا: الْإِسْلَام، وَالْإِحْسَان: هُوَ قَول لَا إِلَه إِلَّا الله. وَاخْتلفُوا فِي الْحسنى وَزِيَادَة، فَروِيَ عَن أبي بكر الصّديق وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَابْن عَبَّاس، وَحُذَيْفَة، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: الْحسنى: هِيَ الْجنَّة، وَالزِّيَادَة: هِيَ النّظر إِلَى الله عز وَعلا. وروى أَبُو الْقَاسِم بن بنت منيع، عَن هدبة بن خَالِد، عَن حَمَّاد بن سَلمَة، عَن ثَابت، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى، عَن صُهَيْب ﵃ أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة قَالَ الله - تَعَالَى -: يَا أهل الْجنَّة، إِن لكم عِنْدِي موعدا وَأَنا منجزكموه، فَقَالُوا: وَمَا ذَلِك؟ ألم تبيض وُجُوهنَا؟ ألم تثقل موازيننا؟ ألم تُدْخِلنَا الْجنَّة وتخلصنا من النَّار؟ قَالَ: فيتجلى لَهُم فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجهه، فَمَا أعْطوا شَيْئا هُوَ أحب (إِلَيْهِم) من النّظر إِلَيْهِ، ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ ".
стр. 2217
﴿للَّذين أَحْسنُوا بِالْحُسْنَى وَزِيَادَة﴾
قَالَ الإِمَام أَبُو المظفر: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن النقور بِالتَّخْفِيفِ بِبَغْدَاد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن حبابة قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم بن بنت منيع ... الْخَبَر خرجه مُسلم فِي " الصَّحِيح ".
وَفِي الْآيَة أَقْوَال آخر.
وروى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: الزِّيَادَة: غرفَة من اللُّؤْلُؤ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب. وروى عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: الْحسنى: هِيَ الْمثل من الثَّوَاب، وَالزِّيَادَة: هِيَ الزِّيَادَة على الْمثل إِلَى سَبْعمِائة ضعف. وَقَالَ مُجَاهِد: الْحسنى، هِيَ الْمثل، وَالزِّيَادَة: رضوَان الله تَعَالَى.
قَوْله ا \ تَعَالَى: ﴿وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة﴾ القتر: سَواد الْوَجْه، وأصل (القتار) : هُوَ الدُّخان.
قَوْله: ﴿وَلَا ذلة﴾ أَي: هوان.
قَوْله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2218
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا﴾ الْآيَة، هَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يَجْزِي إِلَّا مثلهَا﴾ . قَوْله: ﴿ [و] ترهقهم ذلة﴾ أَي: تغشاهم ذلة، أَي: ذل. ﴿مَا لَهُم من الله من عَاصِم﴾ أَي: مَانع. وَقَوله: ﴿كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا﴾ قُرِئت بقراءتين: " قطعا " و " قطعا "، فالقطع
стр. 2219
﴿وَلَا يرهق وُجُوههم قتر وَلَا ذلة أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ (٢٦) وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وترهقهم ذلة مَا لَهُم من الله من عَاصِم كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلما أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٢٧) وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا مَكَانكُمْ أَنْتُم وشركاؤكم فزيلنا بَينهم وَقَالَ﴾ بتحريك الطَّاء - جمع الْقطعَة، وَالْقطع - بِسُكُون الطَّاء - وَاحِد.
فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: " قطعا من اللَّيْل مظْلمَة "؟
قُلْنَا: تَقْدِير الْآيَة: قطعا من اللَّيْل فِي حَال ظلمته، هَكَذَا قَالَه أهل اللُّغَة.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر.
стр. 2220
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم نحشرهم جَمِيعًا ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا مَكَانكُمْ أَنْتُم وشركاؤكم﴾ الْآيَة. معنى الْآيَة: ثمَّ نقُول للَّذين أشركوا: الزموا أَنْتُم وشركاؤكم مَكَانكُمْ.
قَوْله: ﴿فزيلنا بَينهم﴾ مَعْنَاهُ: ميزنا بَينهم يَعْنِي: فرقنا بَين الْمُشْركين والأصنام؛ وَهُوَ من قَوْله: زلت، لَا من قَوْله: ذلت ﴿وَقَالَ شركاؤكم مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ﴾ الشُّرَكَاء: هِيَ الْأَصْنَام الَّتِي جعلوها شُرَكَاء لله تَعَالَى على زعمهم. وَقَوله: ﴿مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ﴾ مَعْنَاهُ: كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ بطلبنا ودعوتنا.
стр. 2221
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكفى بِاللَّه شَهِيدا بَيْننَا وَبَيْنكُم إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
стр. 2222
قَوْله تَعَالَى: ﴿هُنَالك تبلو﴾ الْآيَة، قُرِئت بقراءتين: " تتلو " و " تبلو " فَقَوله: " تبلو " قَالَ مُجَاهِد: تختبر، مَعْنَاهُ: تَجدهُ وتقف عَلَيْهِ، وَقَوله " تتلو " قَالَ الْأَخْفَش: يقْرَأ، فَيكون فِي معنى قَوْله: ﴿يخرج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة﴾ إِلَى قَوْله: ﴿اقْرَأ كتابك كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك حسيبا﴾ .
стр. 2223
﴿شركاؤهم مَا كُنْتُم إيانا تَعْبدُونَ (٢٨) فَكفى بِاللَّه شَهِيدا بَيْننَا وَبَيْنكُم إِن كُنَّا عَن عبادتكم لغافلين (٢٩) هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت وردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى " تتلو ": تتبع، قَالَ الشَّاعِر:
(أرى الْمُرِيب يتبع المريبا ... كَمَا رَأَيْت الذيب يَتْلُوا الذيبا)
قَوْله تَعَالَى: ﴿كل نفس مَا أسلفت﴾ أَي: مَا قدمت. قَوْله تَعَالَى: ﴿وردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿وَأَن الْكَافرين لَا مولى لَهُم﴾ وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿وردوا إِلَى الله مَوْلَاهُم الْحق﴾ فَكيف وَجه الْآيَتَيْنِ؟ .
الْجَواب عَنهُ: أَن الْمولى هُنَاكَ بِمَعْنى النَّاصِر والحافظ، وَالْمولى هَاهُنَا بِمَعْنى الْمَالِك، فَلم يكن بَين الْآيَتَيْنِ اخْتِلَاف.
وَقَوله [تَعَالَى] ﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون﴾ أَي: فَاتَ عَنْهُم مَا كَانُوا يكذبُون.
стр. 2224
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ الرزق من السَّمَاء بالمطر، وَمن الأَرْض بالنبات. وَقَوله: ﴿أم من يملك السّمع والأبصار﴾ مَعْنَاهُ: وَمن أَعْطَاكُم الأسماع والأبصار. وَقَوله ﴿وَمن يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ مَعْنَاهُ: وَمن يخرج النُّطْفَة من الْحَيّ، والحي من النُّطْفَة، والسنبلة من الْحبّ، وَالْحب من السنبلة، وَالْبيض من الطير وَالطير من الْبيض، وَالشَّجر من النواة، والنواة من الشّجر، وَالْمُؤمن من الْكَافِر، وَالْكَافِر من الْمُؤمن.
وَقَوله ﴿وَمن يدبر الْأَمر﴾ وَمن يقْضِي الْأَمر. وَقَوله: ﴿فسيقولون الله فَقل أَفلا تَتَّقُون﴾ مَعْنَاهُ: أَفلا تَتَّقُون الشّرك مَعَ هَذَا الْإِقْرَار.
стр. 2225
قَوْله تَعَالَى: ﴿فذلكم الله ربكُم الْحق﴾ مَعْنَاهُ: فذلكم الَّذِي صفته هَذَا هُوَ ربكُم الْحق. وَقَوله: ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾ مَعْنَاهُ: فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الْبَاطِل.
стр. 2226
﴿وضل عَنْهُم مَا كَانُوا يفترون (٣٠) قل من يرزقكم من السَّمَاء وَالْأَرْض أَمن يملك السّمع والأبصار وَمن يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وَمن يدبر الْأَمر فسيقولون الله فَقل أَفلا تَتَّقُون (٣١) فذلكم الله ربكُم الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال فَأنى تصرفون (٣٢) ﴾
وَرُوِيَ عَن حَرْمَلَة أَنه قَالَ: سَأَلت (مَالك بن أنس) عَن الْغناء، فَقَرَأَ هَذِه الْآيَة: ﴿فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال "﴾
وَرُوِيَ عَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد من التَّابِعين نَحوا من هَذَا فِي هَذَا الْمَعْنى. وَقَوله ﴿فَأنى تصرفون﴾ أَي: كَيفَ يعدل بكم عَن وَجه الْحق؟ .
стр. 2227
قَوْله تَعَالَى: ﴿كَذَلِك حقت﴾ أَي: وَجَبت ﴿كلمة رَبك﴾ أَي: حِكْمَة رَبك ﴿على الَّذين فسقوا﴾ أَي: كفرُوا ﴿أَنهم لَا يُؤمنُونَ﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: هَذَا فِي أَقوام بأعيانهم علم الله أَنهم لَا يُؤمنُونَ.
стр. 2228
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل من شركائكم من يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ مَعْنَاهُ: ينشىء الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ. وَقَوله: ﴿قل الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ﴾ مَعْنَاهُ: ينشىء الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ، وَمعنى الْإِعَادَة: هِيَ الْإِحْيَاء للبعث يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله ﴿فَأنى تؤفكون﴾ مَعْنَاهُ: فَكيف تصرفون؟ .
стр. 2229
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَل من شركائكم من يهدي إِلَى الْحق قل الله يهدي للحق﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر. وَقَوله: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الْحق أَحَق أَن يتبع أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى﴾ قُرِئت بقراءات كَثِيرَة قَالَ أهل الْعَرَبيَّة: أَصَحهَا: " أَمن لَا يهدي " أَو " يهدي " على وَجه الْإِدْغَام؛ لِأَن مَعْنَاهُ: يَهْتَدِي. ثمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا أَن يهدى﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿إِلَّا أَن يهدى﴾ والأصنام لَا يتَصَوَّر فِيهَا أَن تهدى وَلَا أَن تهتدي؟ الْجَواب من وَجْهَيْن:
أَحدهمَا أَن معنى الْهِدَايَة هَاهُنَا هِيَ النَّقْل، يعْنى: لَا ينْتَقل من مَكَان إِلَى مَكَان إِلَّا أَن ينْقل.
стр. 2230
﴿كَذَلِك حقت كلمت رَبك على الَّذين فسقوا أَنهم لَا يُؤمنُونَ (٣٣) قل هَل من شركائكم من يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ قل الله يبْدَأ الْخلق ثمَّ يُعِيدهُ فَأنى تؤفكون (٣٤) قل هَل من شركائكم من يهدي إِلَى الْحق قل الله يهدي للحق أَفَمَن يهدي أَي الْحق أَحَق أَن يتبع أَمن لَا يهدي إِلَّا أَن يهدى فَمَا لكم كَيفَ تحكمون (٣٥) وَمَا يتبع أَكْثَرهم إِلَّا ظنا إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا إِن الله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ وتفصيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من﴾
وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن هَذَا مَذْكُور على وَجه الْمجَاز؛ فَإِن الْمُشْركين كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْأَصْنَام أَنَّهَا تسمع وتعقل وتهدي، فَذكر ذَلِك فِي الْأَصْنَام على وفْق مَا يَعْتَقِدُونَ، وَجعلهَا بِمَنْزِلَة من يعقل فِي هَذَا الْخطاب، وَأثبت عجزها عَن الْهِدَايَة. قَوْله: ﴿فَمَا لكم كَيفَ تحكمون﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2231
قَوْله : ﴿وَمَا يتبع أَكْثَرهم إِلَّا ظنا﴾ الْآيَة، الظَّن: حَالَة بَين الشَّك وَالْيَقِين. وَقَوله: ﴿وَإِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ: إِن الظَّن لَا يقوم مقَام الْحق بِحَال. وَقَوله: ﴿إِن الله عليم بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.
стр. 2232
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله﴾ الْآيَة، وَفِيه وَجْهَان من الْمَعْنى:
أَحدهمَا: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآن افتراء من دون الله.
وَالْوَجْه الثَّانِي: وَمَا يَنْبَغِي لمثل هَذَا الْقُرْآن أَن يفترى من دون الله لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا يَنْبَغِي لمثل النَّبِي أَن يغل.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ فِيهِ قَولَانِ:
أَحدهمَا: تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَالثَّانِي: تَصْدِيق الشَّيْء الَّذِي الْقُرْآن بَين يَدَيْهِ من الْقِيَامَة والبعث.
وَقَوله: ﴿وتفصيل الْكتاب لَا ريب فِيهِ من رب الْعَالمين﴾ التَّفْصِيل: التَّبْيِين،
стр. 2233
﴿رب الْعَالمين (٣٧) أم يَقُولُونَ افتراه قل فَأتوا بِسُورَة مثله وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين (٣٨) بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين (٣٩) وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ وَرَبك أعلم بالمفسدين (٤٠) وَإِن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي وَلكم عَمَلكُمْ﴾ وَمعنى بَاقِي الْآيَة مَعْلُوم.
стр. 2234
قَوْله تَعَالَى: ﴿أم يَقُولُونَ افتراه قل فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ معنى الْآيَة: هُوَ الِاحْتِجَاج على الْكفَّار بمعجزة الْقُرْآن؛ فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا قد افتراه، فَقَالَ لَهُم: إِن كَانَ افتراه وأتى بِهِ من عِنْد نَفسه فَأتوا أَنْتُم بِمثلِهِ.
فَإِن قيل: قَالَ: ﴿فَأتوا بِسُورَة مثله﴾ فللقرآن مثل يُؤْتى بِسُورَة مِنْهُ؟
الْجَواب: أَن مَعْنَاهُ: فَأتوا بِسُورَة من مثله فِي البلاغة وَالنّظم وَصِحَّة الْمَعْنى. وَقيل: إِن مَعْنَاهُ: فَأتوا بِسُورَة مثل سُورَة الْقُرْآن.
وَقَوله: ﴿وَادعوا من اسْتَطَعْتُم من دون الله﴾ مَعْنَاهُ: وَاسْتَعِينُوا بِمن اسْتَطَعْتُم من دون الله ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ .
стр. 2235
قَوْله: ﴿بل كذبُوا بِمَا لم يحيطوا بِعِلْمِهِ﴾ الْإِحَاطَة بِعلم الشَّيْء هِيَ: الْمعرفَة بِهِ من جَمِيع وجوهه، وَمعنى الْآيَة: بل كذبُوا بِالْقُرْآنِ وَلم يحيطوا بِعِلْمِهِ، يَعْنِي: لم يعلموه.
وَقَوله: ﴿وَلما يَأْتهمْ تَأْوِيله﴾ أَي: وَلم يَأْتهمْ تَأْوِيله، وَمَعْنَاهُ: وَلم يعلمُوا مَا يؤول إِلَيْهِ عَاقِبَة أَمرهم. ثمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِك كذب الَّذين من قبلهم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2236
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ وَرَبك أعلم بالمفسدين﴾ مَعْنَاهُ: وَمِنْهُم من يُؤمن بِهِ - بِالْقُرْآنِ - كأصحاب النَّبِي من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار، وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ كَأبي جهل وَمن (تَابعه) ، وَمِنْهُم من قَالَ: وَمِنْهُم من يُؤمن
стр. 2237
﴿أَنْتُم بريئون مِمَّا أعمل وَأَنا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك أفأنت تسمع الصم وَلَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ (٤٢) وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك أفأنت تهدي الْعمي وَلَو﴾ بِهِ سرا وَعَلَانِيَة كالمؤمنين المخلصين، وَمِنْهُم من لَا يُؤمن بِهِ سرا كالمنافقين.
﴿وَرَبك أعلم بالمفسدين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2238
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي وَلكم عَمَلكُمْ﴾ الْآيَة، مَعْنَاهُ: لي عَمَلي وجزاؤه وَلكم عَمَلكُمْ وجزاؤه. قَوْله: ﴿أَنْتُم بريئون مِمَّا أعمل وَأَنا بَرِيء مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ هَذَا مثل قَوْله: ﴿لكم دينكُمْ ولي دين﴾ وَمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم﴾ .
стр. 2239
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون إِلَيْك﴾ الْآيَة، الِاسْتِمَاع: طلب السّمع، وَقد كَانُوا يطْلبُونَ سَماع الْقُرْآن للرَّدّ والتكذيب بِهِ، لَا للتفهم وَالْإِيمَان بِهِ. وَقَوله: ﴿أفأنت تسمع الصم﴾ الصمم: آفَة تمنع من السماع، وَالْمرَاد من الصمم هَاهُنَا: صمم الْقلب؛ فَإِنَّهُم لما لم يسمعوا الْقُرْآن للْإيمَان بِهِ وقبوله كَأَنَّهُمْ لم يسمعوا، وجعلهم بِمَنْزِلَة الصم، والصم: جمع الْأَصَم. وَقَالَ الزّجاج: قد كَانُوا يسمعُونَ حَقِيقَة؛ وَلَكِن لشدَّة بغضهم وعداوتهم للنَّبِي لم يستمعوا ليفهموا، فجعلهم كَأَن لم يسمعوا. قَوْله: ﴿وَلَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ﴾ مَعْنَاهُ: وَلَو كَانُوا جُهَّالًا.
стр. 2240
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ النّظر: طلب الرُّؤْيَة بتقليب الْبَصَر، وَأما نظر الْقلب: هُوَ طلب الْعلم بالفكرة. وَقَوله: ﴿أفأنت تهدي الْعمي﴾ جعلهم بِمَنْزِلَة الْعمي؛ لأَنهم لم ينْظرُوا لطلب الْحق، وَالْمرَاد من الْعَمى هَاهُنَا: عمى الْقلب. وَمِنْهُم من قَالَ: جعلهم بِمَنْزِلَة الْعَمى كَمَا جعلهم بِمَنْزِلَة الصم حَيْثُ لم ينتفعوا لَا بأسماعهم وَلَا بِأَبْصَارِهِمْ.
وَذكر ابْن الْأَنْبَارِي حاكيا عَن ابْن قُتَيْبَة أَنه اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْآيَة على أَن السّمع أفضل
стр. 2241
﴿كَانُوا لَا يبصرون (٤٣) إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا وَلَكِن النَّاس أنفسهم يظْلمُونَ (٤٤) وَيَوْم يحشرهم كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من النَّهَار يَتَعَارَفُونَ بَينهم قد خسر الَّذين﴾ من الْبَصَر، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ فِي الصمم: ﴿لَو كَانُوا لَا يعْقلُونَ﴾ ، وَقَالَ فِي الْعَمى: ﴿وَلَو كَانُوا لَا يبصرون﴾ .
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَهَذَا غلط؛ لِأَن المُرَاد من الْآيَة عمى الْقلب لَا عمى الْعين، وَكَذَلِكَ صمم الْقلب لَا صمم الْأذن؛ فعلى هَذَا لَا يَقع التَّفْضِيل.
قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَلِأَن حاسة الْبَصَر أفضل من حاسة السّمع، أَلا ترى أَن الْجمال فِيهَا أَكثر، وَالنُّقْصَان بفوتها أعظم، وسماها الرَّسُول كريمتى الْإِنْسَان؛ فَإِنَّهُ قَالَ: " يَقُول الله تَعَالَى: من أخذت كريمتيه فَصَبر واحتسب، لم يكن لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة ".
وَإِذا كَانَ الرجل أعمى فَإِنَّهُ لَا يبصر إقباله من إدباره، وَلَا طَرِيق غيه من طَرِيق رشده، وَيكون أَسِيرًا فِي نَفسه، (ويتعطل) عَلَيْهِ مَنَافِع عَامَّة جوارحه.
стр. 2242
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا وَلَكِن النَّاس أنفسهم يظْلمُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2243
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَوْم يحشرهم كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من النَّهَار﴾ معنى الْآيَة: تقريب وَقت مماتهم من وَقت بَعثهمْ، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿كَأَن لم يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة من نَهَار﴾ . وَقَوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَينهم﴾ يَعْنِي: يعرف بَعضهم بَعْضًا. وَفِي بعض
стр. 2244
﴿كذبُوا بلقاء الله وَمَا كَانُوا مهتدين (٤٥) وَإِمَّا نرنيك بعض الَّذين نعدهم أَو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلكُل أمة رَسُول فَإِذا جَاءَ رسولهم قضي بَينهم بِالْقِسْطِ وهم لَا يظْلمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هَذَا الْوَعْد إِن كُنْتُم صَادِقين (٤٨) قل لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا إِلَّا مَا شَاءَ الله لكل أمة أجل إِذا جَاءَ أَجلهم فَلَا﴾ الْآثَار: أَن الْإِنْسَان يَوْم الْقِيَامَة يعرف من بجنبه، وَلَا يكلمهُ هَيْبَة وخشية. وَقَوله: ﴿قد خسر الَّذين كذبُوا بلقاء الله وَمَا كَانُوا مهتدين﴾ الخسران هَاهُنَا: خسران النَّفس، وَلَا شَيْء أعظم من خسران النَّفس. وَفِي بعض الْآثَار: يَا بَان آدم، أَنْت فِي دَار التِّجَارَة فاربح فِيهَا نَفسك.
стр. 2245
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا نرينك بعض الَّذِي نعدهم﴾ قَالَ مُجَاهِد: بعض الَّذِي نعدهم هُوَ: الْقَتْل يَوْم بدر. وَقَالَ غَيره: معنى الْآيَة: إِمَّا نعذبهم فِي حياتك ﴿أَو نتوفينك﴾ قبل تعذيبهم ﴿فإلينا مرجعهم﴾ ومرجعهم إِلَيْنَا. وَقَوله: ﴿ثمَّ الله شَهِيد على مَا يَفْعَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى، و " ثمَّ " هَاهُنَا بِمَعْنى الْوَاو.
следующие страницы →