Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
قَوْله: ﴿قَالُوا وَأَقْبلُوا عَلَيْهِم مَاذَا تَفْقِدُونَ﴾ رُوِيَ أَنهم وقفُوا وَقَالُوا للْقَوْم: مَاذَا تطلبون؟
стр. 2627
قَوْله: ﴿قَالُوا نفقد صواع الْملك﴾ قَرَأَ يحيى بن يعمر: " صوغ الْملك " بالغين الْمُعْجَمَة [و] الصوغ من الذَّهَب أَو الْفضة، والصواع يذكر وَيُؤَنث، [و] الصواع: هُوَ السِّقَايَة الَّتِي ذكرهَا فِي الْآيَة الأولى. وَقيل: إِنَّه كَانَ يكون بَين يَدي الْملك، فَإِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ أَخذ.
وَقَوله: ﴿وَلمن جَاءَ بِهِ حمل بعير﴾ يَعْنِي: وَلمن رده حمل بعير من الطَّعَام.
وَقَوله: ﴿وَأَنا بِهِ زعيم﴾ أَي: كَفِيل، والزعيم وَالْكَفِيل والضمين بِمَعْنى وَاحِد، وَيُسمى الرئيس زعيما؛ لِأَنَّهُ كفل أُمُور الْقَوْم زعيم يقوم بمصالحهم وَيتَكَلَّم عَنْهُم. فَإِن قيل: أتجوز الْكفَالَة بِالْمَجْهُولِ عنْدكُمْ وَهَذِه كَفَالَة بِالْمَجْهُولِ؟ قُلْنَا: لَا تجوز، وَيحْتَمل أَن حمل الْبَعِير كَانَ مَعْلُوما قدره عِنْدهم. وَالثَّانِي: أَن هَذِه جعَالَة وَلم تكن كَفَالَة، وَعِنْدنَا تجوز مثل هَذِه الْجعَالَة.
стр. 2628
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله لقد علمْتُم مَا جِئْنَا لنفسد فِي الأَرْض﴾ يَعْنِي: وَالله مَا جِئْنَا لنفسد فِي الأَرْض أَي: لنسرق فِي ملك مصر ﴿وَمَا كُنَّا سارقين﴾ فِي بِلَادنَا فنسرق فِي بِلَادكُمْ. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: لقد علمْتُم وَكَانَ (من جوابهم) أَن يَقُولُوا: نَحن لَا نعلم؟ (قُلْنَا) : إِنَّمَا قَالُوا ذَلِك؛ لأَنهم كَانُوا جمَاعَة لَهُم قُوَّة وَشدَّة وَلم يَكُونُوا يظْلمُونَ أحدا من الطَّرِيق وَلَا يتركون دوابهم تدخل فِي حرث أحد، وَرُوِيَ أَنهم دخلُوا مصر حِين دخلُوا وَقد جعلُوا الأكمة على رُءُوس دوابهم لِئَلَّا تفْسد شَيْئا.
وَجَوَاب آخر: أَنهم إِنَّمَا قَالُوا هَذَا لأَنهم ردوا البضاعة المحمولة فِي رحالهم قَالُوا: فَلَو
стр. 2629
﴿جَزَاؤُهُ إِن كُنْتُم كاذبين (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِك نجزي الظَّالِمين (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قبل وعَاء أَخِيه ثمَّ استخرجها من﴾ كُنَّا سارقين مَا رددنا البضاعة؛ لِأَن من يطْلب شَيْئا ليسرقه لَا يخلي شَيْئا وَقع فِي يَده.
فَإِن قيل: كَيفَ جَازَ فِي الْعَرَبيَّة أَن يَقُول الْقَائِل: (تالله، وَلَا يجوز أَن يَقُول: تالرحمن وتالرحيم) ؟ قُلْنَا: لِأَن التَّاء بدل الْبَاء؛ فَإِن الأَصْل فِي الْقسم حرف الْبَاء ثمَّ أبدلت الْوَاو بِالتَّاءِ فَلَمَّا كَانَت بدل الْبَدَل ضعفت عَن التَّصَرُّف واقتصرت على الِاسْم الَّذِي هُوَ الأَصْل فِي الْقسم عَادَة وَلِسَانًا وَهُوَ " الله ".
стр. 2630
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنْتُم كاذبين﴾ مَعْنَاهُ: فَمَا جَزَاء السَّارِق إِن كُنْتُم كاذبين بقولكم إِنَّا لم نَسْرِق؟
стр. 2631
قَوْله: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ استعباد السَّارِق من وجد فِي رَحْله (فَهَذَا) الْجَزَاء جَزَاؤُهُ؛ فَيكون الثَّانِي تَأْكِيدًا للْأولِ. وَفِي الأول حذف على عَادَة كَلَام الْعَرَب، وَالْقَوْل الثَّانِي: قَالُوا: جَزَاؤُهُ من وجد فِي رَحْله فالسارق جَزَاؤُهُ؛ فَهُوَ كِنَايَة عَن السَّارِق، وَمعنى جعله جَزَاء: أَنه يسترق ويستعبد. وَاعْلَم أَنه كَانَ من سنة يَعْقُوب: أَن من سرق شَيْئا اسْترق سنة، وَكَانَ حكم ملك مصر أَن يضْرب وَيغرم ضعْفي قِيمَته، [فمراد] يُوسُف أَن يحبس أَخَاهُ عِنْده فَرد الحكم فِي السّرقَة إِلَيْهِم فَذكرُوا من حكم السّرقَة بِمَا عرفوه فِي شَرِيعَة يَعْقُوب ﵇، فَأخذ يُوسُف ﵇ بذلك وَحصل مُرَاده من حبس أَخِيه.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾ يَعْنِي: أَن إخْوَة يُوسُف قَالُوا: كَذَلِك نجزي السراق عندنَا.
стр. 2632
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قبل وعَاء أَخِيه ثمَّ استخرجها من وعَاء أَخِيه﴾ رُوِيَ أَن الْمُؤَذّن فتش عَن أوعيتهم، وَرُوِيَ أَنه رد جَمَاعَتهمْ إِلَى يُوسُف ﵇ -
стр. 2633
﴿وعَاء أَخِيه كَذَلِك كدنا ليوسف مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك إِلَّا أَن يَشَاء الله نرفع دَرَجَات من نشَاء وَفَوق كل ذِي علم عليم (٧٦) قَالُوا إِن يسرق﴾ فَأمر بتفتيش أوعيتهم بَين يَدَيْهِ. وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك الرجل كَانَ كلما فتش وعَاء وَلم يجد الصَّاع اسْتغْفر الله وَأظْهر التَّوْبَة فَلَمَّا بَقِي رَحل بنيامين قَالَ: مَا أَظن أَن هَذَا أَخذ شَيْئا قَالُوا: وَالله لَا نَتْرُكك حَتَّى تفتش وعاءه فتطيب أَنْفُسنَا ونفسك، ففتش وعاءه واستخرج الصَّاع فبقوا منكسرين مستحيين ونكسوا رُءُوسهم خجلا وَقَالُوا لبنيامين: مَا هَذَا يَا ابْن راحيل؟ ﴿فَقَالَ: وَالله مَا سرقت، فَقَالُوا: كَيفَ وَقد وجد الصَّاع فِي رحلك؟﴾ فَقَالَ: وضع الصَّاع فِي رحلي من وضع البضاعة فِي رحالكُمْ. قَالَ: وَأخذُوا بنيامين رَقِيقا عبدا. وَفِي الْقِصَّة: أَن ذَلِك الرجل أَخذ بِرَقَبَتِهِ ورده إِلَى يُوسُف كَمَا يرد السراق. وَقَوله: ﴿كَذَلِك كدنا ليوسف﴾ مَعْنَاهُ: دبرنا ليوسف، وَقيل: صنعنَا ليوسف. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: أردنَا ليوسف؛ وَأنْشد قَول الشَّاعِر
(كَادَت وكدت وَذَاكَ خير إِرَادَة ... لَو عَاد من لَهو الصبابة مَا مضى)
فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: ﴿كَذَلِك﴾ وأيش هَذِه الْكَاف، وَالْكَاف للتشبيه؟ الْجَواب عَنهُ: أَن هَذَا منصرف إِلَى قَول يَعْقُوب فِي أول السُّورَة: ﴿فيكيدوا لَك كيدا﴾ وَكَانَ كيدهم: أَنهم أَخَذُوهُ من أَبِيه بحيلة وألقوه فِي الْجب فَقَالَ الله تَعَالَى: كَمَا كَادُوا فِي أَمر يُوسُف: ﴿كدنا ليوسف﴾ فِي أَمرهم؛ والكيد من الْخلق هُوَ: الْحِيلَة، وَمن الله: التَّدْبِير بِالْحَقِّ. وَقَوله: ﴿مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك﴾ مَعْنَاهُ: مَا كَانَ يُوسُف ليجازي أَخَاهُ فِي حكم الْملك، وَقيل: فِي عَادَة الْملك. قَالَ الشَّاعِر:
(أَقُول وَقد درأت لَهَا وضيني ... أَهَذا دينه أبدا وديني)
و" مَا " هَاهُنَا للنَّفْي. وَقَوله: ﴿إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ مَعْنَاهُ: إِلَّا بِمَشِيئَة الله يَعْنِي: فعل مَا فعل بِمَشِيئَة الله تَعَالَى. وَقَوله: ﴿نرفع دَرَجَات من نشَاء﴾ قَالَ هَذَا فِي هَذَا الْموضع؛ لِأَنَّهُ رفع دَرَجَة يُوسُف على درجتهم فِي الْعلم وَالْملك وَالْعقل وَغَيره. وَقيل:
стр. 2634
﴿فقد سرق أَخ لَهُ من قبل فأسرها يُوسُف فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم قَالَ أَنْتُم شَرّ مَكَانا وَالله أعلم بِمَا تصفون (٧٧) قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا﴾ نرفع دَرَجَات من نشَاء بالتوفيق والعصمة. وَقَوله: ﴿وَفَوق كل ذِي علم عليم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وَفَوق كل عَالم عَالم إِلَى أَن يَنْتَهِي الْعلم إِلَى الله. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: وَفَوق كل عَالم عليم ".
стр. 2635
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِن يسرق فقد سرق أَخ لَهُ من قبل﴾ أَرَادوا بأَخيه من قبل: يُوسُف ﵇ وَاخْتلف القَوْل فِي أَنه أيش سرق؟
قَالَ سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة: كَانَ عِنْد جده إِلَى أمه صُورَة تعبد فَأَخذهَا سرا وَأَلْقَاهَا لِئَلَّا تعبد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه كَانَ يَأْخُذ الطَّعَام من مائدة أَبِيه سرا فيعطيه الْمَسَاكِين.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه كَانَ عِنْد عمته تربيه، فَأَرَادَ يَعْقُوب أَن ينتزعه مِنْهَا فشدت عمته تَحت ثِيَابه منْطقَة، وَادعت أَنه سَرَقهَا لتحبسه عِنْد نَفسهَا وَيتْرك عِنْدهَا؛ فَإِنَّهَا كرهت أَن يُؤْخَذ مِنْهَا وَكَانَت أحبته حبا شَدِيدا، ذكره ابْن إِسْحَاق.
وَقَوله: ﴿فأسرها يُوسُف فِي نَفسه﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِلَى أَيْن يرجع قَوْله: ﴿فأسرها يُوسُف فِي نَفسه وَلم يبدها لَهُم﴾ ؟ قُلْنَا: لَيْسَ لهَذَا مَذْكُور سَابق، وَمَعْنَاهُ: أسر الْكَلِمَة فِي نَفسه، وَتلك الْكَلِمَة أَنه قَالَ: ﴿أَنْتُم شَرّ مَكَانا﴾ ، وَلم يُصَرح بِهَذَا القَوْل. وَقَوله: ﴿شَرّ مَكَانا﴾ يَعْنِي: شَرّ صنيعا. وَحَقِيقَة مَعْنَاهُ: أَنه لم يكن من يُوسُف سَرقَة صَحِيحَة، وَقد كَانَت مِنْكُم سَرقَة صَحِيحَة؛ وَهُوَ سرقتكم يُوسُف من أَبِيه.
وَقَوله: ﴿وَالله أعلم بِمَا تصفون﴾ يَعْنِي: وَالله أعلم أَن أَخَاهُ قد سرق أَو لم يسرق
стр. 2636
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم غضبوا غَضبا شَدِيدا لهَذِهِ الْحَالة، وَكَانَ يهوذا إِذا غضب لم يقم لغضبه شَيْء، وَإِذا صَاح [فَكل] امْرَأَة حَامِل سَمِعت صياحه أَلْقَت وَلَدهَا، وَكَانَ مَعَ هَذَا إِذا مَسّه أحد من
стр. 2637
﴿فَخذ أَحَدنَا مَكَانَهُ إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ معَاذ الله أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده إِنَّا إِذا لظالمون (٧٩) فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ خلصوا نجيا قَالَ﴾ ولد يَعْقُوب [سكن] غَضَبه، وَقيل: إِن هَذَا كَانَ صفة شَمْعُون من أَوْلَاد يَعْقُوب؛ فَروِيَ أَنه قَالَ لإخوته: كم يكون من عدد الْأَسْوَاق بِمصْر؟ فَقَالُوا: عشرَة أسواق، فَقَالَ: اكفوني أَنْتُم الْأَسْوَاق وَأَنا أكفكم الْملك، أَو قَالَ: اكفوني أَنْتُم الْملك وَأَنا أكفكم الْأَسْوَاق، قَالَ: فَدَخَلُوا على يُوسُف فَقَالَ لَهُ يهوذا: أتردن علينا أخانا أَو لأصيحن صَيْحَة تلقي كل حَامِل وَلَدهَا فِي هَذِه الْبَلدة، وَكَانَ عِنْد يُوسُف ابْن لَهُ صَغِير قَائِم عِنْده فَقَالَ: اذْهَبْ وَخذ بيد ذَلِك الرجل وائتني بِهِ، فَذهب وَأخذ بِيَدِهِ فسكن غَضَبه، فَقَالَ لإخوته: وَالله إِن هَاهُنَا بذرا من بذر يَعْقُوب، فَقَالَ لَهُ الابْن الصَّغِير: وَمن يَعْقُوب وَأَنا لَا أَدْرِي يَعْقُوب وَلَا وَلَده؟ . وَرُوِيَ أَنه غضب ثَانِيًا فَقَامَ إِلَيْهِ يُوسُف وركضه بِرجلِهِ وَأخذ بتلابيبه فَوَقع على الأَرْض وَقَالَ: معشر العبرانيين تظنون أَن لَا أحد أَشد مِنْكُم، ذكر هَذَا كُله السّديّ وَغَيره، فَلَمَّا صَار أَمرهم إِلَى هَذَا خضعوا وذلوا وَقَالُوا: ﴿يَا أَيهَا الْعَزِيز إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا﴾ .
والعز: منع الضيم أَو الضير بسعة السُّلْطَان وَالْقُدْرَة، والعزيز: هُوَ المنيع بِمَا حصل لَهُ من وَاسع الْمَقْدُور.
قَوْله: ﴿إِن لَهُ أَبَا شَيخا كَبِيرا فَخذ أَحَدنَا مَكَانَهُ﴾ مَعْنَاهُ: خُذ أَحَدنَا بدله، وَنصب شَيخا على نعت قَوْله: ﴿أَبَا﴾ .
وَقَوله: ﴿إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي: إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ إِلَيْنَا، وإحسانه إِلَيْهِم بتوفية الْكَيْل، وَحسن الضِّيَافَة، ورد البضاعة، وَغَيره.
стр. 2638
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ معَاذ الله﴾ أَعْتَصِم بِاللَّه ﴿أَن نَأْخُذ إِلَّا من وجدنَا متاعنا عِنْده إِنَّا إِذا لظالمون﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى، وَمَعْنَاهُ: أَن نَأْخُذ البرىء بدل الْجَانِي، فَإِن أَخذنَا فَإنَّا ظَالِمُونَ.
стр. 2639
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ﴾ فِي الْقِصَّة: أَنه لما استخرج الصَّاع وَعَاد الْإِخْوَة إِلَيْهِ دَعَا بالصاع ونقره بقضيب فِي يَده فطن الصَّاع.
стр. 2640
﴿كَبِيرهمْ ألم تعلمُوا أَن أَبَاكُم قد أَخذ عَلَيْكُم موثقًا من الله وَمن قبل مَا فرطتم فِي يُوسُف فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض حَتَّى يَأْذَن لي أبي أَو يحكم الله لي وَهُوَ خير﴾
فَقَالَ: يَا قوم إِن هَذَا الصَّاع ليخبرني بِخَبَر، قَالُوا: وَمَا يُخْبِرك أَيهَا الْملك؟ فَقَالَ: إِنَّه يُخْبِرنِي أَنكُمْ كُنْتُم (اثنى) عشر إخْوَة وأنكم أَخَذْتُم أَخا لكم من أبيكم وألقيتموه فِي الْجب وبعتموه من بعد، قَالَ: فَجعل ينظر بَعضهم إِلَى بعض فَقَامَ بنيامين وَسجد لَهُ، وَقَالَ: صدق صاعك (أَيهَا الْملك) ، سَله: أَحَي أخي أَو لَا؟ ، فَنقرَ الصَّاع ثَانِيًا وَطن فَقَالَ: إِنَّه يَقُول: هُوَ حَيّ، وستراه. فَقَالَ: سَله من سرق الصَّاع؟ فَقَالَ: هُوَ غَضْبَان - يَعْنِي الصَّاع - وَيَقُول كَيفَ تَسْأَلنِي وَقد رَأَيْت فِي يَد من كنت؟ ! أوردهُ النقاش وَأَبُو الْحسن بن فَارس وَغَيرهمَا، وَالله أعلم.
وَمعنى قَوْله: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ﴾ أَي: تيأسوا مِنْهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: استيأسوا استيقنوا أَن الْأَخ لَا يرد إِلَيْهِم، وَأنْشد:
(أَقُول لَهُم بِالشعبِ إِذْ يأسرونني ... ألم تيأسوا أَنِّي ابْن فَارس زَهْدَم)
يَعْنِي: ألم تعلمُوا. وَقَوله ﴿خلصوا نجيا﴾ يَعْنِي: انفردوا يتناجون، ويتشاورون فِي أَمر أخيهم، وَمعنى ﴿خلصوا﴾ : أَنه لم يكن مَعَهم غَيرهم. تَقول الْعَرَب: قوم نجى. قَالَ الشَّاعِر:
(حَتَّى إِذا مَا الْقَوْم كَانُوا أنجية ... واختلطت أَحْوَالهم كالأرشية)
وَقَوله: ﴿قَالَ كَبِيرهمْ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ يهوذا وَلم يكن أكبرهم فِي السن، وَلَكِن كَانَ فِي الْعقل أكبرهم، وَقَالَ مُجَاهِد: هُوَ شَمْعُون وَكَانَت لَهُ الرِّئَاسَة على إخْوَته، وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ الروبيل وَكَانَ أكبرهم فِي السن.
وَقَوله: ﴿ألم تعلمُوا أَن أَبَاكُم قد أَخذ عَلَيْكُم موثقًا من الله﴾ قد بَينا معنى الموثق. وَقَوله: ﴿وَمن قبل مَا فرطتم فِي يُوسُف﴾ يَعْنِي: قصرتم وتركتم عهد أبيكم.
стр. 2641
﴿الْحَاكِمين (٨٠) ارْجعُوا إِلَى أبيكم فَقولُوا يَا أَبَانَا إِن ابْنك سرق وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا وَمَا كُنَّا للغيب حافظين (٨١) واسأل الْقرْبَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا وَإِنَّا لصادقون (٨٢) قَالَ بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا فَصَبر﴾ وَقَوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَح الأَرْض﴾ يَعْنِي: لن أَبْرَح أَرض مصر ﴿حَتَّى يَأْذَن لي أبي﴾ يَعْنِي: يدعوني أبي ﴿أَو يحكم الله لي﴾ أَي: يرد أخي إِلَيّ، وَقيل: يحكم الله لي بِالسَّيْفِ فأقاتلهم وأسترد أخي ﴿وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾ يَعْنِي: وَهُوَ خير الفاصلين.
стр. 2642
قَوْله تَعَالَى: ﴿ارْجعُوا إِلَى أبيكم﴾ الْآيَة: امضوا إِلَى أبيكم ﴿فَقولُوا يَا أَبَانَا إِن ابْنك سرق﴾ وَحكي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَرَأَ: " أَنه إِن ابْنك سرق " وَفِيه مَعْنيانِ: أَحدهمَا: اتهمَ بِالسَّرقَةِ. وَالْآخر: علم مِنْهُ السّرقَة. وَقَوله: ﴿وَمَا شَهِدنَا إِلَّا بِمَا علمنَا﴾ يَعْنِي: إِلَّا بِمَا رَأينَا فَإنَّا رَأينَا إِخْرَاج الصَّاع من مَتَاعه. وَقَوله: ﴿وَمَا كُنَّا للغيب حافظين﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا كُنَّا لليله ونهاره وذهابه ومجيئه حافظين، وَإِنَّمَا كُنَّا نعلم من حَاله مادام عندنَا، وَالْقَوْل الثَّانِي يَعْنِي: أَنا لَو علمنَا أَنه سيسرق مَا حملناه مَعَ أَنْفُسنَا فَنحْن لم نعلم هَذَا الْغَيْب.
стр. 2643
قَوْله تَعَالَى: ﴿واسأل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ يَعْنِي: أهل الْقرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا. ﴿وَالْعير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا﴾ يَعْنِي: وَأهل العير الَّتِي أَقبلنَا فِيهَا، أَي: كُنَّا فِيهَا.
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لصادقون﴾ ظَاهر. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ استجاز يُوسُف ﵇ أَن يعْمل كل هَذَا بِأَبِيهِ وَلم يُخبرهُ بمكانه وَلم يُرْسل إِلَيْهِ أحدا، ثمَّ حبس أَخَاهُ عِنْده وَقد عرف شدَّة وجده عَلَيْهِ، وَهَذَا أعظم من كل عقوق، وَفِيه قطع الرَّحِم وَقلة الشَّفَقَة؟ الْجَواب عَنهُ: قد أَكثر النَّاس فِي هَذَا، وَالصَّحِيح أَنه عمل مَا عمل بِأَمْر الله تَعَالَى، وَأمره الله تَعَالَى بذلك ليزِيد فِي بلَاء يَعْقُوب ويضاعف لَهُ الْأجر، وَيرْفَع دَرَجَته [فيلحقه] فِي الدرجَة بآبائه الماضين. وَقيل: إِنَّه لم يظْهر نَفسه للإخوة؛ لِأَنَّهُ لم يَأْمَن عَلَيْهِم أَن يدبروا، فِي ذَلِك تدبيرا ويكتموا عَن أَبِيهِم، وَالصَّحِيح هُوَ الأول.
стр. 2644
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ بل سَوَّلت لكم أَنفسكُم أمرا﴾ فِي الْآيَة اخْتِصَار؛ لأَنهم رجعُوا
стр. 2645
﴿جميل عَسى الله أَن يأتيني بهم جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الْعلم الْحَكِيم (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفى على يُوسُف وابيضت عَيناهُ من الْحزن فَهُوَ كظيم (٨٤) ﴾ وَذكروا لأبيهم بِمَا علمهمْ كَبِيرهمْ، ثمَّ إِن يَعْقُوب قَالَ مَا قَالَ، وَمعنى التسويل هَاهُنَا: أَن زينت لكم أَنفسكُم حمل أخيكم إِلَى مصر لتطلبوا نفعا عَاجلا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَصَبر جميل﴾ أَي: فصبري صَبر جميل. وَالصَّبْر: حبس النَّفس عَمَّا تنَازع إِلَيْهِ النَّفس وَقد بَينا معنى الْجَمِيل. وَقَوله: ﴿عَسى الله أَن يأتيني بهم جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: يُوسُف وأخاه بنيامين ويهوذا. وَفِي الْقِصَّة: أَن ملك الْمَوْت ﵇ زار يَعْقُوب فَقَالَ لَهُ: أَيهَا الْملك الطّيب رِيحه، الْحسن صورته هَل قبضت روح وَلَدي فِي الْأَرْوَاح؟ فَقَالَ: لَا. فسكن يَعْقُوب على ذَلِك، وَعلم أَنه حَيّ وطمع فِي رُؤْيَته. وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ مَعْنَاهُ: الْعَلِيم بمكانهم، الْحَكِيم فِي تدبيرهم.
стр. 2646
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفى على يُوسُف﴾ الْآيَة. رُوِيَ أَن بنيامين لما حَبسه يُوسُف اشْتَدَّ الْأَمر على يَعْقُوب غَايَة الشدَّة وَبلغ الْحزن [بِهِ نهايته] ، وَلم يملك بعد ذَلِك الصَّبْر، فجزع، فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُم﴾ أَي: أعرض عَنْهُم ﴿وَقَالَ يَا أسفى﴾ وروى أنس بن مَالك ﵁ عَن النَّبِي: " أَن بعض إخْوَان يَعْقُوب زَارَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا يَعْقُوب، مَا الَّذِي أعمى عَيْنَيْك وقوس ظهرك؟ فَقَالَ: أعمى عَيْني كَثْرَة الْبكاء على يُوسُف، وقوس ظَهْري شدَّة الْحزن على بنيامين، فَبعث الله تَعَالَى إِلَيْهِ جِبْرِيل ﵇ وَقَالَ: يَا يَعْقُوب أَتَشْكُونِي إِلَى خلقي؟ ! فَبعد ذَلِك دخل بَيته ورد بَابه، و ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ " وَمعنى
стр. 2647
﴿قَالُوا تالله تفتأ تذكر يُوسُف حَتَّى تكون حرضا أَو تكون من الهالكين (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ (٨٦) يَا بني﴾ قَوْله: ﴿يَا أسفى﴾ يَا حزن على يُوسُف، والأسف: شدَّة الْحزن. وَقَوله: ﴿وابيضت عَيناهُ من الْحزن﴾ يَعْنِي: غلب الْبيَاض على الحدقة وَذَهَبت الرُّؤْيَة. وَنسبه إِلَى الْحزن؛ لِأَنَّهُ كَانَ يبكي لشدَّة الْحزن وَعمي لشدَّة الْبكاء. وَقَوله: ﴿فَهُوَ كظيم﴾ أَي: مُمْسك على حزنه لَا يبثه وَلَا يذكرهُ للنَّاس. فَهَذَا بعد أَن نَهَاهُ الله عَن ذَلِك على مَا بَينا.
стр. 2648
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله تفتأ تذكر يُوسُف﴾ يَعْنِي: لَا تزَال تذكر يُوسُف، و " لَا " محذوفة، وَقَوله: ﴿حَتَّى تكون حرضا﴾ قَالَ ثَعْلَب - أَحْمد بن يحيى - الحرض: كل شَيْء لَا ينْتَفع بِهِ، قَالَ مُجَاهِد: الحرض مَا دون الْمَوْت، وَقَالَ الْفراء: الحرض هُوَ الَّذِي فسد جِسْمه وعقله، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: الحرض هُوَ الَّذِي أذابه الْحزن. وَقيل: هُوَ المدنف البال، والأقوال مُتَقَارِبَة.
وَعَن أنس بن مَالك أَنه قَرَأَ: " حَتَّى تكون حرضا " والحرض: الأشنان، وَمَعْنَاهُ: حَتَّى تصير كعود [الأشنان] ، وَقَوله: ﴿أَو تكون من الهالكين﴾ أَي: من الميتين.
стр. 2649
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ قد بَينا الْخَبَر [الْوَارِد] فِي هَذَا بِرِوَايَة أنس. والبث: الْهم، ﴿وحزني إِلَى الله﴾ ، وروى أَنه قَالَ: يَا رب، أما ترحمني، قد أخذت مني كَذَا وَكَذَا - وَجعل يعدد - رد إِلَيّ ريحانتي (فأشمها شمة ثمَّ افْعَل) بِي مَا أردْت وَلَا أُبَالِي، فَأوحى الله - تَعَالَى - إِلَيْهِ: أَن اسكن وَفرغ روعك فسأردهما إِلَيْك. وَفِي الْآثَار المسندة عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: بَكَى يَعْقُوب ثَمَانِينَ سنة وَمَا جف لَهُ دمع، وَلم يكن على وَجه الأَرْض أحد أكْرم على الله مِنْهُ. قَوْله: ﴿وَأعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: أعلم من حَيَاة يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، وَقيل: أعلم من تَحْقِيق رُؤْيا يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، فَإِن قَالَ قَائِل:
стр. 2650
كَيفَ بَكَى يَعْقُوب كل هَذَا الْبكاء وحزن هَذَا الْحزن، وَهل أُصِيب إِلَّا بفقد ولد وَاحِد، أفما كَانَ عَلَيْهِ أَن يسلم الْأَمر إِلَى الله تَعَالَى ويصبر؟ الْجَواب عَنهُ: أَنه امتحن فِي هَذَا بِمَا لم يمْتَحن بِهِ غَيره، وَلم يسْأَل عَن يُوسُف مَعَ طول الزَّمَان، وَكَانَ [ابتلاؤه] فِيهِ أَنه لم يعلم حَيَاته فيرجو رُؤْيَته، وَلم يعلم مَوته فَيسْأَل عَنهُ، وَكَانَ يُوسُف من بَين سَائِر الْإِخْوَة خص بالجمال الْكَامِل (وَالْعقل) وَحسن الْخلق وَسَائِر مَا يمِيل الْقلب إِلَيْهِ. وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه مَاتَ أَخُوهُ فَبكى عَلَيْهِ بكاء شَدِيدا فَسئلَ عَن ذَلِك؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ من لم يَجْعَل الْحزن عارا على أَهله، وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله﴾ . وروى حبيب بن أبي ثَابت قَالَ: لما كبر يَعْقُوب وَطَالَ عَلَيْهِ الْحزن سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ من الْكبر فَكَانَ يرفعهما بِخرقَة، فَدخل عَلَيْهِ بعض جِيرَانه وَقَالَ: مَا الَّذِي بلغ بك مَا بلغ وَلم تبلغ سنّ أَبِيك بعد؟ قَالَ: طول الزَّمَان وَكَثْرَة [الأحزان] ، فَبعث الله إِلَيْهِ جِبْرِيل ﵇ وَقَالَ: يَا يَعْقُوب، شكوتني إِلَى خلقي؟ ! فَقَالَ: خَطِيئَة فاغفرها لي يَا رب. فغفرها الله لَهُ، وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا سُئِلَ عَن حَاله قَالَ: " إِنَّمَا أَشْكُو بثي وحزني إِلَى الله " وَعَن وهب بن مُنَبّه: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى يَعْقُوب ﵇ فَقَالَ: أَتَدْرِي لم عاقبتك وَفرقت بَيْنك وَبَين ولدك؟ قَالَ: يَا رب لَا، فَقَالَ: لِأَنَّك ذبحت شَاة وشويتها وقترت على جَارك وأكلت وَلم تطعمه؛ وَقد روى أنس، عَن النَّبِي قَرِيبا من هَذَا أوردهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله. وَفِي خبر أنس: " أَن الله تَعَالَى قَالَ ليعقوب: اتخذ طَعَاما وادع إِلَيْهِ الْمَسَاكِين، فَفعل وَكَانَ بعد ذَلِك إِذا تغد أَمر من يُنَادي: من أَرَادَ الْغَدَاء فليأت يَعْقُوب، وَإِذا أفطر أَمر من يُنَادي: من أَرَادَ أَن يفْطر فليأت يَعْقُوب، فَكَانَ يتغدى مَعَه الْقَوْم الْكثير، ويتعشى مَعَه الْقَوْم الْكثير من الْمَسَاكِين ".
وَفِي الْقِصَّة: أَن سَبَب ابتلاء يَعْقُوب أَنه ذبح عجلا بَين يَدي أمهَا وَهِي تخور. وَعَن عبد الله بن يزِيد وَابْن أبي فَرْوَة: أَن يَعْقُوب ﵇ كتب كتابا إِلَى
стр. 2651
﴿اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف وأخيه وَلَا تيأسوا من روح الله إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز مسنا﴾ يُوسُف حِين حبس بنيامين: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم من يَعْقُوب إِسْرَائِيل الله بن إِسْحَاق ذبيح الله ابْن إِبْرَاهِيم خَلِيل الله إِلَى ملك مصر أما بعد: فَإنَّا أهل بَيت (وكل) بِنَا الْبلَاء، أما جدي إِبْرَاهِيم فشدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَأُلْقِي فِي النَّار فجعلهما الله عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا؛ وَأما أبي إِسْحَاق فشدت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَوضع السكين على حلقه فَفَدَاهُ الله بكبش، وَأما أَنا فابتليت بِفِرَاق أحب أَوْلَادِي إِلَيّ وَكنت أَتَسَلَّى بأَخيه من أمه وَقد حَبسته وَزَعَمت أَنه سرق، وَالله مَا أَنا بسارق وَلم أَلد سَارِقا فَإِن رَددته إِلَيّ وَإِلَّا دَعَوْت عَلَيْك دَعْوَة تدْرك السَّابِع من ولدك. فَلَمَّا بلغ (إِلَيْهِ الْكتاب) بَكَى بكاء شَدِيدا وَأظْهر نَفسه على مَا يرد.
стр. 2652
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا بني اذْهَبُوا فتحسسوا من يُوسُف﴾ التحسس: طلب الشَّيْء بالحاسة، وَمَعْنَاهُ: اطْلُبُوا وابحثوا عَن خبر يُوسُف وأخيه.
وَقَوله: ﴿وَلَا تيأسوا من روح الله﴾ فِي الشاذ قرىء: " من روح الله " (وَعَن أبي بن كَعْب أَنه قَرَأَ: " من رَحْمَة الله " وَالروح مَأْخُوذ من الرّيح، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَا يستراح بِهِ. وَقيل: من روح الله) أَي: من فرج الله، قَالَه أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء، وَقيل: من رَحْمَة الله، وَقيل: من فضل الله.
وَقَوله: ﴿إِنَّه لَا ييأس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2653
قَوْله تَعَالَى: ( ﴿فَلَمَّا دخلُوا عَلَيْهِ﴾ قَالُوا يَا أَيهَا الْعَزِيز مسنا وأهلنا الضّر) يَعْنِي: الْجُوع وَالْحَاجة. وَقَوله: ﴿وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: كَانَت دراهمهم زُيُوفًا فِي هَذِه الكرة، وَلم تَكُ تنْفق فِي الطَّعَام فَهَذَا معنى المزجاة، وَعَن مُجَاهِد وَقَتَادَة: مزجاة: قَليلَة يسيرَة، وَقَالَ مقَاتل: كَانَت بضاعتهم حَبَّة الخضراء، وَعَن الْكَلْبِيّ قَالَ: كَانَت بضاعتهم الحبال وَخلق الغرائر، وَقيل: كَانَت سويق الْمقل.
стр. 2654
﴿وأهلنا الضّر وَجِئْنَا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الْكَيْل وَتصدق علينا إِن الله يَجْزِي المتصدقين (٨٨) قَالَ هَل علمْتُم مَا فَعلْتُمْ بِيُوسُف وأخيه إِذْ أَنْتُم جاهلون (٨٩) قَالُوا أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه﴾
وَقَالَ (كَعْب: كَانَت عشرَة دَنَانِير. وَقيل: كَانَ مَتَاع الْأَعْرَاب من الصُّوف والأقط وَغَيره. وَقَوله: ﴿فأوف لنا الْكَيْل﴾ مَعْنَاهُ: أتم كَمَا كنت تتمّ كل مرّة. وَقَوله: ﴿وَتصدق علينا﴾ أَي: بِمَا بَين النافق والكاسد. وَقيل: تصدق علينا بالتجوز. قَالَ الشَّاعِر:
(تصدق علينا يَا ابْن عَفَّان واحتسب ... وَأمر علينا الْأَشْعَرِيّ لياليا)
يعنون: أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ، وَقيل: وَتصدق علينا بِإِطْلَاق أخينا، وَعَن مُجَاهِد قَالَ: يكره أَن يَقُول الرجل: اللَّهُمَّ تصدق عَليّ؛ لِأَن الصَّدَقَة إِنَّمَا تكون مِمَّن يَبْتَغِي الثَّوَاب. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالُوا: وَتصدق علينا، وَالصَّدَََقَة لَا تحل للأنبياء؟ الْجَواب: أَن سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة قَالَ: قد كَانَت حَلَالا لَهُم، ولأنا بَينا أَن المُرَاد مِنْهُ التَّجَوُّز والمحاباة، وَهَذَا جَائِز بالِاتِّفَاقِ. وَقَوله: ﴿إِن الله يَجْزِي المتصدقين﴾ لم يَقُولُوا: يجْزِيك؛ لأَنهم لم يثقوا بإيمانه، فَقَالُوا: إِن الله يَجْزِي المتصدقين على الْإِطْلَاق لهَذَا.
стр. 2655
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ هَل علمْتُم مَا فَعلْتُمْ بِيُوسُف وأخيه﴾ رُوِيَ أَنهم [لما] قَالُوا هَذَا وسَمعه يُوسُف أَدْرَكته الرقة، فَقَالَ لَهُم هَذَا القَوْل: هَل [علمْتُم] مَا فَعلْتُمْ أَي: مَا صَنَعْتُم بِيُوسُف وأخيه، وَالَّذِي فعلوا بأَخيه هُوَ التَّفْرِيق بَينهمَا وَلم يذكر مَا فعلوا بِيَعْقُوب دفعا لحشمته وتعظيما لَهُ. وَقَوله: ﴿إِذْ أَنْتُم جاهلون﴾ مَعْنَاهُ: إِذْ أَنْتُم آثمون عاصون، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: إِذْ أَنْتُم صبيان، وَعَن الْحسن قَالَ: إِذْ أَنْتُم شُبَّان وَمَعَكُمْ جهل الشبَّان، وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما قَالَ هَذَا القَوْل تَبَسم فَرَأَوْا ثناياه منظوما كَاللُّؤْلُؤِ فعرفوه وَقَالُوا:
стр. 2656
﴿أئنك لأَنْت يُوسُف﴾ وَقَالَ بَعضهم: قَالُوا هَذَا على التَّوَهُّم وَلم يَكُونُوا تيقنوا بعد حَتَّى قَالَ لَهُم: أَنا يُوسُف. وَقَوله: ﴿أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي﴾
стр. 2657
﴿من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تالله لقد آثرك الله علينا وَإِن كُنَّا لخاطئين (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بقميصي هَذَا فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا وأتوني بأهلكم﴾
حكى الضَّحَّاك أَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود: " وَهَذَا أخي بيني وَبَينه قربى ". وَقَوله: ﴿قد من الله علينا﴾ أَي: أنعم الله علينا ﴿إِنَّه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ مَعْنَاهُ: من يتق عَن الْمعاصِي ويصبر على الطَّاعَات والمصائب. وَعَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: من يتق الزِّنَا ويصبر على الْعُزُوبَة.
стр. 2658
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله لقد آثرك الله علينا﴾ يَعْنِي: فضلك الله علينا ﴿وَإِن كُنَّا لخاطئين﴾ وَمَا كُنَّا إِلَّا خاطئين، وَقيل: وَقد كُنَّا خاطئين، وَالْفرق بَين خطأ وَأَخْطَأ أَن خطأ: خطأ إِذا تعمد، وَأَخْطَأ: خطأ إِذا كَانَ غير متعمد.
стр. 2659
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ التثريب هُوَ التعيير ذكره ثَعْلَب وَغَيره، وَقيل: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم أَي: لَا عُقُوبَة عَلَيْكُم الْيَوْم بعد اعترافكم بالذنب، قَالَ الشَّاعِر:
(فعفوت عَنْكُم عَفْو غير مثرب ... وتركتكم لعقاب يَوْم سرمد)
وَقَوله: ﴿الْيَوْم يغْفر الله لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2660
قَوْله تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا﴾ رُوِيَ أَن الله تَعَالَى لما جعل النَّار على إِبْرَاهِيم بردا وَسلَامًا أنزل عَلَيْهِ قَمِيصًا من حَرِير الْجنَّة فَأعْطَاهُ إِبْرَاهِيم إِسْحَاق، وَأَعْطَاهُ إِسْحَاق يَعْقُوب فَجعله يَعْقُوب فِي (قَصَبَة) وَشد رَأسهَا وعلقها فِي عنق يُوسُف ﵇ وَكَانَ يكون فِي عُنُقه، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَقْت بعث الله جِبْرِيل ﵇ أَن افْتَحْ القصبة: وَابعث إِلَيْهِ بالقميص فَإِنَّهُ لَا يمسهُ مبتلى إِلَّا عوفي، وَلَا سقيم إِلَّا صَحَّ وبرأ، فَبعث بذلك الْقَمِيص إِلَى يَعْقُوب، فَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿اذْهَبُوا بقميصي هَذَا﴾ وَفِي الْقِصَّة أَن يهوذا قَالَ: أَنا أذهب بالقميص إِلَيْهِ فَإِنِّي
стр. 2661
﴿أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلما فصلت العير قَالَ أبوهم إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ ذهبت بالقميص مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَيْهِ، فَأعْطَاهُ وَخرج حافيا [حاسرا] يعدو وَمَعَهُ سَبْعَة أرغفة فَلم يستوفها حَتَّى بلغ كنعان، وَقيل: إِنَّه بعث على يَد غَيره، [وَقَالَ] : ﴿فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا﴾ قَالَ الْفراء: يرجع بَصيرًا، وَقَالَ غَيره: يعد بَصيرًا؛ قَالَ الْحسن: لم يعلم أَنه يعود بَصيرًا إِلَّا بعد أَن أعلمهُ الله ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وأتوني بأهلكم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: جيئوني بأهلكم أَجْمَعِينَ.
стр. 2662
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما فصلت العير﴾ يَعْنِي: انفصلت من مصر وَخرجت. قَوْله: ﴿قَالَ أبوهم إِنِّي لأجد﴾ فِي الْقِصَّة: أَن ريح الصِّبَا اسْتَأْذَنت من رَبهَا أَن تَأتي برِيح يُوسُف إِلَى يَعْقُوب ﵉ فَهِيَ الَّتِي جَاءَت برِيح يُوسُف، وَالصبَا: ريح تَأتي من قبل الْمشرق إِذا هبت على الْأَبدَان لينتها ونعمتها وطيبتها، وهيجت الأشواق إِلَى الأحباب والحنين إِلَى الأوطان، قَالَ الشَّاعِر:
(أيا جبلي نعْمَان بِاللَّه خليا ... سَبِيل الصِّبَا يخلص إِلَى نسيمها)
(فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت ... على قلب محزون تجلت همومها)
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نصرت بالصبا، وأهلكت عَاد بالدبور " وَرُوِيَ أَن الْقَمِيص لما نشر هَاجَتْ مِنْهُ ريح الْجنَّة [فشمها] يَعْقُوب ﵇ فَعلم أَنَّهَا جَاءَت من قبل قَمِيص يُوسُف؛ لِأَنَّهُ لم يكن فِي الأَرْض شَيْء من الْجنَّة سواهُ.
وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن تفندون﴾ مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تضعفوا رَأْي، وَقيل: لَوْلَا أَن تسفهوني، وَقيل: لَوْلَا أَن تنسبوني إِلَى الْخَوْف وَالْجهل.
قَالَ الشَّاعِر:
стр. 2663
﴿قَالُوا تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم (٩٥) فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجهه فَارْتَد بَصيرًا قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر﴾
(يَا صَاحِبي دَعَا الْمَلَامَة واقصرا ... طَال الْهوى وأطلتما التفنيدا)
стр. 2664
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم﴾ هَذَا قَول بني بنيه، فَإِن بنيه كَانُوا بِمصْر، وَمَعْنَاهُ: تالله إِنَّك لفي خطئك الْقَدِيم، وَالْخَطَأ: هُوَ الذّهاب عَن طَرِيق الصَّوَاب؛ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدهم أَن يُوسُف قد مَاتَ، وَكَانُوا يرَوْنَ يَعْقُوب قد لهج بِذكرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يخرج من بَيته فيلقاه الرجل وَمَعَهُ شَيْء يحملهُ فَيَقُول: ضَعْهُ واسمع مني حَدِيثي، وَكَانَ يلقاه الْخَادِم وَالْجَارِيَة فَيَقُول مَعَه مثل هَذَا القَوْل؛ وَكَانُوا يظنون بِهِ خرفا وَخطأ عَظِيما، فَهَذَا معني قَوْلهم: إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم، وَقيل: إِنَّك لفي [شقائك] الْقَدِيم، والشقاء هَاهُنَا بِمَعْنى التَّعَب، وَقيل: فِي غفلتك الْقَدِيمَة، وَقيل: فِي محبتك الْقَدِيمَة؛ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: فَكَانَ هَذَا عقوقا (عَظِيما) مِنْهُم.
стр. 2665
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجهه﴾ وَمَعْنَاهُ: ألْقى الْقَمِيص على وَجهه. وَقَوله: ﴿فَارْتَد بَصيرًا﴾ أَي: عَاد بَصيرًا وَرجع بَصيرًا، فَروِيَ أَنه عَادَتْ قوته فِي الْحَال، وَذَهَبت [الغشاوة] وَزَالَ الْبيَاض الَّذِي كَانَ بِعَيْنِه، وَفتح عَيْنَيْهِ كأحسن مَا يكون، و ﴿قَالَ﴾ لِبَنِيهِ وَبني بنيه: ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَنه قد كَانَ قَالَ لَهُم: إِن يُوسُف حَيّ، وَإِنِّي أَرْجُو رُؤْيَته. (وَقيل) : ﴿إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: من تَحْقِيق رُؤْيا يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، وَفِي بعض الْأَخْبَار أَنه قَالَ للبشير: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء أُعْطِيك وَلَكِن هون الله عَلَيْك سَكَرَات الْمَوْت. وَرُوِيَ أَنه لما جَاءَهُ خبر يُوسُف قَالَ للبشير: على أَي دين تركت يُوسُف؟ قَالَ: على دين الْإِسْلَام، قَالَ: الْآن تمت النِّعْمَة.
следующие страницы →