Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
﴿أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلما فصلت العير قَالَ أبوهم إِنِّي لأجد ريح يُوسُف لَوْلَا أَن تفندون﴾ ذهبت بالقميص مُلَطَّخًا بِالدَّمِ إِلَيْهِ، فَأعْطَاهُ وَخرج حافيا [حاسرا] يعدو وَمَعَهُ سَبْعَة أرغفة فَلم يستوفها حَتَّى بلغ كنعان، وَقيل: إِنَّه بعث على يَد غَيره، [وَقَالَ] : ﴿فألقوه على وَجه أبي يَأْتِ بَصيرًا﴾ قَالَ الْفراء: يرجع بَصيرًا، وَقَالَ غَيره: يعد بَصيرًا؛ قَالَ الْحسن: لم يعلم أَنه يعود بَصيرًا إِلَّا بعد أَن أعلمهُ الله ذَلِك.
وَقَوله: ﴿وأتوني بأهلكم أَجْمَعِينَ﴾ أَي: جيئوني بأهلكم أَجْمَعِينَ.
стр. 2662
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما فصلت العير﴾ يَعْنِي: انفصلت من مصر وَخرجت. قَوْله: ﴿قَالَ أبوهم إِنِّي لأجد﴾ فِي الْقِصَّة: أَن ريح الصِّبَا اسْتَأْذَنت من رَبهَا أَن تَأتي برِيح يُوسُف إِلَى يَعْقُوب ﵉ فَهِيَ الَّتِي جَاءَت برِيح يُوسُف، وَالصبَا: ريح تَأتي من قبل الْمشرق إِذا هبت على الْأَبدَان لينتها ونعمتها وطيبتها، وهيجت الأشواق إِلَى الأحباب والحنين إِلَى الأوطان، قَالَ الشَّاعِر:
(أيا جبلي نعْمَان بِاللَّه خليا ... سَبِيل الصِّبَا يخلص إِلَى نسيمها)
(فَإِن الصِّبَا ريح إِذا مَا تنسمت ... على قلب محزون تجلت همومها)
وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " نصرت بالصبا، وأهلكت عَاد بالدبور " وَرُوِيَ أَن الْقَمِيص لما نشر هَاجَتْ مِنْهُ ريح الْجنَّة [فشمها] يَعْقُوب ﵇ فَعلم أَنَّهَا جَاءَت من قبل قَمِيص يُوسُف؛ لِأَنَّهُ لم يكن فِي الأَرْض شَيْء من الْجنَّة سواهُ.
وَقَوله: ﴿لَوْلَا أَن تفندون﴾ مَعْنَاهُ: لَوْلَا أَن تضعفوا رَأْي، وَقيل: لَوْلَا أَن تسفهوني، وَقيل: لَوْلَا أَن تنسبوني إِلَى الْخَوْف وَالْجهل.
قَالَ الشَّاعِر:
стр. 2663
﴿قَالُوا تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم (٩٥) فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجهه فَارْتَد بَصيرًا قَالَ ألم أقل لكم إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ (٩٦) قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر﴾
(يَا صَاحِبي دَعَا الْمَلَامَة واقصرا ... طَال الْهوى وأطلتما التفنيدا)
стр. 2664
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم﴾ هَذَا قَول بني بنيه، فَإِن بنيه كَانُوا بِمصْر، وَمَعْنَاهُ: تالله إِنَّك لفي خطئك الْقَدِيم، وَالْخَطَأ: هُوَ الذّهاب عَن طَرِيق الصَّوَاب؛ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدهم أَن يُوسُف قد مَاتَ، وَكَانُوا يرَوْنَ يَعْقُوب قد لهج بِذكرِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يخرج من بَيته فيلقاه الرجل وَمَعَهُ شَيْء يحملهُ فَيَقُول: ضَعْهُ واسمع مني حَدِيثي، وَكَانَ يلقاه الْخَادِم وَالْجَارِيَة فَيَقُول مَعَه مثل هَذَا القَوْل؛ وَكَانُوا يظنون بِهِ خرفا وَخطأ عَظِيما، فَهَذَا معني قَوْلهم: إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم، وَقيل: إِنَّك لفي [شقائك] الْقَدِيم، والشقاء هَاهُنَا بِمَعْنى التَّعَب، وَقيل: فِي غفلتك الْقَدِيمَة، وَقيل: فِي محبتك الْقَدِيمَة؛ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: فَكَانَ هَذَا عقوقا (عَظِيما) مِنْهُم.
стр. 2665
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجهه﴾ وَمَعْنَاهُ: ألْقى الْقَمِيص على وَجهه. وَقَوله: ﴿فَارْتَد بَصيرًا﴾ أَي: عَاد بَصيرًا وَرجع بَصيرًا، فَروِيَ أَنه عَادَتْ قوته فِي الْحَال، وَذَهَبت [الغشاوة] وَزَالَ الْبيَاض الَّذِي كَانَ بِعَيْنِه، وَفتح عَيْنَيْهِ كأحسن مَا يكون، و ﴿قَالَ﴾ لِبَنِيهِ وَبني بنيه: ﴿ألم أقل لكم إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَنه قد كَانَ قَالَ لَهُم: إِن يُوسُف حَيّ، وَإِنِّي أَرْجُو رُؤْيَته. (وَقيل) : ﴿إِنِّي أعلم من الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: من تَحْقِيق رُؤْيا يُوسُف مَا لَا تعلمُونَ، وَفِي بعض الْأَخْبَار أَنه قَالَ للبشير: لَيْسَ عِنْدِي شَيْء أُعْطِيك وَلَكِن هون الله عَلَيْك سَكَرَات الْمَوْت. وَرُوِيَ أَنه لما جَاءَهُ خبر يُوسُف قَالَ للبشير: على أَي دين تركت يُوسُف؟ قَالَ: على دين الْإِسْلَام، قَالَ: الْآن تمت النِّعْمَة.
стр. 2666
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتغْفر لنا ذنوبنا إِنَّا كُنَّا خاطئين﴾ هَذَا دَلِيل على أَنهم عمِلُوا مَا عمِلُوا وَكَانُوا بالغين.
стр. 2667
﴿لنا ذنوبنا إِنَّا كُنَّا خاطئين (٩٧) قَالَ سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم (٩٨) فَلَمَّا دخلُوا على يُوسُف آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين﴾
стр. 2668
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي﴾ رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ وَجَمَاعَة من التَّابِعين أَنهم قَالُوا: أخر الدُّعَاء إِلَى السحر وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي يَقُول الله تَعَالَى: هَل من دَاع (فيستجاب) لَهُ؟ هَل من سَائل فَيعْطى سؤله "؟ (الْخَبَر) " هَل من مُسْتَغْفِر فَيغْفر لَهُ؟ " وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه أخر إِلَى لَيْلَة الْجُمُعَة حكى هَذَا عَن ابْن عَبَّاس، وَقد رُوِيَ فِي بعض الْأَخْبَار مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي. وَعَن عَطاء بن ميسرَة الْخُرَاسَانِي قَالَ: الْحَاجة إِلَى الشَّبَاب أسْرع إِجَابَة من الْحَاجة إِلَى الشُّيُوخ، فَإِن يُوسُف ﵇ قَالَ: لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم، يغْفر الله لكم وَلم يُؤَخر، وَحين طلبُوا من يَعْقُوب سَوف وَأخر. وَفِي الْقِصَّة: أَن يَعْقُوب كَانَ يُصَلِّي من اللَّيْل وَيقوم يُوسُف خَلفه وَيقوم بنوه خلف يُوسُف وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُم هَكَذَا عشْرين سنة إِلَى أَن نزل الْوَحْي بمغفرتهم، وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2669
قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا دخلُوا على يُوسُف آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ رُوِيَ أَن يُوسُف بعث بِمِائَتي رَاحِلَة وجهاز كثير ليأتوا بِيَعْقُوب وَقَومه، قَالَ مَسْرُوق: كَانُوا ثَلَاثَة وَتِسْعين من بَين رجل وَامْرَأَة، وَرُوِيَ: اثْنَان وَسبعين وَهُوَ الْأَشْهر. قَالَ أهل الْأَخْبَار: وَلما خرج مُوسَى ببني إِسْرَائِيل من مصر كَانَ قد (بلغ) عَددهمْ سِتّمائَة ألف مقَاتل وَسبعين ألفا، والذرية ألف ألف وَسَبْعمائة ألف وَكَذَا فِي الْقِصَّة أَنهم جَاءُوا فَلَمَّا قربوا من مصر
стр. 2670
﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش وخروا لَهُ سجدا وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رءياي من قبل﴾ خرج يُوسُف ليلقاهم مَعَ الْجند، وَرُوِيَ أَنه حمل الْملك الْأَكْبَر مَعَ نَفسه، فَلَمَّا وصلوا إِلَى يَعْقُوب قَالُوا ليعقوب: هَذَا ابْنك قد جَاءَ، قَالَ: فَأَرَادَ يُوسُف أَن يبدأه بِالسَّلَامِ، فَقَالَ جِبْرِيل: لَا حَتَّى يبْدَأ يَعْقُوب بِالسَّلَامِ، فَقَالَ (يَعْقُوب:) السَّلَام عَلَيْك يَا مَذْهَب الأحزان، وَقد رُوِيَ أَنَّهُمَا نزلا وتعانقا، وَفِي بعض الْقَصَص أَنَّهُمَا مشيا فتقدمه يُوسُف بخطوة فجَاء جِبْرِيل وَقَالَ لَهُ: أتتقدم على أَبِيك لَا أخرج من ذريتك نَبيا أبدا، وَفِي بعض الْقَصَص: أَن يُوسُف كَانَ فِي أَرْبَعَة آلَاف من الْجند، وَقد قيل غَيره. وَقَوله: ﴿آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أَي: ضم إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ، وَالْأَكْثَرُونَ أَن أَبَوَيْهِ أَي: أَبَاهُ وخالته، وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: هُوَ أَبوهُ وَأمه وَقد كَانَت حَيَّة، وَفِي بعض التفاسير: أَن الله تَعَالَى بعث أمه وأحياها حَتَّى جَاءَت مَعَ يَعْقُوب إِلَى مصر، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وَقَالَ ادخُلُوا مصر إِن شَاءَ الله آمِنين﴾ اخْتلفُوا فِي [معنى] الْمَشِيئَة هَاهُنَا، قَالَ بَعضهم: ادخُلُوا آمِنين من الْجَوَاز ﴿إِن شَاءَ الله﴾ ، وَقد كَانُوا لَا يدْخلُونَ قبل ذَلِك لمصر إِلَّا بِجَوَاز، وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير وَمَعْنَاهُ: سَوف أسْتَغْفر لكم رَبِّي إِن شَاءَ الله وَقَالَ: ادخُلُوا مصر آمِنين.
стр. 2671
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش﴾ الرّفْع: هُوَ النَّقْل إِلَى الْعُلُوّ، وضده الْوَضع، وَالْعرش: سَرِير الْملك، وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " اهتز الْعَرْش لمَوْت سعد بن معَاذ " قيل: أَرَادَ بِهِ سَرِيره (الَّذِي حمل عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِشَيْء؛ لِأَن الْكَلَام خرج على وصف التكريم، وَلَا كَرَامَة فِي اهتزاز سَرِيره الَّذِي حمل عَلَيْهِ) ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: " اهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت سعد بن معَاذ " فالعرش فِي هَذَا الْخَبَر هُوَ الْعَرْش الْمَعْرُوف واهتزازه استبشاره لإقبال روح سعد بن معَاذ. وَيجوز أَن يكون المُرَاد
стр. 2672
﴿قد جعلهَا رَبِّي حَقًا وَقد أحسن بِي إِذْ أخرجني من السجْن وَجَاء بكم من البدو من بعد﴾ بِذكر الْعَرْش أهل الْعَرْش من الْمَلَائِكَة، وَالله أعلم.
وَقَوله: ﴿وخروا لَهُ سجدا﴾ مَعْنَاهُ: وَقَعُوا لَهُ ساجدين، وَاخْتلفُوا فِي هَذِه السَّجْدَة فالأكثرون أَنهم سجدوا لَهُ، [و] كَانَت السَّجْدَة سَجْدَة الْمحبَّة لَا سَجْدَة الْعِبَادَة، وَهُوَ مثل سُجُود الْمَلَائِكَة لآدَم ﵇ قَالَ أهل الْعلم: وَكَانَ ذَلِك جَائِز فِي الْأُمَم السالفة، ثمَّ إِن الله تَعَالَى نسخ ذَلِك فِي هَذِه الشَّرِيعَة وأبدل بِالسَّلَامِ، وَقَالَ بَعضهم: أَنهم سجدوا لله لَا ليوسف، وَإِنَّمَا خروا لَهُ سجدا؛ لِأَنَّهُ كَانَ قدامهم فَحصل سجودهم إِلَيْهِ كَمَا يسْجد إِلَى الْمِحْرَاب والجدار، وَالصَّحِيح هُوَ الأول، هَكَذَا قَالَه أهل الْعلم، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنه كَانَ فِي رُؤْيَاهُ: ﴿إِنِّي رَأَتْ أحد عشر كوكبا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لي ساجدين﴾ ، فالشمس وَالْقَمَر أَبَوَاهُ، وَأحد عشر كوكبا هم إخْوَته.
فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ جَازَ السُّجُود لغير الله؟ وَإِذا جَازَ السُّجُود لغير الله فَلم لَا تجوز الْعِبَادَة لغير الله؟ وَالْجَوَاب: أَن الْعِبَادَة نِهَايَة التَّعْظِيم، وَنِهَايَة التَّعْظِيم لَا تجوز إِلَّا لله؛ وَأما السُّجُود: نوع تذلل وخضوع بِوَضْع الخد على الأَرْض وَهُوَ دون الْعِبَادَة، فَلم يمْتَنع جَوَازه للبشر كالانحناء.
وَقَالَ بَعضهم: ﴿وخروا لَهُ سجدا﴾ السُّجُود هَاهُنَا هُوَ الانحناء وَعبر عَنهُ بِالسُّجُود، وَأما حَقِيقَة السُّجُود فَلم تكن. وَأولى الْأَقَاوِيل هُوَ الأول وَالله أعلم.
قَوْله: ﴿وَقَالَ يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ [تَفْسِير] رُؤْيَايَ من قبل ﴿قد جعلهَا رَبِّي حَقًا﴾ أَي: صدقا ﴿وَقد أحسن بِي﴾ أَي: أنعم عَليّ ﴿إِذْ أخرجني من السجْن﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ لم يقل: إِذْ أخرجني من الْجب، وَكَانَت المحنة عَلَيْهِ والبلية فِي الْجب أَكثر مِنْهَا فِي السجْن؟ الْجَواب عَنهُ: أَنه أعرض عَن ذكر
стр. 2673
﴿أَن نَزغ الشَّيْطَان يَبْنِي وَبَين إخوتي إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم (١٠٠) رب قد آتيتني من الْملك وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْت وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة توفني مُسلما وألحقني بالصالحين (١٠١) ذَلِك من أنباء الْغَيْب﴾ الْجب تكرما لِأَن لَا يخجل الْإِخْوَة عَنهُ، وَكَانَ قد قَالَ: ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم﴾ وَفِي إِعَادَته تَثْرِيب وملامة، وَلِأَن النِّعْمَة عَلَيْهِ فِي الْإِخْرَاج من السجْن كَانَت أَكثر؛ لِأَنَّهُ أخرج من الْجب وَجعل عبدا، وَأخرج من السجْن وَجعل ملكا. قَوْله: ﴿وَجَاء بكم من البدو﴾ البدو: بسيط من الأَرْض يسكنهُ أهل الْمَاشِيَة بماشيتهم، وَقد كَانَ يَعْقُوب وَأَوْلَاده أهل مواشي وَعمد، والعمد: الْخيام، فَلهَذَا قَالَ: وَجَاء بكم من البدو. وَقَوله: ﴿من بعد أَن نَزغ الشَّيْطَان﴾ مَعْنَاهُ: من بعد أَن أفسد الشَّيْطَان ﴿بيني وَبَين إخوتي﴾ بِالْحَسَدِ. وَقَوله: ﴿إِن رَبِّي لطيف لما يَشَاء﴾ اللَّطِيف هُوَ: الرفيق، وَيُقَال معنى الْآيَة: إِن رَبِّي لطيف (بِمن) يَشَاء. وَحَقِيقَة اللَّطِيف هُوَ الَّذِي يُوصل الْإِحْسَان إِلَى غَيره بِرِفْق. وَقَوله: ﴿إِنَّه هُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2674
قَوْله تَعَالَى: ﴿رب قد آتيتني من الْملك﴾ الْملك هُوَ: اتساع الْمَقْدُور لمن لَهُ السياسة وَالتَّدْبِير، وَأدْخل كلمة " من " وَهِي للتَّبْعِيض؛ لِأَنَّهُ كَانَ من يَد ملك مصر، وَقيل: " من " للتجنيس هَاهُنَا، قَالَ مُحَمَّد بن عَليّ الباقر: ملك يُوسُف اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة. وَقَالَ غَيره: ثَمَانِينَ سنة. وَقَوله: ﴿وعلمتني من تَأْوِيل الْأَحَادِيث﴾ يَعْنِي: علم الرُّؤْيَا. وَقَوله ﴿فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ مَعْنَاهُ: يَا فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض. وَقَوله: ﴿أَنْت ولي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ يَعْنِي: أَنْت تلِي أَمْرِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَقَوله: ﴿توفني مُسلما﴾ مَعْنَاهُ: ثبتني على الْإِسْلَام عِنْد الْوَفَاة.
قَالَ قَتَادَة: وَلم يسْأَل نَبِي من الْأَنْبِيَاء الْمَوْت سوى يُوسُف ﵇، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَا يتمنين أحدكُم الْمَوْت لضر نزل بِهِ وَلَكِن ليقل: اللَّهُمَّ
стр. 2675
أحيني مَا دَامَت الْحَيَاة خيرا لي، وتوفني إِذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي " وَفِي الْقِصَّة: أَن يُوسُف لما جمع لَهُ شَمله وأوصل الله إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَأَهله اشتاق إِلَى ربه فَقَالَ هَذَا القَوْل. وَقد قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: عَاشَ بعد هَذَا سِنِين كَثِيرَة. وَقَالَ غَيره: لما قَالَ هَذَا القَوْل لم يمض عَلَيْهِ أُسْبُوع حَتَّى توفّي. وَأما خبر وَفَاة يَعْقُوب - صلوَات الله عَلَيْهِ - فقد قَالَ أَصْحَاب الْأَخْبَار: إِن يَعْقُوب عَاشَ عِنْد يُوسُف أَرْبعا وَعشْرين سنة بأغبط حَال وأهنأ عَيْش ثمَّ أَدْرَكته الْوَفَاة فَدَعَا بنيه وَقَالَ: يَا بني، ﴿مَا تَعْبدُونَ من بعدِي﴾ الْآيَة، وَقد ذكرنَا فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأوصى يُوسُف ﵇ أَن يحملهُ إِلَى الأَرْض المقدسة ويدفنه بِجنب أَبِيه إِسْحَاق فَفعل ذَلِك. وَقَالُوا: عَاشَ يَعْقُوب مائَة وَسبعا وَأَرْبَعين سنة، وَأما يُوسُف فَإِنَّهُ عَاشَ بعد أَبِيه سنتَيْن، وَقيل: أَكثر من ذَلِك، وَالله أعلم، وَتُوفِّي وَهُوَ ابْن مائَة وَعشْرين سنة فدفنوه فِي نيل مصر: (لِأَن أهل مصر تشاحنوا عَلَيْهِ وَطلب أهل كل محلّة أَن يدْفن فِي محلتهم رَجَاء بركته، ثمَّ اتَّفقُوا أَن يدْفن فِي نيل مصر) ليجري المَاء عَلَيْهِ وَتصل بركته إِلَيْهِم كلهم. وَعَن عِكْرِمَة: أَنه دفن فِي [الْجَانِب] الْأَيْمن من النّيل فأخصب ذَلِك الْجَانِب وأجدب الْجَانِب الآخر فاتفقوا على أَن جَعَلُوهُ فِي تَابُوت من حَدِيد - وَقيل: من رُخَام - ودفنوه فِي وسط النّيل، وقدروا ذَلِك بسلسلة عِنْدهم فأخصب الجانبان، وَكَانَ يُوسُف أوصى إخْوَته أَنهم إِذا خَرجُوا من مصر أَخْرجُوهُ مَعَ أنفسهم، فَلَمَّا كَانَ زمن مُوسَى أخرجه مُوسَى مَعَ نَفسه إِلَى الأَرْض المقدسة ودفته بِقرب آبَائِهِ؛ وَفِي الْقَصَص أَن عجوزا دلتهم على قبر يُوسُف وَأَن تِلْكَ الْعَجُوز سَأَلت مُوسَى مرافقته فِي الْجنَّة بِهِ حَتَّى دلّت، فَنزل الْوَحْي على مُوسَى بِأَن يُعْطِيهَا ذَلِك.
وروى الْكَلْبِيّ، عَن أبي صَالح، عَن ابْن عَبَّاس: أَن الله تَعَالَى لما جمع بَين يَعْقُوب ويوسف قَالَ لَهُ يُوسُف: يَا أبتاه حزنت عَليّ حَتَّى انحنى ظهرك، وبكيت عَليّ حَتَّى
стр. 2676
﴿نوحيه إِلَيْك وَمَا كنت لديهم إِذْ أَجمعُوا أَمرهم وهم يمكرون (١٠٢) وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين (١٠٣) وَمَا تَسْأَلهُمْ عَلَيْهِ من أجر إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين (١٠٤) ﴾ عمى بَصرك، أما علمت أَنا كُنَّا نَلْتَقِي يَوْم الْقِيَامَة؟ فَقَالَ: يَا بني، خشيت أَن يسلب دينك فَلَا نَلْتَقِي يَوْم الْقِيَامَة. وَقَوله: ﴿وألحقني بالصالحين﴾ يَعْنِي: من آبَائِي وهم: إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب.
стр. 2677
قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِك من أنباء الْغَيْب﴾ يَعْنِي: من أَخْبَار الْغَيْب.
قَوْله: ﴿نوحيه إِلَيْك﴾ أَي: نلقيه إِلَيْك بِالْوَحْي. وَقَوله: ﴿وَمَا كنت لديهم إِذْ أَجمعُوا أَمرهم وهم يمكرون﴾ هَذَا منصرف إِلَى إخْوَة يُوسُف ومكرهم حِين أَخَذُوهُ من أَبِيه، وَفَائِدَة الْآيَة: أَنَّك إِذا علمت هَذَا بتعليمنا إياك ووحينا إِلَيْك.
стр. 2678
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ رُوِيَ أَن قُريْشًا وَالْيَهُود سَأَلُوا النَّبِي عَن قصَّة يُوسُف، فَلَمَّا أخْبرهُم بهَا على مَا كَانَ يُوَافق التَّوْرَاة، وَلم يكن فِي نَفسه قَارِئًا طمع أَن يسلمُوا فَلم يسلمُوا؛ فَحزن لذَلِك فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَكثر النَّاس وَلَو حرصت بمؤمنين﴾ مَعْنَاهُ: وَمَا أَكثر النَّاس بمؤمنين وَإِن حرصت على إِيمَانهم.
стр. 2679
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْأَلهُمْ عَلَيْهِ﴾ أَي: على التَّبْلِيغ ﴿من أجر﴾ أَي: من جعل وَقَوله: ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ أَي: عظة للْعَالمين.
стр. 2680
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وكأين من آيَة﴾ مَعْنَاهُ: وَكم من آيَة. وَقَوله: ﴿فِي السَّمَوَات﴾ السَّمَوَات: سقوف الأَرْض بَعْضهَا على بعض طبقًا طبقًا ﴿وَالْأَرْض﴾ هِيَ مَوضِع سُكْنى الْآدَمِيّين، وَأما الْآيَات فِي السَّمَوَات (كَمَا) بَينا من قبل، وَذَلِكَ من شمسها وقمرها ونجومها ودوران الْفلك بهَا، واستوائها من غير عمد وَغير ذَلِك، وَقد زعم بعض أهل الْعلم أَنه يجوز للْإنْسَان أَن يتَعَلَّم علم النُّجُوم بِقدر مَا يعرف بِهِ
стр. 2681
﴿وكأين من آيَة فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض يَمرونَ عَلَيْهَا وهم عَنْهَا معرضون (١٠٥) وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون (١٠٦) أفأمنوا أَن تأتيهم غاشية من عَذَاب الله أَو تأتيهم السَّاعَة بَغْتَة وهم لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن﴾ من آيَات السَّمَاء، وَأما آيَات الأَرْض مَعْلُومَة أَيْضا [وَهِي] : شَجَرهَا ونباتها وَجَمِيع مَا فِيهَا وَمَا يخرج مِنْهَا. وَقَوله: ﴿يَمرونَ عَلَيْهَا وهم عَنْهَا معرضون﴾ مَعْنَاهُ: أَنهم يعرضون عَنْهَا مَعَ مشاهدتها وَلَا يستدلون بهَا على وحدانية الله.
стр. 2682
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يجوز اجْتِمَاع الْإِيمَان مَعَ الشّرك فِي الْوَاحِد؟ الْجَواب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه﴾ أَي: وَمَا يقر أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون بقلوبهم وضمائرهم.
وَالثَّانِي: أَن مُشْركي مَكَّة كَانُوا إِذا قيل لَهُم: من خَلقكُم؟ قَالُوا: الله، وَإِذا قيل لَهُم: من يرزقكم؟ قَالُوا: الله، وَإِذا قيل لَهُم: من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض؟ قَالُوا: الله ثمَّ مَعَ ذَلِك يعْبدُونَ الْأَصْنَام، وَبَعْضهمْ يَقُولُونَ: إِن الْمَلَائِكَة بَنَات الله، وَبَعْضهمْ يَقُول: الْأَصْنَام شفعاؤنا عِنْد الله، فَالْقَوْل الأول: هُوَ الْإِيمَان، [وَلَيْسَ] المُرَاد من الْإِيمَان هُوَ حَقِيقَة الْإِيمَان الَّذِي يصير بِهِ الْإِنْسَان مُؤمنا، وَإِنَّمَا المُرَاد مَا بَينا.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى شركهم هُوَ شركهم فِي التَّلْبِيَة، فَإِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لَا شريك لَك إِلَّا شَرِيكا هُوَ لَك تملكه وَمَا ملك.
стр. 2683
قَوْله تَعَالَى: ﴿أفأمنوا أَن تأتيهم غاشية من عَذَاب الله﴾ قيل: قِطْعَة من عَذَاب الله، وَقيل: عُقُوبَة محللة من عَذَاب الله. وَقَوله: ﴿أَو تأتيهم السَّاعَة بَغْتَة﴾ أَي: فَجْأَة، والبغتة: وُقُوع الشَّيْء من غير توقع سَابق. قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَكنهُمْ باتوا وَلم أدر بَغْتَة ... وأفظع شَيْء حِين يفجؤك البغت)
وَقَوله: ﴿وهم لَا يَشْعُرُونَ﴾ أَي: لَا يعلمُونَ
стр. 2684
﴿اتبعني وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين (١٠٨) وَمَا أرسلنَا من قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم من أهل الْقرى أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم ولدار الْآخِرَة خير للَّذين اتَّقوا أَفلا تعقلون (١٠٩) حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا أَنهم﴾
стр. 2685
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله﴾ أَي: طريقي، والسبيل يذكر وَيُؤَنث، قَالَ الشَّاعِر:
(تمنى رجال أَن أَمُوت وَإِن مت ... فَتلك سَبِيل لست فِيهَا بأوحد)
وَقَوله: ﴿على بَصِيرَة﴾ أَي: على (يَقِين) ، والبصيرة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي يُمَيّز بهَا بَين الْحق وَالْبَاطِل. وَقَوله: ﴿أَنا وَمن اتبعني﴾ مَعْنَاهُ: أَدْعُو إِلَى الله أَنا، وَمن اتبعني يدعونَ أَيْضا إِلَى الله، وَقَالَ بَعضهم: تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله ﴿أَدْعُو إِلَى الله﴾ ثمَّ اسْتَأْنف وَقَالَ: ﴿على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني﴾ . وَقَوله: ﴿وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ يَعْنِي أَقُول: سُبْحَانَ الله، وَمَا أَنا من الْمُشْركين.
стр. 2686
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا قبلك إِلَّا رجَالًا نوحي إِلَيْهِم من أهل الْقرى﴾ قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لم يبْعَث الله نَبيا من بَدو، وَإِنَّمَا بعث الله الْأَنْبِيَاء من الْأَمْصَار والقرى. وَقَالَ أَيْضا: لم يبْعَث الله نَبيا من الْجِنّ وَلَا من النِّسَاء، وَقيل: لم يبْعَث الله نَبيا من الْبَادِيَة لغلظهم وجفائهم، وَأما أهل الْأَمْصَار فهم [أحن] قلوبا وأذكى وأفطن فِي الْأُمُور؛ فَلهَذَا بعث الله الْأَنْبِيَاء مِنْهُم. وَقَوله: ﴿أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
وَقَوله: ﴿ولدار الْآخِرَة﴾ مَعْنَاهُ: وَالْحَال فِي الدَّار الْآخِرَة، وللإنسان حالان: الْحَال الأولى، وَالْحَال الْآخِرَة، وَقيل: " ولدار الْآخِرَة " هَذَا إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه كَقَوْلِهِم: ﴿خير للَّذين اتَّقوا﴾ يَوْم الْخَمِيس، وَيَوْم الْجُمُعَة، قَالَ الشَّاعِر:
(أتمدح فقعسا وتذم عبسا؟ ﴿ ... أَلا لله أمك من هجين﴾ !)
(وَلَو فزت عَلَيْك ديار عبس ... عرفت الذل عرفان الْيَقِين)
стр. 2687
﴿قد كذبُوا جَاءَهُم نصرنَا فنجي من نشَاء وَلَا يرد بأسنا عَن الْقَوْم الْمُجْرمين (١١٠) لقد﴾
أضَاف الْعرْفَان إِلَى الْيَقِين: وَقَوله: ﴿أَفلا تعقلون﴾ أَفلا تفقهون.
стр. 2688
قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل وظنوا انهم قد كذبُوا﴾ قرىء بقراءتين بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف، قَرَأَ أهل الْكُوفَة بِالتَّخْفِيفِ، وَالْآيَة مشكلة إِذا قُرِئت بِالتَّخْفِيفِ؛ لِأَن الْقَائِل يَقُول: كَيفَ ظن الرُّسُل أَنهم قد كذبُوا، وَلَا يجوز هَذَا على الْأَنْبِيَاء. وَكَانَت عَائِشَة تنكر هَذِه الْقِرَاءَة، وَتقول: إِنَّمَا هُوَ " كذبُوا " بِالتَّشْدِيدِ، يَعْنِي: أَن الرُّسُل ظنُّوا أَن من آمن بهم كذبوهم لشدَّة المحنة وَالْبَلَاء عَلَيْهِم، وتطاول الْمدَّة بهم، هَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة عَن عَائِشَة. وَعَن قَتَادَة: أَن الظَّن هَاهُنَا بِمَعْنى الْيَقِين، وَمَعْنَاهُ: وأيقن الرُّسُل أَن الْقَوْم كذبوهم تَكْذِيبًا لَا يُرْجَى بعده إِيمَانهم، وَهُوَ تَأْكِيد لقَوْله: ﴿حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل﴾ لِأَن مَعْنَاهُ: حَتَّى إِذا استيأس الرُّسُل من إِيمَان قَومهمْ، أَي: أيسوا، وَأما الْقِرَاءَة بِالتَّخْفِيفِ هَذِه قِرَاءَة صَحِيحَة، وَهِي منقولة عَن عَليّ وَعَن عبد الله بن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَكثير من الصَّحَابَة.
وَفِي مَعْنَاهُ قَولَانِ: أَحدهمَا: مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: ضعفت قُلُوب الرُّسُل - وَقد كَانُوا بشرا - بتطاول الزَّمَان وَكَثْرَة الْإِمْهَال، وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿وزلزلوا حَتَّى يَقُول الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه مَتى نصر الله﴾ وَقَوله: ﴿مَتى نصر الله﴾ : استبطاء، أَو قَالُوا هَذَا من ضعف البشرية.
وَالْقَوْل الثَّانِي - وَهُوَ الصَّحِيح - وَهُوَ مَنْقُول أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَن معنى الْآيَة: وَظن من آمن بالرسل، أَن الرُّسُل قد كذبُوا بِالتَّخْفِيفِ، أَو ظن الْقَوْم الَّذين بعث إِلَيْهِم أَن الرُّسُل قد كذبُوا بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ مُجَاهِد: " وظنوا أَنهم قد كذبُوا " وَمَعْنَاهُ كَمَا ذكرنَا فِي القَوْل الثَّانِي: أَن ظن الْقَوْم أَن الرُّسُل قد كذبُوا.
وَقَوله: ﴿ [جَاءَهُم] نصرنَا﴾ ظَاهر الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿فنجي من نشَاء﴾ الْمَشِيئَة وَاقعَة على الْمُؤمنِينَ. وَقَوله: ﴿وَلَا يرد بأسنا﴾ أَي: عذابنا ﴿عَن الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ أَي:
стр. 2689
﴿كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة لأولي الْأَلْبَاب مَا كَانَ حَدِيثا يفترى وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ وتفصيل كل شَيْء وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ (١١١) ﴾ عَن الْقَوْم الْكفَّار.
стр. 2690
قَوْله - تَعَالَى -: ﴿لقد كَانَ فِي قصصهم عِبْرَة﴾ أَي: دلَالَة وَآيَة.
قَوْله: ﴿لأولي الْأَلْبَاب﴾ أَي: لأولي الْعُقُول.
وَقَوله: ﴿مَا كَانَ حَدِيثا يفترى﴾ أَي: [يختلق] يَعْنِي: قصَّة يُوسُف.
وَقَوله: ﴿وَلَكِن تَصْدِيق الَّذِي بَين يَدَيْهِ﴾ يَعْنِي: من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل.
وَقَوله: ﴿وتفصيل كل شَيْء﴾ يَعْنِي: من الْحَلَال وَالْحرَام، وَالْأَمر وَالنَّهْي، والوعد والوعيد. وَقَوله: ﴿وَهدى وَرَحْمَة لقوم يُؤمنُونَ﴾ (مَعْنَاهُ: بَيَان ونعمة لقوم يُؤمنُونَ) . وَالله أعلم بِالصَّوَابِ.
стр. 2691
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المر تِلْكَ آيَات الْكتاب وَالَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يُؤمنُونَ (١) الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وسخر﴾
سُورَة الرَّعْد
تَفْسِير سُورَة الرَّعْد، وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا آيَتَيْنِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يزَال الَّذين كفرُوا تصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَيَقُول الَّذين كفرُوا لست مُرْسلا﴾ الْآيَة، فَإِنَّهُمَا مدنيتان.
стр. 2692
قَوْله تَعَالَى: ﴿المر﴾ قَالُوا: مَعْنَاهُ أَنا الله أعلم وَأرى، وَقيل: إِن الْألف من الله، وَاللَّام من جِبْرِيل، وَالْمِيم من مُحَمَّد، وَالرَّاء من إرْسَال الله إِيَّاه - يَعْنِي مُحَمَّدًا - وَقد بَينا من قبل غير هَذَا.
وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب﴾ قد بَينا فِي سُورَة يُوسُف. وَقَوله: ﴿وَالَّذِي أنزل إِلَيْك من رَبك الْحق﴾ الْإِنْزَال هُوَ النَّقْل من الْعُلُوّ إِلَى الْأَسْفَل، وَمعنى الْآيَة أَن مَا أهبط الله بِهِ جِبْرِيل عَلَيْك هُوَ الْحق، وَالْحق ضد الْبَاطِل، وَقيل: وضع الشَّيْء فِي مَوْضِعه على مَا توجبه الْحِكْمَة. وَقَوله: ﴿وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يُؤمنُونَ﴾ يَعْنِي من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكين.
стр. 2693
قَوْله تَعَالَى: ﴿الله الَّذِي رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد﴾ الْعمد: جسم مستطيل يمْنَع الْمُرْتَفع من الميلان، وَفِي معنى قَوْله: ﴿بِغَيْر عمد﴾ قَولَانِ: أَحدهمَا، وَهُوَ الْأَصَح: أَن مَعْنَاهُ: رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ﴿ترونها﴾ كَذَلِك.
وَقد قَالَ أهل الْمعَانِي: لَو كَانَ لِلسَّمَوَاتِ عمد لرأيناها؛ لِأَن عمد الْجِسْم الغليظ يكون بالجسم الغليظ، فَلَا بُد أَن ترى، وَهَذَا قَول مُجَاهِد وَقَتَادَة وَأكْثر الْمُفَسّرين.
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: معنى الْآيَة رفع السَّمَوَات بِغَيْر عمد ترونها.
стр. 2694
﴿الشَّمْس وَالْقَمَر كل يجْرِي لأجل مُسَمّى يدبر الْأَمر يفصل الْآيَات لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون (٢) وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض وَجعل فِيهَا رواسي وأنهارا وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يغشي اللَّيْل النَّهَار إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يتفكرون (٣) وَفِي﴾
وَقَوله: ﴿ترونها﴾ رَاجع إِلَى الْعمد، كَأَنَّهُ قَالَ: لَهَا عمد لَا ترونها، وَزعم أَن لَهَا عمدا على جبل قَاف، وَأَن السَّمَاء عَلَيْهَا مثل الْقبَّة، وجبل قَاف مُحِيط بالدنيا، وَهُوَ من زبرجدة خضراء، وَالصَّحِيح مَا بَينا.
وَقَوله: ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ قد بَينا الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر﴾ مَعْنَاهُ: ذلل الشَّمْس وَالْقَمَر فهما مذللان مقهوران يجريان على مَا يُرِيد الله. وَقَوله: ﴿كل يجْرِي لأجل مُسَمّى﴾ أَي: لمُدَّة مَضْرُوبَة. وَقَوله: ﴿يدبر الْأَمر﴾ التَّدْبِير من الله تَعَالَى فعل الْأَشْيَاء على مَا يُوجب الْحِكْمَة. وَقَوله: ﴿يفصل الْآيَات﴾ مَعْنَاهُ يبين الدلالات. وَقَوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بلقاء ربكُم توقنون﴾ تؤمنون.
стр. 2695
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مد الأَرْض﴾ الْآيَة قد كَانَت الأَرْض مَدَرَة مُدَوَّرَة، فبسطها الله تَعَالَى ومدها. وَقَوله: ﴿وَجعل فِيهَا رواسي﴾ أَي: جبالا ثوابت.
وَقَوله: ﴿وأنهارا﴾ الْأَنْهَار: مجاري المَاء الواسعة. وَقَوله: ﴿وَمن كل الثمرات جعل فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أَي: صنفين اثْنَيْنِ أَحْمَر وأصفر وحلو وحامض، وَقيل: إِن قَوْله ﴿اثْنَيْنِ﴾ تَأْكِيد لقَوْله: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ .
وَقَوله: ﴿يغشي اللَّيْل النَّهَار﴾ مَعْنَاهُ: يلبس النَّهَار بظلمة اللَّيْل، ويلبس ظلمَة اللَّيْل بضوء النَّهَار. وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ لدلالات ﴿لقوم يتفكرون﴾ التفكر تصرف الْقلب فِي طلب مَعَاني الْأَشْيَاء.
стр. 2696
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَفِي الأَرْض قطع متجاورات﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن فِيهِ حذفا؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ: " وَفِي الأَرْض قطع متجاورات وَغير متجاورات، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وسرابيل تقيكم الْحر﴾ يَعْنِي: وسرابيل تقيكم الْحر وَالْبرد.
стр. 2697
﴿الأَرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وَزرع ونخيل صنْوَان وَغير صنْوَان يسقى بِمَاء وَاحِد ونفضل بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يعْقلُونَ (٤) ﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه لَيْسَ فِي الْآيَة حذف، وَهُوَ صَحِيح الْمَعْنى، وَفِي المتجاورات قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن مَعْنَاهُ أَنَّهَا متجاورة فِي الظَّاهِر مُخْتَلفَة فِي الْمَعْنى، هَذِه سبخَة وَهَذِه عذبة، وَهَذِه قَليلَة الرّيع، وَهَذِه كَثِيرَة الرّيع، وَهَذِه مزرعة، وَهَذِه مغرسة، وَهَذِه لَا مزرعة وَلَا مغرسة.
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن مَعْنَاهُ: هَذِه عامرة، وَهَذِه غامرة، وَهَذِه صحاري وبراري، وَهَذِه جبال وأودية، فعلى هَذَا إِذا قَدرنَا فِي الْآيَة متجاورات وَغير متجاورات، فالمتجاورات هِيَ الأَرْض العامرة الْمُتَّصِل بَعْضهَا بِبَعْض، وَغير المتجاورات هِيَ الأَرْض الخربة الَّتِي فِيهَا الأودية والدكادك.
وَقَوله: ﴿وجنات من أعناب﴾ يَعْنِي: بساتين من أعناب. وَقَوله: ﴿وَزرع ونخيل﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى. وَقَوله: ﴿صنْوَان وَغير صنْوَان﴾ قرىء: " صنْوَان " بِالضَّمِّ: وَالْمَعْرُوف " صنْوَان " بِالْكَسْرِ، وَفِي الْآثَار المسندة عَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ أَنه قَالَ: الصنوان هُوَ النّخل الْمُجْتَمع، وَغير الصنوان هُوَ المتفرق، وَالْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن الصنوان هِيَ النخلات أَصْلهَا وَاحِد، وَغير صنْوَان هِيَ النَّخْلَة الْوَاحِدَة بأصلها.
وَقَوله: ﴿يسقى بِمَاء وَاحِد﴾ المَاء جسم رَقِيق مَائِع يشرب، بِهِ حَيَاة كل نَام، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلنَا من المَاء كل شَيْء حَيّ﴾ وَفِي الْآيَة رد على أَصْحَاب الطبيعة، فَإِن المَاء وَاحِد، والهواء وَاحِد، وَالتُّرَاب وَاحِد، والحرارة وَاحِدَة، وَالثِّمَار مُخْتَلفَة فِي اللَّوْن والطعم، وَقلة الرّيع وَكَثْرَة الرّيع، والطبيعة وَاحِدَة يَسْتَحِيل أَن توجب شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين؛ فَدلَّ هَذَا أَن الْجَمِيع من الله تَعَالَى.
فِي جَامع أبي عِيسَى التِّرْمِذِيّ بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي فِي قَوْله: ﴿ونفضل
стр. 2698
﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا برَبهمْ وَأُولَئِكَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٥) ﴾ بَعْضهَا على بعض فِي الْأكل) قَالَ: " هَذَا حُلْو وَهَذَا حامض، وَهَذَا دقل وَهَذَا فَارسي ".
وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ يَعْنِي: الدلالات ﴿لقوم يعْقلُونَ﴾ يفهمون. وأنشدوا فِي الصنوان:
(الْعلم والحلم خلتا كرم ... للمرء زين إِذا هما اجْتمعَا)
(صنْوَان لَا يستتم حسنهما ... إِلَّا بِجمع ذَا وَذَاكَ مَعًا)
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عَم الرجل صنو أَبِيه ". مَعْنَاهُ: أَنه وَأَبوهُ من أصل وَاحِد.
стр. 2699
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم﴾ الْعجب: تغير النَّفس بِرُؤْيَة المستبعد فِي الْعَادَات، وَالْخطاب للرسول وَمَعْنَاهُ: أَنَّك تعجب؛ فَعجب من إنكارهم النشأة الْآخِرَة مَعَ إقرارهم ابْتِدَاء الْخلق من الله، وَقد تقرر فِي الْقُلُوب أَن الْإِعَادَة أَهْون من الِابْتِدَاء؛ فَهَذَا مَوضِع التَّعَجُّب. وَفِي الْأَمْثَال: لَا خير فِيمَن لَا يتعجب من الْعجب، وأرذل مِنْهُ من يتعجب من غير عجب.
وَقَوله: ﴿أئذا كُنَّا تُرَابا أئنا لفي خلق جَدِيد﴾ هَذَا هُوَ الْمَعْنى فِي إنكارهم الْبَعْث.
وَقَوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا برَبهمْ﴾ جَحَدُوا برَبهمْ.
وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ الأغلال فِي أَعْنَاقهم﴾ الغل طوق تجمع بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق وَهَذِه الأغلال من نَار. وَقَوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.
стр. 2700
قَوْله تَعَالَى: ﴿ويستعجلونك بِالسَّيِّئَةِ قبل الْحَسَنَة﴾ الاستعجال طلب تَعْجِيل الْأَمر قبل مَجِيء (وقته) ، وَقد كَانَ الله تَعَالَى أخر عُقُوبَة الاصطلام عَن الْمُشْركين
следующие страницы →